← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

١١٨ - وتَشْرَقَ بِالقَوْلِ الَّذي قد أَذَعْتَهُ... كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ منَ الدَّمِ (١) والمثقال يُقْرَأُ بالرَّفع والنَّصب (٢)، فمَن نَصَبَ -وهي قراءة العامة- فعلى خبر "كان"، المعنى: إِنْ تَكُ الخطيئةُ مثقالىَ حَبّةٍ من خردل، ومَن رَفَعَ -وهي قراءة نافع- فعلى اسم "كان"، ومجازه: إِنْ يَقَعْ، وحينئذٍ لا خبر له، وقد مضى نظيرها في سورة الأنبياء (٣). قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ يعني الصخرة الخضراء التي تحت الأَرَضِينَ، وهي التي كُتِبَتْ فيها أعمالُ الفجار، وخُضْرةُ السماء منها، قاله ابن عباس (٤)،

стр. 562

وقال السُّدِّيُّ (١): هذه الصخرة ليست في السماوات ولا في الأرض، هي تحتَ سَبْعِ أَرَضِينَ، عليها مَلَكٌ قائمٌ قال صاحب إنسان العين (٢): هي صخرة عليها الأرض حيث لم نعرف، ولا معنى للقول بأنها سِجِّينٌ. وقوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ هذا جواب الشرط، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ (١٦)﴾ عليم بمكانها، قال الثعلبي ﵀ (٣): "رأيت في بعض الكتب، أن لقمان قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. . .﴾ إلى آخر الآية، فانْفَطَرَ هَيْبةً من هذه الكلمة فمات، فكان آخِرَ حِكْمَتِهِ". قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، وقرأ النَّخَعي ونافعٌ وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلفٌ والأعمش ويحيى وابنُ محيصِن: بالألف، ورُوِيَ عن عاصم الجَحْدَرِيِّ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ بضم التاء وجزم الصاد، من أَصْعَرَ، وقرأ الباقون: ﴿تُصَعِّرْ﴾ (٤) بغير ألف مع التشديد، من التَّصْعِيرِ، ومعناه: لا تتكَبَّرْ فتُحَقِّرَ الناسَ، وتُعْرِضَ عنهم بوجهك إذا كَلَّمُوكَ، وقيل: معناه: لا تَعْبِسْ فِي وجوه الناس، وقيل: التصعير: التشديق في الكلام. وأصل هذه الكلمة من المَيْلِ، يقال: رَجُلٌ أَصْعَرُ: إذا كان مائِلَ العُنُقِ، وجمعه: صُعْرٌ، والصَّعَرُ: داءٌ يأخذ الإبل في أعناقها ورءوسها حتى تَلْتَفِتَ

стр. 563

أعناقُها، فشُبِّهَ الرجلُ المتكبر الذي يُعْرِضُ عن الناس احتقارًا لهُم بذلك (١)، قال الشاعر: ١١٩ - وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ... أَقَمْنا لهُ مِن مَيْلِهِ فتَقَوَّما (٢) وقال آخر: ١٢٠ - وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدُّهُ... ضَرَبْناهُ تحتَ الأُنْثَيَيْنِ على الكَرْدِ (٣) أي العنق، والأُنثيان: الأُذُنانِ.

стр. 564

قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ خُيَلَاءَ، وقيل: أَشَرًا وبَطَرًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ مختال فِي مشيه فخور على الناس، ونصب ﴿مَرَحًا﴾؛ لأنه مصدر فِي موضع الحال، وقد مضى نظيره فِي سورة بني إسرائيل (١). فصل عن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَرَجَ رجلٌ يَتبَخْتَرُ في الجاهليّة، علَيْهِ حُلّةٌ، فأَمَرَ اللَّهَ الأرضَ فأَخَذَتْهُ، فهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامة" (٢). قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ يعني قَصْدًا، لا بِخُيَلَاءَ ولا إِسْراعًا، يقال: قَصَدَ فُلَانٌ فِي مشيه: إذا مَشَى مُسْتَوِيًا، وقيل: معناه: انظر إلى موضع قدمك، وقيل: امْشِ بالسكينة والوقار، رَوَى ابنُ عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سُرعةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاء المُؤْمن" (٣).

стр. 565

قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾؛ أي: أَخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أي: أقبحها، وقيل: أشدها ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾؛ لأن أوله زفير، وآخره شهيق، قال سفيان (١) في تفسير هذه الآية: صِياحُ كُلِّ شيءٍ يُسَبِّحُ للَّه إلّا الحمارَ، ولأنه ينهق بلا فائدة. وذكر النَّقّاش أن العطسة المرتفعةَ القبيحةَ من أنكر الأصوات (٢). فصل عن أم سعد (٣)، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يبغض ثلاثة أصوات: نهيقَ الحمار ونُباحَ الكلب والداعيةَ بالحرب". قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الجبال والأنهار والبحار والنَّبْتَ والأشجار عامًا بعام، قال الزجاج (٤): ومعنى تسخيرها للآدميِّين

стр. 566

الانتفاع بها، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾؛ أي: أَوْسَعَ وأَكْمَلَ، يقال: سَبَغَتِ النِّعْمةُ: إذا تَمَّتْ، وأَسْبَغَها اللَّهُ: إذا أَتَمَّها، فالنعمة الظاهرة: الخَلْق والرزق والإسلام، والباطنة: ما سَتَرَ من ذنوب بني آدم فلم يعلم بها أحد ولم يُعاقَبْ عليها، وقيل: الباطنة: ما لا تبصره العَيْنُ ولا يدركه الوهم، كما قال: "وَلا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر" (١)، وهذا كله من النعم. قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وأبو رجاءٍ العُطاردي وأبو مِجْلَزٍ وأبو عَمْرو والأعرج (٢) وأيوبُ وحفصٌ: ﴿نِعَمَهُ﴾ بالجمع، وهو الاختيار، فعلى هذه القراءة نصب ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ على: الحال، وقرأ الآخرون: ﴿نِعْمةً﴾ (٣) منوَّنة على الواحدة، ومعناه جَمْعٌ أيضًا، دليله قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤)، وعلى هذه القراءة تكون ﴿ظَاهِرَةً﴾: نصبًا على النعت.

стр. 567

فصل عن ابن عباس ﵁ قال: سألتُ رسول اللَّه ﷺ قلت: يا رسول اللَّه: ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ قال: "أمّا الظاهرة فالإسلام وما حَسَّنَ مِن خَلْقِكَ، وما أَفْضَلَ عليك من الرزق، وأما الباطنة فما سَتَرَ من سوء عملك، يا ابن عباس: يقول اللَّه ﵎: إِنِّي جعلتُ للمؤمن ثلاثًا: صلاة المؤمن عليه بعد انقطاع عمله أُكَفِّرُ به عنه خطاياه، وجعلت له ثلث ماله لأكفر به عنه خطاياه، وسترت عليه سوء عمله الذي لو قد أَبْدَيْتُهُ للناس نَبَذَهُ أَهْلُهُ فمَنْ سِواهُم" (١). وفيه تفاسيرُ واختلافٌ بين العلماء يطول شرحها هاهنا، فاكتفينا بحديث المصطفى وتفسيره ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يعني: كفار مكة ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: وإن كان الشيطان ﴿يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾، قال الأخفش (٢): لفظه استفهام ومعناه تقرير، وقال أبو عُبيدة (٣): "لَوْ" ها هنا: متروكة الجواب، مجازه: أَوَلَوْ كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟ أي: موجباته، فيتبعونه.

стр. 568

قوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾؛ أي: نُعَمِّرُهُمْ ونُمْهِلُهُمْ قليلًا، يعني: أَيّامَ حياتهم إلى انقضاء آجالهم، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على النعت لمصدر محذوف، يعني: متاعًا قليلًا بما أُعطوا من الدنيا، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ يريد: فِي الآخرة، أي: نُلْجِئُهُمْ ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ وهو عذاب النار لا يجدون عنه ملجأً ولا محيصًا. قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾؛ أي: بُرِيَتْ أَقْلَامًا ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ قرأ ابن أَبي إسحاق (١) وأبو عمرو ويعقوب: ﴿وَالْبَحْرَ﴾ بالنصب (٢) عطفًا على اسم "أَنَّ"، وهو "ما" الذي بمعنى "الَّذِي"، ويحتمل أن يكون منصوبًا بإضمار فعلٍ تفسيرُه ما بعده تقديره: ويُمِدُّ البحرَ يُمِدُّدُ (٣). وقرأ غيرهم بالرفع على الاستئناف، كأنه قال: والبحرُ هذه حاله (٤)، وقيل (٥): على موضع "لَوْ أَنَّ" تقديره: ولو كان ما في الأرض، لأن "لو"

стр. 569

تطلب الأفعال، وحجتهم قراءة عبد اللَّه: ﴿وَبَحْرٌ يُمِدُّهُ﴾ (١)، يريد: ويَنْصَبُّ إليه ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: مِنْ خَلْفِهِ ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ يعني: عِلْمُ اللَّه وعجائبه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿حَكِيمٌ (٢٧)﴾ في أمره، وهذه الآية تقتضي أن كلامه غير مخلوق؛ لأن ما لا نهاية له ولما تَعَلَّقَ به من معناه فهو غير مخلوق. وقد حُكِيَ: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ (٢) بضم الياء وكسر الميم على أنهما لغتان بمعنًى واحد، وحُكِيَ التفريقُ بينهما، يقال فيما كان يزيد في الشيء: مَدَّهُ يَمُدُّهُ، كما تقول: مَدَّ النيلُ الخليجَ؛ أي: زاد فيه، وأَمَدَّ اللَّهُ الخليجَ بالنيل، وهذا أحسن القولين، وهو مذهب الفراء (٣). ويجوز: "تَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سبْعةُ أَبْحُرٍ" (٤) على تأنيث السبعة (٥)، والمعنى: لو زِيدَ في البحر سبعةُ أَبْحُرٍ تَمُدُّهُ بمائها، فكُتِبَ بتلك الأقلامِ، لَنَفِدَ المِدادُ قبل أن ينفد علم اللَّه، وهو قوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. قال طاهر بن أحمد (٦): وفي قراءة من رفع "البحرَ" إشكال يحتاج إلى لطف نظر، فـ ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في موضع الحال، وإذا

стр. 570

كان في موضع الحال احتاج إلى صاحب الحال وإلى عاملٍ في الحال، وليس معك عامِلٌ إلّا مُتَأَوَّلًا، وذلك التأويل: أنّ أقلامًا -وإن كانت أسماءً جامدةً- فإنها وقعت هاهنا موقع كاتبات أو جاريات، وإذا وقعت موقع كاتبات أو جاريات فقد تَحَمَّلَتِ الضميرَ، وصار فيها معنى الاشتقاق، فعَمِلَتْ في موضع الجملة الحالية النصبَ، فأما من نصب البحر فلا إشكال فيه؛ لأن الواو عاطفة للبحر على ﴿وما في الأَرْضِ﴾. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ فِي قوله وفعله، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ الذي ليس عنده نفعٌ ولا ضُرّ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ العالي على كل شيء بقدرته ﴿الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ الذي يَصْغُرُ كُلُّ شيء سواه، والباطل رفع على خبر ابتداء محذوف، تقديره: هو الباطل، نظيرها في سورة الحج (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يعني: الكفار ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ قيل: كالجبال، وقيل: كالسحاب التي تُظِلُّ ما تحتها، والظُّلَلُ: جمع ظُلّةٍ، شُبِّهَ المَوْجُ بها فِي كثرتها وارتفاعها، كقول النابغة الجعدي (٢): ١٢١ - يُماشِيهِنَّ أَخْضَرُ ذُو ظِلالٍ... عَلَيَّ، كأَنَّهُ فِلَقُ الدِّهانِ (٣)

стр. 571

وإنما شَبَّهَ الموجَ، وهو. واحدٌ، بالظُّلَلِ، وهو جَمْعٌ؛ لأن الموج يأتِي شيئًا بعد شيء، يركب بعضه بعضًا كالظُّلَلِ المتتابعة (١)، وقيل (٢): هو بمعنى الجمع، وإنما لم يُجْمَعْ لأنه مصدر وأصله من الحركة والازدحام. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ يعني: مُوَحِّدِينَ ﴿لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: التوحيد، ونصب ﴿مُخْلِصِينَ﴾ على: الحال، و ﴿الدِّينَ﴾: نصب بالإخلاص. قوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعني: عَدْلًا فِي وفاء العهد فِي البِرِّ بما عاهد عليه اللَّهَ في البحر من التوحيد له، يعني: المؤمن، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ يعني: يترك العهد ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ يعني: غدارًا بالعهد كفورًا للَّه في نِعَمِهِ في ترك التوحيد في البَرِّ. قال أبو عبيدة (٣): الخَتْرُ: أقبح الغدر، قال عمرو بن معدي كرب (٤): ١٢٢ - وإنَّكَ لو رَأَيْتَ أبا عُمَيرٍ... مَلأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وخَتْرِ (٥)

стр. 572

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لا يُغْنِي أحدُهُما عن الآخر شيئًا، ولا ينفعه ذلك اليومَ، يعني: الكفار، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١)، وقد تقدم، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ يريد: البعث ﴿حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: عن الإسلام والتزود للآخرة، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: بحلم اللَّه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ (٣٣)﴾ يعني به الباطلَ، وهو الشيطان، قرأه العامة بفتح الغين، هاهنا وفِي الملائكة والحديد (٢)، وقالوا: هو الشيطان، وهو الذي من شأنه أن يَغُرَّ، وقرأ سِماكُ بنُ حَرْبٍ (٣) بضَمِّ الغَيْنِ (٤)، ومعناه: لا تَغْتَرُّوا، والغَرُورُ بالفتح: الشيطان، والغُرُورُ بالضم: الدنيا (٥). قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ نزلت فِي رجل يقال له: الحارثُ بن عَمْرو بن حارثة من أهل البادية، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إن أرضنا

стр. 573

أَجْدَبَتْ، فمتى ينزل الغيث؟ وتركتُ امرأتي حُبْلَى، فماذا تَلِدُ؟ وقد علمتُ أين وُلِدْتُ، فبأَيِّ أرض أموتُ؟ وقد علمتُ ما عملتُ اليومَ، فماذا أعمل غدًا؟ ومَتَى السَاعةُ؟، فأنزل اللَّه في مسألة الحارثي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ يوم القيامة، لا يعلمها غيره، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ يعني: المطر، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ من ذَكَرٍ أو أنثى سَوِيٍّ وغَيْرِ سَوِيٍّ، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ بر أو فاجر ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خير أو شر، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فِي سَهْلٍ أو جَبَلٍ، فِي بَرٍّ أو بَحْرٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾، فقال النبي ﷺ : "أين السائل عن الساعة؟ "، فقال الحارثي: ها أنا ذا، فقرأ النبي ﷺ هذه الآية عليه (١). ورَوَى ابنُ عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "مفاتيح الغيب فِي خمس لا يعلمها إلا اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .﴾ الآية (٢). وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ كان حقه: "بأَيّةِ أَرْضٍ"، وهي قراءة أُبَيِّ بن كعب (٣)، إلّا أَنَّ مَنْ ذَكَّرَ قال: لأن الأرض ليسَ فيها من علامات التأنيث شيءٌ، وقيل: أراد بالأرض المكان، فلذلك ذُكِّرَ، واحتج بقول الشاعر: ١٢٣ - فلا مُزْنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها... ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقالَها (٤)

стр. 574

فذَكَّرَ "أَبْقَلَ"، ولم يقل: أبقلت، إِذْ كانت الأرض عاريةً من علامة التأنيث (١)، وأنشد أبو الفرج بن هِنْدُو (٢) في المعنى: ١٢٤ - تَعَلُّمُ أَحكامِ النُّجُومِ إضاعةٌ... لأِوْقاتِ عُمْرٍ يَنْقَضِي فتَفُوتُ فَما يَعْلَمُ الإنسانُ ما كسْبُهُ غدًا... ولا يَعْلَمُ الإنسانُ أيْنَ يَمُوتُ (٣)

стр. 575

فصل عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ (١)، قال: دخل مَلَكُ الموت ﵇ على سليمان ﷺ ، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، ويُدِيمُ النظرَ إليه، فلما خرج مَلَكُ الموت قال الرجل: من هذا؟ قال: مَلَكُ الموتِ، قال: فإِنِّي رأيته ينظر إليَّ كأنه يريدنِي، قال: فما تريد؟ قال: أريد أن تحملني الريحُ فتُلْقِيَني بالهند، فدعا سليمانُ ﵇ بالريح، فحمله عليها، فألقته بالهند، فقُبِضَ روحه هنالك، ثم أَتَى مَلَكُ الموت سليمانَ ﵇، فقال له: إنك كنتَ تُدِيمُ النظرَ إلى رجل من جلسائي، فقال: كنت أعجب منه، إنِّي أُمِرْتُ أن أَقبِض روحه بالهند وهو عندك (٢). وقيل: بَلَغَ ابنَ عباس ﵁ أن يهوديًّا خرج بالمدينة فَحَسَبَ حسابَ النجوم فأتاه فسأله، فقال له اليهوديُّ: إن شئتَ أنبأتُكَ عن نفسك وعن ولدك، فقال: قد شئتُ، فقال: إنك ترجع إلى منزلك، فتلتقي بابنٍ لك محمُوم، ولا تَمْكُثُ عشَرة أيام حتى يَمُوتَ الصَّبيُّ، وأنت لا تخرج من الدنيا حتى تَعْمَى، فقال له ابن عباس: وأنت يا يهودي؟ قال: لا يَحُولُ عَلَيَّ الحَوْلُ حتى أموت، قال: فأين موتك يا يهودي؟ قال: ما أدري، فقال ابن عباس: صدق اللَّه:

стр. 576

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، قال: فرجع ابن عباس فلقي ابنه محمومًا، فلما بلغ عشْرًا مات الصبي، وسأل عن اليهودي قبل الحول فقالوا: مات، وما خَرَجَ ابنُ عَبّاسٍ من الدنيا حتى ذَهَبَ بَصَرُهُ، فقيل: هذا أعجب حديث (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 577

سورةُ السجدة مكِّية وهي ألفٌ وخمسمائة وثمانيةَ عشَرَ حرفًا، وثلاثُمائة وثمانون كلمة، وثلاثون آية. باب ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة أُعْطِيَ من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورةَ الجُرُزِ نادَى مُنادٍ من تحت العرش: سَلْ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ- وأَرْضَى برضاك عمن رضيت عنه، وسَخِطْتَ على أعدائك، أَبْلَغْتَ أَبْلَغْتَ" (٢). وعنه ﵇ أنه قال: "من قرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، أَمِنَ من عذاب القبر، ومِنْ فَزَع يوم القيامة، وأُعْطِيَ كُلَّ يوم وليلة -ما دام- سبعين دعوةً مستجابة، ويُدْرَأُ عنه وَسْواسُ الكبائرِ، مع ما له عند اللَّه من المزيد، ويَسْأَلُ اللَّهَ العبدُ عند فراغ قراءتهما ما شاء" (٣).

стр. 578

وعن جابر ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ويقول: "هما يَفْضُلانِ كُلَّ سُورةٍ في القرآن سبعين حسنةً، ومن قرأهما كُتِبَ له سبعون حسنة، ومُحِيَ عنه سبعون سيئة، ورُفِعَ له سبعون درجة" (١). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شَكَّ فيه أنه حَقٌّ نَزَلَ ﴿مِنْ﴾ عند ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وكل ريبٍ في القرآن فهو: الشك، إلّا في سورة الطور، وهو قوله: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (٢)، فإنه يريد به حوادث الزمان (٣). وفي رفع ﴿تَنْزِيلُ﴾ ثلاثة أوجه، أحدها: على الابتداء، والخَبَرُ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، والثانِي: على إضمار مبتدأ؛ أي: هذا المَتْلُوُّ تَنْزِيلُ، والثالث: بمعنى: هذه الحروف تَنْزِيلُ، و ﴿الم﴾ يدل على الحروف كلها كما يدل عليها: أ ب ت ث، ولو كان ﴿تَنْزِيلُ﴾ منصوبًا على المصدر لَجازَ، كما قرأ الكوفيون:

стр. 579

﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (١). قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾؛ أي: بل يقولون: افتراه محمد من تلقاء نفسه، وقيل (٢): الميم: صلة؛ أي: أيقولون، وقيل (٣): هو بمعنى الواو، يعني: ويقولون، وقيل (٤): فيه إضمار، مجازه: فهل يؤمنون به أم يقولون افتراه؟ وهو استفهام توبيخ. وقوله: ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: العرب، وكانوا أُمّهً أُمِّيّةً، لم يَأْتِهِمْ نذيرٌ قبل محمد ﷺ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لكي يُرشَدوا من الضلالة إلى الهدى. قوله : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: ذلك الذي صَنَعَ ما ذُكِرَ من خَلْقِ السماوات والأرض، عالِمُ ما غاب عن الخلق، وعالِمُ ما حضر

стр. 580

﴿الْعَزِيزُ﴾ الممتنع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ (٦)﴾ بأهل طاعته، و ﴿ذَلِكَ﴾: ابتداء، و ﴿عَالِمُ﴾: خبره، و ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: نعته، ومن قرأ بالخفض (١) فهو شاذ، نعت لقوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، تقديره: من رب العالمين العزيز الرحيم، وهذا بعيد لِما بينَهما من الفصول والآيات والكلمات الكثيرة. ثم وصف نفسه، فقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾؛ أي: أتقنه وأحكمه، وقيل: حَسَّنَهُ، خلق السماء فزَيَّنَها بالكواكب، وخلق الأرض فزَيَّنَها بالنبات، وخلق ابن آدم فزَيَّنَهُ بالأدب، وقال السُّدِّيُّ: أَحْسَنَهُ (٢): لم يتعلمه من أحد، والإحسان: العِلْمُ، يقال: فلان يُحْسِنُ كذا: إذا عَلِمَهُ. قرأ نافعٌ وأهل الكوفة: ﴿خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام على الفعل، وهو صفة للنكرة التي هي ﴿شَيْءٍ﴾، وهو الاختيار، وقرأ الآخرون بسكون اللام (٣). قال الأخفش (٤): هذا على البدل، مجازه: الذي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ،

стр. 581

وقيل: هو على المصدر عند سيبويه (١) مثلَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢)، ومحل "الَّذِي": رفع أو خفض على النعت أو البدل، ويحتمل أن يكون رفعًا على خبر ابتداءٍ محذوف تقديره: هو الذي، ويجوز أن يكون محله: نصبًا على المدح (٣). قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ هو يعني: آدم ﵇ ﴿مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ هو يعني: ذريته ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ أي: من نطفة، سُمِّيت بذلك لأنها تَنْسَلُّ من الإنسان؛ أي: تخرج منه، ومنه قيل للولد: سلالة، وقيل: هي صفوة الماء، وقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾؛ أي: ضعيف حقير، يعني: النطفة، ومعنى السُّلالة فِي اللغة: ما يَنْسَلُّ من الشيء القليل، وكذلك الفُعالةُ نحو: الفُضالةِ والنُّخالةِ والنُّخامةِ والقُلَامةِ والقُوارةِ، وما أشبه ذلك، هذا قياسه، قاله العَزِيْزِيُّ (٤). قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾؛ أي: سَوَّى خَلْقَهُ بعد أن لم يكن، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ يعني: من أمره، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾؛ أي: وخلق لكم ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ وإنما قال: ﴿السَّمْعَ﴾ ولم يقل: الأسماع؛ لأنه مصدر، والمصادر لا تُثنَّى ولا تجمع (٥). قوله: ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ يعني: القلوب، والفؤاد والقلب اسمان بمعنًى

стр. 582

واحد (١)، وهما بُضْعةٌ من الإنسان، فالفؤاد ظاهرها، والقلب باطنها، ألا ترى أن اللَّه تعالى نسب الرؤية إلى الفؤاد، فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٣)، فنسب العمى إلى القلب. قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾؛ أي: شُكْرُكُم قليلٌ على هذه النعمة التي ذكرتها، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَشْكُرُونَ﴾، وتكون "ما": زائدة، وقيل: نصبه على النعت لمصدر محذوف، تقديره: شكرًا قليلًا. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: منكري البعث ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: هلكنا وصِرْنا ترابًا، وأصله من قول العرب: ضَلَّ الماءُ فِي اللَّبَنِ: إذا ذَهَبَ، ويقال: ضَلَلْتُ المَيِّتَ: إذا دَفَنْتَهُ (٤)، وقرأ ابن محيصِن: ﴿ضَلَلْنَا﴾ بكسر اللام، وهي لغة (٥)، وقرأ الأعمش والحسن: ﴿ضَلِلْنا﴾ بالصاد وكسر اللام (٦)؛ أي:

стр. 583

تَغَيَّرْنا في قبورنا وأَنْتَنّا، وهي قراءة عَلِيٍّ كرم اللَّه وجهه، يقال: صَلَّ اللَّحْمُ وأَصَلَّ، وصَنَّ وأَصَنَّ: إذا أَنْتَنَ وتَغَيَّرَ (١)، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهامُ إنكار، أنكروا إعادتهم بعد الموت، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: بالبعث ﴿كَافِرُونَ (١٠)﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: وُكِّلَ بقَبْضِ أرواحكم أجمعين، فلا يَنْقُصُ واحدًا منكم، وهو مأخوذ من تَوَفِّي العدد واسْتِيفائِه، يقال: اسْتَوْفَيْتُ من فلان، وتَوَفَّيْتُ من فلان ما لي عنده: إذا لم يَبْقَ لك عليه شيءٌ، وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾؛ أي: تصيرون إليه أحياءً فيَجزيكم بأعمالكم. فصل عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "الأمراضُ والأوجاع كلها بَرِيدُ الموت، ورُسُلُ الموتِ، فإذا حانَ الأَجَلُ أتى مَلَكُ المَوْتِ بنفسه، فقال: يا أيها العبد! كَم خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، وكَم رَسُولٍ بَعْدَ رَسُولٍ، وكَم بَرِيدٍ بَعْدَ بَرِيدٍ، أنا الخبر ليس بعدي خبر، وأنا الرسول ليس بعدي رسول، أَجِبْ رَبَّكَ طائعًا أو مُكْرَهًا، فإذا قَبَضَ رُوحَهُ وتَصارَخَ عليه أَهْلُهُ قال: على من تصرخون؟ وعلى من تبكون؟ فواللَّه، ما ظلمتُ له أَجَلًا، ولا أكلتُ رزقًا،

стр. 584

بل دعاه رَبُّهُ، فلْيَبْكِ الباكي على نفسه، فإنَّ لِي فيكم عَوْداتٍ وعَوْداتٍ حتى لا أُبْقِيَ منكم أحدًا" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ يعني: كفار مكة وغيرهم ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ مُطَأْطِئُو رءوسِهِم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حياءً منه للذي سلف من معاصيهم في الدنيا ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا به مكذِّبين ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك ما أتتَنْا به رسُلُك، ﴿فَارْجِعْنَا﴾؛ أي: فارْدُدْنا إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ نقول: لا إله إلا اللَّه ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، وجواب "لَوْ" مضمَرٌ محذوف تقديره: لرأيتَ يا محمد العجبَ. قوله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: يُصَدِّقُ بآيات القرآن ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾؛ أي: وُعِظُوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ على أَيِّ حالٍ كانوا، قيامًا أو قعودًا أو على جنوبهم؛ أي: خَرُّوا سُقُوطًا على وجوههم ساجدين، يقال لكل ساقط: قد خَرَّ خُرُورًا، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: نَزَّهُوا اللَّهَ عن السوء في سجودهم، وذكروه بما هو أهله من الحمد وحسن الثناء عليه، ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ عن السجود للَّه تعالى، ونصب ﴿سُجَّدًا﴾ على: الحال. قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: ترتفع وتنبو وتَتَنَحَّى للصلاة، وهو "تتفاعلُ" من الجفاء وهو التباعد، تقول العرب: جافِ ظَهْرَكَ عن الجدار، وجَفَتْ عَيْنُ فلانٍ عن الغُمْضِ: إذا لم يَنَمْ، وتَجافَى جَنْبُهُ عن الفراش: إذا لم يَسْتَقِرَّ عليه من وَجَعٍ أو هَمٍّ أو خوف، قال الشاعر:

стр. 585

١٢٥ - طالَ لَيْلِي ومَلَّنِي عُوّادي... وتَجافَى عنِ الفِراشِ وِسادِي (١) والمَضاجِعُ: جمع المَضْجَعِ، وهو الموضع الذي يُضْطَجَعُ عليه، يعني: الفرش، وهم المتهجِّدون بالليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ يعني: خوفًا من عذابه وطمعًا في ثوابه، وهما منصوبان على المصدر، وقيل: على المفعول من أجله (٢). قيل: نزلت هذه الآية في ناسٍ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، كانوا يُصَلُّونَ من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، وهو قول أنس بن مالك ﵁ (٣)، وقال أيضًا: "نزلت فينا معاشرَ الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نضطجع ولا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع رسول اللَّه ﷺ " (٤)، وقيل: هو التهجد وقيام الليل، وقيل: هو أن يصلي الرَّجُلُ العِشاءَ والغَداةَ في جماعة.

стр. 586

فصل عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ عَقَّبَ ما بَيْنَ المغرب والعشاء بُنِيَ لهُ في الجنة قَصْرانِ مسيرة مائة عام، وفيهما من الشجر ما لو نَزَلَهُما أهلُ المشرق والمغرب لأَرْحَلَتْهُم فاكهةً، وهي صلاة الأوّابين وغفلةُ الغافلين، وإنّ من الدعاء المستجاب الذي لا يرد ما بين المغرب والعشاء" (١). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كُنْتُ مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك -وقد أصابنا الحَرُّ- فتَفَرَّقَ القومُ، فإذا رسول اللَّه ﷺ أقربهم مِنِّي، فدنوتُ منه فقلت: يا رسول اللَّه: ألا تخبرنِي بعمل يدخلني الجنة ويباعدنِي من النار؟ فقال: "يا معاذُ، لقد سألتَ عن عظيم، وإنه لَيَسِيرٌ على مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عليه، تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتُؤتِي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام"، ثم قال: "ألا أَدُلُّكَ على أبواب الخير؟ "، قال: قلت: أَجَلْ يا رسول اللَّه، قال: "الصوم جُنّةٌ، والصَّدَقةُ تُطْفئُ غَضَبَ الرَّبِّ" -وفِي رواية أخرى: تُكَفِّرُ الخطيئة- وقيامِ الرجل فِي جوف الليل يَبْتَغي به وَجْهَ اللَّه"، قال: ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾، ثم قال: "ألا أخبرك بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ "، فقلتُ: بَلَى يا رسول اللَّه، فأخذ بلسانه فقال: "اكْفُفْ عَنْكَ هَذا"، فقلت: يا رسول اللَّه: وإنا لَمؤاخَذون بما نتكلم؟ فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ على مناخرهم فِي النار إلّا حصائدُ ألسنتهم"؟ (٢).

стр. 587

وعن بلالٍ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بقيام الليل، فإنه دَأَبُ الصالحين قبلَكم، وإن قيام الليل قُرْبةٌ إلى اللَّه، ومَنْهاةٌ عن الإثم، وتكفيرٌ للسيئات، ومَطْرَدةٌ للداء عن الجسد" (١). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾؛ أي: لا يعلم أَحَدٌ ما خُبِّئَ لهؤلاء الذين ذكرهم من النعمة والكرامة والإحسان مما تقَرَّ به أعينهم وتُسرُّ به قلوبهم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ للَّه تعالى فِي الدنيا. ونصب ﴿جَزَاءً﴾: على المصدر (٢)، وقيل (٣): على الحال، أي: أَخْفَى مُجازِيًا، وقيل (٤): على المفعول من أجله، قرأ حمزة ويعقوب: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ مرسلةَ الياء، يعني: ساكنة الياء؛ أي: أنا أخفي لهم، وحجتهما قراءة عبد اللَّه: ﴿أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ بالنون، وقرأ محمد بن كعب: "ما أَخْفَى لَهُمْ" بفتح الألف والفاء (٥)، يعني: أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ، وقرأ العامة: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ بتحريك الياء، أي: خُبِّئَ وسُتِرَ عليهم، فلم يُطْلِعْ على كُنْهِ ما أُعِدَّ لهم أَحَدًا من خلقه.

стр. 588

فصل عن أَبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه : أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلب بشر، بَلْهَ (١) ما أَطْلَعْناكُم عليه، اقْرَءُوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: وكان أبو هريرة يقرؤها: "مِنْ قُرّاتِ أَعْيُنٍ" (٢)، رواه البخاري عن إسحاق بن نصر (٣)، عن أَبي أسامة (٤)، ورواه مسلم عن أَبي كُريب عن أَبي معاوية (٥)، كلاهما عن الأعمش (٦).

стр. 589

قال ابن مسعود: إن في التوراة مكتوبًا: "لقد أَعَدَّ اللَّه للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تَرَ عينٌ، ولم تسمع أُذُنٌ، ولم يخطر على قلب بشر، وما لا يعلمه مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسلٌ، وإنه لفي القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " (١). وقال موسى بن سِنانٍ (٢): "بَلَغَنا أن الرجل من أهل الجنة يكون مع زوجته فِي الجنة ما شاء اللَّه، فتُشْرِفُ عليه أخرى، فتقول له: قد آنَ أن يكون لنا منك دَوْلةٌ، فيقول لها: مَن أنتِ؟ فتقول: أنا من اللاتِي قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، فيكون عندها ما شاء اللَّه، ثم تشرف عليه أخرى، فتقول: قد آن لنا أن يكون لنا منك دولة، فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا من اللاتِي قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ " (٣). قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ يعني: مُصَدِّقًا ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ يعني: خارجًا عن طاعة اللَّه وأَمْرِهِ ﴿لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ فِي الاسم والعمل والمنزلة، وفي الآية رَدٌّ على المُرْجِئةِ، وإنما لم يقل: يستويان؛ لأنه لم يُرِدْ بالمؤمن مؤمنًا واحدًا، ولا بالفاسق فاسقًا واحدًا، وإنما أراد جميع المؤمنين

стр. 590

وجميع الفُسّاقِ، قال الفرَّاء (١): إن الاثنين إذا لم يكونا مَصْمُودَيْنِ لهما ذُهِبَ بهما مذهبَ الجمع. وقال الزَّجّاج (٢): معنى الاثنين: جماعة، ولذلك قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾. نزلت هذه الآية في علِيِّ بن أبي طالب -كرم اللَّه وجهه- وفي الوليد ابن عُقبةَ بن أبي مُعَيْطٍ، وذلك أنه جَرَى بينهما تنازُعٌ وسِبابٌ، فقال الوليد لِعَلِيٍّ: اسْكُتْ فإنك صَبِيٌّ، وأنا -واللَّه- أَبْسَطُ منك لسانًا، وأَحَدُّ سِنانًا، وأشجع منك جَنانًا، وأَمْلأُ منك حَشْوًا في الكتيبة (٣)، فقال له عَلِيٌّ -كَرَّمَ اللَّهُ وجهه-: اسْكُتْ فإنك فاسق، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ يعني: عَلِيًّا ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ يعني: الوليد بن عتبة، ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٤)، قال قتادة: لا -واللَّهِ- ما اسْتَوَوْا فِي الدنيا ولا عند الموت ولا فِي الآخرة. ثم أخبر عن منازل الفريقين، فقال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يعني: جنات السُّكُونِ والقَرارِ يَأْوُونَ إليها في الآخرة، فلا يخرجون منها أبدًا، يقال: أَوَيْتُ إلى المكان، وقيل: سُمِّيَتْ جنات المأوى لأنه تَأْوِي إليها أرواحُ الشهداء، وقُرِئَ: ﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (٥) على واحِدِهِ. ﴿نُزُلًا﴾ يعني: ثوابًا وعطاءً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ من الصالحات في

стр. 591

الدنيا، ونصب ﴿نُزُلًا﴾ على التفسير (١)، وقيل (٢): على المصدر، وقد ذكرت نظيرها في آخر سورة آل عمران (٣). وما بعد هذا ظاهر المعنى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ يعني: مصائبَ الدنيا وأسقامَها وبلاءها، وقيل: ما ابْتُلُوا به من الجوع سَبْعَ سنين بمكة، حتى أكلوا الجِيَفَ والعظامَ والكلابَ، وقيل: ما ابْتُلُوا به من القتل يوم بدر، وقيل: أراد بالعذاب الأدنَى: عذاب القَبْرِ ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ يعني: عذاب الآخرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ إلى التوحيد والإيمان بعد الكفر والعصيان. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ يعني: كفار مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وقتادة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ بالنون (٤)، وهي قراءة بَيِّنةٌ لا إشكال فيها، ومن قرأ بالياء ففيها إشكال؛ لأنه

стр. 592

يقال: الفعل لا يخلو من فاعل، فأين الفاعل لـ ﴿يَهْدِ﴾؟، فتكلم النحويون في هذا، فقال الفراء (١): "كَمْ": في موضع رفع بـ ﴿يَهْدِ﴾. وهذا نَقْضٌ لأصول النحويين في قولهم: إن الاستفهام لا يَعمل فيه ما قبلَه، ولا في "كَمْ"، أعني ما قبلها، ومذهب أبي العباس المبرد أنّ ﴿يَهْدِ﴾ يدل على الهدى، فالمعنى: أو لم يَهْدِ لهم الهدى؟ (٢)، وقيل (٣): إن المعنى: أولم يَهْدِ اللَّهُ لهم؟ فيكون معنى الياء ومعنى النون واحدًا، وقال الزجاج (٤): "كَمْ": فِي موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ يعني: المطر والسيل ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ يعني: اليابسة الحقيرة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصله من قولهم: ناقةٌ جُرُزٌ: إذا كانت أكُولًا تأكل كل شيء تجده، ورجل جَرُوزٌ: إذا كان أَكُولًا، قال الراجز: ١٢٦ - خِبٌّ جَرُوزٌ، وَإذا جاعَ بَكَى (٥)

стр. 593

وسيفٌ جُرازٌ: إذا كان قاطعًا، وجَرَزَتِ الجَرادُ الزَّرْعَ: إذا اسْتَأْصَلَتْهُ، فكأنّ الجُرُزَ: الأرضُ التي لا تُبْقِي على ظهرها شيئًا إلّا أَفْسَدَتْهُ، وفيه أربع لغات: جُرُزٌ وجُرْزٌ وجَرُوزٌ وجُرازٌ (١)، قال ابن عباس (٢): والجُرُزُ: أرضٌ باليمن. قال مجاهد (٣): هي أَبْيَنُ. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: كفار مكة ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ (٢٨)﴾ قيل: يعني: فتح مكة، قاله الكلبي (٤)، وقال مجاهد (٥): يعني: يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب والحكم بين العباد، وقيل: يوم بدر، قاله السدي (٦)؛ "لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون لهم: إن اللَّه ناصِرُنا ومُظْهِرُنا عليكم" (٧).

стр. 594

وقال ثعلبٌ (١): معناه: متى هذا القضاء؟ يقال للحاكم: فاتح وفَتّاحٌ؛ لأن الأشياء تَنْفَتِحُ على يديه وتَنْفَصِلُ، وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ (٢). وقال قتادة (٣): قال أصحاب النبي ﷺ : إنّ لنا يومًا ننعم فيه ونستريح، ويُحْكَمُ بينَنا وبينكم، فقال الكفار استهزاءً: متى هذا الفتح؟ أي: القضاء والحكم. و ﴿مَتَى﴾: فِي موضع رفع، ويجوز أن يكون فِي موضع نصب على الظرف (٤). قوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ بالبعث إذا جاءهم العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾؛ أي: يُؤَخَّرُونَ عن العذاب إذا سألوه النَّظْرةَ والرَّجْعةَ إلى الدنيا، و ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، وأجاز الفراء رفعه (٥). قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد ﴿وَانْتَظِرْ﴾ بهم العذاب

стр. 595

﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ له، وهو القتل يوم بدر، فقتلهم اللَّه تعالى ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعُجِّل بأرواحهم إلى النار، وقيل: (منتظرون): بك حوادث الزمان من موت أو قتل، فيستريحون منك، ثم نَسَخَ السيفُ الإعراضَ. وقوله: ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾ قرأه العامة بكسر الظاء، وقرأ محمد بن السَّمَيْفَعِ (١) بفتح الظاء (٢)، قال الفرَّاء (٣): لا يُفْتَحُ هاهنا إلّا بإضمار، مجازه: إنهم مُنْتَظَرُونَ بِهم. قال أبو حاتم (٤): الصحيح كسر الظاء، كقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ (٥)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 596

سورة الأحزاب مدنية وهي خمسة آلافٍ وسبعمائةٍ وستّةٌ وتسعون حرفًا، وألفٌ ومائتان وثمانون كلمةً، وثلاثٌ وسبعون آيةً. باب ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الأحزاب، وعَلَّمَها أهْلَهُ وما ملكت يمينه، أُعْطِيَ الأمانَ من عذاب القَبْرِ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الأحزاب فكأنما قرأ التوراة حين فَرَغَ الرَّحْمَنُ من كتابتها، وكُتِبَ له من الأجر عَدَدُ حروف التوراة" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ "يا" نداءٌ، و"أيُّ" إشارةٌ، والهاء تنبيهٌ، و ﴿النَّبِيُّ﴾ نعتٌ لـ "أيّ"، وضَمَمْتَ أيًّا؛ لأنه مفردٌ (٣) والأصل فيه: يا أيُّهَذا

стр. 597

النَّبِيُّ، فاكْتُفِيَ بالنبي من "ذا"، قال الأعشى: ١٢٧ - ألا أيُّهَذا المَنْزِلُ الدّارِسُ الَّذِي... كأنّكَ لَمْ يَعْهَدْ بِكَ الحَيَّ عاهِدُ (١) فأخرجه على الأصل، ومن العرب من يقول: يا أيُّهُ النَّبِيُّ ويَا أيُّهُ الرَّجُلُ، وأنشد الفراء (٢): ١٢٨ - يا أيُّهُ القَلْبُ اللَّجُوجُ النَّفْسِ أفِقْ عَنِ البِيضِ الحِسانِ اللُّعْسِ (٣) قال ابن الأنباري (٤): لا يَجُوزُ أن يَقْرَأ أحَدٌ بهذه اللغة؛ لأنه يُخالِفُ المصحف. وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ حذفت الياء لأنه أمْرٌ، أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بالمواظبة على التقوى، والثبوتِ عليه، والزيادة منه؛ لأنه فِعْلٌ تقع فيه الزيادة؛

стр. 598

فلذلك جاز أن يقال للمتقين للَّهِ: اتقوا اللَّه. وقال قوم (١): هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، واحتجوا بِآخِرِ الآيةِ (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ قرأ أبو عمرٍو بالياء (٣) على الغيبة للكافرين والمنافقين، وقرأ الباقون بالتاء على خطاب الحاضرين. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ نزلت فِي أبِي مَعْمَرٍ جميلِ بن معمر بن حبيب بن عبد اللَّه الفِهْرِيِّ (٤)، وكان رجلًا لبيبًا حافظًا لِما يسمع، فقالت قريشٌ: ما حَفِظَ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إنّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ أعْقِلُ بكل واحدٍ منهما أفضل من عقل محمدٍ، فكَذَّبَهُ اللَّه تعالى في ذلك، وأخْبَرَ أنه ما خَلَقَ لأحَدٍ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ (٥). ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ مفعولان، وهو مشتق من الظَّهْرِ؛ لأن الظَّهْرَ موضع الركوب (٦)، وكان الظِّهارُ طلاقًا فِي الجاهلية،

стр. 599

يقال: ظاهَرَ فُلانٌ مِنَ امْرَأتِهِ، وَتَظاهَرَ وَتَظَهَّرَ، وهو أن يقول لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (١)، وكانت العرب تُطَلِّقُ نساءَها فِي الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نُهُوا عنه، وأُوجِبَتِ الكفارةُ على مَنْ ظاهَرَ من امرأته فِي سورة المجادلة. قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والبَزِّيُّ وورش: "اللّايْ" بياءٍ ساكنةٍ من غير مَدٍّ ولا هَمْزٍ، وقرأ نافع -غَيْرَ وَرْشٍ- وأيوب وقُنْبُلٌ ويعقوب والأعرج: "اللّاءِ" ممدودًا مهموزًا بلا ياءٍ، وأُنْشِدَ فِي ذلك: ١٢٩ - مِنَ اللّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبةً... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ البَرِيءَ المُغَفُّلا (٢) وقرأ أهل الكوفة والشام بالمد والهمز وإثبات الياء، واختاره أبو عبيدٍ للإشباع، واخْتُلِفَ فيه عن ابن كثيرٍ (٣)، وكلها لغاتٌ معروفةٌ (٤). وقوله: "تُظاهِرُونَ" قرأ أهل الحجاز وأهل البصرة بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء من غير ألِفٍ، وقرأ أهل الشام كذلك إلا أنه بالألف، وقرأ حمزة

стр. 600

والكسائي وخلَفٌ مثلهم إلا أنه بالتخفيف، وقرأ عاصمٌ والحسن بضم التاء وتخفيف الظاء وكسر الهاء (١) إلّا أنه بالألف من المظاهرة، ومن فتح التاء وشدد الظاء والهاء أراد به: تَتَظاهَرُونَ فأدْغَمَ التاءَ فِي الظاء، وحذف حمزة والكسائي وخلَفٌ تاء "تتفاعلون"، وأدغم أهل الشام التاء التي حَذَفَ هؤلاء فقرأ ابن عامر بفتح التاء وتشديد الظاء، وكلها لغاتٌ جاءت عن العرب. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدْعِياءُ: جمع الدَّعِيِّ وهو الذي يُدْعَى ابنًا لِغَيْرِ أبيه، نزلت في زيد بن حارثة؛ إبطالًا وتكذيبًا لِما قالت اليهود والمنافقون: إنه ابن محمدٍ ﷺ ، وإخبارًا أن الدَّعِيَّ لا يكون ابنًا، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾؛ أي: ادِّعاؤُكُمْ نَسَبَ مَنْ لا حقيقةَ لِنَسَبهِ قَوْلٌ بالفم لا حقيقةَ له، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾؛ أي: القول الحق، نعت لمصدَر محذوف، ويجوز أن يكون مفعولًا (٢)، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾؛ أي: يدعو إلى السبيل، يعني: طريق الحق. قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: انْسِبُوهُمْ إلى آبائهم الذين وَلَدُوهُمْ، ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعْدَلُ عند اللَّه، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فَهُمْ إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ يعني الإسلام ﴿وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبل النهي، فنسبتموه -يعنِي زيد بن حارثة- إلَى غَيْرِ أبيهِ بعد النهي، وأنتم تعلمون أنه ليس بأبيه، يعنِي النَّبِيَّ ﷺ ، ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ أي: ولكن الإثم فِي الذي تعمدت قلوبكم.
следующие страницы →