← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

بَعْدِهِمْ﴾ من بعد قوم نوح، نحو عادٍ وثمود فَمَنْ بَعْدَهُمْ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ قَصَدُوهُ ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ ويقتلوه، قال الفراء (١): كان حقه أن يقول: "بِرَسُولِها"، وكذلك هي فِي قراءة عبد اللَّه (٢)، ولكنه أراد بالأمة الرِّجالَ، فلذلك قال: ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾. قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: خاصَمُوا رُسُلَهُم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٣)، فَهَلَّا أرْسَلَ اللَّهُ إلينا ملائكةً، وأمثالَ هذا من القول؛ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الذي جاءت به الرسل، ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ يريد: بالعذاب ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ استفهامُ تقريرٍ لعقوبتهم الواقعة بهم. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثلما حَقَّ على الأمم المكذبة ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالعذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ وقال الأخفش (٤): معناه: لأنهم أو بأنهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ محل ﴿الَّذِينَ﴾ رفعٌ على الابتداء، وخبره ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، و ﴿حَوْلَهُ﴾ نصب على الظرف. وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ بالتحميد والتسبيح ﴿وَيُؤْمِنُونَ

стр. 877

بِهِ﴾ يصدِّقون بأنه واحدٌ لا شريك له ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾؛ أي: ويقولون -يعني حمَلة العرش ومن حوله-: ﴿رَبَّنَا﴾ نداءٌ مضافٌ ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ نصبٌ على التفسير، وقيل: على المصدر، وقيل (١): على النقل أي: وَسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ من الشِّرك ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دِينَكَ الإسلامَ ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾. فصْلٌ فِي بعض صفات العَرْش وحمَلَته ومن حوله على الاختصار رَوَى لقمانُ بنُ عامرٍ (٢) عن أبيه قال: "إن اللَّه خلق العرش من جوهرةٍ خضراءَ، وجعل له ألْفَ ألْفِ رَأْسٍ، في كل رأس ألْفُ ألْفِ وجهٍ، وستمائة ألف وجهٍ، الوجه الواحد كطبقات الدنيا ألْفَ ألْفِ مَرّةٍ، وستمائة ألف مرة، فِي كل وجهٍ ألْفُ ألْفِ لسانٍ وستمائة ألفٍ، كل لسانٍ يسبح اللَّه بألْفِ ألْفِ لُغةٍ، خلق اللَّه من لغات العرش خَلْقًا فِي مَلَكُوتِهِ يسبحه ويقدسه بتلك اللغة" (٣).

стр. 878

وقال ابن عبّاسٍ: "حَمَلةُ العرش ما بين كَعْبِ أحَدِهِمْ إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عامٍ، أرْجُلُهُمْ في الأرض السفلى، ورؤوسهم تحت العرش، وهم خُشُوعٌ لا يرفعون طَرْفَهُمْ، وهم أشد خوفًا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفًا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفًا من التي تليها" (١). ورُوِيَ عن جعفر بن محمدٍ عن أبيه عن جَدِّهِ أنه قال: إن بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خَفَقانَ الطَّيْرِ المسرعة ثمانين ألف عام، والعرش يُكْسَى كُلَّ يوم تسعين ألْفَ ألْفِ لَوْنٍ من النور، لا يستطيع أن يَنْظُرَ إليه خَلْقٌ من خلق اللَّه تعالى، والأشياء كلها في العرش كحلقةٍ في فَلاةٍ مُلْقاةٍ، وحول العرش صفوفٌ من الملائكة الكَرُوبِيِّينَ (٢) لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلا اللَّه، يطوفون بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فإذا رفعوا أصواتهم قالوا: سبحانك وبحمدك، ما أعْظَمَكَ وأجَلَّكَ، أنت اللَّه لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجُونَ، وجعل اللَّهُ بينه وبين الملائكة الذين هم حول العرش سبعين حجابًا من نار، وسبعين حجابًا من ظُلْمةٍ، وسبعين حجابًا من نور، وسبعين حجابًا من دُرِّ أبْيَضَ، وسبعين حجابًا من ياقُوتٍ أحْمَرَ، وسبعين حجابًا من زُمُرُّذٍ أخْضَرَ، وسبعين حجابًا من دُرٍّ أصْفَرَ، وسبعين حجابًا من ثَلْجٍ، وسبعين حجابًا من بَرَدٍ، وسبعين حجابًا من ماء، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه (٣).

стр. 879

قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني العذاب ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يريد: يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ لأن المُعافَى من العذاب مَرْحُومٌ، وهذا جواب الشرط، ومحل "مَنْ" يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء، ويجوز أن يكون نصبًا بـ "تَقِ"، وحذفت الياء للشرط. قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني: بغض اللَّه لكم فِي الدنيا ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾ أكبر من بغضكم أنفسكم عند حلول العذاب بكم، والمَقْتُ: البُغْضُ والبَراءةُ (١). قال البصريون (٢): وهذه اللام لام الابتداء، ومثله في العربية: لَزَيْدٌ أفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو. وقال أحمد بن يحيى ثعلب (٣): هي لام اليمين تدخل على الحكاية أو ما ضارَعَ الحكايةَ؛ لتدل على أن ما بعده استئنافٌ، ولا يجوز [أن يكون] (٤) من جوابات الأيمان. قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ هذا قول الكفار فِي النار، وذلك أنهم كفروا بالبعث في الدنيا، وأقَرُّوا في الآخرهَ بِمَوْتَيْنِ وحَياتَيْنِ، يعني: أنهم كانوا نُطَفًا، فأحياهم لَمّا خَلَقَهُمْ فهذه موتةٌ وحياةٌ، ثم أماتهم عند

стр. 880

آجالهم ثم بعثهم في الآخرة، فهذه مَوْتةٌ وحَياةٌ أخرى، ثم قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ بأن البعث حقٌّ، وكانت ذنوبهم أنهم قالوا: لا بَعْثَ ولا نُشُورَ، ثم سألوا الرجعة إلى الدنيا، فقالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ يعني: من النار ﴿مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ من طريق إلى الدنيا، فنَعْمَلَ بطاعتك وما يرضيك، ونصب ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ على المصدر فِي الموضِعين، وقيل: نصب ذلك لأنه أقيم مقام المصدر تقديره: أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ (١). قوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: مخلصين له التوحيد والطاعة، وهو نصبٌ على الحال ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ من أهل مكة. ثم عَظَّمَ نَفْسَهُ، فقال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ يعني الكبرياء والعظمة في السماوات، والرفيع بمعنى الرافع، والمعنى: أنه يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقه ومالكه، وهو مرفوعٌ على إضمار مبتدأٍ، قال الأخفش (٢): ويجوز نصبه على المدح، وقيل: ﴿رَفِيعُ﴾ ابتداءٌ، و ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ نعته، وخبره ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾. ويحتمل أن يكون ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خَبَرَ الابتدإءِ، ويحتمل أن يكون ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ خَبَرًا لابتداءٍ محذوفٍ كما تقدم، تقديره: هو رفيعٌ. قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ يعني: يُنَزِّلُ الوَحْيَ من السماء بأمره، وقيل: من قضائه ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وسمّاهُ رُوحًا لأنه تَحْيا به القلوبُ كما تَحْيا بالأرواح.

стр. 881

قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ يعني: يوم يلتقي أهلُ السماء وأهلُ الأرض، وقرأ الحسن: "لِتُنْذِرَ" بالتاء (١)، وهو مخاطبةٌ للنبي ﷺ ، وتَأوَّلَ أبو عُبيدٍ قراءة من قرأ: "لِيُنْذِرَ" بالياء أن المعنى: لِيُنْذِرَ اللَّهُ (٢)، قال الزجّاج (٣): والأجود أن يكون للنبي ﷺ لأنه أقرب. و ﴿يَوْمَ﴾ نصبٌ برفع حرف الصفة تقديره: لينذركم يومَ التلاق (٤). . . . .؛ لأنه رأس آية (٥). قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾؛ أي: خارجون من قبورهم ظاهرون، لا يَسْتُرُهُمْ

стр. 882

شَيْءٌ، ومحل ﴿هُمْ﴾ رفعٌ بالابتداء، و ﴿بَارِزُونَ﴾ خبره، وقال ابن الأنباري (١): موضع ﴿هُمْ﴾ رفعٌ ب ﴿بَارِزُونَ﴾، و ﴿بَارِزُونَ﴾ رفع بـ ﴿هُمْ﴾، و ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ حرفان: في هذه السورة وفي سورة الذاريات: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٢). قال: وإنّما صار هذا حَرْفَيْنِ لأن ﴿هُمْ﴾ فِي موضع رفعٍ بما عادَ من ﴿يُفْتَنُونَ﴾، وقوله: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٣) و ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (٤) حرف واحدٌ؛ لأن ﴿هُمْ﴾ في موضع خفضٍ بإضافة اليوم إليه، والخافض والمخفوض بِمَنْزِلةِ حرفٍ واحدٍ. وقوله: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ لا يَسْتَتِرُ منهم أحَدٌ، ولا يخفى على اللَّه من أعمالهم شيءٌ، ثم يقول اللَّه فِي ذلك اليوم: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وذلك عند فناء الخلق، حِينَ لا أحَدَ يُجِيبُهُ، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ الذي قَهَرَ خَلْقَهُ بالموت، فهو السائل وهو المجيب ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يَجْزِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾. فصْلٌ عن ابن مسعودٍ قال: "يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يوم القيامة في صعيدٍ واحدٍ بأرضٍ بيضاءَ، كأنها سَبِيكةُ فِضّةٍ، لَمْ يُعْصَ اللَّهُ عليها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يُتَكَلَّمُ به: أنْ

стр. 883

يُنادِيَ مُنادٍ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. . . الآية" (١). وقال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: أنا المَلِكُ، أنا الدَّيّانُ، لا ينبغي لأحَدٍ من أهل الجنة أنْ يَدْخُلَ الجنةَ، ولا لأحَدٍ من أهل النارِ أنْ يَدْخُلَ النارَ، وعنده مظلَمة حتى أقْضِيَهُ منه"، ثم تلا هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ يا محمد، يعني: أهل مكة ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ يعني يوم القيامة، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها قريبة، وإن استبعد الناسُ أمْرَها (٣)؛ إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، يقال: أزِفَ الشَّيءُ يَأْزَفُ أزَفًا فهو آزِفٌ، ويقال: أزِفَتْ فهي آزِفةٌ، وأزِفَ شُخُوصُ فُلانٍ: إذا قَرُبَ (٤)، وأزِفَ الأمرُ: أي دَنا وقَرُبَ، قال النابغة: ٢١٣ - أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنّ رِكابَنا... لَمّا تَزُلْ بِرِحالِنا، وَكَأنْ قَدِ (٥)

стр. 884

أي: قَرُبَ، ونظير هذه الآية: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (١)؛ أي: قَرُبَتِ القِيامةُ، ومحل ﴿يَوْمَ﴾ نصب بِنَزْعِ الصفة؛ أي: ليوم الآزفة، وقيل: نصب على الظرف (٢). وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ يعني مغمومين مكروبين، ممتلئين غَمًّا وخَوْفًا وحُزْنًا، والكاظم: المُمْسِكُ للشيء على ما فيه، ومنه: كَظَمَ قِرْبَتَهُ: إذا شَدَّ رَأْسَها. وهو منصوبٌ على الحال والقطع (٣)، وقيل: على التفسير، وأجاز الفراء رفع ﴿كَاظِمِينَ﴾ على أنه خبرٌ للقلوب، وقال (٤): لأن المعنى: إذْ هُمْ

стр. 885

كاظِمُونَ، وقال الكسائي (١): يجوز رفعه على الابتداء. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾. . . الآية، قال ثعلب (٢): لَمْ يسألهم مِنْ باب الأمر والنهي، ولكن من باب المشورة؛ أي: أشِيرُوا عَلَيَّ. وإنما قال هذه الآية لأنه كان فِي خاصّةِ قوم فرعون مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ قَتْلِهِ خَوْفًا من الهلاك (٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال مقاتلٌ والسُّدِّيُّ (٤): كان قبطيًّا، وهو ابن عَمِّ فرعونَ ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ﴾؛ أي: لأنْ يَقُولَ ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهو استفهام إنكارٍ ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بِما يَدُلُّ على صدقه من المعجزات، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، ولا يضركم ذلك ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ وكذبتموه ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من العذاب، وهو شرطٌ وجزاءٌ، والمراد بالبعض في هذه الآية الكُلُّ؛ لأن العرب تذكر البعض وتريد الكل (٥)، قال لبيد: ٢١٤ - تَرّاكُ أمْكِنةٍ إذا لَمْ أرْضَها... أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها (٦)

стр. 886

أراد: كل النفوس. وقال الليث (١): البعض هاهنا صلةٌ، يريد: يصبكم الذي يعدكم، وقال ثعلب (٢): وَعَدَهُمْ بشيئين من العذاب: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فقال: يصبكم هذا العذاب فِي الدنيا، وهو بعض الوعدين، وقال أهل المعانِي (٣): هذا على المُظاهَرةِ فِي الحِجاجِ، كأنه قال لهم: أقَلُّ ما يكون فِي صِدْقِهِ أن يصيبكم بعضُ الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هَلاكُكُمْ، فَذَكَرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ الكُلَّ، لا أنّ البعضَ الكل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى دينه ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ مُفْتَرٍ للكذب. قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: عالِينَ في أرض مِصْرَ، وهو منصوبٌ على الحال، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾؛ أي: فمن يمنعنا من عذاب اللَّه ﴿إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ من الرأي والنصيحة ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾؛ أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى.

стр. 887

﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠)﴾، ثم فَسَّرَ ذلك فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: مثل حالهم وعادتهم فِي التكذيب، وما أصابهم من العذاب، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾ فلا يهلكهم قبل إيجاب الحُجّة عليهم، و ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ نصبٌ على البدل من ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾، وهو مفعولٌ لقوله: ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾. ثم حَذرَهُمْ المؤمنُ عذابَ الآخرة، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ مفعولٌ، يعني يوم القيامة، يُنادَى فيه كُلُّ أناس بإمامهم، ويُنادِي فيه أهْلُ النّارِ أهْلَ الجنة، وأهْلُ الجنةِ أهْلَ النارِ، ويُنادَى فيه بسعادة السعداء، وشقاوةِ الأشقياءِ، فيقال: ألا إن فلان ابن فلانٍ سَعِدَ سَعادةً لا شقاء بعدها أبدًا، ألا إن فلان ابن فلانٍ شَقِيَ شَقاوةً لا سَعْدَ بعدها أبدًا" (١). قرأ العامة: "التَّنادِ" بتخفيف الدال، وقرأ الحسن وابن كثيرٍ: "التَّنادِي" بتخفيف الدال وإثبات الياء على الأصل في الوقف والوصل، وأثبت وَرْشٌ الياءَ في الوصل فقط، وقرأ الباقون بغير ياءٍ في الحالين، وقرأ ابن عبّاسٍ والضحّاك بتشديد الدال (٢) على معنى: يوم التنافر. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ﴾ بدلٌ من ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ منصرفين عن موقف

стр. 888

الحساب إلى النار، وهو نصب على الحال ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانعٍ يمنعكم من عذابه ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لوزيره: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يعني قصرًا مُشَيَّدًا من آجُرٍّ، والصَّرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظرين وإن بَعُدَ، وأصله من التصريح وهو الإظهار ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي طُرُقَها وأبْوابَها ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ قرأه العامة برفع العين نسقًا على قوله: ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾، وقرأ الأعرج بنصب العين، ومثلَه رَوَى حَفْصٌ عن عاصم (١) على جواب ﴿لَعَلِّي﴾ بالفاء، وأنشد الفَرّاءُ لبعض العرب (٢): ٢١٥ - عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْدُولاتِها تُدِيلُنا اللَّمّةَ مِنْ لَمّاتِها فتسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفَراتِها (٣)

стр. 889

فنصب الحاء على جواب حرف التمني. قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ يعني: فِي الدنيا إذا نزل بكم العذابُ فِي الآخرة حين لا ينفعكم الذِّكْرُ فِي الآخرة ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ وذلك أنهم تَوَعَّدُوهُ بالقتل لِمُعخالَفةِ دِينِهِمْ، وأصل التفويض في اللغة أن يَكِلَ الرَّجُلُ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه قول الشاعر: ٢١٦ - لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لَهُمْ... وَلا سَراةَ إذا جُهّالُهُمْ سادُوا (١) يعني: إذا لَمْ يكن لَهُمْ رئيسٌ، وإنما يَكِلُ الأمْرَ بَعْضُهُمْ إلى بعض ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾. قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾؛ أي: ما أرادوا به من الشر، ﴿وَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط ونزل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ﴾ رفعٌ

стр. 890

على البدل من السوء (١)، وذلك أن اللَّه أغرقهم في الدنيا، وفي الآخرة لهم عذاب النار ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحًا ومساءً، وأصل العرض إظهار الشيء، قال أبو جعفرٍ (٢): ﴿غُدُوًّا﴾ مصدرٌ جُعِلَ ظرفًا على السَّعةِ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ نصبٌ على الظرف أو مفعولٌ (٣)، ويريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أُغْرِقُوا. قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة إلا أبا بكرٍ ويعقوب: "أدْخِلُوا" بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال، وقرأ الباقون (٤) بوصل الألف وضم الخاء من الدُّخُولِ. فمن قرأ بضم الخاء نصب "آلَ" على النداء المضاف، كأنك قلت: ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ، ومن قرأ بالكسر نصبه بوقوع الفعل عليهم؛ أي: يقال للملائكة: أدْخِلُوا آلَ فرعون أشَدَّ العذاب، ومن قرأ بالوصل فهو على الأمر لهم بالدخول.

стр. 891

فصْلٌ عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الكافر إذا مات عُرِضَ على النّارِ بالغَداةِ والعَشِيِّ"، ثم تلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، "وإن المؤمن إذا مات عُرِضَ رُوحُهُ على الجنة بالغَداةِ والعَشِيِّ" (١). ورَويَ أيضًا ابنُ عمرَ أن النبي ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَداةِ والعَشِيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك اللَّه يوم القيامة" (٢). رواه البخاري عن إسماعيل بن أبِي أُويْسٍ (٣)، ورواه مسلمٌ عن يحيى بنِ يحيى (٤)، كلاهما عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عُمرَ. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾؛ أي: واذكر يا محمدٌ لقومك إذ يختصمون فِي النار ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾

стр. 892

عن الإيمان وهم القادة ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ يعني: على دِينكم في الدنيا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾؛ أي: حاملون عنا باتباعنا إياكم ﴿نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾ يعني: بعض العذاب، والتَّبَعُ يكون واحدًا وجمعًا فِي قول نحاة البصرة، واحده: تابع (١)، وقال أهل الكوفة (٢): هو جمع لا واحد له كالمصدر، وجمعه أتباعٌ، وقيل (٣): هو مصدرٌ فِي موضع خَبَرِ "كان"؛ ولذلك لَمْ يُجْمَعْ. قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة للضعفاء، وهم الأتباع: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾؛ أي: فِي النار نحن وأنتم ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾؛ أي: فَصَلَ بينهم، وقوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ قرأه العامة برفع ﴿كُلٌّ﴾ على الخبر؛ لأنه ابتداءٌ تقديره: كُلُّنا فيها، وقرأ ابن السَّمَيْفَع: "إنّا كُلًّا فِيها" (٤) بالنصب، جعلها نعتًا وتأكيدًا لـ ﴿إِنَّا﴾ (٥).

стр. 893

قوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ يعني: من الضلالة ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣)﴾ يعني التوراة ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾؛ أي: هو هدًى وتذكيرٌ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤)﴾؛ أي: لأهل العقول والبصائر، وقيل: ﴿هُدًى﴾ في موضع نصبٍ على الحال، أي: هادِيًا، ﴿وَذِكْرَى﴾ عطفٌ عليه، وإن شئت قلت: هو نصبٌ على القطع من الكتاب. قوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ شرطٌ وجزاءٌ؛ أي: وَحِّدُونِي واعبدونِي دون يخري أُثِبْكُمْ وأغْفِرْ لكم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يعني: عن توحيدي وطاعتي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ يعني: صاغرين ذليلين، وهو نصبٌ على الحال، وقد مضى نظيره في سورة النمل (١). قرأ ابن كثيرٍ وأبو جعفرٍ وأبو حاتمٍ: "سَيُدْخَلُونَ" بضم الياء وفتح الخاء على ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، واختُلِفَ فيه عن أبِي عمرٍو وعاصمٍ، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الخاء على تسمية الفاعل (٢). قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يعني: لتستقروا فيه من النَّصَبِ ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لابتغاء الرزق، و ﴿جَعَلَ﴾ هاهنا بمعنى خَلَقَ، والعرب تفرق بين ﴿جَعَلَ﴾ إذا كانت بمعنى "خَلَقَ"، وبين ﴿جَعَلَ﴾ إذا لَمْ يكن بمعنى "خلق"، ولا تُعَدِّيها إلَّا فِي مفعولٍ واحدٍ إذا كانت بمعنى "خَلَقَ"، وإذا لَمْ تكن بمعنى "خَلَقَ" عَدَّتْها إلى مفعولين كقوله

стр. 894

تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ عطف النهار على الليل، ونصب ﴿مُبْصِرًا﴾ على الحال. قوله : ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ قال الفراء (٢): هو خبرٌ، وفيه إضمارُ الأمرِ، مجازه: فادْعُوهُ واحْمَدُوهُ، وقال ابن عبّاسٍ: "من قال: لا إله إلا اللَّه فَلْيَقُلْ على إثْرِها: الحمد للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" (٣)، و ﴿مُخْلِصِينَ﴾ منصوبٌ على الحال. قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني آدم ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ذريته ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ يعني: مثل الدم ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ يعني: أطفالًا، قال يونس: العرب تجعل الطفل للواحد والجماعة، نظيره قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٤)، وهو منصوبٌ على الحال، وقد ذكرتُ نظيرها فِي سورة الحج (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ يعني: عذابنا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ نصبٌ على المصدر ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾؛ أي: تَبَرَّأْنا مما كُنّا نعبد من دون اللَّه ونَعْدِلُ به ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ يريد: هذا قضاءٌ في خَلْقِي أنّ مَنْ كَذَّبَ أنبيائي وجَحَدَ

стр. 895

رُبُوبِيَّتِي فإذا نزل به العذابُ اسْتَكانَ وتَضَرَّعَ، لَمْ يَنْفَعْهُ ذلك عندي (١). والمعنى: سَنَّ اللَّهُ هذه السُّنّةَ فِي الأمم كُلِّها ألَّا ينفعهم الإيمانُ إذا رَأوا العذابَ، وفِي نصب ﴿سُنَّتَ﴾ ثلاثة أوجهٍ أحدها: بِنَزْعِ الخافض أي: كَسُنّةِ اللَّهِ (٢)، والثانِي: على المصدر؛ لأن العرب تقول: سَنَّ يَسُنُّ سَنًّا وسُنّةً (٣)، والثالث: على التحذير (٤) أي: احْذَرُوا سُنّةَ اللَّه، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ (٥). قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾؛ أي: هَلَكَ عند ذلك المُكَذِّبُونَ: يعني: يوم القيامة، و ﴿هُنَالِكَ﴾ من أسماء المواضع، وتستعمل في الأزمنة، و"هُنا" إشارةٌ إلى الغائب كما أن "هَذا" إشارةٌ إلى الحاضر، واللام توكيدٌ والكاف اسمٌ للمخاطَب (٦)، وكُسِرَتِ اللامُ لالتقاء الساكنين، ومثلها في الآية قبلها، وقد ذكرت نظيرها في سورة آل عمران (٧)، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.

стр. 896

سورة السجدة مكية وهي ثلاثة آلافٍ وثلاثمائةٍ وخمسون حرفًا، وسبعمائةٍ وستٌّ وتسعون كلمةً، وأربعٌ وخمسون آيةً. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعبٍ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة ﴿حم﴾ السجدة أُعْطِيَ من الأجر بعدد كل حرفٍ منها عَشْرَ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفِعَ له عشرُ درجاتٍ، بِعَدَدِ مَنْ سَجَدَ للَّهِ طَوْعًا" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة السجدة خَرَّ العَرْشُ وحَمَلَتُهُ سُجَّدًا، حتى يُقالَ: ارفعوا نُورَ فلانٍ؛ فإنه أثقل مما تحملون" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿حم (١)﴾ افتتح اللَّه السورة بحرفين من حروف

стр. 897

الهجاء، وجعلهما افتتاحًا للسورة وشعارًا لَها. قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ يعني القرآن، و ﴿تَنْزِيلٌ﴾ رفع خبر الابتداء، والابتداء قوله: ﴿حم﴾ (١)، والحكمة أن يكون خَبَرَ ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: هذا القرآن تَنْزِيلُ، وقال الأخفش (٢) والزَّجّاجُ (٣): ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأٌ، وخبره قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: بُيِّنَ حَلالُهُ وحَرامُهُ، وأمْرُهُ ونَهْيُهُ، ووَعْدُهُ ووَعِيدُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾؛ أي: يفهمون اللسان العَرَبِيَّ، ولو كان غَيْرَ عَرَبِيٍّ لَما عَلِمُوهُ. وفي نصب القرآن ستة أوجهٍ، أحدها: أنه شُغِلَ الفعلُ بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل، ونصب القرآن بوقوع البيان عليه (٤)، والثانِي: على المدح (٥)، والثالث: على إعادة الفعل؛ أي: فَصَّلْناهُ قرآنًا عَرَبِيًّا (٦)، والرابع: على إضمارِ

стр. 898

فِعْلٍ، أي: ذَكَرْنا قُرْآنًا (١)، والخامس: على الحال (٢)، والسادس: على القطع (٣). قوله : ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني: القرآن بشيرًا لأولياء اللَّه بالجنة، ونذيرًا لأعدائه بالنار، وهما نعتان، أو حال للقرآن (٤). قوله : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ يا أهل مكة ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ استفهامُ إنكارٍ، والمعنى: خَلَقَها وخَلَقَ السماواتِ فِي يومينِ، ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٥)، أي: قَضَى خَلْقَهُنَّ وخَلْقَ الأرضِ فِي يومينِ: الأحدِ والاثنينِ، ولو أراد أن يَخْلُقَهُما فِي لَحْظةٍ واحدةٍ لفَعَلَ، ولكنه أحب أن يُبْصِرَ الخَلْقُ وُجُوهَ الآيات والقدرة على خلق السماوات والأرض، ولأنّ المخلوقين كُلَّهُمْ والملائكةَ المقربين لو اجتمعوا على أن يخلقوا مقدارَ ذَرِّةٍ فقط ما قَدَرُوا (٦).

стр. 899

قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ يعني شركاء، ﴿ذَلِكَ﴾ يعني الذي خلق الأرض فِي يومين هو ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾؛ أي: سَيِّدُهُمْ ومالكهم، والقائمُ بأمورهم أجمعين. قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ يعني: فِي الأرض ﴿رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ يعني الجبال، جعلها أوتادًا للأرض لِئَلَّا يَزُولَ مَنْ عليها ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يعني: بالثمارِ والزروعِ والأشجارِ والنباتِ والحبوبِ والأنهارِ وغَيْرِ ذلك مما لا تدركه الأبصارُ. ثم قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ جمع قُوتٍ، يعني: قَدَّرَ فيها أرزاق أهلها ومعايشهم، وقسم أرزاق العياد والبهائم، وخَلَقَ فيها بحارَها وأنْهارَها ودَوابَّها وأشْجارَها وثمارَها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ يعني: فِي تَمامِ أَربعة أيامٍ، كقولك: سِرْنا من البصرة إلى واسِطٍ (١) فِي خمسة أيامٍ، ثم إلى بَغْدادَ فِي عشرة أيامٍ، أي: تَتِمّةِ عشرة أيامٍ، لا أنّ الكُلَّ خَمْسةَ عَشَرَ يومًا (٢)، وذلك لأنه تعالى خلق الأرض في يومين: الأحدِ والاثنينِ، وقَدَّرَ فيها أقْواتَها في يوم الثلاثاء والأربعاء، وهما مع الأحد والاثنين أربعةٌ. ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "خلق اللَّه تعالى الأرضَ يوم السبت،

стр. 900

والجبالَ يوم الأحد، والشجرَ يومَ الاثنين، والمكروهَ يومَ الثلاثاء، والنورَ يومَ الأربعاء، والدوابَّ يومَ الخميس، وآدَمَ يومَ الجمعة" (١). وقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾ يعني: لا زيادة ولا نقصان، جوابٌ لِمَنْ سَألَ: فِي كَمْ خُلِقَتِ الأرضُ والأقواتُ؟ فيقال: فِي أربعة أيامٍ (٢). قرأ أبو جعفرٍ: "سَواءٌ" مرفوعًا على الابتداء؛ أي: هي سَواءٌ للسائلين (٣)، وخَفَضَهُ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ على نعتِ قولِهِ: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (٤)، ونَصَبَهُ الباقون (٥) على المصدر، على معنى: استوت سَواءً واسْتِواءً، كما تقول: في

стр. 901

أرْبَعةِ أيّامٍ تَمامًا (١)، وقيل (٢): على الحال والقطع. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ أي: عَمَدَ وقَصَدَ إلى خَلْقِها، ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ بُخارٌ من الماء، فخَلَقَها سَماءً واحدهً، ثم فَتَقَها فجَعَلَها سَبْعًا في يوم الخميس والجمعة، ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ نصبٌ على المصدر، وهو في موضع الحال، كما تقول: أتَى فلانٌ مَشْيًا، قال الزَّجّاجُ (٣): معناه: أطِيعا طاعةً، أو تُكْرَها كَرْهًا. فأطاعتا وأجابتا بالطَّوْعِ، وهو قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ ذهب به إلى السماوات والأرض ومن فيهن، مجازه: أتينا بمن فينا طائعين (٤)، ولَمْ يقل: طائعات لأنه لَمّا نَزَّلَهُما مَنْزِلةَ مَنْ يعقل، مِنْ حَيْثُ خاطَبَهُما فأجابتا، جاءَتا على جَمْعِ مَنْ يعقل، ولَمّا وصفهما بالقول أجراهما إلى الجمع مُجْرَى من يعقل ويُمَيِّزُ، كما قال فِي النجوم: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٥)، والجمع منه تثنيةٌ ﴿قَالَتَا﴾ لأنهما فِي الجنس تثنيةٌ، وفِي الحقيقة أعدادٌ مجتمعةٌ.

стр. 902

ومعنى الآية: جِيئا بما خَلَقْتُ فيكما من المنافع، وأخرجاها وأظهراها لِخَلْقِي، قال المفسرون (١): "إن اللَّه قال للسماء: أمّا أنْتِ يا سَماءُ فأطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وأما أنْتِ يا أرْضُ! فَشَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ ونَباتَكِ، وقال لَهُما: افعلا ما آمُرُكُما به طَوْعًا، وإلا ألْجَأْتُكُما إلَى ذلك حتى تفعلاه كرها، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وهو منصوبٌ على الحال. فصْلٌ رُوِيَ في بعض الأخبار أن بعض الأنبياء ﵈ قال: "يا رَبِّ! لو أن السماوات والأرض حين قلتَ لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ عَصَياكَ، ما كُنْتَ صانِعًا بِهِما؟ قال: كنتُ آمُرُ دابّةً من دَوابِّي فتبتلعهما، قال: فأين تلك الدابة؟ قال: فِي مَرْجٍ من مُرُوجِي، قال: فأين ذلك المَرْجُ؟ قال: فِي عِلْمٍ مِنْ عِلْمِي" (٢). قوله : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أي: أتَمَّهُنَّ وصَنَعَهُنَّ وأحْكَمَهُنَّ، وفَرَغَ من خلقهن في يومين ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾؛ أي: أمَرَ في كل سَماءٍ بِما أراد من الأمر والنهي (٣)، وقيل (٤): خلق فيها شمسها

стр. 903

وقمرها ونجومها، وخلق في كل سماءٍ مِنَ الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَدِ والثُّلُوجِ ما لا يعلمه إلا هو، ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ نصبٌ على المصدر، أي: وَحَفِظْناها من استماع الشياطين بالكواكب حِفْظًا (١)، وقيل (٢): هو منصوبٌ على المعنى، كأنه قال: زِينةً وحِفْظًا ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: الذي ذكر من صنعه ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ فِي ملكه ﴿الْعَلِيمِ (١٢)﴾ بخلقه. قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ يريد: عن الإيمان بعد هذا البيان، ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ نصبٌ بِنَزْعِ الصفة، تقديره: بصاعقةٍ ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ أي: هلاكًا مثل هلاكهم، والصاعقة: المُهْلِكةُ من كل شيءٍ. قوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على قوم عادٍ ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: باردةً شديدةَ الصوتِ والهُبُوبِ، وهي الدَّبُورُ مأخوذةٌ من الصِّرِّ وهو البَرْدُ (٣)، وأصله من الصَّرِيرِ، فضُوعِفَ كما يقال: نَهْنَهْتُ وكَفْكَفْتُ. وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ يعني: متتابعاتٍ شديداتٍ نَكِداتٍ مَشْئُوماتٍ، ذوات نُحُوسٍ عليهم، ليس فيها من الخير شيءٌ، قرأ أبو جعفرٍ وابن عامرٍ

стр. 904

وأهل الكوفة: "نَحِساتٍ" بكسر الحاء، وقرأ الباقون بجزمه (١)، فالإسكان كعَبْلةٍ وعَبْلاتٍ، أو جَمَعَ المصدرَ، والنَّحِسُ من بناء الصفات كالفَرِقِ، وإن استُعْمِلَ فَرِقَ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ نَحِسَ، فقد استعمل فِي ضِدِّهِ سَعِدَ، واستعمل فَقِيرٌ كطَرِيفٍ، وإن لَمْ يأت فَقُرَ، فالنَّحِساتُ: ذَواتُ نَحْسٍ، قال أبو الحسن (٢): لَمْ نسمع فِي النَّحْسِ إلا الإسكانَ. هذا ما ذكره صاحب إنسان العين (٣)، وقال الزجّاج (٤): من قرأ بكسر الحاء فواحدها: نَحِسٌ، ومن قرأ بالسكون فواحدها: نَحْسٌ. فصْلٌ فِي معنى قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال ابن عبّاسٍ ﵁: "الأيامُ كُلُّها للَّهِ تعالى، ولكنَّ اللَّهَ جَعَلَ بعضَها سُعُودًا وبعضَها نُحُوسًا، كما أن الخَلْقَ كُلَّهُمْ عَبيدٌ، ولكنَّ اللَّهَ خَلَقَ بعضَهم للجنة، وبعضَهم للنار، وما مِنْ شَهْرٍ إلا وفيه سبعة أَيام نَحِسةٍ، فاليوم الثالث من الشهر نَحْسٌ، قَتَلَ فيه قابيلُ أخاه هابيلَ، فجعله اللَّه نَحْسًا على بني آدم، واليوم الخامس من كل شهرٍ نَحْسٌ؛ لأن اللَّه تعالى أخرج فيه آدمَ من الجنة، وفيه أرسل العذاب على قوم يونس، وفيه طُرِحَ يوسفُ فِي الجُبِّ، واليوم الثالث عشر من

стр. 905

كل شهرٍ نَحْسٌ؛ لأن اللَّه تعالى سَلَبَ فيه مُلْكَ أيُّوبَ، وأرْسَلَ عليه البلاءَ، وفيه سَلَبَ مُلْكَ سُلَيْمانَ، وفيه قَتَلَتِ اليَهُودُ الأنبياءَ، فجعله اللَّه تعالى نَحْسًا، ويومُ أحَدٍ وعشرين من كل شهرٍ نَحْسٌ؛ لأن اللَّه تعالى خَسَفَ فيه بقوم لُوطٍ، ومَسَخَ سَبْعَمِائةِ نصرانِيٍّ خَنازِيرَ، ومَسَخَ اليَهُودَ قُرُودًا، وفيه شَقَّ اليَهُودُ زَكَرِيّا بالمَناشِيرِ، فجعله اللَّه نَحْسًا، واليوم الرابع والعشرون من كل شهرٍ نَحْسٌ؛ لأن اللَّه تعالى خَلَقَ فيه فِرْعَوْنَ، وفيه وُلدَ، وفيه ادَّعَى الرُّبُوبِيّةَ، وفيه غَزِقَ، وفيه أرْسَلَ اللَّهُ تعالى الطوفانَ والجراد والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ على قوم فرعون، فجعله اللَّه نَحْسًا، واليوم الخامس والعشرون من كل شهرٍ نَحْسٌ؛، لأن فيه شَقَّ النُّمْرُوذُ بنُ كَنْعانَ بُطُونَ سبعين ألفَ امرأةٍ، وفيه طُرِحَ الخَلِيلُ فِي النار، وفيه غَرِقَتْ ناقةُ صالحٍ، وفيه دَمْدَمَ اللَّهُ على قوم صالحٍ، فجعله اللَّه نَحْسًا، ومن الأربعاء من آخر الشهر نَحْسٌ؛ لأن اللَّه تعالى سَمّاهُ يَوْمَ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، وفِي قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (١)، فكانت فِي يوم الأربعاء من آخر الشهر، وفِي قوله تعالى فِي قوم صالح: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٢)، كانت يوم الأربعاء من آخر الشهر، فَبَيَّنَ اللَّهُ تعالى الأيامَ النَّحِساتِ فِي كتابه؛ لِيَتَجَنَّبَ فيها العاقلُ سَبْعَ خِصالٍ، فإنه مَنْ فَعَلَ من ذلك شيئًا أصبح من الخاسرين، فاجْتَنِبُوا فيهن حَفْرَ الآبار، وغَرْسَ الأشجار، واجْتَنِبُوا فيهن الدخولَ على النساء عند العُرْسِ، واجتنبوا فيهن شَرَّ البهائم والخَدَمِ، ولُبْسَ الثياب الجُدُدِ، واجتنبوا فيهن النكاح والتزويجَ، واللَّه يهدي من يشاء إلى ما يريد" (٣).

стр. 906

قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: فَبَيَّنّا لَهُمْ سَبِيلَ الهدي، و ﴿ثَمُودُ﴾ رفعٌ بالابتداء، ولَمْ ينصرف لأنه معرفةٌ، اسم للقبيلة، وقد قرأه الأعمش ويحيى ابن وَثّابٍ بالصرف، وجَعَلاهُ اسمًا للحَيِّ، ورُوِيَ أيضًا عن الأعمش وعاصمٍ وابن أبِي إسحاق أنهم قَرَؤوهُ بالنصب وتَرْكِ الصَّرْفِ، ونَصَبُوهُ على تقدير: فهدينا ثَمُودَ هَدَيْناهُمْ (١)، وقرأه الباقون مرفوعًا غير منوَّنٍ (٢)، جعلوه اسمًا للقبيلة، ورفعوه على الابتداء. وقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ يعني: فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾؛ أي: ذِي الهُونِ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: من مشركي قريشٍ ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾؛ أي: الْغَطُوا فيه، وارفعوا أصواتكم بالأشعارِ والكلامِ فِي وجوههم، حتى يلتبس عليهم قَوْلُهُمْ فَيَسْكُتُوا، قرأ عيسى بن عمر: "والْغُوا فِيهِ" بضم الغين (٣)، وقرأه العامة بالفتح، قال الأخفش (٤): مَنْ فَتَحَ الغينَ كان

стр. 907

مِنْ: لَغا يَلْغَى، مثل: طَغَى يَطْغَى، ومَنْ ضَمَّ الغَيْنَ كان من: لَغا يَلْغُو، مثل: دَعا يَدْعُو. يقال: لَغا يَلْغُو لَغْوًا، فَهُوَ لَغ، واللَّغا واللَّغْوُ: كل كلامٍ لا وجه له، ولا فائدة فيه، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾؛ أي: لكي تغلبوا محمدًا وأصحابَه فيسكتون. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾؛ أي: ذلك العذاب الشديد جزاء أعداء اللَّه، وقوله: ﴿النَّارُ﴾ بَدَلٌ من قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، وإن شئت قلت: هو النارُ (١) ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ دار إقامةٍ، لا انتقال منها ﴿جَزَاءً﴾ منصوبٌ على المصدر أو مفعولٌ من أجله أي: للجزاء (٢) ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: فِي النار، يقولون ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يعنون إبْلِيسَ الأبالِسةِ، وقابيلَ بنَ آدَمَ الذي قَتَلَ أخاه هابِيلَ؛ لأنهما سبب المعصية ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أسْفَلَ مِنّا فِي النار ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾ فِي الدَّرْكِ الأسفل من النار، قرأ ابن كثيرٍ وابن عامرٍ وأبو بكرٍ بإسكان الراء، وقرأ أبو عمرٍو باختلاس كسرتها (٣)، وقرأ الباقون بإشباع

стр. 908

الكسرة، وقرأ ابن كثيرٍ: "اللَّذَيْنِّ" بتشديد النون (١)، وقرأ الباقون بالتخفيف. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هذا من قول الملائكة للمؤمنين، يقولون: نحن الحَفَظةُ الذين كُنّا معكم فِي الحياة الدنيا، وأنصارُكم وأحباؤُكم، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يقولون: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ من الكرامات واللذات، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ تريدون وتسألون وتتَمَنَّوْنَ ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾؛ أي: جَعَلَ ما تَدَّعُونَ وتتَمَنَّوْنَ فِي الجنة نُزُلًا؛ أي: ثَوابًا ورِزْقًا لكم من غفورٍ رحيمٍ (٢)، وقيل (٣): هو مصدرٌ فِي موضع الحال، ويحتمل أن يكون نصبًا على القطع من قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: إلى توحيد اللَّه وطاعته ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يعني: الطاعات ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ يعني المخلصين المستسلمين لربهم، قيل (٥): نزلت هذه الآية فِي النبي ﷺ ،

стр. 909

وكان الحَسَنُ إذا تَلا هذه الآيةَ قال: هذا رسولُ اللَّهِ، هذا حبيبُ اللَّه، هذا وَلِيُّ اللَّهِ، هذا صَفْوةُ اللَّهِ، هذا خِيرةُ اللَّه، هذا واللَّهِ أحَبُّ أهْلِ الأرض إلى اللَّه، هذا واللَّهِ خليفةُ اللَّهِ فِي الأرض، أجاب اللَّهَ إلى دعوتِهِ، ودَعا الناسَ إلى ما أجاب إليه، وعَمِلَ صالِحًا في خاصّةِ نَفْسِهِ في حياته، وقال: إنّنِي مِن المسلمين. وقيل: إنها نزلت في المُؤَذِّنِينَ، رُوِيَ ذلك عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أرى هذه الآية فِي المؤذنين" (١). قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ قال الفراء (٢): "لا" هاهنا صلةٌ زائدةٌ، معناه: ولا تستوي الحسنة والسيئة، وأنشد: ٢١٧ - ما كانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ... والطَّيِّبانِ أبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ (٣)

стр. 910

أي: أبو بكرٍ وعُمَرُ. والمعنى: لا يستوي الصبر والغضب، والحلم والجهل، والعفو والإساءة، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ كدفع الغضب بالصبر والإساءة بالعفو، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ خبر الظرف ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾؛ أي: قريبٌ صديقٌ، أراد: فإذا فَعَلْتَ ذلك، ودَفَعْتَ السيئةَ بالتي هي أحْسَنُ، صار الذي بينك وبينه عداوةٌ كالصديق القريب. قيل: نزلت هذه الآية في أبِي جهلٍ، كان يؤذي رسولَ اللَّه ﷺ ، وكان ﵇ يُبْغِضُهُ ويَكْرَهُهُ، فأمره اللَّه تعالى بالعفو والصفح (١)، وقيل (٢): نزلت في أبِي سفيان بنِ حربٍ، وكان مُؤْذِيًا لرسول اللَّه ﷺ ، فَلانَ للمسلمين بعد شِدّةِ عَداوَتهِ بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي ﷺ ، ثم أسلم، فصار وَلِيًّا في الإسلام، حَمِيمًا بالقرابة. قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني الأعمال الصالحة، والعفو والصفح (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كَظْمِ الغَيْظِ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ يعني نصيبًا وافِرًا، وهي الجنة، وقال ثعلب: الهاء راجعة على "الَّتِي هِيَ أحْسَنُ"، ومَحَلُّ ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ رفعٌ على اسم ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ (٤). قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

стр. 911

لاستعاذتك ﴿الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ بأفعالك وأحوالك، وذلك أن اللَّه تعالى أمَرَ نَبيَّهُ محمدًا ﷺ أن يستعيذ به إن صَرَفَهُ الشيطانُ عن الاحتمال. ثم ذكر علامات توحيده ودلالات قدرته، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ أحَقُّ بأن تسجدوا له، ولا تسجدوا لما دونه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ وإنما قال: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ بالتأنيث لأنه أجراه على طريق جمع التكسير، ولَمْ يُجْرِهِ على طريق التغليب للمذكر على المؤنث؛ لأنه فيما لا يعقل (١). فصْلٌ عن ابن عُمرَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مكتوبٌ فِي الإنجيل: ابنَ آدمَ: أخْلُقُكَ وأرْزُقُكَ وتَعْبُدُ غيري؟! ابنَ آدم: تدعونِي وتَفِرُّ مِنِّي؟! وتذكرنِي وتنسانِي؟! ابنَ آدم: اتَّقِ اللَّهَ، ونَمْ حَيْثُ شئتَ" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يعني: جافّةً ليس فيها نباتٌ، ولَمْ يصبها مطرٌ ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ (٣)، يعني: رَبَتْ لِلنَّباتِ، فاهتزَّت بعد ذلك

стр. 912

بإخراج النبات الذي يخرجه اللَّه منها ألوانًا، ونصب ﴿خَاشِعَةً﴾ على الحال من الأرض؛ لأن قوله: ﴿تَرَى الْأَرْضَ﴾ من رؤية العين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾؛ أي: يَكْذِبُونَ ويَمِيلُونَ عن الإيمان بالقرآن، وقرأ حمزة: "يَلْحَدُونَ" (١) بفتح الياء والحاء ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ يعني أبا جهلٍ ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني عُمَرَ، وقيل: عثمان، وقيل: حمزة، وقيل: عمار بن ياسرٍ ﵃ أجمعين-، و ﴿خَيْرٌ﴾ رفعٌ على الخبر، ونصب ﴿آمِنًا﴾ على الحال. وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ أمْرُ وَعِيدٍ وتهديدٍ، كما تقول للعَدُوِّ: اعْمَلْ ما شِئْتَ؛ فإنِّي كافِيكَ (٢)، قال الزجّاج (٣): لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومعناه معنى الوعيدِ. والمراد به الحث على الترك. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ يعني القرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ كريمٌ على ربه، وجواب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متروكٌ، تقديره: إن

стр. 913

الذين كفروا بالذِّكر يُجازَوْنَ بكفرهم (١)، وقيل (٢): تقديره: كفروا به، وقيل (٣): قوله: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو الخبر بعد آياتٍ، وقيل (٤): خبره مضمرٌ فيه، تقديره: إن الذين كفروا بالذِّكر هَلَكُوا. قوله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾؛ أي: لو جعلنا هذا الكتاب الذي تَقْرَؤُهُ على الناس بغَيْرِ لُغةِ العربِ ﴿لَقَالُوا﴾ يعني قُرَيْشًا ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ بلُغَتَنا حتى نفهمه، فإننا قوم عرب، ما لنا وللعُجْمةِ؟ والعَجَمِيُّ بغير ألفٍ منسوبٌ إلَى العَجَمِ، والأعْجَمِيُّ بالألف منسوبٌ إلى نفسه من العُجْمةِ (٥). وقوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني: كتابٌ عَجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟ وقيل: هو خبر ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: القُرْآنُ أعْجَمِيٌّ، والرَّجُلُ عَرَبِيٌّ؟ (٦)، وهذا

стр. 914

استفهامٌ على وجه الإنكار، قرأ الكوفيون سوى حفص: "أأعْجَمِيٌّ" بهمزتين، وقرأ هشام: "أعْجَمِيٌّ" بغير مَدٍّ على الخبر، وقرأ الحسن: "أعْجَمِيٌّ" بهمزة واحدة على الخبر أيضًا، وقرأ الباقون: "آعْجَمِيٌّ" بالمد على الاستفهام (١). قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الأوجاع، وقال مقاتلٌ (٢): شفاءٌ لِما فِي القلوب للبيان الذي فيه، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ لأنهم صُمٌّ عن استماع القرآن، والانتفاعِ بما فيه من البيان، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن ﴿عَمًى﴾ قال قتادة (٣): عَمُوا عن القرآن، وصَمُّوا عنه، وقال السُّدِّيُّ (٤): عَمِيَتْ قلوبُهُمْ عنه. وهو مصدرٌ، والمعنى: وهو عليهم ذُو عَمًى، قرأ العامة بفتح الميم على المصدر، واختاره أبو عُبيدٍ، قال: لقوله تعالى: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، فكذلك

стр. 915

﴿عَمًى﴾ يكون مصدرًا مثلهما، ورُوِيَ عن ابن عبّاسٍ ومعاويةَ وعمرِو بنِ العاصِ أنهم كانوا يَقْرَؤونَ هذا الحرف: "وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ" بكسر الميم (١)، وقراءة العامة أجودُ، قال أبو عُبيدٍ (٢): فلو أنها كانت "هادٍ وَشافٍ" لكان الكسر في ﴿عَمًى﴾ أجودَ؛ ليكون نعتًا مثلهما. ثم وصفهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾؛ أي: أنهم لا يسمعون، ولا يفهمون، كما أن مَنْ دُعِيَ من مكانٍ بعيدٍ لا يسمع ولا يفهم، قال الفراء (٣): تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك: أنت تُنادَى من مكانٍ بعيدٍ. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني: فِي تأخير العذاب عَمَّنْ كَذَّبَ بالقرآن (٤)، يعني: يوم القيامة ﴿مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالعذاب الواقع بمَنْ كَذَّبَ ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من صدقك يا محمد وكتابك ﴿مُرِيبٍ (٤٥)﴾ مُوقِعٌ لهم الرِّيبةَ، و ﴿كَلِمَةٌ﴾ رفعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديره: ولولا ثَبَتَتْ كَلِمةٌ سبقت من ربك (٥).
следующие страницы →