لاستعاذتك ﴿الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ بأفعالك وأحوالك، وذلك أن اللَّه تعالى أمَرَ نَبيَّهُ محمدًا ﷺ أن يستعيذ به إن صَرَفَهُ الشيطانُ عن الاحتمال.
ثم ذكر علامات توحيده ودلالات قدرته، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ أحَقُّ بأن تسجدوا له، ولا تسجدوا لما دونه ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ وإنما قال: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ بالتأنيث لأنه أجراه على طريق جمع التكسير، ولَمْ يُجْرِهِ على طريق التغليب للمذكر على المؤنث؛ لأنه فيما لا يعقل (١).
فصْلٌ
عن ابن عُمرَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مكتوبٌ فِي الإنجيل: ابنَ آدمَ: أخْلُقُكَ وأرْزُقُكَ وتَعْبُدُ غيري؟! ابنَ آدم: تدعونِي وتَفِرُّ مِنِّي؟! وتذكرنِي وتنسانِي؟! ابنَ آدم: اتَّقِ اللَّهَ، ونَمْ حَيْثُ شئتَ" (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يعني: جافّةً ليس فيها نباتٌ، ولَمْ يصبها مطرٌ ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ (٣)، يعني: رَبَتْ لِلنَّباتِ، فاهتزَّت بعد ذلك
стр. 912
بإخراج النبات الذي يخرجه اللَّه منها ألوانًا، ونصب ﴿خَاشِعَةً﴾ على الحال من الأرض؛ لأن قوله: ﴿تَرَى الْأَرْضَ﴾ من رؤية العين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾؛ أي: يَكْذِبُونَ ويَمِيلُونَ عن الإيمان بالقرآن، وقرأ حمزة: "يَلْحَدُونَ" (١) بفتح الياء والحاء ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ يعني أبا جهلٍ ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني عُمَرَ، وقيل: عثمان، وقيل: حمزة، وقيل: عمار بن ياسرٍ ﵃ أجمعين-، و ﴿خَيْرٌ﴾ رفعٌ على الخبر، ونصب ﴿آمِنًا﴾ على الحال.
وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ أمْرُ وَعِيدٍ وتهديدٍ، كما تقول للعَدُوِّ: اعْمَلْ ما شِئْتَ؛ فإنِّي كافِيكَ (٢)، قال الزجّاج (٣): لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومعناه معنى الوعيدِ. والمراد به الحث على الترك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ يعني القرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾ كريمٌ على ربه، وجواب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متروكٌ، تقديره: إن
стр. 913
الذين كفروا بالذِّكر يُجازَوْنَ بكفرهم (١)، وقيل (٢): تقديره: كفروا به، وقيل (٣): قوله: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو الخبر بعد آياتٍ، وقيل (٤): خبره مضمرٌ فيه، تقديره: إن الذين كفروا بالذِّكر هَلَكُوا.
قوله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾؛ أي: لو جعلنا هذا الكتاب الذي تَقْرَؤُهُ على الناس بغَيْرِ لُغةِ العربِ ﴿لَقَالُوا﴾ يعني قُرَيْشًا ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ بلُغَتَنا حتى نفهمه، فإننا قوم عرب، ما لنا وللعُجْمةِ؟ والعَجَمِيُّ بغير ألفٍ منسوبٌ إلَى العَجَمِ، والأعْجَمِيُّ بالألف منسوبٌ إلى نفسه من العُجْمةِ (٥).
وقوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني: كتابٌ عَجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟ وقيل: هو خبر ابتداءٍ محذوفٍ، تقديره: القُرْآنُ أعْجَمِيٌّ، والرَّجُلُ عَرَبِيٌّ؟ (٦)، وهذا
стр. 914
استفهامٌ على وجه الإنكار، قرأ الكوفيون سوى حفص: "أأعْجَمِيٌّ" بهمزتين، وقرأ هشام: "أعْجَمِيٌّ" بغير مَدٍّ على الخبر، وقرأ الحسن: "أعْجَمِيٌّ" بهمزة واحدة على الخبر أيضًا، وقرأ الباقون: "آعْجَمِيٌّ" بالمد على الاستفهام (١).
قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الأوجاع، وقال مقاتلٌ (٢): شفاءٌ لِما فِي القلوب للبيان الذي فيه، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ لأنهم صُمٌّ عن استماع القرآن، والانتفاعِ بما فيه من البيان، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن ﴿عَمًى﴾ قال قتادة (٣): عَمُوا عن القرآن، وصَمُّوا عنه، وقال السُّدِّيُّ (٤): عَمِيَتْ قلوبُهُمْ عنه.
وهو مصدرٌ، والمعنى: وهو عليهم ذُو عَمًى، قرأ العامة بفتح الميم على المصدر، واختاره أبو عُبيدٍ، قال: لقوله تعالى: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، فكذلك
стр. 915
﴿عَمًى﴾ يكون مصدرًا مثلهما، ورُوِيَ عن ابن عبّاسٍ ومعاويةَ وعمرِو بنِ العاصِ أنهم كانوا يَقْرَؤونَ هذا الحرف: "وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ" بكسر الميم (١)، وقراءة العامة أجودُ، قال أبو عُبيدٍ (٢): فلو أنها كانت "هادٍ وَشافٍ" لكان الكسر في ﴿عَمًى﴾ أجودَ؛ ليكون نعتًا مثلهما.
ثم وصفهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾؛ أي: أنهم لا يسمعون، ولا يفهمون، كما أن مَنْ دُعِيَ من مكانٍ بعيدٍ لا يسمع ولا يفهم، قال الفراء (٣): تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك: أنت تُنادَى من مكانٍ بعيدٍ.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ يعني: فِي تأخير العذاب عَمَّنْ كَذَّبَ بالقرآن (٤)، يعني: يوم القيامة ﴿مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بالعذاب الواقع بمَنْ كَذَّبَ ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من صدقك يا محمد وكتابك ﴿مُرِيبٍ (٤٥)﴾ مُوقِعٌ لهم الرِّيبةَ، و ﴿كَلِمَةٌ﴾ رفعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديره: ولولا ثَبَتَتْ كَلِمةٌ سبقت من ربك (٥).
стр. 916
قوله : ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ يعني القيامة، لا يعلمها غير اللَّه سبحانه ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هاهنا صلةٌ زائدةٌ ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ يعني: من أوْعِيَتِها وُغُلُفِها، واحِدُها كُمٌّ وَكُمّةٌ، وهي ما كانت فيه الثَّمَرةُ (١)، قرأ أهل المدينة والشام وحفصٌ: "ثَمَراتٍ" بالجمع، وقرأ غيرهم: "ثَمَرةٍ" (٢) على الإفراد، وهو يدل على الكئرة فَيُسْتَغْنَى به عن الجمع (٣).
قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾. . الآية؛ أي: سَنُرِي كُفّارَ مكة ما أخْبَرَهُمْ به النَّبِي ﷺ أنه سيكون مِنْ فِتَنٍ وَفَسادٍ وَغَلَبةِ الرُّومِ فارِسَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أخْبارِهِ، حتى يتبين لهم أن كل ما أخبرهم به هو
стр. 917
الحق، وقيل: المعنى: سنريهم آيات صَنْعَتِنا في الاآفاق الدالة على أنّ لها صانعًا حكيمًا (١).
والآفاق جمع أُفُقٍ، وأراد بها أقطار الأرض والسماء وما فيهما من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار والبحار، وما يَنْزِلُ من الأمطار، وفِي أنفسهم من لَطِيفِ الصَّنْعةِ وبَدِيعِ الحِكْمةِ، من أنهم كانوا نُطَفًا ثم عَلَقًا ثم مُضَغًا ثم عظامًا ولَحْمًا، إلى أن بلغوا وعَقَلُوا ومَيَّزُوا (٢)، حتى يتبين لهم أن اللَّه هو الحق لا ما يعبدونه من دون اللَّه، وقيل (٣): هو ظهور النبي ﷺ على الناس، قال أبو جعفرٍ (٤): وأولى هذه الأقوال بالصواب هذا، ونَسَقُ الكلامِ يَدُلُّ عليه.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ أي: أوَلَمْ يَكْفِ بربك شاهدًا أن هذا القرآن جاء من اللَّه؟ قال الزجّاج (٥): ومعنى الكفاية هاهنا أن اللَّه قد بيَنَ لهم ما فيه كفايةٌ في الدلالة، والمعنى: أو لَمْ يَكْفِ رَبُّكَ أنه على كل شيءٍ شهيدٌ، شاهدًا للأشياء، لا يغيب عنه شيءٌ؟
وفي موضع ﴿أَنَّهُ﴾ من الإعراب ثلاثة أقوالٍ: يجوز أن يكون موضعها رفعًا على البدل على الموضع، والموضع رفعٌ بإجماع النحويين (٦)، ويجوز أن
стр. 918
يكون موضعها خفضًا على اللفظ، ويجوز أن يكون موضعها نصبًا بمعنى: لأنه على كل شيءٍ شهيدٌ (١).
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: فِي شكٍّ من البعث والثواب والعقاب، و ﴿أَلَا﴾ كلمة تنبيهٍ؛ أي: هم فِي شك من لقاء ما وُعِدُوا به من العذاب، ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ ﴿أَلَا﴾ أيضًا تنبيهٌ يُؤَكَّدُ بها ما بعدها، وقوله: ﴿مُحِيطٌ﴾ أحاط عِلْمًا بما يُشاهَدُ ويَغِيبُ، والتقدير: إنه مُحِيطٌ بكل شيءٍ -جَلَّ وعَزَّ- (٢)، وباللَّه التوفيق.
* * *
стр. 919
سورة ﴿حم * عسق﴾
مكِّية
وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفًا، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاث وخمسون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بنِ كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ سورة: ﴿حم * عسق﴾ كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له (١) ".
وعنه ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة ﴿حم * عسق﴾ لَمْ يكن للسُّقْمِ إليه مدخل ولا للحِرافِ (٢) إليه سبيل، ولَمْ يَعْرِضْ له عارض لا يشتهيه (٣) ".
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿حم * عسق (٢)﴾ هو قَسَمٌ، أقسم به اللَّه تعالى بحلمه
стр. 920
ومجده وعُلُوِّهِ وسَنائِهِ وقُدْرَتهِ ألا يُعَذِّبَ مَنْ عاد إليه بـ "لا إله إلا اللَّه" مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، وقال محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الحاء والميم من الرحمن، والعين من عليم، والسين من القدوس، والقاف من القادر القاهر.
وقيل: هذا في شأن محمد ﷺ فالحاء حوضه المورود، والميم مُلْكُهُ الممدود، والعينُ عِزُّهُ الموجودُ، والسين سَناؤُهُ المشهودُ، والقاف قيامُهُ في المقام المَحْمُودِ، وقُرْبُهُ فِي الكرامة إلى الملك المعبود.
وقيل: الحاء من حليم، والميم من المُلْكِ، والعين من العِزِّ، والسين من السَّناءِ، والقاف من القدرة، أقسم اللَّه تعالى يقول: بحلمي ومُلْكِي وعِزَّتِي وسَنائِي وقُدْرَتِي، لا يدخل جنتي إلا مَنْ وَحَّدَنِي، فيقول: لا إله إلا اللَّه، محمد رسولى اللَّه ﷺ .
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: ﴿حم * عسق﴾ اسمُ اللَّه الأعظمُ إذا قُلِبَتِ الحُرُوفُ. وفيه تفاسير كثيرة يطول شرحها، وفيما ذكرناه كفاية ومَقْنَعٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَوَعاهُ (١).
قوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الأنبياء ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ في مُلْكِهِ ﴿الْحَكِيمُ (٣)﴾ في أمره، وقرأ ابن كثير: ﴿يُوحِي﴾ (٢) بفتح
стр. 921
الحاء، وحُجَّتُهُ قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١)، ومِثْلَهُ رَوَى عَبّاسٌ (٢) عن أبِي عمرو، والرفع في اسم اللَّه في هذه القراءة على البيان للفاعل، كأنه لَمّا قال: "يُوحَى إلَيْكَ". قيل: مَنِ الّذِي يُوحِي؟ فقيل: اللَّهُ (٣)، ومثله قراءة من قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ﴾ (٤) بفتح الباء، وهي قراءة أبِي بكر بن عَيّاشٍ وابن عامر، وقرأه الباقون بالكسر فيهما، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه ﴿الْعَظِيمُ (٤)﴾ فلا أكبَرَ منه.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل ما ذكرنا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ ليقيموا ما فيه، وكاف "كَذَلِكَ" في الموضعين منصوب المَحَلِّ، أي: مِثْلَ ذَلِكَ يُوحَى إليك (٥)، قيل: هو تشبيهُ الوحي بالوحي، لا أنّ هذا اللفظ والمعنى أُوحِيَ إلى مَنْ قَبْلَهُ. وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ أي: لكي تنذر بالقرآن ﴿أُمَّ
стр. 922
الْقُرَى﴾ يعني أصل القرى، وهي مكة، سميت بذلك لأن الأرض دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِها ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يعني: مِن القرى في الأرض كلها، و"مَنْ" في موضع نصب؛ أي: وتنذر من حولها ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾؛ أي: ولكي تنذرهم بالقرآن بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، يَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فيه الناسَ الأولين والآخِرِينَ، ويَجْمَعُ فيه أهْلَ السماوات وأهْلَ الأرَضِينَ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شك في يوم الجمع والبعث أنه كائنٌ، ثم بعد الجمع يتفرقون، فذلك قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾؛ أي: منهم فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير يُعَذَّبُونَ عَدْلًا، وهم الكافرون، وهو رفع على الابتداء، وأجاز الفراء والكسائي نصبَ "فَرِيقٌ"، بمعنى: وتنذر فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير (١).
فصل
عن عبد اللَّه بن عَمْرٍو قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، وفي يده كتابان قابِضٌ عليهما بكفه، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان"؟ قلنا: لا يا رسول اللَّه إلا أن تخبرنا، فقال لِلَّذِي في يده اليمنى: "هذا كتابٌ من رب العالمين فيه تسميةُ أهْلِ الجنة، وتسميةُ آبائِهِمْ وعشائرِهم وعِدَّتِهِمْ قبل أن يستقروا نُطَفًا في الأصْلَابِ والأرحام، إذْ هُمْ في الطِّينةِ مُنْجَدِلُونَ، ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ"، فقال للذي في شماله: "هذا كتابٌ من رَبِّ العالمين، فيه تسميةُ أهْلِ النارِ، وتسميةُ آبائِهِمْ وعشائرِهم وعِدَّتِهِمْ قبل أن يستقروا نُطَفًا فِي الأصلاب والأرحام، إذْ هم فِي الطينة مُنْجَدِلُونَ، أُجْمِلَ
стр. 923
على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ"، قالوا: فَفِيمَ العَمَلُ يا رسول اللَّه؟ قال: "اعملوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا، فإن صاحب الجنة يُخْتَمُ له بعمل أهل الجنة وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، وإنّ صاحب النار يُخْتَمُ له بعمل أهل النار وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، فَرَغَ اللَّهُ من خَلْقِهِ"، ثم قرأ: "فَرِيقٌ فِي الجَنّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" (١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً﴾ يعني كفار مكة، يجعلهم اللَّه على مِلّةِ الإسلام وحدها ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ يعني دينه الإسلام، وهم المؤمنون ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ يعني مشركي مكة ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يعني قريبًا ينفعهم في الآخرة، ويدفع عنهم العذاب ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: ناصر ومانع يمنعهم من عذاب النار.
و ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ مرفوعون بالابتداء، وقال تعالى في آخِرِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢): ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣)، والفرق بينهما: أن ذلك بعده "أعَدَّ"، وليس بعد هذا فعل، فأُضْمِرَ لذلك فِعْلٌ تقديره: فَأوْعَدَ الظّالِمِينَ عَذابًا أليمًا (٤).
قوله : ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره (٥)، وهو مرفوع
стр. 924
على إضمار مبتدأ، أو يكونُ نعتًا (١)، قال الكسائي (٢): ويجوز: فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ بالنصب على النداء، وقال غيره (٣): على المدح. ويجوز الخفض على البدل من الهاء التي في "عَلَيْهِ" في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٤).
وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وإنما قال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، لأنه خَلَقَ حَوّاءَ من ضِلَعِ آدَمَ، والمعنى: جعل لكم من مِثْلِ خَلْقِكُمْ نِساءً ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ذكورًا وإناثًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يخلقكم في الأرحام فيما بين الزوجين، وقال ثعلب (٥): معناه: يُكَثِّرُكُمْ في هذا الفعل، والهاء راجعة على الخَلْقِ. وقيل: "فِي" بمعنى الباء، وهو قول الزجاج والفراء (٦)، والمعنى: يَذْرَؤُكُمْ بِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يعني: فِي القدرة، وقال ابن عباس: ليس له نظير.
стр. 925
وهذه الكافُ صِلةٌ مُؤَكِّدةٌ، المعنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيءٌ؛ لأن مَنْ قال مثل هذا فقد أثبت المِثْلَ للَّهِ وَتَعالَى عن ذلك- (١)، وقال أحمد بن يحيى ثعلب (٢): المِثْلُ صِلةٌ، المعنى: لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ، فأدخل المِثْلَ توكيدًا للكلام، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٣)، وفِي حرف ابن مسعود: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٤).
والعرب تقيم المثل مُقامَ النفس، فتقول: مِثْلِي لا يُقالُ له هذا؛ أي: أنا لا يُقالُ لي هذا (٥)، قال أوس بن حَجَرٍ (٦):
стр. 926
٢١٨ - لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْرٍ... خَلْقٌ يُوازِيهِ فِي الفَضائِلْ (١)
وقيل (٢): هذه الكاف الداخلة على مِثْلٍ مؤكدة للنفي، كما تقول العرب: ليس لك نظيرٌ، ولا لنظيرِكَ نظيرٌ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يُقالُ ﴿الْبَصِيرُ (١١)﴾ بأعمال الخلق.
فصل
رُوِيَ عن سفيان الثوري أنه قال: قيل لرجل من العرب: صِفِ اللَّهَ، قال: أعْبُدُهُ، ولا أصِفُهُ، وأعْرِفُ قُدْرَتَهُ، ولا أصِفُ قُدْرَتَهُ، وأصْرِفُ الأشياءَ إليه، ولا أصْرِفُهُ، وأُصَوِّرُ خَوْفَهُ فِي قَلْبِي، ولا أُصَوِّرُهُ، وأنْظُرُ إلى ثوابه وعقابه بِعَيْنِ قَلْبِي، وإنْ لَمْ أرَهُ بِطَرْفِ عَيْنِي.
قوله : ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني مفاتيح خزائن السماوات، ومقاليد السماوات: المطر، ومقاليد الأرض: النبات، والمعنى: أنه يقدر على فتحها، يملك فتح السماءِ بالمطر، والأرضِ بالنبات، يدل على هذا
стр. 927
قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ لأن مفاتيح الرزق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من البَسْطِ والقُدْرةِ ﴿عَلِيمٌ (١٢)﴾.
وقد ذكرتُ نظيرها، وشرحتُ ذلك في سورة الزمر (١)، فأغْنَى عن الإعادة هاهنا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَتَفَرَّقُوا﴾ يعني أهل الأديان المختلفة، وقيل: أهل الكتاب ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني البيان من بعث محمد ﷺ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ (١٤)﴾ وهو مفعول من أجله؛ أي: فَعَلُوا ذلك لِلْبَغْيِ، وهو في الحقيقة مصدر.
قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ﴾؛ أي: فَإلَى ذلك الدِّينِ أو الكتابِ ﴿فَادْعُ﴾: قال الفَرّاءُ (٢) والزَّجّاجُ (٣): وهذا كما تقول: دَعَوْتُ إلى فلان، وقال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (٤)؛ أي: إليها. و"ذَلِكَ" إشارة إلى ما وَصَّى به الأنبياءَ من التوحيد (٥) "، ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ أي: اثْبُتْ على الدين الذي أُمِرْتَ به، ومحل الكاف نصبٌ؛ لأنه أُقِيمَ مُقامَ المصدر، تقديره: اسْتَقِم اسْتِقامةً (٦)، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ يعني: أهل الكتاب، وذلك أنهم دَعَوا النبيَّ ﷺ إلى دينهم ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾؛ أي: آمنت بِكُتُبِ اللَّهِ كُلِّها،
стр. 928
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ (١٥)﴾ يعني: بين أهل الكتاب في القول، يقول: أعْدِلُ بما آتانِي اللَّه فِي كتابه، والمعنى: أنْ أعْدِلَ أو كَيْ أعْدِلَ بينكم، كقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
قال ابن عباس: معناه: أُمِرْتُ لأُساوِيَ بينكم، ولا أحِيفَ عليكم بأكثرَ مما افْتَرَضَ اللَّهُ عليكم فِي الأحكام، ومعنى العدل بينهم فِي الأحكام: هو أنهم إذا ترافعوا إليه لَمْ يُلْزِمْهُمْ شَيْئًا لا يَلْزَمُهُمْ.
فصل
ذُكِرَ أنّ داودَ ﵇ قال: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه فهو الفائز: القَصْدُ فِي الغِنَى والفَقْرِ، والعُدْلُ فِي الرِّضا والغَضَبِ، والخَشْيةُ فِي السِّرِّ والعَلَانِيةِ، وثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه أهْلَكْنَهُ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهَوًى مُتَّبَعٌ، وإعْجابُ المَرْءِ بنفسه، وأرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيه وأُعْطِيَهُنَّ، فقد أُعْطِيَ خَيْرَ الدنيا والآخرةِ: لِسانٌ ذاكِرٌ، وقَلْبٌ شاكِرٌ، وبَدَنٌ صابِرٌ، وزَوْجةٌ مُؤْمِنةٌ" (٢).
قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن، واسم اللَّه تعالى مرفوع بالابتداء، و ﴿الَّذِي﴾ خبره، وليس بنعت؛ لأن الخبر لا بُدَّ منه، والنعتُ
стр. 929
يُسْتَغْنَى عنه (١)، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحق، لَمْ يُنْزَلْ باطلًا لغير شيء، بل ذكر فيه ما يَحِقُّ على الناس أن يعملوا به من الأمر والنهي والفرائض والأحكام، وكل ذلك حَقٌّ من اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ يعني العَدْلَ، وسُمِّيَ العدلُ ميزانًا؛ لأن الميزان آلةُ الإنصافِ والتسويةِ بين الخلق، فأمر اللَّه تعالى بالوفاء، ونَهَى عن البَخْسِ (٢)، وهو عطف على الكتاب؛ أي: وأنزل الميزان بالحق ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ قال مقاتل: "ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الساعةَ وعنده قوم من المشركين، فقالوا: متى يا محمد تكون الساعة؟ تكذيبًا بها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ " (٣).
فقال: "قَرِيبٌ" ولَمْ يقل: قريبة، والساعة مؤنثة، قيل: على النسب، وقيل: فَرْقًا بينه وبين القرابة، وقيل: التأنيث ليس بحقيقي، والمعنى: لعل البعث أو مجيء الساعة قريب (٤).
قوله : ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾؛ أي: حَفِيٌّ بارٌّ رَفِيقٌ بأوليائه وأهْلِ طاعته، وقيل: هو لطيف بالبَرِّ والفاجر منهم، حيث لَمْ يقتلهم جوعًا بمعاصيهم،
стр. 930
وقيل: هو لطيف بهم في العرض والمُحاسَيةِ، قال الخَوافِيُّ (١):
٢١٩ - غَدًا عِنْدَ مَوْلَى الخَلْقِ لِلْخَلْقِ مَوْقِفٌ... يُسائِلُهُمْ فِيهِ الجَلِيلُ فَيَلْطُفُ (٢)
وقيل: سئل الجُنَيْدُ (٣) عن اللطيف، فقال: هو الذي لَطَفَ بأوليائه حتى عرفوه فعبدوه، ولو لَطَفَ بأعدائه لَما جَحَدُوهُ.
وقيل: اللطيف الذي يَنْشُرُ من عباده المناقبَ، ويستر عليهم المثالبَ، وقيل: هو الذي يقبَلُ القليلَ، ويَبْذُلُ الجَزِيلَ، وقيل: هو الذي يَجْبُرُ الكَسِيرَ، ويُيَسِّرُ العَسِيرَ، وقيل: هو الذي لا يَيْأسُ أحَدٌ فِي الدنيا من رزقه، ولا يَيْأسُ مؤمنٌ في العُقْبَى من رحمته، وقيل: هو الذي يَعْفُو عَمَّنْ يَهْفُو، وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نَفْسَهُ، وقيل: هو الذي أوقد فِي أسرار عارفيه من المشاهدة سراجًا، وجعل الصرأط المستقيم لهم منهاجًا، وأنزل عليهم من سحائب بِرِّهِ ماءً ثَجّاجًا، ويرزق من يشاء مُوسِعًا ومن يَشاءُ مُقْتِرًا، ومن شاء قليلًا، ومن شاء كثيرًا، ومن شاء حلالًا، ومن شاء حرامًا، ومن شاء فِي خفض ودَعةٍ، ومن شاء فِي كَدٍّ وعَناءٍ، ومن شاء فِي بلده ومن شاء فِي غرْبَتِهِ، ومن شاء بحساب ومن شاء
стр. 931
بغير حساب (١)، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ على ما أراد مِنْ رِزْقِ مَنْ يَرْزُقُهُ ﴿الْعَزِيزُ (١٩)﴾ الغالب فلا يُغالَبُ فيما أراد.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ شرط وجزاء، ومعنى الحَرْثِ في اللغة: الكَسْبُ، يقال: فُلَانٌ يَحْرُثُ لِعِيالِهِ وَيَحْتَرِثُ؛ أي: يَكْتَسِبُ (٢)، والمعنى: مَنْ كان مِنَ الأبرارِ يريد بِعَمَلِهِ الحَسَنِ ثَوابَ الآخرةِ، نَزِدْ له فِي حَرْثِهِ، أي: فِي عَمَلِهِ، وهو جواب الشرط ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ يعني: ومن كان من الفُجّار يريد بِعَمَلِهِ الخَبِيثِ حَرْثَ الدنيا، يعني ثواب الدنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: فِي الجنة ﴿مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ يعني حَظًّا، لأنه عَمِلَ لدنياه لا لآخرته، نظيرها قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. . الآية (٣).
فصل
عن أبِي سفيان الشيبانِيِّ (٤) أن عُمَرَ بنَ الخَطّابِ ﵁ قال: "الأعمال على أربعة أوجه: عاملٌ صالح فِي سبيل اللَّه، يريد به دنيا، فليس له فِي الآخرة شيء، وذلك لأن اللَّه يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. . الآية" (٥)، وعاملٌ للرياء، ليس له ثواب في
стр. 932
الدنيا والآخرة إلّا الوَيْلُ، وعاملٌ صالحٌ في سبيل هُدًى، يبتغي به وجه اللَّه والدارَ الآخرةَ، فله الجنة في الآخرة، وعامِلُ خَطَأ وذُنُوبٍ، ثوابه عقوبة اللَّه إلّا أن يعفو عنه، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة" (١).
قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾، يعني: فِي الآخرة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين وَجِلِينَ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ يعني: من الشِّرْكِ ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ يعني العذاب، ونصب ﴿مُشْفِقِينَ﴾ على الحال، وباقي الآية ظاهر التفسير.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ يعني: على الإيمان ﴿أَجْرًا﴾ يعني: جُعْلًا ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ نصب المودة على البدل من قوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، وهو استثناء ليس من الأول، وليس المعنى: أسألكم المودة في القُرْبَى، لأن الأنبياء ﵈ لا يسألون أجرًا على تبليغ الرسالة، والمعنى: ولكنْ أُذَكِّرُكُم المودةَ فِي القُرْبَى (٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾؛ أي: يَكْسِبْ حَسَنةً واحدةً ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾؛ أي: نضاعف له الحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا، وهو شرط وجزاء،
стр. 933
والاقتراف: الاكتساب يكون خيرًا ويكون شَرًّا (١)، والمُقارَفةُ أيضًا: المُجامَعةُ، ومنه حديث عائشة ﵂: "أنّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصْبِحُ جُنُبًا من قِرافٍ غَيْرِ الاحتلامِ" (٢)، قال ابن زيد: ويقال: قَرِفَ فلانٌ عَلَيْكَ: إذا كَذَبَ عليك، وذَكَرَ منكَ ما ليس فيك من القَبِيحِ، وأصله من: قَرَفْتُ الشَّيءَ: إذا كَشَفْتَ عنه، كقولك: قَرَفْتُ الجِلْدَ، وهو من الاعتمال في الاكتساب (٣) ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿شَكُورٌ (٢٣)﴾ للقليل حتى يضاعفه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة؛ أي: بل يقولون ﴿افْتَرَى﴾ محمد ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حين زعم أن القرآن من عند اللَّه ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ شرط وجزاء؛ أي: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يَشُقَّ عليك أذاهم. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ قال الكسائي (٤): فيه تقديم وتأخير، مَجازُهُ: واللَّه يَمْحُو الباطلَ، فحُذِفَتْ منه الواوُ فِي المصحف، وهو فِي موضع رفع، كما حُذِفَتْ من قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٥)، وقولِهِ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ (٦) على اللفظ.
стр. 934
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾؛ يعني المطر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ من بعد ما يَئسُوا أهْلُ مكةَ منه، ذلك أن اللَّه تعالى حَبَسَ المَطَرَ عنهم سَبْعَ سِنِينَ حتى قنَطُوا، ثم أنزل اللَّه المطر، فذَكَّرَهُم النعمةَ (١)، ثم قال تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: يبسط مَطَرَهُ ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ بأهل طاعته ﴿الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ عند خلقه.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾؛ يعني السفن في البحر كالجبال، واحدتها: جارية، وهي السائرة في البحر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (٢)؛ يعني: في سفينة نوح ﵇.
و"الجَوارِ" في موضع رفع، حُذِفَتِ الضمةُ من يائها لثقلها، قرأ نافع وأبو عمرو: "الجَوارِي" بياءٍ في الوصل فقط، وقرأ ابن كثير بياء في الحالين، وقرأ الباقون بغير ياء في الحالين (٣).
стр. 935
وقوله: "كالأعْلَامِ"، أي: كالجبال، جمع عَلَمٍ، وهو الجَبَل الطويل، وقيل: كالقصور، والأول هو المشهور، قال الخليل بن أحمد (١): كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم، قالت الخنساء ترثي أخاها صَخْرًا:
٢٢٠ - وَإنّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ... كَأنّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نارُ (٢)
قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ الذي تجري به السفن ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ يعني: سَواكِنَ ثَوابِتَ وُقُوفًا على ظَهْرِ البَحْرِ، فلا تَجْرِي ولا تتَحَرَّكُ، وهو شرط وجزاء، قرأ العامة: ﴿الرِّيحَ﴾ على الواحد، وقرأ نافع: ﴿الرِّياحَ﴾ على الجمع (٣) ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكر ﴿لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾؛ أي: لكل مؤمن؛ لأن من صفة المؤمن الصَّبْرُ فِي الشدة والشُّكْرُ فِي الرخاء.
قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: يُغْرِقْهُنَّ، وَيُهْلِكْ أهْلَها بِما أشركوا واقترفوا من الذنوب ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾ من الذنوب، فينجيهم عن. الغرق
стр. 936
والهَلَكةِ، وهو في موضع جزمٍ، عطف على جواب الشرط في قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: من فرار، وقيل: من مَلْجَأٍ، أي: يَحِيصُونَ إليه، يقال: فلان يَحِيصُ عن الحق، أي: يَمِيلُ عنه، وحاصَ البَعِيرُ حَيْصًا: إذا مالَ به.
قرأ أهل المدينة والشام: "وَيَعْلَمُ" (١) بالرفع على الاستئناف كقوله تعالى في سورة براءة: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وقرأه الآخرون نصبًا على الصرف، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) صُرِفَ من حال الجزم إلى النصب استخفافًا، وكراهيةً لتوالِي الجزم (٤)، كقول الشاعر:
٢٢١ - لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ... عارٌ عَلَيْكَ -إذا فَعَلْتَ- عَظِيمُ (٥)
وقرأ بعضهم: "ويَعْلَمْ" بالجزم، منسوق على "يُوبِقْهُنَّ".
стр. 937
والوجه قراءةُ مَنْ قَرَأ: "وَيَعْلَمُ" رفعًا؛ لأنه يقطعه من الأول، ويجعله جُمْلةً معطوفةً على جُمْلةٍ (١)، ومَنْ قَرَأ بالنصب قال الفراء (٢): هو مردودٌ على الجزم، إلا أنه صُرِفَ، والجزم إذا صُرِفَ عنه مَعْطُوفُهُ نُصِبَ.
ومن قرأ بالكسر فموضعه جزم بالعطف على قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾، وهو جزم؛ لأنه معطوف على جواب الشرط، وهو قوله: ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ (٣).
قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ يعني القِصاصَ في الجِراحاتِ والدِّماءِ، وقيل (٤): هو جواب القبيح بمثله، إذا قال: أخْزاكَ اللَّهُ، يقول: أخْزاكَ اللَّهُ، من غير أن يعتدي، وإذا شَتَمَهُ بِشَتِيمةٍ رَدَّ عليه مِثْلَها من غير زيادة، ويُسَمَّى
стр. 938
الجَزاءُ باسم الابتداء وإن لَمْ يكن سَيِّئةً؛ لتشابههما في الصورة (١).
و"مِثْلُها" رفعٌ نَعْتٌ لـ "سَيِّئةٌ"، وإن قلت: هو بدل من "سَيِّئةٌ" فهو أصْوَبُ؛ لأن النكرة لا تُنْعَتُ بالمعرفة.
ثم ذَكَّرَ بالعفو، فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ يعني: عَمَّنْ ظَلَمَهُ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالعفو بينه وبين ظالمه ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ضَمِنَ اللَّهُ له أجْرَهُ بالعفو عمن ظلمه.
فصل
عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان يَوْمُ القيامة نادَى مُنادٍ: مَنْ كان له أجر على اللَّه فَلْيَقُمْ، فيقوم عُنُقٌ كثير"، قال: "فَيُقالُ لهم: ما أجْرُكُمْ على اللَّه؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لهم: ادخلوا الجنة بإذن اللَّه" (٢)، فذلك قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾؛ يعني: الذين يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ، ثم ذَكَرَ المُنْتَصِرَ، فقال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾؛ يعني: بعد ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، ومحل "مَنْ" رفع بالابتداء، وأراد بذلك المَجْرُوحَ إذا اقْتَضَّ من الجارح، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (٣)، و ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٤)، ﴿فَأُولَئِكَ﴾
стр. 939
يعني المنتصرين ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾؛ أي: من جُناجٍ ولا عدوان حين اقْتَصَّ من الجارح، وهو شرط وجزاء (١).
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ يعني العقوبة والمؤاخذة ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ معتدين بالظلم، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ وجيع ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَر﴾ فلم يَقْتَصَّ وتَجاوَزَ ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الصبر والتجاوز ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾؛ يعني: من خير الأمور التي أمَرَ اللَّهُ بها.
واللام في "لَمَنْ صَبَرَ"، وفي قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَر﴾ لام الابتداء دخلت على حرف الشرط (٢)، واللام في قوله: ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ لام الخبر، دخلت على حرف الجر، وقال الأخفش (٣): هي لام الابتداء، قال ثعلب (٤): وهذا خطأ؛ لأن العرب إذا أدخلت اللام في أول الجزاء جاءت بجواب الأيمان بـ "ما" و"لَا" و"إنّ" واللامِ، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ (٥)، فجاء بـ "لا" جوابَ اللامِ الأولى. هكذا ذكره النَّقّاشُ (٦).
стр. 940
قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، يعني: عن الهدى ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يهديه ويمنعه من عذاب اللَّه ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ في الآخرة ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾؛ أي: هل من رجوع إلى الدنيا من سبيل؟ ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يعني الظالمين ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾؛ أي: خاضعين متواضعين من الذُّلِّ الذي نزل بهم، وهو منصوب على الحال.
وقوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قيل (١): "مِنْ" بمعنى الباء، مَجازُهُ: بِطَرْفٍ خَفِيٍّ، أي: ضعيف من الذُّلِّ والخوفِ الذي نَزَلَ بهم، وقيل (٢): "مِنْ" للابتداء، فالنظر من الطرف كالنظر من السماء، فلا حاجة إلَى جعل "مِنْ" بِمَنْزِلةِ الباء، والمعنى أنّهُمْ يَتَسارَقُونَ النَّظَرَ إلَى النار خوفًا منها.
قوله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ له التصرف فيهما بما يريد ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ فِي الرَّحِمِ ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ يعني البنات، ليس فيهن ذَكَرٌ، كما وَهَبَ لِلُوطٍ ﵇، لَمْ يولد له الا ابنتان ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ
стр. 941
الذُّكُور (٤٩)﴾ يعني البنين، ليس معهم أنثى، كما وَهَبَ لإبراهيم ﵇، لَمْ يولد له إلا ذكورٌ ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يعني: يَقْرِنُهُمْ ويجعلهم أزواجًا، ويجمع بينهما، فَيُولَدُ له الذُّكُورُ والإناثُ، كما جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فإنه وُلِدَ له أرْبَعةُ بنينَ وأرْبَعُ بناتٍ ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له كعيسى ويحيى ﵉ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يُؤْتي ﴿قَدِيرٌ (٥٠)﴾ على ما يشاء ويريد.
والآية عامة، وهذه الأقسام موجودة فِي غير الأنبياء، وإنما ذَكَرَ الأنبياءَ تمثيلًا، ونصب ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ على الحال.
فصل
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أولادكم هِبةٌ اللَّهِ لكم، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾، وأموالُهُمْ لكم اذا احتجتم إليها" (١).
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ إمّا بِإلْهامٍ أو فِي مَنامٍ، و"أنْ" في موضع رفعٍ اسمُ ﴿كانَ﴾، و ﴿وَحْيًا﴾ هو يكون مصدرًا في موضع الحال، كما تقول: جالَ فُلَانٌ مَشْيًا، يجوز أن يكون منصوبًا على أنه مصدرٌ خالصٌ (٢).
стр. 942
وقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كَلَّمَ موسى ﵇ ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ جبريلَ ﵇ أو غَيْرَهُ من الملائكة ﴿فَيُوحِيَ﴾ ذلك الرسولُ إلى المُرْسَلِ إليه ﴿بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ قرأ نافع وشيبة: ﴿أوْ يُرْسِلُ﴾ برفع اللام على الابتداء والاستئناف، أي: وهو يرسلُ (١)، والوقف كافٍ على ما قبله (٢)، ﴿فَيُوحِيْ﴾ بإسكان الياء (٣)، وقرأ الباقون بنصب اللام والياء، عطفًا بها على محل الوحي، لأن معناه: وما كان لِبَشَرٍ أن يكلمه اللَّهُ إلا أنْ يُوحِيَ إليه وَحْيًا، أو يُرْسِلَ رَسُولا (٤).
نزلت هذه الآية في اليهود (٥)، وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ : ألَا تُكَلِّمُ اللَّهَ وتَنْظُرُ إليه إن كُنْتَ نَبِيًّا صادقًا، كما كَلَّمَهُ موسى ونَظَرَ إليه؟ فَإنّا لَنْ نُؤْمِنَ لك حتى يفعل اللَّهُ لك ذلك كما فَعَلَ لِمُوسَى، فقال لهم: "لَمْ يَفْعَلْ ذلك لِمُوسَى"، ونزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾؛ أي: رفيع فوق خلقه ﴿حَكِيمٌ (٥١)﴾ فِي أمره.
стр. 943
فصل
رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: "أوَّلُ المُرْسَلِينَ آدَمُ ﷺ "، فَسُئِلَ: كم المُرْسَلُونَ؟ فقال: "ثلاثمائة وثلاثةَ عَشَرَ الجَمَّ الغَفِيرَ (١)، فمِن الأنبياء مَنْ يسمع الصوت فَيَفْقَهُهُ، ومن الأنبياء من يُوحَى إليه فِي المنام، وإن جبريل ﵇ لَيَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ كما يَأْتِي الرَّجُلُ صاحِبَهُ فِي ثِيابٍ بِيضٍ مَكْفُوفةٍ (٢) بالدُّرِّ والياقُوتِ، ورِجْلَاهُ مَغْمُوسَتانِ فِي الخُضْرةِ" (٣).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾؛ أي: وهكذا يا محمد أوحينا إليك ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ يعني: وَحْيًا بِأمْرِنا ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ يا محمد ﴿مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾؛ يعني: القرآن وشرائع الإيمان ومَعالِمَهُ، وقال محمد بن إسحاق (٤): الإيمان فِي هذا الموضع: الصلاةُ، دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥) يعني: الصلاة سَمّاها إيمانًا.
стр. 944
فصل
عن عَلِيِّ بنِ أبي طالب -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- قال: "قيل للنبي ﷺ : هل عَبَدْتَ وَثَنًا قَطُّ؟ قال: "لا"، قالوا: هل شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ؟ قال: "لا، وما زِلْتُ أعرف أن الذي هُمْ عليه كُفْرٌ، وما كنتُ أدري ما الكتاب ولا الإيمان"، فَنَزَلَ فِي القرآن: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ " (١).
﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ يعني الكتاب ﴿نُورًا﴾ ضياء ودليلًا على التوحيد والإيمان ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ نُرْشِدُ به إلى الدين الحق، وإنما وَحَّد الكنايةَ، وهما اثنان: القرآن والإيمان؛ لأن الفِعْلَ في كثرة أسمائه يَضْبطُهُ الفِعْلُ، ألا ترى أنك تقول: إقْبالُكَ وَإدْبارُكَ يُعْجِبُنِي، فَيُوَحَّدُ وهما اثنان (٢) ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَهْدِي﴾؛ أي: لتدعوا ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يعني القرآن والإسلام.
وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ وغَيْرُهُ: "وَإنّكَ لتُهْدَى" (٣) بضم التاء؛ أي: لَتُدْعَى إلى صراط مستقيم ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ يعني دين اللَّه ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
стр. 945
فِي الْأَرْضِ﴾ خلقه وعبيده في قبضته، وخفض "صِراطِ اللَّهِ" على البدل من الأول، وهو بدل المعرفة من النكرة (١) ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ يعني: أمور الخلائق فِي الآخرة تصير إليه، فيجزيهم بأعمالهم.
فصل
رُويَ عن سهل بن أبِي الجَعْدِ أنه قال: احترق مصحفٌ فلم يبق منه إلّا قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ وغَرِقَ مصحفٌ فامَّحَى، فلم يبق منه إلّا قوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٢)، واللَّه أعلم.
* * *
стр. 946
سورة الزخرف
مكِّية
وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة حرف، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع وثمانون آية.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الزُّخْرُفِ صَلَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكةُ الرَّحْمةِ، واسْتَرْحَمُوا لَهُ، وَكانَ مِمَّنْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامةِ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، ادْخُلُوا الجَنّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ" (١).
ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قالَ: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الزُّخْرُفِ كانَ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" (٢).
باب ما جاء فيها من الإعراب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالقرآن الذي أبانَ به طُرُقَ الهدى من طُرُقِ الضلالة، وأبانَ ما تحتاج إليه
стр. 947
الأمة من الشريعة ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جواب القسم، والمعنى: إنا أنزلناه وبَيَّنّاهُ ووَصَفْناهُ وسَمَّيْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٢) ونَحْوِها من الآيات، كُلُّها بِمَعْنَى الوصفِ والتسميةِ (٣)، ويستحيل أن يكون بمعنى الخَلْقِ، وهذا رَدٌّ على من يقول بخلق القرآن.
والهاء التي في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ مفعولٌ أوَّلُ، و ﴿قُرْآنًا﴾ مفعولٌ ثانٍ، فهذه "جَعَلْنا" التي تتعدى إلَى مفعولين بمعنى صَيَّرْنا، ليست ﴿جَعَلْنا﴾ التي بمعنى خَلَقْنا؛ لأن تلك لا تتعدى إلَّا إلَى مفعول واحد، نحو قوله : ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٤)، وفَرَّقَت العربُ بينهما بما ذكرناه، وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ لأن من التنزيل ما هو عِبْرانِيٌّ وسُرْيانِيٌّ، وكتاب محمد ﷺ عَرَبِيٌّ يُقْرَأُ بالعربية، وهذا يدل على أنه إذا قُرِئَ بغير العربية لا يكون قرآنًا، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (٣)﴾؛ أي: لكي تعقلوا ما فيه وتَعُوهُ.
قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعنِي القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ يعنِي أصْلَ الكتاب،
стр. 948
وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قال الزَّجّاجُ (١): أُمُّ الكتاب: أصل الكتاب، وأصل كل شيء: أُمُّهُ، والقرآن مُثْبَت عند اللَّهِ فِي اللوح المَحْفُوظِ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٢)، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فِي أمِّ الْكِتَابِ﴾ بكسر الألف (٣).
وقوله: ﴿لَدَيْنَا﴾؛ أي: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾؛ أي: رفيع ﴿حَكِيمٌ (٤)﴾؛ أي: مُحْكَمٌ من الباطل، ومُحْكَمٌ فِي نَظْمِهِ وتأليفه وصحة معانيه.
قوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾؛ أي: نصرفه عنكم، وهذا استفهامٌ معناه الإنكارُ؛ أي: لا نفعل ذلك، يقال: ضَرَبْتُ عنه، وأضْرَبْتُ عنه: إذا تَرَكْتَهُ، وأمْسَكْتَ عنه (٤)، والصَّفْحُ: مصدر (٥)، ويجوز أن يكون "صَفْحًا" بمعنى صافِحِينَ، كما يقال: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا، ويجوز أن يكون بمعنى: ذَوِي صَفْحٍ، كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ؛ أي: عادِلٌ، وكذا: رَجُلٌ رِضًا (٦)، وهو من فصيحات القرآن، والعرب تقول لِمَنْ أمْسَكَ عن الشيء: أعْرَضَ عنه
стр. 949
صَفْحًا؛ أي: إعْراضًا، يقال: صَفَحْتُ عن فلان: إذا أعْرَضْتَ عنه، والأصل في ذلك أنك إذا أعرضت عنه وَلَّيْتَهُ صَفْحةَ عُنُقِكَ ووَجْهِكَ (١)، قال كثير عزة:
٢٢٢ - صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلَّا بَخِيلةً... فَمَنْ مَلَّ مِنْها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلُّتِ (٢)
أي: معرضة بوجهها.
ومعنى الآية: أفَنُمْسِكُ عن إنزال القرآن ونُهْمِلُكُمْ يا أهل مكة، فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نُعَرِّفُكُمْ ما يَجِبُ عليكم، من أجْلِ أنكم أسرفتم في كفركم (٣)؟ وهو قوله: ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾؛ أي: مشركين، والإسراف: التجاوز في الحق.
قرأ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصمًا: ﴿إِنْ﴾ بكسر الألف على معنى "إذْ"، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿إِنْ
стр. 950
أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (١)، والكسر فِي "إنْ" على أنه جزاءٌ اسْتَغْنَى عن جوابه بما تقدمه، كما تقول: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، كذا قاله الواحدي (٢)، وقرأ الآخرون بالفتح (٣) على معنى: لأنْ كنتم، أراد معنى المُضِيِّ، قال الفراء (٤): ومثله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ (٥) تُقْرَأُ بالفتح والكسر (٦)، وقد تقدم ذكره في سورة المائدة.
قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ يعني: سألت قومك يا محمد ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أقَروا