سورة الأحزاب
مدنية
وهي خمسة آلافٍ وسبعمائةٍ وستّةٌ وتسعون حرفًا، وألفٌ ومائتان وثمانون كلمةً، وثلاثٌ وسبعون آيةً.
باب ما جاء في فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة الأحزاب، وعَلَّمَها أهْلَهُ وما ملكت يمينه، أُعْطِيَ الأمانَ من عذاب القَبْرِ" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الأحزاب فكأنما قرأ التوراة حين فَرَغَ الرَّحْمَنُ من كتابتها، وكُتِبَ له من الأجر عَدَدُ حروف التوراة" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ "يا" نداءٌ، و"أيُّ" إشارةٌ، والهاء تنبيهٌ، و ﴿النَّبِيُّ﴾ نعتٌ لـ "أيّ"، وضَمَمْتَ أيًّا؛ لأنه مفردٌ (٣) والأصل فيه: يا أيُّهَذا
стр. 597
النَّبِيُّ، فاكْتُفِيَ بالنبي من "ذا"، قال الأعشى:
١٢٧ - ألا أيُّهَذا المَنْزِلُ الدّارِسُ الَّذِي... كأنّكَ لَمْ يَعْهَدْ بِكَ الحَيَّ عاهِدُ (١)
فأخرجه على الأصل، ومن العرب من يقول: يا أيُّهُ النَّبِيُّ ويَا أيُّهُ الرَّجُلُ، وأنشد الفراء (٢):
١٢٨ - يا أيُّهُ القَلْبُ اللَّجُوجُ النَّفْسِ
أفِقْ عَنِ البِيضِ الحِسانِ اللُّعْسِ (٣)
قال ابن الأنباري (٤): لا يَجُوزُ أن يَقْرَأ أحَدٌ بهذه اللغة؛ لأنه يُخالِفُ المصحف.
وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ حذفت الياء لأنه أمْرٌ، أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بالمواظبة على التقوى، والثبوتِ عليه، والزيادة منه؛ لأنه فِعْلٌ تقع فيه الزيادة؛
стр. 598
فلذلك جاز أن يقال للمتقين للَّهِ: اتقوا اللَّه. وقال قوم (١): هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به أمته، واحتجوا بِآخِرِ الآيةِ (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ قرأ أبو عمرٍو بالياء (٣) على الغيبة للكافرين والمنافقين، وقرأ الباقون بالتاء على خطاب الحاضرين.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ نزلت فِي أبِي مَعْمَرٍ جميلِ بن معمر بن حبيب بن عبد اللَّه الفِهْرِيِّ (٤)، وكان رجلًا لبيبًا حافظًا لِما يسمع، فقالت قريشٌ: ما حَفِظَ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إنّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ أعْقِلُ بكل واحدٍ منهما أفضل من عقل محمدٍ، فكَذَّبَهُ اللَّه تعالى في ذلك، وأخْبَرَ أنه ما خَلَقَ لأحَدٍ قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ (٥).
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ مفعولان، وهو مشتق من الظَّهْرِ؛ لأن الظَّهْرَ موضع الركوب (٦)، وكان الظِّهارُ طلاقًا فِي الجاهلية،
стр. 599
يقال: ظاهَرَ فُلانٌ مِنَ امْرَأتِهِ، وَتَظاهَرَ وَتَظَهَّرَ، وهو أن يقول لَها: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي (١)، وكانت العرب تُطَلِّقُ نساءَها فِي الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نُهُوا عنه، وأُوجِبَتِ الكفارةُ على مَنْ ظاهَرَ من امرأته فِي سورة المجادلة.
قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والبَزِّيُّ وورش: "اللّايْ" بياءٍ ساكنةٍ من غير مَدٍّ ولا هَمْزٍ، وقرأ نافع -غَيْرَ وَرْشٍ- وأيوب وقُنْبُلٌ ويعقوب والأعرج: "اللّاءِ" ممدودًا مهموزًا بلا ياءٍ، وأُنْشِدَ فِي ذلك:
١٢٩ - مِنَ اللّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبةً... وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ البَرِيءَ المُغَفُّلا (٢)
وقرأ أهل الكوفة والشام بالمد والهمز وإثبات الياء، واختاره أبو عبيدٍ للإشباع، واخْتُلِفَ فيه عن ابن كثيرٍ (٣)، وكلها لغاتٌ معروفةٌ (٤).
وقوله: "تُظاهِرُونَ" قرأ أهل الحجاز وأهل البصرة بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء من غير ألِفٍ، وقرأ أهل الشام كذلك إلا أنه بالألف، وقرأ حمزة
стр. 600
والكسائي وخلَفٌ مثلهم إلا أنه بالتخفيف، وقرأ عاصمٌ والحسن بضم التاء وتخفيف الظاء وكسر الهاء (١) إلّا أنه بالألف من المظاهرة، ومن فتح التاء وشدد الظاء والهاء أراد به: تَتَظاهَرُونَ فأدْغَمَ التاءَ فِي الظاء، وحذف حمزة والكسائي وخلَفٌ تاء "تتفاعلون"، وأدغم أهل الشام التاء التي حَذَفَ هؤلاء فقرأ ابن عامر بفتح التاء وتشديد الظاء، وكلها لغاتٌ جاءت عن العرب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الأدْعِياءُ: جمع الدَّعِيِّ وهو الذي يُدْعَى ابنًا لِغَيْرِ أبيه، نزلت في زيد بن حارثة؛ إبطالًا وتكذيبًا لِما قالت اليهود والمنافقون: إنه ابن محمدٍ ﷺ ، وإخبارًا أن الدَّعِيَّ لا يكون ابنًا، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾؛ أي: ادِّعاؤُكُمْ نَسَبَ مَنْ لا حقيقةَ لِنَسَبهِ قَوْلٌ بالفم لا حقيقةَ له، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾؛ أي: القول الحق، نعت لمصدَر محذوف، ويجوز أن يكون مفعولًا (٢)، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾؛ أي: يدعو إلى السبيل، يعني: طريق الحق.
قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: انْسِبُوهُمْ إلى آبائهم الذين وَلَدُوهُمْ، ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعْدَلُ عند اللَّه، ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فَهُمْ إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ يعني الإسلام ﴿وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبل النهي، فنسبتموه -يعنِي زيد بن حارثة- إلَى غَيْرِ أبيهِ بعد النهي، وأنتم تعلمون أنه ليس بأبيه، يعنِي النَّبِيَّ ﷺ ، ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ أي: ولكن الإثم فِي الذي تعمدت قلوبكم.
стр. 601
ومَحَلُّ "ما" خَفْضٌ، رَدًّا على "ما" التي فِي قوله: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (١)، مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما كان من قولكم قبل النهي ﴿رَحِيمًا (٥)﴾ بكم لا يؤاخذكم به.
نزلت هذه الآية فِي زيد بن حارثة الكلبي من بني عَبْدِ ودٍّ، وكان عبدًا للنبي ﷺ اشتراه بعكاظ من سَبْي الجاهلية، فأعتقه وتَبَنّاهُ قبل الوحي، وكان يُدْعَى زيد بن محمدٍ، فلما تزوَّج النبي ﷺ زينب بنت جحش الأسدي، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمدٌ امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).
فصل
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ دُعِيَ إلى غير أبيه أو غيرِ موالي نعمته، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين" (٣).
قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾، ولَمْ يقل: ونُوحٍ؛ لأن المظهر إذا عطف على المضمر المخفوض أُعِيدَ الحرفُ، تقول: مررت به وبزيدٍ.
стр. 602
قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عَطْفُ مُظْهَرٍ على مُظْهَرٍ، فلم يُعَدِ الحرفُ (١)، وكذلك ﴿وَمُوسَى وَعِيسَى﴾، والمعنى على مذهب أهل اللغة: وإذْ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومن نوحِ وإبراهيم وموسى وعيسى ومنك، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ (٢)، فمحمدٌ الحبيبُ، ونوحٌ الشَّكُورُ، وإبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى الرُّوحُ ﵈، أخَذَ اللَّهُ عليهم الميثاقَ أن يُؤَدُّوا رسالاتِ رَبِّهِمْ، ويَعْبُدُوا اللَّهَ، ويَدْعُو إلى عبادته، وأنْ يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن ينصحوا لقومهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ يعني: عهدًا شديدًا مؤكَّدًا، وهو العهد الذي أُخِذَ عليهم على الوفاء بما حُمِّلُوا، وذلك العهد الشديد هو إليمين باللَّه تعالى، فكل نَبِيٍّ بعثه اللَّه تعالى صَدَّقَ من كان قبله ومَنْ بَعْدَهُ من الأنبياء، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ (٨)﴾ يعني النبيين، هل بلغوا الرسالة أم لا؟ وإنما خص هؤلاء الخمسة بالذِّكر فِي هذه الآية؛ لأنهم أصحاب الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل وأئمة الأمم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ﴾ يعني الأحزاب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: من فوق الوادي من قِبَلِ المشرق: مالكُ بن عوف (٣) وعُيَيْنةُ بن حِصْنٍ (٤) وغطفان وقريظة
стр. 603
والنضير ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من بطن الوادي، مِنْ قِبَلِ المغرب: أبو سفيان
ابن حرب فِي قريشٍ ومَنْ تَبِعَهُ، وأبو الأعور السُّلَمِيُّ (١) من قِبَلِ الخندق، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: شَخَصَتْ وَتَحَيَّرَتْ، ومالَتْ فَرَقًا، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ زالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوقَ من الفزع، والحَنْجَرةُ جوف الحُلْقُومِ، يقال: انتفخ القلبُ حتى صار عند الحنجرة من الخوف، وهذا من المَجازِ المُبالَغِ فِي وصفه بِما يستحيل؛ لأن القلب لا يزول عن موضعه.
وواحدة الحناجر: حَنْجَرةٌ وحُنْجُورٌ، وهي رأس الغَلْصَمةِ المُحَدَّدُ من طرفها، والغَلْصَمةُ: هي مُلْتَقَى الحَلْقِ، والحُلْقُومُ: هو مدخل الطعام والشراب وهو مجرى النَّفَسِ، والغَلْصَمةُ مُلْتَقاها، وهي العُجْرةُ التي عند ملتقى اللَّهاةِ والمَرِيءِ إذا ازْدَرَدَ الآكِلُ اللُّقْمةَ فنَزَلَتْ في الحَلْقِ، ووقعت فِي الغَلْصَمةِ غَصَّ فيها (٢).
قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ فأما المنافقون فَظَنُّوا أن محمدا وأصحابه سيُغْلَبُونَ ويُسْتَأْصَلُونَ، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وَعَدَهُم اللَّه سبحانه حق، وأنه سَيُظْهِرُ دِينَهُ على الدين كله ولو كره المشركون.
واختلف القراء في قوله تعالى: "الظُّنُونا" و"الرَّسُولا" و"السَّبِيلا" (٣)،
стр. 604
فأثْبَتَ الألِفاتِ فيها وَصْلًا ووَقْفًا أهلُ المدينةِ والشامِ وأيُّوبُ، وعاصمٌ برواية أبِي بكر بن عياشٍ، والكسائيُّ برواية قتيبة (١)، واحتجُّوا بأنّ ألِفاتِها ثابتةٌ في مصحف عثمان وسائرِ مصاحف أهل البلدان.
وقرأها أبو عمرٍو في سائر الروايات، وحمزةُ ويعقوبُ بغير ألِفٍ فِي الحالين على الأصل، وقرأ الباقون بالألف في الوقف في المواضع كلها دون الوصل، واحتجُّوا بأن العرب تفعل ذلك فِي قَوافِي أشعارهم ومصاريعها، فَتُلْحِقُ الألفَ في موضع الفتح عند الوقف، ولا تفعل ذلك فِي حشو الأبيات، فَحَسُنَ إثبات الألف فِي هذه الحروف لأنها رؤوس الآيِ تمثيلًا لَها بالقوافِي (٢)، قال صاحب إنسان العين (٣): لأن الألِف فيها من الفواصل، والفواصلُ تُشْبِهُ القوافِيَ من حَيْثُ إنّ الأصل في كل آيةٍ أن تكون كلامًا قائمًا بنفسه كالبيت من الشِّعر، فهو نظير الأبيات في الوصل والخط.
стр. 605
وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ نصب على الظرف؛ أي: عند ذلك وفي تلك الحال ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: اخْتُبِرُوا بالقتل والحَصْرِ؛ ليُعْلَمَ المؤمنُ المخلص من المنافق، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ حُرِّكُوا وخُوِّفُوا وأُزْعِجُوا ﴿زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾؛ أي: تحريكًا وإزعاجًا شديدًا، يعني: وجُهِدُوا جَهْدًا شديدًا، والزلزال: الشدائد، وأصله التحريك، قرأ عاصم الجحدري: "زَلْزالًا" (١) بفتح الزّاي، وقرأ الباقون بالكسر، وهما مصدران (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من المنافقين ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾؛ أي: لا مَساكِنَ لكم، قرأه العامة: "لا مَقامَ" بفتح الميم الأُولَى؛ أي: لا مكان لكم تقيمون فيه، وقرأ السُّلَمِيُّ بضم الميم (٣)؛ أي: لا إقامة لكم، وهي رواية حفص عن عاصم، يقال: أقَمْتُ إقامةً ومُقامًا.
ويَثْرِبُ: المدينة، ولذلك لَمْ تنصرف، وقال أبو عبيدة (٤): يثرب: اسم أرضٍ، ومدينةُ الرسول ﷺ في ناحية منها.
стр. 606
وقوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ يريد: إلَى المدينة، ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ فِي الرجوع إلى منازلهم في المدينة، وهم بنو حارثة وبنو سلمة، ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ خاليةٌ ضائعةٌ، وليست بِحَرِيزةٍ (١)، وهي مما يَلِي العَدُوَّ، ونخشى عليها السُّرّاقَ، ولا نأمن على أهلينا.
وقرأ ابن عباسٍ وأبو رجاء العطاردي: "عَوِرةٌ" (٢) بكسر الواو، يعني قصيرة الجُدْرانِ، فيها خِلَلٌ وفُرْجةٌ، تقول العرب: دار فلان عَوِرةٌ: إذا لَمْ تكن حصينةً، قال الزَّجّاج (٣): يقال: عَوِرَ المَكانُ يَعْوَرُ عَوَرًا وعَوْرةً، فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرةٌ وعَوْرةٌ. وهي مصدر، قال الشاعر:
١٣٠ - مَتَى تَلْقَهُمْ لا تَلْقَ في البَيْتِ مُعْوِرًا... وَلا الضَّيْفَ مَفْجُوعًا ولا الجارَ مُرْملا (٤)
ثم كَذَّبَهُم اللَّهُ، وأعْلَمَ أنّ قَصْدَهم الهَرَبُ والفِرارُ، فقال تعالى: ﴿وَمَا
стр. 607
هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ يعني المنافقين؛ أي: ما يريدون إلا فرارًا من القتال ونصرة المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يعني المدينة؛ أي: لو دَخَلَ عليهم الأحزابُ الذين يريدون قتالهم المدينةَ ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ جوانبها ونواحيها، واحِدُها قُطْرٌ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشِّرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ قرأه العامة بالمدِّ؛ أي: لأعطوهم ما سألوا ولأشركوا، وقرأ أهل الحجاز: "لاعرتوْها" (١) بقصر الألف؛ أي: لَفَعَلُوها، من قولك: أتَيْتُ الخيرَ؛ أي: فَعَلْتُهُ (٢)، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ قال قتادة (٣): وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلًا، وهذا قول أكثر المفسِّرين، وقال الحسن والفراء (٤): وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلًا حتى هلكوا، ونصب ﴿يَسِيرًا﴾ على الاستثناء، وهو نعت لمصدرِ محذوفٍ، تقديره: إلّا لُبْثًا يسيرًا (٥).
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: من قبل غزوة الخندق، ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ عَهْدَهُمْ مع النبي ﷺ بالثبات في المواطن، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ لا ينهزمون، ولا يولون العدوَّ
стр. 608
ظهورَهُمْ، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ يُسْألُونَ عنه فِي الآخرة، والعهد لا يُسْألُ، وإنما يُسْألُ ناقضُ العهد؛ أي: مُطالَبًا به، من قولهم: سألت فلانًا حَقِّي؛ أي: طالبته به.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ الذي كُتِبَ عليكم ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: لا تُمَتَّعُونَ بعد الفرار فِي الدنيا إلى مدة آجالكم إلّا قليلًا، والدنيا كلها قليلٌ.
ورفع ﴿تُمَتَّعُونَ﴾ لاعتراض ﴿إِلَّا﴾ بينه وبين "إذَنْ"، و"إذَنْ" إذا كانت مبتدأةً لا يجوز إلغاؤها، تقول: إذَنْ أُكْرِمَكَ، وإذا كان قبلها واوٌ أو فاءٌ نحو: فَإذَنْ أُكْرِمَكَ أو: وَإذَنْ أُكْرِمُكَ، جاز الرفع والنصب، وإذا وقعت بين اسمٍ وفعلٍ لا يستغني أحدهما عن الآخر تُلْغَى نحو: أنا إذَنْ أُكْرِمُكَ، والكل جواب: سآتيك (١)، هكذا ذكره صاحب إنسان العين (٢)، ومثله: ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣)، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٤) وقد ذُكِرَ.
ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على الاستثناء، وهو نعت لمصدر محذوف تقديره: إلا متاعًا قليلًا.
قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: المُثَبِّطِينَ للناس عن رسول اللَّه ﷺ ، يقال: عاقَهُ واعْتاقَهُ وعَوَّقَهُ: إذا صرفه عن الوجه الذي يريده، ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾؛
стр. 609
أي: ويعلم القائلين ﴿لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ تَعالَوْا إلينا ودَعُوا محمَّدًا، فلا تشهدوا الحرب معه فإنّا نخاف عليكم الهلاك، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ لا يحضرون القتال في سبيل اللَّه ﴿إِلَّا قَلِيلًا (١٨)﴾ رياءً وسمعةً، ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ يعني المنافقين، وهو جمع شحيحٍ؛ أي: بُخَلاءَ بالخير والنَّفَقة فِي سبيل اللَّه، وعند قَسْمِ الغنيمة يُشاحُّونَ المؤمنين عند القِسْمةِ، وهو نَصْبٌ على الحال والقطع من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، وَصَفَهُم اللَّهُ بالبخل والجبن، ويجوز نصبه على الذَّمِّ (٢).
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ فِي رؤوسهم من الخوف والجُبْنِ ﴿كَالَّذِي﴾؛ أي: كَدَوَرانِ الذي ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يعني: خاطبوكم أشَدَّ مخاطبةٍ وأبْلَغَها، ورفعوا أصواتهم بعيبكم، وقال أبو عبيدة (٣): بالَغُوا فيكم بالكلام والعَيْبِ واللائمة.
يُقال: سَلَقَ فلانٌ فُلانًا بلسانه: إذا أغْلَظَ له بالقول مجاهرًا، وقال الخليل (٤): يقال: سَلَقْتُهُ باللسان؛ أي: أسمعته ما يكره وأكثرتُ، ويقال: لِسان مُسْلِقٌ؛ أي: حديدٌ ذَلِقٌ.
стр. 610
وخطيب مِسْلاقٌ: إذا كان ماضيًا في خطبته معلنًا بها، وكذلك تقول العرب: خطيبٌ مِسْلَقٌ ومِسْلاقٌ، قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة (١):
١٣١ - فِيهِمُ المَجْدُ والسَّماحةُ والنَّجْـ... دةُ فِيهِم والخاطِبُ المِسْلاقُ (٢)
والسَّلْقُ والصَّلْقُ -بالسين والصاد جميعًا- (٣): رفع الصوت، وقوله: ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ يعني: بألسنة سَلِيطةٍ باسطة بالشرِّ ذَرِبةٍ، وهي جمع حديدٍ.
ثم وصفهم فقال: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ أي: وهم -إن أظهروا الإيمان ونافقوا- ليسوا بمُؤْمِنِينَ، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أبْطَلَ جهادَهُمْ؛ لأنه لَمْ يكن في إيمانٍ، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾. أنزلت هذه الآية في عبد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابه (٤).
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾؛ أي: يحسب المنافقون أن الأحزابَ مُعَسْكِرُونَ مُقِيمُونَ، لَمْ ينصرفوا عن قتالهم إلى مكة من الخوف الذي نَزَلَ بهم، وقد انصرفوا، والأحزاب: الجماعات واحدهم حزب، وهم
стр. 611
الذين تَحَزَّبُوا على عداوة رسول اللَّه ﷺ ومخالفته أي: اجتمعوا، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾؛ أي: يرجعوا إليهم كَرّةً ثانيةً للقتال ﴿يَوَدُّوا﴾ من الخوف والجُبْنِ والفَرَقِ ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ يَتَمَنَّوْنَ لو كانوا فِي بادية الأعراب خارجين إليهم من الرَّهبة، والبادون: خلاف الحاضرين، يقال: بَدا يَبْدُو بَداوةً وبِداوةً: إذا خرج إلى البادية (١) ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾؛ أي: أخباركم، يقولون: ما فَعَلَ محمَدٌ وأصحابه؟.
قرأ العامّة: "يَسْألُونَ" بالتخفيف، وقرأ عاصمٌ الجحدري ويعقوب في روايةِ رُويْسٍ: "يَسّاءَلُونَ" (٢) مشددة ممدودةً، يعني: يتساءلون؛ أي: يسأل بعضهم بعضًا عن أخباركم، وما آلَ إليه أمْرُكُمْ، ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ يعني: هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾ يعني: رياءً وسمعةً من غير حِسْبةٍ، ولو كان ذلك للَّهِ لكان كثيرًا، وهو نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو لظرفٍ محذوفٍ.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بني قريظة الذين عاونوا أهلَ مكة: أبا سفيان وأصحابَهُ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من حصونهم المانعة، واحدها صِيصِيةٌ، قال محمد بن يزيد (٣): وأصل الصِّيصِيةِ: ما يُمْتَنَعُ به، فالحصن صِيصِيةٌ، ويقال لقرون البقر: صَياصٍ؛ لامتناعها بها، وكذلك يقال في شوكة الدِّيك: صِيصِيةٌ، وهي التي في رجله ناتئةٌ كالقَرْنِ، ويقال أيضًا في شوكة الحائك: صِيصِية، تشبيهًا بها، وأنشد أبو عُبَيْدةَ لدُرَيْدِ بن الصِّمّةِ (٤):
стр. 612
١٣٢ - نَظَرْتُ إلَيْهِ والرِّماحُ تَنُوشُهُ... كَوَقْعِ الصَّياصِي فِي النَّسِيجِ المُمَدَّدِ (١)
والصَّياصِي أيضًا: الأصول، قال أبو عبيدة (٢): العرب تقول: جَدَّ اللَّهُ صِيصِيَتَهُ؛ أي: أصْلَهُ.
وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي: ألقى فِي قلوبهم الخوفَ ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾ قيل: إنهم قَتَلُوا منهم أربعمائةٍ وخمسين رجلًا، وسَبَوْا منهم سبعمائةٍ وخمسين رجلًا، وقيل: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني الرجال، ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ يعني النساء والذَّرارِيَّ، وهما منصوبان بـ ﴿تَقْتُلُونَ﴾ و ﴿وَتَأْسِرُونَ﴾.
قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
стр. 613
وَزِينَتَهَا﴾ يعني: زهرتها، ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ هو من العُلُوِّ، وأصله من الارتفاع، ولكن كَثُرَ استعماله حتى استعمل فِي معنى: انزل، فيقال للمُتَعالِي: تَعالَ، بمعنى: انْزِلْ، وهما جَزْمانِ على الأمر وجوابِهِ.
والمراد بالآية أزواجُ النَّبِيِّ ﷺ ، وذلك أنّ أُمَّ سَلَمةَ بنتَ أبي أُميّة سألت النبي ﷺ سِتْرًا مُعْلَمًا (١)، فَلَمْ يَقْدِرْ عليه، وسألته سَوْدةُ بنت زَمْعةَ قَطِيفةً خَيْبَرِيّةً، فلم يقدر عليها، وسألته ميمونة بنت الحارث الهلالية قطيفةً يمانيّةً، فلم يقدر عليها، وسألته زينب بنت جحشٍ الأسديّة ثوبًا مُمَصَّرًا، وهو البُرْدُ المُخَطُّطُ، فلم يقدر عليه، وسألته أم حبيبة بنت أبِي سفيان ثوبًا سَحُولِيًّا (٢)، فلم يقدر عليه، وسألته حفصة بنت عمر ثوبًا من ثياب مصر، فلم يقدر عليه، وسألته جويرية بنت الحارث المصطلقية مِعْجَرًا (٣) ومِنْطَقةً، فلم يقدر عليهما، فَغَمَّهُ ذلك، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فَأمْسَكْنَ عن المسألة (٤)، وقوله: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ يعني: مُتْعةَ الطلاق، وقد ذكرناها في سورة البقرة (٥).
قوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ يعني به الطلاق ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ من غير إضرارٍ، قال قتادة والحسن: أمَرَ اللَّهُ رسولَهُ أن يُخَيِّرَ أزواجَهُ بين الدنيا والآخرة والجَنّة والنّار، فنَزَلَتْ هذه الآية.
стр. 614
قوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾؛ أي: بمعصيةٍ ظاهرةٍ، وهي النشوز وسوء الخُلق في قول ابن عبّاسٍ، قرأ عاصمٌ الجحدري: "مَنْ تَأْتِ" بالتاء (١)، وقرأ غيره بالياء.
وقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ جواب الشرط ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مصدرٌ، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ يعني: هَيِّنًا فِي الدنيا بالعقوبة، وفي الآخرة بالعذاب، قرأ ابن كثيرٍ وابن عامرٍ: "نُضَعِّفْ" بالنون وكَسْرِ العين مُشَدَّدًا من غير ألف "العَذابَ" نصبًا، وقرأ أبو عمرو ويعقوب: "يُضَعَّفْ" (٢) بالياء وفتح العين والتشديد من غير ألِفٍ، "العَذابُ" رفعًا، وقرأ الباقون: "يُضاعَفْ" بالألف ورفع الباء من "الْعَذابُ" مع التخفيف، وهما لغتان مثل: باعَدَ وبَعَّدَ (٣)، قال أبو عمرٍو وأبو عبيدة (٤): يقال: ضَعَّفْتُ الشيء: إذا جعلته متله، وضاعَفْتُهُ: إذا جعلته أمثاله.
стр. 615
ومعنى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يعني: يُجْعَلْ عذابُ جُرْمِها فِي الآخرة كعذاب جُرْمَيْنِ، كما زِيدَ فِي ثوابها ضِعْفٌ في قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، وإنما ضُوعِفَ عذابهن على إتيان الفاحشة؛ لأنهن يشاهدن من التَّنْزِيلِ ما يَزْجُرُ ويردع عن مواقعة الذنوب ما لا يُشاهِدُ غَيْرُهُنَّ، فإذا لَمْ يمتنعن عن ذلك استحققن تضعيف العذاب؛ لكمالهن وفضلهن على نساء العالمين.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: ومَن تُطعِ اللَّه ورسوله فيما يأمرها به منكنَّ، قرأه العامة بالياء، وَرُوِيَ عن ابن عامرٍ ويعقوب أنهما قرآ: "تَقْنُتْ" بالتاء (١)، قال الفراء (٢): وإنما قال: "يَقْنُتْ" لأن "مَنْ" أداةٌ تقوم مقام الاسم، يُعَبَّرُ به عن الواحد والاثنين والجميع والمؤنث والمذكر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٤)، وقال الفرزدق في الاثنين:
١٣٣ - تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي... نَكُنْ مِثْلَ -مَنْ يا ذِئْبُ- يَصْطَحِبانِ (٥)
стр. 616
قوله: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا﴾ جواب الشرط ﴿مَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: ضِعْفَي ثوابِ غيرهن من النساء فِي الآخرة، قرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلَفٌ: "يَعْمَلْ" و"يُؤْتِها" (١) بالياء فيهما، وقرأ الباقون بالتاء والنون، ونصب ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ على الظرف أو المصدر ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ ثوابًا حسنًا، وهو في الجَنّة.
قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قال الفراء والزَّجّاج (٢): لَمْ يقل: كواحدةٍ؛ لأنّ أحَدًا نَفْيٌ عامٌّ يصلح للواحد والاثنين والجميع، والمذكرِ والمؤنثِ، قال اللَّه : ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٤).
وقوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾؛ أي: لا تُلِنَّ الكلامَ للرجال، ﴿فَيَطْمَعَ﴾ ﴿الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ فُجُورٌ وزِنًى وضُعْفُ إيمانٍ (٥) ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ حسنًا جميلًا ونصب ﴿فَيَطْمَعَ﴾ على جواب النهي بالفاء.
стр. 617
قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ أبو جعفرٍ وشيبة ونافعٌ وعاصمٌ بفتح القاف، وقرأ غيرهم بالكسر (١)، فمن فتح القاف فمعناه: واقْرَرْنَ؛ أي: الْزَمْنَ بيوتكنَّ (٢)، من قولك: قَرِرْتُ فِي المكان أقَرُّ قَرارًا، وقَرَرْتُ أقِرُّ لغتان، فحُذِفَ الراءُ الأولى التي هي عين الفعل، ونقلت حركتها إلى القاف وانفتحت، فلما تحركت القاف سقطتْ ألِفُ الوصلِ، فبقي: "قَرْنَ" كقولهم في ظَلِلْتُ: ظَلْتُ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٤)، والأصل: ظَلِلْتَ، فحُذِفَ إحدى اللامَينِ (٥)، قال صاحب إنسان العين (٦): وَقَرْنَ وَهَمْتُ في معنى: هَمَمْتُ شاذٌّ، قال الشاعر:
١٣٤ - سِوَى أنّ العِتاقَ مِنَ المَطايا... أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ (٧)
стр. 618
ومن كسر القاف فهو من الوَقارِ (١)، والأمر منه: قِرْ، وللنساء: قِرْنَ، كقولك من الوعد: عِدْنَ، ومن الوصل: صِلْنَ؛ أي: كُنَّ أهْلَ وَقارٍ وهدوء وسكون وتُؤَدةٍ، من قولهم: وَقَرَ فلانٌ يَقِرُ وُقُورًا: إذا سكَنَ واطمأنّ، والوَقارُ: هو الحلم والرزانة، وقد وَقِرَ الرَّجُلُ يَقِرُ وَقارًا وقِرةً فهو وَقُورٌ، قال الشاعر:
١٣٥ - بِكُلِّ أخْلاقِ الرِّجالِ قَدْ مَهَرْ
ثَبْتٌ، إذا ما صِيحَ بِالقَوْمِ وَقَرْ (٢)
والتوقير: التعظيم والتَّرْزِينُ.
стр. 619
قال أبو عبيدٍ (١): كان أشياخُنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح، وذلك لأن قَرَرْتُ فِي المكان أقَرُّ لا يُجَوِّزُهُ كثيرٌ من أهل اللغة، والصحيح: قَرَرْتُ أقِرُّ بالكسر، ومعناه: الأمر لهنُّ بالتوقير والسكون في بيوتهن وألا يخرجن، وذلك قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يعني: لا تُبْرِزْنَ محاسنَكُنَّ؛ أي: تُظْهِرْنَها، وقرأ البَزِّيُّ: "وَلا تَّبَرَّجْنَ" بتشديد التاء (٢)، قال أبو العباس (٣): حقيقة التبرُّج: إظهار ما سَتْرُهُ أحْسَنُ، وهو مأخوذ من السَّعةِ، يقال: في عينه بَرَجٌ؛ أي: سَعةٌ، ويقال: في أسنانه بَرَجٌ: إذا كانت متفرِّقةً.
وقوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ كما يقال: الجاهلية الجَهْلاءُ، قال: وكانت النساء فِي الجاهلية الجهلاء يظهرْنَ ما يَقْبُحُ إظْهارُهُ، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلِّها، فينفرد خِلُّها بما فوق الإزار إلَى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدُهما صاحبَه البَدَلَ.
وأراد بـ ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: ما بين عيسى ومحمَّدٍ، وقيل: الجاهلية الأولى هي التي وُلدَ فيها إبراهيمُ ﵇، وكانت المرأة فِي ذلك الزمان
стр. 620
تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه، ثم تمشي وسط الطريق مُفَرَّجًا جانباه، وليس عليها شيء غَيْرُهُ بتكسير وتَغَنُّجٍ، وكان في ذلك الزمان نُمْرُوذُ الجبار، والناس كُلُّهُمْ كفار.
ومعنى ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: القديمة، يقال لكل متقدم ومتقدمةٍ: أُولَى وأوَّلُ، وذلك أن أهل الجاهلية الأولى تقدموا أمةَ محمدٍ ﷺ ، فنُهِينَ نساءُ هذه الأمة عن ذلك، وأُمِرْنَ بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة اللَّه ورسوله، وذلك قوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ الآية، يعني الإثم الذي نَهاهُنَّ اللَّه عنه فِي هذه الآيات، وَأمَرَهُنَّ بتركه (١)، فإنّ تَرْكَهُنَّ ما أمرهن به، ورُكُوبَهُنَّ ما نَهاهُنَّ عنه من الرِّجْسِ.
وقال الحسن (٢): الرِّجْسُ: الشيطان، وأهل البيت: نساء النبي ﷺ خاصّةً؛ لأنهنَّ في بيته، وإنما ذُكِّرَ الخطابُ في قوله: ﴿عَنْكُمُ﴾ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ لأن رسول اللَّه ﷺ كان فيهنَّ، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّبَ المذكرُ، وقال آخرون: هذا خاصٌّ في النبي ﷺ وعَلِيٍّ والحسنِ والحسينِ وفاطمةَ ﵈، وهو قول أبِي سعيدٍ الخُدري (٣)، و ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النداء، وإن شئت على المدح، قال الزجّاج (٤): ويجوز الرفع والخفض.
стр. 621
فصل
عن أبِي الحمراء (١) قال: أقمتُ بالمدينة تسعة أشهرٍ، كأنه يومٌ واحدٌ، فكان رسول اللَّه ﷺ يَخْرُجُ غَداةَ كُلِّ يَوْمٍ، فَيَقِفُ على بابِ عَلِيٍّ ﵁، ويقول: "الصلاةَ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢).
قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾. . . . الآية، قيل: لَمّا رجعت أسماءُ بنت عُمَيْسٍ (٣) من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبِي طالب، فدخلت على نساء رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: هل نزل فينا شيءٌ من القرآن؟ فقلن: لا، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه! إن النساء لَفِي خَيْبةٍ وخَسارٍ، قال: "وَمِمَّ ذاك؟ " قالت:
стр. 622
لأنهنَّ لا يُذْكَرْنَ بِخَيْرٍ كما يُذْكَرُ الرجالُ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (١).
و ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾، وخبرها في قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ وهو الجنة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ يعني: حُكْمًا ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ جَمَعَ الكناية؛ لأن المراد بقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ كُلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ فِي الدنيا، و ﴿الْخِيَرَةُ﴾: الاختيار، أعْلَمَ اللَّهُ تعالى أنه لا اختيار على ما قضاه اللَّه ورسوله.
قرأ أهل الكوفة وأيوب: "أنْ يَكُونَ" بالياء، واختاره أبو عبيد، قال (٢): للحائل بين التأنيث والفعل. وكذلك رَوَى هشامٌ عن أهل الشام، وقرأ الباقون بالتاء (٣)، وقرأ العامة: "الخيرة" بكسر الخاء وفتح إلياء، وقرأ ابنُ السَّمَيْفَعِ بسكون الياء (٤)، وهما لغتان (٥).
نزلت هذه الآية في عبدِ اللَّه بن جحشٍ وأختِهِ زَيْنَبَ، وكانا ابْنَيْ عَمّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فخطب النبيُّ ﷺ زينبَ لزيد بن حارثة مولاه، وهي تَظُنُّ أنه يَخْطِبُها لنفسه،
стр. 623
فلما علمتْ أنه يَخْطِبُها لِزَيْدٍ كَرِهَتْ ذلك، وكذلك أخوها، فلما نزلت هذه الآية رَضِيا وسَلَّما لأمرِ اللَّه وقضائِهِ، فَزَوَّجَها رسولُ اللَّه ﷺ من زيد بن حارثة (١).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾؛ أي: حاجةً من نِكاحها ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، ومعنى قضاء الوَطَرِ في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، تقول: قضى وَطَرًا منها: إذا بلغ ما أراد من حاجته فيها، ومنه قول عمر ابن أبِي ربيعة:
١٣٦ - أيُّها الرّائِحُ المُجِدُّ ابْتِكارا... قَدْ قَضَى مِنْ تِهامةَ الأوْطارا (٢)
أي: قد فَرَغَ من أعمال الحج، وبلغ ما أراد منه، ثم صار عبارة الطلاق (٣)، فلما تزوجها رسول اللَّه ﷺ أوْلَمَ عليها بخُبْزٍ ولَحْمٍ، وكانت زينبُ تَفْخَرُ على نساء النبي ﷺ ، فتقول: أنا أكْرَمُكُنَّ وَلِيًّا، وأكْرَمُكُن سَفِيرًا، زَوَّجَكُنَّ أقاربُكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ من السماء، وكان السفيرُ جبريلَ ﵇ (٤).
стр. 624
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾؛ أي: إثْمٍ ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾؛ أي: فيما أحَلَّ اللَّهُ له من النساء أن يَنْكِحَ منهن، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾؛ أي: شريعة اللَّه وهدايته ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ وأصْلُ السُّنّةِ: الطريقةُ التي تستوي وتنقاد، ويقال: سنّة اللَّه فيمن كان قبلكم من الأنبياء، مثل داود وسليمان ﵉، كان لسليمان سبعمائة امرأةٍ مَهْرِيّةٍ وثلاثمائة سُرِّيّةٍ، وكان لداود مائة امرأةٍ (١).
وفي وجه انتصاب قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ من الإعراب أربعة أوجهٍ، قيل (٢): لعدم الخافض، يعني: كسنّة اللَّه، وقيل (٣): على الإغراء؛ أي: اتبعوا سنة اللَّه، وقيل (٤): على المصدر، وأراد: سَنَّ سُنّةَ اللَّه، وقيل (٥): فَعَلَ سُنّةَ اللَّه في الأنبياء الماضين، أي: لا يؤاخذهم اللَّه بما أحَلَّ لهم، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾؛ أي: قضاءً مقضيًّا.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ يعني الأنبياء والرسل، ومحل ﴿الَّذِينَ﴾ خفض على نعت ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾، وقال أبو إسحاق (٦): يجوز أن يكون في موضع نصبٍ على المدح.
стр. 625
قوله: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ يعني: طالبًا وشاهدًا حافظًا لأعمال خَلْقِه، ومحاسبهم عليها، وهو منصوبٌ على الحال أو التَّمييز.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية، نزلت فِي قول الناس: إن محمدًا تَزَوَّجَ امرأةَ ابنِهِ (١)، يعنون زيد بن حارثة، فأخبر اللَّه أنه ليس بأبِ زيدٍ؛ لأنه لَمْ يَلِدْهُ، فلا يَحْرُمُ عليه نكاحُ زوجته بعد فراقه إياها، وإنما كان أبا قاسِمٍ والطَّيِّبِ والمُطهَّرِ وإبراهيمَ (٢).
قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ أي: ولكن كان رسول اللَّه ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أي: آخرهم، ختم اللَّه به النبوة، فلا نَبِيَّ بعده، ولو كان لِمُحَمَّدٍ ابنٌ لكان نَبِيًّا، قرأ عاصمٌ والحسنُ: "خاتَمَ" بفتح التاء (٣) على الاسم، أي: آخر النبيين كقوله: "خاتَمُهُ مِسْكٌ" (٤)؛ أي: آخِرُهُ، وقرأ الباقون بالكسر على اسم الفاعل، وهو الاختيار؛ أي: أنه ختم النبيين بالنبوة.
стр. 626
فصْلٌ
عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّما مَثَلِي في الأنبياء كَمَثَلِ رجلٍ بَنَى دارًا، فَأكْمَلَها وَحَسَّنَها إلا مَوْضِعَ لَبِنةٍ، فكان مَنْ دَخَلَ فنَظَرَ إليها، فيقول: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنةِ"، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنا مَوْضِعُ اللَّبِنةِ، خُتِمَ بِي الأنْبِياءُ" (١).
ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النّاسُ على قَدَمِي، وأنا العاقِبُ الذي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ" (٢).
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم، بالليل والنهار، وفِي البَرِّ والبحر، والسَّفَر والحضَر، والغِنَى والفقرِ، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ قولوا: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حوْلَ ولا قوة إلا باللَّه، وهذه الكلمات يقولها الطاهر والجُنُبُ والمُحْدِثُ، وقيل: معناه: صَلُّوا للَّهِ بالغداة والعَشِيِّ.
قال محمد بن يزيد (٣): الأصِيلُ: العَشِيُّ، وجمعه الأصائِلُ، والأُصُلُ
стр. 627
بمعنى الأصِيلِ وجمعه آصالٌ، وقال غيره (١): أُصُلٌ: جمع أصِيلٍ، كرَغِيفٍ ورُغُفٍ، وهما منصوبان على الظرف.
فصْلٌ
عن ابن عبّاسٍ ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا محمد: قل: سبحان اللَّه، والحمد للَّهِ، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حوْلَ ولا قوة إلا باللَّه، عَدَدَ ما عَلِمَ، وزِنةَ ما عَلِمَ، ومِلْءَ ما عَلِمَ، فإنه مَنْ قالَها كَتَبَ اللَّهُ له بها خَمْسَ خِصالٍ: كُتِبَ من الذاكرين للَّهِ كثيرًا، وكان أفْضَلَ مِنْ ذَكَرةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكُنَّ له غَرْسًا في الجنة، وتَحاتَّتْ (٢) عنه خطاياه كما يَتَحاتُّ وَرَقُ الشجرةِ اليابسةِ، ويَنْظُرُ اللَّهُ إليه، ومَنْ نَظَرَ إليه لَمْ يُعَذِّبْهُ" (٣).
ورُوِيَ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَنْ عجز عن الليل أن يُكابِدَهُ، وجَبُنَ عن العدوِّ أن يُجاهِدَهُ، وَبَخِلَ بِالْمالِ أنْ يُنْفِقَهُ، فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ تعالى" (٤).
стр. 628
قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾؛ أي تحية المؤمنين ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾؛ أي: يوم يرون اللَّهَ سلامٌ؛ أي: سلامٌ عليهم، ويُسَلِّمُهُم اللَّه من جميع الآفات والبَلِيّاتِ، وهو ابتداءٌ وخبرٌ، وقيل: تُحَيِّيهم الملائكةُ على أبواب الجنة بالسلام، فإذا دخلوها حَيّا بعضهم بعضًا بالسلام، وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام، وقيل الكناية مردودةٌ إلى ملك الموت، كنايةٌ عن غير مذكورٍ، والمعنى على هذا: تحية المؤمنين من ملك الموت يوم يلقونه أن يسلم عليهم، ورُوِيَ عن البراء بن عازب أنه قال (١): "يوم يلقون ملك الموت، لا يَقْبِضُ رُوحَ مؤمنٍ إلا سَلَّمَ عليه"، وعن ابن مسعودٍ قال (٢): "إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السلام". قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ يعني: رزقًا حسنًا فِي الجنة.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك وجميع الأمم بتبليغ الرسالة ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة لمن صدقك ﴿وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ منذِرًا بالنار لِمَنْ كَذَّبَكَ ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى توحيده وطاعته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ وأمره، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾؛ أي: لِمَن اتبعك واهتدى بك كالسراج فِي الظُّلْمة، يستضيء به أهل الدِّين، وروي عن قتادة أنه قال (٣): ﴿شَاهِدًا﴾ على أمته بالبلاغ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة، ﴿وَنَذِيرًا﴾ من النار، ﴿وَدَاعِيًا﴾ إلى شهادة أنْ لا إله إلا اللَّه، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قال: بأمره، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ قال: كتاب اللَّه .
стр. 629
قال أبو جعفرٍ (١): والتقدير على قوله: وداعيًا إلى توحيد اللَّه وذا سراجٍ منيرٍ؛ أي: كتاب بَيِّنٍ. وأجاز أبو إسحاق أن يكون بمعنى: وَتالِيًا كتابًا (٢)، وقيل: معنى قوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾؛ أي: مضيئًا، وهو النبي ﷺ ، سراجٌ منيرٌ مضيءٌ لِما يدعو أمته إليه، ونصب ﴿شَاهِدًا﴾ على الحال، وما بعده عطف عليه.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ يعني: مهورهن، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ مثل صفية وجُوَيْرِيةَ ومارية القبطية، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ من نساء عبد المطلب، ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ من نساء بني زهرة ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ يعني: من مكة إلى المدينة، وهذا إنما كان من قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسِخَ شرطُ الهجرة في التحليل، وقرأ ابن مسعودٍ: "والَّلاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ" (٣) بواو، ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾؛ أي: وأحللنا لك امرأةً مؤمنةً ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ بغير صَداقٍ، وغير المؤمنة لا تَحِلُّ إن وَهَبَتْ منه نفسَها، ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يعني: أن يتزوجها بغير مهرٍ فله ذلك.
قرأ العامة: "إنْ وَهَبَتْ" بكسر الألِف على الجزاء والاستئناف، وقرأ الحسن بفتح الألِف (٤) على المضي والوجوب، وجواب قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ﴾: حَلَّتْ (٥).
стр. 630
والواهبة قيل (١): إنها أُمُّ شُرَيْكٍ بنتُ جابر العامريةُ (٢)، وقيل: خَوْلةُ بنتُ الحكيم بن الأوْقَصِ السُّلَمِيّةُ (٣)، وقيل: ميمونةُ بنتُ الحارث (٤).
وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾؛ أي: خاصّةً لك ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فليس لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغير شهودٍ ولا وَلِيٍّ ولا مَهْرٍ إلا لِلنبي ﷺ ، وهذه من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعَدَدِ فِي النساء، وما رُوِيَ أنه أعتق صفية، وجعل عِتْقَها صداقَها. ونصب ﴿خَالِصَةً﴾ على الحال (٥)، وقيل (٦):
стр. 631
على المصدر، وقيل (١): على النعت لـ ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾.
قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. . الآية. من قرأ: "يَحِلُّ" بالياء فلأنّ الفعل مقدَّمٌ على ذِكر الفاعل، وبينهما حائلٌ، ومَنْ قرأ بالتاء فلأنّ النساء إناثٌ (٢)، ومعنى الآية: لا يحل لكَ اليهودياتُ ولا النصرانياتُ بعد المسلمات، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾؛ أي: لا تتبدل الكتابيات بالمسلمات، يقول: لا تكون أُمُّ المؤمنين يهوديةً ولا نصرانيةً، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾؛ أي: وإن أعْجَبْنَكَ بِجَمالِهِنَّ، فليس لك أن تُطَلِّقَ مِنْ نسائك، وتَنْكِحَ بَدَلَها امرأةً أعجبتْكَ بجمالها.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ يعني: ما ملكَتْ يمينه من الكتابيات حَلَّ له أن يَتَسَرَّى بهن، وقيل: معناه: لا يحل لك من النساء سوى هؤلاء اللاتِي اخْتَرْنَكَ، وليس لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج بَدَلَها، وقالت عائشة ﵂: "ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أُحِلَّ له النساءُ" (٣)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ يريد: من أعمال العباد ﴿رَقِيبًا (٥٢)﴾؛ أي: حافظًا.
стр. 632
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾؛ أي: منتظرين وقت إدراكه ونضجه، وهو ظرفٌ زمانٍ، وأما له حمزة والكسائي وهشامٌ (١)، وفيه لغتان، يقال: إنًى وأنًى بكسر الألِف وفتحها، مثل: إلًى وألًى ومِعًى ومَعًى، والجمع: آناءٌ مثل آلاءٍ، والفعل منه: أنَى يَأْنِي إني بكسر الألِف مقصورًا، وأناءً بفتح الألِف ممدودًا، قال الحُطَيْئةُ:
١٣٧ - وَآنَيْتُ العَشاءَ إلَى سُهَيْلٍ... أوِ الشِّعْرَى، فَطالَ بِيَ الأناءُ (٢)
وقال الشيبانِيُّ (٣):
стр. 633
١٣٨ - وَكِسْرَى إذْ تَقَسَّمَهُ بَنُوهُ... بأسْيافٍ كما اقْتُسِمَ اللِّحامُ
تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ... أَنَي وَلِكُلِّ حامِلةٍ تَمامُ (١)
وفيه لغةٌ أُخرى، يقال: آنَ يَأْنِي أيْنًا، وآنَ يَئِينُ: إذا انتهى مثل: حانَ يَحِينُ (٢)، و ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ على الحال، و ﴿إِنَاهُ﴾ نصب بوقوع الناظرين عليه، ولا وجه لجر "غير" على صفة الطعام إلا أن يُقال فِي غير القرآن (٣).
стр. 634
قال ابن عبّاسٍ: "نزلت هذه الآية في ناسٍ من المسلمين كانوا يَتَحَيَّنُونَ طعامَ النبي ﷺ ، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يُدْرَكَ، ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول اللَّه ﷺ يَتَأذَّى بهم، فنَزَلَتْ هذه الآية" (١).
قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ أي: فاخرجوا من مَنْزِلِهِ وتَفَرَّقُوا، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ي: طالبين للأُنْسِ، يقول: لا تجلسوا بعد الفراغ من الطعام للحديث، واخرجوا إذا فرغتم من بيت النبي ﷺ ، ومحلُّه خَفْضٌ، مردودٌ على قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. . ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (٢).
ورُوِيَ عن جويرية بنِ أسماء (٣) قال: قُرِئَ بين يَدَيْ إسماعيلَ بنِ أبِي حكيم (٤) هذه الآيةُ، فقال: هذا أدَب أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاءَ.
стр. 635
قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قرأه العامة بنصب التاء، وقرأ ابن عبّاسٍ بالرفع (١) عطفًا على مَحَلِّ قوله: ﴿اللَّهَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾ (٢)، كما قال الشاعر:
١٣٩ - فَإنِّي وَقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ (٣)