١٧٥ - تَمَنَّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ جِذاعُهُ... فَأَضْحَى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وَأقْهَرا (١)
ومعنى "أقْهَرَ" صار إلى القهر.
ويُقْرَأُ أيضًا: "يَزْفُونَ" (٢) بفتح الياء مع التخفيف من: وَزَفَ يَزِفُ، بمعنى: أسرع أيضًا، ولَمْ يعرفها الفراء ولا الكسائي (٣)، قال الزجّاج (٤): وعَرَفَها غَيْرُهُما.
قوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾؛ لأن إبراهيم ﵇ علاهم بالحُجّة حين سَلَّمَهُ اللَّهُ من النار، ونصب ﴿كَيْدًا﴾ بوقوع الإرادة عليه، ويحتمل أن يكون نصبًا على المصدر.
قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾؛ أي: لَمّا شَبَّ حتى بلغ سعْيُهُ سَعْيَ إبراهيم،
стр. 772
وكان يومئذٍ ابنَ ثلاثَ عَشْرةَ سنةً، ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ يريد: من الرَّأْيِ فيما ألْقَيْتُ إليكَ، وما الذي تذهب إليه؟ هل تستسلم وتنقاد أو تَأْبَى ذلك؟.
ومحل ﴿مَاذَا﴾ نصب بـ ﴿تَرَى﴾ لا بـ "انْظُرْ"؛ لأنه استفهامٌ فلا يعمل فيه ما قبله، وقرأ حمزة: "تُرِي" (١) بضم التاء وكسر الراء، ومعناه: ما تُشِيرُ؟ قال الفراء (٢): ماذا تُرِينِي من صبرك أو جزعك؟ ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾؛ أي: ما أُوحِيَ إليك من ذَبْحِي ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ على بلائه.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ يعني إبراهيم وابنه الذبيح؛ أي: انقادا وخضعا لأمر اللَّه تعالى، وَرَضِيا به، قال قتادة: سَلَّمَ هذا ابنَهُ، وهذا نَفْسَهُ، وقرأ ابن مسعود: "سَلَّما" (٣)؛ أي: فَوَّضا ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾؛ أي: صَرَعَهُ وأضْحَعَهُ، وكَبَّهُ على وجهه للذبح، وللوجه جبينان، والجبهة بينهما (٤) ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فِي ذبح ابنك، قال أهل المعانِي (٥): الواو مُقْحَمةٌ صِلةٌ،
وتَمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ وهذا ابتداءُ إخبارٍ من اللَّه، وليس بمتصلٍ بما قبله من الكلام الذي نُودِيَ به إبراهيمُ ﵇، والمعنى: إنّا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتلٌ: جزاه اللَّه بإحسانه في طاعته العفوَ عن ذبح ابنه، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ الاختبار الظاهر فيما يُوجِبُ النعمةَ والنقمةَ؛ ولذلك قيل للنقمة: بلاءٌ، وللمحنة: بلاءٌ، لأنها سُمِّيَتْ باسم سببها المُؤَدِّي إليها كما قيل لأسباب الموت: هذا الموت بعينه.
فصْلٌ
قال مجاهد: لَمّا أمَرَ اللَّهُ إبراهيمَ ﷺ بذبح ابنه إسحاق ﵇ قال: يا أبت: خُذْ بناصيتِي، واجلس بين كتفي فلا أُوذِيكَ إذا وجدتُ حَرَّ السكين، فلما أمَرَّ وَضَحَ السكينِ على حَلْقِهِ انقلبت، قال له: مالَكَ يا أبَتِ؟ قال: انقلبتْ، قال فاطْعَنْ بها طَعْنًا، قال: فَفَعَلَ فانْثَنَتْ، فَعَلِمَ اللَّهُ منه الصِّدْقَ، ففداه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (١).
стр. 775
الذِّبْحُ بالكسر: المُهَيَّأُ للذَّبْحِ، وبالفتح: المصدر، وأصله الشَّقُّ، قال الشاعر:
١٧٧ - كَأنّ بَيْنَ فَكِّها والفَكِّ
فَأْرةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ (١)
أي: فُتِقَتْ بها، وإنما سُمِّيَ الكَبْشُ عظيمًا لأنه رَعَى فِي الجنة أربعين خريفًا، وقيل: لأنه مُتَقَبَّلٌ، وكان كَبْشًا من الغنم أعْيَنَ أمْلَحَ أقْرَنَ، قاله أكثر المفسرين، وقيل: سمِّي عظيمًا لأنه فداءُ عَبْدٍ عَظِيمٍ.
قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ يعني: وبَشَّرْنا إبراهيمَ بِنُبُوّةِ إسحاق بعد العفو عنه من الذبح، وهذا التأويل يؤيد قول من قال: إن الذبيح إسحاق، ونصب ﴿نَبِيًّا﴾ على الحال.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ إلْياسُ: نَبِيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مع قومه مشهورةٌ فِي كتب التفسير.
стр. 776
وقرأ ابن عامر: "وَإنّ الياسَ" (١) بغير همزٍ، جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله: "والْيَسَعَ" (٢)، والوجه قراءة العامة؛ لأن الهمزة ثابتة فِي هذا الاسم، وليست للتعريف، ويُقِّوي ذلك قولُهُ تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (٣)، فهذا يَدُلُّ على أن الهمزة ثابتة في إلْياسَ (٤)، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ ألا تخافون اللَّه فتعبدوه وتوحدوه (٥)؟ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ وهو اسْمُ صَنَمٍ لَهُمْ، كانوا يعبدونه من دون اللَّه، ولذلك سميت مدينتهم: بَعْلَبَكَّ (٦)، وقيل (٧): البَعْلُ: الرَّبُّ بلغة أهل اليمن، قال ابن عبّاسٍ (٨): سمعتُ أعرابيًّا يقول لآخرَ: مَنْ بَعْلُ هَذِهِ النّاقةِ؟ يعني: مَنْ صاحِبُها؟ قال الفراء (٩): هي لغة هُذَيْلٍ.
стр. 777
قوله: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ يعني: عِبادةَ أحْسَنِ الخالقينَ، فلا تعبدونه؟ ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلَفٌ ويعقوب والأعمش ويحيى بن وَثّابٍ والحسن والربيع بن خُثَيْمٍ (١) وابنُ أبِي إسحاق وأبو إسحاق بنصب الهاء والباءَيْنِ على البدل من "أحْسَنَ" أو على الصفة، وهو الاختيارُ، وروايةُ حفصٍ عن عاصمٍ، وقرأ الآخرون بالرفع (٢) على الاستئناف، لتمام الكلام الأول، على معنى: هو اللَّهُ رَبُّكُمْ ورَبُّ آبائكم الأولين، والعرب تقول: ضربتُ زيدًا أخاك، وضربت زيدًا أخوك، فينصبون الأخ على الترجمة (٣) عن زيدٍ، ويرفعونه بإضمار "هُوَ"، قال ابن الأنباري (٤): وهو من الوجهين جميعًا مُتَرْجِمٌ عن زيدٍ، وأنْشَدَ لِنُصَيْبٍ (٥):
١٧٨ - إنّ الَّذِي كانَ يَرْجُو أنْ يَتِمَّ لَهُ... حُسْنُ الصَّنِيعةِ فِي الدُّنْيا وَيَحْتَسِبُ
عَبْدَ العَزِيزِ أبا الأضْيافِ فارَقَكُمْ... فَهَلْ إلَيْهِ لِباغِي حاجةٍ سَبَبُ (٦)
стр. 778
فنصب عبد العزيز على الترجمة عن "الذي"، ويجوز رفعه على معنى: هو عبد العزيز، والمعنى: أنه خالِقُكُمْ وخالِقُ مَنْ قَبْلَكُمْ ورازِقُكُمْ ورازِقُ مَنْ قَبْلَكُمْ، فهو الذي تَحِقُّ له العبادةُ.
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾ يعني: أهل دينه ومَنْ كان على مذهبه، وقيل (١): أراد آل محمدٍ ﷺ ، وهذه قراءة نافعٍ وشيبة والأعرج وابن عامرٍ (٢)، أضافوا إلى آلٍ "ياسِينَ"، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي: "إلْياسِينَ"، وإلْياسُ يُسَمَّى إلْياسِينَ وياسِينَ، وهو اسمٌ أعجميٌّ مثل مِيكالَ ومِيكائِيلَ، ولذلك لَمْ ينصرف، وإلياسين لغة كإسرائين في إسرائيل (٣)، والأشياء الأعجمية إذا وقعت إلى العرب غَيَّرَتْها بضروبٍ من التغيير، فيقولون: إبْرَهِيمُ
стр. 779
وَإبْراهَمُ وَإبْراهامُ، وكذا أيضًا سيْناءُ وسِينِينُ، وإلياس وإلياسين (١).
فحُجّةُ مَنْ قَرَأ: "آلِ ياسِينَ" على الإضافة أنها في المصحف مفصولة من "ياسِينَ"، وذلك دليل على أنه "آل". وهذه القراءة بعيدة، قال الفراء وأبو عُبيدٍ (٢): الوجه قراءة العامة؛ لأنه لَمْ يُقَلْ فِي شيءٍ من السور: على آل فلانٍ وآل فلانٍ، إنما جاء بالاسم، كذلك "إلْياسِينَ" لأنه إنما هو بمعنى اليَأْسِ، أوْ بِمَعْنَى إلْياسَ وَأتْباعِهِ.
قال أبو عليٍّ الفارسي (٣): تقديره: إلْياسِيِّينَ، إلا أن الياء التي للنِّسْبةِ حُذِفَتْ كما حُذِفَتْ في الأشْعَرِينَ والأعْجَمِينَ، فيكون بِمَنْزِلَتِهِمْ بالتخفيف، هكذا ذكره الواحدي (٤)، وفِي حرف عبد اللَّه: "وَإنّ إدْرِيِسَ لَمِنَ المُرْسلِينَ. سَلامٌ عَلَى إدْراسِينَ" (٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ أرسله اللَّه إلى سَدُومَ ودامُوراءَ وصامُوراءَ وعامُوراءَ، وهي أربع مدائن، في كل مدينةٍ مائة ألف مقاتلٍ، وقيل: أربعمائة ألف مقاتلٍ سِوَى الذَّرارِيِّ، أهلكهم اللَّهُ بالخَسْفِ والحَصْبِ.
стр. 780
قوله: ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)﴾ يعني لوطًا وابنتيه رثيا وزغرتا (١)، ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ يعني امرأة لوطٍ في الباقين في العذاب، تقول: غَبَرْتُ في العذاب: إذا بَقِيتَ فيه، ونصب ﴿أَجْمَعِينَ﴾ على الحال، و ﴿عَجُوزًا﴾ على الاستثناء.
قوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾ يعني: أهلكناهم بالخَسْفِ والحَصْبِ، ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾؛ أي: على آثارهم ومنازلهم بين مكة والشام، وهو نصبٌ على الحال أي: وقت الصباح ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ يعني: تَمُرُّونَ عليهم أيضًا إذا سافرتم ليلًا ونهارًا، غَدْوةً وعَشِيّةً، فعطف الظرف على الحال، وتقديره: مُصْبِحِينَ ومُلِيلِينَ (٢).
وتَمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾، ثم قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ (٣) يريد: ما صُنِعَ بهم، فتعتبرون بهم.
стр. 781
قوله تعالى في قصة يونس بن مَتَّى ﵇: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾؛ أي: مذنب، قد أتَى بما يُلامُ عليه، قال أمية بن أبِي الصلت:
١٧٩ - مِنَ الآفاتِ لَيْسَ لَها بِأهْلٍ... وَلَكِنَّ المُسِيءَ هُوَ المُلِيمُ (١)
وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ يعني: المصلين، وكان ﵇ قبل أن يَلْتَقِمَهُ الحُوتُ كَثِيرَ الصَّلاةِ والذِّكْرِ، ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾؛ أي: لَصارَ له بَطْنُ الحوت قَبْرًا إلى يوم القيامة، ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾؛ أي: عَلِيلٌ كالفرخ المَمْعُوطِ (٢)؛ أي: طرحناه على وجه الأرض، وأصل العَراءِ الأرْضُ الخالية عن الشجر والنبات، ومنه قيل للرجل المتجرد عن الثياب: عريان، قال الشاعر:
١٨٠ - تَرَكَ الْهامُ بَيْضَها بِالعَراءِ... صارَ لِلْحِينِ حاضَنَ العَنْقاءِ (٣)
стр. 782
وقيل (١): العَراء: الصحراء والساحل، أو هي بلدة فِي اليمن لا شجر فيها (٢)، قال الشاعر:
١٨١ - فنبذْتُ بِالْبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي (٣)
والعراء: التي لا يُوارِيكَ فيها شَيْءٌ، والعَراءُ على وجهين: مقصورٍ وممدودٍ، فالمقصور: الناحية، والممدود: المكان الخالي، سُمِّيَ العَراءَ لأنه لا شَجَرَ فيه، ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ (٤).
قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ يعني القَرْعَ، وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: له، وقيل: عنده، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ (٥)؛ أي: عندي.
стр. 783
واليَقْطِينُ: جمع يَقْطِينةٍ، وكل شجرة ليس لها ساقٌ، يَفْتَرِشُ وَرَقُها على الأرض نحو الدُّبّاءِ (١) والبِطِّيخِ والقِثّاءِ والحَنْظَلِ، فهو يَقْطِينة، فَإنْ كان لها ساقٌ يُقِلُّها فهي شجرةٌ فقط، وإن كانت قائمةً، أي: بغير وَرَقٍ مُفْتَرِشٍ، فهي نَجْمةٌ، وجمعها: نَجْمٌ (٢)، وكذلك كل نَبْتٍ يمتد، وينبسط على وجه الأرض، وليس له ساق، فهو يَقْطِين، قال النَّقّاشُ (٣): وَرَقُ القَرْعِ إذا رُشَّ ماؤُهُ على حائطٍ لَمْ تَقْرَبْهُ ذُبابةٌ.
فصْلٌ
عن الحسن بن علي ﵄ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُوا اليَقْطِينَ، فلو عَلِمَ اللَّهُ شَجَرةً أخَفَّ منها لأنْبَتَها على أخِي يُونُسَ، وَإذا اتَّخَذَ أحَدُكُمْ مَرَقًا، فَلْيُكْثِرْ فيه من الدُّبّاءِ، فإنه يزيد فِي الدِّماغِ وفِي العَقْلِ" (٤).
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو كقوله: "عُذْرًا أوْ نُذْرًا" (٥)، قال الشاعر:
стр. 784
١٨٢ - فَلَمّا اشْتَدَّ أمْرُ الحَرْبِ فِينا... تَأمَّلْنا رِياحًا أوْ رِزاما (١)
أي: وَرِزاما، وقال الفراء (٢): ﴿أَوْ﴾ هاهنا بمعنى "بَلْ"، أي: بل يزيدون، وأنشد:
١٨٣ - بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحا... وَصُورَتِها أوْ أنْتِ فِي العَيْنِ أمْلَحُ (٣)
أي: بل أنت في العين أملح، وقال الزَّجّاجُ (٤): ﴿أَوْ﴾ هاهنا على أصله، ومعناه: أو يزيدون في تقديركم، إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون.
فالشَّكُّ إنما دخل على حكاية قول المخلوقين (٥)، واختلفوا في مبلغ
стр. 785
الزيادة على مائة ألفٍ، فقيل: عشرون ألفًا، وقيل: بضعٌ وثلاثون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أي: فاسأل يا محمد أهل مكة سُؤالَ تَوْبِيخٍ وإنكارٍ ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ عطفٌ على ما قبله، ونصبَ ﴿إِنَاثًا﴾ على الحال.
قوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ استفهامٌ فيه معنى التوبيخ، قرأه العامة بقطع الألف، لأنه ألِف استفهامٍ مفتوحةٌ مقطوعةٌ دخلت على ألف الوصل، فبقيت ألِفُ الاستفهام على حالها مثل: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ (١) و ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ (٢) و ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ (٣) ونحوِها، وقرأ أبو جعفرٍ ونافعٌ فِي بعض الروايات عنه: "لَكاذِبُونَ اصْطَفَى" (٤) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: ليقولون وَلَدَ اللَّهُ وإنهم لكاذبون اصْطَفَى البنات على
стр. 786
البنين، قال الفراء (١): أراد الاستفهام فحذف حرف الاستفهام كقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾.
ثم وَبَّخَهُمْ فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ للَّهِ بالبنات ولأنفسكم بالبنين ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ أفلا تتعظون فتنتهون عن هذا القول؟ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾؛ أي: حجة بَيِّنةٌ على ما تقولون ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي لكم فيه الحجة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ في قولكم.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قيل (٢): الجِنّةُ: الملائكةُ، سُمُّوا جِنًّا لاستتارهم عن الأبصار، وقيل (٣): هم خازنو الجِنانِ، وقال كفار مكة -لعنهم اللَّه-: إن اللَّه صاهَرَ الجِنَّ، فولدت الملائكةَ -تعالى اللَّه وتَقَدَّسَ عن ذلك عُلُوُّا كبيرًا-، والجِنّةُ: جمع جِنٍّ كحَبّةٍ وحَبٍّ، ويقال: به جِنّة، أي: خَبْطُ جِنّةٍ.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾؛ أي: عَلِمُوا أنّ هؤلاء الكفارَ الذين قالوا هذا القول يُحْضَرُونَ النّارَ، ويُعَذَّبُونَ على ما قالوا، ثم نَزَّهَ نَفْسَهُ عما قاله بنو مُدْلِجٍ من الكذب، وهم حَيّ من خُزاعةَ، قالوا: الملائكة بنات اللَّه، تَعالَى اللَّهُ عَنْ ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ يعني الموحدين، فإنهم لا يُحْضَرُونَ النارَ، ونصب ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ على الاستثناء (٤)، و ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ من نعتهم.
стр. 787
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١)﴾ يعني الأصنام أي: فإنكم وآلِهَتَكُم التي تعبدون من دون اللَّه ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: مع ذلك ﴿بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾؛ أي: بِمُضِلِّينَ، يقال: فَتَنْتُ الرَّجُلَ وأفْتَنْتُهُ: إذا أضْلَلْتَهُ (١)، ويقال: فَتَنْتُهُ على الشيء وبالشيء (٢)، كما يقال: أضَلَّهُ على الشيء، وأضله به، قال مقاتل: يقول: ما أنتم بمضلين أحدًا بآلهتكم إلا من قَدَّرَ اللَّهُ له أن يَصْلَى الجحيمَ، وهو قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ يعني: أن قضاءه سَبَقَ فِي قومٍ بالشقاوة وأنهم يَصْلَوْنَ النارَ، فهم الذين يَضِلُّونَ في الدنيا، ويعبدون الأصنام.
وموضع "صالِي" رفعٌ على خبر الابتداء، والأصل في صالٍ: صالِيٌ، فاستثقلوا الضمة في الياء، فحذفوها، فبقيت الياء ساكنة، والتنوين ساكنٌ، فأسقطوا الياء لاجتماع الساكنين، وأبقوا الكسرة في اللام على أصلها، والعلة في هذا أنهم بنوا الخَطَّ على الوقف، فكان حمزة والكسائي يقفان على "صالِ" بغير ياءٍ اتِّباعًا للكِتابِ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ وهذا من قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ ، وفيه إضمارٌ، المعنى: وما منا معشرَ الملائكة مَلَكٌ إلا له
стр. 788
مقامٌ معلومٌ (١) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ قال قتادة: هم الملائكة صَفُّوا أقدامَهُمْ، وقال الكلبي: صفوف الملائكة فِي السماء كصفوف أهل الدنيا فِي الأرض ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾؛ أي: المُصَلُّونَ المُنَزِّهُونَ اللَّهَ تعالى عن السوء.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾ يعني أهل مكة، أي: وقد كانوا ليقولون، واللام لام توكيدٍ، لَمّا خففت "إنّ" دخلت على الفعل ولزمتها اللام فرقًا بين النفي وا لإيجاب، والكوفيون يقولون: "إنْ" بمعنى "ما"، واللام بمعنى "إلَّا"؛ أي: وما كانوا إلا يقولون (٢) ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾ يعني: كتابًا مثل كتبهم.
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ يعني: فِي التوحيد، نظيره قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ (٣) ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ يعني: بالقرآن، وقيل: بِمُحَمَّدٍ ﷺ أنه مبعوث، وفيه أختصار، تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ وعيدٌ لَهُمْ وَتَهْدِيدٌ، فَقُتِلُوا يوم بدرٍ.
стр. 789
قوله : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾؛ أي: الغلبة والقوة ﴿عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾؛ أي: عما يقولون من الكذب والبهتان أن البنات للَّه -جل وعز عن مقالة الجاحدين-.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ يعني العظَمة والكبرياء والقدرة والغلبة والقوة، وكل هذا غير مخلوقٍ، وإنما قال ذلك لأنه منسوب إليه، إذْ كان كلامه منه وَعِزَّتُهُ له، ومن قال: إنه مخلوقٌ فقد كفر، لأن أسماءه نُعُوتُهُ وصِفاتُهُ تعالى، وهو مخفوضٌ على البدل، قال الزجّاج (١): ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى: هو رَبُّ العِزّةِ.
قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ لأنهم بَلَّغُوا عن اللَّه تعالى ما أُرْسِلُوا به من التوحيد والشرائع، والسلامُ والأمانُ نعمةٌ من اللَّه تعالى، ولو كان فِي غير القرآن لجاز النصب على المصدر (٢).
قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ يعنِي: سيد الخلق أجمعين.
فصْلٌ
عن عَلِيِّ بن أبِي طالبِ ﵁ قال: من أحَبَّ أن يَكْتالَ بالمكيال الأوْفَى من الأجر يوم القيَامة فليكن آخر كلامه فِي مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ (٣).
стр. 790
سورة ص
مكية
وهي ثلاثة آلافٍ وتسعةٌ وستون حرفًا، وسبعمائةٍ واثنتان وثلاثون كلمةً، وثمانٍ وثمانون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ ﴿ص﴾ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِوَزْنِ كُلِّ جَبَلِ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِداوُدَ عَشْرَ حَسَناتٍ، وحَفِظَهُ مِنَ الصَّغِيرةِ والكَبِيرةِ، وعَصَمَهُ أَنْ يُصرَّ عَلَى ذَنْبٍ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة ﴿ص﴾ ضَحِكَ مالكٌ خازنُ النارِ، وقال: لا سبيل لي عليك، أمِنْتَ فأبْشِرْ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿ص﴾ قرأه العامة بجزم الدال، وقرأ الحسن وابن
стр. 791
أبِي إسحاق: "صادِ" بخفض الدال لالتقاء الساكنين (١)، وقرأ عيسى بن عمر: "صادَ" (٢) بفتح الدال، ومثله: "ق" (٣) و"ن" (٤) لاجتماع الساكنين، وحَرَّكَها بأخفِّ الحركات، وقيل (٥): على الإغراء.
قال الفراء (٦): فمن قرأ: "صادِ" بخفض الدال جَعَلَهُ أمْرًا من: صادَيْتُ أُصادِي، فيكون على وزن: قاضِ يا رَجُلُ من: قاضَيْتُ، ورامِ من رامَيْتُ، كما قال الشاعر:
١٨٤ - وَأُخْرَى أُصادِي النَّفْسَ عَنْها، وَإنّها... لفرْصةُ حَزْمٍ -إنْ ظَفِرْتُ- وَمَصْدَرُ (٧)
стр. 792
وقال آخر:
١٨٥ - أبِيتُ عَلَى بابِ القَوافِي كَأنّما... أُصادِي بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا (١)
قال ابن الأنباري (٢): فعلى هذا المذهب تُكْتَبُ "صادِ" على لفظها؛ لأنها قد خرجت من حَدِّ الهجاء.
وموضعه جزم لأنه أمْرٌ من المُصاداةِ، تقديره: صادِ؛ أي: عارِضْ عَمَلَكَ بالقرآن، ومن قرأ بإسكان الدال كان موضعه نصبًا بإضمار: اذكر أو اقرأ، ويجوز أن يكون نصبًا بحذف حرف القسم منه، ويجوز أن يكون خفضًا بإضمار حرف القسم فيه (٣).
واختلفوا في معناه، فقيل: معناه: صَدَقَ اللَّهُ، وقيل: صَدَقَ محمدٌ ﷺ ، وقيل: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ به، وهو اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، وقيل: هو مفتاح اسم اللَّه تعالى بمعنى: صَمَد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد، وقيل:
стр. 793
هو بحرٌ في السماء، وقيل: هو اسم السورة إشارة إلى صدود الكفار عن القرآن (١).
قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾؛ أي: ذي البيان، دليله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٢)، أي: شَرَفٌ، وقيل: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ يعني: ذكر اللَّه .
واختلفوا في جواب القسم، فقيل (٣): جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كما قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا﴾ (٤)، وقال الأخفش (٥): جوابه: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ (٦)، كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٧)، وقولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٨)، ثم قال: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (٩).
стр. 794
وقيل (١): جوابه قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (٢)، وقيل (٣): جوابه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾ (٤)، وهو قول الكسائي (٥).
وقيل (٦): فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: بل الذين كفروا في عِزِّة وشقاق والقرآنِ ذِي الذكر، وقال الفراء (٧): ﴿ص﴾ معناها: وَجَبَ وحَقَّ، جوابٌ لقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾، كما تقول: نَزَلَ واللَّهِ.
وقال القتيبي (٨): ﴿بَلِ﴾ إنما تجيء لتَدارُكِ كلامٍ ونَفْيِ آخرَ. مجاز الآية: أن اللَّه أقسم بـ "صاد والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا" ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ حَمِيّةٍ وتَكَبُّرٍ، ﴿وَشِقَاقٍ (٢)﴾؛ أي: خلافٍ وفراقٍ وعداوةٍ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، ومحل "لاتَ" نصبٌ على التَّنْزِيهِ والنفي (٩)، و"مَناصٍ" خفضٌ بالإضافة.
стр. 795
قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ محل ﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا﴾ يعني: بالإيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾، وليس بوقتِ فِرارٍ ولا وَزَرٍ ولا مَنْجاةٍ ولا فَوْتٍ، يقال: ناصَهُ الشَّيْءُ: إذا فاتَهُ، والنَّوْصُ بالنون: التَّأخُّرُ، والبَوْصُ بالباء: التَّقَدُّمُ، قاله الفراء (١)، وقد جمعهما امرؤ القيس في بيت، فقال:
١٨٦ - أمِنْ ذِكْرِ لَيْلَى إذْ نَأتْكَ تَنُوصُ؟ ... فَتَقْصُرُ عَنْها خُطْوةً فَتَبُوصُ (٢)
و ﴿وَلَاتَ﴾ مهو بمعنى "لَيْسَ" بلغة أهل اليمن (٣)، والمَناصُ مصدر: ناصَ يَنُوصُ، يقال: ناصَ يَنُوصُ نَوْصًا ومَناصًا، وهو المنجاة (٤)، و ﴿مَنَاصٍ﴾ مَفْعَلٌ من: ناصَ مثل مَقامٍ.
وتكلم النحويون في "لاتَ"، فقالوا: هي "لا" زيدت فيها التاء، كما قالوا: ثُمَّ وثُمَّتْ ورُبَّ ورُبَّتْ (٥)، وأصلها هاء وُصِلَتْ بـ "لا"، فقالوا: لاهَ لغير
стр. 796
معنًى حادثٍ، كما زادوها في: ثُمَّهَ، فلما أوْصَلُوها جعلوها تاءً (١).
والوقف عليها بالتاء عند الزجّاج وأبِي عَلِيٍّ الفارسيِّ (٢)، وعند الكسائي الوقف عليها بالهاء (٣) نحو قاعدة وضاربة، وعند أبِي عُبيدٍ الوقف على "لا"، ثم تبتدئ: "تَحِينَ مَناصٍ" (٤)؛ لأن عنده أن هذه التاء تُزادُ مع "حين"، يقال: كان هذا تَحِينَ كان ذاك (٥)، قال الفراء (٦): والاختيار أن ينصب بـ "لاتَ"؛ لأنها في
стр. 797
معنى "لَيْسَ"، قال: وأنشدنِي المفضل:
١٨٧ - تَذَكَّرَ حُبُّ لَيْلَى لاتَ حِينا... وَأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا (١)
وقال أبو زبيد الطائي (٢):
١٨٨ - طَلَبُوا صُلْحَنا وَلاتَ أوانٍ... فَأجَبْنا أنْ لَيْسَ حِينَ بَقاءِ (٣)
стр. 798
قال ابن عبّاسٍ (١): كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا فِي الحرب، قال بعضهم لبعضٍ: مناصَ، أي: اهْرُبُوا وخُذُوا حِذْرَكُمْ، فلما نزل بهم العذاب يوم بدر قالوا: مَناصَ مَناصَ، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، وذلك حين قال لهم النبي ﷺ : "قولوا: لا إله إلا اللَّه"، فنفروا من ذلك، وقالوا: أجَعَلَ مُحَمَّدٌ الآلِهةَ إلهًا واحدًا؟ كيف يَسَعُ الخَلْقَ إلَهٌ واحدٌ؟ " (٢)، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾؛ أي: عجيبٌ، قال أهل اللغة (٣): العُجابُ والعَجِيبُ واحدٌ، وهو مما جاء على فَعِيلٍ وفُعالٍ، يقال: رَجُلٌ كَرِيمٌ وكُرامٌ، وكَبيرٌ وكُبارٌ، وطَوِيلٌ وطُوالٌ، وعَرِيضٌ عُراضٌ، وسِكِّينٌ حَدِيدٌ وحُدادٌ، وطَيِبٌ وطُيابٌ، وقَرِيبٌ وقُرابٌ، وذَفِيفٌ وذُفافٌ (٤)، وخَفِيفٌ وخُفافٌ، وأنشد الفراء في كُبارٍ (٥):
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمي وعيسى بن عمر: "عُجّابٌ" (١) بالتشديد، وهو المفرط في العجب، كما قالوا: رَجُلٌ حُسّانٌ وامرأةٌ حُسّانةٌ، وأنشد الفراء (٢):
١٩٢ - وَآثَرْتُ إدْلاجِي عَلَى لَيْلِ حُرّةٍ... هَضِيمِ الحَشا، حُسّانةِ المُتَجَرَّدِ (٣)
وأنشد أبو حاتم:
١٩٣ - جاءُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَبْ
أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ، طُوّالِ الذَّنَبْ (٤)
стр. 801
قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ يعني: مِنْ أشْرافِ قُرَيْشٍ ﴿أَنِ امْشُوا﴾ يعنِي: إلى أبِي طالب، فاشْكُوا ابنَ أخِيهِ إليه، ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾؛ أي: اثْبُتُوا على عبادة الأصنام ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾؛ أي: لأَمْرٌ يُرادُ بنا.
وقوله: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ يقال في الأمر من المشي: امْشُوا، ومن الجَرْيِ: اجْرُوا، وإنما كُسِرَت الألِفُ والثالثُ مضمومٌ؛ لأن الضمة عارضة على الشِّينِ، وأصله: امْشِيُوا بكسر الشين، وإنما حُذِفَتْ ضمةُ الياء للاستثقال، فبقيت الياء ساكنةً، والتقى الياء والواو، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضُمَّ ما قبل الواو لتصح الواو، فهي عارضة، وليست بأصل في العَيْنِ، ومن هاهنا لَمْ يختلفوا في كسر النون من قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا﴾؛ كما اختلفوا في: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) بكسر النون وضمها؛ لكونها عارضة في ﴿أَنِ امْشُوا﴾، وغير عارضة في ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ وما أشبهه.
والمَشْيُ في الآية يمكن أن يُرادَ به الكثرةُ، مأخوذ من المَشاءِ وهو كثرة الماشية (٢)، وقد فَسَّرَ بعضُهُمْ ﴿أَنِ امْشُوا﴾ هو بذلك، فَكَأنّهُ دُعاءٌ لَهُمْ بِالنَّماءِ وَكَثْرةِ الماشِيةِ.
قوله تعالى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾؛ أي: مغلوبٌ ممنوعٌ من الصعود إلى السماء، وقيل: معناه: مقهورٌ، وأنت عليهم -يا محمدُ-
стр. 802
مُظَفَّرٌ منصور، و ﴿جُنْدٌ﴾ خبرُ ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هم جندٌ، و ﴿مَا﴾ صلةٌ زائدةٌ أي: هنالك، وهو إشارة إلى بَدْرٍ ومصارعهم بها، نصبٌ على الظرف، و ﴿مَهْزُومٌ﴾ نعتٌ ﴿جُنْدٌ﴾ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾؛ أي: ما كُلٌّ منهم ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾؛ أي: فوجب عليهم عقابِي بتكذيبهم رسلي، ومحل ﴿عِقَابِ﴾ رفعٌ لأنه فاعلٌ، وإنما كسرت الباء لتدل على سقوط الياء.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني كفار مكة ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني: نفخة القيامة ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾؛ أي: رجوعٍ، وقيل: سكونٍ، وفيه لغتان: بضم الفاء، وهي لغة تميم وقراءةُ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلَفٍ، وبالفتح، وهي لغة قريشٍ وقراءةُ سائِرِ القُرّاءِ (٢) واختيارُ أبِي عُبَيْدٍ بالفتح، بمعنى الراحة والإفاقة، ذهبوا إلى إفاقة المريض من عِلَّتِهِ.
والفُواقُ بالضم: ما بين الحَلْبَتَيْنِ (٣)؛ أي: ما لها انتظار، وهو مشتقٌّ من الرجوع أيضًا، لأنه يعود اللبنُ إلى الضَّرْعِ بين الحَلْبَتَيْنِ، وهو أن تُحْلَبَ الناقةُ ثم تُتْرَكُ ساعةً إلى أن يجتمع اللبنُ (٤)، فما بين الحَلْبَتَيْنِ فُواقٌ، فاستُعِيرَ في
стр. 803
موضع الانتظار مُدّةً يَسِيرةً، قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ رابَطَ فُواقَ ناقَتِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النّارِ" (١)، فأما الفُؤاقُ بالضم والهمز فهو الوَجَعُ لا غَيْرُ (٢)، ومعنى الآية: ليس بَعْدَ الصيحة إفاقة ولا رجوعٌ إلى الدنيا.
قوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ يعنون: حَظَّنا ونَصِيبَنا من الجنة التي تقول يا محمد، يقولون ذلك استهزاءً، وقيل: معناه: عَجِّلْ لنا كُتُبَنا إلى النار، والقِطُّ في كلام العرب: الحظ والنصيب (٣)، وقيل (٤): القِطُّ: الكتاب بالجوائز، وجمعه: قُطُوطٌ، قال ثعلب عن ابن الأعرابِي (٥): القِطُّ: الصحيفة، والقِطُّ: الكتاب. وأصله من الكتابة.
ثم قال اللَّه تعالى لِنَبِيِّهِ محمدٍ ﷺ : ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ يعني: ذا القوة والعبادة ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ مُطِيعٌ رَجّاعٌ إلى اللَّه بالتوبة، وقيل (٦): الأوّابُ هو المُسَبِّحُ بلغة الحَبَشِ ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ بتسبيحه ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾؛ أي: بالعشي وحين تزول الشمس، قال ابن عبّاسٍ (٧): وكان داود ﵇ يفهم تسبيح الحجر والشجر.
стр. 804
قوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾؛ أي: وسَخَّرْنا له الطَّيْرَ مجموعةً ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ أي: مطيعٌ ومُسَبِّحٌ، وهو ابتداءٌ وخبرٌ، ونصب ﴿مَحْشُورَةً﴾ على الحال، قال الفراء (١): ولو قُرِئَ: "والطَّيْرُ مَحْشُورةٌ" بالرفع لَجازَ؛ لأنه لَمْ يظهر الفعل.
قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾؛ أي: قَوَّيْناهُ، وقرأ الحسن: "وَشَدَّدْنا مُلْكَهُ" بالتشديد (٢)، قال ابن عبّاسٍ (٣): كان داودُ ﵇ أشَدَّ ملوك الأرض سلطانًا، وكان يحرس محرابه ثلاثةٌ وثلاثون ألف رَجلٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، ويقال: كان داود ﵇ إذا جلس للحكم كان عن يمينه ألف رجلٍ من الأنبياء، وعن يساره ألف رجلٍ من الأخيار.
قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ فالحكلمة هي النبوة والإصابة في الأمور، وأما فصل الخطاب فاختلفوا فيه، فقال ابن عبّاسٍ (٤): هو بيان الكلام. وقيل (٥): هو عِلْمُ الكلامِ، وقال عَلِي بن أبِي طالب ﵇ (٦): هو البَيِّنةُ على المُدَّعِي واليَمِينُ على مَنْ أنْكَرَ.
стр. 805
وقال الشَّعْبِيُّ (١): "سمعت زِيادًا يقول: فصل الخطاب الذي أُعْطِيَ داودُ ﵇: "أمّا بَعْدُ"، قيل: وهو أول من قالها.
وإنما قيل لها: فصل الخطاب لأن الكلام يُسْتَفْتَحُ بحمد اللَّه، ثم يقال: أما بَعْدُ، فالأمر كذا وكذا، فقد فَصَلَتْ بين ذِكْرِ اللَّهِ وبين الأمر الذي قَصَدْتَ، هكذا في الكتب يقال: مِنْ فلانٍ إلى فلانٍ، سلامٌ عليك، أمّا بَعْدُ، فكذا وكذا، ومنه قول القائل: فلانٌ ليس له أصْلٌ ولا فَصْلٌ، فالأصل: النسب المعروف، والفصل: اللسان الذي يفصل بين الحق والباطل.
قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ يا محمد ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ يقال: تَسَوَّرْتُ الحائطَ والسُّورَ: إذا عَلَوْتَهُ، وإنما قال: ﴿تَسَوَّرُوا﴾، والخَصْمُ هاهنا اثنان، لأنه على مذهب من يجعل الاثنين جماعةً، فجمع الفعل لأن الاسم يصلح للواحدِ والاثنينِ والجمعِ والمذكرِ والمؤنثِ، لأن معنى الجمع ضَمُّ الشيءِ إلى الشيء، فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢)، وقيل (٣): الخَصْمُ مَصْدَرٌ، أي: ذَوُو الخَصْمِ، فلا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، قال الشاعر:
стр. 806
١٩٤ - وَخَصْمٍ غِضابٍ يَنْفِضُونَ لحاهُمُ... كَنَفْضِ البَراذِينِ الغِراثِ المَخالِيا (١)
وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: فخاف منهما حين دخلا عليه محرابه بغير إذنه، وقد يجاء بـ "إذْ" مرتين، ويكون معناهما كالواحد (٢)، كقولك: ضَرَبْتُكَ إذْ دَخَلْتَ عَلَيَّ إذِ اجْتَرَأْتَ، فالدخول هو الاجتراء، ويجوز أن تجعل أحدهما على مذهب "لَمّا" (٣).
قوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: نحن خصمانِ بَغَى بَعْضُنا على بعضٍ، وأنشد الفراء (٤):
١٩٥ - تَقُولُ ابْنةُ الكَعْبِيِّ يَوْمَ لَقِيتُها... أمُنْطَلِقٌ فِي الجَيْشِ أوْ مُتَثاقِلُ (٥)
стр. 807
أراد: أأنْتَ مُنْطَلِقٌ؟ ويجوز: خَصْمَيْنِ، على معنى: جِئْناكَ خَصْمَيْنِ (١) ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾؛ أي: لا تَجُز، وقيل: لا تُسْرِفْ، وقرأ أبو رجاء العطاردي: "تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى (٢)، ومعناه: ولا تبعد عن الحق، والشَّطَطُ والإشْطاطُ: مُجاوَزةُ الحَدِّ، وأصل الكلمة من قولهم: شَطَّت الدارُ وأشَطتْ: إذا بَعُدَتْ (٣) ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ يعني: وَسَطَ الطريق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ على التمثيل لا على التحقيق؛ لكونهما مَلَكَيْنِ على طريقٍ واحدةٍ وجنسٍ واحدٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤)، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ يريد امرأةً ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فالنعجة: البقرة الوحشية، وهذا من أحسن التعريض حيث كَنَى بالنِّعاجِ عن النساء، والعرب تفعل ذلك كثيرًا فِي أشعارهم (٥).
стр. 808
وقوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ أي: أعْطِنِيها، وقيل: ضُمَّها إلَيَّ حتى أكْفُلَها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾؛ أي: غَلَبَنِي، مأخوذٌ من المُعازّةِ، وهي المُغالَبةِ، ﴿قَالَ﴾ داود ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ يعني الشركاء ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصبٍ على الاستثناء، و ﴿مَا هُمْ﴾ مؤكِّدةٌ، كأنه قال: ما أقَلَّهُمْ، تقول: قَلِيلٌ ما، أي: قَلِيلٌ وأيُّ قَلِيلٍ (١).
قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾؛ أي: ابْتَلَيْناهُ بالخطيئة، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ يعني: سأل داوُدُ ﵇ رَبَّهُ غُفْرانَ خطيئته التي أخطأها، وقصته مشهورةٌ، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ يعني ساجدًا، وعَبَّرَ بالركوع عن السجود لأن كليهما بمعنى الانحناء (٢)، ﴿وَأَنَابَ (٢٤)﴾ راجع [إلى] ما يُحِبُّ اللَّهُ تعالى من التوبة والاستغفار، ونصب ﴿رَاكِعًا﴾ على الحال.
قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ يعني الذَّنْب، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا﴾ يعني في الآخرة ﴿لَزُلْفَى﴾ لَقُرْبةً ومَكانةً ومَنْزِلةً حَسَنةً ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ يعني الجنة التي هي مآب الأولياء والأنبياء، ومَحَلُّ "زُلْفَى" نصبٌ؛ لأنه اسم "إنّ"، وخبرها قوله: ﴿لَهُ عِنْدَنَا﴾.
стр. 809
قَصَصٌ
رُوِيَ أن داود ﵇ لَمّا أصاب الخطيئة فَزِعَ إلى العُبّادِ، فأتى راهبًا في قُلّةِ (١) جَبَلٍ، فناداه بصوتٍ عالٍ، فلم يُجِبْهُ، فلما أكْثَرَ عليه الصوتَ قال: مَنْ هذا الذي يُنادِي؟ قال: أنا داود نَبِي اللَّه، قال: صاحب القصور الحسنة والخيل المُسَوَّمةِ والنساء والشهوات؟ لئن نِلْتَ الجَنّةَ بهذا لأنْتَ أنْتَ، فقال داود: فمن أنت؟ قال: أنا راهبٌ راغبٌ مُرَغِّبٌ، قال: فمن أنِيسُكَ؟ ومن جليسك؟ قال: اصْعَدْ تَراهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ ذلك، قال: فَتَخَلَّلَ داودُ الجبالَ حتى صار إلى القُلّةِ، فإذا هو بمَلِكٍ مُسَجًّى، فقال: هذا جَلِيسُكَ وَأنِيسُكَ؟ قال: نعم، قال: مَنْ هُوَ؟ قال: مَلِكٌ قِصَّتُهُ مَكْتُوبةٌ فِي لَوْحِ نحاسٍ عند رأسه، قال: فَقَرَأ الكتابَ، فإذا فيه مكتوبٌ: أنا فلانُ ابنُ فلانٍ مَلِكُ الأمْلاكِ، عِشْتُ ألْفَ عامٍ، وبَنَيْتُ ألْفَ مَدِينةٍ، وهَزَمْتُ ألْفَ عَسْكَرٍ، وأحْصَنْتُ ألْفَ امْرَأةٍ، وافْتَضَضْتُ ألْفَ عَذْراءَ، فبينما أنا فِي مُلْكِي أتانِي مَلَكُ الموت، فأخرجني مما أنا فيه، فهذا الترابُ فِراشِي، والدُّودُ جِيرانِي، قال: فَخَرَّ داوُدُ ﵇ مَغْشِيًّا عليه" (٢).
وعن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كان الناس يَعُودُونَ داوُدَ ﵇، يَظُنُّونَ أنّ به مَرَضًا، وما به مَرَضٌ إلا الخوفُ والحَياءُ من اللَّه" (٣)، ورُوِيَ عن داود ﵇ أنه ما رَفَعَ رَأْسَهُ بعد الخطيئةِ إلَى السماء حَياءً (٤).
стр. 810
قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾؛ أي: ما خلقناهما إلا للثواب والعقاب، ونصب ﴿بَاطِلًا﴾ على الحال، ويحتمل أن يكون نَعْتَ مَصدَرٍ محذوفٍ، تقديره: خَلْقًا باطِلًا (١)، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكة هُم الذين ظنوا أنهما خُلِقا بغيرِ شَيءٍ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ جمع صافِنٍ، وهي الخيل القائمة على ثَلاثِ قَوائِمَ، وقد أقامت الأخرى على طَرَفِ الحافر من يَدٍ أو رِجْلٍ (٢)، قال عمرو ابن كلثوم:
١٩٦ - تَرَكنا الخَيْلَ عاكِفةً عَلَيْهِ... مُقَلَّدةً أعِنَّتَها صُفُونا (٣)
وقال آخر: