← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ يعني: الآخرة ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾؛ أي: جَهَلةٌ، واحدُهم: عَمٍ، وهو الأعمى القلبِ. قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ (٧٢)﴾؛ أي: دَنا وقَرُبَ لكم، وقيل: تَبِعَكُمْ وجاء بعدكم، وقيل: حَضَرَكُم، ويقال (١): رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأَرْدَفْتُهُ: إِذا رَكِبْتَ خَلْفَهُ، والمعنى: رَدِفَكُمْ، فأَدخل اللام فيه كما أُدخل فِي قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٢) و ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣)، وقال الفراء (٤): اللام صلة زائدة كما تقول: نَفَذْتُهُ مِائةً، ونَفَذْتُ لَهُ مِائةً. قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾؛ أي: مكتومِ سِرٍّ وخفيِّ أمرٍ ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ إلّا وهو بَيِّنٌ فِي اللوح المحفوظ، وإنما أدخل الهاء فِي ﴿غَائِبَةٍ﴾ على الإشارة إلى الجمع فِي السماء والأرض (٥). قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: فثِقْ يا محمدُ باللَّه، وذلك حين دُعِيَ

стр. 457

إلى ملة آبائه، فأَمَرَهُ أن يثق باللَّه، ولا يَهُولَهُ قولُ أهل مكة، وقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ يعني: على الدِّينِ البَيِّنِ، وهو الإسلام. ثم ضرب لكفار مكة مَثَلًا، فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، شَبَّهَ كفارَ مكة بالأموات، يقول: كما لا يَسمع الميتُ النداءَ، كذلك لا تَسمع الكفارُ النداءَ، ولا تفقه ما تقول. قوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ يعني أن الأَصَمَّ إذا وَلَّى مدبرًا، ثم ناديتَهُ: لم يسمع النداء، كذلك الكافر لا يسمع الإيمان إذا دُعِيَ إليه، وقرأ ابن كثير: ﴿يَسْمَعُ﴾ بياء مفتوحة، وبفتح الميم ﴿الصُّمُّ﴾ بالرَّفع، ومثله في الروم (١)، ونصب ﴿مُدْبِريِنَ﴾: على الحال من المضمر فِي ﴿وَلَّوْا﴾، ومعنى الآية (٢): أنهم -لفَرْطِ إعراضهم عما يُدْعَوْنَ إليه من التوحيد- كالميِّت الذي لا سبيل إلى إسماعه، وكالصمِّ الذين لا يسمعون. ثم ضرب العَمَى مَثَلًا لهم أيضًا فقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾؛ أي: ما أنت بِمُرْشِدٍ من أعماه اللَّه عن الهدى وأعمى قلبَهُ عن الإيمان، وهذه قراءة العامة، وقرأ حمزة: ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ بالتاء ونصب ﴿الْعُمْيَ﴾ هاهنا وفي الروم (٣) على الفعل، وحجته قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ

стр. 458

تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (١)، والمعنى: إنك لا تهديهم عن ضلالتهم لشدة عنادهم (٢)، ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾؛ أي: ما تُسْمِعُ إسماعَ إفهامٍ ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال مقاتل: إلّا من صَدَّقَ بالقرآن أنه من اللَّه ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ [النمل: ٨١] مخلصون بتوحيد اللَّه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وَجَبَ العذابُ والسُّخط على الكفار ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾. قرأ العامة بالتشديد: من التكليم، وتصديقها قراءة أُبَيٍّ: ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾، وقرأ أبو رجاء العُطاردي: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ من الكَلْمِ (٣) وهو الجرح؛ أي: تَسِمُهُمْ وتَجْرَحُهُمْ، ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أهل مكة ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾؛ أي: لم يؤمنوا بالقرآن والبعث والثواب والعقاب، قرأ ابن أَبي إسحاق وأهل الكوفة ويعقوب: ﴿أَنَّ﴾ بفتح الألف؛ أي: تُكَلِّمُهُم الدابة بأن الناس، وقرأ الباقون بالكسر (٤)؛ أي: تقول لهم: إن الناس؛ لأن الكلام قولٌ. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ يريد: إلى موقف الحساب ﴿قَالَ﴾ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ نَصْب على المصدر (٥) ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ

стр. 459

تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا فيها، ومحل "ماذا": نصب بوقوع "تَعْلَمُونَ" عليه. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ العامل فِي "يومَ": فعل مضمر تقديره: اذكُرْ يا محمد يومَ يُنفخ في الصور، قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ماتوا لشدة الخوف، كقوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، والمعنى: يبلغ منهم الفزعُ إلى أن يموتوا. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: أراد بالاستثناء: الشهداءَ، وهم الأحياء عند ربهم يرزقون، وقيل: أراد جبريلَ وميكائيل وإسرافيل وعَزْرائيل، ﴿وَكُلٌّ آتُوهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ يعني: صاغرين، وأصل "آتوهُ": آتِيُوهُ، وهو فعل مستقبَل (٢) على قراءة العامة، وقرأ الأعمش وحمزة وحفص: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ (٣) من غير مَدٍّ، جعلوه فعلًا ماضيًا. ونصب ﴿دَاخِرِينَ﴾ على الحال. قوله : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾؛ أي: واقفةً مكانَها ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: تسير سَيْرَ السحاب حتَّى تقع على الأرض فتُسَوَّى بها، قال القُتيبي (٤): وذلك أن الجبال تُجْمَعُ وتَسِيرُ، وهي في رُؤْيةِ العين كالواقفة وهي

стр. 460

تسير، وكذلك كل شيء عظيم، وكل جَمْعٍ يَقْصُرُ عنه البصرُ لكثرته وعِظَمِهِ وبُعْدِ ما بين أطرافه فهو -في خيال الناظر- كالواقف [وهو] يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر فِي وصف جيش: ٨٥ - بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أَنَّهُمْ... وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلجُ (١) وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾؛ أي: فعل اللَّه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: أَحْكَمَ، وقيل: أَحْسَنَ، وقيل: أَبْرَمَ ما خَلَقَ وأحكمه، ومعنى الإتقان فِي اللغة: الإحكام للأشياء. و ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾: نَصْب على المصدر، وقيل: على الأمر؛ أي: أَبْصِرُوا صُنْعَ اللَّهِ (٢)، وقرأ أُبَيٌّ: ﴿صُنْعُ اللَّه﴾ (٣) بضم العين؛ أي: ذلك صنع اللَّه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ من الطاعة والمعصية، قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو وهشامٌ بالياء (٤)،

стр. 461

واختاره أبو عُبيد (١)؛ لقوله: ﴿أَتَوْهُ﴾، إنما أخبر عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على خطاب الكافة. قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ يعني: بكلمة الإخلاص شهادة أنْ لا إله إلّا اللَّه، والمعنى: مَنْ وافَى يوم القيامة بالإيمان ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾، قال ابن عباس: فمنها يصل الخير إليه، والمعنى: له من تلك الحسنة خيرٌ يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، و ﴿خَيْرٌ﴾ هاهنا: اسم من غير تفضيل (٢) ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾، قرأ الكوفيون: ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ بالتنوين، وهي قراءة ابن مسعود، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: منصوب على الظرف، وقرأ الباقون على الإضافة (٣)، واختاره أبو عبيد، قال (٤): لأنَّهُ أعمُّ التأويليَنْ.

стр. 462

ومحل ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: خَفْضٌ، كأسماء الأوقات إذا أُضِيفَتْ إلى غير متمكِّن، وهو مبني على الفتح، وقد أُضِيفَ هاهنا إلى "إِذْ"، وهو غير متمكن، قال أبو علي الفارسي (١): إذا نُوِّنَ يجوز أن يُعْنَى به: فَزَعٌ واحدٌ، ويجوز أن يُعْنَى به الكثرةُ لأنَّهُ مصدر، والمصادر تدل على الكثرة وإن كانت مفردةَ الألفاظِ، كقوله تعالَى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٢)، وكذلك إذا أضيف يَجُوزُ أن يُعْنَى به مفردٌ، وَيَجُوزُ أن يُعْنَى به كثرةٌ، وعلى هذا فالقراءتان سَواءٌ، لا فَضْلَ بينهما، فإن أُرِيدَ به الكثرةُ فهو شاملٌ لكل فَزَع، وإن أُرِيدَ به واحدٌ فتفسيره ما ذكرناه فِي سورة الأنبياء عند قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ (٣). قال الكلبي (٤): إذا أَطْبَقَتِ النارُ على أهلها فَزِعُوا فزعةً لم يفزعوا مثلها، وأهلُ الجنة آمنون من ذلك الفزع، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عَمْرو بكسر الميم، وقرأ الباقون بالفتح، وهي قراءة ابن مسعود، وقد تقدم نظيره فِي سورة هود (٥). قوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: الشِّرك باللَّه ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ تقول: كَبَبْتُ الرَّجُلَ: إذا أَلْقَيْتَهُ على وجهه، فانْكَبَّ وأُكِبَّ، وتقول لهم خَزَنة جهنم: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ في الدنيا من الشرك.

стр. 463

فصل عن صفوانَ بن عَسّالٍ المُرادي (١)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ القيامة جاء الإيمان والشِّرك يَجْثُوانِ بين يدي الرب ﵎، فيقول اللَّه تعالى للإيمان: انطلقْ أنت وأهلُكَ إلى الجنة، ويقول للشرك: انطلقْ أنت وأهلُكَ إلى النار"، قال: ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾، يعني قول: لا إله إلا اللَّه، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: الشرك، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (٢). قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ يعني: مكة، جعلها حَرَمًا آمنًا من القتل فيها والسَّبي والظلم، فلا يُصادُ صيدها ولا يُخْتَلَى خَلَاها (٣)، ومحل ﴿الَّذِي﴾: نَصْب، صفة ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾، وقرأ ابن عباس: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّتِي﴾ (٤) فيكون على هذه القراءة: خفضًا على نعت البلدة. قوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لأنَّهُ خالقه ومالكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ المخلصين للَّه بالتوحيد.

стр. 464

قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يعني: على نِعَمِهِ التي أَنْعَمَ بها عليك يا محمد ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ قال مقاتل: يعني: العذابَ فِي الدنيا والقتلَ بِبَدْرٍ ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ حين تشاهدونها، ثم أراهم ذلك وضربت الملائكة وجوهَهم وأدبارهم، وعَجَّلَ اللَّه بأرواحهم إلى النار ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ وَعيدٌ لهم بالجزاء على أعمالهم، قرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء: على خطاب الحاضرين، وقرأ الباقون بالياء (١) على خطاب الغائبين، واللَّه أعلم. * * *

стр. 465

سورةُ القَصَص مكية إلّا قولَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (١)، فإنها نزلت على النَّبِيّ ﷺ بالجُحْفةِ (٢)، وليست بمكِّية ولا مدَنية. وهي خمسة آلاف وثمانِمائة حرف، وألفٌ وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمةً، وثمانٍ وثمانون آية. باب ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ ﴿طسم﴾ القصص لم يَبْقَ مَلَكٌ في السماوات والأرض إلّا شهد له يومَ القيامة أنه كان مصدِّقًا أن كل شيء هالكٌ إلّا وجهَه، له الحكم وإليه ترجعون، ويُعْطَى بكل حرف عشْرَ حسنات" (٣). ورُوِيَ عنه ﵇ أنه قال: "من قرأ سورة موسى ﵇ أَلَحَّتِ الملائكةُ حتَّى يفرُغ منها، يقولون: رضي اللَّه عنك فازْدَدْ" (٤).

стр. 466

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿طسم (١)﴾ قد تقدَّم تفسيره فِي سورة الشعراء والنمل، فأغنى عن الإعادة هاهنا إذ المعنى واحد، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ تقدم أيضًا تفسيره، قال قتادة: مُبِينٌ -واللَّهِ- بَرَكَتَه وهُداهُ ورُشْدَه. فهذا من: بانَ، بمعنى ظَهَرَ، وقال الزجاج (١): مُبِينٌ الحقَّ من الباطل والحلالَ من الحرام، وهذا من: أَبانَ، بمعنى أَظْهَرَ. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ. . . (٧)﴾ الآية، قال الأصمعي: مَرَرْتُ بامرأة تَنْزِعُ من بئر وهي ترتجز بهذه الأبيات: ٨٦ - أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَنبي كُلِّهْ قتلْتُ إِنْسانًا بِغَيْرِ حِلِّهْ مِثْلَ غَزالٍ كانِسٍ فِي ظِلِّهْ لِحُسْنِ عَيْنَيْهِ وحُسْنِ دَلِّهْ وانْتَصَفَ اللَّيْلُ ولمْ أُصَلِّهْ والْخَمْرُ مِفْتاحٌ لِهذا كُلِّهْ (٢)

стр. 467

فقلتُ: قاتَلَكِ اللَّهُ، ما أفصحَك! ما أفصحَك! جَمَعْتِ المعانيَ في هذه الكلمات، فقالت: يا عَمِّي، وهل تَرَكَ القرآنُ لذي لهجةٍ فصاحةً؟ قال: فقلتُ: أتعرفين القرآن؟ قالت: نعم، أعرفه وأعرف منه آيةً جَمَعَتْ بين أمرَيْنِ ونهيَيْنِ وبِشارتَيْن وخبرَيْن، وهو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، قاله صاحب "نظام الغريب" (١). قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فأخذه، والعرب تقول لما وَرَدْتَ عليه فجأةً من غير طلب ولا إرادة: أَصَبْتُهُ الْتِقاطًا، ولَقِيتُ فُلانًا الْتِقاطًا (٢)، ومنه قول الراجز: ٨٧ - ومَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ الْتِقاطا إذْ لمْ أَكُنْ وَرَدْتُهُ فُرّاطا (٣)

стр. 468

ومنه: اللُّقَطةُ، وهو ما وَجَده ضالًّا فأخذه. وقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا (٨)﴾ هذه اللام تسمى لامَ العاقبة ولام الصَّيرورة (١)؛ لأنهم إنما أخذوا موسى ﵇ ليكون لهم قُرّةَ عَيْنٍ، فكان عاقبةَ ذلك أنه كان عدوًّا لهم وحزنًا، قال الشاعر: ٨٨ - ولِلموتِ تَغْذُو الوالِداتُ سِخالَها... كما لِخَرابِ الدَّهْرِ تُبْنَى المساكِنُ (٢) والمعنى: فكان لهم عدوًّا، فاللام في موضع الفاء، ومثله قوله تعالى:

стр. 469

﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ (١)؛ أي: فَضَلُّوا عن سبيلك (٢)، قال الشاعر: ٨٩ - هُمُ سَمَّنُوا كَلْبًا لِيَأْكُلَ بعضَهُمْ... ولو عَلِمُوا ما سَمَّنُوا ذلكَ الكَلْبا (٣) والمعنى: فأكل، هكذا قاله الخليل ﵀ (٤). وقوله: ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ قرأ أهل الكوفة إلّا عاصمًا: ﴿حُزْنًا﴾ بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي (٥)، وهو الاختيار: للتفخيم، مثلَ: العَدَمِ والعُدْمِ، والسَّقَمِ والسُّقْم (٦).

стр. 470

قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ آسِيةُ بنت مُزاحم عمّةُ موسى ﵉: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾؛ أي: هو قرة عين ﴿لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ (٩)﴾، فإنّ اللَّهَ أتانا به من أرضٍ أخرى، وليس هو من بني إسرائيل، وإنما لم تَقُلْ: "لا تَقْتُلْهُ" وهي تخاطب فرعون وحدَه؛ لأن هذا خطابُ الجبابرةِ، وكما يخبرون عن أنفسهم (١). وقرة العين مشتقة من: القَرُورِ، وهو الماء البارد، ومنه قولهم: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ؛ أي: أَبْرَدَ اللَّهُ دَمْعَتَكَ؛ لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة (٢)، ولهذا يقال للمَدْعُوِّ له: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، مأخوذٌ من القُرِّ وهو البرد، وقيل للمدعوِّ عليه: أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ، مأخوذ من السُّخْنةِ وهي الحرارة (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾؛ أي: ساهيًا لاهيًا خاليًا من كل شيء إلّا من ذكر موسى وهَمِّهِ، فهي مقبلةٌ ومدبرة وباكية، تأتي النيلَ مَرّةً، وترجع إلى منزلها مَرّةً، هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: معناه: فارغًا من الوحي الذي أوحى اللَّه تعالى إليها حين أمرها أن تلقيَه في البحر، وقرأ ابن مُحَيصِن (٤) وفَضالة بن عبيد (٥): ﴿فَزِعًا﴾ (٦) بالزاي والعين من غير ألف، مأخوذٌ من الفزع.

стр. 471

وقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ قيل (١): الهاء راجعة إلى موسى ﵇، ومعنى الكلام: إن كادت لتبدي به أنه ابنُها من شدة الوجد عليه، وقيل (٢): الهاء عائدة على الوحي؛ أي: إن كادت لتبدي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نرده عليها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فَقوَّيْنا قلبَها (٣)، فعصمناها وثبتناها، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾؛ أي: المصدِّقين الموقنين بوعد اللَّه تعالى. قوله: ﴿وَقَالَتْ﴾ يعني: أمه ﴿لِأُخْتِهِ﴾ مريم ﴿قُصِّيهِ﴾؛ أي: اتْبَعِي أَثَرَهُ حتَّى تعلمي خبره، ومنه القَصَصُ؛ لأنَّهُ حديث يَتْبَعُ فيه الثانِي الأولَ، يقال: قَصَصْتُ الشيءَ: إذا تَتَبَّعْتَ أَثَرَهُ متعرفًا حاله قَصًّا وقَصَصًا، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؛ أي: أبصرته ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؛ أي: عن بُعْدٍ، قال ابن عباس (٤): الجُنُبُ: أن يسمو بَصَرُ الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جَنْبِهِ لا يشعر به، قال قتادة: جعلتْ تنظر إليه كأنها لا تريده ولا توهم أنها تراه، وكان يقرأ: ﴿عَنْ جَنْبٍ﴾ بفتح الجيم

стр. 472

وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم (١): ﴿عَنْ جانِبٍ﴾ (٢)؛ أي: عن ناحية، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ أنها أخته. قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ وهي جمع مُرْضِعةٍ ﴿مِنْ قَبْلُ (١٢)﴾ أي: من قَبْلِ مجيءِ أُمِّهِ، وذلك أنه كان يُؤْتَى بِمُرْضِعٍ بعد مُرْضِعٍ، فلا يَقْبَلُ ثَدْيَ امْرَأةٍ، فهَمَّهُمْ ذلك حتَّى دَلَّتْهُمْ أختُهُ مريمُ على أمه، فلما جاءت إليه أمه وجد ريحها، فقَبِلَ ثَدْيَها. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الكلبي (٣): الأَشُدُّ: ثمانيَ عشْرةَ سنة، وقال سائر المفسرين (٤): الأشُدّ: ثلاث وثلاثون سنة، وقوله: ﴿وَاسْتَوَى﴾ يعني: بلغ أربعين سنة ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ يعني: الفقه والعقل والعلم في دينه ودين آبائه، فحَكَم موسى وعَلِم قبل أن يُبعَث نبيًّا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾ يعني: الصابرين على الثواب، تفسيرها في سورة يوسف. قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قيل: هو نصف

стр. 473

النهار عند القائلة، وقد خلت الطرق ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القِبْطِ، أراد تسخير الإسرائيلي ليحمل له حطبًا إلى مطبخ فرعون، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ أي: فاستنصر الإسرائيليُّ موسى على القبطي ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾؛ أي: دفعه ولم يتعمَّدْ قَتْلَهُ ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ (١٥)﴾؛ أي: قتله وفرغ من أمره. وكل شيء فرغتَ منه فقد قضيتَه وقضيت عليه (١)، والوَكْزُ: الدفع، قيل (٢): بِجُمْعِ الكَفِّ، وقيل: بأطراف الأصابع، قاله الفراء (٣) وأبو عُبيد (٤)، وفي مصحف عبد اللَّه: "فنَكَزَهُ" بالنون (٥)، والوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّكْزُ واللَّهْزُ بمعنًى واحد، ومعناها: الدفع (٦). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر الأخبار، والترقُّب: انتظار المكروه، والمعنى: أنه ينتظر متى يُؤْخَذُ فيُقْتَلُ بِالقِبْطِيِّ، ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾؛ أي: يستغيثه، وأصله: من الصُّراخِ، كما يقال: يا لَبَني فلان، يا صَباحاهُ! ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾؛ أي: لَمُضِلٌّ بَيِّنٌ، قتلتُ أمسِ بسببك رجلًا، وتدعونِي اليوم إلى آخَرَ، وعلى هذا الغَوِيُّ: فَعِيلٌ

стр. 474

بمعنى: المُغْوِي، كالوجيع والأليم، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي (١)؛ أي: إنك غاوٍ فِي قتالك من لا تطيق دفعَ شرِّه عنك. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: من آخرِها وأبعَدِها ﴿يَسْعَى﴾ يُسرع في مشيه، قيل: هو حِزْقِيلُ بن صُورِيّا مؤمن آل فرعون، وكان ابنَ عَمِّ فرعونَ، أقبل يمشي على رجليه لينذر موسى ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ يعني: يأمر بعضُهم بعضًا، نظيره قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، وقال النَّمِر بن تَوْلَب (٣): ٩٥ - أَرَى النّاسَ قد أحدَثُوا شِيمةً... وفي كُلِّ حادِثةٍ يُؤْتَمَرْ (٤) وقوله: ﴿فَاخْرُجْ﴾ يعني: من هذه القرية ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا﴾ يعني: من مدينة فرعونَ ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (٢١)﴾؛ أي: ينتظر الطلبَ أن يأخذوه فيقتلوه بالقِبطي الذي قتله موسى ﵇، وقد تقدم نظيره، ونصب ﴿خَائِفًا﴾ هاهنا على الحال، والذي قبله على خبر ﴿أَصْبَحَ﴾ والضمير اسمها.

стр. 475

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾؛ أي: نَحْوَها وقَصْدَها ماضيًا إليها هاربًا من فرعون، يقال (١): دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فلان: إذا كان مُحاذِيَها، وهو منصوب على الظرف، وقيل: على المصدر، وقيل: مفعول، وأصله من اللقاء، ولم تصرف "مَدْيَن" لأنها اسم بلدة معروفة نُسِبَتْ إِلَى مَدْيَنَ بنِ إبراهيمَ ﵇، قال الشاعر: ٩١ - رُهْبانُ مَدْيَنَ لو رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا... والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ الجِبالِ الفادِرِ (٢) ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾؛ أي: يرشدني قَصْدَ الطريق إلى مَدْين، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ يعني: موسى ﵇ ﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وهو بئرٌ كانت لهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جماعةً ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيَهم ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ وهما: ابنتا شُعيب ﴿تَذُودَانِ﴾؛ أي: تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتَّى يَفْرُغَ الناسُ، وتَخْلُوَ لهُم البئر، ومعنى الذَّوْدِ في اللغة: الطَّرْدُ والكَفُّ والدَّفْعُ، ومعنى ﴿تَذُودَانِ﴾ تدفعان

стр. 476

وتكفان، ﴿قَالَ﴾ لهُما مُوسَى ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ ابتداءٌ وخَبَرٌ (١)؛ أي: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ مواشِيَكُما مَعَ الناس؟! ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾؛ أي: حتَّى يُصْدِرُوا مَواشِيَهُم من وِرْدِهم. قرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ والحسن وابن عامر وأبو عَمْرو وأبو جعفرٍ وأيوب بن المتوكل (٢): ﴿يَصْدُرَ﴾ (٣) بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرِّعاءِ؛ أي: حتَّى يرجِعوا هم عن الماء، وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الدال؛ أي: حتَّى يصرفوا مواشيَهم عن الماء (٤)، والرِّعاء: جمع راعٍ، مثل: تاجر وتِجار، ومعنى الآية: نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾ لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر. ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ يعني: ظلِّ شجرة مثمرة، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: طعام ﴿فَقِيرٌ﴾؛ أي: محتاج، وكان ﵇ لم يَذُق الطعام منذ سبعة أيام، قال قطرب (٥): واللام في قوله: ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾ بمعنى "إلى"، تقول العرب: احتجتُ له، واحتجتُ إليه، بمعنى واحد.

стр. 477

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: الشرط ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، وَتَمَّ الكلام، ثم قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ يعني: من الثمانِي حِجَجٍ أو العَشْرِ، ونَصَب أَيًّا بـ ﴿قَضَيْتُ﴾، و"ما": زائدة للتوكيد، وخفض الأجلين بإضافة "أَيٍّ" إليهما، قال الفراء (١): "ما": صلة، وهي في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: "أَيَّ الأَجَلَيْنِ ما قَضَيْتُ" (٢) أي: أتممت وفرغت منه، ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾؛ أي: لا ظلم عليَّ بأن تطالبَني بأكثر منه ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ شهيد وحفيظ فيما بيني وبينك. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ يعني: السنينَ العشْر ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ﴾؛ أي: أَبْصَرَ ورَأَى، ويقال: أَحَسَّ ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ يعني: النور بالأرض المقدسة ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾، قرأ حمزة بضم الهاء (٣)، وكسرها الباقون، ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾؛ أي: رأيت ﴿نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ يعني: أثر الطريق، وكان قد تَحَيَّرَ ليلًا، فإن لم أجد أحدًا يخبرنِي عن الطريق أتيتكم بجذوةٍ، يعني: قطعة وشعلة ﴿مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾؛ أي: لكي تستدفئوا من البرد. وفي قوله: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ ثلاث لغات: فتح الجيم -وهي قراءة عاصم- وضَمُّها -وهي قراءة حمزة (٤) - وكَسْرُها، وهي قراءة الباقين. والجذوة:

стр. 478

قطعة ذاتُ لهب (١)، والجَذْوُ: القَطْعُ، وقيل (٢): الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعه: جِذًا، قال ابن مُقبِل (٣): ٩٢ - باتَتْ حَواطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لها... جَزْلَ الجِذا غيرَ خَوّارٍ ولا دَعِرِ (٤) الخَوّارُ: الذي يَتَقَصَّفُ، والدَّعِرُ: الذي فيه ثقب (٥). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ وكانت من ورقِ آسِ الجنةِ، هبط بها آدم معه من الجنة، وكانت عند إبراهيم حتَّى وصلت إلى شعيب ﵉، وكان طُولُها عَشَرةَ أَذْرُع، وكان لا يأخذها غيرُ نَبِيٍّ إلّا أَكَلَتْهُ (٦). قال ابن عباس:

стр. 479

وكان في رأسها مكتوبٌ بالعربية وبالسُّريانية: هَيُوها هَيا شَراهَيا، وفَسْرُها: أنا الأول وأنا الآخَر وأنا الحي الذي لا أموت أبدًا (١). قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وهي الحية، من سرعة حركتها ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ منها ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يعني: ولم يَرْجِعْ، ونصب ﴿مُدْبِرًا﴾ على الحال، فنودي: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ يعني: أَدْخِلْ يَدَكَ اليمنى في جيبك ﴿تَخْرُجْ﴾ جواب الأمر ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: بَرَصٍ، بل نور يتلألأ كشعاع (٢) الشمس، ومحل ﴿بَيْضَاءَ﴾: نصب على الحال، وقد تقدم نظيرها فِي سورة النمل (٣). قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾؛ أي: يدك ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾، قرأ حفص بفتح الراء وجزم الهاء، وقرأ أهل الكوفة -إلّا حفصًا- وأهلُ الشام: بضم الراء وجزم الهاء، وقرأ الباقون بفتح الراء والهاء (٤)، ودليلها قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا

стр. 480

رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (١)، وكلها لغات بمعنى: الخوف والفَرَقِ (٢)، ومعنى الآية: إنْ هالَكَ يا موسى أَمْرُ يَدِكَ وما ترى من شعاعها، فأدخلها فِي جيبك تَعُدْ إلى حالتها الأولى. وقوله: ﴿فَذَانِكَ﴾ يعني: العصا واليدَ البيضاء ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ أي: حُجَّتانِ ﴿مِنْ رَبِّكَ (٣٢)﴾ على صدقك، قرأه العامة: ﴿فَذَانِكَ﴾ بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورُوَيْسٌ (٣) بتشديد النون (٤)، وهي لغة قريش (٥)، وفي وجهه أربعة أقوال، قيل (٦): شَدَّدُوا النونَ عوضًا من الألف الساقطة، ولم يُلْتَفَتْ إلى التقاء الساكنَيْن، وقيل (٧): التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في

стр. 481

"ذلك"، وقيل (١): شددت فَرْقًا بينها وبين النون التي تسقط للإضافة، لأن "ذانِ" لا يضاف، وقيل (٢): للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد (٣): وكان أبو عمرو يَخُصُّ هذا الحرفَ بالتشديد دون كل تثنية في القرآن، فأحسبه فَعَلَ ذلك لِقِلّةِ الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل، وقال الزجاج (٤): التشديد تثنية "ذلك"، والتخفيف تثنية "ذاك"، جُعِلَ بَدَلَ اللامِ في "ذَلِكَ" تشديدُ النون في "ذانِّكَ". قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ﴾ ابتداءٌ وخبر ﴿مِنِّي لِسَانًا﴾؛ أي: أحسن مني بيانًا، وهو نصب على التفسير، وإنما قال ذلك للعُقْدةِ التي في لسانه من قِبَلِ الجَمْرةِ التي تناولها ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا (٣٤)﴾؛ أي: مُعِينًا، يقال: أَرْدَأْتُهُ؛ أي: أَعَنْتُهُ (٥)، ترك هَمْزَهُ أهلُ المدينة وعيسى بن عمر طلبًا للخفة (٦)، وهَمَزَهُ الباقون، وهو

стр. 482

منصوبٌ على الحال، وقوله: "يُصَدِّقُنِي" قرأه العامة بالجزم، وقرأه عاصمٌ وحمزة بالرفع (١)، وهو اختيار أبِي عبيد، فمن جزمه فهو على: جواب الأمر للدعاء، ومن رفعه فعلى: الحال؛ أي: رِدْءًا مصدقًا خالصَ التصديق (٢)، كقوله تعالى: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا﴾ (٣)؛ أي: كائنة، حالٌ صُرِفَ إلى الاستقبال. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ جمع بَيِّنةٍ، والتاء في موضع نَصْب على الحال ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾؛ أي: الذي جئتنا به ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ افتريتَهُ من قِبَلِ نفسك ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي تدعونا إليه ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ﴾ يعني: قومَ فرعون ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ يعني: الغرق ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ يعني: المُبْعَدِينَ الملعونين، مأخوذ من القبح وهو الإبعاد، قال أبو زيد (٤): يقال: قَبَحَ اللَّهُ فُلانًا قَبْحًا

стр. 483

وقُبُوحًا؛ أي: أَبْعَدَهُ من كل خير (١)، وقال ابن عباس (٢): يعني: المشوَّهين الخِلقةَ بسواد وجوههم وزُرْقةِ أعينهم في النار، وعلى هذا التأويل يكون ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ بمعنى: المُقَبَّحِينَ، قال أهل اللغة (٣): يقال: قَبَحَهُ اللَّهُ يَقْبَحُهُ: إذا جعله قَبِيحًا. وانتصب "يومَ" على أنه مفعولٌ به على السَّعة، كأنه قال: "وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذه الدنيا لعنة وَلَعْنةَ يَوْمِ القِيامةِ"، ثم حذف اللعنة الثانية لدلالة الأولى عليها، وقام "يوم" مقامها فانتصب بانتصابها، ويجوز أن ينصب اليوم على أن تعطفه على موضع ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾، كما قال الشاعر: ٩٣ - إذا ما تلاقَيْنا منَ اليوْمِ أو غدا (٤) ويجوز نصبه على أنه: ظرف للمقبوحين؛ أي: وهم من المقبوحين يوم القيامة، ثم قُدِّمَ الظرفُ (٥).

стр. 484

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يعني: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى، ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ جمع: بصيرة، أي: لِيَتبَصَّرُوا بذلك الكتاب ويهتدوا به، وهو قوله: ﴿وَهُدًى﴾؛ أي: من الضلالة لِمَنْ عَمِلَ به ﴿وَرَحْمَةً﴾ لِمَنْ آمَنَ به من العذاب ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾؛ أي: لكي يتذكروا ما فيه من المواعظ والبصائر، فيؤمنوا بتوحيد اللَّه، و ﴿بَصَائِرَ﴾: منصوبٌ على الحال، و ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: عطفٌ عليه، ويجوز الرفع بمعنى: وهو هُدًى (١)، يعني: الكتاب، ورحمةٌ لمن آمن به من العذاب. فصل عن أبي سعيد الخُدري، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أَهْلَكَ اللَّه قومًا ولا أمةً ولا قرنًا ولا أهلَ قريةٍ بعذاب من السماء منذ أنزل اللَّه سبحانه التوراة، غيرَ أهل القرية الذين مُسِخُوا قِرَدةً، أَلم تَرَ أن اللَّه يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى. . .﴾ الآية" (٢).

стр. 485

قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ يعني: موسى ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، قرأه العامة بالنصب: على المصدر (١)، تقديره: ولكن رَحِمْناكَ رحمةً من ربك، وقال الزجاج (٢): هو مفعول من أجله؛ أي: للرحمة، وقال الكسائي (٣): هو منصوب على خبر "كان"، وقرأ عيسى بن عمر: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً﴾ (٤) بالرَّفع، يعنِي: ولكن هي رَحْمةٌ من ربك؛ إذْ أَطْلَعَكَ عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أهل مكة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾؛ أي: لكي يتعظوا. فصل عن سهل بن سعد الساعدي (٥)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قول اللَّه : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: "كتب اللَّه كتابًا قبل أن يخلُق الخلق بألفَيْ عام في ورقة آسٍ، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمة

стр. 486

محمد: إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألونِي، وغفرت لكم قبل أن تستغفرونِي، ورَحِمتُكُم قبل أن تسترحموني، مَن لَقِيَني منكم يشهد أن لا إله إلّا اللَّه، وأن محمدًا عبدي ورسولِي أَدْخَلْتُهُ الجنةَ" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ونقمة في الدنيا ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعصية، يعني كفار مكة، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا﴾؛ أي: يا ربنا، نداءٌ مضاف ﴿لَوْلَا﴾؛ أي: هَلّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نصب على جواب الاستفهام بالفاء، وجواب "لولا" الأَوَّلِ محذوفٌ؛ أي: لَعاجَلْناهُمْ بالعقوبةِ، وقيل: معناه لَما أرسلنا إليهم رسولًا، ولكنّا بعثنا إليهم لئلّا يكون على اللَّه حجةٌ بعد الرسل. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ محمد ﷺ والقرآن ﴿قَالُوا لَوْلَا﴾؛ أي: هَلّا ﴿أُوتِيَ﴾ محمدٌ من الآيات ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من العصا واليد البيضاء، فاحتجَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، وقوله: ﴿قَالُوا﴾ يعني: كفّارَ مكة ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾؛ أي: تعاونا على السحر والضلالة، يعنون موسى ومحمدًا ﵉، ومن قرأ: ﴿سِحْرَانِ﴾ (٢) أراد: التوراة والقرآن، وهما رفع على خبر ابتداءٍ محذوف، تقديره: هما ساحران ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ﴾ من التوراة والقرآن ﴿كَافِرُونَ﴾.

стр. 487

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾؛ أي: بَيَّنّا، وقيل: فَصَّلنا، وقيل: وصَّلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقيل: والَيْنا وتابَعْنا، وأصلها من: وَصْلِ الحِبالِ بعضِها إلى بعض، قال الشاعر: ٩٤ - فقُلْ لِبَني مَرْوانَ ما بالُ ذِمّةٍ... وحَبْلٍ ضَعِيفٍ ما يَزالُ يُوَصُّلُ؟ (١) قرأ الحسن: ﴿وَصَّلْنَا﴾ خفيفةً (٢)، وقرأه العامة بالتشديد: على التكثير، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾؛ أي: لكي يتعظوا ويخافوا، فيؤمنوا. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: من قبل القرآن، وقيل: من قبل محمد ﵇، ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾؛ أي: يصدقون بمحمد ﷺ ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صَدَّقْنا بالقرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن ﴿مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ مخلصين للَّه بالتوحيد مصدِّقين بمحمد ﷺ أنه نبي حق. ثم أثنى اللَّه عليهم خيرًا، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: ضعفين ﴿بِمَا صَبَرُوا (٥٤)﴾ على دينهم الأول حتى أدركوا النبي ﷺ فأسلموا معه أيضًا، وهو ابتداءٌ وخبر، ونصب ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ على المصدر. قيل (٣): نزلت هذه الآية في قوم من أهل الكتاب آمنوا بمحمد ﵇

стр. 488

قبل أن يُبْعَثَ وأدركه بعضُهم، منهم: عبد اللَّه بن سلام (١) ومَن أَسْلَمَ معه. وقيل (٢): إن النجاشي وَجَّهَ باثنَي عشَر رجلًا من أصحابه مع جعفر بن أَبي طالب من الحبشة إلى النبي ﷺ فجلسوا مع النبي ﷺ ، وكان أبو جهل وأصحابه قريبًا منهم، فأمنوا بالنبي ﷺ ، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه، وقالوا: خَيَّبَكُم اللَّه من رَكْب، وقَبَّحَكُمْ من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا رَكْبًا أَحْمَقَ ولا أجهل منكم، فقالوا: سلام عليكم، لم نَأْلُ أَنْفُسَنا رشدًا. ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني: لنا ديننا ولكم دينكم، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾؛ أي: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، وقيل: معناه لا نبتغي دين الجاهلين. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ شرط وجزاء، قيل (٣): نزلت هذه الآية في الحارث بن نوفل بن عبد مناف القرشي (٤)، وذلك

стр. 489

أنه قال للنبي ﷺ : إنا لَنَعْلَمُ أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك مخافةُ أن تتَخَطَّفَنا العَرَبُ من أرضنا، يعني: مكة، فإنما نحن أَكَلةُ رَأْسٍ (١) بين العرب، ولا طاقة لنا بهم، فقال اللَّه تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ يعني: يُجمَع، من قولك: جَبَيْتُ الماءَ في الحوض: إذا جَمَعْتَهُ، وقيل: يُحمل إلى الحرم ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من ألوان النبات ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: أكثر أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ يقول: يأكلون رزقي ويعبدون غيري وهم آمنون فِي الحرم من القتل والسبي، فكيف يخافون لو أسلموا؟! أنجعل لهم الحرمَ آمنًا في الشرك ونخوِّفهم فِي الإسلام؟! فإنّا لا نفعل بهم ذلك لو أسلموا. قرأ أهل المدينة ويعقوب وسهل: ﴿تُجْبَى﴾ بالتاء: على تأنيث الجماعة، وقيل: لأجل الثمرات (٢)، واختاره أبو حاتم، وقرأ غيرهم: ﴿يُجْبَى﴾ بالياء (٣) على تذكير الجمع، وقيل: لأجل ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾، واختاره أبو عبيد، وثَمَراتٌ: جمع ثَمَرةٍ، وثَمَرٌ جَمْعُهُ؛ ثِمارٌ (٤)، ونصب ﴿رِزْقًا﴾ مهو على المصدر؛ أي: رزقناهم رزقًا من عندنا، وقيل: على المفعول من أجله (٥).

стр. 490

قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أي: عاشوا في البَطَرِ والأَشَرِ، فأكلوا رزق اللَّه، وعبدوا الأصنام، وجُعِلَ الفعلُ للقرية، وهو في الأصل للأهل، وقد مضى نظير هذه المسألة في قوله تعالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١). وسُمِّيت قريةً لجمعها لأهلها؛ لأنها تَقْرِي النّاسَ؛ أي تجمعهم، من قولهم: قَرَى في حوضه الماءَ يَقْرِيهِ: إذا جَمَعَهُ، وقَرَى البَعِيرُ في شِدْقِهِ العَلَفَ: إذا جَمَعَهُ، قَرْيًا (٢). وقال قوم: أصل قَرْيةٍ: قُرْية بالضم. وسُمِّيت المدينة مدينةً لأنها مَنْزِلُ المَلِكِ يكون فيها من يَدِينُ له ويطيعه، يكون هذا من "مَفْعِلةٍ" (٣) من: دانَ يَدِينُ: إذا أطاع، وقيل (٤): سُمِّيت مدينةً من: مَدَنَ بالمكان: إذا أقام به، وهي "فَعِيلةٌ" من ذلك؛ لأنه يُقامُ بها. وقوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ البَطَرُ هاهنا لأهل القرية، والبَطَرُ: سوء حمد النعمة، وهو أن يتكبر ويقهر ويُعْرِضَ عن الشكر.

стр. 491

والمعيشة: نَصْب عند المازنِيِّ (١) والزَّجّاج (٢) على تقدير حذف حرف الجَرِّ، تقديره: بَطِرت في معيشتها، فلما أسقط الجار تعدى الفعل، فنصب، على حَدِّ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (٣)، وغير ذلك. وقال الفرَّاء (٤): هي نصب على التفسير. وهو بعيد؛ لأنها معرفة، والتفسير لا يكون إلّا نكرةً، وقيل (٥): هي نصب بـ ﴿بَطِرَتْ﴾، وبَطِرت بمعنى: جهلت، أي: جهلت شكر معيشتها، ثم حُذف المضاف، وقيل (٦): جهلت معيشتها، فانتصابها على هذا الوجه انتصاب المفعول به. وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس (٧): لم يسكنها إلا المسافر ومارُّ الطريقِ يومًا أو ساعةً.

стр. 492

ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على الاستثناء والنعت لمصدر محذوف، والمعنى: لم تُسْكَنْ من بعدهم إلّا سُكُونًا قليلًا (١)، ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾، نظيره قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)، والمعنى: لم يَخْلُفْهم أحدٌ بعد هلاكهم فِي منازلهم، فبقيت خرابًا غير مسكونة. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ يريد: بكفر أهلها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ يريدُ مكة ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ كافرون، قال ابن الأنباري (٤): إذا اضطُرِرتَ إلى الوقف على ﴿مُهْلِكِي﴾ وقفتَ عليه بالياء، وكان الأصل فيه: مُهْلِكِينَ القرى، فسقطت النون للإضافة، وسقطت الياء من اللفظ لسكونها وسكون اللام، وثَبَتَتْ في الوقف؛ لأنه لم يجتمع معها في الكلمة ساكنٌ يوجب سقوطَها، إنما أتى الساكنُ في حرف آخر، ومثله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْد﴾ (٥)، و ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ (٦)، و ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ (٧)، وما أشبه ذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، محل "ما": رفع بالابتداء، ﴿فَمَتَاعُ

стр. 493

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبر الابتداء، الخطاب لأهل مكة؛ أي: وما أُعْطِيتُمْ من خير ومالٍ فهو متاع الحياة الدنيا ﴿وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون فيها أيامَ حياتِكم فِي الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: من الثواب في الآخرة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؛ أي: أفضل وأَدْوَمُ لأهله مما أُعْطِيتُمْ في الدنيا الفانية، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ أنّ الباقيَ خيرٌ من الفانِي الذاهب، قرأ أبو عمرو: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء (١)، وقرأ الباقون بالتاء. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يعنِي: مِنْ خَلْقِهِ للرسالة، ﴿وَيَخْتَارُ﴾ لَها مَنْ يَشاءُ ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (٦٨)﴾؛ أي: لا يُرسلُ اللَّه الرسُلَ على اختيارهم، والخِيَرةُ: اسم من الاختيار يُقامُ مُقامَ المصدر (٢)، والْخِيَرةُ: اسم للمُخْتارِ أيضًا (٣)، يقال: مُحَمَّدٌ خِيَرةُ اللَّه مِن خَلْقِهِ، ويَجُوزُ التخفيف فيهما (٤). وهذا جوابٌ لقول الوليد بن المغيرة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ

стр. 494

الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١)، أخبر اللَّه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم، وهذا من الجواب المفصول. وللقُرّاءِ في هذه الآية وجهان (٢)، أحدهما: أن يَمُرَّ على قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، ويجعل "ما" بمعنى "الذي"، أي: ويَخْتارُ لهم ما هو أصلح بالخيرة، والثانِي: أن يقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ويجعل "ما" نفيًا؛ أي: ليس لهم الاختيار. قال الثعلبي (٣) ﵀: وهذا القول أصوب وأعجب إِلَيَّ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤)، وأَنْشَدَ لمحمودٍ الورّاق (٥): ٩٥ - تَوَكَّل عَلى الرحمَنِ في كُلِّ حاجةٍ... أَرَدتَ فإِنَّ اللَّه يَقضي ويَقدِرُ مَتى ما يُرِد ذو العَرشِ أَمرًا بِعَبدِهِ... يُصِبهُ وما لِلعَبدِ ما يَتَخَيَّرُ

стр. 495

وَقَد يَهلِكُ الإِنسانُ مِن وَجْهِ أَمْنِهِ... ويَنْجُو بِحَمْدِ اللَّهِ مِن حَيْثُ يَحْذَرُ (١) وأَنْشَدَ أيضًا لأَبِي الفوارس بن حُنَيف الطبري: ٩٦ - العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ والرَّبُّ ذُو قَدَرٍ... والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ والرِّزْقُ مَقْسُومُ والخَيْرُ أَجْمَعُ فِيما اخْتارَ خالِقُنا... وفي اخْتِيارِ سواهُ اللَّوْمُ والشُّومُ (٢) فصل عن جابر بن عبد اللَّه ﵃ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه اختار أصحابِي على جميع العالمين سوى النبيِّين والمرسَلين، واختار لِي من أصحابِي أربعةً: أبا بكر وعُمَر وعثمان وعَلِيًّا، فجعلهم خير أصحابِي، وفي كل أصحابِي خيرٌ، واختار أُمّتي على سائر الأمم، واختار لِي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابِي: القرنَ الأولَ والثانِيَ والثالثَ تَتْرَى، والرابعَ فردًا" (٣).
следующие страницы →