والمعيشة: نَصْب عند المازنِيِّ (١) والزَّجّاج (٢) على تقدير حذف حرف الجَرِّ، تقديره: بَطِرت في معيشتها، فلما أسقط الجار تعدى الفعل، فنصب، على حَدِّ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ (٣)، وغير ذلك.
وقال الفرَّاء (٤): هي نصب على التفسير. وهو بعيد؛ لأنها معرفة، والتفسير لا يكون إلّا نكرةً، وقيل (٥): هي نصب بـ ﴿بَطِرَتْ﴾، وبَطِرت بمعنى: جهلت، أي: جهلت شكر معيشتها، ثم حُذف المضاف، وقيل (٦): جهلت معيشتها، فانتصابها على هذا الوجه انتصاب المفعول به.
وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس (٧): لم يسكنها إلا المسافر ومارُّ الطريقِ يومًا أو ساعةً.
стр. 492
ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على الاستثناء والنعت لمصدر محذوف، والمعنى: لم تُسْكَنْ من بعدهم إلّا سُكُونًا قليلًا (١)، ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾، نظيره قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣)، والمعنى: لم يَخْلُفْهم أحدٌ بعد هلاكهم فِي منازلهم، فبقيت خرابًا غير مسكونة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ يريد: بكفر أهلها ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ يريدُ مكة ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ كافرون، قال ابن الأنباري (٤): إذا اضطُرِرتَ إلى الوقف على ﴿مُهْلِكِي﴾ وقفتَ عليه بالياء، وكان الأصل فيه: مُهْلِكِينَ القرى، فسقطت النون للإضافة، وسقطت الياء من اللفظ لسكونها وسكون اللام، وثَبَتَتْ في الوقف؛ لأنه لم يجتمع معها في الكلمة ساكنٌ يوجب سقوطَها، إنما أتى الساكنُ في حرف آخر، ومثله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْد﴾ (٥)، و ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ (٦)، و ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ (٧)، وما أشبه ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، محل "ما": رفع بالابتداء، ﴿فَمَتَاعُ
стр. 493
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبر الابتداء، الخطاب لأهل مكة؛ أي: وما أُعْطِيتُمْ من خير ومالٍ فهو متاع الحياة الدنيا ﴿وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون فيها أيامَ حياتِكم فِي الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: من الثواب في الآخرة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؛ أي: أفضل وأَدْوَمُ لأهله مما أُعْطِيتُمْ في الدنيا الفانية، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ أنّ الباقيَ خيرٌ من الفانِي الذاهب، قرأ أبو عمرو: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ بالياء (١)، وقرأ الباقون بالتاء.
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يعنِي: مِنْ خَلْقِهِ للرسالة، ﴿وَيَخْتَارُ﴾ لَها مَنْ يَشاءُ ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (٦٨)﴾؛ أي: لا يُرسلُ اللَّه الرسُلَ على اختيارهم، والخِيَرةُ: اسم من الاختيار يُقامُ مُقامَ المصدر (٢)، والْخِيَرةُ: اسم للمُخْتارِ أيضًا (٣)، يقال: مُحَمَّدٌ خِيَرةُ اللَّه مِن خَلْقِهِ، ويَجُوزُ التخفيف فيهما (٤).
وهذا جوابٌ لقول الوليد بن المغيرة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
стр. 494
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١)، أخبر اللَّه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم، وهذا من الجواب المفصول.
وللقُرّاءِ في هذه الآية وجهان (٢)، أحدهما: أن يَمُرَّ على قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، ويجعل "ما" بمعنى "الذي"، أي: ويَخْتارُ لهم ما هو أصلح بالخيرة، والثانِي: أن يقف على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ويجعل "ما" نفيًا؛ أي: ليس لهم الاختيار.
قال الثعلبي (٣) ﵀: وهذا القول أصوب وأعجب إِلَيَّ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤)، وأَنْشَدَ لمحمودٍ الورّاق (٥):
٩٥ - تَوَكَّل عَلى الرحمَنِ في كُلِّ حاجةٍ... أَرَدتَ فإِنَّ اللَّه يَقضي ويَقدِرُ
مَتى ما يُرِد ذو العَرشِ أَمرًا بِعَبدِهِ... يُصِبهُ وما لِلعَبدِ ما يَتَخَيَّرُ
стр. 495
وَقَد يَهلِكُ الإِنسانُ مِن وَجْهِ أَمْنِهِ... ويَنْجُو بِحَمْدِ اللَّهِ مِن حَيْثُ يَحْذَرُ (١)
وأَنْشَدَ أيضًا لأَبِي الفوارس بن حُنَيف الطبري:
٩٦ - العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ والرَّبُّ ذُو قَدَرٍ... والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ والرِّزْقُ مَقْسُومُ
والخَيْرُ أَجْمَعُ فِيما اخْتارَ خالِقُنا... وفي اخْتِيارِ سواهُ اللَّوْمُ والشُّومُ (٢)
فصل
عن جابر بن عبد اللَّه ﵃ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه اختار أصحابِي على جميع العالمين سوى النبيِّين والمرسَلين، واختار لِي من أصحابِي أربعةً: أبا بكر وعُمَر وعثمان وعَلِيًّا، فجعلهم خير أصحابِي، وفي كل أصحابِي خيرٌ، واختار أُمّتي على سائر الأمم، واختار لِي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابِي: القرنَ الأولَ والثانِيَ والثالثَ تَتْرَى، والرابعَ فردًا" (٣).
стр. 496
ورُوِيَ عن وهب بن منبِّه، عن أخيه فِي قوله : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، قال (١): "اختار من الغنم الضَّأن، ومن الطير الحمام".
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه: أَخْبِرُونِي ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائمًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا نهارَ معه ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ أي: بنور تطلُبون فيه المعيشةَ ونهارٍ تبصرون فيه ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ وقبولٍ فتستدلون بذلك على توحيد اللَّه.
ونصب ﴿سَرْمَدًا﴾ على الظرف (٢)، و ﴿غَيْرُ﴾ رفع، نعتٌ لـ ﴿إِلَهٌ﴾، ويحتمل أن يكون رفعًا لأنه في التأويل خبر "ما" النافية، وذلك أن تأويله: ما إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ، فعلى هذا التأويل يجوز أن يكون رفعًا (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنه كان ابنَ عَمِّ موسى لَحًّا (٤)، وهو قول أكثر العلماء (٥)؛ لأنه كان قارونَ بنَ يصهرَ بن
стр. 497
قاهث، وموسى بنَ عِمران بن قاهث (١)، وقيل (٢): كان ابنَ خالتِهِ، وقال ابن إسحاق (٣): كان ابنَ عمِّه لأبيه وأُمه.
وكان أَعْلَمَ بني إسرائيل بعد موسى وهارون ﵉ وأفضلهم وأجملهم، قال قتادة: وكان يُسمَّى المُنَوَّرَ لحُسْنِ صورَتهِ، ولم يكن في بني إسرائيل أَقْرَأُ للتوراة منه، ولكنْ نافَقَ عَدُوُّ اللَّه كما نافق السامريُّ، وقيل: كان عاملًا لِفِرْعَوْنَ على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقيل: زاد عليهم في الثياب شبرًا، وقيل: بغى عليهم باللهو والبدع لكثرة ماله، وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾؛ أي: لتَثْقُلُ وتَمِيلُ بهم إذا حَمَلُوها لِثِقَلِها، وكانوا سبعين رجلًا فِي بعض الأقاويل.
وعن خَيْثمةَ (٤) قال: وجدت في الإنجيل أنّ مفاتح خزائنِ قارون وِقْرُ (٥) ستينَ بَغْلًا غُرًّا مُحَجَّلةً، وكانت من جلود الإبل، كل مفتاح مثل الإصبع، لكل مفتاح كَنْز، أينما ذهب حُمِلَتْ معه مفاتيحُ خزائنه (٦). وفيه اختلاف بين العلماء يطول شرحه هاهنا.
стр. 498
فإن قيل: ما وجه قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، وإنما العُصْبةُ التي تنوءُ بِها؟ قيل: فيه قولان، أحدهما: تَمِيلُ بهم ويُثْقِلُهُم حَمْلُها (١)، والآخَر، وهو قول أهل البصرة: أن العرب تفعل هذا، يقولون للمرأة: إنها لَتَنُوءُ عَجِيزَتُها، وإنما هو: تَنُوءُ بِعَجِيزَتها كما ينوء البعيرُ بحمله (٢)، قال الشاعر:
٩٧ - فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي ومالي... وما آلُوكَ إلّا ما أُطِيقُ (٣)
والمعنى: فديت بنفسي ومالي نَفْسَهُ، وقال آخر:
стр. 499
٩٨ - ونَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوادةَ بَيْنَها... وتَشْقَى الرِّماحُ بِالضَّياطِرةِ الحُمْرِ (١)
والمعنى: تَشْقَى الضياطرةُ بالرماحِ، والخيلُ هاهنا: الرجال، هكذا ذكره الثعلبِيُّ (٢). الضَّياطرة: جمع ضَيْطَرٍ، وهو الرجل الضخم اللئيم، ومثله: الضُّوْطَرُ، ويقال: ضَيْطارٍ أيضًا بالألف، على "فَيْعالٍ"، ذكره صاحب الضياء (٣).
و"إِنُّ" واسمها وخبرها: في صلة "ما"، قال أبو جعفر (٤): وسمعت عَلِيَّ ابن سليمان (٥) يقول: ما أَقْبَحَ ما يقول الكوفيون في الصِّلَاتِ: إنه لا يجوز أن
стр. 500
يكون صِلةُ "الَّذِي" وأخواتِهِ "إِنَّ" وما عملت فيه. قال الفراء (١): و ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: جمع مِفْتَحٍ، ومن قال: مِفْتاحٌ، قال: جمعه مفاتيح.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ يعني: المؤمنين من بني إسرائيل ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أي: لا تَأْشَرْ ولا تَمْرَحْ ولا تَبْطَرْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ الأَشِرِينَ البَطِرِينَ الذين لا يشكرون اللَّه على ما أعطاهم، قال الشاعر:
٩٩ - ولَسْتُ بِمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّني... ولا جازِعٍ مِن صَرْفِهِ المُتَحَوِّلِ (٢)
أراد: لستُ بِأَشِرٍ، لأنّ السرورَ غيرُ مكروه ولا مذموم.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ يعني: بعدما خُسِفَ به وبداره الأرضُ، والهاء عائدة إلى قارون، والعرب تعبر بـ "أصبح" و"أمسى" و"أضحى" عن الصَّيروة والفعل، فتقول: أصبح فلانٌ عالمًا، وأمسى حزينًا،
стр. 501
وأضحى معدَمًا: إذا صار بهذه الأحوال، وليس ثَمَّ من الصبح والمساء شيءٌ (١).
وقوله: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ (٨٢)﴾ اختلف العلماء في هذه اللفظة، فقيل (٢): معناه: أَلم تَعْلَمْ؟ وقيل (٣): أَلم تَرَ؟ وقال الفراء (٤): "ويكَأَن" في كلام العرب: كلمة تقرير، كقولك: ألا ترى إلى صنع اللَّه وإحسانه؟ وأنشد قول الشاعر:
١٠٠ - سالَتانِي (٥) الطَّلَاقَ إِذْ رَأَتانِي... قَلَّ مالِي، قد جِئْتُمانِي بِهُجْرِ
ويكَأَنْ مَن يَكُنْ لهُ نَشَبٌ يُحْـ... بَبْ، ومَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ (٦)
стр. 502
وذَكَرَ أنه أَخْبَرَهُ مَن سَمِعَ أعرابيةً تقول لزوجها: أين ابنُكَ؟ فقال: وَيْكأنّه (١) وَراءَ البيتِ، يعني: أَما تَرَيْنَهُ وراءَ البيت؟
وقيل (٢): هي كلمةُ ابتداءٍ وتحقيق، تقديره: إنّ اللَّه يبسط الرزق، وقيل (٣): هي كلمة تعجب، وقيل (٤): هي كلمة يقولها المتندِّم إذا أظهر ندامته، وقال قطرب (٥): إنما هو: "ويلَكَ" فأسقَطوا منه اللام، كما قالوا: قُمْ لَا أَباكَ، يريدون:
стр. 503
لا أَبا لَكَ، فحذفوا منه اللام، قال عنترة:
١٠١ - ولقد شَفَى نَفْسِي وأَبْرَأَ سُقْمَها... قَوْلُ الفَوارِسِ: وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ (١)
أراد: ويلَكَ، فحذف اللام، وقال آخر:
١٠٢ - أَبِالْمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي... مُلَاقٍ -لَا أَباكِ- تُخَوِّفِيني (٢)
أراد: لا أبا لكِ، فحذف اللام، و"أَنَّ": منصوبة بإضمار: اعْلَمْ أن اللَّه،
стр. 504
وقيل: هي تنبيه بمنزلة "أَلا" و"أَما"، وقال القتيبي (١): معناه: رَحْمةً لهُ بلغة حِمْيَرٍ.
وقال سيبوَيْه (٢): سألتُ الخليل عنه، فقال: "وَيْ": كلمة تنبيه منفصلة من "كَأَنَّ"، ومعناها: التعجب. و"كَأَنَّ" في معنى الظن والعلم كما تقول: وَيْ لِمَ فعلتَ ذلك وكأنّ الفرج قد أتاك؟ أي: أظن ذاك وأقدِّر (٣). وقال يعقوب الحَضْرمي (٤): "وَيْ كَأَنَّ" كلمتان، وأنشد:
١٠٣ - وَيْ كَأَنَّ المَسَرّةَ لا تَدُومُ... ولا يَبْقَى على الْبُؤْسِ النَّعيمُ (٥)
قوله : ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا تَعْبُدْ يا محمد معه غيرَهُ، ثم وَحَّدَ نفسَهُ فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: كلُّ شيء من الحيَوان يموت.
ثم استثنى نفسه بأنه حَيٌّ لا يموتُ، فقال: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾، واختلفوا في معناه، فقال قوم: إلا هو ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ يعني: القضاء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ تُرَدُّونَ
стр. 505
بعد الهلاك أحياءً في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم، وقيل: معناه: إلّا دِينَهُ، وقيل: إلا مُلْكَهُ، وقيل: إلّا جاهَهُ، يقال: لفلانٍ وَجْهٌ عند الناس؛ أي: ما يُقْصَدُ إليه بالقربة، وقيل: معناه: إلّا ما أُرِيدَ به وَجْهُهُ، وقيل: الوجه: العَمَلُ، ومنه قولهم: "مَنْ صَلَّى بالليل حَسُنَ وَجْهُهُ بالنهار" (١)؛ أي: عَمَلُهُ، وأنشد الفراء (٢):
١٠٤ - أَسْتَغْفِرُ اللَّه ذَنْبًا لستُ مُحْصِيَهُ... رَبَّ العبادِ إليْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (٣)
أي: إليه أُوَجِّهُ العملَ.
وقال آخرون: الوجه: صفةٌ من صفاته تعالى، ولا يفسَّر بغير ما نطق به القرآن، وذَكَرَ اللَّه تعالى الوجهَ في كتابه في أحدَ عشَر موضعًا.
ونصب الوجه على الاستثناء، ويجوز في الكلام الرفعُ على معنى الصفة، كأنه قال: غيرُ وجهه، كما قال الشاعر:
وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ... -لَعَمْرُ أَبِيكَ- إلّا الفَرْقَدانِ (٤)
стр. 506
أي: غيرُ الفرقدين، فـ "غير" صفة لـ "كل"، كذلك جواز الآية (١).
فصل
عن عُبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: "يُجاءُ بالدنيا يوم القيامة، فيقال: مِيزُوا ما كان للَّه منها، قال: فَيَمِيزُونَ ما كان للَّه منها، ثم يُؤْمَرُ بسائرها فيُلْقَى في النار" (٢)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 507
سورة العنكبوت
مكِّية
وهي أربعة آلاف ومائةٌ وخمسة وتسعون حرفًا، وتسعُمائة وثمانون كلمة، وتسعٌ وستون آية.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن قرأ سورةَ العنكبوت كان له من الأجر عشْرُ حسنات بعدد كلِّ المؤمنين والمنافقين" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورةَ العنكبوت ثَقَّلَ اللَّه ميزانَهُ، وبَيَّضَ وجهَهُ، وحُشِرَ صِدِّيقًا، ولَقّاهُ كتابَهُ بيمينه" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾؛ أي: أَظَنَّ الناسُ، يعني: المؤمنين الذين جَزِعوا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من أذى المشركين ﴿أَنْ
стр. 508
يُتْرَكُوا﴾ يعني: بغير اختبارٍ ولا ابتلاء، وهو استفهامٌ معناه التقرير والتوبيخ؛ أي: أَحَسِبُوا أَنْ نَقْنَعَ منهم بأن يقولوا: إنّا مؤمنون، ولا يُمْتَحَنُونَ بأن نَتَبيَّنَ حقيقةَ إيمانهم (١)؟ وأصله من الحساب، والحُسْبانُ: قُوّةُ أحد النقيضَيْن، والشَّكُّ: الوقوف بينَهما، واليقين: قطع أحدهما (٢).
وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾؛ أي: لا يُبْتَلَوْنَ بالجهاد والصلاة والزكاة والحج والدِّينِ كُلِّهِ، فنعلمَ به صِدْقَ إيمانهم من كذبه، ومحل "أنِ" الأولى: نصب بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ (٣)، والثانية: نصب بِنَزْعِ الخافض؛ أي: لأن يقولوا.
والعرب لا تقول: تركتُ فلانًا أَنْ يذهبَ، وإنما تقول: تركتُهُ يذهبُ، وفيه جوابان، أحدهما: أَنْ يُتْرَكُوا لأن يقولوا (٤)، والثانِي: على التكرير (٥)، تقديره: أحسِب الناسُ أن يُتركوا، أحسِبوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون، لا يُبْتَلَوْنَ لِيَظْهَرَ المخلص من المنافق.
стр. 509
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ يعني: بِرًّا بهما، وعَطْفًا عليهما، قرأه العامة بضمِّ الحاء وجزم السين، وقرأ أبو رجاءٍ العُطاردي بفتح الحاء والسين، وفِي مصحف أُبَيٍّ: "إحسانًا" (١)، قال الزَّجّاج (٢): معناه: ووصَّينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يَحْسُنُ.
واختلف النحاة فِي نصب الحُسْنِ، فقال أهل البصرة (٣): على التكرير، تقديره: ووصيناه حُسنًا، أي: بالحسن، كما تقول: وَصَّيْتُهُ خَيْرًا، أي: بخير، وقال أهل الكوفة (٤): معناه: ووصَّينا الإنسان أن يفعل حُسْنًا، فحذفه لدلالة الكلام عليه، كقول الراجز:
١٠٥ - عَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ إِذْ تَشْكُونا
ومِنْ أَبي دَهْماءَ إذْ يُوصِينا
خَيْرًا بِها كأننا جافُونا (٥)
стр. 510
أي: يوصينا أن نفعل خيرًا، وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ (١)؛ أي: يَمْسَحُ مَسْحًا، وقيل (٢): معناه: ألزمناه حُسنًا.
قيل: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وَقّاص الزُّهْرِيِّ ﵁ وكان بارًّا بأُمِّهِ حَمْنةَ بنتِ أبي سفيان بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فلما أسلم قالت: يا سعد! قد بلغني أنك صَبَوْتَ، فواللَّه لا يُظِلُّنِي سقفُ بيتٍ من شمس ولا ريح، وإن الطعامَ والشرابَ عَلَيَّ حرامٌ حتى تكْفُرَ بمحمد وترجعَ إلى الدِّينِ الذي كنتَ عليه، فأَبَى عليِها ذلك، فبقيتْ على حالها لا تَطعمَ ولا تشرب، ولا تَسْتَكِنُّ من ريح ولا شمس، ولا من حَرٍّ ولا بَرْدٍ ولا مطرٍ، فلما خَلَص إليها الجوع لم يكن لها بُدٌّ من أن تأكل وتشرب وتَسْتَكِنَّ، فحَث اللَّه سعدا على البِرِّ بِأمِّهِ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ والتي في "لقمان" و"الأحقاف" (٣)، فأمره النبي ﷺ أن يَتَرَضّاها ويُحْسِنَ إليها، ولا يطيعَها في الشرك، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ على أن تجعل لي مِثْلًا أو عِدْلًا أو صاحبة أو ولدًا ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، فإنك إن فعلت لم يكن لك علمٌ في ذلك، ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، وكان سعدٌ أَحَبَّ ولدِها إليها.
стр. 511
فصل
رَوَى بَهْزُ بن حَكيم (١) عن أبيه عن جدِّه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، مَنْ أَبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "أُمَّكَ"، قلت: ثم من؟ قال: "أُمَّكَ"، قلت: ثم من؟ قال: "أَباكَ ثم الأقربَ فالأقربَ" (٢).
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجنة تحت أقدام الأمهات" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ يعني: دينَنا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ (١٢)﴾ يعني: أوزاركم، وهو جزم على الأمر، كأنهم أَمَرُوا أَنْفُسَهُم بذلك، قال الفراء (٤): لفظه أمر، ومعناه جزاء، مجازه: إنِ اتَّبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، كقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ (٥)، وقوله تعالى ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ (٦)، لفظه نَهْي وتأويله جزاء، وهو
стр. 512
في معرض جزاء الشرط المعنوي، قال الشاعر:
١٠٦ - فقُلْتُ: ادْعِي وأَدْعُ، فإنَّ أندَى... لِصَوْتٍ أَنْ يُنادِيَ داعِيانِ (١)
أي: ولْأَدْعُ، في معرض: إِنْ تَدْعُ أَدْعُ.
فصل
رُوِيَ عن الحسن، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيُّما داعٍ دَعا إلى هدى، فاتُّبِعَ عليه وعُمِلَ به، فله مثل أجور الذين اتبعوه، ولا يُنْقَصُ من أجورهم شيء، وأيُّما داعِ دَعا إلى ضلالة، فاتُّبِعَ عليها، وعُمِلَ بها، فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه، ولَا يُنْقَصُ من أوزارهم شيء"، ثم قرأ الحسن: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (٢).
وعن جرير بن عبد اللَّه (٣) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ
стр. 513
سَنَّ سُنّةً حسنةً كان له أَجْرُهُا ومثلُ أجر من عمل بها من غير أن يُنْقَصَ من أجورهم شيء، ومَنْ سَنَّ سُنّةً سيئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها، من غير أن يُنْقَصَ من أوزارهم شيء" (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ أي: مكث فيهم ألف سنة ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (١٤)﴾ يدعوهم إلى الإيمان باللَّه فكذبوه، ونصب "أَلْفًا" على الظرف (٢)، ونصب ﴿خَمْسِينَ﴾ على الاستثناء من الموجب، و ﴿عَامًا﴾ على التفسير.
فصل
رُوِيَ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "عاش نوحٌ ﵇ ألفَ سنة وأربعَمائة سنة وخمسين سنةً، عاش قبل أن يُبعث إلى قومه خمسين ومائتي سنة، ولَبث فِي قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى اللَّه تعالى، ومكث بعد الطُّوفَان خمسين ومائتي سنة، فلما احتُضر قال له مَلَك الموت: يا أطولَ الأنبياء عمرًا، ويا أحسنهم عملًا، كيف رأيتَ الدنيا فِي طول ما عُمِّرتَ؟ قال: فقام إلى بيت له بابان، فدخل من باب، وخرج من الآخر، فقال: يا مَلَك الموت: بمنزلة هذا الذي صنعت" (٣).
стр. 514
وعن عكرِمة (١) أنه قال: "بَلَغَنا أن نوحًا ﵇ كان في بيت من شَعَرٍ أَلْفَ سنة وأربعَمائة سنة وخمسين سنة، كلما قيل له: يا نَبِيَّ اللَّه، اتَّخِذْ بيتًا، فيقول: أموت غدًا، أموت غدًا، فلم يزل فيه حتى مات" (٢).
وذكر ابن قُتيبة في كتاب المعارف، قال: "وفي التوراة أن نوحًا ﵇ عاش بعد الطوفان ثلاثَمائة وخمسين سنة، وكان عمره تسعمائة وخمسين سنة.
وقال وهب: كان عمره ألف سنة؛ لأنه بُعث إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، ولبث يدعوهم إلى أن مات بعد تسعمائة وخمسين سنة" (٣)، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: أطيعوا أَمْرَ اللَّه وخافُوهُ، ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: عبادةَ اللَّه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من عبادة الأوثان ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ ونصب ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: عطفًا على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ أي: وأرسلنا إبراهيم، وقيل: هو منصوب عطفًا على الهاء في قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾، وقيل: هو منصوب بمعنى: واذكر إبراهيم (٤).
стр. 515
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني كفّار مكة، قرأ الكوفيون -سوى حفص- بالتاء: على الخطاب لهم، وقرأ الباقون بالياء على الغَيْبة (١)، ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يعني: كيف يخلقهم ابتداءً: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى تَمامِ الخَلْقِ؟ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في الآخرة عند البعث؟ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ يريد: الخلق الأول والخلق الآخِر ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؛ أي: ابحثوا فانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم، هل تَجدون خالقًا غير اللَّه؟ فإذا علموا أنه لا خالِقَ ابتداءً إلّا اللَّهُ لزمتهم الحجة فِي الإعادة، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾؛ أي: ثم اللَّه الذي خلقها وبدأ خلقها يُنْشِئُها نَشْأةً ثانية بعد الموت، وفيها لغتان: نَشاءةٌ بالمد، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرٍو والحَسَنِ حيث كان (٢)، ونَشْأةٌ بالقصر وتسكين الشين، وهي قراءة الباقين.
قال الفراء (٣): وهي مثل الرَّأْفةِ والرآفةِ، والكَأْبةِ والكَآبةِ، كُلٌّ صَوابٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من البدء والإعادة ﴿قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ تُرَدُّونَ، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، اختلف أهل المعاني في
стр. 516
وجهها، فقال الفرَّاء (١): معناه: ولا مَنْ في السماءِ بِمُعْجِزٍ، وهو من غامض العربية للضمير الذي [لم] يظهر في الثاني، كقول حسان:
فمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ منكمْ... ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ (٢)
أراد: مَنْ يمدحه ومن ينصره، فأضمر "مَنْ". وإلى هذا التأويل ذهب عبد الرحمن بن زيد، وقال (٣): لا يُعجِزه أهلُ الأرض فِي الأرض ولا أهلُ السماء فِي السماء إن عَصَوْهُ.
وقال قطرب (٤): معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها، كقولك: لا يَفُوتُنِي فلانٌ بالبصرة ولا هاهنا في بلدي، وهو معك في البلد، أي: ولا في البصرة
стр. 517
لو صار إليها، وهذا معنى قول مقاتل (١)، يقول: وما أنتم يا كفّارَ مكة بسابقي اللَّهِ فتفوتونه، في الأرض كنتم أو في السماء كنتم، أينما تكونوا حتى يجازيكم بأعمالكم السيئة، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم مني ﴿وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾ وينصركم من عذابِي.
قوله تعالى: ﴿كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ يعني: قوم إبراهيم ﵇ حين دعاهم إلى اللَّه، ونَهاهُمْ عن عبادة الأصنام ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ (٢٤)﴾ قرأ العامة: ﴿جَوَابَ﴾ بنَصب الباء على أنه: خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾: في محل الرفع على اسم ﴿كَانَ﴾، وقرأ سالمٌ الأفطس (٢): ﴿جَوَابَ﴾ رفعًا: على اسم ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ موضعه: نصب على خبرها (٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ﴾ يعني: إبراهيم ﵇ ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ اختلف القراء فيها، فقرأ ابن كثير وأبو عَمْرو والكسائي ويعقوب: ﴿مَوَدَّةُ﴾ رفعًا ﴿بَيْنِكُمْ﴾ خفضًا بالإضافة، وهو الاختيار على معنى: إن الذين اتخذتم من دون اللَّه أوثانًا هي مودة بينكم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ثم تنقطع في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ
стр. 518
بَلَاغٌ﴾ (١)، أي: هذا بلاغ، وقوله تعالى: ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ ثم قال: ﴿مَتَاعٌ﴾ (٢)؛ أي: هو متاع، فلذلك أضمر هاهنا "هِيَ"، ويجوز أن يكون خبر "إِنَّ".
وقرأ عاصم في بعض الروايات: ﴿مَوَدَّةَ﴾ مرفوعةً منوَّنةً ﴿بَيْنِكُمْ﴾ نصبًا على الظرف، وهو راجع إلى معنى القراءة الأولى، وقرأ حمزة وحفص: ﴿مَوَدَّةَ﴾ بالنصب: مفعول له ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالخفض: على الإضافة؛ لوقوع الاتخاذ عليها، وجعل ﴿إِنَّمَا﴾ حرفًا واحدًا.
وقرأ الآخرون: ﴿مَوَدَّةَ﴾ نصبًا منوَّنًا ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالنصب على المحل، وهي راجعة إلى معنى قراءة حمزة (٣).
ومعنى الآية: إنكم اتخذتم الأوثانَ مودّة بينكم في الحياة الدنيا، تتَوادُّونَ وتتَحابُّونَ على عبادتها، وتتواصلون عليها، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وتَسُبُّونَ الأوثانَ، ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ العابدون والمعبودون، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
стр. 519
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾؛ أي: واذكرْ لوطًا إذ قال لقومه، وقيل: معناه: وأرسلنا لوطًا إلى قومه ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني إتيان الرجال في أدبارهم، وكانوا لا يأتون إلّا الغُرَباءَ ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ يعني الفاحشة ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ يعني: فيما مضى قبلكم، و"مِن" الأولى صلة.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ يعني: قَلْبًا، وهو نصب على البيان (١)، وقد تقدم تفسيره في سورة هود (٢)، ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ يعني: بناتِه. قرأ ابن كثير والكوفيون -سوى حفص-: ﴿إِنَّا مُنْجُوكَ﴾ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد (٣)، قال المبرد (٤): والكاف في قوله: ﴿مُنَجُّوكَ﴾ مخفوضة، ولم يَجْرِ عَطْفُ الظاهر على المضمر المخفوض، فمحل الثاني على المعنى، وصار التقدير: ونُنْجِي أَهْلَكَ، أو: ومُنَجُّونَ أَهْلَكَ.
ثم استثنى إمرأته، فقال تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾ يعني: من الباقين في العذاب، فهلك قوم لوط، ثم هلكت بَعْدُ بحَجَرٍ أصابها فقتلها، ورَوَى أبو ماجدٍ (٥) عن مَن رَأَى امرأةَ لوطٍ ممسوخةً حَجَرًا يحَيْض عند كل شهر (٦).
стр. 520
قوله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾؛ أي: وأرسلنا إلى مدين ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وهو: شعيب بن نُوَيْبِ بن مدين بن إبراهيمَ خليلِ الرحمن، ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وَحِّدُوا اللَّه وأطيعوه فيما أمركم به، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يعني: واخْشَوُا البَعْثَ الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ يعني: تَسْعَوْا ﴿فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾ يعني: بالمعاصي فِي شأن المكيال والميزان، وهو الفساد في الأرض، ونصب ﴿مُفْسِدِينَ﴾ على الحال، وقد تقدم النظير والتفسير.
قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ وهما ابنا عَمٍّ. وقرأ حمزة وحفص: ﴿وَثَمُودَ﴾ (١) بغير تنوين، والتقدير: وأهلكنا عادًا وثمودَ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ عطفٌ على عاد فِي جميع أموره، وهي أسماء أعجمية مَعرِفة، فلذلك لم تنصرف.
قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾؛ أي: عاقَبْنا بتكذيبه، ونصب "كُلًّا" بـ "أَخَذْنا"، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ريحًا تأتي بالحصباء، وهو: صغار الحصى، وهم قوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني: ثمودَ قومَ صالح ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني قارون وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: فرعون وقومه وقوم نوح، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذبهم على غير ذنب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾، ومحل "مَنْ": رفع في الجميع على: خبر الصفة (٢)، و ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: نصب بوقوع ﴿يَظْلِمُونَ﴾ عليه.
стр. 521
ثم ضرب لهم مثلًا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني الأصنام يَرْجون نصرَها ونفعها عند حاجتهم إليها ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فكما أن بيت العنكبوت لا يدفع عنها بَرْدًا ولا حَرًّا، كذلك هذه الأوثان لا تملك لعابدها نفعًا ولا ضرًّا.
قوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾؛ أي: أضعف البيوت كلها ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ يعني: إِنْ كانوا يعلمون أن بيت العنكبوت لا بَيْتَ أَضْعَفُ منه فيما تتخذه الهَوامُّ، ولا أَقَلُّ وقايةً من حَرٍّ أو بَرْدٍ، وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّه للكفار. قال النحاة (١): العنكبوت مؤنثة للتاء التي فيها، وقد يذكِّرها بعض العرب، وأنشد الفراء (٢):
١٠٧ - على هَطّالِهمْ منهُمْ بُيُوتٌ... كأَنَّ العَنْكَبُوتَ هُوَ ابْتَناها (٣)
وسُمِّيَت العنكبوتَ لأنها تُعَنْكِبُ بَيْتَها بعضَهُ على بعض، ووَزْنه: "فَعْلَلُوتٌ"، وفي جمعها وجوه، يقال: عَناكِبُ وعَناكِيبُ وعِكابٌ وعُكُبٌ وأَعْكُبٌ، وحُكِيَ أنه يقال أيضًا: عَنْكَبٌ (٤).
стр. 522
فصل
رُوِيَ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "طَهِّرُوا بيوتَكُمْ من نَسْجِ العنكبوت، فإن تركه فِي البيت يورث الفقر" (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: أَلْطَفُ وأَرْفَقُ، وهو الجميل من القول والدعاء إلى اللَّه تعالى بآياته والتنبيه على حُجَجه، والجدال: فَتْلُ الخَصْمِ عن مذهبه بطريق الحِجاج فيه، وأصله شِدّةُ الفَتْلِ، ومنه قيل للصَّقْرِ: أَجْدَلُ، لشِدّةِ فَتْلِ بَدَنِهِ وقُوّةِ خَلْقِهِ، وقيل: الجِدالُ مأخوذ من الجَدالةِ، وهو: أن يَرُومَ كلُّ واحد من الخصمَيْن قَهْرَ صاحبه وصَرعَهُ على الجَدالةِ، وهي الأرض (٢).
ثم استثنى، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ (٤٦)﴾ يعني: إلا من أَبَى أن يُقِرَّ بالجِزْيةِ ونَصَبَ الحَرْبَ، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
قوله : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ استهزاءً منهم وتكذيبًا ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ رَفْع بإضمار فعل تقديره: ولولا ثَبَتَ أَجَلٌ مسمى لِعذابِهم (٣)، وهو يوم القيامة، ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ العذاب ﴿بَغْتَةً﴾ يعني: فجأةً
стр. 523
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ بإتيانه، ونصب ﴿بَغْتَةً﴾ على: الحال أو المصدر (١).
قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: المهاجرين ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ قال ابن عباس: غرف الدُّرِّ والزَّبرجَد والياقوت، ولننْزِلَنهُمْ قُصُورَ الجنة. وقرأ حمزة والكسائي وخلفٌ: ﴿لنثْوِيَنَّهُمْ﴾ (٢) من: أَثْوَيْتُ، قال الزجّاج (٣): يقال: ثَوَى الرَّجُلُ: إذا أقام، وأَثْوَيْتُهُ: إذا أَنْزَلْتَهُ مَنْزِلًا يقيم فيه.
قال الأخفش (٤): لا تعجبني هذه القراءة؛ لأنك لا تقول: أَثْوَيْتُهُ الدّارَ، بل تقول: فِي الدّارِ، وليس في الآية حرف جر في المفعول الثاني، وقال أبو عليٍّ الفارسي (٥): هو على إرادة حرف الجر ثم حُذف، كما يقال:
стр. 524
١٠٨ - أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ. . . . . . . . (١)
أي: بالخير. واللام: نصب على الجواب (٢).
ثم وصف تلك الغُرَفَ فقال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يموتون ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨)﴾ يعني: ثواب المطيعين، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ يعني: على دينهم فلم يتركوه لشدةٍ ولا لضيق نزل بهم ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ يعني: لا ترفع رزقها معها، ولا تدخره لِغَدٍ، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ حيث توجهتْ ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ يومًا بيوم، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ بما فِي قلوبكم، قال سفيان (٣): ليس
стр. 525
شيء مما خلق اللَّه يُخَبِّئُ ويَدخِرُ إلا: الإنسان والفأرة والنملة (١).
فصل
عن ابن عُمر ﵁ قال: خرجتُ مع رسول اللَّه ﷺ ، فدخلت معه حائطًا من حوائط الأنصار، فجعل يَلْقُطُ الرُّطَبَ بيده ويأكل، فقال: "ما لكَ لا تأكلُ يا ابن عمر؟! "، فقلتُ: لا أشتهيه يا رسول اللَّه، فقال ﵇: "لكني أشتهيه، وهذه صُبْحُ رابعةٍ منذ لم أذق طعامًا"، فقلتُ: إنّا للَّهِ، اللَّه المستعان، فقال: "يا ابن عمر! لو شئتُ لَدعوتُ رَبِّي فأعطاني مثل مُلْكِ كِسْرَى وقَيْصَرَ أضعافًا مضاعفة، ولكنْ أجوع يومًا، وأشبع يومًا، فكيف بكَ يا ابن عمر إذا بقيتَ في قوم يخبِّئون رزق سنتهم، ويَضْعُفُ اليقينُ"؛ فواللَّه ما برِحنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا. . .﴾ الآية (٢).
والدابة: كل حيوان يَدِبُّ على وجه الأرض مما يعقل ولا يعقل، وقد تقدم تفسير ﴿كَأَيِّنْ﴾ فِي سورة آل عمران (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ باطلٌ وغرور وعبث
стр. 526
ينقضي عما قريب ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ يعني: الجنة ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، أي: الحياة الباقية الدائمة التي لا زوال لها، يقول: هي دار الحياة لا موت فيها ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾، لأنهم لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفانِي الزائل ولكنهم لا يعلمون.
والحيوان أيضًا: كلُّ ذي رُوح، وقوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ يعني: هِيَ، واللام تُزادُ للتوكيد. والحيوان والحياة واحد، ومنه قولهم: نَهَرُ الحيوان، أي: نهر الحياة (١)، والحيَوان: مصدر بمنزلة الحياة فيكون كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ، ويكون التقدير: وإن الدار الآخرة لَهِيَ دار الحيوان أو ذات الحيوان (٢)، والمعنى: إن حياة الدار الآخرة هي الحياة، لأنه لا تنغيصَ فيها ولا نَفادَ لها، ولا يشوبها ما يَشُوبُ الحياةَ في هذه الدار الفانية، وهذا معنى قول جماعة المفسرين.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ يعني كفارَ مكة ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: مُوَحِّدِينَ له الإسلامَ، وهو نصب على الحال، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ وأنقذهم من أهوال البحر ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ فلا يوحِّدونه كما كانوا يوحِّدونه فِي البحر، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هذه لام الأمر (٣)، ومعناه التهديد
стр. 527
والوعيد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١)، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ (٢)، والمعنى: لكي يجحدوا نعمة اللَّه في إنجائِهِ إيّاهُم وسائرَ الأمة من اليَمِّ.
قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾؛ أي: ولكي يتمتعوا إلى منتهى آجالهم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ عاقبةَ كفرهم، وقوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ جَزَمَ لامَه الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ وابنُ كثيرٍ وأيوبُ وقالونُ، واختُلِفَ فيه عن عاصم، وقرأ الباقون بكسر اللام، وكذلك أيضًا رُوي عن نافع وابن كثير (٣)، واختاره أبو عبيد لقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ ليكون الكلام نسقًا، ومَن جَزَمَ اللامَ احتج بقراءة أُبَيٍّ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)، والكسر على "كَيْ"، والجزم على التهديد (٥).
стр. 528
قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ يعني: عملوا بالخير للَّه، و"في" (١) هاهنا بمعنى: اللام، تقديره: والذين جاهدوا لَنا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يعني: دِينَنا؛ أي: لَنُوَفِّقَنهُمْ ولَنَعْصِمَنَّهُمْ حتى يكونوا على الطريق المستقيم، وقرأ أبو عمرو: ﴿سُبْلَنا﴾ بإسكان الباء (٢)، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ بالعون لهم والنصرة في دنياهم والثواب والمغفرة في عُقباهم.
واللام: لام توكيدٍ دخلت في "مع" على أحد أمرين، فمنهما: أن يكون اسمًا، ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء، ومنهما: أن يكون حرفًا فتدخل عليها؛ لأن فيها معنى الاستقرار، كما تقول: إنّ زيدًا لَفي الدار، و"مع" إذا سُكِّنت فهي حرفٌ لا غير، وإذا فتحت جاز أن تكون اسمًا وأن تكون حرفًا، والأكثر أن تكون حرفًا جاء لمعنى، إلّا أنها فُتِحَتْ لِما وَقَعَ فيها مما ليس في أخواتها (٣)، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
стр. 529
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
سورة الرُّوم
مكِّية
وهي ثلاثة آلاف وخمسُمائة وأربعةٌ وثلاثون حرفًا، وثمانِمائة وتسعَ عشْرةَ كلمةً، وستون آيةً.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورةَ الرُّوم كان له من الأجر بعدد كل مَلَك سَبَّحَ اللَّهَ بين السماء والأرض، وأدرك ما ضَيَّعَ فِي يومه وليلته" (١).
ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الروم وقاه اللَّه مِيتةَ السوءِ، وكتب له فضل أجر الشهداء" (٢).
стр. 530
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ يعني: فِي أَدْنَى أرضهم، قيل: هو طرف الشام، وقيل: يريد الجزيرةَ، وهي أقرب الأرض من الروم إلى فارس، وقيل: هي الأردنُّ وفِلَسطين.
قوله: ﴿وَهُمْ﴾ يعني الرومِ ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾؛ أي: غَلَبَتِهِمْ، فحذف التاء منها، كما حذف من قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ (١)، وإنما هو إقامةُ الصلاة (٢)، وقرأ أبو حَيْوةَ الشّامِيُّ بسكون اللام (٣)، وهما لغتان مثلَ: الظَّعْنِ والظَّعَنِ، وقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يعني: الرومُ يَغلِبون فارِسًا ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ يعني: إلى سبع سنين.
وقرأ عبد اللَّه بن عُمر وأبو سعيد الخُدري والحسن وعيسى بن عمرَ: