← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

على المصدر، وقيل (١): على النعت لـ ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾. قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. . الآية. من قرأ: "يَحِلُّ" بالياء فلأنّ الفعل مقدَّمٌ على ذِكر الفاعل، وبينهما حائلٌ، ومَنْ قرأ بالتاء فلأنّ النساء إناثٌ (٢)، ومعنى الآية: لا يحل لكَ اليهودياتُ ولا النصرانياتُ بعد المسلمات، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾؛ أي: لا تتبدل الكتابيات بالمسلمات، يقول: لا تكون أُمُّ المؤمنين يهوديةً ولا نصرانيةً، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾؛ أي: وإن أعْجَبْنَكَ بِجَمالِهِنَّ، فليس لك أن تُطَلِّقَ مِنْ نسائك، وتَنْكِحَ بَدَلَها امرأةً أعجبتْكَ بجمالها. وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ يعني: ما ملكَتْ يمينه من الكتابيات حَلَّ له أن يَتَسَرَّى بهن، وقيل: معناه: لا يحل لك من النساء سوى هؤلاء اللاتِي اخْتَرْنَكَ، وليس لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج بَدَلَها، وقالت عائشة ﵂: "ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى أُحِلَّ له النساءُ" (٣)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ يريد: من أعمال العباد ﴿رَقِيبًا (٥٢)﴾؛ أي: حافظًا.

стр. 632

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾؛ أي: منتظرين وقت إدراكه ونضجه، وهو ظرفٌ زمانٍ، وأما له حمزة والكسائي وهشامٌ (١)، وفيه لغتان، يقال: إنًى وأنًى بكسر الألِف وفتحها، مثل: إلًى وألًى ومِعًى ومَعًى، والجمع: آناءٌ مثل آلاءٍ، والفعل منه: أنَى يَأْنِي إني بكسر الألِف مقصورًا، وأناءً بفتح الألِف ممدودًا، قال الحُطَيْئةُ: ١٣٧ - وَآنَيْتُ العَشاءَ إلَى سُهَيْلٍ... أوِ الشِّعْرَى، فَطالَ بِيَ الأناءُ (٢) وقال الشيبانِيُّ (٣):

стр. 633

١٣٨ - وَكِسْرَى إذْ تَقَسَّمَهُ بَنُوهُ... بأسْيافٍ كما اقْتُسِمَ اللِّحامُ تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ... أَنَي وَلِكُلِّ حامِلةٍ تَمامُ (١) وفيه لغةٌ أُخرى، يقال: آنَ يَأْنِي أيْنًا، وآنَ يَئِينُ: إذا انتهى مثل: حانَ يَحِينُ (٢)، و ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ على الحال، و ﴿إِنَاهُ﴾ نصب بوقوع الناظرين عليه، ولا وجه لجر "غير" على صفة الطعام إلا أن يُقال فِي غير القرآن (٣).

стр. 634

قال ابن عبّاسٍ: "نزلت هذه الآية في ناسٍ من المسلمين كانوا يَتَحَيَّنُونَ طعامَ النبي ﷺ ، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يُدْرَكَ، ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول اللَّه ﷺ يَتَأذَّى بهم، فنَزَلَتْ هذه الآية" (١). قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ أي: فاخرجوا من مَنْزِلِهِ وتَفَرَّقُوا، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ ي: طالبين للأُنْسِ، يقول: لا تجلسوا بعد الفراغ من الطعام للحديث، واخرجوا إذا فرغتم من بيت النبي ﷺ ، ومحلُّه خَفْضٌ، مردودٌ على قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. . ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (٢). ورُوِيَ عن جويرية بنِ أسماء (٣) قال: قُرِئَ بين يَدَيْ إسماعيلَ بنِ أبِي حكيم (٤) هذه الآيةُ، فقال: هذا أدَب أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاءَ.

стр. 635

قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قرأه العامة بنصب التاء، وقرأ ابن عبّاسٍ بالرفع (١) عطفًا على مَحَلِّ قوله: ﴿اللَّهَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾ (٢)، كما قال الشاعر: ١٣٩ - فَإنِّي وَقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ (٣)

стр. 636

نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (١)، وقد مضت هذه المسألة، ومعنى الآية: إن اللَّه يرحم النبي، والملائكة يدعون له بالرحمة، وقيل: صلاة الرب المغفرة له، وصلاة الملائكة الاستغفار له. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾؛ أي: ادعوا له بالرحمة، واستغفروا له ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته. فصْلٌ عن الحسن قال: قالوا: يا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليك وسلم-: أرأيت قول اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾؟ فقال ﷺ : "هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتمونِي ما أخبرتكم، إن اللَّه تعالى وَكَّلَ بِي مَلَكَيْنِ، فلا أُذْكَرُ عند مسلم فيصلي علَيَّ إلا قال ذانك المَلَكانِ: غفر اللَّه لك، وقال اللَّه وملائكته لِذَيْيكَ المَلَكَيْنِ: آمين، ولا أُذْكَرُ عند مسلم فلا يُصَلِّي عَلَيَّ

стр. 637

إلا قال ذانك المَلَكانِ: لا غفر اللَّه لك، وقال اللَّه تعالى وملائكته جوابًا لذينِكَ المَلَكين: آمين" (١). ومعنى الصلاة عليه من اللَّه: الرحمةُ والمغفرةُ له، ومن الملائكة: الاستغفارُ له. ثم أمَرَ اللَّهُ المؤمنين بالصلاة عليه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾؛ أي: ادعوا له بالرحمة واستغفروا له ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قولوا: السلام عليكَ أيُّها النَّبِيُّ؛ لِما رُوِيَ عن كعب بن عُجْرةَ (٢) قال: قلنا: قد عَلِمْنا يا رسول اللَّه السلامَ عليك، فكيف الصلاةُ عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مَجِيدٌ" (٣)، رواه البخاري عن آدم بن أبِي إياسٍ (٤)، ورواه

стр. 638

مسلمٌ عن بندار (١) عن غندر، كلاهما عن شعبة. ومعنى قوله: "قد علمنا السلام عليك": هو ما يقوله المصلي فِي التشهد: سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته. رُويَ عن الأصمعي قال: سمعت المَهْدِيَّ عَلَى مِنْبَرِ البصرة يقول: إن اللَّه أمركم بأَمْرٍ، بَدَأ فيه بنفسه، وثَنَّى بمَلائِكَتِهِ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، آثَرَهُ ﷺ بها من بين الرسل، واختصكم بها من بين الأمم، فَقابِلُوا نعمةَ اللَّه بالشكر (٢). فصْلٌ عن أبِي طلحة (٣) قال: دخلتُ على النبي ﷺ ، فلم أرَهُ أشَدَّ استبشارًا منه يومَئِذٍ، ولا أطْيَبَ نفسًا، قال: فقلتُ: يا رسول اللَّه: ما رأيتُكَ قَطُّ أطْيَبَ نفسًا، ولا أشَدَّ استبشارًا منك اليومَ، فقال: "وما يمنعني؟ خَرَجَ آنِفًا جبريلُ من عندي، قال: قال اللَّه تعالى: "مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلاةً صَلَّيْتُ بها عليه عَشْرَ صَلَواتٍ، ومَحَوْتُ عنه عَشْرَ سيئاتٍ وكَتَبْتُ له عَشْرَ حسناتٍ" (٤).

стр. 639

قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ يريد: عن نفاقهم، شرط ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني الفجور، وهم الزُّناة، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهم قوم كانوا يرفعون الأخبار بما يَكْرَهُ المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدو، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ جواب الشرط، وقيل (١): نصب اللام على جواب القسم المحذوف، تقديره: واللَّهِ لنغْرِيَنَّكَ بهم؛ أي: لَنُسَلِّطَنَّكَ عليهم، والمعنى: لَنَأْمُرَنَّكَ بقتالهم حتى تقتلهم وتُخْلِيَ عنهم المدينةَ، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا﴾؛ أي: لا يساكنونك فِي المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾؛ أي: إلا يَسِيرًا حتى يهلكوا. وقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ يعني: المنافقين أي: مطرودين مُبْعَدِينَ عن الرحمة، وهو منصوبٌ على الحال (٢)، وقيل (٣): على الذم، وقوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ يعني: وُجِدُوا وأُدْركُو ﴿أُخِذُوا﴾؛ أي: أُسِرُوا، والأخِيذُ: الأسِيرُ ﴿وَقُتِّلُوا﴾ للتكثير ﴿تَقْتِيلًا (٦١)﴾ مصدر؛ أي: خذوهم واقتلوهم قتلًا؛ أي: الحُكْمُ فيهم هذا على جهة الأمر به ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر؛ أي: سَنَّ اللَّهُ ذلك سُنّةً فيمن أرْجَفَ بالأنبياء ونافق.

стр. 640

وقوله: ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مَضَوْا، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾؛ أي: لا يُبَدِّلُ اللَّهُ سُنَّتَهُ فيهم إذا أظهروا النفاق، بل يُقْتَلُونَ حيثما ثُقِفُوا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال مقاتلٌ: وعظ اللَّه المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا ﷺ كما آذَوْا بنو إسرائيل موسى ﵇، وهو ما رُوِيَ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يَغْتَسِلُونَ عُراةً، يَنْظُرُ بعضُهم إلى سَوْءةِ بعضِ، وكان موسى يغتسل وَحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ ما يَمْنَعُ موسى أن يغتسل معنا إلا أَنه آدَرُ (١)، قال: فذهب مَرّةً يغتسل، فوضع ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بثوبه، فجَمَحَ موسى في إثْرِهِ، يقول: ثَوْبِي حَجَرُ! ثَوْبِي حَجَرُ! حتى نظرتْ بنو إسرائيل إلى سَوْءةِ موسى ﵇، فقالوا: واللَّهِ ما بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، قال: فقام [إلى] الحجر بعدما نَظَرَ إليه بنو إسرائيل، وأخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بالحَجَرِ ضَرْبًا"، قال أبو هريرة: واللَّهِ إنّهُ نُدِبَ بالحَجَرِ (٢) سِتّة أو سَبْعةٌ، ضَرْبَ موسى بالحجر" (٣). رواه مسلمٌ عن مُحَمَّدٍ عن رافعٍ (٤) عن عبد الرزاق (٥)، وهذا قول جميع المفسرين.

стр. 641

قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ يقال: وَجُهَ الرَّجُلُ يَوْجُهُ وَجاهةً، فهو وَجِيهٌ: إذا كان ذا جاهٍ وقَدْرٍ، ومعناه: كان عند اللَّه حَظِيًّا، لا يسأله شيئًا إلا أعطاه، وكان مستجابَ الدعوةِ. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ يعني: مُسْتَوِيًا عَدْلًا مستقيمًا، وقيل: صِدْقًا، وقيل: صوابًا، قال ابن عبّاسٍ والضحّاك: هو قولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ جواب الأمر، يعني: يُزَكِّي أعمالَكُمْ، ويتقبل حسناتكم، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ يعني: ذنوب السر والعلانية، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ يعني: فِي التوحيد ﴿وَرَسُولَهُ﴾ فِي الإيمان به، شرطٌ وجزاءٌ ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ جواب الشرط يعني: فقد نجا بالخير، وأصاب منه نصيبًا وافرًا، وظفِر به. قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ يعني: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثوابُ، وبتضييعها العقابُ ﴿عَلَى﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ مخافةً وخشيةً، لا معصيةً ومخالفةً، والعرض كان تخييرًا لا إلزامًا، والأمانة مصدرٌ سُمِّيَ بها المفعولُ، وجمعها أمانات، قال الشاعر: ١٤٠ - فَأخْلَفْنَ مِيعادِي، وَخُنَّ أمانَتِي... وَلَيْسَ لِمَنْ خانَ الأمانةَ دِينُ (١)

стр. 642

قوله: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ يعني: خِفْنَ من العذاب، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ يعني: آدم، وقال ثعلب (١): يريد الناس، والألِف واللام للجنس إذْ لَمْ يسبق معهود، وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه بخطيئته ﴿جَهُولًا (٧٢)﴾ بعاقبة ما يحمل من الطاعة على الثواب والعقاب. فصْلٌ رُويَ عن الحسن فِي هذه الآية قال: "عُرِضَت الأمانةُ على السماوات السَّبْعِ الطِّباقِ التي زُيِّنَتْ بالنجوم، وحَمَلةِ العرشِ العظيمِ، فقيل لهن: أتَأْخُذْنَ الأمانةَ بما فيها؟ فقُلْنَ: وما فيها؟ قيل: إنْ أحْسَنْتُنَّ جُزِيتُنَّ وإن أسَأْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ، فقُلْنَ: لا، ثم عُرِضَتْ على الأرَضِينَ السَّبْعِ الَّلاتِي شُدَّتْ بالأوتاد، وذُلِّلَتْ بالمهاد، وأُسْكِنَتْ العبادَ، فقيل لهن: أتَأْخُذْنَ الأمانةَ بما فيها؟ قُلْنَ: وما فيها؟ قيل: إن أحْسَنْتُنَّ جُزِيتُنَّ، وإن أسَأْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ، قُلْنَ: لا، ثم عُرِضَتْ على الجبال الصُّمِّ الشَّوامِخِ البَواذِخِ الصِّلابِ الصَّعابِ، فقيل لهن: أتَأْخُذْنَ الأمانةَ بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن أحْسَنْتُنَّ جُزِيتُنَّ وإن أسَأْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ، قُلْنَ: لا، فذلك قوله: "فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وَأشْفَقْنَ مِنْها" (٢). وقال ابن جريجٍ (٣): "قالت السماء: يا ربِّ! خَلَقْتَنِي، وجَعَلْتَنِي سقفًا محفوظًا، وأجْرَيْتَ فِيَّ الشمسَ والقمرَ والنجومَ، لا أتحمل فريضةً، ولا أبتغي

стр. 643

ثوابًا ولا عقابًا، وقالت الأرض: جَعَلْتَنِي بساطًا ومِهادًا، وشَقَقْتَ فِيَّ الأنهارَ، وأنْبَتَّ فِيَّ الأشجارَ، لا أتحمل فريضةً ولَا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا". وقال مجاهدٌ (١): "لَمّا خَلَقَ اللَّهُ السماوات والأرض والجبال عَرَضَ الأمانةَ عليها، فلم تقبلها، فلما خلق آدم عرضها عليه، فقال: يا ربِّ، وما هي؟ فقال: إن أحْسَنْتَ جَزَيْتُكَ، وإن أسَأْتَ عَذَّبْتُكَ، فقال: قد تَحَمَّلْتُها يا رَبِّ. قال مجاهدٌ: فما كان بين أن تحملها وبين أن أُخْرِجَ من الجنة إلا قَدْرُ ما بين الظُّهر والعَصر". وعن ابن عبّاسٍ ﵁ قال (٢): "إن اللَّه تعالى قال لآدم: "إنِّي عَرَضْتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال، فلم تطقْها، فهل أنت حامِلُها بما فيها؟ قال: إي رَبِّ، وما فيها؟ قال: إن حَفِظْتَها أُجِرْتَ، وإن ضَيَّعْتَها عُذِّبْتَ، قال: فقد حَمَلْتُها بما فيها"، قال: فما غَبَرَ (٣) فِي الجنة إلا كقدْرِ ما بين الظهر والعصر حتى أخرجه إبليسُ منها". قال جُوَيْبِرٌ (٤): قلتُ للضحّاك: "وما الأمانة؟ قال: الفرائض على كلِّ

стр. 644

مؤمنٍ، وحَقٌّ على كلِّ مؤمنٍ ألّا يَغَشَّ مؤمنًا ولا مُعاهَدًا فِي قليلٍ ولا كثيرٍ، فمن انتقص شيئًا من الفرائض فقد خان أمانته". وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال (١): "لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تعالى الأمانة مَثَّلَها صخرةً، ثم وضعَها حيث شاء، ثم دعا لها السماوات والأرض والجبال يحملنها، وقال لهن: إن هذه الأمانة لها ثوابٌ، وعليها عقابٌ، فقلن: يا ربنا، لا طاقة لنا بها، وأقبل الإنسان مِنْ قَبْلِ أن يُدْعَى، فقال للسماوات والأرض والجبال: ما وَقَفَكُمْ؟ قالوا: دعانا رَبُّنا أن نحمل هذه، فَأشْفَقْنا منها، فلم نُطِقْها، قال: فَحَرَّكَها بيده، ثم قال: واللَّهِ لو شئتُ أن أحملها لحملتُها، قالوا: دُونَكَ، فحَمَلَها حتى بلغ بها ركبتَهُ، ثم وضعها، ثم قال: واللَّهِ لو شئتُ أن أزداد لازْدَدْتُ، قالوا: دُونَكَ، فحملها حتى بلغ بها حِقْوَيْهِ (٢)، ثم وضعها على عاتقه، ثم أهْوَى، فلما أهْوَى لِيَضَعَها قالوا: مَكانَكَ، إن هذه الأمانة لها ثوابٌ، وعليها عقابٌ، فَأمَرَنا رَبُّنا أن نحملها، فأشفقنا منها، وحملتَها أنتَ من غير أن تُدْعَى إليها، فهي فِي عنقك وأعناق ذريتك إلى يوم القيامة"، واللَّه أعلم. واختلفوا فِي العَرْضِ على أعيان هذه الأشياء، فقيل (٣): إن اللَّه رَكَّبَ فيهنَّ العقل، وأفهمهن خطابه حتى فَهِمْنَ، وأُنْطِقْنَ بالجواب، وقيل (٤): عرضها على مَنْ فيها من الملائكة، وقيل (٥): عرضها على أهلها دون أعيانها، وهذا كقوله

стр. 645

تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) وبابِهِ، والتأويل الأوَّل أصَحُّ وأشْبَهُ بظاهر الآية، وما بعده ظاهر التفسير إلى آخرها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 646

سورة سبأ مكية وهي ثلاثة آلافٍ وخمسمائةٍ واثنا عشر حرفًا، وثمانمائةٍ وثلاثٌ وثمانون كلمةً، وخمسٌ وخمسون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قرأ سورة سبأ لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ ولا رسولٌ إلا كان له يومَ القيامةِ رفيقًا ومُصافِحًا" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة سبأ ضُوعِفَ له الأجرُ أضعافًا، فلا يُحْصَى بعددٍ ولا حسابٍ، ثم يُوضَعُ له أجْرُهُ على الكرسيِّ حيث لا يراه إلا اللَّه" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يعني: الشكر للَّهِ على نِعَمِهِ السوابغِ على

стр. 647

جميع خلقه، فهو وَليُّ الحمد ومنتهى الحمد ووَلِيُّ النعم، والحمد هو الوصف بالجميل على وجه التعظيم، ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مِن خَلْقٍ، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن خَلْقٍ، فهو المَلِكُ والمالك، لا شريك له في ذلك، و ﴿الَّذِي﴾ في موضع خفضٍ على النعت أو البدل، ويجوز أن يكون في موضع رفعٍ على إضمار مبتدأٍ، وأن يكون في موضع نصبٍ بمعنى: أعْنِي (١)، وحكى سيبويه (٢): الحمدُ للَّهِ أهلِ الحمد بالنصب والرفع والخفض. قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كما هو له فِي الدنيا؛ لأن النِّعَمَ فِي الدّارينِ كُلَّها منه، فيَحْمَدُهُ أولياؤُهُ إذا دخلوا الجنة، فيقولَون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٣)، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٤)، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٥)، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره ﴿الْخَبِيرُ (١)﴾ بِخَلْقِهِ؛ لعلمه بجميع الأشياء، ما كان منها وما لَمْ يكن، وهو مبتدأٌ وخبرٌ. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: ما يدخل فِي الأرض من مطرٍ أو حَبٍّ أو نَوًى أو كَنْزٍ أو مَيْتٍ وما أشبه ذلك، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات والكنوز وسائر المعادن من الذهب والفضّة والصُّفْرِ (٦) والنحاس والحديد والرصاص، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من ماءٍ أو مصيبةٍ أو رزقٍ وغير ذلك،

стр. 648

﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾؛ أي: يصعد فيها من الملائكة وأعمال العباد، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بخَلْقِه، فلا أرْحَمَ منه، كَلَّفَهُم اليسيرَ، ورَفَعَ عنهم العَسِيرَ، وصَرَفَ عنهم الوَبِيلَ، وشَكَرَ لهم القليلَ ﴿الْغَفُورُ (٢)﴾ لِمَنْ تاب إليه، غفر لهم الذنوب العظامَ، وسَتَرَ عليهم قبائح الآثام. قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني منكري البعث من أهل مكة ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ﴾ يا محمدُ ﴿بَلَى وَرَبِّي﴾ قَسَمٌ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ جواب القسم، ثم عاد ﷻ بتمجيدِه وتحميدِه والثناء على نفسه، فقال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾. واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأ يَحْيَى والأعمشُ وحَمْزةُ والكسائيُّ: "عَلَّامِ الغَيْبِ" بِخَفْضِ الميمِ على وزن "فَعّال"، وهي قراءة عبد اللَّه وأصحابهِ، وقرأ أهلُ الْمَدِينةِ وابنُ عامرٍ ورويسٌ: "عالِمُ" برفع الميم على الاستئناف (١)، وقيل (٢): على خبر ابتداءٍ مَحْذُوفٍ، تقديره: هو عالِمُ الغيب. وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وعاصمٌ ورَوْحٌ (٣): "عالِمِ" بجر الميم (٤) رَدًّا

стр. 649

على قوله: ﴿وَرَبِّي﴾، وهو خفضٌ بواو القسم، وهو اختيار أبي عبيدٍ فيه وفي أمثاله، يُؤْثِرُ النعوتَ على الابتداء. ويجوز النصب بمعنى: أعني (١)، وقيل: بِنَزْعِ الواو من "عالِمِ"، قاله الخليل (٢)، وهو خفض بواو القسم، فـ "عالِمٌ" يكون للقليل والكثير، وَ"عَلَّامٌ" للتكثير (٣). قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المعنى: لَتَأْتِيَنَّكُم الساعةُ؛ لِيَجْزِيَ الذين آمنوا، ثم بينَ جزاءَ الفريقين فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الذين آمنوا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ حسَنٌ، يعني: فِي الجنة. قوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾؛ أي: عملوا فِي إبطال أدِلَّتِنا والتكذيب بكتابنا ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ يعني: مُشاقِّينَ مُغالِبينَ يحسبون أنهم يفوتوننا، وقرأ مَكِّيٌّ وأبو عمرٍو: "مُعَجِّزِينَ" (٤)، أي: مُثَبِّطِيَنَ الناسَ عن اتباع الرسول والإيمان بالقرآن، نظيرها فِي سورة الحج (٥)، وهو نصبٌ على الحال. وأصل العجز الضعف، يقال: عَجَزَ عن الأمر يَعْجِزُ عَجْزًا، فهو عاجزٌ،

стр. 650

ثم قيل لكل مُغالِب: مُعاجِزٌ، كأنه يطلب عَجْزَ صاحِبِهِ، وقال أبو عبيدة (١): معنى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مسابِقين. وليس بشيءٍ؛ لأنه لا يقال: سُوبِقَ اللَّهُ، كما لا يقال: فلانٌ يُغالِبُ اللَّهَ، ولا يقال أيضًا: عاجَزَ: إذا سابَقَ، وإنما أراد أبو عبيدة تأويل قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ (٢). وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ ويعقوبُ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ الميمَ بالرفع على نعت العذاب، وقرأ غيرهم بالخفض (٣) على نعت الرِّجْزِ، والرِّجْزُ أسوأ العذاب، ومثله فِي الجاثية (٤). قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: وَلِيَرَى الذين أُوتُوا العلمَ، يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبدَ اللَّه بن سلام وأصحابَهُ، وقيل: هم أصحاب محمدٍ ﷺ ، ﴿الَّذِي﴾ مفعول "يَرَى" ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ فَصْلٌ عند البصريين، كقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٥)، وعِمادٌ عند الكوفيين، قال الشاعر: ١٤١ - لَيْتَ الشَّبابَ هُوَ الرَّجِيعُ عَلى الفَتَى... والشَّيْبَ كانَ هُوَ البَدِيءُ الأوَّلُ (٦)

стр. 651

فـ ﴿هُوَ﴾ الأول عمادٌ، والثانِي اسمٌ، و ﴿الْحَقَّ﴾ منصوبٌ بوقوع الفعل عليه، وهو مفعولٌ ثانٍ، قال الشاعر: ١٤٢ - وَكائِنْ بِالأباطِحِ مِنْ صَدِيقٍ... يَرانِي إنْ أُصِبْتُ هُوَ المُصابا (١) ومن قرأ: "الحَقُّ" بالرفع (٢) جعل "هُوَ" ابتداء و"الحَقُّ" خبره. قوله: ﴿وَيَهْدِي﴾ يعني: القرآن ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ يعني: إلى دِين اللَّه العزيز فِي ملكه الحميد عند خَلْقِه، وهو الإسلام. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني منكري البعث ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون محمدًا ﷺ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: بَلِيتُمْ بقَطْعِ أجسامكم، وفُرِّقْتُمْ كل تفريقٍ، وقُطِّعْتُم كل تقطيعٍ، وصِرْتُمْ رُفاتًا وتُرابًا ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ﴾، ﴿جَدِيدٍ (٧)﴾؛ أي: يُجَدَّدُ خَلْقُكُمْ وتُبعثون وتُنشرون بعد هذا.

стр. 652

قال صاحب إنسان العين (١): وعامل ﴿إِذَا﴾ محذوف أي: بُعِثْتُمْ، دَلَّ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، [ولا يجوز أن يكون العامل في] (٢) ﴿إِذَا﴾: ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ (٣)، وإنما يعمل في ﴿إِذَا﴾ إذا كان مجزومًا بها، نحو: مَنْ أضْرِبْ يَضْرِبْنِي، فإنه إذا لَمْ يُجْزَمْ بها كانت مضافةً إلى الفعل، والمضاف إليه لا يعمل فِي المضاف، والجزم بـ ﴿إِذَا﴾ -وإن جاء في الشِّعر ضرورةً- لا يُحْمَلُ عليه القرآنُ (٤)، ورواية الجزم في الشِّعر كما قال: ١٤٣ - إذا قَصُرَتْ أسْيافُنا كانَ طُولُها... خُطانا إلَى أعْدائِنا فَنُضارِبِ وخَطَّأهُ المغربِيُّ (٥)؛ لأن القصيدة مرفوعة القوافِي، وفيها: ١٤٤ - وَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا والغُواةُ صَحابَتِي... أُولَئِكَ خُلْصانِي الَّذِينَ أُصاحِبُ وفيها:

стр. 653

١٤٥ - فَلِلْمالِ عِنْدِي اليَوْمَ راعٍ وَكاسِبُ (١) ولا يَجُوز أن يعمل فِي ﴿إِذَا﴾: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، لأن التنبيه قبل التمزق (٢)، ولا ﴿جَدِيدٍ﴾، لأن ما بعد "إنّ" لا يعمل فيه ما قبله، ومثله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣)، ونصب كُلًّا على الظرف (٤).

стр. 654

وقيل (١): لأنه اسمٌ أُقِيمَ مُقامَ المصدر، تقديره: إذا مُزِّقْتُمْ تَمْزِيقًا. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يُقرأ بكسر الألِف (٢) على الابتداء والحكاية، مجازه: يقول محمدٌ: إنّكم لفي خلقٍ جديدٍ، يعني: نُبْعَثُ بعد الموت، ونُعادُ خَلْقًا جديدًا، قال ذلك كفارُ مكة على وجه التعجب والتكذيب. قوله: ﴿أَفْتَرَى﴾؛ أي: اخْتَلَقَ محمدٌ ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حين يَزْعُمُ أنّا نُبْعَثُ بعد الموت، والألِف ألِف استفهامٍ، وهو استفهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ، ولَمّا دخلت ألِف الاستفهام استغنيتَ عن ألِف الوصل، فحذفتَها، وكان فتح ألِف الاستفهام فَرْقًا بينها وبين ألِف الوصل (٣). وقوله: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ استفهامٌ ثانٍ، يقولون: أزَعَمَ محمدٌ كَذِبًا أم به جنونٌ؟ فَرَدَّ اللَّهُ عليهم، فقال: ﴿بَلِ﴾؛ أي: ليس الأمر على ما قالوا من الافتراء والجنون ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: يصدقون بالبعث ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ فِي الآخرة ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ من الحق فِي الدنيا. ثم وعظهم ليعتبروا، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ

стр. 655

السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وذلك أن الإنسان حيثما نَظَرَ رأى السماء، والأرض قُدّامَهُ وخَلْفَهُ، عن يمينه وعن شِماله. والمعنى: أنهم حيث كانوا فإن أرْضِي وسَمائِي مُحِيطةٌ بهم، لا يَخْرُجُونَ من أقطارها، وأنا القادرُ عليهم لا يعجزونني، إن شئت خسفتُ بهم أرْضِي، وإن شئتُ أسقطتُ عليهم كِسْفًا، أي: قِطْعةً من سمائي، وهو قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ شرط وجزاء. قرأ العامة بالنون فِي ثلاثتها، وقرأ الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخلَف كُلَّها بالياءِ (١)، وهو اختيار أبِي عبيدٍ، قال: لذكر اللَّه قبله، وأدغم الكسائي وحده الفاءَ فِي الباء من قوله: "يَخْسِفْ بِهِمُ" (٢). قال أبو عليٍّ الفارسي (٣): وذلك غير جائزٍ؛ لأن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطرافِ الثنايا العليا، وانحدر الصوت به إلى الفم، حتى اتصلت بمخرج الثاء؛ ولهذا جاز إبدال الثاء بالفاء في نحو الجَدَثِ والجَدَفِ، وهو القَبْرُ، للمقاربة بينهما، فلم يجز إدغامه في الباء، كما لا يجوز إدغام الباء فيه؛ لزيادة صوت الفاء على صوت الباء. وقرأ حفص: "كِسَفًا" (٤) بفتح السين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما ترون من

стр. 656

السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ تدل على قدرة اللَّه تعالى على البعث، وعلى ما يشاء من الخسف بهم ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ تائبٍ على ربه راجعٍ إليه بقلبه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ يعني النُّبُوّةَ والزَّبُورَ والصوتَ الحَسَنَ، وما أُعْطِيَ من المُلْكِ في الدنيا، وما سُخِّرَ له من الجبال والطير والحديد، ثم بيَنَ ما أعطاه، فقال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ مجازه: وقلنا: يا جبال أوِّبِي معه (١)؛ أي: سَبِّحِي معه إذا سَبَّحَ، وقال بعضهم (٢): هو التفعيل من الإيابِ، أي: رَجِّعِي معه التسبيحَ، وقيل: سِيرِي معه كيف شاء، قال القتيبي (٣): وأصله من التأويب فِي السير، وهو أن تسير النهارَ كُلَّهُ، وتَنْزِلَ ليلًا، قال ابن مقبلٍ: ١٤٦ - لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَما... دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ يَجْنَحُ (٤) كأنه أراد: أوِّبِي النهارَ كُلَّهُ بالتسبيح معه، وقيل (٥): ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾: نُوحِي معه، والطيرُ تساعدك على ذلك.

стр. 657

قيل (١): كان داود ﵇ إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بِصَداها، وعَكَفَت الطيرُ عليه من فوقه، فَصَدَى الجبالِ الذي يسمعه الناسُ من ذلك اليوم. وقرأ الحسنُ وجماعةٌ: "أُوبِي مَعَهُ" (٢)؛ أي: سِيرِي وارْجِعِي معه، والأوّابُ: العابد الراجع إلى العبادة، وأصله الرجوع، والمُسَبِّحُ: المُطِيعُ، وكان داودُ ﵇ إذا وَجَدَ فَتْرةً أمَرَ الجبالَ، فَسَبَّحَتْ حتى يَشْتاقَ (٣). قوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قرأه العامةُ بالنصب، وله وجهان: أحدهما: بإضمار فعلٍ، تقديره: وسَخَّرْنا له الطيرَ، كقوله: أطعمتُهُ طَعامًا وماءً، تريد: وسقيته ماءً (٤)، والثاني: على النداء عطفًا على موضع الجبال (٥)؛ لأن كلَّ منادًى في موضع نصبٍ، ويحتمل أن يكون نصبه على أنهما نداءان، أحدهما ليست فيه الألف واللام (٦)، فإذا عطفت اسمًا منادًى فيه الألف واللام على اسمٍ ليس فيه

стр. 658

الألف واللام، فالأول مرفوعٌ والثاني منصوبٌ، وقيل (١): الواو بمعنى "مَعَ" أي: مع الطير، فتكون الطير مأمورةً بالتأويب معه. وقرأ يعقوب والأعرج وأبو عبد الرحمن السُّلميُّ بالرفع (٢) عطفًا على الجبال، كقول الشاعر: ١٤٧ - ألا يا زيدُ والضَّحّاكُ سِيرا... فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ الطَّرِيقِ (٣) يجوز رفع "الضحّاك" ونصبه، فالرفع على اللفظ، والنصب على الموضع (٤).

стр. 659

قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ كان في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يُصَرِّفُهُ كيف شاء، من غير إدخالِ نارٍ ولا ضرب بحديدٍ، وهو قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ دُرُوعًا كَوامِلَ واسعات، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾؛ أي: لا تجعل مسمار الدرع دقيقًا فَيَقْلَقَ، وَلا غَلِيظًا فَيَكْسِرَ الحِلَقَ (١). والسَّرْدُ: نَسْجُ حِلَقِ الدروع، ومنه قيل لصانع الدروع: السَّرّادُ، والزَّرّادُ، تُبْدِلُ من السين الزايَ كما يقال: صراطٌ وزِراطٌ (٢)، قال أبو ذؤيبٍ: ١٤٨ - وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما... داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ (٣) وأصله الوصل والنظم، والسَّرْدُ أيضًا: الخَرْزُ، يُقالُ لِلإشْفَى: مِسْرَدٌ

стр. 660

وَسِرادٌ، وللخَرَزِ: سَرْدٌ (١)، قال الشماخ: ١٤٩ - كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ (٢) ويقال: سَرَدَ الكلامَ: إذا أتْبَعَ بعضَهُ بَعْضًا (٣). قوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ يعني داود وأهله؛ أي: اشكروا للَّهِ بما هو أهْلُهُ، و ﴿صَالِحًا﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: واعملوا عملًا صالحًا ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ بأعمالكم، لا تخفى عَلَيَّ ضمائر القلوب. قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قرأه العامة بنصب الحاء، أي: وسخَّرْنا لسليمانَ الرِّيحَ، وروى أبو بكرٍ والمفضَّل عن عاصمٍ بالرفع (٤) على خبر حرف الصفة،

стр. 661

وهي اللام الزائدة (١)، وقيل (٢): بالابتداء أو بالاستقرار أي: لسليمان الريح ثابتة. وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ يعني: غدوُّها إلى انتصاف النهار مسيرة شهرٍ، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهرٍ، فجعلت تسير به فِي يومٍ واحدٍ مسيرة شهرٍ للراكب. قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾؛ أي: وقلنا: اعملوا يا آل داود شكرًا لِما أُعْطِيتُمْ من الفضل والخير، والشكر تقوى اللَّه والعمل بطاعته، وهو فِي محل المصدر (٣)؛ أي: اشكروا شكرًا، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي، وقيل (٤): نصب ﴿شُكْرًا﴾ على المفعول له أي: للشكر، ولا يجوز أن يكون نصبًا على أنه مفعول بوقوع ﴿اعْمَلُوا﴾ عليه، لأنه لا يقال: عملت الشكر. فصْلٌ عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر وتلا هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ثم قال: "ثَلاثٌ مَنْ أُوتيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ [ما] أُوتِيَ داوُدُ"، فقيل له: ما هي يا رسول

стр. 662

اللَّه؟ فقال: "العَدْلُ فِي الغَضَبِ والرِّضا، والقَصْدُ فِي الفَقْرِ والغِنَى، وخَشْيةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ والعَلانِيةِ" (١). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ يعني سليمان ﵇، ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وهي الأرَضةُ ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ وهي العصا بلسان الحبشة وحَضْرَمَوْتَ، وجمعها المَناسِئُ، وأصلها من: نَسَأْتُ الغَنَمَ: إذا زَجَرْتَها وسُقْتَها، قال طرفة: ١٥٠ - وَعَنْسٍ كَألْواحِ الإرانِ نَسَأْتُها... عَلَى لاحِبٍ كَأنّهُ ظَهْرُ بُزجِدِ (٢) أي: سُقْتُها، والإرانُ: النَّعْشُ، والبُرْجُدُ كِساءٌ مخطط. وهَمَزَها أكثرُ القُرّاءِ، وتَرَكَ هَمْزَها أبو عمرٍو وأهل المدينة (٣)، وهما لغتان (٤)، قال الشاعر فِي الهَمْزِ:

стр. 663

١٥١ - ضَرَبْنا بِمِنْسَأةٍ وَجْهَهُ... فَصارَ بِذاكَ مَهِينًا ذَلِيلا (١) وقال آخر في ترك الهمز: ١٥٢ - إذا دَبَيْتَ عَلَى المِنْساةِ مِنْ كِبَرٍ... فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ (٢) وقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ يعني: سقط على الأرض ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾. . الآية. و ﴿أَنْ﴾ فِي موضع الرفع؛ لأن معنى الكلام: فلما خرَّ تَبَيَّنَ؛ أي: ظهر وانكشف أنْ لو كان الجن يعلمون الغيب (٣) ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ يعني: فِي الشقاء والنَّصَبِ حَوْلًا فِي بيت المقدس، وقيل (٤):

стр. 664

﴿أَن﴾ فِي مَحَلِّ النصب؛ أي: علمتْ وأيقنتْ أن لو كانوا يعلمون الغيب، قال الشاعر: ١٥٣ - أفاطِمُ إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيَّنِي... وَلا تَجْزَعِي كُلُّ الأنامِ يَمُوتُ (١) وإنما سُمُّوا الجِنَّ؛ لأنهم اسْتَجَنُّوا من الإنس فلم يَرَوْهُمْ. قال أهل التاريخ: كان عُمْرُ سليمانَ ﵇ ثلاثًا وخمسين سنةً، ومدة ملكه أربعين سنةً، ومَلَكَ يَوْمَ مَلَكَ وهو ابن ثلاثَ عشرةَ سنةً، وابتدأ فِي بناء بيت المقدس لأربع سنين مَضَيْنَ فِي مُلْكِهِ، هكذا ذكره الثعلبي (٢). وذكر الواحدي في وَسِيطِهِ فِي سورة النمل بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: أُعْطِيَ سليمانُ بن داود مُلْكَ مشارقِ الأرض ومغارِبِها، فَمَلَكَ سبعمائة سنةٍ وستة أشهرٍ، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع، وأُعْطِيَ عِلْمَ كُلِّ شيءٍ ومَنْطِقَ كُلِّ شيءٍ، وفِي زمانه صُنِعَت الصنائعُ المُعْجِبةُ التي يسمع بها الناس (٣)، واللَّه أعلم.

стр. 665

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾؛ أي: دلالةٌ على وحدانيتنا وقدرتنا، ثم فَسَّرَها، فقال: ﴿جَنَّتَانِ﴾؛ أي: هي جنَّتان بستانان ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إحداهما عن يمين الوادي، والأُخرى عن شِماله، واسم الوادي: العَرِمُ. و"سَبَأٌ" يُقْرَأُ مصروفًا وغير مصروفٍ (١)، فمن صَرَفَهُ فعلى أنه اسِم رَجلٍ معروفٍ، وهو [سَبَأُ بنُ] (٢) يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ بنِ قَحْطانَ، ومن تَرَكَ صَرْفهُ فعلى أنه اسم قبيلةٍ، واختاره أبو عبيدٍ؛ لقوله: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ (٣)، وقال الضحاك: سبأٌ مدينة باليمن، بعث اللَّه إليها ثلاثة عشر نبيًّا، فكذبوهم وكفروا بهم، قال: وكان دِينُهم الزندقةَ. واختلف القراء في "مَساكِنِهِمْ"، فقرأ حمزة والنخعي وحفصٌ: "مَسْكَنِهِمْ" بفتح الكاف على الواحد وبنصب الكاف، مصدرٌ لا يُجمع (٤)، وقرأ يحيى بن وثابٍ والأعمش والكسائي وخَلَفٌ بكسر الكاف على الواحد أيضًا، وقرأ الباقون: "مَساكِنِهِمْ" (٥) على الجمع.

стр. 666

قوله: ﴿كُلُوا﴾؛ أي: وقيل لهم: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعم عليكم، وها هنا تمام الكلِم، ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؛ أي: هذه بلدكم بلدةٌ طيبةٌ، أي: طيبةُ الهواءِ، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾؛ أي: وهو رب غفور، يعني: غفور الخطايا، كثير العطايا. قال ابن زيد بن أسلم (١): لَمْ يكن في قريتهم بَعُوضةٌ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ ولا عَقْرَبٌ ولا حَيّةٌ، وإنْ كان الرَّكْبُ لَيَأْتُونَ وفي ثيابهم القُمَّلُ والدوابُّ، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموتَ تلك الدواب التي في ثيابهم لِطِيبِ هوائِها. ويقال (٢): كانت المرأة تحمل مِكْتَلًا (٣) على رأسها، فتدخل البستان، فَيَمْتَلِئُ مِكْتَلُها من ألوان الفاكهة والثمار، من غير أن تَمَسَّ شيئًا بيدها. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ يعني: عن الحق ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قيل (٤): العَرِمُ اسم الوادي، وقيل (٥): هو السد، وهو جمع عَرِمةٍ، وقيل (٦): العَرِمُ:

стр. 667

الشديد، أضاف الموصوف إلى الصفة، وأصلها من العَرامةِ، وهي الشدة والقوة، والعُرامُ: شِدّةُ الغلام. قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ قرأه العامة بالتنوين، وقرأ أبو عمرٍو ويعقوب بالإضافة (١)، وهما متقاربان، كقول العرب: لفلانٍ أعنابُ كَرْمٍ، وأَعناب كَرْمٌ، وثوبُ خَزٍّ، وثوبٌ خَزٌّ، وأسكن الكافَ نافع وابن كثيرٍ، وضمها الباقون. قال الواحدي (٢): والقراءة الجيدة بالإضافة؛ لأنّ الخَمْطَ عند المفسرين اسم شجرةٍ، قالوا: هو الأراكُ، وأُكُلُهُ: جَناهُ، وهو البَرِيرُ، وكذلك قال الأخفش (٣): الأحسن في مثل هذا الإضافة، مثل: دارُ آجُرٍّ وثَوْبُ خَزٍّ. و ﴿ذَوَاتَيْ﴾ خفض نعت لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾، ومن قرأ: "أُكُلٍ خَمْطٍ" بالتنوين جعله بدلًا من "أُكُلٍ" (٤)، ومن قرأ بغير تنوين لـ ﴿خَمْطٍ﴾ خفض بالإضافة كما تقدم.

стр. 668

قوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾ عطف على ﴿خَمْطٍ﴾، و ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ نعتٌ لـ "شَيءٍ" (١)، والخَمْطُ: الأراكُ في قول أكثر المفسرين، وقيل: هو شَجَرٌ له شَوْكٌ، قال أبو عبيدة (٢): الخَمْطُ: أُكُلُ شجرةٍ مُرّةٍ ذاتِ شَوْكٍ، وقيل: هو شَجَرُ العِضاهِ (٣)، وقيل: هو كُلُّ نَبْتٍ قد أخَذَ طَعْمَ مَراررةٍ حتى لا يمكن أكْلُهُ، وهو قول المبرد (٤) والزجّاج (٥)، وعلى هذا يحسن التنوين فِي ﴿أُكُلٍ﴾ إذا جعلتَ الخَمْطَ اسمًا للمأكول. والأثل: الطَّرْفاءُ (٦)، وقيل (٧): هو شجرٌ يشبه الطَّرْفاءَ، إلّا أنه أعظم منه، والسِّدْرُ إذا كان بَرِّيًّا لا يُنْتَفَعُ به، ولا يَصْلُحُ وَرَقُهُ للغَسُولِ، بخلاف السدر الذي ينبت على الماء. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: البدل ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾؛ أي: بكفرهم، ومحل ﴿ذَلِكَ﴾ نصب بوقوع المُجازاةِ عليه (٨) تقديره: جزيناهم ذلك بما كفروا، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ لنعمة اللَّه، قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكرٍ ويعقوب بالنون وكسر الزاي ونصب الراء على المفعول، واختاره أبو عبيدٍ، قال (٩):

стр. 669

لقوله: ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ولَمْ يقل: جُزُوا، وأدغم الكسائيُّ اللامَ في النون على أصله، وقرأ الباقون (١) بياءٍ مضمومةٍ وفتح الزاي ورفع الراء على اسم ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، ومعنى الآية: وهل يُجازَى مثلَ هذا إلا الكفورُ؟. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾، يعني: وكان من قصتهم أن جعلنا بينهم، يعني: بين أهل سبأ ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ يعني الأرض المقدسة والأردن وفلسطين ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالشجر والماء ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ يعني: متقاربة ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا﴾؛ أي: وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾، وهما ظرفان للسير ﴿آمِنِينَ (١٨)﴾ يعني: من الجوع والعطش والسِّباعِ، وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾؛ أي: اجعل بيننا وبين الشام فَلَواتٍ ومَفاوِزَ؛ لِنَزكَبَ فيها الرَّواحِلَ، ونَتَزَوَّدَ إليها الأزْوادَ، فعَجَّلَ لهم الإجابةَ. واختلف القراء في هذه الآية (٢)، فقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو: "رَبُّنا بَعِّدْ" على وجه الدعاء والسؤال من التبعيد، وهي رواية هشامٍ عن قُرّاءِ الشامِ،

стр. 670

وبَعِّدْ: بمعنى باعِدْ، مثل ضَعِّفْ وضاعِفْ، وقَرِّبْ وقارِبْ، وقرأ ابنُ الحنفية (١) ويعقوبُ: "رَبُّنا" برفع الباء "باعَدَ" بألِفٍ وفتح العين والدال على الخبر، فـ "رَبُّنا" رفع على الابتداء، و"باعَدَ" فعلٌ ماضٍ في موضع الخبر، وقرأ الباقون: "رَبَّنا" بفتح الباء، نصب على أنه نداء مضاف "باعِدْ" بالألف وكسر العين وجزم الدال على الدعاء. ففعل اللَّه ذلك بهم، فقال: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعصية والطغيان، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ فجعلناهم عِبرةً وعِظةً لمن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم، كيف فعلنا بهم؟ ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: وفَرَّقْناهُمْ فِي كل وجهٍ من البلاد كُلَّ التفريق، وذلك أن اللَّه تعالى لَمّا أغرق مكانهم، وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ، تَبَدَّدُوا في البلاد، فصارت العرب تتمثل بهم في الفُرْقةِ، فيقولون: تفرقوا أيْدِي سَبا، وأيادِي سَبا (٢)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: فيما فعل بسبأٍ ﴿لَآيَاتٍ﴾ لَعِبَرًا ودلالاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن معاصي اللَّه ﴿شَكُورٍ (١٩)﴾ لأنْعُمِهِ، يعني المؤمن من هذه الأمة إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ أي: في ظَنِّهِ، نحو: ﴿سَفِهَ
следующие страницы →