ينقضي عما قريب ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ يعني: الجنة ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، أي: الحياة الباقية الدائمة التي لا زوال لها، يقول: هي دار الحياة لا موت فيها ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾، لأنهم لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفانِي الزائل ولكنهم لا يعلمون.
والحيوان أيضًا: كلُّ ذي رُوح، وقوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ يعني: هِيَ، واللام تُزادُ للتوكيد. والحيوان والحياة واحد، ومنه قولهم: نَهَرُ الحيوان، أي: نهر الحياة (١)، والحيَوان: مصدر بمنزلة الحياة فيكون كالنَّزَوانِ والغَلَيانِ، ويكون التقدير: وإن الدار الآخرة لَهِيَ دار الحيوان أو ذات الحيوان (٢)، والمعنى: إن حياة الدار الآخرة هي الحياة، لأنه لا تنغيصَ فيها ولا نَفادَ لها، ولا يشوبها ما يَشُوبُ الحياةَ في هذه الدار الفانية، وهذا معنى قول جماعة المفسرين.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ يعني كفارَ مكة ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: مُوَحِّدِينَ له الإسلامَ، وهو نصب على الحال، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ وأنقذهم من أهوال البحر ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ فلا يوحِّدونه كما كانوا يوحِّدونه فِي البحر، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ هذه لام الأمر (٣)، ومعناه التهديد
стр. 527
والوعيد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١)، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ (٢)، والمعنى: لكي يجحدوا نعمة اللَّه في إنجائِهِ إيّاهُم وسائرَ الأمة من اليَمِّ.
قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾؛ أي: ولكي يتمتعوا إلى منتهى آجالهم، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ عاقبةَ كفرهم، وقوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ جَزَمَ لامَه الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ وابنُ كثيرٍ وأيوبُ وقالونُ، واختُلِفَ فيه عن عاصم، وقرأ الباقون بكسر اللام، وكذلك أيضًا رُوي عن نافع وابن كثير (٣)، واختاره أبو عبيد لقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ ليكون الكلام نسقًا، ومَن جَزَمَ اللامَ احتج بقراءة أُبَيٍّ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤)، والكسر على "كَيْ"، والجزم على التهديد (٥).
стр. 528
قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ يعني: عملوا بالخير للَّه، و"في" (١) هاهنا بمعنى: اللام، تقديره: والذين جاهدوا لَنا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يعني: دِينَنا؛ أي: لَنُوَفِّقَنهُمْ ولَنَعْصِمَنَّهُمْ حتى يكونوا على الطريق المستقيم، وقرأ أبو عمرو: ﴿سُبْلَنا﴾ بإسكان الباء (٢)، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ بالعون لهم والنصرة في دنياهم والثواب والمغفرة في عُقباهم.
واللام: لام توكيدٍ دخلت في "مع" على أحد أمرين، فمنهما: أن يكون اسمًا، ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء، ومنهما: أن يكون حرفًا فتدخل عليها؛ لأن فيها معنى الاستقرار، كما تقول: إنّ زيدًا لَفي الدار، و"مع" إذا سُكِّنت فهي حرفٌ لا غير، وإذا فتحت جاز أن تكون اسمًا وأن تكون حرفًا، والأكثر أن تكون حرفًا جاء لمعنى، إلّا أنها فُتِحَتْ لِما وَقَعَ فيها مما ليس في أخواتها (٣)، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
стр. 529
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
سورة الرُّوم
مكِّية
وهي ثلاثة آلاف وخمسُمائة وأربعةٌ وثلاثون حرفًا، وثمانِمائة وتسعَ عشْرةَ كلمةً، وستون آيةً.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورةَ الرُّوم كان له من الأجر بعدد كل مَلَك سَبَّحَ اللَّهَ بين السماء والأرض، وأدرك ما ضَيَّعَ فِي يومه وليلته" (١).
ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الروم وقاه اللَّه مِيتةَ السوءِ، وكتب له فضل أجر الشهداء" (٢).
стр. 530
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ يعني: فِي أَدْنَى أرضهم، قيل: هو طرف الشام، وقيل: يريد الجزيرةَ، وهي أقرب الأرض من الروم إلى فارس، وقيل: هي الأردنُّ وفِلَسطين.
قوله: ﴿وَهُمْ﴾ يعني الرومِ ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾؛ أي: غَلَبَتِهِمْ، فحذف التاء منها، كما حذف من قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ (١)، وإنما هو إقامةُ الصلاة (٢)، وقرأ أبو حَيْوةَ الشّامِيُّ بسكون اللام (٣)، وهما لغتان مثلَ: الظَّعْنِ والظَّعَنِ، وقوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ يعني: الرومُ يَغلِبون فارِسًا ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ يعني: إلى سبع سنين.
وقرأ عبد اللَّه بن عُمر وأبو سعيد الخُدري والحسن وعيسى بن عمرَ:
стр. 531
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ بفتح الغين واللام ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بضم الياء وفتح اللام (١).
والبضْعُ: ما بين الثلاث والسبع، وقيل: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الثلَاثة إلى العشَرة (٢)، والنَّيِّفُ: أكثرُ العرب يجعله ما بين الواحد إلى الثلاثة في المذكر والمؤنث، وقال أبو زيد: وحَدُّ النَّيِّفِ ما بين الواحد إلى التسعة، فإذا قال: لهُ عَلَيَّ نَيِّفٌ وثلاثون، كان ما بين الواحد والثلاثين (٣) إلى التسعة والثلاثين، وكذا قولهم: قد نيَّفَ على كذا.
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (٤)﴾ يعني: مِن قَبْلِ دَوْلة الرُّومِ على فارسٍ ومِن بَعْدِها، ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾: ظرفا زمان، وهما مبنيّان، وأصلهما الإعراب، وإنما بُنِيا لأنهما تَعَرَّفا بغير ما تتعرف به الأسماء، وذلك أن الأسماء تتعرَّف بالألف واللام، وبالإضافة إلى المعرفة، وبالإضمار، وبالإشارة، وبالعهد، وليس في ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ شيءٌ من ذلك، فلما تَعَرَّفا بخلاف ما تتعرَّفُ به الأسماءُ، وهو حَذْفُ ما أضِيفا إليه، خالَفا الأسماءَ، وشابَها الحروفَ، فبُنِيا كما يُبْنَى الحرفُ، وإنما بُنِيا على الضم دون الفتح والكسر؛ لأنهما أشبها المنادى المفردَ، إذ المنادى يُعْرَبُ إذا أُضِيفَ أو نُكِّرَ، كما يُفْعَلُ بهما، فبُنِيا على الضم كما بُنِيَ المنادى المفرد (٤)، وهما مرفوعان
стр. 532
على الغاية، قاله الثعلبي (١).
قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ يعني: ما وَعَدَهُمْ من ظهور الروم على فارس، فكان كذلك، وهو نصبٌ على المصدر، قال الزَّجّاج (٢): ويجوز: "وَعْدُ اللَّهِ" بالرَّفع، بمعنى: ذلك وَعْدُ اللَّهِ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني كفارَ مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن اللَّه لا يخلف وعده في إظهار الروم على فارس.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾؛ أي: أشركوا ﴿السُّوأَى﴾ يعني: النارَ التي تَسُوؤُهُمْ، والسُّوأَى: اسمٌ لِجَهَنَّمَ، كما أن الحُسْنَى اسْمٌ للجنّة، وإنما سُمِّيَت النارُ سُوأَى لأنها تَسُوءُ صاحِبَها.
ويجوز رفع العاقبة ونصبها، نظيرها قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤)، قرأ الكوفيون وابنُ عامر بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع (٥).
стр. 533
فمن نصب جَعَلها خبر "كانَ" ونصبها متقدِّمةً كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ (١)، ويكون التقدير: ثم كان السوءُ عاقبةَ الذين أساءُوا، ويكون "أَنْ" فِي قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لِأَنْ كذبوا بآيات اللَّه، ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾، ومَنْ رَفَعَ فعلى معنى: ثم كان عاقبةُ التكذيب آخِرَ أمْرِهِم أن ماتُوا على كفرهم.
قوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾؛ أي: يَيْأَسُ المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقال الفراء (٢): ينقطع كلامهم وحُجّتهم، قال الشاعر:
١٠٩ - يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا؟ ... قال: نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وأَبْلَسا (٣)
وقرأ السلمي: ﴿يُبْلَسُ﴾ (٤) بفتح اللام، وقراءة العامة أجود.
قوله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي
стр. 534
رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ يعني: في بقعة خضراءَ، والروضة: ما يَنْبُتُ حول الغدير من الأَبِّ، قال الشاعر:
١١٠ - إذا كان مَن تَهْوَى يُعِينُ على الهَوَى... فَما الحُبُّ إلّا رَوْضةٌ وغَدِيرُ (١)
قال الأصمعي (٢): لا يقال: روضةٌ حتى يكون لها ماءٌ تشرب منه. وقال أبو عُبيدة (٣): ليس عند العرب شيءٌ أَحْسَنَ من الرياض المُعْشِبةِ، ولا أَطْيَبَ رِيحًا منها.
وقوله: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ قيل: يُكْرَمُونَ بالتُّحَفِ، وقيل: يُنَعَّمُونَ، وقيل (٤): يُسَرُّونَ، والحَبَرةُ والحَبَرُ: السُّرُورُ، ومنه قيل: حَبْرةٌ تَتْبَعُها عَبْرة، قال العجاج (٥):
١١١ - الحَمْدُ للَّهِ الَّذي أَعْطَى الحَبَرْ... مُواليَ الحَقِّ إنِ المَوْلَى شَكَرْ (٦)
стр. 535
أي: أَعْطَى السُّرُورَ، وقال بعضهم (١): الحَبَرةُ في اللغة: كُلُّ نعمة حسنة، والتَّحْبِيرُ: التحسين، ومنه قيل للمِداد: حِبْرٌ، لأنه تُحَسَّنُ به الأوراقُ، وقيل للعالِمِ: حَبْرٌ، لأنه يَتَخَلَّقُ بالأخلاق الحسنة، قال الشاعر:
١١٢ - يُحَبِّرُها الكاتِبُ الحِمْيَرِيُّ (٢)
وقيل: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يتلذذون بالسماع فِي رياض الجنة.
فصل
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن للجنة مائةَ دَرَجةٍ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردَوْس أعلاها سُمُوًّا وأَوْسَطُها مَحِلّةً، ومنها تتفجَّر أنهار الجنة، وعليها يوضَع العرش يوم القيامة"،
стр. 536
فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه! إِنِّي رجل حُبِّبَ إِلَيَّ صَوْتٌ حَسَنٌ، فهل فِي الجنة صَوْتٌ حَسَنٌ؟، فقال: "إِي والذي نفسي بيده، إن اللَّهَ لَيُوحِي إلى شجرةٍ فِي الجنة أن أَسْمِعِي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتِي وذكري عن عزف البَرابِطِ (١) والمزامير، فتَرْفَعُ صَوْتًا لم يسمع الخلائق مثله قَطُّ، فِي تسبيح الرب وتقديسه" (٢).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُذَكِّرُ الناسَ الجنةَ وما فيها من الأزواج والنِّعم، وفي آخر القوم أعرابِيٌّ، فجَثا على ركبتيه، وقال: يا رسول اللَّه: هل في الجنة سماع؟ قال: "نعم يا أعرابِيُّ، إن في الجنة لَنهرًا حافَتاهُ الأبكار من كل بيضاءَ خُوطانِيّةٍ، يَتَغَنَّيْنَ بأصوات لم يسمع الخلائقُ بمثلها قط، فذلك أفضلُ نعيمِ أَهْلِ الجنة" (٣). والخُوطانِيّةُ: المُرْهَفةُ الأعلى، الضخمةُ الأَسْفل.
وقيل (٤): إن في الجنة لَأَشْجارًا عليها أَخْراصٌ (٥) من فِضّةٍ، فإذا أراد أهل الجنة السماعَ بعث اللَّه ريحًا من تحت العرش، فتقع على تلك الأشجار، فتُحَرِّكُ تلك الأخراصَ بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لَماتُوا طَرَبًا".
стр. 537
وسُئِلَ أبو هريرة ﵁: هل لأهل الجنة سماع؟ قال: "نعم، شجرةٌ أصلها من ذهبٍ، وأغصانها من فضة، وثَمَرُها اللُّؤْلُؤُ والزَّبَرْجَدُ، يَبْعَثُ اللَّهُ ريحًا، فيحرِّك بعضُها بعضًا، فما سمع أحدٌ شيئًا أحسنَ منه" (١).
قوله : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾؛ أي: فَصلُّ وا للَّه حِينَ تُمْسُونَ، قيل: هي صلاة العصر والمغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ صلاة الصبح ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يحمده أهل السماوات وأهل الأرض ﴿وَعَشِيًّا﴾ قيل: هي صلاة العشاء الآخِرة؛ أي: وسَبِّحُوهُ عَشِيًّا، نصب على الظرف ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ صلاة الظُّهْر.
وقال ابن عباس: جَمَعت هذه الآيةُ الصلواتِ الخَمْسَ ومواقيتَها، فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: الفجر، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظهر.
ومعنى ﴿تُمْسُونَ﴾: تدخلون فِي وقت المساء، ومثله: ﴿تُصْبِحُونَ﴾ و ﴿تُظْهِرُونَ﴾ في الوقتين جميعًا، واعْتَرَضَ بين ذِكْرِ الأوقات قولُهُ تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يحمَدُه أهل السماوات وأهل الأرض، ويُصَلُّونَ له ويَسْجُدُونَ.
فصل
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي، أدرك ما فاته من ليلته" (٢).
стр. 538
وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ هذه الآياتِ الثلاثَ مِن سُورةِ الرُّوم وآخِرَ سُورةِ الصّافّاتِ دَبْرَ كُلِّ صلاةٍ يُصَلِّيها، كُتِبَ له من الحسنات عَدَدُ نُجُوم السماءِ، وقَطْرِ المطرِ، وعَدَدَ وَرَقِ الشَّجَر، وعَدَدَ نَباتِ الأَرضِ، فإذا مات أجرى اللَّه له بكُلِّ حَسَنةٍ عَشْرَ حَسَناتٍ في قَبْرِهِ" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أن يُكالَ له بالقَفِيزِ الأَوْفَى، فلْيَقُلْ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾، إِلَى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ إلى قوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
وعن الضَّحاك قال: من قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ إلى آخر الآية، كان له من الأجر بِعِدْلِ مائتي رقبة من ولد إسماعيل ﵇.
وعن كعب قال: "من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ إلى آخر الآية، لم يَفُتْهُ خَيْرٌ كان في يومه، ولم يُدْرِكْهُ شَرٌّ كان فيه، ومن قالها حين يُمْسِي، لم يدركه شَرٌّ كان في ليلته، ولم يَفُتْهُ خَيْرٌ كان
стр. 539
فيها، وكان إبراهيم خليلُ اللَّه يقولها في كل يوم وليلة ستَّ مرات" (١).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ يعني: دلائل قدرته ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا (٢٤)﴾ يعني بالخوف: للمسافر (٢) من الصواعق، وبالطمع: للمقيم الحاضر في المطر، وهما منصوبان على المصدر.
وأصل ﴿يُرِيكُمُ﴾: أَنْ يُرِيَكُمْ، فلما حذفت "أَنْ" رجع الفعل إلى الرفع (٣)، وإنما حذف "أَنْ" من قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ لدلالة الكلام عليه، كقول طرفة:
стр. 540
١١٣ - ألا أَيُّهذا الزّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى... وأَنْ أَشْهَدَ اللَّذّاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدِي؟ (١)
أراد: أَنْ أَحْضُرَ، وقال آخر:
١١٤ - وما العَيْشُ إلّا تارَتانِ فمِنْهُما... أَمُوتُ وأُخْرَى أَبْتَغي العَيْشَ أَكْدَحُ (٢)
стр. 541
وقيل (١): هو على التقديم والتأخير، تقديره: ويريكم البرق من آياته.
قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يخلقهم أولًا، ثم يخلقهم ثانيًا للبعث، وقرأ ابن مسعود: ﴿يَبْدَأُ﴾ (٢)، ودليله قوله تعالى: ﴿هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾ (٣)، ودليل قراءة العامة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ (٤)، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: هَيِّنٌ عليه الإعادةُ، وما شيء عليه بعزيز، وقد يجيء "أَفْعَلُ" بمعنى الفاعل كقول الفرزدق:
١١٥ - إنَّ الَّذي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لنا... بَيْتًا دَعائمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ (٥)
стр. 542
أي: عزيزة طويلة، وقال الراجز (١):
١١٦ - لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ... لِمعرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأَفْضَلُ (٢)
أي: فاضل. والكناية في قوله: ﴿وَهُوَ﴾ تعود إلى الإعادة، وهو مصدر فأُجْرِيَ على التذكير، ودل عليه الفعل، وهو قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، والفعل يدل على المصدر (٣).
قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الصفة العليا، وهي أنه: لا إله غيره ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُي﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.
قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ يعني: اجعَلْ عملَك وأَخْلِصْ دِينَكَ يا محمدُ للَّه وأنت مسلم، والوجه: ما يُتَوَجَّهُ إليه، وعَمَلُ الإنسانِ ودِينُهُ مما يُتَوَجَّهُ إليه لتسديده وإقامته، وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يعني: مائلًا إليه، ومستقيمًا عليه، لا ترجِعْ عنه إلى غيره، وهو منصوب على الحال.
وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ يعني: دين اللَّه، وقيل: خِلْقةَ اللَّه التي خلق الناس عليها، واحتُجَّ بقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وقيل: الفطرة:
стр. 543
المِلّةُ وهي الإسلام والتوحيد الذي خلق اللَّه عليه المؤمنين، والمراد بالناس هاهنا: المؤمنون الذين فطرهم اللَّه على الإسلام؛ لأن المشرك لم يُفْطَرْ على الإسلام، ولفظ الناس عامٌّ والمراد منه الخصوص.
نصب ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ على الإغراء، وهو قول الزَّجّاج، قال (١): ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب بمعنى: اتبع فطرة اللَّه، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يعني: لِدِينِ اللَّهِ؛ أي: لا يصلح ذلك ولا ينبغي، ظاهِرُهُ نَفْيٌ ومعناه نَهْيٌ؛ أي: لا تُبَدِّلُوا دينَ اللَّه الذي هو التوحيد بالشرك والكفر ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يعني: التوحيدُ هو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ يعني: كفار مكة لا يعلمون توحيد اللَّه.
قوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: راجعين إلى اللَّه بالتوبة مقبلين إليه بالطاعة، وهو منصوب على الحال والقطع (٢)، وقيل (٣): على الإغراءِ بإضمار: كونوا منيبين إليه، والمعنى: فأقم وجهك يا محمد أنت وأُمتك منيبين إليه راجعين إلى كلِّ ما أمر اللَّه به، مع التقوى وأداء الفرائض، وهو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. . . (٣١)﴾ الآية.
стр. 544
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ يعني كفار مكة ﴿ضُرٌّ﴾؛ أي: قحطٌ وبلاء ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ نصب أيضًا على الحال، وقيل: على [عامةٌ] (١) يقول: راجعين إليه، إذا أصابهم ما يكرهون من المصائب والبلايا وغيرها أقبلوا إليه بالدعاء، وأخلصوا إليه بالعمل، ولا يشركون معه غيره في الدنيا ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ وهي العافية والخصب والسَّعة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ مَن كان منهم على غير الإسلام من أهل الملل ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ معه الآلهة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ قرأ ابن كثير: ﴿آتَيْتُمْ﴾ (٢) مقصورًا غَيْرَ ممدودٍ من المجيء، وهو يَؤُولُ فِي المعنى إلى قول من قرأ بالمد، كأنه قيلٍ: ما جئتم من ربًا، ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له، كما تقول: أتيتَ خَطَأً، وأتيتَ صوابًا، وأتيت قبيحًا، إنما هو فعل منه له.
وقوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾؛ أي: فِي اجتلاب أموال الناس. قرأ الحسن وعكرمة وأهل المدينة: ﴿لِتُرْبُو﴾ بتاءٍ مضمومة وجزم الواو على الخطاب، أي: لِتُرْبُوا أنتم، وهي قراءة ابن عباس واختيار يعقوب وأيوب وأبي حاتم، وقرأ الآخرون بياء مفتوحة ونصب الواو (٣)، وجعلوا الفعل للربا، واختاره أبو عبيد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ (٣٩)﴾ ولم يقل: فلا يُرْبَى، والمعنى: فلا يَزْكُو عند اللَّه؛ لأنه لم يُرَدْ به وَجْهُ اللَّه، بل قُصِدَ به الزيادةُ والعوضُ، ولم يُقْصَدْ به البِرُّ والتقوى.
стр. 545
قيل: المراد بالآية هو أنّ الرجل يُعْطِي الرجلَ العطيةَ، ويُهْدِي له الهديةَ؛ ليأخذَ أكثرَ منها، فهذا رِبًا حلالٌ ليس فيه حرام ولا وِزْرٌ، وهذا للناس عامّةً، فأما النبي ﷺ خاصةً فكان هذا عليه حرامًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ (١)، وفيه اختلاف كثير، وهذا قول عامة أهل التفسير.
قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ يعني: للخلق تبشرهم بالمطر؛ لأنها تنشئ السحابَ، ثم تؤلِّفها، فإذا رآها الخلق اسْتَبْشَرُوا بِها، وقالوا: خَلْفَها الغَيْثُ، فتُدِرُّ كما تُدِرُّ الناقةُ، والتاء في قوله: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾: في موضع نصب على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: الغيثَ والخِصب ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ في البحر بتلك ﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا﴾ في البحر ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: الرزق بالتجارة، وكلُّ هذا بالرياح، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾؛ أي: ولكي تشكروا رب هذه النعم، فتُوَحِّدُوهُ.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: بالدلائل الواضحات على صدقهم، ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: عَذَّبْنا الذين كفروا وكذبوا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ يعني: واجبًا علينا ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وفِي هذا تبشير للنبي ﷺ بالظَّفَرِ فِي العاقبة، والنصرِ على من كَذَّبَهُ.
ونصب ﴿حَقًّا﴾ على: خبر "كان"، و ﴿نَصْرُ﴾: اسمها، تقديره: وكان نَصْرُ المؤمنين حَقًّا علينا، ولو كان في غَيْرِ القرآن لَجازَ رَفْعُ "حقٍّ"، ونصب "نَصْرٍ"؛ لأن "حقًّا" وإن كان نكرة فبَعْدَهُ ﴿عَلَيْنَا﴾، ولجاز أيضًا رفعهما على
стр. 546
أن تضمر فِي "كان" اسمها، والخبر فِي الجملة (١).
فصل
رَوَى أبو الدرداء، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من امرئ مسلم يَرُدُّ عن عِرْضِ أخيه إلّا كان حقًّا على اللَّه -سبحانه- أن يَرُدَّ عنه نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القيامة"، ثم تلا رسولُ اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ يعني: تزعجه من حيث هو، قرأ ابنُ كثير وحمزةُ والكسائي: ﴿الرِّيحَ﴾ (٣) على التوحيد، وقرأ الباقون: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على الجمع، وقوله: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ إن شاء بَسَطه مسيرةَ يوم أو يومين، والكناية عائدة على لفظ السحاب، فلذلك ذَكَّرَها، والسحاب جَمْعٌ (٤)، كما تقول: هذا تَمْرٌ جَيِّدٌ.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ يعني: قِطَعًا متفرقة، وقرأ ابن عامر بإسكان السين (٥)، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ يعني: من وسطه،
стр. 547
وقرأ ابن عباس: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ (١)، ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِه﴾ يعني: بالوَدْقِ ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾ يفرحون بِنُزُولِ المطر.
فصل
عن وهب بن مُنَبِّهٍ، أنه قال: "شَكَتِ الأرضُ إلى اللَّه أيام الطوفان؛ لأن اللَّه أرسل الماء بغير وزن ولا كَيْلٍ، فخرج الماءُ غَضَبًا للَّه فخَدَشَ الأرضَ وخَدَّدَها (٢)، فقالت: يا رب: إن الماء خَدَشَنِي وخَدَّدَنِي، فقال اللَّه فيما بلغني، واللَّه أعلم-: "إنِّي سأجعل له غِرْبالًا لا يُخَدِّدُكِ ولا يَخْدِشُكِ"، فجعل السحاب غِرْبالًا للمطر" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ﴾؛ أي: وما كانوا من قبل ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: المطر ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل أن يَزْرَعُوا ﴿لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾؛ أي: إِلّا مُبْلِسِينَ (٤)، يعني: آيِسِينَ قانطين من المطر.
стр. 548
فإن سأل سائلٌ: ما معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾؟ فالجواب: أن الأول: للتَّنْزِيلِ، والثانِيَ: للمطر (١)، ويجوز أن يكون إنما كرر "قَبْلًا" مرتين للتوكيد، كقولك: من قبل ذلك، ومن قبل ذاك (٢)، وقيل (٣): الهاء راجعٌ إلى إرسال الريح؛ أي: أَبْلَسوا قبل الإرسال الذي يَدُلُّ على المطر، وقيل: هو توكيد كما ذكرنا، قال الشاعر:
١١٧ - إذا أنا لم أُومِنْ عليْكَ، ولم يكُنْ... لِقاؤُكَ إلّا مِنْ وراءُ وراءُ (٤)
وقيل (٥): الهاء راجِعٌ إلى الزرع كما ذُكِرَ في الأول.
стр. 549
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: إنزال المطر، يعني: إلى حُسْنِ تَأْثِيرِهِ في الأرض. قرأ أهل الشام وأهل الكوفة إلا أبا بكر: ﴿آثارِ﴾ بالألف على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿أَثَرِ﴾ (١) على الواحد، فمن أفرد فلأنه مضاف إلى مفرد، ومن جَمَعَ جاز له؛ لأن رحمة اللَّه يجوز. أن يراد بها الكثرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٢)، وأَثَرُ رحمة اللَّه هو النبات، وهو أثر المطر، والمطر رحمة اللَّه ونعمته على خلقه.
وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: انظر كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نَبْتٌ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي جعل ما ترَوْنَ وهو اللَّه تعالى ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ في الآخرة، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: قادر على ما يشاء من الموت والبعث.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ يعني ريحًا باردة مُضِرّةً، فأفسدتْ ما أَنْبَتَ الغَيْثُ، والريح إذا أتت على لفظ الواحد أُرِيدَ بها العذابُ، ولِهَذا كان النبي ﷺ يقول عند هبوب الريح: "اللَّهُمَّ اجْعلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا" (٣).
وقوله: ﴿فَرَأَوْهُ﴾ يعني: الزرع والنبات، كناية عن غير مذكور (٤)،
стр. 550
﴿مُصْفَرًّا﴾ هو يعني: يابسًا بعد خضرته، وقيل (١): أراد السحاب، فإنه إذا اصْفَرَّ لم يمطر ﴿لَظَلُّوا﴾؛ أي: لصاروا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد اصفرار النبت والزرع ﴿يَكْفُرُونَ (٥١)﴾؛ أي: يجحدون ما سلف من النعمة بعد ما رأوا هذه الآياتِ الواضحات، ونصب ﴿مُصْفَرًّا﴾ على الحال لأنه من رؤية العين.
قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يعني: من نطفة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يعني: شبابًا، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ يعني: هَرَمًا وكِبَرًا، قرأ يحيى بن وَثّاب والأعمش وعاصمٌ وحمزة بفتح الضاد من الضُّعف في الثلاثة كلِّها، وقرأ الباقون بالضم (٢)، واختاره أبو عُبيد؛ لأنها لغةُ النبي ﷺ (٣)، قال الفرّاء (٤): الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، والاختيار الضم لِما تَقَدَّمَ، والشيبة: مصدر، كالشيب.
وقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: من ضُعف وقوة وشَيْبة وشباب، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ على ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: يحلف المشركون
стр. 551
﴿مَا لَبِثُوا﴾ فِي القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: نصبٌ على الاستثناء؛ أي: إلّا ساعةً واحدة، ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ يقال: أُفِكَ فُلانٌ: إذا صُرِفَ عن الصدق وعن الخير.
قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ قال ابن عباس: لا يُقْبَلُ من الذين أشركوا عذرٌ ولا عتاب ولا توبةٌ ذلك اليومَ، وقرئ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء (١)، وهي قراءة الكوفيِّين؛ لأن التأنيث ليس بحقيقي في المعذرة، وقد وقع الفصل بين الفاعل وفعله فقَوِيَ التَّذْكِيرُ (٢)، وقرأ الباقون بالتاء.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾ يعني: لا تُطْلَبُ منهم العُتْبَى والرجوعُ في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ احتجاجًا عليهم وتنبيهًا لهم، ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿بِآيَةٍ﴾ مثلَ: العصا واليد البيضاء ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ﴾؛ أي: ما أنت يا محمدُ وأصحابُك ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾ أصحاب أباطيل، وقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ فُتحت اللام التي قبل النون؛ لأنه فعل متقدِّم لا ضمير فيه (٣).
стр. 552
قوله : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يقول: اصبِرْ يا محمد على ما تَلْقاهُ من أذى المشركين ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١)، فإن وعد اللَّه حقٌّ في نصرك وتمكينك وإظهارك على عدوك، ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ أي: ولا يَسْتَفِزَّنَّكَ إلى مُتابَعةِ الشُّبُهاتِ، والإخْلادِ إلى الشَّهَواتِ، وقيل: مَعْناهُ: ولا يَسْتَزِلَّنَّكَ ويَسْتَحْقِرَنَّ رَأْيَكَ وحُكْمَكَ وحِلْمَكَ ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ بالبعث والحساب وبما جئت به من أمر اللَّه ودينه، والمعنى: لا يَحْمِلَنَّكَ أذاهم على أن تَخِفَّ نَفْسُكَ وتَضْعُفَ.
يقال: اسْتَخَفَّهُ عن رأيه: إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب، وهو فِي موضع جزم بالنهي، أكِّدَ بالنون الثقيلة فبُنِيَ على الفتح، كما يُبْنَى الشيئان إذا ضُمَّ أَحَدُهُما إلى الآخر، ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ في موضع رفع، ومن العرب من يقول: "اللَّذُونَ" في موضع الرفع (٢)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 553
سورة لقمان
مكِّية
وهي ألفان ومائةٌ وعشَرة أحرف، وخمسُمائة وثمانٍ وأربعون كلمةً، وأربع وثلاثون آية.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورةَ لقمانَ كان له لقمانُ رفيقًا يوم القيامة، وأُعْطِيَ من الحسنات عَشْرًا بعدد من عمل بالمعروف وعمل بالمنكر" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورةَ لقمان خَلَطَ اللَّه الإيمان بشَعَرِه وبَشَرِهِ ولحمه ودمِه، حتى يتوفاه على ذلك" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿الم (١) تِلْكَ﴾ يعني: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ
стр. 554
الْحَكِيمِ (٢)﴾ وهو القرآن، وسَمّاهُ حكيمًا لأنه يُبَيِّنُ فيه حلالَهُ وحَرامَهُ وأَمْرَهُ ونَهْيَهُ، فهو بيان من الضلالة وموعظة من الجهل.
قوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ يعني: الموحِّدين من أصحاب محمد ﷺ ، وهي عامّةٌ لكل محسن، قرأ العامة: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ بالنصب والقطع من ﴿تِلْكَ﴾ (١)، قال الزجاج (٢): المعنى: تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة. وقرأ حمزة: ﴿وَرَحْمَةً﴾ (٣) بالرَّفع على: خبر الابتداء على إضمار "هو" (٤).
قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (٤)﴾؛ أي: يُتِمُّونَ الصلاة بوضوئها وركوعها وسجودها ومواقيتها ومعالمها، و"الَّذِينَ": في موضع رفع على إضمار مبتدأٍ؛ لأنه أول آية، أو في موضع نصب، بمعنى: أعني، أو في موضع خفض على أنه: نعت للمحسنين (٥).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني: النَّضر بن الحارث ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾؛ أي: باطِلَهُ وما شَغَلَ عن الخير، وقيل: لَهْوُ الحديث يعني به القَيْناتِ المُغَنِّياتِ، وسُمِّيَ لَهْوًا لأنه يُلْهِي عن ذكر اللَّه تعالى، يقال: لَهَوْتُ عن
стр. 555
الشيء: إذا أَعْرَضْتَ عنه، و ﴿مَنْ﴾ في موضع: رفع بالابتداء أو بالصِّفةِ (١).
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: كي يَسْتَزِلَّ بحديث الباطل عن دين اللَّه الإسلام بغير علم يعلمه، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لِيَضِلَّ﴾ بفتح الياء (٢)، وقرأ الباقون بالضم، قال الزَّجّاج (٣): من قرأ بضم إلياء فمعناه: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ وإذا أَضَلَّ غَيْرَهُ فقد ضَلَّ هو، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه: لِيَصِيرَ أَمْرُهُ إلى الضلال، وهو -وإن لم يَشْتَرِ الضَّلَالَ- فإنه يصير أَمْرُهُ إلى ذلك.
قوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا (٦)﴾ يعني: ويتخذ آياتِ اللَّه القرآنَ استهزاءً به، وقيل: الكناية تعود إلى سبيل اللَّه (٤)، والسبيل تؤنَّث كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٥).
قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلفٌ وحفصٌ ويعقوب: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بنصب الذال: عطفًا على قوله: ﴿لِيُضِلَّ﴾، وهو اختيار أبِي عبيد؛ لقربه من المنصوب، وقرأ الآخرون بالرفع (٦)، نسقًا على قوله: ﴿يَشْتَرِي﴾، وقرأ حمزة:
стр. 556
﴿هُزْوًا﴾ ساكنةَ الزاي، الباقون بضمها، وقلب حفصٌ الهمزةَ واوًا (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ يعني: النَّضرَ بن الحارث ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ نصبٌ على الحال، أَعْرَضَ عن الإيمان والقرآن متكبرًا، ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ يعني: آيات القرآن، ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ يعني: ثِقْلًا، وهو الصَّمَمُ، فلا يسمع القرآن، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾؛ أي: وجيع، وقيل: أراد به يومَ بدر، قَتَلَهُ عَلِيُّ بن أَبِي طالب ﵁.
فصل
رَوَى أبو أُمامةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَحِلُّ تعليم المُغَنِّياتِ ولا بَيْعُهُنَّ، وأثمانُهُنَّ حرام، وفِي مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الصَّلَوةَ. . .﴾ إلى آخر الآية، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بَعَثَ اللَّهُ عليه شَيْطانَيْنِ، أحدهما على هذا المنكِب، والآخَر على هذا المنكِب، فلا يَزالانِ يضربان بأرجلهما على ظهره وصدره حتى يكون هو الذي يسكت" (٢).
стр. 557
وعن أبي أُمامة أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه بَعَثَني رَحْمةً لِلعالَمِينَ، وأَمَرَني رَبِّي بمَحْقِ المَعازِفِ والمَزاميرِ والأوثان والصليب وأَمْرِ الجاهلية، وحَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ: لا يَشْرَبُ عَبْدٌ من عبادي جَرْعةً مِنْ خَمْرٍ، إلّا سَقَيْتُهُ مِثْلَها من الصَّدِيدِ يوم القيامة، مغفورًا له أو مُعَذَّبًا، ولا يَسْقِيها صَبِيًّا صغيرًا مُسْلِمًا إلّا سقيتُه مثلَها من الصديد يوم القيامة، مغفورًا له أو مُعَذَّبًا، ولا يَتْرُكُها مِن مَخافَتي إلّا سَقَيْتُهُ مِن حِياضِ القُدُسِ يومَ القيامة" (١).
وعن محمد بن المُنْكَدِرِ، قال (٢): بَلَغَنِي أن اللَّه يقول يوم القيامة: "أين الذين كانوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُم وأَسْماعَهُم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أَدْخِلُوهُمْ رياضَ المِسْكِ"، ثم يقول للملائكة: "أَسْمِعُوا عبادي حَمْدِي وتمجيدي، وأَخْبِرُوهُم أَنْ لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن مَلأَ مَسامِعَهُ من غِناءٍ لم يُؤْذَنْ له أن يَسْمَعَ صَوْتَ الرُّوحانِيِّينَ يوم القيامة"، قيل: وما الرُّوحانِيُّونَ يا رسول اللَّه؟ قال: "قُرّاءُ أَهْلِ الجنة" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: لا تَعْدِلْ به شيئًا في العبادة، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ يريد: ليس من
стр. 558
الذنوب شيءٌ أَعْظَمَ من الشرك باللَّه، فمن قرأ: ﴿يَابُنَيَّ﴾ (١) بالكسر، فمحله: نصبٌ؛ لأنه نداء مضاف، فأراد: "بُنَيِّيَ"، وكذلك من قرأه بالنصب، إلا أنه قَلَبَ خَفْضَ ياءِ الإِضافةِ أَلِفًا (٢)، فصار "يا بُنَيّا"، فحذف الألف، واجْتَزَأَ بالفتحة، ومَن كَسَرَ فلِأَنَّهُ كَرِهَ اجتماعَ الياءات والحركة عليها.
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: سعد بن أَبي وقاص ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ يعني أباه -واسمه مالك- وأُمَّهُ حَمْنةَ، وقد مضت القصة في سورة العنكبوت (٣).
وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ قيل: شِدّةً بعد شِدّةٍ، وقيل: ضَعْفًا على ضَعْفٍ؛ أي: كُلَّما عَظُمَ خَلْقُهُ فِي بطنها زاد ضَعْفُها، وقيل: جُهْدًا على جُهْدٍ، وقيل: مَشَقّةً على مَشَقّةٍ. وهو نصب على المصدر (٤)، وقيل (٥): على نزع الخافض، تقديره: حملته أمه بوهن؛ أي: بضعف.
стр. 559
قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ الفِصالُ: الفِطامُ، وهو أن يُ فْصَلَ الوَلَدُ عن الأم، أي: يُفْطَمَ كي لا يرضع منها أكثر من عامين، ورُوِيَ عن يعقوب أنه قرأ: ﴿وَفِصَلُهُ﴾ بغير ألف (١)، وهو ابتداء، وخَبَرُهُ فِي الظرف، على تقدير: وفِصالُه يقع في عامين، أي: في انقضاء عامين، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾؛ أي: وأَطِعْ والدَيْك، والمعنى: ووصيناه بشكرنا، أو: وهديناه للإسلام وشُكْرِ والديه بما أَوْلَياهُ من الإنعام ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ المَرْجِعُ والمُنْقَلَبُ، فأجزيك بعملكَ.
فصل
عن سفيان بن عُيينة -في قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ - قال: "مَنْ صَلَّى الصلوات الخمسَ فقد شَكَرَ للَّه ، ومن دعا للوالدين فِي أدبار الصلوات فقد شكر للوالدين" (٢).
قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ يعني: عِشْرةً جميلةً، ونَفَقةً بالمعروف، وهو منصوبٌ بنزع حرف الصفة، أي: بِمعروف (٣)، وقيل (٤): هو نعت لمصدر
стр. 560
محذوف، تقديره: وصاحِبْهُما في الدنيا صِحابًا معروفًا، نزلت فِي سعد بن أَبي وقاص وأُمِّهِ أيضًا.
قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ قال بعض النحاة (١): هذه الكناية راجعة إلى الخطيئة والمعصية، يعني: أن المعصية إن تَكُ، يدل عليه قول مقاتل (٢): قال أَنْعَمُ ابن لقمان لأبيه: يا أَبَتِ! إن عَمِلْتُ بالخطيئة حيث لا يرانِي أَحَدٌ، كيف يعلمها اللَّه؟ فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ. . .﴾ الآيةَ، وفي رواية أخرى، أنه قال لابنه: أَرَأَيْتَ لو كانت حَبّةً من خَرْدَلٍ فِي مَقْلِ البحر، يعني: وَسَطَهُ، أكان اللَّه يعلمها؟ فقال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. . .﴾ هو الآية (٣).
قال الزجاج (٤): المعنى: إن التي سَأَلْتَني عنها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبّةٍ من خَرْدَلٍ، وقال آخرون (٥): هذه الهاء عماد، وإنما أَنَّثَ لأنه ذهب بها إلى الحبة، كقول الشاعر:
стр. 561
١١٨ - وتَشْرَقَ بِالقَوْلِ الَّذي قد أَذَعْتَهُ... كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ منَ الدَّمِ (١)
والمثقال يُقْرَأُ بالرَّفع والنَّصب (٢)، فمَن نَصَبَ -وهي قراءة العامة- فعلى خبر "كان"، المعنى: إِنْ تَكُ الخطيئةُ مثقالىَ حَبّةٍ من خردل، ومَن رَفَعَ -وهي قراءة نافع- فعلى اسم "كان"، ومجازه: إِنْ يَقَعْ، وحينئذٍ لا خبر له، وقد مضى نظيرها في سورة الأنبياء (٣).
قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ يعني الصخرة الخضراء التي تحت الأَرَضِينَ، وهي التي كُتِبَتْ فيها أعمالُ الفجار، وخُضْرةُ السماء منها، قاله ابن عباس (٤)،
стр. 562
وقال السُّدِّيُّ (١): هذه الصخرة ليست في السماوات ولا في الأرض، هي تحتَ سَبْعِ أَرَضِينَ، عليها مَلَكٌ قائمٌ قال صاحب إنسان العين (٢): هي صخرة عليها الأرض حيث لم نعرف، ولا معنى للقول بأنها سِجِّينٌ.
وقوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ هذا جواب الشرط، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ (١٦)﴾ عليم بمكانها، قال الثعلبي ﵀ (٣): "رأيت في بعض الكتب، أن لقمان قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. . .﴾ إلى آخر الآية، فانْفَطَرَ هَيْبةً من هذه الكلمة فمات، فكان آخِرَ حِكْمَتِهِ".
قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، وقرأ النَّخَعي ونافعٌ وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلفٌ والأعمش ويحيى وابنُ محيصِن: بالألف، ورُوِيَ عن عاصم الجَحْدَرِيِّ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ بضم التاء وجزم الصاد، من أَصْعَرَ، وقرأ الباقون: ﴿تُصَعِّرْ﴾ (٤) بغير ألف مع التشديد، من التَّصْعِيرِ، ومعناه: لا تتكَبَّرْ فتُحَقِّرَ الناسَ، وتُعْرِضَ عنهم بوجهك إذا كَلَّمُوكَ، وقيل: معناه: لا تَعْبِسْ فِي وجوه الناس، وقيل: التصعير: التشديق في الكلام.
وأصل هذه الكلمة من المَيْلِ، يقال: رَجُلٌ أَصْعَرُ: إذا كان مائِلَ العُنُقِ، وجمعه: صُعْرٌ، والصَّعَرُ: داءٌ يأخذ الإبل في أعناقها ورءوسها حتى تَلْتَفِتَ
стр. 563
أعناقُها، فشُبِّهَ الرجلُ المتكبر الذي يُعْرِضُ عن الناس احتقارًا لهُم بذلك (١)، قال الشاعر:
١١٩ - وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ... أَقَمْنا لهُ مِن مَيْلِهِ فتَقَوَّما (٢)
وقال آخر:
١٢٠ - وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدُّهُ... ضَرَبْناهُ تحتَ الأُنْثَيَيْنِ على الكَرْدِ (٣)
أي العنق، والأُنثيان: الأُذُنانِ.
стр. 564
قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ خُيَلَاءَ، وقيل: أَشَرًا وبَطَرًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ مختال فِي مشيه فخور على الناس، ونصب ﴿مَرَحًا﴾؛ لأنه مصدر فِي موضع الحال، وقد مضى نظيره فِي سورة بني إسرائيل (١).
فصل
عن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَرَجَ رجلٌ يَتبَخْتَرُ في الجاهليّة، علَيْهِ حُلّةٌ، فأَمَرَ اللَّهَ الأرضَ فأَخَذَتْهُ، فهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامة" (٢).
قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ يعني قَصْدًا، لا بِخُيَلَاءَ ولا إِسْراعًا، يقال: قَصَدَ فُلَانٌ فِي مشيه: إذا مَشَى مُسْتَوِيًا، وقيل: معناه: انظر إلى موضع قدمك، وقيل: امْشِ بالسكينة والوقار، رَوَى ابنُ عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سُرعةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاء المُؤْمن" (٣).
стр. 565
قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾؛ أي: أَخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أي: أقبحها، وقيل: أشدها ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾؛ لأن أوله زفير، وآخره شهيق، قال سفيان (١) في تفسير هذه الآية: صِياحُ كُلِّ شيءٍ يُسَبِّحُ للَّه إلّا الحمارَ، ولأنه ينهق بلا فائدة. وذكر النَّقّاش أن العطسة المرتفعةَ القبيحةَ من أنكر الأصوات (٢).
فصل
عن أم سعد (٣)، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يبغض ثلاثة أصوات: نهيقَ الحمار ونُباحَ الكلب والداعيةَ بالحرب".
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الجبال والأنهار والبحار والنَّبْتَ والأشجار عامًا بعام، قال الزجاج (٤): ومعنى تسخيرها للآدميِّين