١٩٤ - وَخَصْمٍ غِضابٍ يَنْفِضُونَ لحاهُمُ... كَنَفْضِ البَراذِينِ الغِراثِ المَخالِيا (١)
وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: فخاف منهما حين دخلا عليه محرابه بغير إذنه، وقد يجاء بـ "إذْ" مرتين، ويكون معناهما كالواحد (٢)، كقولك: ضَرَبْتُكَ إذْ دَخَلْتَ عَلَيَّ إذِ اجْتَرَأْتَ، فالدخول هو الاجتراء، ويجوز أن تجعل أحدهما على مذهب "لَمّا" (٣).
قوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: نحن خصمانِ بَغَى بَعْضُنا على بعضٍ، وأنشد الفراء (٤):
١٩٥ - تَقُولُ ابْنةُ الكَعْبِيِّ يَوْمَ لَقِيتُها... أمُنْطَلِقٌ فِي الجَيْشِ أوْ مُتَثاقِلُ (٥)
стр. 807
أراد: أأنْتَ مُنْطَلِقٌ؟ ويجوز: خَصْمَيْنِ، على معنى: جِئْناكَ خَصْمَيْنِ (١) ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾؛ أي: لا تَجُز، وقيل: لا تُسْرِفْ، وقرأ أبو رجاء العطاردي: "تَشْطُطْ" بفتح التاء وضم الطاء الأولى (٢)، ومعناه: ولا تبعد عن الحق، والشَّطَطُ والإشْطاطُ: مُجاوَزةُ الحَدِّ، وأصل الكلمة من قولهم: شَطَّت الدارُ وأشَطتْ: إذا بَعُدَتْ (٣) ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ يعني: وَسَطَ الطريق.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ على التمثيل لا على التحقيق؛ لكونهما مَلَكَيْنِ على طريقٍ واحدةٍ وجنسٍ واحدٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤)، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ يريد امرأةً ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فالنعجة: البقرة الوحشية، وهذا من أحسن التعريض حيث كَنَى بالنِّعاجِ عن النساء، والعرب تفعل ذلك كثيرًا فِي أشعارهم (٥).
стр. 808
وقوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ أي: أعْطِنِيها، وقيل: ضُمَّها إلَيَّ حتى أكْفُلَها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾؛ أي: غَلَبَنِي، مأخوذٌ من المُعازّةِ، وهي المُغالَبةِ، ﴿قَالَ﴾ داود ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ يعني الشركاء ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصبٍ على الاستثناء، و ﴿مَا هُمْ﴾ مؤكِّدةٌ، كأنه قال: ما أقَلَّهُمْ، تقول: قَلِيلٌ ما، أي: قَلِيلٌ وأيُّ قَلِيلٍ (١).
قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾؛ أي: ابْتَلَيْناهُ بالخطيئة، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ يعني: سأل داوُدُ ﵇ رَبَّهُ غُفْرانَ خطيئته التي أخطأها، وقصته مشهورةٌ، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ يعني ساجدًا، وعَبَّرَ بالركوع عن السجود لأن كليهما بمعنى الانحناء (٢)، ﴿وَأَنَابَ (٢٤)﴾ راجع [إلى] ما يُحِبُّ اللَّهُ تعالى من التوبة والاستغفار، ونصب ﴿رَاكِعًا﴾ على الحال.
قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ يعني الذَّنْب، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا﴾ يعني في الآخرة ﴿لَزُلْفَى﴾ لَقُرْبةً ومَكانةً ومَنْزِلةً حَسَنةً ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ يعني الجنة التي هي مآب الأولياء والأنبياء، ومَحَلُّ "زُلْفَى" نصبٌ؛ لأنه اسم "إنّ"، وخبرها قوله: ﴿لَهُ عِنْدَنَا﴾.
стр. 809
قَصَصٌ
رُوِيَ أن داود ﵇ لَمّا أصاب الخطيئة فَزِعَ إلى العُبّادِ، فأتى راهبًا في قُلّةِ (١) جَبَلٍ، فناداه بصوتٍ عالٍ، فلم يُجِبْهُ، فلما أكْثَرَ عليه الصوتَ قال: مَنْ هذا الذي يُنادِي؟ قال: أنا داود نَبِي اللَّه، قال: صاحب القصور الحسنة والخيل المُسَوَّمةِ والنساء والشهوات؟ لئن نِلْتَ الجَنّةَ بهذا لأنْتَ أنْتَ، فقال داود: فمن أنت؟ قال: أنا راهبٌ راغبٌ مُرَغِّبٌ، قال: فمن أنِيسُكَ؟ ومن جليسك؟ قال: اصْعَدْ تَراهُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ ذلك، قال: فَتَخَلَّلَ داودُ الجبالَ حتى صار إلى القُلّةِ، فإذا هو بمَلِكٍ مُسَجًّى، فقال: هذا جَلِيسُكَ وَأنِيسُكَ؟ قال: نعم، قال: مَنْ هُوَ؟ قال: مَلِكٌ قِصَّتُهُ مَكْتُوبةٌ فِي لَوْحِ نحاسٍ عند رأسه، قال: فَقَرَأ الكتابَ، فإذا فيه مكتوبٌ: أنا فلانُ ابنُ فلانٍ مَلِكُ الأمْلاكِ، عِشْتُ ألْفَ عامٍ، وبَنَيْتُ ألْفَ مَدِينةٍ، وهَزَمْتُ ألْفَ عَسْكَرٍ، وأحْصَنْتُ ألْفَ امْرَأةٍ، وافْتَضَضْتُ ألْفَ عَذْراءَ، فبينما أنا فِي مُلْكِي أتانِي مَلَكُ الموت، فأخرجني مما أنا فيه، فهذا الترابُ فِراشِي، والدُّودُ جِيرانِي، قال: فَخَرَّ داوُدُ ﵇ مَغْشِيًّا عليه" (٢).
وعن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كان الناس يَعُودُونَ داوُدَ ﵇، يَظُنُّونَ أنّ به مَرَضًا، وما به مَرَضٌ إلا الخوفُ والحَياءُ من اللَّه" (٣)، ورُوِيَ عن داود ﵇ أنه ما رَفَعَ رَأْسَهُ بعد الخطيئةِ إلَى السماء حَياءً (٤).
стр. 810
قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾؛ أي: ما خلقناهما إلا للثواب والعقاب، ونصب ﴿بَاطِلًا﴾ على الحال، ويحتمل أن يكون نَعْتَ مَصدَرٍ محذوفٍ، تقديره: خَلْقًا باطِلًا (١)، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكة هُم الذين ظنوا أنهما خُلِقا بغيرِ شَيءٍ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾ جمع صافِنٍ، وهي الخيل القائمة على ثَلاثِ قَوائِمَ، وقد أقامت الأخرى على طَرَفِ الحافر من يَدٍ أو رِجْلٍ (٢)، قال عمرو ابن كلثوم:
١٩٦ - تَرَكنا الخَيْلَ عاكِفةً عَلَيْهِ... مُقَلَّدةً أعِنَّتَها صُفُونا (٣)
وقال آخر:
стр. 811
١٩٧ - ألِفَ الصُّفُونَ، فَما يَزالُ كَأنّهُ... مِمّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاثِ كَسِيرا (١)
يقال: صَفَنَ الفَرَسُ يَصْفِنُ صُفُونًا: إذا قام على ثَلاثٍ وقَلَبَ إحدى حوافره.
وقال القتيبي (٢): الصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها، قال النبي ﷺ : "مَنْ سَرُّهُ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجالُ صُفُونًا -يَعْنِي: وُقُوفًا- فَلْيَتبَوُّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ" (٣).
قال البَيْوَرْدِيُّ (٤): والصّافِناتُ: الخيل التي تقف وتَثْنِي سَنابكَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وهي أحْسَنُ الخيل.
والجِيادُ: الخَيْلُ السِّراعُ، جمع جَوادٍ، وسميت جِيادًا؛ لأنها تجود بالرَّكْضِ (٥)، وقيل (٦): الجِيادُ: الطِّوالُ الأعْناقِ، مأخوذٌ من الجِيدِ.
стр. 812
قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ يعني الخيل، وسُمِّيَت الخَيْلُ الخَيْرَ لِما فيها من المنافع (١)، وجاء في الحديث: "الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَواصِي الخَيْلِ إلَى يَوْمِ القِيامةِ" (٢)، والعرب تعاقب بين اللّام والراء، فتقول: انْهَمَلَتْ العَيْنُ وانْهَمَرَتْ، وخَتَلْتُ الرَّجُلَ وخَتَرْتُهُ: إذا خَدَعْتَهُ، وفي قراءة ابن مسعود: "إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْلِ" (٣)، وقال مقاتلٌ: حب الخير يعني المال، والمعنى: أحْبَبْتُ الخَيْرَ حُبًّا، ثم أضاف المصدر (٤).
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ أي: على ذكر رَبِّي (٥)، يعني صلاة العصر، أو تسبيحًا كان وِرْدًا له ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ يعني الشمس، كِنايةٌ عن غير مذكورٍ، أي: اسْتَتَرَتْ بالليل بما يَحْجُبُها عن الأبصار، فَأضْمَرَها وَلَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، والعرب تفعل ذلك إذا كان فِي الكلام ما يَدُلُّ على المضمر (٦)، كقول لبيدٍ:
стр. 813
١٩٨ - حَتَّى إذا ألْقَتْ يَدًا فِي كافِرٍ... وَأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها (١)
والحجاب: جَبَلٌ دُونَ جَبَلِ قافٍ بمسيرةِ سنةٍ، تغرب الشمسُ من ورائه، ويقال (٢): إن الحجاب: جبل أخضر ممدود من ياقوتٍ محيطٌ بالخلائق، فمنه اخْضَرَّت السماءُ، واخْضَرَّ البحرُ من السماء.
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ قيل: الكناية راجعةٌ إلى الخيل، وقيل (٣): إلى الشمس، رَدَّها اللَّهُ تعالى على سليمان ﵇ حتى صَلَّى العصر فِي وقتها، ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ وهو نصبٌ على [المصدر] (٤)، يقال: طَفِقَ
стр. 814
يَطْفَقُ طَفَقًا وطُفُوقًا (١)، مثل: ظَلَّ وباتَ، ومَسَحَ يَمْسَحُ مَسْحًا، قال الفراء (٢): والمسح هاهنا: القطع.
والسُّوقُ جمع ساقٍ، يقال: سُوقٌ وسِيقانٌ وأسْوُقٌ وسُؤْقٌ أيضًا، وسُؤُوقٌ ممدودٌ مهموزٌ جمع ساقٍ أيضًا، وقرأ قنبل: "بالسُّؤْقِ" مهموزًا (٣)، والأعناق جمع عُنُقٍ، والمعنى: أنه أقْبَلَ يضرب سُوقَها وأعْناقَها (٤)؛ لأنها كانت سَبَبَ فَواتِ صَلاتِهِ، وقيل (٥): معناه: أنه كان يمسح الغبار عنها حُبًّا لها لكرامتها عليه، وجعلها حُبْسًا فِي سبيل اللَّه تعالى.
فصْلٌ
عَنْ عَلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمّا أرادَ اللَّهُ تعالى أنْ يَخْلُقَ الخَيْلَ قال لريحِ الجنوبِ: إنِّي خالِقٌ منكِ خَلْقًا، فأجعله
стр. 815
عِزًّا لأوليائي، ومَذَلّةً على أعدائي، وجَمالًا لأهلِ طاعتِي، فقالت الريح: اخْلُقْ، فقبض منها قَبْضةً، فخَلَقَ فَرَسًا، فقال له: خَلَقْتُكَ عَرَبِيًّا، وجعلتُ الخَيْرَ معقودًا بناصيتِكَ، والغنائمَ مجموعةً على ظَهْرِكَ، وعَظَّمْتُ عليك صاحِبَكَ، وجعلتك طَيْرًا بلا جَناحٍ، فأنتَ لِلطَّلَبِ، وأنتَ لِلْهَرَبِ، وسأجعل على ظَهْرِكَ رِجالًا يُسَبِّحُونَنِي ويُحَمِّدُونَنِي ويُكَبِّرُونَنِي، فتسَبِّحُنِي إذا سَبَّحُوا، وتُهَلِّلُنِي إذا هَلَّلُوا، وتُكَبِّرُني إذا كَبَّرُوا"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "ما مِنْ تَسْبيحةٍ وتَحْمِيدةٍ وتَمْجِيدةٍ وتَكْبِيرةٍ يُكَبِّرُها صاحِبُها فيسمعها إلا يُجِيبُه بِمِثْلِها" (١).
قوله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: ابتليناه واختبرناه بِسَلْبِ مُلْكِهِ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾؛ أي: رجع بعد أربعين يومًا إلى مُلْكِهِ، فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾؛ أي: لا يكون لأحدٍ من بعدي أبدًا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ فاستجبنا له ذلك، فلم يكنْ لأحَدٍ بَعْدَهُ من الملك ما كان له، وذلك قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؛ أي: ساكنة لَيِّنةً رِخْوةً سَهْلةً مُطِيعةً طَيِّبة الهُبُوبِ ﴿حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ يعني: حيث أراد من النواحي، يقال: أصابَ- اللَّهُ بكَ خَيْرًا: أي أراد اللَّه بك خيرًا (٢)، وتقول العرب (٣): أصابَ الصَّوابَ، فَأخْطَأ الجَوابَ، قال الشاعر:
стр. 816
١٩٩ - أصابَ الصَّوابَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ... فَأخْطا الجَوابَ لَدَى المُعْضِلِ (١)
ونصب ﴿رُخَاءً﴾ على الحال (٢).
قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ عطفٌ على ﴿الرِّيحَ﴾؛ أي: وسخرنا له الشياطين ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ يَبْنُونَ له ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وتَماثِيلَ، ﴿وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ يغوصون في البحار، يستخرجون له اللآلِئَ من البحر، وهو أولُ مَن استخرج اللؤلؤَ من البحر، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾؛ أي: وسخرنا له آخرين من مَرَدةِ الشياطين مُقَرَّنِينَ ﴿فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾؛ أي: مشدودين فِي القيود، واحدها صَفَدٌ، ونصب ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ على النعت للشياطين (٣)، و ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطفٌ على "الشَّياطِينَ"، و ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ نعت "آخَرِينَ".
قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ قال الحسن (٤): إن اللَّه لَمْ يُعْطِ أحَدًا عَطِيّةً إلا جعل فيها حسابًا إلا سليمانَ، فإن اللَّه أعطاه
стр. 817
عَطاءً هَنِيئًا، فقال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾؛ أي: أعْطِ مَنْ شِئْتَ، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عَمَّنْ شِئْتَ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال: إنْ أعْطَى أُجِرَ، وإن لَمْ يُعْطِ لَمْ يكن عليه تَبِعةٌ.
وقال مقاتلٌ (١): هو فِي أمر الشياطين، أراد: خَلِّ مَنْ شِئْتَ، وأوْثِقْ مَنْ شِئْتَ منهم، ولا تَبِعةَ عليك فيما تَتَعاطاهُ، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ مرجعٍ ومصيرٍ.
فصْلٌ
عن أبِي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صَلَّى صَلاةً، فقال: "إن الشيطان عَرَضَ لِي نَفْسَهُ عَلَى الصلاة، فأمكنني اللَّه منه، فَذَعَتُّهُ -أي: خَنَقْتُهُ أشَدَّ الخَنْقِ-، ولقد هَمَمْتُ أن أوثِقَهُ إلى ساريةٍ حتى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين، فذكرتُ قَوْلَ سُلَيْمانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٢)، فَرَدَّهُ اللَّه خاسِئًا، أو قال: خائبًا" (٣)، رواه البخاري عن إسحاق بن إبراهيم (٤) عن رَوْحٍ وغُنْدَرٍ، ورواه مسلمٌ عن إسحاق بن منصورٍ (٥) عن النَّضْرِ ابن شُمَيْلٍ، كلهم عن شُعْبةَ.
стр. 818
قوله : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ بدلٌ من ﴿عَبْدَنَا﴾ ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾؛ أي: بتعبٍ ومَشَقّةٍ وبَلاءٍ وضُرٍّ، قال مقاتلٌ: بِنُصْبٍ فِي الجَسَدِ وعَذابٍ فِي المال.
وفيه أربع لغاتٍ: يُرْوَى بضم النون والصاد، وهي قراءة أبي جعفرٍ، وبفتح النون والصاد، وهي قراءةُ يعقوبَ، وبفتح النون وجزم الصاد، وهي قراءة هُبَيْرةَ (١) عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ، وبِضَمِّ النونِ وجَزْمِ الصادِ، وهي قراءة الباقين (٢).
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾؛ أي: حَرِّكْ رِجْلَكَ ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ ابتداءٌ [وخبرٌ] ﴿بَارِدٌ﴾ نعته ﴿وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ عطفٌ على ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى﴾ موعظةً ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ لذوي العقول، ونصب ﴿رَحْمَةً﴾ على
стр. 819
المصدر (١)، وقيل (٢): على المفعول من أجله، ﴿وَذِكْرَى﴾ عطفٌ عليها، نظيرها في سورة الأنبياء (٣).
قوله : ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ﴾ بدلٌ منهم، قرأه العامةُ بالألف على الجمع، وقرأ ابن كثير: "عَبْدَنا" (٤) على الواحد، وهي قراءة ابن عبّاسٍ، رُوِيَ عنه أنه كان يقرأ: "واذْكُرْ عَبْدَنا إبْراهِيمَ"، ويقول: إنما ذُكِرَ إبراهيمُ ثُمَّ وَلَدُهُ بَعْدَهُ (٥) ﴿وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي﴾ ذَوِي القوة والعبادة ﴿وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ يعني البَصائِر فِي العلم والدِّين، قرأ العامة: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ بالياء، وقرأ ابن مسعود: "أُوْلي الأيْدِ والأبْصارِ" (٦) بغير ياءٍ، وهو نصبٌ على النعت للأسماء المتقدمة.
﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾؛ أي: اصطفيناهم من وِزْرِ الكُفْرِ لعبادة خالصة لا يشوبها شيءٌ، والدارُ الآخرةُ وذِكْرُها: أن يذكروها
стр. 820
فيعملوا لها، ولا يغفلوا عنها فَيَنْسَوْها، وقيل: نزع اللَّه ما فِي قلوبهم من حُبِّ الدُّنْيا وذِكْرِها، وأخْلَصَهُمْ بِحُبِّ الآخرةِ وذِكْرِها.
قرأ أهل المدينة: "بِخالِصةِ" مضافًا، وهي رواية هشامٍ عن أهل الشام، وقرأ الباقون بالتنوين على البدل، قاله الثعلبي (١)، و"ذِكْرَى" فِي موضع خفضٍ على البدل من "خالِصةٍ"، ولا يتبين فيها الإعراب؛ لأن فِي آخِرِها ألِفًا مقصورًا.
فمن قرأ: "بِخالِصةٍ" بالتنوين كان المعنى: جعلناهم لنا خالصين، بأن خَلَصَتْ لهم ذِكْرَى الدّارِ، والخالصة مصدر بمعنى الخُلُوصِ، والذكرى بمعنى التذكير؛ أي: خَلَصَ لهم تذكيرُ الدارِ، وهو أنهم يذكرون بالتأهب لها ويَزْهَدُونَ فِي الدنيا، وذلك شأن الأنبياء -صلوات اللَّه عليهم أجمعين-.
ومن قرأ بالإضافة فالمعنى: أخْلَصْناهُمْ بأن خَلَصَتْ لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدرٌ مضافٌ إلى الفاعل، قال ابن عبّاسٍ: أخلصوا بذكر الدار الآخرة وأن يعملوا لها، والذِّكْرَى على هذا بمعنى الذِّكْرِ، قاله الواحدي (٢).
وقال صاحب إنسان العين (٣): "ذِكْرَى": بدل من "خالِصةٍ"؛ أي: بدرجةٍ خالصةٍ، وخالصة مصدرٌ كالطّاغِيةِ والخائِنةِ، يعني: بِإخْلاصٍ، أو "ذِكْرَى":
стр. 821
فاعل أي: بأن خَلَصَتْ لهم ذِكْرَى الدار، أو مفعولٌ؛ أي: بأن يُخْلِصُوا في ذِكْرَى الدار، نحو: عَمْرَكَ اللَّهُ، دليله قراءةُ الإضافة، كقوله: "دُعاءِ الْخَيْرِ" (١) وقراءةُ من قرأ: "بِخالِصَتِهِمْ" (٢). ذِكْرٌ لهؤلاء الأنبياء بالجميل وثَناءٌ عليهم بالصدق.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾؛ أي: من الذين اصطفيناهم من الأدناس، وهو جَمْعُ مُصْطَفًى، زِدْتَ عليه ياءً ساكنةً ونونًا، والألِفُ (٣) من مصطفى ساكنةٌ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وكانت أوْلَى بالحذف لأن قبلها فتحةً، والأخيار جمع خَيِّرٍ على حذف الزائد، كأنك جمعت خَيْرًا، كما تقول: مَيْتٌ وأمْواتٌ، يقال: رَجُلٌ خَيِّرٌ وَخَيْر، كما يقال: هَيِّنٌ بتشديد الياء وهَيْنٌ، ولَيِّنٌ ولَيْنٌ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ وقرأ حمزة والكسائي: "واللَّيْسَعَ" بِلامَيْنِ (٥) ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ سُمِّيَ بذلك لأنه يكَفَّلَ بقيام الليل وصيام النهار، ولا يَغْضَبَ ﴿وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني: هذا الذي ذكرتُ ذِكْرٌ، ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ "حُسْنَ": اسم "إنّ"، والخبر: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾،
стр. 822
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ فالأبواب عند أبِي عَلِيٍّ الفارسيِّ وأصحابِهِ مرفوعٌ على البدل من المضمر في "مُفَتَّحةً" (١)، لأن أبواب الجِنانِ من الجِنانِ، فهي بعضها، وقال الفراء (٢): المعنى: مُفَتَّحةً لهم أبْوابُها، والعرب تجعل الألف واللام (٣) خَلَفًا من الإضافة. وقال الزجّاج (٤): المعنى: مُفَتَّحةً لهم الأبوابُ منها، والألف واللام للتعريف لا للبدل.
ورفعت ﴿الْأَبْوَابُ﴾ لأنها اسمٌ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ (٥)، وأجاز الفراء نصب الأبواب على أن "مُفَتَّحةً" للجنات (٦). و"جَنّاتِ" فِي موضع نصبٍ على البدل من قوله: ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
стр. 823
وقال صاحب إنسان العين (١): في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنات، و ﴿الْأَبْوَابُ﴾ بدل الاشتمال، ولا ترفع ﴿الْأَبْوَابُ﴾ بـ ﴿مُفَتَّحَةً﴾ على جعل الألِف واللام بدل الضمير، على تقدير: أبوابها، إذْ لو جاز ذلك لقالوا: هِنْدٌ حَسَن الوَجْهُ، لا: حَسَنة الوَجْهَ، كما قالوا: حَسَنٌ وَجْهُها (٢)، ويَبْعُدُ أن يكون التقدير: مُفَتَّحةً لهم الأبوابُ منها؛ لأن الصفة موضع التخصيص، فلا يحسن الحذف منها (٣)،
стр. 824
فالأبواب، وهي أبواب المرادات وأصناف السعادات، يصلح بدل الكل، ونصب ﴿مُفَتَّحَةً﴾ على النعت لـ "جَنّاتِ"، وقيل: على الحال.
قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ يعني: فِي الجنان مُسْتَوْطِنِينَ، والاتِّكاءُ: الاعتماد على المرافق، وإنما يكون ذلك في الاستيطان ومفارقةِ الانزعاجِ، وهو نصبٌ على الحال (١)، وقيل (٢): على النعت لـ "جنات".
قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ يعني: فِي الجنان ﴿فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ مُسْتَوِياتٌ على ميلادِ امرأةٍ واحدةٍ، بناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنةً، واحدها: تِرْبٌ.
قوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، يعني المتقين على لسان النبي ﷺ ، قرأ أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ بالياء، وقرأ الباقون بالتاء (٣) على معنى: قُلْ للمتقين: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾؛ أي: ليومِ الجزاءِ، والمعنى: لإنْجازِ يَوْمِ الحسابِ، فاللام للاختصاصِ والعَرْضِ، ولو قال: فِي يوم الحساب لصار ظرفًا للوعد.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ هلاكٍ، ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ يعني: للكفار الذين طَغَوْا على اللَّه وكَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴿لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾ يعني:
стр. 825
شَرَّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثم أخبر بذلك، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها، بدلٌ من "شَرَّ"، ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾ قال ابن عبّاسٍ: بئْسَ المَسْكَنُ، وبِئْسَ المُمَهَّدُ، ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ يعني الطاغين ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾ ما يَغْسِقُ من صديد أهل النار؛ أي: يسيل، وقيل (١): "غَسّاقٌ" بارِدٌ، يُحْرِقُ كَما يُحْرِقُ الحارُّ، والتقدير: هذا حميمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ، كقولك: زيدٌ ظَرِيفٌ وكاتِبٌ فاصْطَحِبُوهُ، وهذا الماء حارٌّ ومُنْتِنٌ فاجْتَنِبُوهُ، وكذلك قال الفراءُ والزَّجّاجُ (٢): تقدير الآية: هذا حميمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ.
قال الثعلبيُّ ﵀ (٣): وإن شِئْتَ جعلتَه مُسْتَأْنَفًا، وجعلت الكلام قبله مكتفيًا، كأنك قلتَ: هذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ قلتَ: منه حَمِيمٌ ومنه غَسّاقٌ، كقول الشاعر:
٢٠٠ - حَتَّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ فِي غَلَسٍ... وَغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ وَمَحْصُودُ (٤)
والحميم: الماء الحارُّ الذي قد انتهى حَرُّهُ، والغَسّاقُ: ماءٌ بارِدٌ يُحْرِقُ كما
стр. 826
يُحْرِقُ الحارُّ (١)، وقيل (٢): هو ما سالَ من جلود أهل النار من القَيْحِ والصَّدِيدِ، وقد تقدم، وهو مأخوذ من قولهم: غَسَقَتْ عَيْنُهُ: إذا انْصَبَّتْ، والغَسَقانُ: الانْصِبابُ (٣)، قال الشاعر:
٢٠١ - إذا ما تَذَكَّرْتُ الحَياةَ وَطِيبَها... إلَيَّ جَرَى دَمْعٌ مِنَ العَيْنِ غاسِقُ (٤)
واختلف القُرّاءُ فيه، فقرأ يَحْيَى بنُ وَثّابٍ وحَمْزةُ والكِسائِي وخَلَفٌ وحَفْصٌ بتشديد السين، وخَفَّفَها الآخرون (٥)، قال الفراء (٦): مَنْ شَدَّدَها جعلها اسمًا من "فَعّالٍ" نحو: الخَبّازِ والطَّبّاخِ، ومَنْ خَفَّفَها جعلها اسما من "فَعالٍ" نحو: العَذابِ، والوجه التخفيف في "غَساقٍ"؛ لأنه اسمٌ موضوعٌ على "فَعالٍ"،
стр. 827
ومَنْ شَدَّدَهُ ذهب به إلى: غَسَقَ يَغْسِقُ، فهو غَسّاقٌ (١)، ومعنى تكرار قوله: "هذا"؛ أي: للمؤمنين هذا، وإن للطاغينَ.
قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾؛ أي: مثله، يعني العذاب ﴿أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾؛ أي: أصنافٌ من العذاب، والهاء من ﴿شَكْلِهِ﴾ تعود إلى الحميم (٢)، وقيل (٣): الكناية من ﴿شَكْلِهِ﴾ راجعة إلى العذاب فِي قوله: ﴿هَذَا﴾، ﴿وَآخَرُ﴾ عطف على ﴿حَمِيمٌ﴾.
قرأ أهلُ الكوفة وأبو عمرو ومجاهدٌ: "وَأُخَرُ" بضم الألف على جَمْعِ أُخْرَى (٤)، وهو الاختيار؛ لأنه نَعَتَهُ بالجمع، فقال: ﴿أَزْوَاجٌ﴾ مثل: الكُبْرَى
стр. 828
والكُبَرِ، وقرأ الباقون: "وَآخَرُ" بفتح الألف على الواحد، و"آخَرُ" يصلح مبتدأً، مع أنه مُنَكَّرٌ لأنه وُصِفَ، و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ خبر، والضمير في الجملة يعود إلى "آخَرُ".
وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾؛ أي: جماعةٌ، والفَوْجُ: القطيع من الناس، وجَمْعُهُ أفْواجٌ، والمُقْتَحِمُ: الداخل فِي الشيء رَمْيًا بِنَفْسِهِ بِشِدّةٍ وصُعُوبةٍ (١).
قال ابن عبّاسِ (٢): وذلك أن القادة إذا دَخَلُوا النارَ، ثم دخل معهم الأتباعُ قالت الخَزَنةُ للقادَةِ: ﴿هَذَا﴾ يعني الأتباع ﴿فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ النارَ؛ أي: أُدْخِلُوها كما دخلتم، فيقول القادة: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ يعني: الأتباع ﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾ كما صَلِيناها، فيقول الأتباع للسادة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾؛ أي: شرَعْتُمْ وسَنَنْتُم الكُفْرَ لنا، ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ قَرارُكُمْ وقَرارُنا.
وقوله: "صالُو النّارِ" الأصل فيه: صالُونَ النّارَ، فأسقطوا النون للإضافة، وأسقطوا الواو (٣) لسكونها وسكون النون، وكذلك: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ (٤)، ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ (٥).
وقوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ و ﴿لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ منصوبان على المصدر (٦)،
стр. 829
وقيل (١): على إضمار الفعل المتروكِ إظْهارُهُ، والمَرْحَبُ والرَّحْبُ: السَّعةُ والسَّهْلُ ضِدُّ الوَعْرِ، ومنه: رَحُبَتِ الدّارُ والمسجدُ، قال أبو عبيدة (٢): تقول العرب للرجل: لا مرحبا بك أي: لا رَحُبَتْ عليك الأرضُ، يعني: اتَّسَعَتْ.
وقد رَحَّبَ به تَرْحِيبًا: إذا قال له: مَرْحَبًا، وقال القُتَيْبِيُّ (٣): معنى قولهم: مَرْحَبًا وأهْلًا وسَهْلًا؛ أي: أتَيْتَ رَحْبًا أي سَعةً، وأتَيْتَ سَهْلًا لا حَزَنًا، وأتَيْتَ أهْلًا لا غُرَباءَ، فَأْنَسْ ولا تَسْتَوْحِشْ.
وهي فِي مذهب الدعاء، كما تقول: لَقِيتَ خَيْرًا؛ ولذلك نُصِبَ، قال النابغة:
٢٠٢ - لا مَرْحَبًا بِغَدٍ وَلا أهْلا بِهِ... إنْ كانَ تَفْرِيقُ الأحِبّةِ فِي غَدِ (٤)
فنصبه على المصدر.
قوله: ﴿قَالُوا﴾ يعني الأتباع ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾؛ أي: شَرَعَهُ وسَنَّهُ لنا ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ على عذابنا، قال ابن مسعودٍ: يعني حَيّاتٍ وعَقارِبَ وأفاعِيَ ﴿وَقَالُوا﴾ صناديد قريش وهم فِي النار ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾ في دار الدنيا، يعني فقراء المؤمنين ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾
стр. 830
قرأ أبو عمرو وأهل العراق إلا عاصمًا وأيوبَ بوصل الألف، وهو الاختيار، وتكون "أمْ" بمعنى "بَلْ"، وقرأ الباقون بفتح الألف وقطعها على الاستفهام (١)، وجعلوا "أمْ" جوابًا لها، مجازه: أتخذناهم سخريًّا، وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار أم زاغت عنهم الأبصار؟ وقال الفراء (٢): هو من الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ، وهو يجوز باستفهامٍ وبِطَرْحِهِ.
وقرأ نافعٌ وحمزة والكسائي: "سُخْرِيًّا" بضم السين، والباقون بالكسر (٣)، [فمن] قرأ: "سِخْرِيًّا" بالكسر فهو من الْهُزْءِ، ومن قرأ بالضم فهو من السُّخْرةِ والإذلال (٤).
قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ يعني الذي ذَكَرَهُ ﴿لَحَقٌّ﴾، ثم بَيَّنَهُ، فقال: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾ فـ ﴿تَخَاصُمُ﴾ بدلٌ من "حَقٌّ"، أو: هو تخاصمٌ، فيكون خبرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، ومجاز الآية: إن تخاصم أهل النار لَحَقٌّ (٥).
стр. 831
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ أُنْذِرُكُمْ وأُحَذِّرُكُمْ عُقُوبةَ اللَّهِ ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾؛ أي: وقُلْ لهم أيضًا: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. . الآية (٦٦)﴾، ومحلُّ ﴿رَبُّ﴾ رفعٌ على خبر ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هو رَبُّ السماوات، ويجوز أن يكون نعتًا لقوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ كذلك: ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ نعتٌ لقوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾.
فصْلٌ
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا تَضَوَّرَ (١) من الليل قال: "لا إله إلا اللَّهُ الواحدُ القَهّارُ، رَبُّ السماوات والأرض وما بينهما العزيزُ الغفارُ" (٢).
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ يعني القرآن ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ يعني الملائكة ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾ فِي شأن آدم ﵇، وهو قولهم حين قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٣)، هذا قول أكثر المفسرين.
ورُوِيَ عن ابن عبّاسٍ عن النبي ﷺ أنه قال: "قال رَبِّي: أتَدْري فِيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأعلى؟ قال: اخْتَصَمُوا فِي الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ
стр. 832
فَإسْباغُ الوُضُوءِ فِي الشَّتَواتِ (١)، ونَقْلُ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وَأمّا الدَّرَجاتُ فَإفْشاءُ السلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" (٢).
﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ أي: ما يُوحَى إلَيَّ ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ قال الفراء (٣): إن شئت جعلت ﴿أَنَّمَا﴾ في موضع رفعٍ، كأنك قلت: ما يُوحَى إلَيَّ إلا الإنذارُ، وإن شئتَ جعلتَ المعنى: ما يوحى إلَيَّ إلَّا لأنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ. وقرأ أبو جعفر: "إنّما" (٤) بكسر الألف؛ لأن الوَحْيَ قَوْلٌ.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ يعني: لآدَمَ، نصبٌ على الحال ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾ والعرب تؤكد بـ "أجْمَعِينَ" و"أكْتَعِينَ" (٥)، فدخلت
стр. 833
﴿كُلُّهُمْ﴾ للإحاطة، ودخلت ﴿أَجْمَعُونَ﴾ لسرعة الطاعة، وهذا يدل على أن السجود كان منهم كُلِّهِمْ فِي وقتٍ واحدٍ (١).
ثم استثنى إبليسَ من الملائكة، فقال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ قيل: كان اسمه الحارث، فَسُمِّيَ إبْلِيسَ حين عصى وتَأبَّى عن السجود لآدم، فَأبْلَسَ من الخير.
قوله: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾؛ أي: من الظالمين المتكبرين عن السجود، واليَدانِ صفتان من صفات ذاته بلا كَيْفٍ ولا تشبيه (٢)، قال الشاعر:
٢٠٣ - تَحَمَّلْتُ مِنْ عَفْراءَ ما لَيْسَ لِي بِهِ... وَلا لِلْجِبالِ الرّاسِياتِ يَدانِ (٣)
والألِفُ في ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ ألِفُ استفهامٍ، دخلتْ على ألِفِ الخَبَرِ، وهو استفهامُ توبيخٍ وإنكارٍ.
стр. 834
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾، ثم استثنى إبليسُ، فقال: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ يعني: المُوَحِّدِينَ، فإنِّي لا أستطيع أن أُغْوِيَهُمْ، قال اللَّه : ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾ قرأ مجاهدٌ والأعمشُ وعاصمٌ وحمزةُ وخَلَفٌ برفع الأوَّلِ ونَصْبِ الثانِي على معنى: فَأنا الحَقُّ، أو فَمِنِّي الحَقُّ، وأقُولُ الحَقَّ، وقرأ طَلْحةُ بنُ مُصَرِّفٍ: "فالْحَقِّ والْحَقِّ" بالكسر فيهما على القَسَمِ، وقرأ الباقون بنصبهما (١).
واختلف النحاة في وجهيهما، فقيل (٢): نصب الأول على الإغراء، والثانِي بإيقاع القول عليه، وقيل (٣): إنه أتْبَعَ قَسَما بعد قَسَمٍ، وقال الفراء وأبو عُبيدٍ (٤): [معناهما: حَقًّا لآتِيَنَّكَ، والألف واللام وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بمنزلة
стр. 835
قولك: حَمْدًا للَّهِ، والحمد] (١) لِلَّه، وهما بمعنًى واحدٍ.
وقيل (٢): هو مردودٌ إلى ما قبله ومجازه: فَبِعِزَّتكَ وبِالحَقِّ والحَق أقُولُ، فلما حُذِفَ الخافض انتصب كما تقول: اللَّهَ لأفْعَلَنَّ (٣).
و"الحَقَّ" الثانِي يجوز أن يكون الأوَّلَ، فَكَرَّرَهُ للتأكيد (٤)، ويجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿أَقُولُ﴾، كأنه قال: وأقول الحقَّ، وهو قَسَم أقْسَمَ اللَّهُ تعالى به أن يملأ جَهَنَّمَ من إبليسَ وأتباعِهِ، وهو قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾؛ أي: من نفسك وذريتك ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ ومحل ﴿أَجْمَعِينَ﴾ خفضٌ، لأنه توكيدٌ للمضمر، وهو الهاء والميم (٥)، وهما في موضع خفضٍ، ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ
стр. 836
أَجْرٍ﴾ يعني القرآن، وقيل: على تبليغ الوحي، كناية عن غير مذكورٍ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ صلةٌ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ أتَكَلَّفُ القرآنَ من تلقاء نفسي، وقيل: من طالِبِي الأجْرِ تكليفًا ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني القرآن، أي: ما هو ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ أي: موعظةٌ للخلق أجمعين ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ يعني القرآن وأنِّي رسولٌ غير مُتَكَلِّفٍ ﴿بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ يعني الموت، وقيل: يعني: يوم القيامة، وقيل: يعني يوم بدرٍ.
فصْلٌ
عن سَلَمةَ بن نُفَيْلٍ (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لِلْمُتَكَلِّفِ ثلاثُ علاماتٍ: يُنازِعُ مَنْ فَوْقَهُ، ويَتَعاطَى ما لا يُنالُ، ويقول ما لا يَعْلَمُ" (٢).
وعن عُمَرَ بنِ الخطاب وعبدِ اللَّه بن مسعودٍ ﵄ أنهما قالا: يا أيها الناس: مَنْ عَلِمَ شيئا فَلْيُعَلِّمْهُ الناسَ ولا يَكْتُمْهُ، ومن لَمْ يَعْلَمْ شيئًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أعْلَمُ، فإن من العلم أن يقول لِما لا يعلم: اللَّهُ أعْلَمُ، ولا يَسْتَنْكِفْ أن يقول: لا أعلم، فَيَهْلِكَ ويَصيرَ من المتكلفين، ويَمْرُقَ من الدِّينِ، فإن اللَّه يقولُ لِنَبيِّهِ ﷺ يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٣)، واللَّه أعلم، وباللَّه الحَوْل والقوّة.
стр. 837
سورة الزمر
مكية إلا آيتين منها، وهو قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. . . الآية (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. . . الآية (٢).
وهي أربعة آلافٍ وسبعمائةٍ وثمانية أحرفٍ، وألفٌ ومائةٌ واثنتان وسبعون كلمةً، وخمسٌ وسبعون آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الزُّمَرِ لَمْ يَقْطَع اللَّهُ تعالى رَجاءَهُ، وأعطاه ثواب الخائفين الذين خافوا اللَّه تعالى" (٣).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأ سورة الغُرَفِ حَشَرَهُ اللَّه في زُمْرةِ المتقين، وأمِنَ من زُمْرةِ المجرمين" (٤).
стр. 838
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمِ (١)﴾ في أمْرِهِ، قال الفراء (١): معناه: هذا تَنْزِيلُ الكتاب، وإن شئتَ رَفَعْتَهُ بـ "مِنْ" تقديره: مِنَ اللّهِ تَنْزيلُ الكتاب. وإن شَئتَ جعلته ابتداءً وخبره فيما بعده، وهو قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)، وأجاز الفراء والكسائيُّ: "تَنْزِيلَ" بالنصب (٣) على أنه مفعولٌ، قال الكسائيُّ (٤): معناه: اتَّبعُوا أو اقْرَؤوا تَنْزِيلَ الكتابِ، وقال الفراء (٥): على الإغراء مثل: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٦)؛ أي: الْزَمُوا، وهو مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول أو بمعنًى "مُنْزَلُ" أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ لاختلافِ اللفظينِ.
قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحق ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ مُوَحِّدًا له، لا تُشْرِكُ به شَيْئًا، والإخلاص: أن يَقْصِدَ العبدُ بنِيَّتِهِ وعَمَلِهِ إلى خالقه، لا يجعل ذلك لِعَرَضِ الدُّنْيا، والإخلاص فِي كلام العرَب:
стр. 839
ما لا يَشُوبُهُ غَيْرُهُ، يقال: أخْلَصْتُ هذا من هذا، لكلِّ ما أخْرَجْتَهُ مِنْ شَوْبِ غَيْرِهِ (١)، والخالص: هو الذي لا يخالطُه شِرْكٌ، ولا يُمازِجُهُ شَكٌّ، ولا يَشُوبُهُ رِياءٌ، ولا يُطْلَبُ عليه جَزاءٌ، ونصب "مُخْلِصًا" على الحال، و"الدِّينَ" مفعول به، أي: تُخْلِصُ له الدِّينَ.
قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ يعني: مَنزِلةً؛ أي: لِيَشفَعُوا لنا إلى اللَّهِ، والتقرب: الشفاعة، والزُّلْفَى: القُرْبَى، واحدتها: زُلْفةٌ وقُرْبةٌ، وهي اسمٌ أُقِيمَ مُقامَ المَصْدَرِ، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى اللَّه تقريبًا، فهي في موضعِ نصبٍ على المصدر، وقيل: على المفعول له (٢).
قوله : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لِلْحَقِّ، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ يعني: يُغِشِي هَذا هَذا، ويُغْشِي هَذا هَذا (٣)، فتذْهِبُ ظُلْمةُ اللَّيْلِ ضَوْءَ النَّهارِ، ويُذْهِبُ ضَوْءُ النَّهارِ ظُلْمةَ اللَّيْلِ، نظيره قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (٤)، والتكوير: طرح الشيء بعضه على بعضٍ. وأصل التكوير اللَّفُّ والجَمْعُ، من: كَوَّرَ يُكَوِّرُ تَكْوِيرًا: إذا جَمَعَهُ، ومنه: كَوْرُ العِمامةِ (٥).
стр. 840
قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حَوّاءَ، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ مفسرة في سورة الأنعام (١)، ومعنى الإنزال هاهنا: الإنشاء والإحداث، ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا، إلى أن يخرج من بطن أُمِّهِ ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظُلْمةِ المَشِيمةِ، وظُلْمةِ البَطْنِ، وظُلْمةِ الرَّحِمِ (٢)، والمَشِيمةُ: هي التي يكون فيها الوَلَدُ، وهي الحَوايا التي يخرج منها الوَلَدُ، والسَّلَى: الَّتِي تَكُونُ معها (٣).
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ يريد: الذي خلق هذه الأشياء رَبُّكُمْ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾؛ أي: تُعْرِضُونَ عن طريق الحَقِّ بعد هذا البيان.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ الآية، يعني: مخلصًا راجعًا مستغيثًا به، وهو نصبٌ على الحال، وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ يعني: فِي الدنيا إلى أجَلِكَ، قال الزجّاج (٤): لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومعناه التهديدُ والوعيدُ.
ثم قال: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾؛ أي: مصيرك إلى النار، وأراد بذلك
стр. 841
عُتْبةَ بن رَبِيعةَ، وقيل: أبا حذيفة بنَ المغيرة، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ أو ظرفٍ محذوفٍ، تقديره: متاعًا قليلًا أو وقتًا قليلًا.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الأصل: أمْ مَنْ، فأدغمت الميم فِي الميم، وهو يقرأ بالتخفيف والتشديد، قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وحمزةُ ويحيى والأعمشُ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد (١).
فمن شَدَّدَ فله وجهان، أحدهما: أن تكون الميم في "أمْ" صلةً، ويكون معنى الكلام الاستفهامَ، وجوابه محذوفٌ، مجازه: أم من هو قانتٌ كَمَنْ هو غَيْرُ قانِتٍ؟ والثانِي: أن يكون بمعنى العطف على الاستفهام، تقديره: أهذا خَيْرٌ أم مَنْ هُوَ قانِتٌ؟ فحُذِفَ لدلالة الكلام، ونحوها كثيرٌ (٢).
ومَنْ خَفَّفَ فله أيضًا وجهان، أحدهما: أن يكون الألف في "أمَنْ" بمعنى حرف النداء، تقديره: يا مَنْ هُوَ قانِتٌ، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بـ "يا"، فتقول: يا زيدُ أقْبِلْ، وتقول: أزَيْدُ أقْبِلْ (٣).
стр. 842
والوجه الثانِي (١): أن يكون الألِفُ في "أمَنْ" ألِفَ الاستفهام، ومعنى الآية: أهذا كالذي جَعَلَ للَّهِ أنْدادًا، فاكتفى بما سبق إذْ كان معنى الكلام مفهومًا.
والقانت: المقيمُ على الطاعة، القائمُ بما يجب عليه من أمر اللَّه تعالى، وآناءُ الليل: ساعاتُهُ، وهو نصبٌ على الظرف، ونصب ﴿سَاجِدًا﴾ ﴿وَقَائِمًا﴾ على الحال، قيل: نزلت هذه الآية في أبِي بكرٍ الصديق ﵁، وقيل: في عثمان ﵁، وقيل: في عَمّارِ بنِ ياسِرٍ مَوْلَى أبِي حذيفةَ بنِ المغيرة بنِ عبد اللَّه المخزوميِّ (٢)؛ لأنه قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني عَمّارًا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني أبا حذيفة، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ ذَوُو العقول.
فصْلٌ
عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: سمعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: "مَنْ أحَبَّ أن يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الموقفَ يوم القيامة فَلْيَرَهُ اللَّهُ فِىِ سواد الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" (٣).
стр. 843
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ يعني: بالتوحيد لا أشرك به شيئًا، ونصب ﴿اللَّهَ﴾ بـ ﴿أَعْبُدُ﴾، و ﴿مُخْلِصًا﴾ على الحال، والدِّين نصب بوقوع الإخلاص عليه.
وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أمْرُ تَوْبِيخٍ وتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١).
قوله تعالى ﴿لَهُمْ﴾ يعني: للكفار ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أطباقٌ وسُرادِقاتٌ من النارِ ودُخانِها، وهي رفعٌ على خبر اللام الزائدة في قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ فِراشٌ ومِهادٌ من نارٍ، وإنما سُمِّيَ الأسفلُ ظُلَلًا؛ لأنها ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتَهُمْ، نظيرها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٢)، قال ثعلب (٣): قلتُ لابن الأعرابيِّ: ظُلَلٌ مِنْ فوقهم، كيف تكون الظلل من تحتهم؟ قال: الظُّلَلُ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتَهُمْ من الطَّبَقِ الثانية، فهي لهم -يعني: لِمَنْ فَوْقَهُمْ- بِساطٌ، وهي لِمَنْ تَحْتَهُمْ ظُلَلٌ، وهكذا هَلُمَّ جَزا حتى يَنْتَهِيَ إلى القعر من النار، أجارنا اللَّه منها.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴾؛ أي: فَأدْخَلَهُ ﴿يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ نصبٌ على الظرف؛ أي: عُيُونٌ تَنْبُعُ، جمع يَنْبُوعِ وهو يَفْعُولٌ (٤) من: نَبَعَ الماءُ يَنْبَعُ، والينابيع: الأمكنة التي يَنْبُعُ منها الماء.
стр. 844
قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ يعني: بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ مِنْ بَيْنِ أحْمَرَ وأخْضَرَ وأصْفَرَ، مختلفٍ فِي طعمة ورائحته، وإنما قال: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأنه قدم النعت على الاسم، فلذلك نصب، نظيره في سورة الملائكة (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يعني: من بعد الخُضْرةِ والحُسْنِ، يقال: هاجَتِ الأرضُ: إذا ذَوَى (٢) ما فيها من الخُضْرةِ ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ مُتبَقِّعًا لَوْنُهُ، نظيره في سورة الحديد (٣)، وهو منصوبٌ على الحال.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، أكْمَلُهُ بُرْهانًا، وأجْمَعُهُ بيانًا، وأعْدَلُهُ حُكْمًا، وأفْصَحُهُ نَظْمًا ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [يُشْبِهُ] بعضُهُ بعضًا في الحسن، ويُصَدِّقُ بعضُهُ بعضًا (٤)، ليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ، وقيل (٥): لأن الآية منه تُشْبِهُ الآيةَ، والكلمة تشبه الكلمة، وسُمِّيَ حَدِيثًا؛ لأن النبي ﷺ كان يُحَدِّثُ به قومه، ويخبرهم ما يُنَزَّلُ عليه منه. ونصب ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ على البدل من ﴿أَحْسَنَ﴾.
وقوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ يعني: وعدًا ووعيدًا، وأمرًا ونهيًا، مشتملًا على البركة والشفاءِ في الدنيا، والرحمةِ والثوابِ والعقابِ في الآخرة، وهو جمعُ مَثْنَى،
стр. 845
وهو المُرَدَّدُ والمُكَرَّرُ، وسُمِّيَ القرآنُ مَثانِيَ لأنه تُثَنَّى فيه الأخبار والأحكام والحدود، وتُثَنَّى فيه التلاوة، فلا يُمَلُّ. وهو منصوبٌ على النعت للكتاب، ولَمْ ينصرف لأنه جَمْعٌ لا نظير له في الواحد.
وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يريد: خوفًا مما فِي القرآن من الوعد والوعيد، ومعنى ﴿تَقْشَعِرُّ﴾: تأخذهم قشعرير، وهي تَغَيُّرٌ يحدث في جِلْدِ الإنسان عند الوجل والخوف، وقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تطمئن وتسكن ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والجنةِ والثوابِ، فحذف مفعول الذِّكر للعلم، ﴿ذَلِكَ﴾ يعني أحسن الحديث، وهو القرآن ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ الآية.
فصْلٌ
عن العباسِ بنِ عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِنْ خَشْيةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ ذُنُوبُهُ، كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرةِ اليابِسةِ وَرَقُها" (١).
قال الزجّاج (٢): إذا ذُكِرَتْ آياتُ العذاب اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائفين للَّه، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرحمة. وهذا مع قول جميع المفسرين.