← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: وخَلَقَ من الناس ﴿وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ﴾ ما هو ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ حُمْرٌ وصُفْرٌ وبِيضٌ وسُودٌ، وإنما قال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾، ولَمْ يقل: ألوانها؛ لأن الكناية مردودة إلى "ما" في الإضمار، مَجازُهُ: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه (١) ﴿كَذَلِكَ﴾ وتَمَّ الكلامُ هاهنا؛ أي: ومن هذه الأشياء مختلفٌ ألوانُهُ كاختلاف الثمرات والجبال. ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن عبّاسٍ (٢): يريد: إنما يخافني مِنْ خَلْقِي مَنْ عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطانِي، فمَنْ خَشِيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ، وهذه قراءة العامة، ورُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ: "إنّما يَخْشَى اللَّهُ" رفعًا "العُلَماءَ" نصبًا، وهو اختيار أبِي حنيفة، على معنى: يُعَظِّمُ (٣)، وقيل: يختار. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁،

стр. 702

﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿غَفُورٌ (٢٨)﴾ لذنوب عباده المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني قُرّاءَ القرآن، أثْنَى عليهم بقراءة القرآن، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نصبٌ على الحال، وإن شئتَ قلتَ: هما اسمان أقيما مقام المصدر، وقوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ لن تَكْسُدَ ولن تفسد ولن تهلك، قال الفراء (١): قوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ جواب لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾. ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ جزاء أعمالهم بالثواب، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عبّاسٍ: سِوَى الثوابِ مما لَمْ تَرَ عَيْنٌ ولَمْ تسمع أُذُنٌ، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ قال ابن عبّاسٍ: غَفَرَ العظيمَ من ذنوبهم، وشَكَرَ اليسيرَ من أعمالهم. فصْلٌ عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عميرٍ اللَّيثي (٢) أنه قال: قام رَجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! ما لِي لا أُحِبُّ الموتَ؟ قال: "ألَكَ مالٌ؟ " قال: نَعَمْ، قال: "فَقَدِّمْهُ"، قال: لا أستطيع، قال: "فإن قُلْتُ: المَرْءُ مَعَ مالِهِ، إنْ قَدَّمَهُ أحَبَّ أنْ يَلْحَقَ بِهِ، وَإنْ أخرَهُ أحَبَّ أنْ يَتَأخَّرَ مَعَهُ" (٣).

стр. 703

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمَّدُ ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ يعني: موافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لِما قَبْلَهُ مِن الكتب السالفة، وهو منصوبٌ على القطع والحال، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾ بهم ﴿بَصِيرٌ (٣١)﴾ بأعمالهم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم أُمّة محمَّدٍ ﷺ ، ثم قَسَّمَهُمْ وَرَتَّبَهُمْ ثلاثَ درجاتٍ، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر، وقيل: هو الذي مات على كبيرةٍ، ولَمْ يَتُبْ منها، فذلك في النار، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عادلٌ لَمْ يُصِبْ كبيرةً، وهم أصحاب اليمين من أهل الجنة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر اللَّه وإرادته، وهم المُقَرَّبُونَ إلى عَدْنٍ، وهي الدرجة العليا. وقال الحسن: الظّالِمُ: الذي تَرْجَحُ سَيِّئاتُهُ على حسناته، والمقتصِد: الذي اسْتَوَتْ حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ، والسابق: مَنْ رَجَحَتْ حَسَناتُهُ على سيِّئاته، وقيل: الظّالِمُ: طالِبُ الدنيا، والمقتصِد: طالِبُ العُقْبَى، والسّابق: طالِبُ المَوْلَى، وقيل: الظّالِمُ: مَنْ كان ظاهِرُهُ خَيْرًا من باطنه، والمقتصِد: الذي اسْتَوَى ظاهرُهُ وباطنُهُ، والسابق: الذي باطنُهُ خَيْرٌ من ظاهِرِهِ، وفيه اختلافٌ كثيرٌ بين أهل التفسير يطول شرحه هاهنا (١). ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ يعني إيراثَهُم الكتابَ هو المَنُّ الكبير في الجنة، فإن قيل: ما وجه الحكمة في تقديم الظّالِمِ وتأخير السابق

стр. 704

وإنما يقدم الأفضل؟ فالجواب عنه أن نقول: إنما أخَّرَ السابقَ ليكون أقرب إلى الحسنات والثواب، كما قَدَّمَ الصوامعَ والبِيَعَ فِي سورة الحج (١) على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض؛ لتكونَ الصوامعُ أقْرَبَ إلى الهَدْمِ والخَرابِ، وتكونَ المساجدُ أقْرَبَ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تعالى. ومنهم من قال: إنما فعل ذلك لأنّ الملوك إذا أرادوا الجمع بين أشياءَ بالذِّكْرِ قَدَّمُوا الأدْنَى على الأفضل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال أبو بكر الوَرّاقُ الترمذيُّ (٣): إنما رَتَّبَهُم بهذا الترتيب على مَقامات الناس؛ لأن أحوال العبد ثلاثٌ: معصيةٌ وغفلةٌ، ثم توبةٌ، ثم قُرْبةٌ، فإذا عَصَى دخل في حَيِّزِ الظالمين، وإذا تاب دخل فِي جملة المُقْتَصِدِينَ، وإذا صَحَّت التوبةُ، وكَثُرَت العبادةُ دَخَلَ في أعداد السابقين (٤)، وفيه أجوبةٌ كثيرة أعرضنا عنها طَلَبًا للاختصار. فصْلٌ عن أبِي الدرداء قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "قال اللَّه : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ

стр. 705

مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأما الذين سَبَقُوا فيَدْخُلُونَ الجَنّةَ بغَيْرِ حِسابٍ، وأما الذين اقْتَصَدُوا فأولئك يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الذِينَ ظَلَمُوا أنفسَهُمْ فأولئك يُحْبَسُونَ فِي طُولِ المَحْشَرِ، ثُمَّ هُمُ الذِينَ تَلافاهُمُ اللَّهُ برحمتِهِ، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (١). وعن عُمَرَ ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "سابِقُنا سابقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"، ثم قرأ عُمَرُ ﵁: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. . . الآية (٢). ثم أخبر اللَّه تعالى بثوابهم، وجَمَعَهُمْ في دخول الجنة، فقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: هي جنات عدْنٍ، وقيل: "جَنّاتُ" بدل من "الْفَضْلُ الْكَبيرُ"، وقيل: هو ابتداء، وخبره في قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ (٣)، والجنّات: البساتين، قالَ ابن عبّاسٍ: هي مَعْدِنُهُمْ أبَدًا، يعني: إقامتهم فيها أبَدًا، يقال: عَدَنَ الرَّجُلُ فِي المكان: إذا أقام فيه، قال عمر بن الخطاب ﵁: "جنات عدْنٍ

стр. 706

قَصْرٌ في الجنة له عشرة آلاف باب، على كل باب خمسةٌ وعشرون ألفًا من الحور العِين" (١). وقوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ وقرأ أبو عمرو: "يُدْخَلُونَها" (٢) على ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وهي جمع سِوارٍ ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ وقد ذكرتُ إعراب قوله: "وَلُؤْلُؤٍ" واختلاف القُرّاءِ فيه فِي سورة الحج (٣)، فأغنى عن الإعادة هاهنا. قوله : ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: ويقولون إذا دخلوا الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ يعني حَزَنَ النار، وقيل: حزن الذنوب والسيئات وخوفِ رَدِّ الطاعات، وقيل: حزن الموت، وقيل: حزن الجنة والنار، لا ندري إلى أيتهما نَصِيرُ؟ وقيل: حزن أهوال الدنيا وأوجالها، وقيل: حزن الحساب والعقاب، وقيل: الحَزَنُ الذي يُحْزِنُنا فِي الدنيا من أمر القيامة وأهوالها، وقيل: حزنُ زوالِ النِّعَمِ، وتقليب القلبِ، وخوفِ العاقبةِ، وقيل: حَزَنُ هَمِّ الغَداءِ والعَشاءِ، قال الزجّاج (٤): أَذْهَبَ اللَّه تعالى عن أهل الجنة كُلَّ الأحزان، ما كان منها لِمَعاشٍ أو مَعادٍ. والحَزَنُ والحُزْنُ واحدٌ كالبَخَلِ والبُخْلِ (٥) ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ للذنوب العظام ﴿شَكُورٌ (٣٤)﴾ للحسنات اليسيرة وإن قَلَّتْ.

стр. 707

قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾؛ أي: أنْزَلَنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني دار الخلود، ودار المُقامةِ والإقامةِ واحدٌ، والمُقامُ -بالضم-: المَجْلِسُ الذي يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ فيه (١)، ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾؛ أي: لا يصيبنا فِي الجنة مشقّةٌ فِي أجسادنا ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾؛ أي: كَلالٌ وإعْياءٌ وفتورٌ كما كان يصيبهم فِي الدنيا، قرأ العامة: "لُغُوبٌ" بضم اللام، وقرأ السُّلَمِيُّ بنصب اللام (٢)، وهو مصدرٌ أيضًا كالوَلُوغِ والقَبُولِ (٣). فصْلٌ عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لَيْسَ عَلَى أهْلِ "لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ" وَحْشةٌ فِي قُبُورِهِمْ وَلا فِي مَحْشَرِهِمْ وَلا مَنْشَرِهِمْ، وَكَأنِّي بِأهْلِ "لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ" يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (٤).

стр. 708

وعن الضحّاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: "إذا دخل أهلُ الجنّةِ الجنّةَ، استقبلهم الولدانُ والخَدَمُ، كأنهم اللُّؤلؤ المكنون، قال: فيبعث اللَّه مَلَكًا من الملائكة معه هديّةٌ من رب العالمين، وكسوةٌ من الجَنّة، قال: فيريد الرَّجلُ منهم أن يدخل الجَنّة، فيقول له المَلَكُ: كما أنت، فيقف ومعه عشرة خواتيم من خواتيم الجنّة هديّةً من رب العالمين، فيضعها في أصابعه، مكتوب فِي أول خاتمٍ منها: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (١)، وفِي الثاني مكتوب: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (٢)، وفي الثالث مكتوبٌ: رفعتُ عنكم الأحزانَ والهمومَ، وفي الرابع مكتوب: زَوَّجْناكُم الحورَ العِينَ، وفي الخامس مكتوبٌ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٣)، وفي السادس مكتوبٌ: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٤)، وفي السابع مكتوبٌ: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وفي الثامن مكتوبٌ: صِرَتُمْ آمِنِينَ لا تخافون أبدًا، وفِي التاسع مكتوبٌ: رافقتم النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وفِي العاشر مكتوبٌ: سكنتم فِي جوارِ مَنْ لا يُؤْذِي الجيرانَ، ثم تقول لهم الملائكة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٥).

стр. 709

ثم قال تعالى في صفة الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾؛ أي: لا يهلكون (١) فيستريحوا مما هم فيه من العذاب، ونصب ﴿فَيَمُوتُوا﴾ على جواب النفي بالفاء، وذكر عن الحسن أنه قرأ: "فَيَمُوتُونَ" (٢)، ولا يكون حينئذٍ جوابًا للنفي (٣)، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا يموتون كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٤)، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ طَرْفةَ عَيْنٍ، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما ذكرنا ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ يعني: كلَّ كافرٍ، قرأه العامة بنصب النون واللام على المفعول، وقرأ أبو عمرو (٥) بضم الياء وفتح الزاي ورفع اللام على غير تسمية الفاعل، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يدعون ويستغيثون، ويصيحون فِي النار، وهو "افْتِعالٌ" من الصراخ، يقال للمغيث: صَرِيخٌ، وللمستغيث: صارِخٌ، قال مقاتل: هو أنهم يُنادُونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ جزمٌ على الجواب، قال ابن عبّاسٍ: نَقُلْ: لا إله إلا اللَّه، ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فِي الدنيا يعني: من الشِّرك، فيقول اللَّه تعالى لهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وهذا مفعولٌ مطلقٌ؛ أي: تعميرًا (٦).

стр. 710

قال ﵇: "مَنْ عَمَّرَهُ اللَّه سِتِّينَ سَنةً فقدْ أعْذَرَ إليه فِي العُمُرِ" (١). وقيل (٢): السبعون نهاية زمان التفكُّر، ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ يعني مُحَمَّدًا ﷺ ، وقيل: القرآن، وقيل: الشَّيب، ومعناه: أو لَمْ نعمِّرْكُم حَتى شِبْتُمْ، وفيه يقول الشاعر: ١٦٤ - رَأَيْتُ الشَّيْبَ مِنْ نُذُرِ المَنايا... لِصاحِبِهِ وَحَسْبُكَ مِنْ نَذِيرِ فَخُذْ لِلشَّيْبِ أُهْبةَ ذِي وَقارٍ... فَلا خُلْفٌ يَكُونُ مَعَ القَتِيرِ (٣) قال وهب بن منبّهٍ: ما من شَعرة تَبْيَضُّ إلا وهي تقول للتي تليها: يا أُختي! قد جاءَكِ الموتُ فاسْتَعِدِّي، وقال مالك بن أنسٍ: الشَّيب طريق الموت، وقال قيس بن عاصمٍ (٤): "الشيب خِطامُ المَنِيّةِ". وأوَّلُ مَنْ شابَ إبراهيمُ ﵇ فقال: يا ربِّ ما هذا؟ فقال: "وَقارٌ

стр. 711

وعِبْرةٌ ونورٌ يوم القيامة"، فقال: يا ربِّ، زِدْنِي وَقارًا (١). والأوَّل أصَحُّ، وهو قول جمهور المفسرين؛ لأنّ الحُجّةَ تلحق كُلَّ بالغٍ وإن لَمْ يَشِبْ، وإن كانت العرب تسمِّي الشَّيبَ النَّذِيرَ (٢). فصْلٌ عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ عَمَّرَهُ اللَّهُ ستين سنةً فقد أعْذَرَ إليه فِي العُمُرِ" (٣)، وعنه أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعمار أُمَّتي ما بين الستين إلى السَّبعين، وأقَلُّهُمْ من يَجُوزُ ذلك" (٤)، وقال ﷺ : "مُعْتَرَكُ مَنايا أُمَّتِي ما بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ" (٥). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾؛ أي: يمنعهما من الزوال والذهاب والسقوط، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾؛ أي: ولو زالتا على تقدير ذلك لَمْ يمسكهما أحَدٌ غَيْرُ اللَّه، وذلك قوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿مِنْ﴾

стр. 712

صلةٌ زائدةٌ، وهذا إخبارٌ عن عظيمِ قدرةِ اللَّهِ على حفظ السماوات وإمساكها عن الزوال، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ على الكفار، إذْ لَمْ يُعَجِّلْ لهم العقوبةَ ﴿غَفُورًا (٤١)﴾ إذْ أخُّر عنهم العذاب. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني قريشًا ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾؛ أي: رسول ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ جواب القَسَم ﴿أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يعنون اليهود والنصارى، ونصب ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ على المصدر، و ﴿أَهْدَى﴾ فِي موضع نصبٍ على الخبر لـ ﴿لَيَكُونُنَّ﴾. وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ يعني محمَّدًا ﷺ ، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ مَجِيئُهُ ﴿إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ يعني: بُعْدًا ونفارًا ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: تَجَبُّرًا فِي الأرض بالمعصية، وهو نصبٌ على البدل من النُّفور، قاله الأخفش (١)، وقيل (٢): على المصدر، وقيل (٣): هو مفعول من أجلِهِ، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ يعني: ومَكَرُوا المَكْرَ السَّيِّئَ، وهو عملهم القبيح واجتماعهم على الشِّرك، والمكر هو العمل القبيح، وأضيف المكر إلى صفته، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾؛ أي: لا تَحِلُّ ولا تَنْزِلُ ولا تُحِيطُ عاقبةُ الشِّرْكِ إلا بأهله، فقُتِلُوا يوم بَدْرٍ. قرأ العامة: "السَّيِّئَ" بإشباع الإعراب، وقرأ الأعمش وحمزة: "وَمَكْرَ

стр. 713

السَّيِّئْ" بإسكان الهمزة (١) تَخفيفًا كراهةً لالتقاء الحركات، ولا خلاف فِي الثانِي، والقراءة المرضية ما عليه العامة، والنحويون كلهم يزعمون أن هذا من الاضطرار في الشِّعر، ولا يجوز مثله فِي كتاب اللَّه تعالى. وقال أبو عليٍّ الفارسي (٢): هو على إجراء الوصل مجرى الوقف، كما حكى سيبويه (٣) من قولهم: ثلاثهَ إرْبَعَهْ، فأجروا الوصلَ مُجْرَى الوقفِ، قال (٤): ويحتمل أنه خَفَّفَ آخرَ الاسم لاجتماع الكسرتين والياءين، كما خففوا الباءَ من إبِلٍ لتوالِي الكسرتين، ونُزِّلَ حركةُ الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب. قال أبو جعفرٍ النحّاس (٥): كان الأعمش يقف على: "وَمَكْرَ السّيِّئ"، فيترك الحركة، وهو وَقْفٌ حَسَنٌ تامٌّ، ثم غَلِطَ عليه الراوي، فَرَوَى أنه كان يَحْذِفُ الإعرابَ، فتابَعَ حَمْزةُ الغالطَ، فقرأ في الإدراج بترك الحركة (٦).

стр. 714

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ يعني: من الحرام ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ يعني الأرض، كنايةً عن غير مذكورٍ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ قال الأخفش والحسَنُ بن الفضل (١): أراد بالدّابّة الناسَ دون غيرهم، وقيل (٢): أراد الإنسَ والجنَّ وكُلَّ مَنْ يَعْقِلُ، وأجراها الآخرون على العموم فِي كلِّ ما دَبَّ على وجه الأرض. فصْلٌ عن عبد اللَّه بن عُمَرَ عن أبيه ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أصاب اللَّه قومًا بعذابٍ أصاب به ما بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، ثم يُبْعَثُونَ على أعمالهم يوم القيامة" (٣). قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ للميعاد الذي وعدهم إيّاه في اللوح المحفوظ، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ يعني: عالِمًا لَمْ تَخْفَ عليه حقيقة أمرهم، ولا يجوز أن يكون العامل فِي "إذا": ﴿بَصِيرًا﴾، كما لا يجوز: اليومَ إنّ زيدًا خارِجٌ (٤)، ولكنَّ العامل فيها ﴿جَاءَ﴾؛ لشبهها بحروف المُجازاةِ، وقد يُجازَى بها كما قال قيس بن الخطيم (٥):

стр. 715

إذا قَصُرَتْ أسْيافُنا كانَ طُولُها... خُطانا إلَى أعْدائِنا فَنُضارِبِ (١) وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 716

سورة يس مكية وهي ثلاثة آلافٍ وعشرون حرفًا، وسبعمائةٍ وسبعٌ وعشرون كلمةً، وثلاثٌ وثمانون آيةً. بابُ ما جاءَ فِيها مِنَ الفَضائِلِ فِي قِراءَتِها عن أنسٍ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لكلِّ شيءٍ قَلْبٌ، وإنّ قلب القرآن يس، ومن قرأ يس كَتَبَ اللَّهُ له بقراءتها قراءةَ القرآن عشرَ مَرّاتٍ" (١). وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ فِي القرآن سُورةً تشفع لقارئها، وتَسْتَغْفِرُ لِمُسْتَمْعْها، ألا وهي يس" (٢). وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يس تُدْعَى فِي ملكوَت اللَّه المُعِمّةَ (٣) "، قيل: يا رسول اللَّه: وما المُعِمّةُ؟ قال: "تَعُمُّ

стр. 717

صاحبَها بخير الدنيا والَاخرة، وتدعى المُكابِدةَ، تُكابِدُ عن قارئها بَلْوَى الدنيا والآخرةِ، وتُدْعَى الدافعةَ والقاضيةَ، تدفع عنه كُلَّ سُوءٍ، وتَقْضِي له كُلَّ حاجة، ومن قرأها عَدَلَتْ له عشرين حجّةً، ومن سمعها كان له ألفٌ دينارٍ فِي سبيل اللَّه، ومَنْ كتبها وشرِبها، دَخَلَ جَوْفَهُ ألْفُ دواءٍ، وألْفُ يَقِينٍ، وألْفُ زُلْفةٍ، وألْفُ رَحْمةٍ، ونُزِعَ عنه كُلُّ داءٍ وغِلٍّ" (١). وعن أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قرأ يس يريد بها اللَّهَ غَفَرَ اللَّهُ له، وأعْطَى له من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرةً، وأيُّما مريضٍ قُرِئَ عنده سورةُ يس نزل عليه بعدد كلِّ حرفٍ عشرة أملاكٍ، يقومون بين يديه صفوفًا، فَيُصلُّونَ، ويستغفرون له، ويشهدون دفنه، وأيُّما مريضٍ قرأ سورة يس وهو فِي سكرات الموت، أو قُرِئَتْ عنده، لَمْ يَقْبِضْ مَلَكُ الموت رُوحَهُ حتى يجيئه رِضْوانُ خازنُ الجِنانِ بشَرْبةٍ من الجنّة، فيشربها وهو على فِراشِه، فيموت وهو رَيّانُ، ويُبْعَثُ وهو رَيّانُ، ويُحاسَبُ وهو رَيّانُ، ولا يحتاج إلى حوضٍ من حياض الأنبياء، حتى يدخل الجنة وهو رَيانُ" (٢). وعن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة يس فِي ليلةٍ أصبح مغفورًا له" (٣).

стр. 718

وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خَفَّفَ اللَّه عنهم يومئذٍ، وكان له بعدد مَنْ فيها حسناتٌ" (١). وَرُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قرأ سورة يس ابتغاء وجه اللَّه دخل الجنة"، ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ يس والدخانَ ليلة جمعةٍ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" (٢). وعن ابن عبّاسٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ يس والصافات ليلة الجمعة، ثم سأل اللَّه أعطاه سُؤْلَهُ" (٣). ورُوِيَ عنه ﵇ أنه قال: "من قرأ يس خضعت له حمَلة العرش، واضطرب بأركانه، وقال الرَّبُّ ﵎: سبحانِي وبحمدي، ما من أحدٍ أكرم عليَّ منكَ، قوموا يا حمَلة العرش، واستقم يا عرش، فَوَعِزَّتِي لأُرْضِيَنَّ فلانًا" (٤).

стр. 719

وقال ﷺ : "من قرأ يس فإذا كان جائعًا أشبعه اللَّه، وإن كان ظمآنَ رَواهُ اللَّه، وإن كان عريانًا ألْبَسَهُ اللَّه، وإن كان خائفًا أمَّنَهُ اللَّه، وإن كان مُسْتَوْحِشًا آنَسَهُ اللَّه، وإن كان فقيرًا أغناه اللَّه، وإن كان في السجن أخرجه اللَّه، وإن كان أسيرًا خَلَّصَهُ اللَّه، وإن كان ضالًا هداه اللَّه، وإن كان مديونًا قضى اللَّه دَينه من خزانته" (١). ويُسَمَّى قارئُها عند اللَّه الشريفَ، ويشفع يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومُضَرَ (٢)، وقال عبد الرحمن بن أبِي ليلى (٣): لكلِّ شيءٍ قلبٌ، وقلب القرآن يس، من قرأها نهارًا كُفِيَ هَمَّهُ، ومن قرأها ليلًا غُفِرَ ذَنْبُهُ. وعن يحيى بن أبِي كثيرٍ (٤) قال: بَلَغَنا أنّهُ مَنْ قَرَأ يس حين يُصْبِحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حتى يُمْسِيَ، ومَنْ قَرَأها حين يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حتى يُصْبِحَ، وقد حَدَّثَنِي مَنْ جَرَّبَها، واللَّه أعلم.

стр. 720

باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿يس (١)﴾ اختلف القراء فيها، فقرأ حمزة والكسائي وخلَفٌ وعاصمٌ فِي أكثر الروايات بكسر الياء، وقرأ أهل المدينة بين اللفظين، وهو الاختيار، وقرأ الباقون بفتح الياء (١). واختلفوا في النون أيضًا، فقرأ أبو جعفرٍ وأبو عمرٍو وحمزة وأيوب وأبو حاتمٍ، وعاصمٌ في أكثر الروايات بإظهار النون، واخْتُلِفَ فيه عن نافع وابن كثيرٍ، وأدغمها الباقون في الواو، وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، شبيه بـ "أيْنَ" و"كَيْفَ"، وقرأ ابن أبِي إسحاق بكسر النون شبيه بـ "أمْسِ" و"حَذامِ" و"رَقاشِ"، وقرأ هارونُ الأعورُ (٢) بضم النون، شبيه بـ "مُنْذُ" و"حَيْثُ" و"قَطُّ" (٣)، وقرأ

стр. 721

الآخرون بإخفاء النون (١). واخَتْلَفَ المفسرون فِي تأويله، فمنهم من قال (٢): هو قَسَمٌ، وجوابه: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣)، وقيل (٤): معناه: "يا إنسان" بلغة طيِّئٍ وقيل (٥): بالسُّرْيانِيّةِ، وقيل (٦): معناه: يا رَجُلُ، وقيل (٧): يا سَيِّدَ البَشَرِ، وقيل (٨): يا محمَّدُ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال كعبٌ (٩): "يس" قَسَمٌ أقسم اللَّه

стр. 722

به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عامٍ: يا محمَّدُ إنّك لَمِنَ المرسلين. وقال السيد الحِمْيَرِيُّ (١) في المعنى: ١٦٥ - يا نَفْسُ لا تَمْحَضِي بِالنُّصْحِ مُجْتَهِدًا... عَلَى المَوَدّةِ إلَّا آلَ ياسِينا (٢) وقيل (٣): معناه: يَأْسٌ لِمَنْ كَذَّبَ رسولَ اللَّه ﷺ من الجنة، وقيل (٤): مَجازُها مَجازُ سائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي في أوائل السور، وقال الكلبي (٥): الإيسانُ بالياء: لغة طيِّئٍ، ويَجْمَعُونَهُ أياسِينَ، وهكذا قال الشعبي، واللَّه أعلم. فإن قيل: لِمَ عُدَّ "يس" آية، ولَمْ يُعَدَّ "طس" (٦)؟ فالجواب أن "طس"

стр. 723

أشبه "قابيل" من جهة الزِّنةِ والحروف الصحاح، و"يس" أوَّلُهُ حَرْفُ عِلّةٍ، وليس مِثْلُ ذلك في الأسماء المفردة، فأشبه الجملة والكلامَ التامَّ، وشاكَلَ ما بعده من رؤوس الآيِ (١). ومحلُّ ﴿يس﴾ من الإعراب رَفْعٌ؛ لأنه نداء مفردٍ (٢) على قول من فَسَّرَهُ: يا إنسان، وقد يجوز أن يكون محلُّه رفعًا بابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هذا الكتاب (٣)، وقد يجوز أن يكون نصبًا؛ لأنه مفعولٌ، تقديره: اذكر يس، أو اقرأ يس (٤)، ويجوز أن يكون نصبًا بِنَزْعِ حَرف القَسَم، ويجوز أن يكون خفضًا بإضمار حرف القَسَم (٥). قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ القرآن: خفضٌ بواو القَسَم، و ﴿الْحَكِيمِ﴾ نعته، أقسم اللَّه بالقراَن المحكَم من الباطل ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ جوابٌ لقول كفار مكة: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ (٦)، وما أرسل اللَّه إلينا رسولًا، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ يعني دِين الإسلام الذي لا عِوَجَ فيه.

стр. 724

قوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ العزيز في ملكه الرحيم بخَلْقِه، قرأ ابن عامرٍ وأهل الكوفة إلا أبا بكرٍ: "تَنْزِيلَ" بنصب اللام على المصدر، كأنه قال: نَزَّلَ اللَّهُ ذلك تَنْزِيلًا من العزيز الرحيم، ثم أضيف المصدر، فصار معرفةً (١)، وقيل (٢): نصب على الخروج من الوصف. وقرأ الآخرون بالرفع (٣)، أي: هو -يعني: القرآن- تَنْزِيلُ العزيز الرحيم، ويجوز الخفض (٤) على البدل من القرآن. قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ اللام متعلق بقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. . . ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ قال قتادة: لتنذر قومًا لَمْ يأتهم نذيرٌ قبلك؛ لأنهم كانوا

стр. 725

في الفترة، وهو معنى قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ عن حُجَجِ التوحيد وأدلة البعث ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ وَجَبَ العذابُ ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يعني أكثر أهل مكة كقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١)، وهذا إشارة إلى الإرادة السابقة بكفرهم، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ لأنّ اللَّه تعالى منعهم الهدى. قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ جمع غُلٍّ ﴿فَهِيَ﴾ يعني أيديهم، كنايةً عن غير مذكورٍ؛ لأنّ الأغلال والأعناق تدل عليها، وذلك أن الغُلَّ يَجْمَعُ اليدَ إلى العنق (٢). وقوله: ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن وهو مُلْتَقَى اللِّحْيَيْنِ ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾؛ أي: مغلولون. نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشامٍ وأصحابه المَخْزُومِيِّينَ (٣)، قال أهل المعاني (٤): وهذا على طريق المَثَلِ، ولَمْ يكن هناك غُلٌّ، قال الفراء (٥): معناه: حَبَسْناهُمْ عن الإنفاق في سبيل اللَّه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (٦)، معناه: لا تُمْسِكْها عن النفقة، وقيل: منعناهم عن الإيمان، وعَمّا أرادوا بموانعَ، فجَعَلَ الأغلالَ مَثَلًا لذلك، قاله أبو عُبيدٍ (٧)، وذُكِرَ أن أبا ذُؤيبٍ

стр. 726

كان يهوى امرأةً فِي الجاهلية اسمها أم مالكٍ، فلما أسْلَمَ أتَتْهُ المرأةُ تُراوِدُهُ عن نفسه فَأبَى عليها، وأنشأ يقول: ١٦٦ - فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يا أُمَّ مالِكٍ... وَلَكِنْ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ وَعادَ الفَتَى كالْكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ... سِوَى العَدْلِ شَيْئًا، فاسْتَراحَ العَواذِلُ (١) أراد: مُنِعْنا بِمَوانِعِ الإسلامِ عن تعاطي الزِّنى والفسق (٢). وقيل (٣): إن أبا جهلٍ -لعنه اللَّه- كان قد حَلَفَ لَئِنْ رَأى محمَّدًا يصلي لَيَرْضَخَنَّ رأسَهُ، فأتاه -وهو يُصلِّي- ومعه حَجَرٌ ليدفعه به، فلما رفعه أُثْبتَتْ يَدُهُ إلى عنقه، ولَزِقَ الحَجَرُ بِيَدِهِ، فلما عاد إلى أصحابه، وأخبرهم بما رَأى، سَقَطَ الحَجَرُ مِنْ يَدِهِ، فقال رَجلٌ مِنْ بني مخزومٍ: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه، وهو يُصَلِّي؛ لِيَرْمِيَهُ بالحَجَرِ، فَأعْمَى اللَّهُ بَصَرَهُ، فجعل يَسْمَعُ صوتَهُ ولا يراه، فرجع إلى أصحابه، فلم يَرَهُمْ حتى نادوه، وقالوا: ما صنعتَ؟ فقال: ما رأيتُه، ولقد سمعتُ صوتَه ولَمْ أرَهُ، ولكنْ حالَ بيني وبينه كهيئة الفحل، يَخْطِرُ بِذَنَبِهِ، لو دَنَوْتُ منه لأكَلَنِي، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾.

стр. 727

وأصل الإقْماحِ: غَضُّ البَصَرِ، ورَفْعُ الرَّأْسِ (١)، يقال: بَعِيرٌ مُقْمَحٌ: إذا رفع رأسه، وغَضَّ بَصَرَهُ، وبَعِيرٌ قامِحٌ: إذا رَوِيَ من الماء فَأقْمَحَ (٢)، قال الشاعر يذكر سفينة: ١٦٧ - وَنَحْنُ عَلَى جَوانِبِها وُقُوفٌ... نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ (٣) وقيل (٤): القامح: الطّامِحُ ببصره إلى مَوْطِئَ قَدَمِهِ، ويقال: أقْمَحَهُ؛ أي: أخْشَعَهُ ومَنَعَهُ من أن يرفع رأسه أو يُنَكِّسَهُ.

стр. 728

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ يعني البعث ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من خيرٍ أو شرٍّ عملوه فِي حياتهم ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ يعني خُطاهُمْ بأرجلهم ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ يعني: من الأعمال أي: بَيَّناهُ وحفظناه ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ وهو اللوح المحفوظ، و ﴿نَحْنُ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿نُحْيِ﴾ خبره، وهما جميعًا خبر ﴿إِنَّا﴾، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصب بإضمار فعلٍ تفسيره ما بعده تقديره: وأحصينا كل شيءٍ أحصيناه. فصْلٌ عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أعظم الناس جزاءً فِي الصلاة أَبْعَدُهُمْ إليها مَمْشًى فأبعدهم" (١)، رواه البخاري ومسلمٌ كلاهما عن أبِي كُرَيْبٍ عن أبِي أسامة عن أبِي بُرْدةَ (٢) عن أبِي موسى عن النَّبِيِّ ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ يعني: لأهل مكة ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ وهي أنْطاكِيّةُ ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ يعني رُسُلَ عيسى ﵇ الذين بعثهم إلى أهلها من الحَوارِّيينَ يَدْعُونَهُمْ من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، وقصتهم مشهورةٌ فيِ كتب التفسير (٣)، ونصب ﴿أَصْحَابَ﴾ على البدل من المَثَلِ (٤)، وقيل (٥): هو مفعولٌ ثانٍ.

стр. 729

قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني الأصنام، وهو استفهام إنكارٍ ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾؛ أي: بسوءٍ ومكروهٍ ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ الآية؛ أي: ولا يخلصونني من ذلك المكروه، وجزم ﴿تُغْنِ﴾ على جواب الشرط، و ﴿يُنْقِذُونِ﴾ عطف عليه، أصله: ينقذونني. قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ صاحَ بهم جبريلُ ﵇ حين كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقَتَلُوا حَبِيبًا النَّجّارَ مؤمنَ آل يس، صَيْحةً واحدةً ماتوا عن آخرهم، وذلك قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾ ابتداءٌ وخبرٌ؛ أي: مَيِّتُونَ، والصَّيْحةُ توضع موضع الهَلَكةِ، يقال: صاحَ فلانٌ فِي مال فلانٍ: إذا أهْلَكَهُ (١)، ومنه قول امرئ القيس: ١٦٨ - دَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ فِي حَجَراتِهِ... وَلَكِنْ حَدِيثًا ما حَدِيثُ الرَّواحِلِ (٢) ومعنى "صِيحَ في حُجَراتِهِ"؛ أي: هَلَكَ وذُهِبَ به، و ﴿صَيْحَةً﴾ خبر "كانَ"، و ﴿وَاحِدَةً﴾ نعتها، ورُوِيَ عن أبِي جعفرٍ أنه قرأ: "صَيْحةٌ واحِدةٌ"

стр. 730

بالرفع (١)، جَعَلَ الكَوْنَ بِمَعْنَى الوقوع، وحينئذٍ لا يَحْتاجُ إلى خَبَرٍ. قوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ نداءُ نكرةٍ؛ أي: يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرةً (٢)، تحريضٌ لهم على التحسُّر، وهو منصوبٌ بالتنوين؛ لِتَمَكُّنِ النكرةِ وأنها لا تُبْنَى، قال الشاعر: ١٦٩ - يا راكِبًا بَلِّغَ إخْوانَنا... مَنْ كانَ مِنْ كِنْدةَ أوْ وائِلِ (٣) وقرأ عكرمة: "يا حَسْرَهْ عَلَى العِبادِ" بِجَزْمِ الهاء (٤). والحسرة: الندامة يوم القيامة، يقول: يا لها من حسرةٍ على الكفار، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾؛ أي: يسخرون منه، ويقال: الحسرة

стр. 731

في العربية: الوعظ والتخويف مما عَلِمَ اللَّهُ تعالى، ولَمْ يَعْلَمُوهُ. قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني أهل مكة، أي: ألَمْ يُخْبَرُوا ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، والقَرْنُ: أهل كل عصرٍ، سُمُّوا بذلك لاقترانهم فِي الوجود ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ لا يعودون إلى الدنيا، أفلا يعتبرون بهم. قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ هذه "إن" الثقيلة فِي الأصل، خُفِّفَتْ فزال عملها في أكثر اللغات، ولزمتْها اللامُ فرقًا بينها وبين التي بمعنى "ما" (١). وقوله: ﴿لَمَّا جَمِيعٌ﴾ قرأ ابن عامرٍ وعاصمٌ وحمزة والأعمش: "لَمّا" بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف (٢)، فمن شَدَّدَ جعل "إنْ" بمعنى الجحد على [أن "لَمّا"] (٣) بمعنى "إلَّا"، تقديره: وما كُلٌّ إلَّا جَمِيعٌ، كقولهم: سألتُكَ لَمّا فعلتَ، أي: إلَّا فعلتَ (٤)، ومَنْ خَفَّفَ جعل "إنْ" للتحقيق مخففة، و"ما" صلةً، مجازه: وإنْ كُلّ لَجَمِيعٌ (٥) ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ يعني: يوم القيامة، فيقفون

стр. 732

على ما عملوا، ﴿كُلٌّ﴾ رفعٌ بالابتداء، و ﴿جَمِيعٌ﴾ خبره، و ﴿مُحْضَرُونَ﴾ نعته. ثم وعظ كفار مكة ليعتبروا، فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ ابتداءٌ ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ خَبَرُهُ؛ أي: يَدُلُّهُم على قدرتنا على البعث إحياءُ الأرض بالنبات بعد أن كانت مَيْتةً لا تنبت شيئًا، وهو قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ يعني: بالمطر ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ يعني: ما يُقْتاتُ من الحبوب، وقرأ نافع: "الْمَيِّتةُ" بالتشديد (١). قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ يعني: في الأرض ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ يعني: من ثَمَرِ النخيل، كنايةً عن غير مذكورٍ، وهو في اللفظ مذكَّرٌ، قرأ الأعمش بضم الثاء وسكون الميم، وقرأ طلحة ويحيى وحمزة والكسائي وخلَفٌ بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون بفتحهما (٢). قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني: لَمْ يكن ذلك من صنع أيديهم، ولكنه من فعلنا ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ رَبَّ هذه النعمة فيوحدونه، ومحلُّ "ما" خفضٌ بالعطف على ﴿ثَمَرِهِ﴾، ويجوز أن يكون نصبًا. قرأ العامة: "وَما عَمِلَتْهُ" بالهاء، وقرأ عيسى بن عمرو أهل الكوفة إلا حفصًا: "عَمِلَتْ" بغير هاءٍ (٣)، ويجوز في "ما" ثلاثة أوجه، أحدها: الجحد

стр. 733

بمعنى: ولَمْ تعمل أيديهم؛ أي: وجدوها مغلولةً، فلا صُنْعَ لهم، والثانِي: بمعنى المصدر؛ أي: ومِنْ عَمَلِ أيديهم، والثالث بمعنى "الَّذِي"؛ أي: ومما عملت أيديهم من الحروث والغروس. فمن قرأ: "عَمِلَتْهُ" بالهاء جعلها عائدة إلى "ما" التي هي بمعنى "الذي"، ومن قرأ بحذف الهاء فلأنّ هذه الهاء الراجعة إلى الموصول تجيء محذوفةً في أكثر القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (١)، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٢)، وتكون هذه القراءة كقراءة من قرأ: "عَمِلَتْهُ"؛ لأن الهاء مُرادةٌ وإن حُذِفَتْ من اللفظ (٣). قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾؛ أي: نرمي بالنهار عن الليل فنأتِي بالظُّلْمة (٤)، وذلك أن الأصل هي الظُّلمة والنهار داخلٌ عليه، فإذا غربت الشمس انسلخ النهار من الليل؛ أي: كُشِطَ وأُزِيلَ فتظهر الظُّلمة (٥)، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾؛ أي: داخلون في ظلام الليل، و ﴿اللَّيْلُ﴾ رفع بالابتداء، ﴿وَآيَةٌ﴾ خبره إلا أنّ الخبر مقدَّمٌ على الاسم، ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ.

стр. 734

قوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ يعني: تسير فِي منازلها حتى تنتهي إلى آخر مسيرها الذي لا تجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها، ورُوِيَ عن ابن عبّاسٍ وابن مسعودٍ أنهما كانا يقرآن: "والشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَها" (١)؛ أي: لا قَرارَ لَها، فهي جاريةٌ أبدًا ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس والقمر ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ فِي ملكه ﴿الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ الذي فعل هذا لا يخفى عليه شيءٌ. فصْلٌ عن أبِي ذَرٍّ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ لِي حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنّها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فَيُؤْذَنُ لها، ويُوشَكُ أن تَسْجُدَ فلا يُقْبَل منها، وتَسْتَأْذِنَ فلا يُؤْذَنُ لَها، ويُقالُ لَها: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِها، فذلك قوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢). رواه البخاري بإسناده عن إبراهيم التَّيْمِيِّ (٣) عن أبيه عن أبِي ذَرٍّ عن النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 735

قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ يعني: بالليل أوَّلَ ما يَطْلُعُ كُلَّ ليلةٍ فِي منزلٍ، ويصعد فِي مَنْزِلٍ، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه، ثم يعود إلى أدْنَى منازله، فيكون كالعُرْجُونِ القديم. قرأ نافعٌ وابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وأيوب ويعقوب -غَيْرَ رُوَيْسٍ-: "والقَمَرُ" بالرفع (١)، واختاره أبو حاتمٍ، قال (٢): لأنّكَ شَغَلْتَ الفعلَ عنه، فرفعته بالابتداء، وقرأ الباقون بالنصب، واختاره أبو عُبيدٍ، قال (٣): للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فأما المتقدم فقوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، وأما المتأخر فقوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾. وقال طاهر بن أحمد (٤): الرَّفع محمولٌ على الشمس، والنصب محمولٌ على ﴿تَجْرِي﴾ أو على إضمار فعلٍ ليس له موضعٌ من الإعراب. وقوله: ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾؛ أي: قَدَّرْنا له منازلَ (٥)، وهي ثمانيةٌ وعشرون مَنْزِلًا، يَنْزِلُ القمرُ كل ليلةٍ بمَنْزِلٍ، وأسماؤها: الشَّرَطانُ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، والدَّبَرانُ، والهَقْعةُ، والهَنْعةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرةُ، والطَّرْفُ، والجَبْهةُ، والزُّبْرةُ، والصَّرْفةُ، والعَوّاءُ، والسِّماكُ، والغَفْرُ، والزُّبانَى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلةُ،

стр. 736

والنَّعائِمُ، والبَلَدّةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيةِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، وبَطْنُ الحُوتِ، ويسمَّى الرِّشا (١). فإذا صار إلى آخر منازله ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾، وهو العِذْقُ الذي فيه الشَّمارِيخُ (٢)، إذا عَتُقَ ويَبِسَ واصْفَرَّ تَقَوَّسَ، فيصير منحنيًّا كهيئة القوس، فشُبِّهَ القمرُ فِي دِقَّتِهِ وصُفْرَتهِ به، ويقال له أيضًا: الإهانُ (٣). قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فتجري في سلطانه؛ أي: بضوئه ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فيطلع في غير سلطانه، فهما يتعاقبان بحسابٍ معلومٍ، لا يجيء أحدهما قبل وقته، ودخلت "لا" لمعنى النفي، وَلَمْ تَنْصِبْ لأنّ الشمس معرفة وكذلك الليل، فهما رفعٌ على الابتداء. قوله: ﴿وَكُلٌّ﴾ من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾؛ أي: يجرون ويسرعون كما تجري الشمس وتَسْبَحُ، والفَلَكُ: القُطْبُ الذي تدور به النجوم (٤)، قال الحسن (٥): الفَلَكُ طاحونةٌ كهيئة فَلْكةِ المِغْزَلِ. يريد أن

стр. 737

الذي تجري فيه النجوم مستديرٌ كاستدارة الطاحونة، ويقال: الفَلَكُ: الطريق، وقال النضر بن شُمَيْلٍ (١): الفَلَكُ من الأرض: ما استدار وأشْرَفَ على ما حوله، وقال الكلبي (٢): الفَلَكُ: استدارة السماء، وكل شيءٍ استدار فهو فَلَكٌ، والفَلَكُ فِي كلام العرب: كلُّ شيءٍ مستديرٌ، وهو مشتق من فَلْكةِ المِغْزَلِ، قاله الحسن، وجمعه أفْلاكٌ، ومنه فَلْكةٌ المِغْزَلِ، وتَفَلَّكَ ثَدْيُ الجاريةِ: إذا استدار. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾؛ أي: علامةٌ لأهل مكة على قدرتنا ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ قرأ أهل الحجاز: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بالألِف على الجمع، وقرأ أهل البصرة: "ذُرِّيَّتَهُمْ" (٣) بغير ألِفٍ على التوحيد، وأراد بالذريّة هاهنا آباءهم وأجدادهم الذين هؤلاء من نسلهم (٤)، والذريّة تقع على الآباء كما تقع على الأولاد، وعنى بالفُلك (٥) سفينة نوحٍ ﵇، والمشحون: المملوء، ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ يعني السفن التي عُمِلَتْ بعد سفينة نوحٍ مِثْلَها وعلى هيئتها وصورتها، ومحل ﴿مَا﴾ نصبٌ بوقوع "خَلَقْنا" عليه. ثم ذكر أنه بفضله يحفظهم، ولو شاء أغرقهم، فلم يُغِثْهُمْ أحَدٌ، ولَمْ ينقذهم من الغرق، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني: في البحر، ﴿فَلَا صَرِيخَ

стр. 738

لَهُمْ﴾؛ أي: لا مُغِيثَ لهم من عذابنا، والصريخ هاهنا بمعنى المُصْرِخِ، وأصل الصُّراخِ: الاستغاثة ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ يُنْجُونَ مما يُرادُ بهم من الغرق، يقال: أنقذه واستنقذه: إذا خَلُّصَهُ من مكروهٍ، قال ابن عبّاسٍ: ولا أحد ينقذهم من عذابِي ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني: إلا نِعْمةً مِنّا عليهم، فهي التي تنجيهم ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾؛ أي: يعيشون بآجالهم فِي الدنيا إلى حين الموت، وذلك أن الكافر مَتَّعَهُ اللَّه في الدنيا، وَرَزَقَهُ فيها، فإذا ركب السفينة سَلَّمَهُ حتى يموت بأجله، ونصب ﴿رَحْمَةً﴾ على حذف حرف الجر أي: إلا برحمةٍ أو لرحمةٍ (١)، وقال الكسائي (٢): هو نصبٌ على الاستثناء، وقال الزجّاج (٣): هو مفعولٌ من أجله، ﴿وَمَتَاعًا﴾ مثله معطوف عليه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يعني: لِهؤلاء الكفار ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ يريد: من أمر الآخرة، واعملوا لها ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الدنيا، فاحذروها ولا تَغْتَرُّوا بها وما فيها من زهرتها وزُخْرُفِها ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ لكي تكونوا على رجاء الرحمة من اللَّه، وجواب "إذا" محذوفٌ، تقديره: وإذا قيل لهم هذا أعْرَضُوا (٤)، دليله ما بعده، وهو قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: من عِبْرةٍ ودلالةٍ تدل على قدرتنا وصِدْقِ محمَّدٍ ﷺ ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾.

стр. 739

قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ وهي نفخة إسرافيل الأولى، يعني أن القيامة تأتيهم بغتةً، فتأخذهم الصَّيحة ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾؛ أي: يختصمون في البيع والشراء، ويتكلمون في الأسواق والمَجالِسِ، ويُخاصِمُ بعضُهُمْ بعضًا. واختلف القُرّاءُ فيها، فقرأ ابن كثيرٍ ووَرْشٌ وأبو عُبيدٍ وأبو حاتمٍ بفتح الخاء وتشديد الصاد، ومِثْلَهُ رَوَى هشامٌ عن أهل الشام، لَمّا أدغموا نقلوا حركة التاء إلى الخاء، وقرأ حفصٌ وأيوبُ وورشٌ عن نافعٍ (١) مكسورةَ الخاء مشددّة الصاد، وقرأ أبو عمرٍو بالإخفاء، غير أن أبا عمرٍو وهشامًا يُشِمّانِ الخاءَ شيئًا من الفتح، وقرأ حمزةُ الخاءَ مخففةً والصادَ مكسورةً، أي: يغلب بعضهم بعضًا بالخصام، وهي قراءة أُبَيِّ بنِ كعب (٢)، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد (٣) إلا أن أبا بكرٍ يكسر الياء (٤). وأجود القراءة فتح الخاء مع تشديد الصاد؛ لأنّ الأصل: يختصمون، فَأُلْقِيَتْ حركة الحرف المدغم، وهو التاء، على الساكن الذي قبله، وهو

стр. 740

الخاء (١)، ومن قرأ بكسر الخاء حَرَّكَهُ بالكسر لالتقاء الساكنين، وعلى قراءة أهل المدينة جَمْعٌ بين ساكنين، قال الزجّاج (٢): وهو أشد الوجوه وأرْدَؤُها. ومعنى الآية أن الكفار الذين تقوم عليهم الساعة تأخذهم الصيحة وهم يَخِصِّمُونَ، والقوم إذا كانوا على أمرٍ واحدٍ كان الخبر عن بعضهم كالخبر عن جميعهم (٣). ثم أخبر أن الساعة إذا أخذتهم بغتةً لَمْ يقدروا على الإيصاء بشيءٍ، وذلك قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾؛ أي: فلا يقدرون على أن يُوَصِّيَ بعضُهم بعضًا، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ يعني: من الأسواق إلى منازلهم، وهذا إخبارٌ عمّا يَلْقَوْنَ فِي النفخة الأولى. ثم أخبر عمّا يلقون في النفخة الثانية بعد الموت إذا بُعِثُوا، فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهو كهيئة القرن من الثور، ينفخ فيه إسرافيل ﵇، وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين النفخة الأولى والأخيرة أربعون سنةً، فإذا نفخ في الأولى مات فيها كل شيءٍ مما خلَقَ اللَّه تعالى، ويموت إبليس فيمن يموت، ثم تمطر السماء أربعين يومًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ، فينبتون به فِي
следующие страницы →