← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قوله: ﴿كُلُوا﴾؛ أي: وقيل لهم: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعم عليكم، وها هنا تمام الكلِم، ثم ابتدأ فقال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾؛ أي: هذه بلدكم بلدةٌ طيبةٌ، أي: طيبةُ الهواءِ، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾؛ أي: وهو رب غفور، يعني: غفور الخطايا، كثير العطايا. قال ابن زيد بن أسلم (١): لَمْ يكن في قريتهم بَعُوضةٌ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ ولا عَقْرَبٌ ولا حَيّةٌ، وإنْ كان الرَّكْبُ لَيَأْتُونَ وفي ثيابهم القُمَّلُ والدوابُّ، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموتَ تلك الدواب التي في ثيابهم لِطِيبِ هوائِها. ويقال (٢): كانت المرأة تحمل مِكْتَلًا (٣) على رأسها، فتدخل البستان، فَيَمْتَلِئُ مِكْتَلُها من ألوان الفاكهة والثمار، من غير أن تَمَسَّ شيئًا بيدها. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ يعني: عن الحق ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قيل (٤): العَرِمُ اسم الوادي، وقيل (٥): هو السد، وهو جمع عَرِمةٍ، وقيل (٦): العَرِمُ:

стр. 667

الشديد، أضاف الموصوف إلى الصفة، وأصلها من العَرامةِ، وهي الشدة والقوة، والعُرامُ: شِدّةُ الغلام. قوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ قرأه العامة بالتنوين، وقرأ أبو عمرٍو ويعقوب بالإضافة (١)، وهما متقاربان، كقول العرب: لفلانٍ أعنابُ كَرْمٍ، وأَعناب كَرْمٌ، وثوبُ خَزٍّ، وثوبٌ خَزٌّ، وأسكن الكافَ نافع وابن كثيرٍ، وضمها الباقون. قال الواحدي (٢): والقراءة الجيدة بالإضافة؛ لأنّ الخَمْطَ عند المفسرين اسم شجرةٍ، قالوا: هو الأراكُ، وأُكُلُهُ: جَناهُ، وهو البَرِيرُ، وكذلك قال الأخفش (٣): الأحسن في مثل هذا الإضافة، مثل: دارُ آجُرٍّ وثَوْبُ خَزٍّ. و ﴿ذَوَاتَيْ﴾ خفض نعت لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾، ومن قرأ: "أُكُلٍ خَمْطٍ" بالتنوين جعله بدلًا من "أُكُلٍ" (٤)، ومن قرأ بغير تنوين لـ ﴿خَمْطٍ﴾ خفض بالإضافة كما تقدم.

стр. 668

قوله: ﴿وَأَثْلٍ﴾ عطف على ﴿خَمْطٍ﴾، و ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ نعتٌ لـ "شَيءٍ" (١)، والخَمْطُ: الأراكُ في قول أكثر المفسرين، وقيل: هو شَجَرٌ له شَوْكٌ، قال أبو عبيدة (٢): الخَمْطُ: أُكُلُ شجرةٍ مُرّةٍ ذاتِ شَوْكٍ، وقيل: هو شَجَرُ العِضاهِ (٣)، وقيل: هو كُلُّ نَبْتٍ قد أخَذَ طَعْمَ مَراررةٍ حتى لا يمكن أكْلُهُ، وهو قول المبرد (٤) والزجّاج (٥)، وعلى هذا يحسن التنوين فِي ﴿أُكُلٍ﴾ إذا جعلتَ الخَمْطَ اسمًا للمأكول. والأثل: الطَّرْفاءُ (٦)، وقيل (٧): هو شجرٌ يشبه الطَّرْفاءَ، إلّا أنه أعظم منه، والسِّدْرُ إذا كان بَرِّيًّا لا يُنْتَفَعُ به، ولا يَصْلُحُ وَرَقُهُ للغَسُولِ، بخلاف السدر الذي ينبت على الماء. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: البدل ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾؛ أي: بكفرهم، ومحل ﴿ذَلِكَ﴾ نصب بوقوع المُجازاةِ عليه (٨) تقديره: جزيناهم ذلك بما كفروا، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ لنعمة اللَّه، قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكرٍ ويعقوب بالنون وكسر الزاي ونصب الراء على المفعول، واختاره أبو عبيدٍ، قال (٩):

стр. 669

لقوله: ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ ولَمْ يقل: جُزُوا، وأدغم الكسائيُّ اللامَ في النون على أصله، وقرأ الباقون (١) بياءٍ مضمومةٍ وفتح الزاي ورفع الراء على اسم ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، ومعنى الآية: وهل يُجازَى مثلَ هذا إلا الكفورُ؟. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾، يعني: وكان من قصتهم أن جعلنا بينهم، يعني: بين أهل سبأ ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى﴾ يعني الأرض المقدسة والأردن وفلسطين ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالشجر والماء ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ يعني: متقاربة ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا﴾؛ أي: وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾، وهما ظرفان للسير ﴿آمِنِينَ (١٨)﴾ يعني: من الجوع والعطش والسِّباعِ، وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾؛ أي: اجعل بيننا وبين الشام فَلَواتٍ ومَفاوِزَ؛ لِنَزكَبَ فيها الرَّواحِلَ، ونَتَزَوَّدَ إليها الأزْوادَ، فعَجَّلَ لهم الإجابةَ. واختلف القراء في هذه الآية (٢)، فقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو: "رَبُّنا بَعِّدْ" على وجه الدعاء والسؤال من التبعيد، وهي رواية هشامٍ عن قُرّاءِ الشامِ،

стр. 670

وبَعِّدْ: بمعنى باعِدْ، مثل ضَعِّفْ وضاعِفْ، وقَرِّبْ وقارِبْ، وقرأ ابنُ الحنفية (١) ويعقوبُ: "رَبُّنا" برفع الباء "باعَدَ" بألِفٍ وفتح العين والدال على الخبر، فـ "رَبُّنا" رفع على الابتداء، و"باعَدَ" فعلٌ ماضٍ في موضع الخبر، وقرأ الباقون: "رَبَّنا" بفتح الباء، نصب على أنه نداء مضاف "باعِدْ" بالألف وكسر العين وجزم الدال على الدعاء. ففعل اللَّه ذلك بهم، فقال: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعصية والطغيان، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ فجعلناهم عِبرةً وعِظةً لمن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم، كيف فعلنا بهم؟ ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾؛ أي: وفَرَّقْناهُمْ فِي كل وجهٍ من البلاد كُلَّ التفريق، وذلك أن اللَّه تعالى لَمّا أغرق مكانهم، وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ، تَبَدَّدُوا في البلاد، فصارت العرب تتمثل بهم في الفُرْقةِ، فيقولون: تفرقوا أيْدِي سَبا، وأيادِي سَبا (٢)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: فيما فعل بسبأٍ ﴿لَآيَاتٍ﴾ لَعِبَرًا ودلالاتٍ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن معاصي اللَّه ﴿شَكُورٍ (١٩)﴾ لأنْعُمِهِ، يعني المؤمن من هذه الأمة إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ أي: في ظَنِّهِ، نحو: ﴿سَفِهَ

стр. 671

نَفْسَهُ﴾ (١)، أو مفعول (٢) نحو: صَدَقْتُهُ الحَدِيثَ، وقال الزجّاج (٣): هو منصوبٌ على المصدر، قرأ أهل الكوفة: "صَدَّقَ" بتشديد الدال، وهي قراءة ابن عبّاسٍ، واختيار أبِي عبيدٍ، أي: ظَنَّ فيهم ظَنًّا، حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٥)، فَصَدَّقَ ظَنَّهُ، وحَقَّقَهُ بفعله ذلك، واتِّباعِهِمْ إيّاهُ، وقرأ الآخرون: "صَدَقَ" (٦) بالتخفيف، أي: صَدَقَ عليهم في ظنه، فمن شَدَّدَ نصب الظَّنَّ لأنه مفعول به، ومن خفف نصبه على معنى: صَدَقَ عَلَيْهِمْ فِي ظَنِّهِ، ومن قرأ: "صَدَقَ" بالتخفيف "إبْلِيسَ" بالنصب "ظَنُّهُ" (٧) بالرفع، جعل إبليس مفعولًا، و"ظَنُّهُ" فاعلًا. والإشارة في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ قيل: أراد: على أهل سبأٍ، وقال مجاهدٌ:

стр. 672

على الناس كلهم إلّا من أطاع اللَّه، وذلك قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ لَمْ يتَّبِعوه، وهو نصبٌ على الاستثناء، وذلك أن إبليس ظَنَّ بالمؤمنين ظَنًّا، فوافقه ظَنُّهُ فيهم حين قال لربه: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) يعني: مَنْ عَصَمْتَ مِنِّي. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ أي: لا تنفع شفاعةُ مَلَكٍ مقرَّبٍ ولا نبيٍّ مرسَلٍ، حتى يُؤْذَنَ له فِي الشفاعة، وهذا تكذيبٌ منه لهم، حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢). قرأ أبو عمرٍ و وحمزة والكسائي وخلَفٌ والأعمش: "أُذِنَ لَهُ" بضم الألِف، وقرأ الباقون بالفتح (٣)، فمن فتح الهمزة كان المعنى: إلا لِمَنْ أذِنَ اللَّه له في الشفاعة، يعني الشافع، ومن ضمَّ الهمزة كان المعنى كقول مَن فتح؛ لأنّ الآذِنَ هو اللَّه تعالى في القراءتين، كقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (٤)، ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾، والمُجازِي هو اللَّه تعالى في الوجهين، قال ابن عبّاسٍ: يريد: لا تشفع الملائكة إلا لِمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٥).

стр. 673

ثم أخبر عن خوف الملائكة، فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قرأ ابن عامرٍ ويعقوب بفتح الفاء والزاي (١)، وقرأ الباقون بضم الفاء وكسر الزاي، أي: كُشِفَ وجُلِّيَ الفَزَعُ والجَزَعُ عن قلوبهم، وقيل: فُزِّعَتْ قلوبُهُمْ من الفزع، ومعنى ﴿فُزِّعَ﴾ على قراءة ابن عامرٍ ويعقوب؛ أي: كَشَفَ اللَّهُ الفزعَ عن قلوبهم. ومعنى القراءتين سواءٌ كما ذكرنا في "أذِنَ" و"أُذِنَ"، ورُوِيَ عن الحسن أنه كان يقرأ: "حَتَّى إذا فُرِّغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ" (٢) بالراء والغين يعني: فُرِّغَتْ قُلُوبُهُمْ من الخوف ﴿قَالُوا﴾ يعني الملائكة: ﴿مَاذَا﴾ يا جبريل ﴿قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ يعني الوحي؛ أي: يقول الحق، فنصب الجواب بـ ﴿قَالَ﴾، ويجوز رفع الحق على أن "ما" في موضع رفعِ (٣) ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ الرفيع الذي علا فوق خلقه بالقهر والاقتدار ﴿الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ يَعني: العظيم فلا أعظم منه.

стр. 674

فصْلٌ عن النَّوّاسِ بنِ سِمْعانَ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه أن يُوحِيَ بالأمر ويكلِّم بالوحي أخَذَتِ السماواتِ منه رجفةٌ -أو قال: رِعْدةٌ- شديدةٌ خوفًا من اللَّه ، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صَعِقُوا وخَرُّوا سُجَّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريلَ ﵇ فيكلِّمه اللَّه من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل ﵇ بالملائكة، فكلما مَرَّ بسماءٍ سألته ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل ﵇: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون مثلَ ما قال جبريل، وينادون: الحقَّ الحقَّ، فينتهي جبريل ﵇ بالوحي حيث أمره اللَّه " (٢). وعن عبد اللَّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه إذا تكلَّم بالوحي سمع أهل السماء صَلْصَلةً كجَرِّ السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم جبريل ﵇ فُزِّعَ عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل: ماذا قال ربكم؟ قال: يقول الحقَّ، فينادون: الحقَّ الحقَّ" (٣).

стр. 675

وعن أبِي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قَضَى اللَّه الأمرَ فِي السماء ضَرَبَت الملائكةُ بأجنحتها خُضُعًا لقوله، كأنه سِلْسِلةٌ على صَفْوانٍ، فإذا فُرع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: الذي قال الحق، وهو العلي الكبير" (١). وقال المفسرون (٢): لَمّا كانت الفترة التي بين عيسى ومحمَّدٍ ﵉، وبعث اللَّهُ محمدًا، أنزل اللَّهُ جبريلَ ﵇ بالوحي، فلما نزل ظَنَّت الملائكة أنه نزل بشيءٍ من أمر الساعة، فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يَمُرُّ بكل سماءٍ، ويكشف عنهم الفزع، فرفعوا رؤوسهم، وقال بعضهم لبعضٍ: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق، يعني الوحي، وهو العلي الكبير. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني المطر، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني النبات والثمر، ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ تَمَّ الكلامُ، ثم قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ والألِف فِي ﴿أَوْ﴾ صلةٌ، ومعناه واو العطف، كأنه قال: وإنّا وإيّاكم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٣) الألِف هاهنا صلةٌ، قال أبو عبيدة (٤): معناه: إنّا لَعَلَى هُدًى، وإنّكم إيّاكُم لفي ضلالٍ مُبينٍ.

стр. 676

والمعنى: ما نحن وأنتم على أمرٍ واحدٍ، إنّ أحد الفريقين لَمُهْتَدٍ والآخر ضالٌّ، فالنبي ﷺ ومن اتبعه على الهدى، ومَنْ خالَفَهُ فِي ضلالٍ مبينٍ، فكَذَّبَهُم بأحسنَ مِنْ تَصْرِيحِ الكذبِ، وهذا على وجهِ الاستهزاء بهم، وهو غير شاكٍّ فِي دِينه وهُداهُ، كقول الشاعر: ١٥٤ - يَقُولُ القائِلُونَ بَنُو قُشَيْرٍ... طَوالَ الدَّهْرِ: ما تَنْسَى عَلِيّا بَنُو عَمِّ الرُّسُولِ وَأقْرَبُوهُ... أحَبُّ النّاسِ كُلِّهِمُ إلَيّا فَإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصِبْهُ... وَلَيْسَ بِمُخْطِئً إنْ كانَ غَيّا (١)

стр. 677

فقاله من غيرِ شَكٍّ، وقد أيْقَنَ أنّ حُبَّهم رُشدٌ. قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمَّدُ ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: عامّةً للناس كلهم: أحْمَرِهِمْ وأسْوَدِهِمْ من العرب والعجم وسائر الأمم، وقيل: معناه: كافًّا للناس تَكُفُّهُمْ عما هم عليه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. وقيل (١): معنى ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: إلى الناس كافةً، يعنِي: جامعًا لَهُمْ في الإنذار، أو كافًّا لَهُمْ عن الشِّرك، وهو منصوب على الحال، والْهاء فيه للمبالغة (٢)، وقوله: ﴿بَشِيرًا﴾ يعني: بالجنة لِمَنْ أطاعه ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار لِمَنْ عصاه، وهما منصوبان على الحال. فصْلٌ عن ابن عبّاسٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا -ولا أقُولُ فَخْرًا-: بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُحِلَّ لِيَ المغنمُ ولَمْ يُحَلَّ لأحدٍ كان قبلي، ونُصِرْتُ بالرعب فخافني العدوُّ من مسيرة شهرٍ، وأُعْطِيتُ الشَّفاعةَ فادَّخَرْتُها لأُمَّتِي يوم القيامة، وهي -إن شاء اللَّه- نائلةٌ من لا يشرك باللَّه شيئًا" (٣).

стр. 678

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم الأشراف والقادة ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال الأخفش (١): الليل والنهار لا يمكران بأحدٍ، ولكن يُمْكَرُ فيهما، كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (٢) يعني: أخرجك أهلُها، وهذا من سَعةِ العربية. كما يقال: عَزَمَ الأمرُ، وفلانٌ نَهارُهُ صائِمٌ ولَيْلُهُ قائِمٌ (٣)، قال الشاعر: ١٥٥ - وَنِمْتِ وَما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ (٤) وقيل (٥): مكر الليل والنهار بهم: طول السلامة فيهما، كقوله تعالى:

стр. 679

﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ (١) ونحوه، قال المبرد (٢): معناه: بل مكركم فِي الليل والنهار ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، وهو أنهم كانوا يقولون لهم: إنّ دِيننا هو الحق، وإنّ محمَّدًا ساحرٌ كَذّابٌ ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي: أظهروا الندامة، وهو من الأضداد، يكون بمعنى الإخفاء والإبداء (٣)، كما قال الشاعر: ١٥٦ - تَجاوَزْتُ أحْراسًا إلَيْها وَمَعْشَرًا... عَلَيَّ حِراصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي (٤) قوله : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾؛ أي: قُرْبَى، يعنِي: قُرْبةً ومَنْزِلًا، وهو في موضع نصبٍ على المصدر، قال الأخفش (٥): ﴿زُلْفَى﴾ يعنِي: إزْلافًا، وهو اسم المصدر؛ أي: تقرِّبكم عندنا تقريبًا.

стр. 680

والمعنى: وما أموالكم بالتِي تقربكم عندنا تقريبًا، ولا أولادكم بالتِي تعرِّبُكم عندنا زلفى، ثم حذف (١) كما قال الشاعر: ١٥٧ - نَحْنُ بِما عِنْدَنا وَأنْتَ بِما عِنْـ... دَكَ راضٍ، والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ (٢) ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ يعني: لَكِنْ مَنْ آمَنَ، وفِي محل ﴿مَنْ﴾ مِنَ الإعراب وجهان، أحدهما: النصب بوقوع "تُقَرِّبُ"، والثانِي: الرفع، تقديره: وما هو إلا مَنْ آمَنَ (٣) ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾

стр. 681

يُضَعِّفُ اللَّهُ حسناتِهِمْ، فيجزي بالحسنة الواحدة عَشْرًا إلى ما زاد، ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ يعني غُرَفَ الجنة وهي الدرجات والبيوت فوق الأبنية ﴿آمِنُونَ (٣٧)﴾ من الموت والغِيَرِ. قرأ العامة: "جَزاءُ الضِّعْفِ" بالإضافة، وقرأ يعقوب: "جَزاءً" منوَّنًا منصوبًا "الضِّعْفُ" (١) رفعًا، مجازه: فأولئك لهم الضِّعْفُ جَزاءً على التقديم والتأخير، وقرأ العامة: "فِي الْغُرُفاتِ" جمعًا، واختاره أبو عُبيدٍ، قال (٢): لقوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (٣)، وقرأ حمزة والأعمش: "فِي الْغُرْفةِ" (٤) على واحِدِهِ كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ (٥)، واسم الجنس يجوز أن يُرادَ به الجمعُ. وما بعد هذا مُفَسَّرٌ فيما تقدم إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾؛ أي: يُخْلِفُهُ لكم أو عليكم، يقال: أخْلَفَهُ اللَّهُ لَهُ وعَلَيْهِ: إذا أبْدَلَ له ما أذهب عنه، قال سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فِي غير إسراف ولا تقتير ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.

стр. 682

فصْلٌ عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُنادِي مَلَكٌ كُلَّ ليلة: لِدُوا لِلمَوْتِ، ويُنادِي مُنادٍ: اللَّهُمَّ هَبْ لِلمُمْسِكِ تَلَفًا، ويُنادِي مُنادٍ: اللَّهُمَّ هَبْ لِلمُنْفِقِ خَلَفًا، ويُنادِي مُنادٍ: لَيْتَ هَذا الخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، ويُنادِي مُنادٍ: لَيْتَهُمْ إذْ خُلِقُوا فَكَّرُوا فِيما خُلِقُوا لَهُ" (١). قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني الأمم الخالية، كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ قَبْلَ كفار مكة ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني: وما بَلَغَ كفارُ مكة عُشْرَ الذي أُعْطِيَتِ الأممُ الخالية من الأموال والعُدّةِ والقوة والأجسام والنعمة وطول العمر، ويجوز: مِعْشارَ شُكْرِ ما أنعمنا عليهم، قال الحسن: ما أدَّوْا من الشكر عُشْرَ ما أُنْعِمَ عليهم. والمِعْشارُ والعُشْرُ والعَشِيرُ واحدٌ (٢)، ولَمْ يجئ في العدد إلى العشرة على "مِفْعالٍ" إلا هذا والمِرْباعُ، وهو الرُّبُعُ، ويقال: المِعْشارُ: عُشْرُ العُشْرِ، وهو جزءٌ من مائةٍ، والمعنى: وما بلغ قومك -يا محمَّدُ- معشارَ ما آتينا مَنْ قبلهم مِن الأمم، فأهلكهم اللَّه بتكذيب الرسل، وذلك قوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ يعني العذاب والعقوبة، قرأ ورشٌ: "نَكِيرِي" بياءٍ في الوصل فقط، وقرأ الباقون بغير ياءٍ في الحالين (٣)، ومحل ﴿نَكِيرِ﴾ رفعٌ؛ لأنه

стр. 683

اسم ﴿كَانَ﴾، وخبرُه في قوله: ﴿فَكَيْفَ﴾، والنَّكِيرُ: اسمٌ بمعنى الإنكار. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾؛ أي: آمُرُكُمْ، فَأُوصِيكُمْ بِخَصْلةٍ واحدةٍ، وهي كلمة الإخلاص: لا إله إلا اللَّه ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: لأجْلِ اللَّهِ، و ﴿أَنْ﴾ في موضع الخفض على البيان من "واحِدةٍ" والترجمةِ عليها (١). وقوله: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ بمعنى: اثنين مُتَناظِرَيْنِ، وواحدًا واحدًا متفكِّرين، والواو بمعنى "أوْ" للتخيير (٢)، وهما في موضع نصبٍ على الحال، وليس معنى القيام هاهنا قيامًا على الرِّجْلَيْنِ، بل هو قيامٌ بالأمر الذي هو طَلَبُ الحَقِّ، وتَمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، وهو مختصرٌ معناه: ثم تتفكروا جميعًا؛ لتعلموا صحة ما أمرتكم به (٣)، والفِكْرُ: طلب المعنى، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ محمدٍ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جُنُونٍ كما تقولون، و"ما" هاهنا نَفْيٌ وجَحْدٌ، ﴿إِنْ هُوَ﴾ ما هو ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ يعنِي: فِي الآخرة.

стр. 684

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يرمي ويأتِي بالوحي، يُنَزِّلُهُ من السماء، فيقذفه إلى خير الأنبياء، والقَذْفُ: الرَّمْيُ بالسهمِ والحَصَى والكلامِ، وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾ يعني: عالِمُ كُلِّ غَيْبٍ، وإذا قال: عالِمُ الغيب فهو غَيْبُ أمْرِ واحدٍ، وهو رفع خبر ﴿إِنَّ﴾، ويجوز: "عَلَّامَ الْغُيُوبِ" بالنَّصب، قاله الخليل (١)، فمن رفعه فعلى وجهين، أحدهما: أنه خبر ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هو علّام، والآخر: أنه خبرٌ ثانٍ لقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾، ومن نصبه فعلى وجهين، أحدهما: على المدح، تقديره: أعني علام الغيوب، والآخر: أنه نعت لقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمَّدُ ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ يعني: عند البعث يوم القيامة، ﴿فَلَا فَوْتَ﴾؛ أي: فلَمْ يَفُوتُوا، يريد: لا يَفُوتُنِي منهم أحدٌ، ولا يَنْجُو مِنِّي ظالِمٌ ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾؛ أي: من تحت أقدامهم، وقيل: لَمْ يبعدوا مِنْ قَهْرِ اللَّهِ، وقيل: يعني: من القبور، وحيت كانوا فَهُمْ من اللَّه قريبٌ، لا يبعدون عنه ولا يفوتونه، وقيل: أراد يوم بدر، وجواب "لَوْ" محذوف؛ أي: لرأيتَ ما رأيتَ. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ يعنون بمحمَّدٍ ﷺ وبما جاء به من القرآن حين عاينوا العذاب، ثم قال: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ يعني: التوبة، يقول: ومن أينَ لهم تناول التوبة ونَيْلُ ما يتمنون ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ يعني: عند معاينة العذاب من مكانٍ بعيدٍ، والتَّناوش: التناول وهو "تَفاعُلٌ" من النَّوْشِ الذي هو التَّناوُلُ، يقال: ناشَ يَنُوشُ: إذا تناول، و"التَّناوُشُ" رفعٌ بالابتداء، وخبره "أنّى لَهُم" مقدَّمٌ عليه.

стр. 685

قرأ أبو عمرٍو وأبو بكرٍ والأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخَلَفٌ: "التَّناؤُشُ" بالمد والهمز (١)، وهو الإبطاء والبُعْدُ، يقال: نَأشْتُ الشيءَ: إذا أخَذْتَهُ من بُعْدٍ، والنَّئِيشُ: الشَّيءُ البَطِيءُ، قال الشاعر: ١٥٨ - تَمَنَّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ (٢) وقرأ الباقون بغير همز من التناول أيضًا، يقال: نُشْتُهُ نَوْشًا: إذا تَناوَلْتَهُ، قال الراجز: ١٥٩ - فَهْيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِنْ عَلا نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا (٣)

стр. 686

وتَناوَشَ القومُ فِي الحرب: إذا تَدانَوْا وتَناوَلَ بعضُهُمْ بعضًا (١)، واختار أبو عُبيدٍ تَرْكَ الهمز، قال (٢): لأنّ معناه التَّناوُل، فإذا هُمِزَ كان معناه البُعْدَ، فكيف يقول: أنّى لهم البُعْدُ من مكانٍ بعيدٍ؟ يعني: مَنْ كان بعيدًا من الآخرة فكيف يتناول التوبةَ؟ وأنّى تُقْبَلُ التوبة فِي الدنيا، وقد ذهبت الدنيا، فصارت بعيدًا فِي الآخرة؟! وعلى قراءةِ مَنْ هَمَزَ فلأنّ واو التناوش مضمومةٌ، وكلُّ واوٍ ضمتها لازمةٌ جاز إبدال الهمزة منها نحو أدْؤُرٌ وأُجُوهٌ (٣)، والمعنى: كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بُعْدٍ -يعني: في الآخرة- وقد تركوه في الدنيا؟ وهو قوله: ﴿وَقَدْ

стр. 687

كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: كانوا كافرين بمحمَّدٍ ﷺ والقرآنِ في الدنيا من قبل نزول العذاب وما عاينوا من أهوال يوم القيامة، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ يعني: يَرْمُونَ محمَّدًا ﷺ بالظن لا باليقين، وهو قولهم له: ساحرٌ بل كاهنٌ، بل شاعرٌ مجنونٌ، وقيل: يَرْجُمُونَ بالظن، ويقولون: لا بَعْثَ ولا نُشُورَ، ولا جَنّةَ ولا نارَ، ومعنى الغيب على هذا: الظَّنُّ، وهو ما غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بُعْدُهُمْ عَنْ عِلْمِ ما يقولون. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: مُنِعَ بين هؤلاء الكفار ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من الإيمان والتوبة والرجعة إلى الدنيا فِي وقت الإياسِ، ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ يعني: بنظرائهم ممن كان على مثل حالهم من الكفار ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هؤلاء، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ﴾ من البعث ﴿مُرِيبٍ (٥٤)﴾ مُوقِعٍ لهم الرِّيبةَ، واللَّه أعلم. * * *

стр. 688

سورة الملائكة ﵈ مكية وهي ثلاثة آلافٍ ومائةٌ وثلاثون حرفًا، وسبعمائةٍ وسبعٌ وتسعون كلمةً، وخمسٌ وأربعون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سورة الملائكة دَعَتْهُ يَوْمَ القيامةِ ثمانيةُ أبوابِ الجَنّةِ: أنِ ادْخُلْ مِنْ أيِّ الأبوابِ شِئْتَ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الملائكة ألَحَّ كُلُّ مَلَكٍ في السماء بجزائه، وقالوا: اللهم صَدَقَ عَبْدُكَ، فارْضَ عنه، ولا يزالون حتى يناديهم الرب -تعالى وتبارك-: أنِّي قد فعلتُ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يقول: الشكر للَّهِ على نِعَمِهِ السَّوابِغِ على

стр. 689

جميع خلقه، والشكر مصدر الحمد، تقول: الحمدُ للَّهِ شُكْرًا، وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خالِقُهما ومُبْدِؤُهُما على غير مثالٍ سَبَقَ، كقوله تعالى: ﴿فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١)؛ أي: خَلَقَكُمْ وابْتَدَأكُمْ. وفي محل "فاطِرِ" من الإعراب ثلاثة أوجه (٢): الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأٍ، والنصب على المدح، وكذلك قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ (٣) يعني: إلى أنبيائه، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾؛ أي: ذَوِي أجنحةٍ، جمع جناحٍ، ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ قال الضحّاك: جبريل له جناحان، وميكائيل له ثلاثة أجنحةٍ، وإسرافيل له أربعة أجنحةٍ، وهذا من المعدول الذي لا ينصرف للعدل والصفة، وقد ذكرتُ نظيرَها فِي سورة النساء (٤)، وشرحتُهُ، فأغنى عن الإعادة هاهنا. قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ معناه: يزيد فِي أجنحة الملائكة ما يشاء، وهذا القول اختيار الزجّاج (٥) والفراء (٦)، وقيل: حُسْنُ الصوتِ (٧)، وقيل: هو الخَطُّ الحَسَنُ، وقيل: هو الملاحة فِي العينين.

стр. 690

فصْلٌ عن ابن مسعودٍ ﵁ أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇، وله ستمائة جناحٍ، فصَعِقَ النبيُّ ﷺ (١)، وكذلك قال ابن عبّاسٍ ﵁: "رأى رسولُ اللَّهِ ﷺ ليلة المعراج جبريلَ ﵇، وله ستمائة جناحٍ" (٢). ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه سمع نفرًا من أصحابه تفكروا فِي العرش، فقال: "لا تتفكَّروا في هذا، ولكنْ خَلْقٌ من خَلْقِ اللَّهِ تعالى، قد شَقَّ رأسُهُ السماءَ السابعةَ، ورِجْلاهُ فِي الأرض السابعة، له ثمانية أجنحةٍ، جناحان مُتَسَرْبِلٌ بهما، وجناحان مُرْتَدٍ بهما، وجناحان فِي المشرق، وجناحان فِي المغرب، ناحية العرش على كاهله، يَنْزِلُ الوحيُ على وجهه"، قيل: هو إسرافيل ﵇. ورَوَى ثورٌ (٣) عن بعض أهل العلم أنه قال: بلغنا أن في السماء مَلَكًا قد عَظَّمَهُ اللَّهُ وشَرَّفَهُ، له ثلاثمائة وستون عينًا من نورٍ، بعضها مثل الشمس، وبعضها مثل القمر، وبعضها مثل كوكب الصبح، يُسَبِّحُ اللَّهَ ويُقَدِّسُهُ منذ خلقه اللَّه تعالى، فكل تسبيحةٍ تخرج مِنْ فِيهِ يخلق اللَّه تعالى منها ملكًا يسبِّح اللَّه ويقدِّسه، وذلك قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الزيادة والنقصان ﴿قَدِيرٌ (١)﴾.

стр. 691

ورُوِيَ عن الهيثم القارئ قال (١): رأيت النبيَّ ﷺ في المنام، فقال: "أنت الهيثم الذي تُزَيِّنُ القرآنَ بصوتك؟ جزاك اللَّه خيرًا". ورُوِيَ عن عاصم بن مهاجرٍ الكَلاعِيِّ (٢) عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الخَطُّ الحَسَنُ يَزِيدُ الحَقَّ وَضَحًا" (٣). ورُوِيَ عن قتادة فِي قول اللَّه تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾، قال: هو الملاحة فِي العينين (٤)، واللَّه أعلم. قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ يعني: من خيرٍ وعافيةٍ ونعمةٍ، ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾؛ أي: لا يقدر على حبسها غيره، ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ يعني: وما يحبس من الرزق ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يعني: فلا مُعْطِيَ له من بعد اللَّه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي مُلْكِهِ بالغلبة منه فِي الأشياء كلها على أمره ﴿الْحَكِيمُ (٢)﴾ فِي مُلْكِهِ بالعدل منه على جميع خلْقِه، وقيل: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيما أمسك ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما أرسل، ومحلُّ "ما" رفعٌ بالابتداء، وهو شرطٌ وجزاءٌ فِي الموضعين.

стр. 692

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني أهل مكة ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ثم أخبر بالنعمة فقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية، وهو استفهام توبيخٍ وتقريرٍ، أي: لا خالِقَ سِواهُ، قرأ شقيق بن سلمة (١) وأبو جعفرٍ والأعمش وحمزة والكسائي: "غَيْرِ" (٢) بالخفض، وهو اختيار أبِي عُبيدٍ، وقرأ الباقون بالرفع، فمن رفع "غير" فعلى معنى: هل خالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ؟ لأن ﴿مِنْ﴾ زيادةٌ مُؤَكِّدةٌ، وهو قول الزجّاج (٣)، ومَنْ خفض "غير" جعله صفة "خالق" على اللفظ، وهذه الآية حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ؛ لأنه نَفَى خالِقًا غَيْرَهُ وهم يثبتون معه خالِقِينَ (٤). قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ في البعثِ أنه كائنٌ، والحساب والجزاءِ بالثواب والعقاب ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ فإنها فانيةٌ ومنقطعةٌ، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ يعني: الباطل وهو الشيطان، وكل من غُرَّ فهو غَرُورٌ. قرأه العامة بفتح الغين، وقرأ أبو حيوة الشامي وأبو السَّمّالِ العَدَوِيُّ (٥)

стр. 693

بضم الغين (١)، فمن فتح الغين جعله اسمًا للشيطان، ومن ضمها جعله جمع "غارٍّ"، كقولك: جالِسٌ وجُلُوسٌ (٢)، وقيل (٣): هو جمع غَرٍّ، وغَرَّ [غُرُورًا، فهو] (٤) مصدر كالدُّخُولِ. قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ نزلت فِي معاندي اليهود والنصارى، وقيل: فِي أبِي جهل بن هشامٍ، والعاص بن وائلٍ، وهو محذوف الجواب؛ أي: كمن هداه اللَّه، يعني: عمر بن الخطاب، ويدل على هذا المَحذوف قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾؛ أي: لا تندم يا محمَّدُ على كفار مكة إن لَمْ يؤمنوا، ومحل التاء من ﴿حَسَرَاتٍ﴾ نصبٌ على المفعول من أجله، وقيل: على المصدر (٥). قرأ العامة: "تَذْهَبْ" بفتح التاء والهاء "نَفْسُكَ" بضم السين، وقرأ أبو جعفرٍ بضم التاء وكسر الهاء وفتح السين (٦).

стр. 694

والحسرة: شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تَغْتَمَّ بكفرهم وهلاكهم إذْ لَمْ يؤمنوا، ولا تُهْلِكْ نَفْسَكَ عليهم حسراتٍ على تركهم الإسلامَ، نظيرها قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (١)؛ أي: قاتِلٌ نَفْسَكَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ عالِمٌ بصنعهم، فيجازيهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ قال الفراء (٢): معناه: من كان يريد عِلْمَ العِزّةِ لِمَنْ هِيَ؟ ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾؛ أي: فإنها للَّهِ ﴿جَمِيعًا﴾ وقال قتادة (٣): معناه: من كان يريد العزة فَلْيَتَعَزَّزْ بطاعة اللَّه، كما يقال: من أراد المال فالمال لفلانٍ؛ أي: فليطلبه من عنده، ويدل على صحة هذا التأويل ما رُوِيَ عن ثابتٍ (٤) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن ربَّكم يقول كل يومٍ: أنا العَزِيزُ، فَمَنْ أرادَ عِزَّ الدّارينِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ" (٥). ونصب ﴿جَمِيعًا﴾ على الحال.

стр. 695

قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يعني: الكلام الحسن، وهو قول العبد: لا إله إلا اللَّه، وكُلُّ ذِكْرٍ مَرْضِيٍّ للَّهِ تعالى، مثل: سبحان اللَّه، والحمد للَّهِ، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ومعنى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾؛ أي: إنه يعلم ذلك، كما يقال: ارتفع الأمر إلى القاضي وإلى السلطان أي: عَلِمَهُ، ويجوز أن يكون معنى ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى سمائه، وهو المَحَلُّ الذي لا ينبغي لأحدٍ سواه فيه مُلْكٌ ولا حُكْمٌ، فجعل صعوده إلى السماء صعودًا إليه (١)، والكَلِمُ: جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمي: "الْكَلامُ الطَّيِّبُ" (٢). قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ اختلف العلماء فِي حكم هذه الكناية ومعنى الآية، فقال أكثر المفسرين: الهاء فِي قوله: ﴿يَرْفَعُهُ﴾ راجعة إلى ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، يعني أن العمل الصالح يرفع الكلِمَ الطيِّبَ، ولا يُقْبَلُ القولُ إلا بالعمل الصالح، وهذا اختيار نحاة البصرة (٣). فمن قال قولًا صالحًا، وعَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالحٍ رَدَّ اللَّه عليه قولَهُ، ومن قال حَسَنًا وعَمِلَ صالحًا رَفَعَهُ، ودليل هذا القول قوله ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إلا بالعملِ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا ولا عَمَلًا إلا بِنِيّةٍ" (٤)، وجاء في الخبر: "طَلَبُ الجَنّةِ بِلا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ" (٥)، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

стр. 696

١٦٠ - لا تَرْضَ مِنْ رَجُلٍ حَلاوةَ قَوْلهِ... حَتَّى يُصَدِّقَ ما يَقُولُ فَعالُ فَإذا وَزَنْتَ مَقالَهُ بِفَعالِهِ... فَتَوازَنا فَجَمِيعُ ذاكَ جَمالُ (١) وقال ابن المقفع (٢): قَوْلٌ بلا عملٍ كثَرِيدٍ بلا دَسَمٍ، وسَحابٍ بلا مَطَرٍ، وقَوْسٍ بلا وَتَرٍ. وقد قيل: ١٦١ - لا يَكُونُ المَقالُ إلَّا بِفِعْلٍ... إنّما القَوْلُ زَيْنُهُ فِي الفَعالِ كُلُّ قَوْلٍ يَكُونُ لا فِعْلَ فِيهِ... مِثْلُ ماءٍ يُصَبُّ فِي غِرْبالِ (٣) وأنشد أبو القاسم الحَبِيبِيُّ (٤) لنفسه: ١٦٢ - لا يَتِمُّ المَقالُ إلَّا بِفِعْلٍ... كُلُّ قَوْلٍ بِلا فَعالٍ هَباءُ إنّ قَوْلًا بِلا فَعالٍ جَمِيلٍ... وَنِكاحًا بِلا وَليٍّ سَواءُ (٥)

стр. 697

وقيل: هذه الكناية راجعةٌ إلى العمل، يعني أن الكلِم الطيِّب يرفع العمل، فلا يُرْفَعُ وَلا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلا أن يكون صادرًا عن التوحيد، وعائدُ الذِّكْرِ يُرْفَعُ ويُنْصَبُ، وهذا التأويل اختيار نحاة الكوفة (١)، وقال آخرون (٢): الهاء كناية عن العمل، والرفع من صفة اللَّه تعالى أي: يرفعه اللَّه. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: المُحتاجون إليه فِي رزقه ومغفرته، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عبادتكم ﴿الْحَمِيدُ (١٥)﴾ عند خلقه بإحسانه إليهم، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ شرطٌ وجزاءٌ، ﴿وَيَأْتِ﴾ ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾؛ أي: نَفْسٌ مُثْقَلةٌ بالذنوب والخطايا ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾؛ أي: إلى ما حَمَلَتْ من الخطايا والذنوب ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ جزمٌ على جواب الشرط ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾؛ أي: ولو كان الذي يدعوه ذا قرابةٍ ما حَمَلَ عنه شيئًا، قال ابن عبّاسٍ (٣): يقول الأب والأم: يا بُنَيَّ! احْمِلْ عَنِّي، فيقول: حَسْبِي ما عَلَيَّ. وقال الفُضَيْلُ بن عِياضٍ (٤) في قوله تعالى: ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا

стр. 698

قُرْبَى﴾، قال: يعني الوالدة تَلْقَى وَلَدَها يوم القيامة، فتقول: يا بُنَيَّ! ألَمْ يكن بطني لك وِعاءً؟ ألَمْ يكن ثَدْيِي لك سِقاءً؟ فيقول: بلى يا أُمّاهُ، فتقول: يا بُنَيَّ! أثْقَلَتْنِي ذُنُوبِي؛ فاحمِلْ عنِّي ذنبًا واحدًا، فيقول: يا أُمّاهُ إلَيْكِ عَنِّي؛ فَإنِّي عَنْكِ اليومَ مشغولٌ (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ يعني العالم والجاهل، والمؤمن والكافر، ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ يعني الكفر والإيمان ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾ يعني الجنة والنار، والحَرُورُ: الرِّيحُ الحارّةُ بالليل، والسَّمُومُ: الرِّيحُ الحارّةُ بالنهار مع الشمس (٢)، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ يعني: المؤمنين والكافرين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: يُسْمِعُ كَلامَهُ من يشاء من أوليائه الذين خلقهم لجنته، فيتعظون بذلك ويجيبون، ﴿وَمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّدُ ﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ يعني الكفار، شَبَّهَهُمْ بالموتى حين صَمُّوا فلا يجيبون. وقرأ الأشهب العقيلي (٣): "بمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ" (٤)، بلا تنوين على الإضافة، فعلى هذه القراءة تكوَن ﴿من﴾ فِي موضع خفضٍ، وعلى قراءة العامة تكون ﴿من﴾ في موضع نصبٍ.

стр. 699

وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، يعني: ما أنت إلا رسولٌ تنذرهم النارَ وتُخَوِّفُهُمْ، وليس عليك غير ذلك، وهو قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: القرآن ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار، وهما منصوبان على الحال (١) ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: وما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ يعني: سَلَفَ فيها نَبِيٌّ. قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمَّدُ، يعني أهل مكة، يُعَزِّي نَبيَّهُ ﷺ ، ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ المعنى واحدٌ، وإنما كرر ذلك لاختلاف اللفظينِ، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ﴾ ﴿كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ يعني: إنكاري عليهم بالعذاب والعقوبة، وهو اسمٌ بمعنى الإنكار. قرأ وَرْشٌ: "نَكِيري" بياءٍ في الوصل فقط، وقرأ الباقون بغير ياءٍ في الحالينِ، نظيره قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (٢)، وقد مضى ذكره في سورة سبأٍ (٣). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ بِيضٌ وحُمْرٌ وصُفْرٌ، مختلفٌ في طعمها ورائحتها، وإنما قال: ﴿مُخْتَلِفًا﴾؛ لأنه قُدِّمَ النَّعْتُ على الاسم؛ فلذلك نُصِبَ، وإذا تقدم نعت النكرة عليها نُصبَ على الحال، كقولك: هذا رَجلٌ مقبِلٌ، وهذا مُقْبِلًا رَجلٌ (٤).

стр. 700

وقيل (١): ﴿مُخْتَلِفًا﴾ نعت لـ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾، و ﴿أَلْوَانُهَا﴾ رفع فاعلٍ، وفعلها الاختلاف، فإن قيل: لو كان ﴿مُخْتَلِفًا﴾ نعتَ الثمرات لكان: مختلفة، قلنا: الاختلاف للألوان، ويجوز أن يكون نَعْتُ شيءٍ نعتًا لشيءٍ آخرَ (٢)، كقولك: مَرَرْتُ بامرأة حَسَنٍ زوجُها، فالحَسَنُ الزَّوجُ، والهاء نعت المرأة. قوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾؛ أي: ومما خلقنا من الجبال جُدَدٌ بيضٌ؛ أي: طُرُقٌ، واحدتها جُدّةٌ، مثل: غُدّةٍ وغُدَدٍ، ومُدّةٍ ومُدَدٍ، وأما جمع اَلجَدِيدِ فجُدُد بضم الدال، نحو: سَرِيرٍ وسُرُرٍ، قال الفراء (٣): والجُدَدُ: الطُّرُقُ تكون فِي الجبال كالعروق، بيضٌ وحُمْرٌ وسُودٌ، وقال المبرد (٤): هي طرائق وخطوط. وَنَحْوَ هَذا قالَ المُفَسِّرُونَ فِي تفسير الجدد. وقوله: ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾ قال الفراء (٥): فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، مَجازُهُ: وسُودٌ غَرابِيبُ؛ لأنه يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وقَلَّما يُقالُ: غِرْبِيبٌ أسْوَدُ. وهي جمع غِرْبِيبٍ، وهو الشديد السواد، تشبيهًا بلون الغراب (٦). قال الشاعر يصف كرمًا: ١٦٣ - وَمِنْ تَعاجِيبِ خَلْقِ اللَّهِ غاطِيةٌ... البَعْضُ مِنْها مُلاحِيٌّ وَغِرْبِيبُ (٧)

стр. 701

قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: وخَلَقَ من الناس ﴿وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ﴾ ما هو ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ حُمْرٌ وصُفْرٌ وبِيضٌ وسُودٌ، وإنما قال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾، ولَمْ يقل: ألوانها؛ لأن الكناية مردودة إلى "ما" في الإضمار، مَجازُهُ: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه (١) ﴿كَذَلِكَ﴾ وتَمَّ الكلامُ هاهنا؛ أي: ومن هذه الأشياء مختلفٌ ألوانُهُ كاختلاف الثمرات والجبال. ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن عبّاسٍ (٢): يريد: إنما يخافني مِنْ خَلْقِي مَنْ عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطانِي، فمَنْ خَشِيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ، وهذه قراءة العامة، ورُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ: "إنّما يَخْشَى اللَّهُ" رفعًا "العُلَماءَ" نصبًا، وهو اختيار أبِي حنيفة، على معنى: يُعَظِّمُ (٣)، وقيل: يختار. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁،

стр. 702

﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿غَفُورٌ (٢٨)﴾ لذنوب عباده المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني قُرّاءَ القرآن، أثْنَى عليهم بقراءة القرآن، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نصبٌ على الحال، وإن شئتَ قلتَ: هما اسمان أقيما مقام المصدر، وقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ لن تَكْسُدَ ولن تفسد ولن تهلك، قال الفراء (١): قوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ جواب لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾. ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ جزاء أعمالهم بالثواب، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عبّاسٍ: سِوَى الثوابِ مما لَمْ تَرَ عَيْنٌ ولَمْ تسمع أُذُنٌ، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ قال ابن عبّاسٍ: غَفَرَ العظيمَ من ذنوبهم، وشَكَرَ اليسيرَ من أعمالهم. فصْلٌ عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عميرٍ اللَّيثي (٢) أنه قال: قام رَجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! ما لِي لا أُحِبُّ الموتَ؟ قال: "ألَكَ مالٌ؟ " قال: نَعَمْ، قال: "فَقَدِّمْهُ"، قال: لا أستطيع، قال: "فإن قُلْتُ: المَرْءُ مَعَ مالِهِ، إنْ قَدَّمَهُ أحَبَّ أنْ يَلْحَقَ بِهِ، وَإنْ أخرَهُ أحَبَّ أنْ يَتَأخَّرَ مَعَهُ" (٣).

стр. 703

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمَّدُ ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ يعني: موافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لِما قَبْلَهُ مِن الكتب السالفة، وهو منصوبٌ على القطع والحال، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾ بهم ﴿بَصِيرٌ (٣١)﴾ بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم أُمّة محمَّدٍ ﷺ ، ثم قَسَّمَهُمْ وَرَتَّبَهُمْ ثلاثَ درجاتٍ، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر، وقيل: هو الذي مات على كبيرةٍ، ولَمْ يَتُبْ منها، فذلك في النار، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عادلٌ لَمْ يُصِبْ كبيرةً، وهم أصحاب اليمين من أهل الجنة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر اللَّه وإرادته، وهم المُقَرَّبُونَ إلى عَدْنٍ، وهي الدرجة العليا. وقال الحسن: الظّالِمُ: الذي تَرْجَحُ سَيِّئاتُهُ على حسناته، والمقتصِد: الذي اسْتَوَتْ حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ، والسابق: مَنْ رَجَحَتْ حَسَناتُهُ على سيِّئاته، وقيل: الظّالِمُ: طالِبُ الدنيا، والمقتصِد: طالِبُ العُقْبَى، والسّابق: طالِبُ المَوْلَى، وقيل: الظّالِمُ: مَنْ كان ظاهِرُهُ خَيْرًا من باطنه، والمقتصِد: الذي اسْتَوَى ظاهرُهُ وباطنُهُ، والسابق: الذي باطنُهُ خَيْرٌ من ظاهِرِهِ، وفيه اختلافٌ كثيرٌ بين أهل التفسير يطول شرحه هاهنا (١). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ يعني إيراثَهُم الكتابَ هو المَنُّ الكبير في الجنة، فإن قيل: ما وجه الحكمة في تقديم الظّالِمِ وتأخير السابق

стр. 704

وإنما يقدم الأفضل؟ فالجواب عنه أن نقول: إنما أخَّرَ السابقَ ليكون أقرب إلى الحسنات والثواب، كما قَدَّمَ الصوامعَ والبِيَعَ فِي سورة الحج (١) على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض؛ لتكونَ الصوامعُ أقْرَبَ إلى الهَدْمِ والخَرابِ، وتكونَ المساجدُ أقْرَبَ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تعالى. ومنهم من قال: إنما فعل ذلك لأنّ الملوك إذا أرادوا الجمع بين أشياءَ بالذِّكْرِ قَدَّمُوا الأدْنَى على الأفضل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال أبو بكر الوَرّاقُ الترمذيُّ (٣): إنما رَتَّبَهُم بهذا الترتيب على مَقامات الناس؛ لأن أحوال العبد ثلاثٌ: معصيةٌ وغفلةٌ، ثم توبةٌ، ثم قُرْبةٌ، فإذا عَصَى دخل في حَيِّزِ الظالمين، وإذا تاب دخل فِي جملة المُقْتَصِدِينَ، وإذا صَحَّت التوبةُ، وكَثُرَت العبادةُ دَخَلَ في أعداد السابقين (٤)، وفيه أجوبةٌ كثيرة أعرضنا عنها طَلَبًا للاختصار. فصْلٌ عن أبِي الدرداء قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ

стр. 705

مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأما الذين سَبَقُوا فيَدْخُلُونَ الجَنّةَ بغَيْرِ حِسابٍ، وأما الذين اقْتَصَدُوا فأولئك يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الذِينَ ظَلَمُوا أنفسَهُمْ فأولئك يُحْبَسُونَ فِي طُولِ المَحْشَرِ، ثُمَّ هُمُ الذِينَ تَلافاهُمُ اللَّهُ برحمتِهِ، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (١). وعن عُمَرَ ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "سابِقُنا سابقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"، ثم قرأ عُمَرُ ﵁: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. . . الآية (٢). ثم أخبر اللَّه تعالى بثوابهم، وجَمَعَهُمْ في دخول الجنة، فقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: هي جنات عدْنٍ، وقيل: "جَنّاتُ" بدل من "الْفَضْلُ الْكَبيرُ"، وقيل: هو ابتداء، وخبره في قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (٣)، والجنّات: البساتين، قالَ ابن عبّاسٍ: هي مَعْدِنُهُمْ أبَدًا، يعني: إقامتهم فيها أبَدًا، يقال: عَدَنَ الرَّجُلُ فِي المكان: إذا أقام فيه، قال عمر بن الخطاب ﵁: "جنات عدْنٍ
следующие страницы →