← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

عُتْبةَ بن رَبِيعةَ، وقيل: أبا حذيفة بنَ المغيرة، ونصب ﴿قَلِيلًا﴾ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ أو ظرفٍ محذوفٍ، تقديره: متاعًا قليلًا أو وقتًا قليلًا. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الأصل: أمْ مَنْ، فأدغمت الميم فِي الميم، وهو يقرأ بالتخفيف والتشديد، قرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وحمزةُ ويحيى والأعمشُ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد (١). فمن شَدَّدَ فله وجهان، أحدهما: أن تكون الميم في "أمْ" صلةً، ويكون معنى الكلام الاستفهامَ، وجوابه محذوفٌ، مجازه: أم من هو قانتٌ كَمَنْ هو غَيْرُ قانِتٍ؟ والثانِي: أن يكون بمعنى العطف على الاستفهام، تقديره: أهذا خَيْرٌ أم مَنْ هُوَ قانِتٌ؟ فحُذِفَ لدلالة الكلام، ونحوها كثيرٌ (٢). ومَنْ خَفَّفَ فله أيضًا وجهان، أحدهما: أن يكون الألف في "أمَنْ" بمعنى حرف النداء، تقديره: يا مَنْ هُوَ قانِتٌ، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بـ "يا"، فتقول: يا زيدُ أقْبِلْ، وتقول: أزَيْدُ أقْبِلْ (٣).

стр. 842

والوجه الثانِي (١): أن يكون الألِفُ في "أمَنْ" ألِفَ الاستفهام، ومعنى الآية: أهذا كالذي جَعَلَ للَّهِ أنْدادًا، فاكتفى بما سبق إذْ كان معنى الكلام مفهومًا. والقانت: المقيمُ على الطاعة، القائمُ بما يجب عليه من أمر اللَّه تعالى، وآناءُ الليل: ساعاتُهُ، وهو نصبٌ على الظرف، ونصب ﴿سَاجِدًا﴾ ﴿وَقَائِمًا﴾ على الحال، قيل: نزلت هذه الآية في أبِي بكرٍ الصديق ﵁، وقيل: في عثمان ﵁، وقيل: في عَمّارِ بنِ ياسِرٍ مَوْلَى أبِي حذيفةَ بنِ المغيرة بنِ عبد اللَّه المخزوميِّ (٢)؛ لأنه قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني عَمّارًا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني أبا حذيفة، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ ذَوُو العقول. فصْلٌ عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: سمعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: "مَنْ أحَبَّ أن يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الموقفَ يوم القيامة فَلْيَرَهُ اللَّهُ فِىِ سواد الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" (٣).

стр. 843

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ يعني: بالتوحيد لا أشرك به شيئًا، ونصب ﴿اللَّهَ﴾ بـ ﴿أَعْبُدُ﴾، و ﴿مُخْلِصًا﴾ على الحال، والدِّين نصب بوقوع الإخلاص عليه. وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أمْرُ تَوْبِيخٍ وتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١). قوله تعالى ﴿لَهُمْ﴾ يعني: للكفار ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أطباقٌ وسُرادِقاتٌ من النارِ ودُخانِها، وهي رفعٌ على خبر اللام الزائدة في قوله: ﴿لَهُمْ﴾، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ فِراشٌ ومِهادٌ من نارٍ، وإنما سُمِّيَ الأسفلُ ظُلَلًا؛ لأنها ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتَهُمْ، نظيرها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٢)، قال ثعلب (٣): قلتُ لابن الأعرابيِّ: ظُلَلٌ مِنْ فوقهم، كيف تكون الظلل من تحتهم؟ قال: الظُّلَلُ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ لِمَنْ تَحْتَهُمْ من الطَّبَقِ الثانية، فهي لهم -يعني: لِمَنْ فَوْقَهُمْ- بِساطٌ، وهي لِمَنْ تَحْتَهُمْ ظُلَلٌ، وهكذا هَلُمَّ جَزا حتى يَنْتَهِيَ إلى القعر من النار، أجارنا اللَّه منها. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴾؛ أي: فَأدْخَلَهُ ﴿يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ نصبٌ على الظرف؛ أي: عُيُونٌ تَنْبُعُ، جمع يَنْبُوعِ وهو يَفْعُولٌ (٤) من: نَبَعَ الماءُ يَنْبَعُ، والينابيع: الأمكنة التي يَنْبُعُ منها الماء.

стр. 844

قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ يعني: بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ مِنْ بَيْنِ أحْمَرَ وأخْضَرَ وأصْفَرَ، مختلفٍ فِي طعمة ورائحته، وإنما قال: ﴿مُخْتَلِفًا﴾ لأنه قدم النعت على الاسم، فلذلك نصب، نظيره في سورة الملائكة (١). وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يعني: من بعد الخُضْرةِ والحُسْنِ، يقال: هاجَتِ الأرضُ: إذا ذَوَى (٢) ما فيها من الخُضْرةِ ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ مُتبَقِّعًا لَوْنُهُ، نظيره في سورة الحديد (٣)، وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، أكْمَلُهُ بُرْهانًا، وأجْمَعُهُ بيانًا، وأعْدَلُهُ حُكْمًا، وأفْصَحُهُ نَظْمًا ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [يُشْبِهُ] بعضُهُ بعضًا في الحسن، ويُصَدِّقُ بعضُهُ بعضًا (٤)، ليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ، وقيل (٥): لأن الآية منه تُشْبِهُ الآيةَ، والكلمة تشبه الكلمة، وسُمِّيَ حَدِيثًا؛ لأن النبي ﷺ كان يُحَدِّثُ به قومه، ويخبرهم ما يُنَزَّلُ عليه منه. ونصب ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ على البدل من ﴿أَحْسَنَ﴾. وقوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ يعني: وعدًا ووعيدًا، وأمرًا ونهيًا، مشتملًا على البركة والشفاءِ في الدنيا، والرحمةِ والثوابِ والعقابِ في الآخرة، وهو جمعُ مَثْنَى،

стр. 845

وهو المُرَدَّدُ والمُكَرَّرُ، وسُمِّيَ القرآنُ مَثانِيَ لأنه تُثَنَّى فيه الأخبار والأحكام والحدود، وتُثَنَّى فيه التلاوة، فلا يُمَلُّ. وهو منصوبٌ على النعت للكتاب، ولَمْ ينصرف لأنه جَمْعٌ لا نظير له في الواحد. وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ يريد: خوفًا مما فِي القرآن من الوعد والوعيد، ومعنى ﴿تَقْشَعِرُّ﴾: تأخذهم قشعرير، وهي تَغَيُّرٌ يحدث في جِلْدِ الإنسان عند الوجل والخوف، وقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تطمئن وتسكن ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والجنةِ والثوابِ، فحذف مفعول الذِّكر للعلم، ﴿ذَلِكَ﴾ يعني أحسن الحديث، وهو القرآن ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ الآية. فصْلٌ عن العباسِ بنِ عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِنْ خَشْيةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ ذُنُوبُهُ، كَما يَتَحاتُّ عَنِ الشَّجَرةِ اليابِسةِ وَرَقُها" (١). قال الزجّاج (٢): إذا ذُكِرَتْ آياتُ العذاب اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائفين للَّه، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرحمة. وهذا مع قول جميع المفسرين.

стр. 846

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ نزلت فِي أبِي جهلٍ، قال الكلبي (١): يُنْطَلَقُ به إلى النار مغلولًا، فإذا رَمَتْ به الخَزَنةُ فيها لَمْ يَتَّقِها بِأوَّلَ مِنْ وَجْهِهِ. قال الزجّاج (٢): والمعنى: أفمن يتقي بوجهه سُوءَ العذاب كمن يدخل الجنة؟. ومَحَلُّ "مَنْ" رفعٌ بالابتداء، وخبره مضمرٌ فيه، تقديره: كَمَنْ ليس بهذه الصفة، وكَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ للإسلامِ (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ يعني أهل مكة ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ لكي يتعظوا بما فيه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قيل: غير ذِي لَحْنٍ، وقيل: غير مختلفٍ، ولكنه مستقيم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ وقيل: غير مخلوقٍ، وفِي هذا رَدٌّ على من يقول بِخَلْقِ القرآن، وتكذيبٌ له. ونصب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ على الحال، وقيل: على القطع، وقيل: على معنى: أنزلناه قراَنًا عَرَبِيًّا، فيكون أيضًا منصوبًا على الحال، وقيل (٤): ﴿عَرَبِيًّا﴾ منصوبٌ على الحال، و ﴿قُرْآنًا﴾ تَوْطِئةٌ للحال، كما تقول: مررت بِزَيْدٍ رجلًا صالِحًا، فقولك: صالِحًا منصوب على الحال.

стр. 847

قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ قال الكسائي (١): نصب ﴿رَجُلًا﴾؛ لأنه ترجمةٌ للمَثَلِ وتفسيرٌ له، وإن شئت نصبته بنَزْعِ الخافض، مجازه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِرَجُلٍ أو في رَجُلٍ، وقيل (٢): هو منصوبٌ على البدل من المَثَلِ. وقوله: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾؛ أي: مُتَعاسِرُونَ مُتَضايِقُونَ، وقيل: مُخْتَلِفُونَ، والشَّكَسُ: سُوءُ الخُلُقِ، وهو مَثَلٌ لعابد الأصنام (٣). وقوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ يعني: خالصًا لِرَجُلٍ، لا يَشْرَكُهُ فيه غَيْرُهُ، يقال: سَلِمَ الشَّيءُ لفلان: إذا خَلَصَ له (٤). قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو ويعقوبُ وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ والحسنُ: "سالِمًا" بالألف، وقرأ الباقون: "سَلَمًا" بغير ألف، وقرأ بعضهم: "سِلْمًا" (٥) بكسر السين وإسكان اللام، وهما مصدران وُصِفَ بهما (٦)؛ أي: سِلْم إليه، وهو سِلْمٌ وسَلَمٌ: لا يَعْتَرِضُ فيه عليه أحَدٌ، وهذا

стр. 848

مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لأهل التوحيد، ومَثَلُ الذي عَبَدَ الآلهةَ مَثَلُ صاحب الشركاء المُتَشاكِسِينَ؛ أي: المُخْتَلِفِينَ العَسِرِينَ الأخلاقَ (١). ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ يعني المؤمنَ الذي لا يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ وَحْدَهُ، والكافرَ الذي يَعْبُدُ آلِهةً شَتَّى، وهذا استفهامٌ معناه الإنكارُ، أي: لا يستويان، وإنما لَمْ يَقُلْ: مَثَلَيْنِ لأنهما جميعا ضُرِبا مَثَلًا واحدًا (٢)، يعني أن إرضاء الواحد أسهل من إرضاء الفِئةِ، ونصب ﴿مَثَلًا﴾ على التفسير. وَتَمَّ الكلامُ، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: له الحمد كله دون غيره من المعبودين ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ ما يصيرون إليه من العقاب، والمراد بالأكثر الكُلُّ. ثم أخْبَرَ نَبيَّهُ ﷺ بأنه يموت، وأن هؤلاء الذين يكذبون يموتون، ويجتمعون للخصَومة عند اللَّه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ قال الحسن والفراء والكسائي (٣): المَيِّتُ بالتشديد: مَنْ لَمْ

стр. 849

يَمُتْ وسَيَمُوتُ، والمَيْتُ بالتخفيف: الذي فارقه الرُّوحُ، فلذلك لَمْ يخففه هاهنا، قال الخليل: ٢٠٤ - تُسائِلُنِي تَفْسِيرَ مَيْتٍ وَمَيِّتٍ... فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَما كانَ ذا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ... وَما المَيْتُ إلَّا مَنْ إلَى القَبْرِ يُحْمَلُ (١) فبَيَّنَ الفرقَ بينهما فِي البيت الأخير. وقرأ ابن محيصن وابن أبِي إسحاق وابن أبِي عبلة وعيسى بن عمر: "إنّكَ مائِتٌ" بالألف "وَإنّهُمْ مائِتُونَ" (٢)، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ

стр. 850

تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ المُحِقُّ والمُبْطِلُ والظّالِمُ والمظلوم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، وقيل: جبريل ﵇، وأراد: جاء بالتوحيد والقرآن ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني أبا بكرٍ وأصحابَه المؤمنين ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ الذين اتَّقَوا الشِّرْكَ. ﴿وَالَّذِي﴾ لإبهامه يصلح للجمع والواحد (١)، وَوَحَّدَ ﴿جَاءَ﴾ على اللفظ، وإن قُرِئَ: "جاؤوا" (٢)، وجَمَعَ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقولِهِ: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، ثم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (٤)، أو حُذِفَ النُّونُ (٥) كما قال الشاعر: ٢٠٥ - أبَنِي كُلَيْبٍ إنّ عَمَّيَّ اللَّذا... قَتَلا المُلُوكَ وَفَكَّكا الأغْلالا (٦) فحذف النون.

стр. 851

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ الآية، قال ابن عبّاسٍ ﵁ (١): فِي ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ، بينهما مثل الشعاع، فالنفس: التي بها العقل والتمييز، والروح: التي بها النَّفَسُ والتحريك، فإذا نام العبد قَبَضَ اللَّهُ تعالى نفسه ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. وقال المفسرون (٢): إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء اللَّه منها، فإذا أراد رجوعَها إلى الأجساد أمسك اللَّه تعالى أرواح الأموات عنده وحَبَسَها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى وقت انقضاء مدة حياتها، وذلك قوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قرأ يحيى والأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخَلَفٌ: "قُضِيَ" بضم القاف وكسر الضاد وفتح إلياء "المَوْتُ" بالرفع (٣) على مذهب ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، وقرأ

стр. 852

الباقون بفتحها، وهو الاختيار لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ فهو يَقْضِي عليها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ فيتعظون ويعتبرون. فصْلٌ عن أبِي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أوَى أحَدُكُمْ إلى فراشه فَلْيَضْطَجِعْ على شِقِّهِ الأيمنِ، وَلْيَقُلْ: باسمكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وبِكَ أرْفَعُهُ، فإن أمْسَكْتَ نفسي فاغفر لها، وإن أرْسَلْتَها فاحفظها بِما تَحْفَظُ به عِبادَكَ الصّالِحِينَ" (١). وعن ابن عبّاسٍ قال: عَلَّمَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ أن أقول إذا أخَذْتُ مَضْجَعِي عند النوم: "اللَّهُمَّ إنِّي أسْلَمْتُ نفسي إليك، وألْجَأْتُ ظَهْرِي إليك، ووَجَّهْتُ وَجْهِي إليك، وفَوَّضْتُ أمْرِي إليك؛ رَهْبةً مِنْكَ، ورَغْبةً إليكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَى منك إلا إليك، اللهم آمَنْتُ بكتابك الذي أنْزَلْتَ، وبِنَبيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإن مِتَّ من ليلتكَ فأنتَ على الفطرة، وإن أصْبَحْتَ أصَبْتَ خَيْرًا، واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تتكلم به" (٢)، هذا الحديث رواه البخاري بإسناده عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ نزلت فِي أهل مكة، زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند اللَّه، فقال اللَّه تعالى منكرا عليهم: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ

стр. 853

دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ لهم يا محمد: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ يعني: لأهل مكة ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ يريد: مَنْ بِهَذِهِ الصفةِ تتخذونهم شفعاءَ؟. ثم أخبر أنه لا شفاعة إلا بإذنه، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الحال، فإن قيل: "جَمِيعٌ" إنما يكون للاثنين فصاعدًا، والشفاعة واحدةٌ، فالجواب: أن الشفاعة مصدرٌ، والمصدر يُؤَدِّي عن الاثنين والجميع (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: انقبضت، وقيل: نَفِرَتْ، واقْشَعَرَّتْ عن التوحيد ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الأصنام التي عبدوها من دونه ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ يفرحون، وذلك حين قرأ عليهم النبي ﷺ بمكة سورة النجم، فقال: تلك الغَرانِيقُ العُلَى، وإن شفاعتهن لَتُرْجَى، فرح كفار مكة بذلك حين سمعوا أنَّ لَها شفاعةً (٢). وأصل الاشمئزاز: النفور والازْوِرارُ، و ﴿وَحْدَهُ﴾ نَصْبٌ على المصدر عند سيبويه والخليل (٣)، وهو حال عند يونس (٤).

стр. 854

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ نصبٌ على النداء المضاف، وقال صاحب إنسان العين: هو (١) منصوبٌ بإضمار فعلٍ؛ لأن ﴿اللَّهُمَّ﴾ فِي معرض الأصوات، ولا يوصف؛ ولأنه في غاية المعرفة، فلا يُعَرَّفُ بالصِّفةِ (٢). والحَقُّ أنه (٣) بِمَنْزِلةِ: يا أللَّهُ يا فاطِرَ السماواتِ، وقد ذكرتُ نظيرها في سورة آل عمران، في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والقرآن

стр. 855

كله حَسَن، وإنما معنى الآية: الْتَزِمُوا طاعَتَهُ، واجْتَنِبُوا مَعْصِيَتَهُ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ يعني: فجأة، نصب على الحال ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ بإتيان العذاب. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ يعني: لِئَلَّا تقول، كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١)، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٢) ونحوِها (٣)، ﴿يَاحَسْرَتَا﴾؛ أي: يا نَدامَتا، ويا حُزْنا، والتحسر: الاغتمام على ما فات، يسمى بذلك لانحساره عن صاحبه بما يمتنع عليه استدراكُه وتَلافِي الأمْرِ فيه. والألف في قوله: "يا حَسْرَتا" هي ياء المتكلم، وإنما أريد: "يا حَسْرَتِي" (٤) على الإضافة، ولكن العرب تُحَوِّلُ الياءَ التي هي كنايةُ اسمِ المتكلم في الاستغاثة ألِفًا، تقول: يا ويلَتا ويا نَدَما، فيُخْرِجُونَ ذلك على لفظ الدعاء،

стр. 856

وربما ألحقوا بها الهاء (١). وأنشد الفراء (٢): ٢٠٦ - يا مَرْحَباهُ بِحِمارِ ناجِيَهْ إذا أتَى قَرَّبْتُهُ للِسّانِيَهْ (٣)

стр. 857

وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة، وكذلك قرأه أبو جعفر: "يا حَسْرَتايَ" (١) ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾؛ أي: قَصَّرْتُ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة اللَّه، وقيل (٢): في قُرْبِ اللَّه تعالى من الجنة، وقيل (٣): في حَقِّ اللَّه، وقيل (٤): في أمر اللَّه. قال أهل المعانِي (٥): هذا كما يقال: هذا صغيرٌ فِي جنب ذلك الماضي فِي أمره، وقيل (٦): في سبيل اللَّه ودِينه، والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جَنْبًا، تقول: تَجَرَّعْتُ فِي جَنْبِكَ غُصَصًا وبَلايا: أي بِسَبَبِكَ وأجْلِكَ، قال الشاعر: ٢٠٧ - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلامةً... لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ مَلامَتُها ثِنَى (٧)

стр. 858

وقيل (١): في الجانب الذي يؤدي إلى رضا اللَّه وثوابِهِ، والعرب تسمي الجانب جَنْبًا، قال الشاعر: ٢٠٨ - النّاسُ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ (٢) يعني: الناس من جانب والأمير من جانب، وقيل (٣): معناه: فِي ذات اللَّه، ويقال: ما فَعَلْتَ فِي جَنْبِ حاجتي: أي فِي حاجتي، قال كُثَيِّرٌ: ٢٠٩ - ألا تتَّقِينَ اللَّه في جَنْبِ عاشِقٍ... لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ؟ (٤)

стр. 859

قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾ يعني المستهزئين بدين اللَّه وكتابِه ورسولِه والمؤمنين به، قال قتادة في هذه الآية (١): لَمْ يَكْفِهِ أنه ضَيَّعَ طاعةَ اللَّه تعالى حتى جعل يَسْخَرَ بأهل طاعته، يعني: يستهزئ بهم. فصْلٌ رُوِيَ عن أبِي صالح فِي معنى هذه الآية قال: "كان رَجُلٌ عالِمٌ فِي بني إسرائيل ترك عِلْمَهُ وأخَذَ فِي الفسق، وكان عنده مال فأتاه إبليس فقال له: لك عمرٌ طويلٌ فَتَمَتَّعْ فِي الدنيا ثم تُبْ، فأخذ فِي الفسق، وأنْفَقَ مالَهُ فِي الفجور، فأتاه مَلَكُ الموتِ فقال له: من أنت؟ قال: أنا مَلَكُ الموت جئت لأقبض رُوحَكَ، فقال: يا حَسْرَتا على ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه، ذهب عُمْرِي فِي طاعة الشيطان، وأسْخَطْتُ رَبِّي، فنَدِمَ حين لا ينفعه الندم، فأنزل اللَّه تعالى خَبَرَهُ فِي القرآن" (٢). قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ يعني: رَجْعةً إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ فِي نصب قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ وجهان (٣)، أحدهما: على جواب "لَوْ"، والثانِي: على الرَّدِّ على موضع الكَرّةِ، وتوجيهُ الكَرّةِ فِي المعنى: لَوْ أنْ أكُرَّ، كقول الشاعر:

стр. 860

٢١٠ - فَما لَكَ مِنْها غَيْرُ ذِكْرَى وَحِسْبةٍ... وَتَسْألَ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا (١) فنصب "تَسْألَ" على موضع الذِّكْرَى؛ لأن معنى الكلام: فمالك منها إلا أن تَذْكُرَ، ومنه قوله : ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٢) عطف ﴿يُرْسِلَ﴾ على موضع الوحي فِي قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾. قوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ قرأ العامة بفتح الكاف والتاء جميعًا، وقرأت عائشة ﵂ بكسرها أجْمَعَ، رَدَّتْها إلى النَّفْسِ، ورُوِيَ ذلك عن النبي ﷺ ، قالت أم سلمة: سمعت رسول اللَّه ﷺ [يقرأ]: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) على مخاطبة النفس. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ فزعموا أن له ولدًا وشريكًا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ رفع على الابتداء والخبر، وقال صاحب

стр. 861

إنسان العين (١): هو حالٌ، نحو: رَأيْتُ زيدًا أمْرُهُ مُسْتَقِيمٌ، وقُرِئَ: "وُجُوهَهُمْ" (٢) بالنصب على البدل، و"مُسْوَدّةً" حال (٣)، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ المتكبرين عن الإيمان. قوله : ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: مفاتيح خزائن السماوات والأرض، واحدها مِقْلادٌ مثل مِفْتاحٍ ومَفاتِيحَ، ومِقْلِيدٌ مثل مِنْدِيلٍ

стр. 862

ومَنادِيلَ، ومِقْلَدٌ أيضًا (١)، ويقال (٢): هو جَمْعٌ لا واحد له من لفظه. والأقالِيدُ أيضًا، الواحد: إقْلِيدٌ (٣). فصْلٌ عن عَلِيِّ بن أبِي طالب ﵁ قال: سألتُ رسول اللَّه ﷺ عن تفسير المقاليد، فقال: "يا عَلِيُّ! سَألْتَ عظيمًا، المقاليد هي أن تقول عَشْرًا إذا أصبحتَ، وعَشْرًا إذا أمسيتَ: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، وأستغفر اللَّه، ولا قوة إلا باللَّه، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيءٍ قدير، مَنْ قالها عشرًا إذا أصبح، وعشرًا إذا أمسى أعطاه اللَّه خصالًا سِتًّا، أوَّلُهُنَّ: يحرسه من إبليس وجنوده، فلا يكون لهم عليه سلطانٌ، والثانية: يُعْطَى قِنْطارًا من الجنة أثْقَلَ فِي ميزانه من جبل أُحُدٍ، والثالثة: يرفع اللَّه له درجة لا ينالها إلا الأبرارُ، والرابعة: يُزَوِّجُهُ من الحُورِ العِينِ، والخامسة: يَشْهَدُ له اثنا عشر ألف مَلَكٍ، يكتبونها فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ، يشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة: يكون له من الأجر كمن قرأ التوراة والإنجيل والزَّبُورَ والفرقانَ، وكَمَنْ حَجَّ واعتمر، فَقَبِلَ اللَّهُ حِجَّتَهُ وعُمْرَتَهُ، وإن مات فِي يومه أو ليلته أو شَهْرِهِ مات شهيدًا،

стр. 863

وطُبِعَ بِطابَعِ الشهداء، فهذا تفسير المقاليد" (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ "غَيْرَ" نصب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾ تقديره: أأعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ فيما تأمرونني أيها الجاهلون؟ (٢)، وقال صاحب إنسان العين (٣): ﴿أَفَغَيْرَ﴾ منصوب بـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، و ﴿أَعْبُدُ﴾ ارتفع بحَذْفِ "أنْ"، و"أنْ" وما بعده في معنى المصدر أي: عِبادَتَهُ، وهو بدل اشتمال "غَيْرَ"، كقوله: "إلَّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ (٤)، والمراد: بِأنْ أعْبُدَ، حُذِفَ الباءُ كما في قولهم: أمَرْتُكَ الخَيْرَ. . . . . . . . . . (٥) قال (٦): ولا يحسن نصب ﴿أَفَغَيْرَ﴾ بـ ﴿أَعْبُدُ﴾؛ لأنه في تقدير الصلة، لا يعمل فيما قبله (٧)، و ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ معترض، أي: أأعْبُدُ غَيْرَ اللَّه فيما تَأْمُرُونِّي؟ فلا مَحَلَّ لـ ﴿أَعْبُدُ﴾ من الإعراب.

стр. 864

واختلف القراء فِي قوله: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، فقرأ أهل المدينة: "تَأْمُرُونِي" بنونٍ واحدةٍ خفيفةٍ على الحذف والتخفيف، وقرأ أهل الشام بنونين على الأصل، وقرأ الآخرون بنونٍ واحدةٍ مشدَّدةٍ على الإدغام، وفتح الياءَ نافعٌ وابنُ كثيرٍ، وأسكنها الباقون (١)، والأصل: تأمرونني، فأدغمت النون فِي النون، فأما "تَأمُرُوني" بنونٍ واحدةٍ مخففةٍ فإنما يجيء مثله فِي الشعر شاذًّا، وأبو عمرٍو يقول: إنه لحنٌ (٢)، وقد أنشد سيبويه (٣): ٢١١ - تَراهُ كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا... يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي (٤)

стр. 865

قوله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: وما عَظَّمُوا اللَّهَ حَق عَظَمَتِهِ حين أشركوا به غَيْرَهُ، ثم أخبر عن قدرته وعظَمته، فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: مِلْكُهُ بلا مانع ولا مُنازِعٍ، وهي اليوم أيضًا مِلْكُهُ، ونظيرها قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) و ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٢). وقال الأخفش (٣): هذا كما يقال: خُراسانُ في قَبْضةِ فُلانٍ، ليس أنها في كَفِّهِ، وإنما معناه: أنها ملكه، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قرأه العامة: "مَطْوِيّاتٌ" بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ عيسى بن عمر بالكسر (٤)، ومحلها النصب على الحال أو القطع، وكذلك أجاز الفراء والكسائي (٥) والزجاج: "مَطْوِيّاتٍ" بكسر التاء، قال الزجّاج (٦): على الحال. وذِكْرُ اليمين للمبالغة فِي الاقتدار، وقيل: هو بمعنى القُوّةِ، وقيل: اليمين

стр. 866

القَسَمُ؛ لأنه حَلَفَ أن يَطْوِيَها ويُفْنِيَها، وهو اختيار عَلِيِّ بنِ مَهْدِيٍّ الطبريِّ (١)، قال: معناه: مَفْنِيّاتٌ بقَسَمِهِ (٢)، ثم نَزهَ نَفْسَهُ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. فصْلٌ عن عبد اللَّه بن مسعودٍ قال: جاء حَبْرٌ من اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إن اللَّهَ يُمْسِكُ السماواتِ يوم القيامة على إصْبَعِ، والأرَضِينَ على إصْبَعٍ، والجبالَ والشجرَ على إصبع، والماءَ والثَّرَى على إصَبع، وسائرَ الخلق على إصبعٍ، ثم يَهُزُّهُن، فيقول: أنا المَلِكُ، أنا اللَّه، فضحك رسول اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مما قال الحَبْرُ، وتَصْدِيقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). وعن ابن عمر قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ قائمًا على هذا المنبر، يعني منبر رسول اللَّه ﷺ ، وهو يحكي عن ربه ، فقال: "إن اللَّه إذا كان

стр. 867

يَوْمُ القيامةِ جَمَعَ السماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ الشبْعَ في قبضته ﵎، ثم قال: هكذا، وشَدَّ قبضته ثم بَسَطَها، ثم يقول: أنا اللَّه الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بَدَأْتُ الدنيا ولَمْ تَكُ شَيْئًا، أنا الذي أعَدْتُها، أين الملوك؟ وأين الجبارون؟ وأين المتكبرون؟ "، قال: فَرَجَفَ المِنْبَرُ حَتى قُلْنا: لَيَخِزنَّ بِهِ (١). وعن الحسن بن عَلِيٍّ قال: قال النبي ﷺ : "أمانٌ لأُمَّتِي من الغَرَقِ إذا ركبوا في الفلك: بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ نصب على الاستثناء، واختلفوا في مَن الذي لم يَشَأِ اللَّهُ أنْ يُصْعَقُوا، فقيل: هم الشهداء متقلدون بسيوفهم حول العرش، وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ رفعٌ لأنه نَعْتُ مَصْدَرٍ أُقِيمَ مُقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، تقديره: نُفِخَ فيه نَفْخةٌ أُخْرَى، وهي نفخة البعث ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ ﴿يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ و ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ينتظرون ما يقال لهم وما يؤمرون به ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ وهو أن اللَّه يخلق في القيامة نورًا يُلْبِسُهُ وَجْهَ الأرضِ، فتشرق الأرض به من غير شمسٍ ولا قمرٍ.

стр. 868

وما بعد هذا ظاهر الإعراب إلى قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ يعني: أفواجًا، وقيل: جماعاتٍ فِي تَفْرِقةٍ، واحدتها زُمْرةٌ واحدةٌ، وهو نصبٌ على الحال، ومثله في الإعراب قوله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ يعني الجنة. واختلف النحاة في جوابه، فقال بعضهم (١): جوابه: "فُتِحَتْ أبْوابُها"، والواو مُقْحَمةٌ زائدة عند الكوفيين، تقديرها: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ (٢) يعني: ضِياءً، وهذا خطأ عند البصريين؛ لأنها تفيد معنى، وهي للعطف هاهنا. وقيل (٣): جوابه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾، والواو ملغاةٌ، تقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها قال لهم خزنتها، وقال بعضهم (٤): إن جوابه مضمرٌ،

стр. 869

ومعنى الكلام: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ دَخَلُوها ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وقال أبو عبيدة (١): جوابه مكفوفٌ عن خبره، والعرَب تفعل هذا لدلالة الكلام عليه، قال الأخطل فِي آخر قصيدة له: ٢١٢ - إذا ما خِلالٌ مِنْ قُرَيْشٍ تَفَضَّلُوا... عَلَى النّاسِ فِي أنّ الأكارِمَ نَهْشَلا (٢) واختلف القراء فِي قوله: "فُتِحَتْ"، فَخَفَّفَها أهْلُ الكوفة فِي الموضعين، وشَدَّدَها الباقون على التكثير (٣). ومعنى قوله: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾؛ أي: طِبْتُمْ للجنة؛ لأن الذنوب والمعاصي مَخابِثُ في الناس، فإذا أراد اللَّه أن يُدْخِلَهُم الجنةَ غَفَرَ لهم

стр. 870

تلك الذنوبَ، فَفارَقَتْهُم المَخابِثُ (١) والأرْجاسُ من الأعمال، فطابوا للجنة، ومن هذا قول العرب: طابَ لي هذا، وطاب لِي العيشُ؛ أي: فارَقَتْهُ المَكارِهُ، وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ يعني: مقيمين في جنات النعيم أبَدَ الآبِدِينَ، وهو منصوبٌ على الحال. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ يعني أرض الجنة، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ يعني ثواب المطيعين، و"حَيْثُ" مبنيٌّ على الضم، ومحله نصبٌ بـ "نتَبَؤأُ" (٢). ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾؛ أي: مُحْدِقِينَ مُحِيطِينَ، يقال: رأيتُ الأميرَ قد حَفَّتْ به الجُنُودُ والعَساكِرُ: إذا أحاطت حوله (٣)، وله المثل الأعلى. و ﴿حَافِّينَ﴾ جمع حافٍّ، لكن قيل (٤): لا واحد له من لفظه؛ لأن الواحد لا يَحُفُّ، وأدخل ﴿مِنْ﴾ هاهنا للتوكيد، ونصب ﴿حَافِّينَ﴾ على الحال.

стр. 871

وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يريد: بما يستحق من حَمْدِهِ، مُتَلَذِّذِينَ بذلك التسبيح، لا متعبدين؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني: بين أهل الجنة والنار ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾؛ أي: يقول المؤمنون: الحمد للَّه على ما أُوتينا من نِعَمِهِ وإحسانه إلينا ونَصْرِهِ على من ظَلَمَنا. فصْلٌ روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قرأ على المنبر آخِرَ الزُّمَرِ، فتحرك المنبر مرتين (١)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 872

سورة المؤمن مكية وهي أربعة آلافٍ وتسعمائةٍ وستون حرفًا، وألفٌ ومائة وتسع وتسعون كلمةً، وخمسٌ وثمانون آيةً. باب ما جاء في فضل قراءتها عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ ﴿حم﴾ المؤمن لَمْ يَبْقَ رُوحُ نَبِيٍّ ولا صِدِّيقٍ ولا شَهِيدٍ ولا مُؤْمِنٍ إلا صَلَّوْا عَلَيْهِ واسْتَغْفَرُوا لَهُ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة المؤمن كان عند اللَّه وجيها مَرْضِيًّا في دينه مُخْلَصًا" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿حم (١)﴾ افتتح اللَّه السورة بحرفين من حروف

стр. 873

الهجاء، وجعلهما افتتاحًا للسورة وشعارًا لها، وهو يُقْرَأُ بفتح الحاء وكسرها، حيث قرأ ابن كثيرٍ وحفصٌ وهشامٌ بالفتح، وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو بين اللفظين، وقرأ الباقون بالإمالة (١). وهو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ به، وهو اسمٌ من أسماء اللَّه ، وقال الحسن وقتادة (٢): هو اسمٌ من أسماء القرآن، وقال ابن عبّاسٍ (٣): هو اسمُ اللَّه الأعظمُ، وقال القُرَظِيُّ (٤): أقْسَمَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ ومُلْكِهِ ألَّا يُعَذِّبَ أحَدًا جاء إليه يقول: لا إله إلا اللَّه، مُخْلِصًا من قلبه، وقال عطاء الخُراسانِيُّ (٥): الحاء افتتاح أسماء اللَّه تعالى: حليمٌ وحميدٌ وحَيٍّ وحَنّانٍ وحكيمٌ، والميم افتتاح اسمه: مَلِكٌ ومَجِيدٌ ومَنّانٌ. وعن عكرمة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حم اسمٌ من أسماء اللَّه، وهي مفاتيحُ خزائنِ رَبِّكَ " (٦)، واللَّه أعلم.

стр. 874

ولم ينصرف؛ لأنه اسمٌ للمؤنثِ، أو لأنها أعجميةٌ مثل: هابيل وقابيل (١). قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْعَلِيمِ (٢)﴾ بخلقه، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ لِمَنْ قال: لا إله إلا اللَّه، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ ممن قال: لا إله إلا اللَّه، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ لِمَنْ لا يقول: لا إله إلا اللَّه، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: ذي الغِنَى والفَضْلِ عَمَّنْ لا يُوَحِّدُهُ، ولا يقول: لا إله إلا اللَّه. وقال أهل الإشارة (٢): ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فضلًا، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ وعدًا، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ عدلًا، ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ مصير العباد فِي الآخرة، فيجزيهم بأعمالهم، والتَّوْبُ جمع تَوْبةٍ مثل: دَوْمةٍ ودَوْمٍ وعَوْمةٍ وعَوْمٍ، ويجوز أن يكون مصدرًا من: تابَ يَتُوبُ تَوْبًا (٣). وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قيل (٤): هما معرفتان، فيكون خفضهما

стр. 875

على النعت، وقيل (١): هما نكرةٌ، فيكون خفضهما على البدل، وأما ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ و ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فهما نكرتان، فيكون خفضهما على البدل، لا على النعت، هكذا ذكره الصَّفّارُ (٢). ومعنى قوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: ذي الفضل والغِنَى والسَّعة والنِّعَمِ على عباده، وأصل الطَّوْلِ الإنْعامُ الذي تطول مُدَّتُهُ على صاحبه، تقول: اللهم طُلْ علينا؛ أي: أنْعِمْ علينا وتَفَضَّلْ، ومنه قيل للنفع: طائلٌ، يقال: ما حَظِيتُ منه بِطائِلٍ، وما حَظِيتُ منه بِنائِلٍ؛ أي: لَمْ أتَّخِذْ منه مَنْفَعةً (٣). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ يعني: قبل كفار مكة ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ﴾ يعني الكفار الذين تَحَزَّبُوا على أنبيائهم بالمخالفة والعداوة ﴿مِنْ

стр. 876

بَعْدِهِمْ﴾ من بعد قوم نوح، نحو عادٍ وثمود فَمَنْ بَعْدَهُمْ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ قَصَدُوهُ ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ ويقتلوه، قال الفراء (١): كان حقه أن يقول: "بِرَسُولِها"، وكذلك هي فِي قراءة عبد اللَّه (٢)، ولكنه أراد بالأمة الرِّجالَ، فلذلك قال: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: خاصَمُوا رُسُلَهُم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٣)، فَهَلَّا أرْسَلَ اللَّهُ إلينا ملائكةً، وأمثالَ هذا من القول؛ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الذي جاءت به الرسل، ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ يريد: بالعذاب ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ استفهامُ تقريرٍ لعقوبتهم الواقعة بهم. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثلما حَقَّ على الأمم المكذبة ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالعذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ وقال الأخفش (٤): معناه: لأنهم أو بأنهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ رفعٌ على الابتداء، وخبره ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، و ﴿حَوْلَهُ﴾ نصب على الظرف. وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ بالتحميد والتسبيح ﴿وَيُؤْمِنُونَ

стр. 877

بِهِ﴾ يصدِّقون بأنه واحدٌ لا شريك له ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾؛ أي: ويقولون -يعني حمَلة العرش ومن حوله-: ﴿رَبَّنَا﴾ نداءٌ مضافٌ ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نصبٌ على التفسير، وقيل: على المصدر، وقيل (١): على النقل أي: وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشِّرك ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دِينَكَ الإسلامَ ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾. فصْلٌ فِي بعض صفات العَرْش وحمَلَته ومن حوله على الاختصار رَوَى لقمانُ بنُ عامرٍ (٢) عن أبيه قال: "إن اللَّه خلق العرش من جوهرةٍ خضراءَ، وجعل له ألْفَ ألْفِ رَأْسٍ، في كل رأس ألْفُ ألْفِ وجهٍ، وستمائة ألف وجهٍ، الوجه الواحد كطبقات الدنيا ألْفَ ألْفِ مَرّةٍ، وستمائة ألف مرة، فِي كل وجهٍ ألْفُ ألْفِ لسانٍ وستمائة ألفٍ، كل لسانٍ يسبح اللَّه بألْفِ ألْفِ لُغةٍ، خلق اللَّه من لغات العرش خَلْقًا فِي مَلَكُوتِهِ يسبحه ويقدسه بتلك اللغة" (٣).

стр. 878

وقال ابن عبّاسٍ: "حَمَلةُ العرش ما بين كَعْبِ أحَدِهِمْ إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عامٍ، أرْجُلُهُمْ في الأرض السفلى، ورؤوسهم تحت العرش، وهم خُشُوعٌ لا يرفعون طَرْفَهُمْ، وهم أشد خوفًا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفًا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفًا من التي تليها" (١). ورُوِيَ عن جعفر بن محمدٍ عن أبيه عن جَدِّهِ أنه قال: إن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خَفَقانَ الطَّيْرِ المسرعة ثمانين ألف عام، والعرش يُكْسَى كُلَّ يوم تسعين ألْفَ ألْفِ لَوْنٍ من النور، لا يستطيع أن يَنْظُرَ إليه خَلْقٌ من خلق اللَّه تعالى، والأشياء كلها في العرش كحلقةٍ في فَلاةٍ مُلْقاةٍ، وحول العرش صفوفٌ من الملائكة الكَرُوبِيِّينَ (٢) لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلا اللَّه، يطوفون بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فإذا رفعوا أصواتهم قالوا: سبحانك وبحمدك، ما أعْظَمَكَ وأجَلَّكَ، أنت اللَّه لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجُونَ، وجعل اللَّهُ بينه وبين الملائكة الذين هم حول العرش سبعين حجابًا من نار، وسبعين حجابًا من ظُلْمةٍ، وسبعين حجابًا من نور، وسبعين حجابًا من دُرِّ أبْيَضَ، وسبعين حجابًا من ياقُوتٍ أحْمَرَ، وسبعين حجابًا من زُمُرُّذٍ أخْضَرَ، وسبعين حجابًا من دُرٍّ أصْفَرَ، وسبعين حجابًا من ثَلْجٍ، وسبعين حجابًا من بَرَدٍ، وسبعين حجابًا من ماء، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه (٣).

стр. 879

قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني العذاب ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يريد: يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ لأن المُعافَى من العذاب مَرْحُومٌ، وهذا جواب الشرط، ومحل "مَنْ" يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء، ويجوز أن يكون نصبًا بـ "تَقِ"، وحذفت الياء للشرط. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: بغض اللَّه لكم فِي الدنيا ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾ أكبر من بغضكم أنفسكم عند حلول العذاب بكم، والمَقْتُ: البُغْضُ والبَراءةُ (١). قال البصريون (٢): وهذه اللام لام الابتداء، ومثله في العربية: لَزَيْدٌ أفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو. وقال أحمد بن يحيى ثعلب (٣): هي لام اليمين تدخل على الحكاية أو ما ضارَعَ الحكايةَ؛ لتدل على أن ما بعده استئنافٌ، ولا يجوز [أن يكون] (٤) من جوابات الأيمان. قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هذا قول الكفار فِي النار، وذلك أنهم كفروا بالبعث في الدنيا، وأقَرُّوا في الآخرهَ بِمَوْتَيْنِ وحَياتَيْنِ، يعني: أنهم كانوا نُطَفًا، فأحياهم لَمّا خَلَقَهُمْ فهذه موتةٌ وحياةٌ، ثم أماتهم عند

стр. 880

آجالهم ثم بعثهم في الآخرة، فهذه مَوْتةٌ وحَياةٌ أخرى، ثم قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ بأن البعث حقٌّ، وكانت ذنوبهم أنهم قالوا: لا بَعْثَ ولا نُشُورَ، ثم سألوا الرجعة إلى الدنيا، فقالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ يعني: من النار ﴿مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ من طريق إلى الدنيا، فنَعْمَلَ بطاعتك وما يرضيك، ونصب ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ على المصدر فِي الموضِعين، وقيل: نصب ذلك لأنه أقيم مقام المصدر تقديره: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ (١). قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: مخلصين له التوحيد والطاعة، وهو نصبٌ على الحال ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ من أهل مكة. ثم عَظَّمَ نَفْسَهُ، فقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ يعني الكبرياء والعظمة في السماوات، والرفيع بمعنى الرافع، والمعنى: أنه يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقه ومالكه، وهو مرفوعٌ على إضمار مبتدأٍ، قال الأخفش (٢): ويجوز نصبه على المدح، وقيل: ﴿رَفِيعُ﴾ ابتداءٌ، و ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ نعته، وخبره ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾. ويحتمل أن يكون ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خَبَرَ الابتدإءِ، ويحتمل أن يكون ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ خَبَرًا لابتداءٍ محذوفٍ كما تقدم، تقديره: هو رفيعٌ. قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ يعني: يُنَزِّلُ الوَحْيَ من السماء بأمره، وقيل: من قضائه ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وسمّاهُ رُوحًا لأنه تَحْيا به القلوبُ كما تَحْيا بالأرواح.
следующие страницы →