← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والنَّعائِمُ، والبَلَدّةُ، وسَعْدُ الذّابِحِ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعُودِ، وسَعْدُ الأخْبِيةِ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ، وفَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، وبَطْنُ الحُوتِ، ويسمَّى الرِّشا (١). فإذا صار إلى آخر منازله ﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾، وهو العِذْقُ الذي فيه الشَّمارِيخُ (٢)، إذا عَتُقَ ويَبِسَ واصْفَرَّ تَقَوَّسَ، فيصير منحنيًّا كهيئة القوس، فشُبِّهَ القمرُ فِي دِقَّتِهِ وصُفْرَتهِ به، ويقال له أيضًا: الإهانُ (٣). قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ فتجري في سلطانه؛ أي: بضوئه ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ فيطلع في غير سلطانه، فهما يتعاقبان بحسابٍ معلومٍ، لا يجيء أحدهما قبل وقته، ودخلت "لا" لمعنى النفي، وَلَمْ تَنْصِبْ لأنّ الشمس معرفة وكذلك الليل، فهما رفعٌ على الابتداء. قوله: ﴿وَكُلٌّ﴾ من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾؛ أي: يجرون ويسرعون كما تجري الشمس وتَسْبَحُ، والفَلَكُ: القُطْبُ الذي تدور به النجوم (٤)، قال الحسن (٥): الفَلَكُ طاحونةٌ كهيئة فَلْكةِ المِغْزَلِ. يريد أن

стр. 737

الذي تجري فيه النجوم مستديرٌ كاستدارة الطاحونة، ويقال: الفَلَكُ: الطريق، وقال النضر بن شُمَيْلٍ (١): الفَلَكُ من الأرض: ما استدار وأشْرَفَ على ما حوله، وقال الكلبي (٢): الفَلَكُ: استدارة السماء، وكل شيءٍ استدار فهو فَلَكٌ، والفَلَكُ فِي كلام العرب: كلُّ شيءٍ مستديرٌ، وهو مشتق من فَلْكةِ المِغْزَلِ، قاله الحسن، وجمعه أفْلاكٌ، ومنه فَلْكةٌ المِغْزَلِ، وتَفَلَّكَ ثَدْيُ الجاريةِ: إذا استدار. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾؛ أي: علامةٌ لأهل مكة على قدرتنا ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ قرأ أهل الحجاز: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بالألِف على الجمع، وقرأ أهل البصرة: "ذُرِّيَّتَهُمْ" (٣) بغير ألِفٍ على التوحيد، وأراد بالذريّة هاهنا آباءهم وأجدادهم الذين هؤلاء من نسلهم (٤)، والذريّة تقع على الآباء كما تقع على الأولاد، وعنى بالفُلك (٥) سفينة نوحٍ ﵇، والمشحون: المملوء، ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ يعني السفن التي عُمِلَتْ بعد سفينة نوحٍ مِثْلَها وعلى هيئتها وصورتها، ومحل ﴿مَا﴾ نصبٌ بوقوع "خَلَقْنا" عليه. ثم ذكر أنه بفضله يحفظهم، ولو شاء أغرقهم، فلم يُغِثْهُمْ أحَدٌ، ولَمْ ينقذهم من الغرق، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني: في البحر، ﴿فَلَا صَرِيخَ

стр. 738

لَهُمْ﴾؛ أي: لا مُغِيثَ لهم من عذابنا، والصريخ هاهنا بمعنى المُصْرِخِ، وأصل الصُّراخِ: الاستغاثة ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ يُنْجُونَ مما يُرادُ بهم من الغرق، يقال: أنقذه واستنقذه: إذا خَلُّصَهُ من مكروهٍ، قال ابن عبّاسٍ: ولا أحد ينقذهم من عذابِي ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ يعني: إلا نِعْمةً مِنّا عليهم، فهي التي تنجيهم ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾؛ أي: يعيشون بآجالهم فِي الدنيا إلى حين الموت، وذلك أن الكافر مَتَّعَهُ اللَّه في الدنيا، وَرَزَقَهُ فيها، فإذا ركب السفينة سَلَّمَهُ حتى يموت بأجله، ونصب ﴿رَحْمَةً﴾ على حذف حرف الجر أي: إلا برحمةٍ أو لرحمةٍ (١)، وقال الكسائي (٢): هو نصبٌ على الاستثناء، وقال الزجّاج (٣): هو مفعولٌ من أجله، ﴿وَمَتَاعًا﴾ مثله معطوف عليه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يعني: لِهؤلاء الكفار ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ يريد: من أمر الآخرة، واعملوا لها ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمر الدنيا، فاحذروها ولا تَغْتَرُّوا بها وما فيها من زهرتها وزُخْرُفِها ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ لكي تكونوا على رجاء الرحمة من اللَّه، وجواب "إذا" محذوفٌ، تقديره: وإذا قيل لهم هذا أعْرَضُوا (٤)، دليله ما بعده، وهو قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: من عِبْرةٍ ودلالةٍ تدل على قدرتنا وصِدْقِ محمَّدٍ ﷺ ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾.

стр. 739

قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ وهي نفخة إسرافيل الأولى، يعني أن القيامة تأتيهم بغتةً، فتأخذهم الصَّيحة ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾؛ أي: يختصمون في البيع والشراء، ويتكلمون في الأسواق والمَجالِسِ، ويُخاصِمُ بعضُهُمْ بعضًا. واختلف القُرّاءُ فيها، فقرأ ابن كثيرٍ ووَرْشٌ وأبو عُبيدٍ وأبو حاتمٍ بفتح الخاء وتشديد الصاد، ومِثْلَهُ رَوَى هشامٌ عن أهل الشام، لَمّا أدغموا نقلوا حركة التاء إلى الخاء، وقرأ حفصٌ وأيوبُ وورشٌ عن نافعٍ (١) مكسورةَ الخاء مشددّة الصاد، وقرأ أبو عمرٍو بالإخفاء، غير أن أبا عمرٍو وهشامًا يُشِمّانِ الخاءَ شيئًا من الفتح، وقرأ حمزةُ الخاءَ مخففةً والصادَ مكسورةً، أي: يغلب بعضهم بعضًا بالخصام، وهي قراءة أُبَيِّ بنِ كعب (٢)، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد (٣) إلا أن أبا بكرٍ يكسر الياء (٤). وأجود القراءة فتح الخاء مع تشديد الصاد؛ لأنّ الأصل: يختصمون، فَأُلْقِيَتْ حركة الحرف المدغم، وهو التاء، على الساكن الذي قبله، وهو

стр. 740

الخاء (١)، ومن قرأ بكسر الخاء حَرَّكَهُ بالكسر لالتقاء الساكنين، وعلى قراءة أهل المدينة جَمْعٌ بين ساكنين، قال الزجّاج (٢): وهو أشد الوجوه وأرْدَؤُها. ومعنى الآية أن الكفار الذين تقوم عليهم الساعة تأخذهم الصيحة وهم يَخِصِّمُونَ، والقوم إذا كانوا على أمرٍ واحدٍ كان الخبر عن بعضهم كالخبر عن جميعهم (٣). ثم أخبر أن الساعة إذا أخذتهم بغتةً لَمْ يقدروا على الإيصاء بشيءٍ، وذلك قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾؛ أي: فلا يقدرون على أن يُوَصِّيَ بعضُهم بعضًا، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ يعني: من الأسواق إلى منازلهم، وهذا إخبارٌ عمّا يَلْقَوْنَ فِي النفخة الأولى. ثم أخبر عمّا يلقون في النفخة الثانية بعد الموت إذا بُعِثُوا، فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهو كهيئة القرن من الثور، ينفخ فيه إسرافيل ﵇، وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين النفخة الأولى والأخيرة أربعون سنةً، فإذا نفخ في الأولى مات فيها كل شيءٍ مما خلَقَ اللَّه تعالى، ويموت إبليس فيمن يموت، ثم تمطر السماء أربعين يومًا كَمَنِيِّ الرِّجالِ، فينبتون به فِي

стр. 741

قبورهم كما ينبتون في بطون أمهاتهم، ثم تكون النفخة الآخرة (١) ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ يعني القبور، واحدها: جَدَثٌ، ويقال: جَدَفٌ بالفاء، وهي لغة هذيل ولغة بعض بني تميم (٢). وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إلى داعي ربهم ﴿يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ يعني: يخرجون سِراعًا، وهذا يصلح ابتداءً وصِفةً، ومنه قيل للولد: نَسْلٌ؛ لأنه يخرج من بطنِ أُمِّه، والنَّسَلانُ والعَسَلانُ: الإسراع في السير، يقال: نَسَلَ فِي العَدْوِ ينَسْلِ نُسَلانًا: إذا أسرع (٣)، وهو يُقْرَأُ بكسر السين وضمها (٤). قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ قال المفسرون (٥): إنما يقولون هذا لأن اللَّه تعالى رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون، فلما بُعِثُوا، وعاينوا القيامة دَعَوْا بالويل، فقالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ على ألسنة الرسل أنه يبعثكم بعد الموت ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ فِي وَعْدِ البَعْثِ، وقال قتادة (٦): أول الآية للكافرين، وآخرها للمسلمين، يقول

стр. 742

الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، ويقول المسلم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾، ومحلُّ ﴿هَذَا﴾ خفضٌ؛ لأنه نعت لقوله: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أو بدله (١)، وإن شئت قلت: محلُّه رفعٌ بالابتداء وخبره ﴿مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، وذلك إذا وقفت على ﴿مَرْقَدِنَا﴾ (٢). قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ﴾ ابتداءٌ ﴿جَمِيعٌ﴾ تأكيد ﴿لَدَيْنَا﴾ نصبٌ على الظرف ﴿مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ خبرُه. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ نصبٌ على خبر ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ (٣) ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ يعني: فِي الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، ومحلُّ ﴿مَا﴾ نصبٌ من وجهين، أحدهما: أنه مفعول ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، والثانِي: بِنَزْعِ حرف الصفة؛ أي: بما كنتم تعملون. قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عَمّا أهْلُ النّارِ فيه ﴿فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرٍو وشيبة بجزم الغين،

стр. 743

واختاره أبو حاتمٍ (١)، وقرأ الباقون بضم الغين (٢)، واختاره أبو عُبيدٍ (٣)، وهما لغتان مثل السُّحْتِ والسُّحُتِ ونحوهما، و"فاكِهُونَ" قرأه العامة بالألِف، وقرأ أبو جعفرٍ: "فَكِهُونَ" و"فَكِهِينَ" (٤) حيث كانا بغير ألِفٍ، وهما لغتان كالحاذِرِ والحَذرِ والفارِهِ والفَرِهِ، ورُوِيَ عن طَلْحةَ بن مُصَرِّفٍ أنه قرأ: "فاكِهِينَ" بالنَّصب على الحال (٥). واختلفوا في معناه، فقيل: فَرِحُونَ، وقيل: معجبون، وقيل: ناعمون، تقول العرب للرَّجُلِ إذا كان يَتَفَكَّهُ بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراض الناس: إن فلانًا لَفَكِهٌ بكذا (٦)، والفَكِهُ أيضًا: الطَّيِّبُ النَّفْسِ الضَّحُوكُ، يقال: رَجلٌ فَكِهٌ وفاكِهٌ (٧)، ولَمْ يُسْمَعْ لِهَذا فِعْل فِي الثلاثي.

стр. 744

فصْلٌ في معنى الآية عن أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أهل الجنة كلَّما جامَعُوا نساءَهُمْ عُدْنَ أبكارًا" (١)، وقيل: شُغْلُهُمْ فِي السَّماعِ. قيل: سُئِلَ يحيى بن معاذٍ (٢): أيُّ الأصواتِ أحْسَنُ؟ قال: مَزامِيرُ أُنْسٍ فِي مَقاصِيرِ قُدْس بألحان تحميدٍ فِي رياض تمجيدٍ فِي مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ (٣)، وقيل (٤): شُغْلُهُمْ بعشرة أشياء: مُلْكٌ لا عَزْلَ معه، وشبابٌ لا هَرَمَ بعده، وصِحّةٌ لا سَقَمَ معها، وعِزٌّ لا ذُلَّ معه، وراحةٌ لا شِدّةَ معها، ونعمةٌ لا مِحنة معها، وبقاءٌ لا فناءَ معه، وحياةٌ لا موت معها، ورضًا لا سخطَ معه، وأنسٌ لا وحشةَ معه. وقيل (٥): شغلهم فِي الجنة بسبعة أنواع من الثواب لسبعة أعضاءَ، فأما ثواب الرِّجْلِ فقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٦)، وثواب اليَدِ قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ (٧)، وثواب الفَرْجِ قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ

стр. 745

عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (١)، وثواب البطن قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وثواب اللسان قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، وثواب الأُذُنِ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٤)، وثواب العَيْنِ قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ يعني: في ظلال الجنة والشَّجَر، قرأه العامة بالألِف وكسر الظاء: جمعُ ظِلٍّ، وقرأ ابن مسعودٍ وعُبيد بن عميرٍ وحمزة والكسائي وخلَفٌ: "فِي ظُلَلٍ" (٦) على جمع ظُلّةٍ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ على السُّرُرِ وعليها الحِجالُ، جمع حَجَلةٍ، وهي القُبّةُ على السرير، والأرائك: جمع أرِيكةٍ مثل سَفِينةٍ وسَفائِنَ، وقيل: الأرائِكُ: هي الفُرُشُ، والاتِّكاءُ: الاعتماد على المرافق. ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ يَتَمَنَّوْنَ ويَشْتَهُونَ، قال الزجّاج (٧): هو مأخوذٌ من الدعاء، المعنى: كُلُّ ما يَدْعُو به أهلُ الجنة يأتيهم.

стр. 746

قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ قرأ العامة: "سَلامٌ" بالرفع على خَبَرِ صفةٍ محذوفةٍ، تقديره: لَهُمْ سَلامٌ (١)؛ أي: سَلامٌ عَلَيْهِمْ، وقرأ النَّخْعِيُّ بالنصب على القطع والمصدر، وكذا هو في قراءة ابن مسعودٍ وأُبَيٍّ: "سَلامًا" (٢) فيكون مصدرًا، وإن شئت فِي موضعٍ الحال (٣)، ونصب ﴿قَوْلًا﴾ على المصدر على معنى: لهم سلامٌ يقوله اللَّه قولًا يوم القيامة (٤). فصْلٌ عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بَيْنا أهْلُ الجنة فِي نعيمهم إذْ سَطَعَ لهم نُورٌ، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرَّبُّ قد أشْرَفَ عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله : ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويَبْقَى نُورُهُ وبركاتُهُ عليهم في ديارهم" (٥).

стр. 747

قوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ يقال: مِزْتُ الشَّيْءَ من الشيء: إذا عَزَلْتَهُ عنه ونَحَّيْتَهُ، فـ "امْتازُوا" المعنى: اعْتَزِلُوا اليوم، يعني: في الآخرة، من الصالحين (١)، وقيل (٢): معناه: كونوا على حِدةٍ، وانْفَرِدُوا عن المؤمنين. وما بعد هذا ظاهرٌ في الإعراب إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ شرطٌ وجزاءٌ، قرأ الأعمش وعاصمٌ وحمزة: "نُنَكِّسْهُ" بضم النون وكسر الكاف مع التشديد، وقرأ الباقون بفتح النون وضم الكاف مع التخفيف (٣)، وهما لغتان يقال: نَكَسْتُهُ أنْكُسُهُ، ونَكَّسْتُهُ أُنَكِّسُهُ، والمعنى: نَرُدُّهُ بعد القوة إلى الضعف، وبعد الزيادة إلى النقصان، وبعد الجِدّةِ والطراوة إلى البِلَى والخُلُوقةِ، قال الزجّاج (٤): معناه: مَنْ أطَلْنا عُمُرَهُ نَكَّسْنا خَلْقَهُ، فصار بَدَل القُوّةِ الضَّعْفُ، وبَدَلَ الشباب الهَرَمُ. ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ قرأ نافعٌ وابنُ ذَكْوانَ (٥) بالتاء على خطاب الكفار، وقرأ الباقون بالياء (٦)، والمعنى: أفَلَيْسَ لهم عَقْلٌ فيعتبروا فيعلموا أن الذي قَدَرَ

стр. 748

على هذا من تصريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت؟. قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وذلك أن كفار مكة قالوا: إن القرآن شِعْرٌ، وإنّ محمَّدًا شاعرٌ، فقال اللَّه تعالى تكذيبًا لهم: وما علَّمناه الشِّعر وما ينبغي له الشِّعرُ؛ أي: ما يَتَسَهَّلُ له ذلك، وما كان يَتَّزِنُ له بَيْتُ شعرٍ، حتى إذا تمثَّل ببيتِ شِعْرٍ جَرَى على لسانه مُنْكَسِرًا. رُوِيَ عن عائشة ﵂ أنها سُئِلَتْ: هل كان رسول اللَّه ﷺ يتمثل بشيءٍ من الشِّعر؟ فقالت: كان الشِّعْرُ أبغضَ الحديث إليه، ولَمْ يتمثَّلْ بشيءٍ مِنَ الشِّعر إلا ببيتِ أخِي بَنِي قَيْسٍ طَرَفةَ: ١٧٠ - سَتُبْدِي لَكَ الأَيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا... وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ (١) فَجَعَلَ يَقُولُ: "ويأتيك مَنْ لَمْ تُزَوَّد بالأخبارِ"، فقال أبو بكرٍ ﵁: ليس هكذا يا رسول اللَّه، فقال: "إنِّي لستُ بشاعرٍ، ولا ينبغي لِي الشِّعر" (٢).

стр. 749

وعن عَلِيِّ بن زيدٍ (١) عن الحسن أن رسول اللَّه ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: "كَفَى الإِسْلامُ والشَّيْبُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا"، فقال أبو بكرٍ وعمر ﵄: "يا نَبِيَّ اللَّهِ: إنما قال الشاعر: ١٧١ - كَفَى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا (٢) نشهد أنّكَ رسول اللَّه" (٣)، يقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ﴾ يعني القرآن؛ أي ما هو ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ فيه الفرائض والحدود والأحكام، ﴿لِيُنْذِرَ﴾ يعني القرآن، ومن قرأ بالتاء فمعناه: لِتُنْذِرَ يا محمَّدُ بِما فِي القرآن ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ يعني: مؤمنًا حَيَّ القلبِ؛ لأنّ الكافر كالميت لا يسمع الإنذار فهو ميت القلب.

стр. 750

قرأ أهل المدينة والشام والبصرة ألا أبا عمرٍو: "لِتُنْذِرَ" بالتاء هاهنا وفي الأحقاف (١)، وقرأ الباقون بالياء، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾؛ أي: وتَجِبَ الحُجّةُ بالقرآن ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾. ثم ذَكَّرَهُمْ قُدْرَتَهُ، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي: مما أمَرْنا به وتَوَلَّيْنا خَلْقَهُ بإبداعنا وإنشائنا من غَيْرِ واسطةٍ ولا وكالةٍ ولا شركةٍ ﴿أَنْعَامًا﴾ يريد: من الإبل والبقر والغنم ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ ضابطون قاهرون. وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ﴾ إن جعلت "ما" بمعنى "الَّذِي" حذفت الهاء لطول الاسم، وإن جعلت "ما" مصدرًا لَمْ تحتج إلى إضمار الهاء في ﴿عَمِلَتْ﴾، وواحد الأنعام نَعَمٌ والنَّعَمُ يُذكَّر ويُؤنَّث (٢). والمعنى: إنّا لَمْ نخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخَّرةٌ مذلَّلةٌ لهم، وهو قوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾؛ أي: سخَّرنا لهم الأنعام ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ قرأه العامة بفتح الرّاء؛ أي: مركوبهم، كما يقال: ناقةٌ

стр. 751

حَلُوبٌ؛ أي: مَحْلُوبٌ (١)، وقرأ الأعمش والحسن بضم الراء على المصدر، ورُوِيَ عن عروة (٢) أنه قال: في مصحف عائشة ﵂: "رَكُوبَتُهُمْ" (٣). والرَّكُوبُ والرَّكُوبةُ واحدٌ، مثل الحَمُولِ والحَمُولةِ (٤). قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ يعني أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ شديد الخصومة في إنكار البعث، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وذلك أنّ أُبَيَّ بنَ خلَفٍ الجُمَحِيَّ أتَى النبيَّ ﷺ بعَظْمٍ قد بَلِيَ، فَفَتَّهُ بيده، وقال: يا محمَّدُ! أتَرَى اللَّهَ يُحْيِي هذا بعدما رَمَّ؟ فقال ﵇: "نعم يُحْيِي اللَّهُ هذا، ويميتك، ثم يبعثك، ويدخلك النار"، فأنزل اللَّه

стр. 752

تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾. . . الآيات (١). وقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ يعني فُتاتًا رُفاتًا بالِيةً، يقال: رَمَّ العَظْمُ: إذا بَلِيَ، والرُّمّةُ: الحَبْلُ البالِي، والرَّمْرامُ: الحَصَى الصِّغارُ (٢)، وإنما لَمْ يقل: رَمِيمة لأنه معدولٌ عن فاعلةٍ، وكُلُّ ما كان معدولًا عن وَجْهِهِ وَوَزْنِهِ كان مصروفًا عن فاعِلةٍ إلى فَعِيلٍ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٣) أسقط الهاء لأنها مصروفةٌ عن باغيةٍ (٤)، وقيل (٥): ﴿رَمِيمٌ﴾ بمعنى مرمومٍ، ككَفٍّ خَضِيبٍ؛ أي: مَخْضُوبٍ، ومحلُّ ﴿مَنْ﴾ رفعٌ بالابتداء. قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّدُ ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ ابتدأها وخلقَها ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ من الابتداء والإعادة ﴿عَلِيمٌ﴾، ونصب ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأنه اسمٌ أُقِيمَ مُقامَ المصدر. ثم زاد في البيان، وأخبر عن عجيب صنعه، فقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ يعني: الذي جمع بين الشيء وضِدِّهِ قادِرٌ على البعث؛ لأنّ النار تأكل الحطب، وَلَمْ يقل: الخُضْرَ،

стр. 753

والشَّجر جَمْعٌ؛ لأنه رَدَّهُ إلى اللفظ (١)، قال ابن عبّاسٍ (٢): وهما شجران أحدهما المَرْخُ، والآخر العَفارُ، فمن أراد منهما النار قطع غصنينِ مِثْلَ السِّواكَيْنِ يَقْطُرُ منهما الماءُ، فيُسْحَقُ المَرْخُ، وهو ذَكَرٌ، على العَفارِ، وهو أُنثى، فتخرج منهما النار بإذن اللَّه تعالى. قالت الحكماء (٣): كل شيءٍ فيه نار إلا العُنّابَ. وتقول العرب: فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ (٤). ومحل ﴿الَّذِي﴾ رفعٌ على خبر ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هو الذي، ويجوز أن يكون نصبًا على المدح، تقديره: أعني الذي، ويجوز أن يكون رفعًا أيضًا على البدل من قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ (٥). قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ هذا استفهام معناه التَّقرير، يعني: من قدر على خلق السماوات والأرض فِي عِظَمِهِما يقدر على إعادة خَلْق البشر، وقيل (٦): هو استفهام تقريعٍ وإن أشْبَهَ التقريرَ؛ لأنّهم أقَرُّوا بالإنشاء.

стр. 754

وقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ قرأه العامة بالألِف، وقرأ يعقوب: "يَقْدِرُ" (١) على الفعل، وإنما دخلت الباء للتوكيد (٢)، والمراد بعثهم كما كانوا أوَّلًا، ثم أجاب هذا الاستفهام بقوله: ﴿بَلَى﴾ يعني: هو قادرٌ على ذلك ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ يخلق خلقًا بعد خَلقٍ ﴿الْعَلِيمُ (٨١)﴾ بجميع ما خَلَق. ثم ذكر قدرته على إيجاد الشيء، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ من البعث وغيره ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾، وهو أمْرٌ وَرَدَ لبيان كمال القدرة، قرأ الكسائي وابن عامرٍ: "فَيَكُونَ" بالنصب (٣) عطفًا على "يَقُولَ"، أو على جواب الأمر بالفاء (٤)، وقرأ الباقون بالرفع على القطع والاستئناف على

стр. 755

معنى: فهو يكون، قال قتادة: ليس شيءٌ من كلام العرب أخفَّ ولا أهون من ﴿كُنْ﴾، فأمْرُ اللَّه كذلك. فصْلٌ عن عَلِيِّ بن أبِي طالب ﵁ قال: حَدَّثَنِي حَبيبِي رَسُولُ اللَّه ﷺ ويَدُهُ على كَتِفِي قال: "حَدَّثَنِي الصادقُ الناطقُ رسولُ ربِّ الَعالمينَ وأمينُهُ على وَحْيهِ جبريلُ ﵇ ويَدُهُ على كتفي قال: سمعتُ إسرافيلَ ﵇ يقولَ: سمعتُ القلَمَ يقول: سمعتُ اللَّوْحَ يقول: سمعتُ اللَّه تعالى من فوق العرش يقول للشيء: كُنْ، فلا تبلغ الكافُ النُّونَ، أو يكونَ الذي يكونُ" (١). وقيل (٢): إن الدنيا بما عليها حرفان من كتاب اللَّه تعالى، قال لها الجبّار: كُونِي فكانت، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال بعض الحكماء في المعنى: ١٧٢ - لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعِ... فإنّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْكَ فِي الدِّينِ واسْتَززِقِ اللَّهَ مِمّا فِي خَزائِنِهِ... فِإنِّما الرِّزْقُ بَيْنَ الكافِ والنُّونِ (٣)

стр. 756

قوله : ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ المَلكوت: المُلْكُ، والواو والتاء زائدتان كالرَّهَبُوتِ من الرَّهْبةِ (١)، قال قتادة (٢): ملكوت كل شيءٍ: مفاتيح كل شيءٍ. فهو مَلِكُ كُلِّ شيءٍ، والقادر على كل شيءٍ، وهو فِي كلام العرب بمعنى مُلْكٍ، وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تُردُّون إلى اللَّه بعد الموت، وتصيرون يوم القيامة إلى الموقف العظيم، وباللَّه التوفيق. * * *

стр. 757

سورة الصافات مكية وهي ثلاثة آلافٍ وثمانمائةٍ وستةٌ وعشرون حرفًا، وثمانمائةٍ وستون كلمةً، ومائةٌ واثنتان وثمانون آيةً. باب ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ أُعْطِيَ من الأجر عشرَ حسناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفِعَ له عشرُ درجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وشيطانٍ، وتيأعدت عنه مَرَدةُ الشياطين، وبَرِئَ من الشِّرك، وشَهِدَ له حافِظاهُ يوم القيامة أنه كان مؤمنًا بالمرسلين" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الصافات رافَقَ بها الأنبياءَ، وغُفِرَ له ذنبُ خمسين عامًا" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾ يعني الملائكة تَصُفُّ أنْفُسَها فِي

стр. 758

السماء، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ كصفوف الخلق فِى الدنيا للصلاة. قوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ يَعْنِي المَلائِكةَ تزجر السحاب وتَسُوقُهُ، وقال قتادة: يعني زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح. قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ يعني الملائكة يتلون كتاب اللَّه، وقيل: هم جماعة قُرّاءِ القرآن، وهي كلها جَمْعُ الجمع، فالصّافّاتُ جمع الصّافّةِ، والصّافّةُ جمع الصّافِّ (١)، وكذلك أختاها (٢)، قال صاحب إنسان العين (٣): ويحتمل دخول التاء للمبالغة، والفاء لبيان أن الكل واحدٌ مع تغير الوصف، تقول: الداخل عَلَيَّ، فالمقيم عندي، فالآكِلُ طَعامِي، يكون الكل شخصًا واحدًا، ولو قلتَ بالواو لَمْ يكن رجلًا واحدًا. قرأها العامة بإظهار التاء، وقرأ حمزة بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال، وكذلك: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (٤)، وهي مخفوضةٌ بواو القسم (٥)، وما

стр. 759

بعدها منصوبٌ على المصدر (١). قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ يعني: إن ربكم لواحدٌ ليس له شريكٌ، وهذا جواب القسم، أقسم اللَّه تعالى بهذه الأقسام أنه واحدٌ فَرْدٌ، ليس له شريكٌ. قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِنْ خَلْقٍ ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ يعني مشارق الشمس؛ لأنها تَطْلُعُ كُلَّ يومٍ في مشرقٍ، وتَغْرُبُ كُلَّ يوم في مغرب؛ فلذلك جَمَعَها، وذلك أن اللَّه تعالى خلق للشمس ثلاثَمائةٍ وستين كُوّةً فِي المشرق، وثلاثَمائةٍ وستين كُوّةً في المغرب، على عدد أيام السنة، تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ من كُوّةٍ، وتَغْرُبُ في كُوّةٍ منها في المشارق والمغارب. (٢). و ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ رفعٌ على خبر ابتداءٍ محذوفٍ تقديره: هو رب السماوات، ويجوز أن يكون رفعًا على البدل من قوله: ﴿لَوَاحِدٌ﴾ (٣). قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ سمِّيت بذلك لأنها أدْنَى السماوات وأقربها من الأرض ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ قيل: هي مُعَلَّقةٌ فِي السماء كالقناديل المعلَّقة في المساجد، قرأ أبو بكر: "بِزِينةٍ" منوَّنًا "الكَواكِبَ" نصبًا، أعمل الزينة، وهي

стр. 760

مصدرٌ، في الكواكب على معنى: إنّا زينّا الكواكبَ فيها (١)، وقرأ حمزة وحفصٌ عن عاصمٍ: "بِزِينةٍ" بالتنوين "الكَواكِبِ" خفضًا على البدل من الزينة، وقرأ الباقون: "بِزِينةِ الكَواكِبِ" مضافًا (٢)، قال ابن عبّاسٍ: يعني: كضوء الكواكب. قوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾؛ أي: خبيثٍ متمردٍ، معناه: وجعلنا للسماء حِفْظًا، وذلك شائعٌ فِي اللغة، وقيل (٣): هو نصبٌ على المصدرِ، والفعلُ محذوفٌ، أي: وحَفِظْناها حِفْظًا، أو مَعَ حِفْظٍ. و"مارِدٍ" نعت لـ "شَيْطانٍ"، والمارد: العاتِي المتكبر، يقال: قد تَمَرَّدَ فلانٌ على أهله: إذا تَكَبَّرَ عليهم، ويقال منه: مَرُدَ يَمْرُدُ مُرُودًا فهو مارِدٌ، وتَمَرَّدَ يَتَمَرَّدُ تَمَرُّدًا، وأصله من قولهم: شَجَرةٌ مَرْداءُ: إذا سقط ورقها، ورَجُلٌ أمْرَدُ: إذا لَمْ يكن له لحيةٌ، وصَخْرةٌ مَرْداءُ: إذا كانت مَلْساءَ، وكل عاتٍ من الجن والإنس تسميه العرب شيطانًا ماردًا (٤).

стр. 761

قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ (١) يعني الشياطين ﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ وهم الملائكة، أي: لِكَيْ لا يَسمعوا إلى الكَتَبةِ من الملائكة مما يكون في الأرض، والمعنى: لِئَلَّا يَسْمَعُوا، فلما حذف "أنْ" رُفِعَ (٢)، وقرأ حَمْزةُ والكسائيُّ وحَفْصٌ: "يَسَّمَّعُونَ" بالتشديد، وأصله: يتسمعون، فأدغمت التاء فِي السين (٣). قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يعني الشياطين؛ أي: يُرْمَوْنَ ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾ من آفاق السماء ﴿دُحُورًا﴾ يبعدونهم عن مَجْالِسِ الملائكة، يقال: دَحَرَهُ دَحْرًا ودُحُورًا: إذا طرده وأبْعَدَهُ، ودُحُورٌ كشُهُورٍ (٤)، والمعنى: يُدْحَرُونَ دُحُورًا عن

стр. 762

تلك المَجالِسِ التي يَسْتَرِقُونَ فيها السمعَ، وهو منصوبٌ على المصدر (١). قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾؛ أي: دائم مُوجِعٌ، ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ يعني الكلمة أخذها مُسارَقةً، ومحل ﴿مَنْ﴾ نصبٌ على الاستثناء، ويحتمل أن يكون رفعًا على الابتداء (٢)، تقديره: ولكن مَنْ خَطِفَ الخطفة، والاختطاف: الاسْتِلابُ وأخْذُ الشيء بسرعةٍ، وقال ابن عبّاسٍ: معناه: إلا من وثب الوثبة، ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ لَحِقَهُ نَجْمٌ مضيءٌ يحرقه، وثُقُوبُهُ: ضَوْؤُهُ، يقال: أثْقِبْ نارَكَ؛ أي: أضِئْها. قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يعني: سَلْ أهلَ مكة يا محمد ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يعني: مِن السماوات والأرض والجبال، هي أشد خلقًا وأعظم منهم، نظيرها قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (٤)، وقيل: معناه: أم مَنْ خلقنا مِنْ قبلهم من الأمم الخالية، وقد أهلكناهم بتكذيب الرسل، فما الذي يُؤَمِّنُ هؤلاء من العذاب.

стр. 763

وقوله: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، و ﴿خَلْقًا﴾ نصبٌ على التفسير، و ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ (١) رفعٌ على ﴿أَهُمْ أَشَدُّ﴾، وهذا استفهامٌ معناه التقرير (٢). ثم وَصَفَ خَلْقَهم وأخْبَرَ، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾؛ أي: شديدٍ، وهو الطين الصُّلْبُ الَّلازِقُ المُتَلَزِّجُ المتماسك الذي يلزم بعضه بعضًا، ومنه: ضَرْبةُ لازِمٍ ولازِبٍ؛ أي: أمْرٌ يَلْزَمُ (٣)، ولازمٌ ولازبٌ ولازقٌ ولاصقٌ ولاتبٌ: بمعنًى واحدٍ، والعرب تجعل الباء ميمًا لقُرب مخرجهما (٤). قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ "أو" بمعنى الواو (٥)، والألِف ألِف استفهامٍ دخلت على حرف العطف، كقوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ (٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿نَعَمْ﴾ تُبْعَثُونَ ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾؛ أي: صاغرون، والدُّخُورُ: أشَدُّ الصَّغارِ.

стр. 764

وما بعد هذا ظاهر الإعراب إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ يعني الموحدين، استثناهم من المُجْرمِينَ، وقيل: هو نصب على الاستثناء من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾. ثم قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ يعني: على مقدار غَدْوةٍ وعَشِيّةٍ، ثم بَيَّنَ الرزق، ققال: ﴿فَوَاكِهُ﴾ رفعٌ على البدل من ﴿رِزْقٌ﴾ وهي جمع فاكهةٍ، وهو كل طعامٍ يؤكل للتلذذ لا للقُوتِ الذي يَحْفَظُ الرَّمَقَ والصحة. قوله: ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ يعني: بثواب اللَّه ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ﴾ جمع سريرٍ ﴿مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾، لا يَرَى بعضُهُمْ قَفا بعضٍ، بل ينظر بعضهم إلى بعضٍ، ويُحَدِّثُ بعضُهم بعضًا، وكل واحدٍ يفهم حديث صاحبه وإنْ بَعُدَ، وهو منصوبٌ على الحال. قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ من خمرٍ جارية ﴿بَيْضَاءَ﴾ صافيةٍ، ومحلها خفضٌ على البدل من ﴿مَعِينٍ﴾، وقيل: على النعت لـ "كَأْسٍ". والمَعين هو الطاهر الجاري (١)، وفِي قراءة عبد اللَّه: "صَفْراءَ لَذّةٍ لِلشّارِبِينَ" (٢)؛ أي: لذيذةٍ، يقال: شرابٌ لَذٌّ ولَذِيذٌ ﴿لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾ ولا يكون الكأسُ كأسًا حتى يكون فيه شرابٌ، وإلا فهو إناءٌ (٣)، قال الأخفش (٤): كل كأسٍ في القرآن فهو خمرٌ.

стр. 765

قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾؛ أي: لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ فتذهب بها، ولا يصيبهم منها وجعٌ فِي البطن، ولا صداعٌ فِي الرأس (١)، ويقال للوجع: غَوْلٌ، لأنه يؤدي إلى الهلاك، وقال أهل المعانِي (٢): الغَوْلُ فسادٌ يَلْحَقُ فِي خفاء، يقال: اغتاله اغتيالًا: إذا أفْسَدَ عليه أمْرَهُ فِي خُفْيةٍ، ومنه الغَوْلُ والغِيلةُ، وهو القتل خُفْيةً. قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلَفٌ بكسر الزاي هاهنا وفِي سورة الواقعة (٣)، ووافقهم عاصمٌ في الواقعة، وقرأ الباقون بفتح الزاي فيهما (٤)، فمن فتح الزاي فيهما فمعناه: لا تَغْلِبُهُمْ على عقولهم، ولا يسكرون منها، يقال: نُزِفَ الرَّجُلُ فهو مَنْزُوفٌ ونَزِيفٌ: إذا سَكِرَ وذَهَبَ عَقْلُهُ (٥)، قال الشاعر: ١٧٣ - فَلَثِمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها... شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ (٦)

стр. 766

أي: السكران، ومَنْ كَسَرَ الزايَ فمعناه: لا يَنْفَدُ شَرابُهُمْ، يقال: أنْزَفَ الرَّجُلُ فهو مَنْزُوفٌ: إذا فَنِيَتْ خَمْرُهُ (١)، قال الحطيئة: ١٧٤ - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمُ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا (٢)

стр. 767

قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾؛ أي: حابساتُ الأعْيُنِ، غاضّاتُ الجُفُونِ، قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عن غَيْرِ أزواجهن، فلا ينظرن إلَّا إلَى أزواجهن، ولا يبغين بهم بدلًا، والقَصْرُ معناه الحبس، و ﴿عِينٌ﴾: نُجْلُ العُيُونِ حِسانُها، واحدتها: عَيْناءُ، يقال: رَجُلٌ أعْيَنُ وامرأة عَيْناءُ ورجالٌ ونساءٌ عِينٌ. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾ جمع بيضة ﴿مَكْنُونٌ (٤٩)﴾؛ أي: مستور مَصُونٌ، شَبَّهَهُنَّ ببَيْضِ النَّعامِ تُكِنُّها بالرِّيشِ من الريح والغبار، فلونها أبيض فِي صُفْرةٍ، وهذا أحسن ألوان النساء، وهو أن تكون المرأة بيضاء مُشْرَبةً بصُفْرةٍ، قال المبرد (١): والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضِها وحسنِ لَوْنها بِبَيْضةِ النَّعامةِ. وإنما ذَكَّرَ المكنونَ، والبَيْضُ جمع؛ لأنه رَدَّهُ إلى اللفظ. قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ﴾ ابتداءٌ، يعني النعيم ﴿خَيْرٌ﴾ خبر ﴿نُزُلًا﴾ للمؤمن ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ للكافر، استفهام توبيخٍ وإنكارٍ، ومحلُّه رفع عطف على ﴿أَذَلِكَ﴾، والزَّقُّومُ: ثَمَرةُ شجرةٍ كريهةِ الطَّعْمِ جِدًّا، مُرّةٌ مُنْتِنةُ الرِّيحِ، قَبِيحةٌ خَبِيثةٌ، مأخوذٌ من قولهم: تَزَقَّمَ هذا الطعامَ أي: تَناوَلَهُ على كُرْهٍ ومَشَقةٍ شديدةٍ، ونصب ﴿نُزُلًا﴾ على البيان. قوله تعالى في قصة نوح ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾؛ لأن الناس كُلَّهُمْ مِنْ وَلَدِ نُوحٍ ﵇، وهم ثلاثةُ أولادٍ لنوحٍ: سامٌ وحامٌ ويافِثُ، فالعرب كلها يَمَنِيُّها ونِزارِيُّها، والرومُ والفُرْسُ من ولد سامٍ، والسودان

стр. 768

جميع أجناسهم من السند والهند والبربر والقِبْطِ من ولد حامٍ، والصَّقالِبةُ والتُّرْكُ ويأجوج ومأجوج من ولد يافث (١). ونصب ﴿الْبَاقِينَ﴾ لأنه مفعولٌ ثانٍ، و ﴿هُمُ﴾ زائدة، وتسمى فاصلةً. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ قيل: الهاء عائدةٌ على محمدٍ ﷺ ، حكاه السمرقندي عن الكلبي (٢)؛ أي: وإن من شيعة محمدٍ لإبراهيم، أي: على دِيِنهِ ومِنْهاجِهِ، وأجازه الفراء (٣)، ذكره صاحب الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٤). وقيل (٥): المراد به نوح ﵇؛ أي: وإنّ مِنْ أهْلِ مِلّةِ نُوحٍ، وعلى دِيِنهِ لَإبْراهِيمَ ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ يعني: صَدَقَ اللَّهَ، وآمَنَ به بقلبٍ خالصٍ من الشك والشرك، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾ هذا استفهام توبيخٍ، وَبَّخَهُمْ على عبادة غير اللَّه، فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ ﴿دُونَ﴾ نصب نعت لـ ﴿آلِهَةً﴾، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل من إفك، وإفك منصوب

стр. 769

بـ ﴿تُرِيدُونَ﴾ (١)، وقيل: معناه: أتَأْفِكُونَ إفْكًا (٢)، وهو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهةً سوى اللَّه؟ ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ إذا لَقِيتُمُوهُ وقد عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ، وهو ابتداءٌ وخبرٌ، كأنه قال: ما ظَنُّكُمْ أنه يَصْنَعُ بكم؟ وهذه كلمة تَهَدُّد ووعيدٌ، وقوله: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ إن جعلت "ما" و"ذا" شيئًا واحدًا فمحله نصبٌ بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾، تقديره: أيَّ شَيْءٍ تعبدون؟ وإن جعلتهما اسمين فمحل "ما" رفع بالابتداء، و"ذا" خبره، تقديره: ما الذي تعبدون؟ (٣). قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾ يعني إبراهيم ﵇، وكان قومه يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النجوم، فعامَلَهُمْ من حيث كانوا يَتَعاطَوْنَهُ حتى لا ينكروا عليه، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾؛ أي: مريضٌ، والسُّقْمُ والسَّقَمُ: المَرَضُ، وهما لغتان مثل: حُزْنٍ وحَزَنٍ، وذلك أنهم كَلَّفُوهُ بالخروج معهم إلى عيدهم، فنظر إلى النجوم، يُرِيهِمْ أنه مُسْتَدِلٌّ بها على حاله، فلما نظر قال: إنِّي سقيمٌ، اعْتَلَّ بذلك ليتركوه، ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ يعني: ذاهبين منطلقين إلى عيدهم، وهو نصبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾؛ أي: مال إليها مَيْلةً فِي خُفْيةٍ سِرًّا، ﴿فَقَالَ

стр. 770

أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ يعني الطعام الذي يُجاءُ به بين أيدي الأصنام، وإنما قال هذا إبراهيمُ استهزاءً بها، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢)﴾. ثم أقبل عليهم ضربًا كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فَمالَ وأقْبَلَ على الأصنام ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ قيل (١): بيده اليُمْنَى لأنها أقوى من الشِّمال، وقيل (٢): أراد باليمين القَسَمَ الذي سبق منه، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٣)، ونصب ﴿ضَرْبًا﴾ على المصدر (٤)، وقيل (٥): على الحال؛ أي: ضاربًا، وقيل (٦): على نزع الخافض؛ أي: بضرب. قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾؛ أي: يسرعون، يقال: جاء الرَّجُلُ يَزِفُّ زَفِيفَ النَّعامةِ، وهو أول عَدْوِها وآخر مَشْيِها، وقرأ يَحْيَى والأعمشُ وحمزة: "يُزِفُّونَ" (٧) بضم الياء، وهما لغتان؛ أي: يصيرون إلى الزَّفِيفِ، ومثله قول الشاعر:

стр. 771

١٧٥ - تَمَنَّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ جِذاعُهُ... فَأَضْحَى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وَأقْهَرا (١) ومعنى "أقْهَرَ" صار إلى القهر. ويُقْرَأُ أيضًا: "يَزْفُونَ" (٢) بفتح الياء مع التخفيف من: وَزَفَ يَزِفُ، بمعنى: أسرع أيضًا، ولَمْ يعرفها الفراء ولا الكسائي (٣)، قال الزجّاج (٤): وعَرَفَها غَيْرُهُما. قوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾؛ لأن إبراهيم ﵇ علاهم بالحُجّة حين سَلَّمَهُ اللَّهُ من النار، ونصب ﴿كَيْدًا﴾ بوقوع الإرادة عليه، ويحتمل أن يكون نصبًا على المصدر. قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾؛ أي: لَمّا شَبَّ حتى بلغ سعْيُهُ سَعْيَ إبراهيم،

стр. 772

وكان يومئذٍ ابنَ ثلاثَ عَشْرةَ سنةً، ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ يريد: من الرَّأْيِ فيما ألْقَيْتُ إليكَ، وما الذي تذهب إليه؟ هل تستسلم وتنقاد أو تَأْبَى ذلك؟. ومحل ﴿مَاذَا﴾ نصب بـ ﴿تَرَى﴾ لا بـ "انْظُرْ"؛ لأنه استفهامٌ فلا يعمل فيه ما قبله، وقرأ حمزة: "تُرِي" (١) بضم التاء وكسر الراء، ومعناه: ما تُشِيرُ؟ قال الفراء (٢): ماذا تُرِينِي من صبرك أو جزعك؟ ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾؛ أي: ما أُوحِيَ إليك من ذَبْحِي ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ على بلائه. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ يعني إبراهيم وابنه الذبيح؛ أي: انقادا وخضعا لأمر اللَّه تعالى، وَرَضِيا به، قال قتادة: سَلَّمَ هذا ابنَهُ، وهذا نَفْسَهُ، وقرأ ابن مسعود: "سَلَّما" (٣)؛ أي: فَوَّضا ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾؛ أي: صَرَعَهُ وأضْحَعَهُ، وكَبَّهُ على وجهه للذبح، وللوجه جبينان، والجبهة بينهما (٤) ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فِي ذبح ابنك، قال أهل المعانِي (٥): الواو مُقْحَمةٌ صِلةٌ،

стр. 773

مجازه: ناديناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ (٢)، قال امرؤ القيس: فَلَمّا أجَزْنا ساحةَ الحَيِّ وانْتَحَى... بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ (٣) أراد: انْتَحَى، وقال الشاعر: ١٧٦ - حَتَّى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ... وَرَأَيْتُمُ أبْناءَكُمْ شَبُّوا وَقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنا... إنّ اللَّئِيمَ لَعاجِز خِبُّ (٤) أراد: قَلَبْتُمْ.

стр. 774

وتَمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ وهذا ابتداءُ إخبارٍ من اللَّه، وليس بمتصلٍ بما قبله من الكلام الذي نُودِيَ به إبراهيمُ ﵇، والمعنى: إنّا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتلٌ: جزاه اللَّه بإحسانه في طاعته العفوَ عن ذبح ابنه، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ الاختبار الظاهر فيما يُوجِبُ النعمةَ والنقمةَ؛ ولذلك قيل للنقمة: بلاءٌ، وللمحنة: بلاءٌ، لأنها سُمِّيَتْ باسم سببها المُؤَدِّي إليها كما قيل لأسباب الموت: هذا الموت بعينه. فصْلٌ قال مجاهد: لَمّا أمَرَ اللَّهُ إبراهيمَ ﷺ بذبح ابنه إسحاق ﵇ قال: يا أبت: خُذْ بناصيتِي، واجلس بين كتفي فلا أُوذِيكَ إذا وجدتُ حَرَّ السكين، فلما أمَرَّ وَضَحَ السكينِ على حَلْقِهِ انقلبت، قال له: مالَكَ يا أبَتِ؟ قال: انقلبتْ، قال فاطْعَنْ بها طَعْنًا، قال: فَفَعَلَ فانْثَنَتْ، فَعَلِمَ اللَّهُ منه الصِّدْقَ، ففداه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (١).

стр. 775

الذِّبْحُ بالكسر: المُهَيَّأُ للذَّبْحِ، وبالفتح: المصدر، وأصله الشَّقُّ، قال الشاعر: ١٧٧ - كَأنّ بَيْنَ فَكِّها والفَكِّ فَأْرةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ (١) أي: فُتِقَتْ بها، وإنما سُمِّيَ الكَبْشُ عظيمًا لأنه رَعَى فِي الجنة أربعين خريفًا، وقيل: لأنه مُتَقَبَّلٌ، وكان كَبْشًا من الغنم أعْيَنَ أمْلَحَ أقْرَنَ، قاله أكثر المفسرين، وقيل: سمِّي عظيمًا لأنه فداءُ عَبْدٍ عَظِيمٍ. قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ يعني: وبَشَّرْنا إبراهيمَ بِنُبُوّةِ إسحاق بعد العفو عنه من الذبح، وهذا التأويل يؤيد قول من قال: إن الذبيح إسحاق، ونصب ﴿نَبِيًّا﴾ على الحال. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إلْياسُ: نَبِيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مع قومه مشهورةٌ فِي كتب التفسير.
следующие страницы →