← Тафсир

Тафсир · id 300

البستان في إعراب مشكلات القرآن

ابن الأحنف اليمني

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سورة الزخرف مكِّية وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة حرف، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع وثمانون آية. باب ما جاء فِي فضل قراءتها عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ قَرَأ سُورةَ الزُّخْرُفِ صَلَّتْ عَلَيْهِ مَلَائِكةُ الرَّحْمةِ، واسْتَرْحَمُوا لَهُ، وَكانَ مِمَّنْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامةِ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، ادْخُلُوا الجَنّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ" (١). ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قالَ: "مَنْ قَرَأ سُورةَ الزُّخْرُفِ كانَ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" (٢). باب ما جاء فيها من الإعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ أقْسَمَ اللَّهُ تعالى بالقرآن الذي أبانَ به طُرُقَ الهدى من طُرُقِ الضلالة، وأبانَ ما تحتاج إليه

стр. 947

الأمة من الشريعة ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جواب القسم، والمعنى: إنا أنزلناه وبَيَّنّاهُ ووَصَفْناهُ وسَمَّيْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٢) ونَحْوِها من الآيات، كُلُّها بِمَعْنَى الوصفِ والتسميةِ (٣)، ويستحيل أن يكون بمعنى الخَلْقِ، وهذا رَدٌّ على من يقول بخلق القرآن. والهاء التي في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ مفعولٌ أوَّلُ، و ﴿قُرْآنًا﴾ مفعولٌ ثانٍ، فهذه "جَعَلْنا" التي تتعدى إلَى مفعولين بمعنى صَيَّرْنا، ليست ﴿جَعَلْنا﴾ التي بمعنى خَلَقْنا؛ لأن تلك لا تتعدى إلَّا إلَى مفعول واحد، نحو قوله : ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٤)، وفَرَّقَت العربُ بينهما بما ذكرناه، وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ لأن من التنزيل ما هو عِبْرانِيٌّ وسُرْيانِيٌّ، وكتاب محمد ﷺ عَرَبِيٌّ يُقْرَأُ بالعربية، وهذا يدل على أنه إذا قُرِئَ بغير العربية لا يكون قرآنًا، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (٣)﴾؛ أي: لكي تعقلوا ما فيه وتَعُوهُ. قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعنِي القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ يعنِي أصْلَ الكتاب،

стр. 948

وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قال الزَّجّاجُ (١): أُمُّ الكتاب: أصل الكتاب، وأصل كل شيء: أُمُّهُ، والقرآن مُثْبَت عند اللَّهِ فِي اللوح المَحْفُوظِ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٢)، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فِي أمِّ الْكِتَابِ﴾ بكسر الألف (٣). وقوله: ﴿لَدَيْنَا﴾؛ أي: عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾؛ أي: رفيع ﴿حَكِيمٌ (٤)﴾؛ أي: مُحْكَمٌ من الباطل، ومُحْكَمٌ فِي نَظْمِهِ وتأليفه وصحة معانيه. قوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾؛ أي: نصرفه عنكم، وهذا استفهامٌ معناه الإنكارُ؛ أي: لا نفعل ذلك، يقال: ضَرَبْتُ عنه، وأضْرَبْتُ عنه: إذا تَرَكْتَهُ، وأمْسَكْتَ عنه (٤)، والصَّفْحُ: مصدر (٥)، ويجوز أن يكون "صَفْحًا" بمعنى صافِحِينَ، كما يقال: جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا، ويجوز أن يكون بمعنى: ذَوِي صَفْحٍ، كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ؛ أي: عادِلٌ، وكذا: رَجُلٌ رِضًا (٦)، وهو من فصيحات القرآن، والعرب تقول لِمَنْ أمْسَكَ عن الشيء: أعْرَضَ عنه

стр. 949

صَفْحًا؛ أي: إعْراضًا، يقال: صَفَحْتُ عن فلان: إذا أعْرَضْتَ عنه، والأصل في ذلك أنك إذا أعرضت عنه وَلَّيْتَهُ صَفْحةَ عُنُقِكَ ووَجْهِكَ (١)، قال كثير عزة: ٢٢٢ - صَفُوحًا فَما تَلْقاكَ إلَّا بَخِيلةً... فَمَنْ مَلَّ مِنْها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلُّتِ (٢) أي: معرضة بوجهها. ومعنى الآية: أفَنُمْسِكُ عن إنزال القرآن ونُهْمِلُكُمْ يا أهل مكة، فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نُعَرِّفُكُمْ ما يَجِبُ عليكم، من أجْلِ أنكم أسرفتم في كفركم (٣)؟ وهو قوله: ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾؛ أي: مشركين، والإسراف: التجاوز في الحق. قرأ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصمًا: ﴿إِنْ﴾ بكسر الألف على معنى "إذْ"، كقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿إِنْ

стр. 950

أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (١)، والكسر فِي "إنْ" على أنه جزاءٌ اسْتَغْنَى عن جوابه بما تقدمه، كما تقول: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، كذا قاله الواحدي (٢)، وقرأ الآخرون بالفتح (٣) على معنى: لأنْ كنتم، أراد معنى المُضِيِّ، قال الفراء (٤): ومثله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ (٥) تُقْرَأُ بالفتح والكسر (٦)، وقد تقدم ذكره في سورة المائدة. قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ يعني: سألت قومك يا محمد ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أقَروا

стр. 951

بِعِزَّتي وعِلْمِي، وهذا إخبارٌ عن غايةِ جَهْلِهِمْ، إذْ أقَرُّوا بأن اللَّهَ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، ثم عَبَدُوا معه غَيْرَهُ، وأنْكَرُوا قُدْرَتَهُ على البعث، وقوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ فُتِحَت اللام الأولى على الجواب (١)، وضُمَّت اللامُ التي قبل النون لأن فيه ضميرًا يعود عليه (٢)، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣). وما بعد هذا ظاهر إلى قوله : ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني الأصناف كلها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ في البَحْرِ والبَرِّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يعني: على ظهور ما جعل لكم، ذَكَّرَ الكنايةَ؛ لأنه رَدَّ إلى لفظها (٤)، وقال الفراء (٥): أضاف الظهور إلى الواحد لأن ذلك الواحد في معنى الجمع، كالجُنْدِ والجَيْشِ والرَّهْطِ والخَيْلِ ونحوها من أسماء الجنس. وقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ظهورها ﴿وَتَقُولُوا﴾؛ أي: ولكي تقولوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾؛ أي: ذَلَّلَ لنا هذا المَرْكَبَ ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾ يعني: مُطِيقِينَ، ومعنى المُقْرِنِ: المطيق، يقال: أقْرَنْتُ لِهَذا البَعِيرِ؛ أي: أطَقْتُهُ (٦) ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ لراجعون فِي المَعادِ.

стр. 952

فصل عن ابن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا استوى على بَعِيرِهِ خارجًا فِي سفَرٍ كَبَّرَ ثلاثًا، وقال: "سبحان الذي سَخَّرَ لنا هذا وما كنا له مُقْرِنينَ وَإنّا إلَى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ، اللهمّ إنا نسألك فِي سفرنا هذا البِرَّ والتقوى، والعمل بما ترضى، اللهم هَوِّنْ علينا سَفَرَنا هذا، واطْوِ عنا بُعْدَهُ، اللهم أنت الصاحب فِي السفر، والخليفة فِي الأهل، اللهم إنِّي أعوذ بك من وَعَثاءِ السفرِ (١)، وكَآبةِ المُنْقَلَبِ، وسُوءِ المَنْظَرِ فِي الأهل والمال والولد"، وإذا رجع قال: "آيبون تائبون لربنا حامدون" (٢). وقال قتادة (٣): "فِي هذه الآية عَلَّمَكُمْ رَبُّكُمْ كيف تقولون، إذا ركبتم في الفلك تقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وإذا ركبتم الإبل قلتم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، وإذا نزلتم من الفلك والأنعام تقولون: اللَّهُم أنْزِلْنا مُنْزَلًا مُبارَكًا، وأنتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ". قوله : ﴿وَجَعَلُوا لَهُ﴾ يعني المشركين؛ أي: وَوَصفُوا للَّهِ ﴿مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: عِدْلًا ونَصِيبًا، وهو الوَلَدُ، حيث قالوا: الملائكة بنات

стр. 953

اللَّه، يقال: أجْزَأ الرَّجُلُ: إذا كان يُولَدُ له البناتُ، وأجْزَأتِ المَرْأةُ: إذا وَلَدَتِ البَناتِ (١)، قال الشاعر: ٢٢٣ - إنْ أجْزَأتْ حُرّةٌ يَوْمًا فَلَا عَجَبٌ... قَدْ تُجْزِئُ الحُرّةُ المِذْكارُ أحْيانا (٢) ويقال: لِفُلَانٍ جُزْءٌ مِنْ عِيالٍ؛ أي: بَناتٌ، وجُزَيّةٌ أي: ذُكُورٌ، وقرأ أبو بكر: ﴿جُزُؤًا﴾ بضم الزاي (٣) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ لَجَحُودٌ لِنِعَمِ اللَّهِ بَيِّنُ الكُفْرِ.

стр. 954

ثم قال رَدًّا عليهم: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ الميم هاهنا صلة؛ أي: أتَّخَذَ الرَّبُّ لنفسه مما يخلق بناتٍ؟ استفهام إنكار وتوبيخ ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾؛ أي: اخْتَصَّكُمْ بالبَنِينَ، نظيره قوله تعالى: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. . . الآية" (١). ثم أخبر عنهم، وزاد في الاحتجاج عليهم، فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾؛ أي: مُتَغَيِّرًا ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾ يعني مكروبًا من الحزن والغيظ، و ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيضًا: حابسٌ رِيقَهُ من الغَمِّ، يقال: كَظَمَ رِيقَهُ، فهو كاظِمٌ وكَظِيمٌ، والرِّيقُ مَكْظُومٌ. ثم وَبَّخَهُمْ بما افْتَرَوْهُ، فقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ هو مأخوذ من: أنْشَأهُ اللَّهُ، أي: ابْتَدَأ خَلْقَهُ، قرأ أهل الكوفة إلّا أبا بكر بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على غير تسمية الفاعل؛ أي: يُرَبَّى في الحُلِيِّ، يعني: البنات، وهو رَدِيءٌ؛ لأنه لَمْ يُحْكَ في اللغة: نَشَّأ بمعنى أنْشَأ، إلّا أن يقال: إنه في القياس مثل: بَلَّغَ وأبْلَغَ، وفَرَّحَ وأفْرَحَ (٢). وقرأ الباقون بفتح الياء وجزم النون وتخفيف الشين (٣)؛ أي: يَنْبُتُ ويَكْبَرُ

стр. 955

في الحِلْيةِ، يعني الزِّينةَ، وأراد النساء، وفي محل ﴿مَنْ﴾ من الإعراب ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء (١)، والنصب على الإضمار، تقديره: أوَ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الحِلْيةِ تَجْعَلُونَ رَبًّا أو بَناتِ اللَّهِ (٢)؟ والخفض رَدًّا على قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ﴾ وقولِهِ: ﴿بِمَا ضَرَبَ﴾ (٣). قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني: هذا الولد الأنثى ضعيفٌ قَلِيلُ الحِيلةِ، وهو عند المُجادَلةِ والمخاصمة غير مُبينٍ، ضعيف عنها، وإنما قال: ﴿وَهُوَ﴾ ولَمْ يقل: وهي، والمعنى فيه التأنيث؛ لأنه حَمَلَهُ على ﴿مَنْ﴾، و ﴿مَنْ﴾ مُذَكَّرٌ، فقد يكون للذكر والأنثى والجمع، قيل: نزلت هذه الآية في ثلاثة أحياءٍ: بني سُلَيْمٍ وكنانةَ وعامرٍ، وقيل: في خُزاعةَ قالوا: الملائكة بنات اللَّه -تعالى اللَّه عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا-. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ يعني: حين خرج من

стр. 956

السَّرَب (١)، وهو ابنُ سَبْعَ عَشْرةَ سنةً، رأى أباه وقومَه يعبدون الأصنامَ، فقال لهم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: بَرِيءٌ، والبَراءُ مصدر وُضِعَ موضع النعت، لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ (٢)، ويريد بالمصدر الفاعل، وقرأ عبد اللَّه ابن مسعود: "إنّنِي بَرِيءٌ" بالياء (٣)، قال ثعلب: أهل الحجاز يقولون: أنا منكم بَراءٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. ثم اسْتَثْنَى خالِقَهُ مِن البَراءةِ، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ أي: خَلَقَنِي، ومجاز الآية: إنني بَراءٌ من كل معبود إلا الذي فطرني ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ أي: يُرْشِدُنِي لِدِينِهِ، ومحل ﴿الَّذِي﴾ هو نصب على الاستثناء (٤)، ويجوز أن يكون "إلّا الَّذِي" منقطعًا مما قبله، فيكون مرفوعا بالابتداء، تقديره: أمّا الذي (٥).

стр. 957

قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يعني كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلّا اللَّه، لا تزال باقيةً في ذُرِّيّةِ إبراهيم ﵇ إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾؛ أي: في نسله، وعَقِبُ الرَّجُلِ: الباقي من وَلَدِهِ ومَنْ بَعْدَهُ، وآخِرُ كُلِّ شَيءٍ: عَقِبُهُ، وعَقِبُ القَدَمِ: مُؤَخَّرُها الذي يُمْسِكُ شِراكَ النَّعْلِ العَرَبيِّ. قال الأصمعي: ومن العرب من يسكن القاف من "عَقْبِهِ" (١)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾؛ أي: لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿لَوْلَا﴾؛ أي: هَلَّا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ وهذا عطف البيان الذي يقوم مقام النعت لـ "هَذا"، وهذا قول سيبويه (٢)، وقال غيره (٣): هو نعت يعنِي: "الْقُرْآنُ" نعت لـ "هَذا"، اسمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ يعني مكة والطائف، و ﴿عَظِيمٍ (٣١)﴾ نعت لـ "رَجُلٍ"، وليس الرَّجُلُ يكون من القَرْيَتَيْنِ، ولَكِنَّ حقيقته في العربية: على رَجُلٍ مِنْ رَجُلَيِ القريتينِ، ثم حُذِفَ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤)؛

стр. 958

أي: سَلْ أهْلَ القَرْيةِ، وعَنَى بالرجلين الوليدَ بن المغيرة، كان عظيمَ أهلِ مكة في الشرف، وأبا مسعود الثقفيَّ (١) عظيمَ أهل الطائف، واسمه عمرو بن عمير بن عوف، جَدُّ المُخْتارِ (٢)، وقيل: هو عروة بن مسعود الثقفي، قاله الواحدي (٣). ثم قال تعالى رَدًّا عليهم، وإنكارًا لِما قالوا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يريد: توبته وكرامته، استفهام إنكار، والمعنى: أبِأيْدِيهِمْ مَفاتِيحُ الرسالة فيضعوها حيث شاؤوا؟ لكنها بِيَدِي أخْتارُ لَها مَنْ أشاءُ من عبادي، فاختار اللَّه تعالى أفضلَ مما اختاروا لأنفسهم، وهو محمدٌ ﷺ الأُمِّيُّ القُرَشِيُّ الأبْطَحِيُّ الزَّمْزَمِيُّ، سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغُرِّ المُحَجَّلِينَ إلَى جنات النعيم، المُخْتَصُّ بالنعمة، والمؤيد بالقوة، والمنتخب للأمة، والمصطفى للرسالة، نُورُ اللَّهِ في أقطارِ مَنْ تُظِلُّهُ السَّماءُ، وتُقِلُّهُ الأرضُ -عليه أفضل الصلاة والتسليم-. ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: لَمْ نُعْطِ الوليدَ بن المغيرة وأبا مسعود الثقفيَّ الذي أعطيناهما من الغِنَى لكرامتهما علينا، ولكنه قَسْمٌ من اللَّه بينهما: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾؛ يعني: فضائل

стр. 959

فِي الغِنَى، و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ في موضع نصبٍ، مفعولٌ ثانٍ حُذِفَتْ منه "عَلَى" (١)؛ والمعنى: فَضَّلْنا بعضهم على بعض في الرزق: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ أي: لِيُسَخَّرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، ويَسْتَخْدِمَ الأغنياءُ بأموالهم الفقراءَ؛ لِيَلْتَئِمَ قِوامُ أمْرِ العالَمِ بِمالِ الأغنياءِ وعَمَلِ الفقراءِ (٢)، وكل مَنْ عَمِلَ لِرَجُلٍ عَمَلًا فقد سُخِّرَ له، سواء كان بِأُجْرةٍ أو بغير أُجْرةٍ ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني الجنة ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ في الدنيا من الأموال، يعني الكفار. فصل عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه قَسَمَ بينكم أخلاقَكُمْ كما قَسَمَ بينكم أرزاقَكُمْ، وإن اللَّه يعطي الدنيا مَنْ أحَبَّ ومَنْ لَمْ يُحِبَّ، ولا يُعْطِي الدِّينَ إلّا مَنْ أحَبَّ، فمن أعطاه الدِّينَ فقد أحَبَّهُ" (٣). ثم ذَكَّرَهُم اللَّهُ بِهَوانِ الدنيا عليه، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني مِلّةً واحدة مجتمعين على الكفر، وقيل: في طلب الدنيا واختيارِها على العُقْبَى، قال الفراء (٤): ﴿أنْ﴾ في موضع رفع. وقوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ اللام في ﴿لَجَعَلْنَا﴾ جواب ﴿لَوْلَا﴾، وهي لام التمني، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو

стр. 960

جعفر وحُمَيْدٌ (١) ويحيى: ﴿سُقُفًا﴾ بفتح السين وسكون القاف على الواحد، ومعناه الجمع، وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع (٢)، يقال: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، وفَرَسٌ وَرْدٌ وخَيْلٌ وُرُدٌ، وقيل: هو جمع سَقِيفٍ، وقيل: هو جمع سُقُوفٍ، جَمْعُ الجَمْعِ (٣). قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾؛ يعني دَرَجًا عليها يرتفعون، ويصعدون عليها إلى السقوف، الواحدة: مِعْوَجةٌ، وقيل (٤): واحدها: مَعْرَجٌ ومِعْراجٌ، وهي مأخوذة من الارتفاع، يقال: هو يَعْرُجُ إليه؛ أي: يَصْعَدُ إليه، وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيُّ: "وَمَعارِيجَ" (٥)، وهما لغتان، واحدها مِعْراجٌ، مثل مفتاح ومفاتيح ومَفاتِحَ (٦). والظُّهُورُ: الارتفاع، ومنه سُمِّيَتِ الظاهرةُ، وظاهِرُ الشيءِ: ما بَدا منه، وباطنه: ما خَفِيَ منه، تقول: اسْتَتَرَ عَنِّي وَلَمْ يَظْهَرْ، ويقال: ظَهَرْتُ على السَّقْفِ:

стр. 961

إذا عَلَوْتَهُ (١)، قال النابغة الجعدي: ٢٢٤ - بَلَغْنا السَّما مَجْدًا وَعِزًّا وَسُؤْدَدًا... وَإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرا (٢) قوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾؛ أي: وَلَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ ﴿أَبْوَابًا﴾ من فضة ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤)﴾ يعني: ينامون، والسُّرُرُ: جمع سرير، والاتِّكاءُ: هو التحامل على الشيء، ﴿وَزُخْرُفًا﴾؛ أي: وَلَجَعَلْنا لَهُمْ زُخْرُفًا، وهو الذَّهَبُ، نظيره: ﴿بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ (٣)، ويجوز أن يكون منصوبًا بِنَزْعِ الخافض؛ معناه: من فضة وزُخْرُفٍ، فلما نُزِعَ الخافضُ نُصِبَ، والقول الأول أولى بالصواب (٤). قال الحسن (٥): الزخرف: النقوش، والزخرف: كل مُزَخْرَفٍ أو مُزَيَّنٍ،

стр. 962

يقال: زَخْرَفَ الرَّجُلُ بِناءَهُ: إذا زَيَّنَهُ وحَسَّنَهُ، ويقال (١): زُخْرُفُ الدُّنْيا الذَّهَبُ والفِضّةُ، قال الشاعر: ٢٢٥ - زَخارِفَ أشْباهًا بِحالِ دُمُوعِها... سَواطِعَ جَمْرٍ مِنْ لَظًى تَتَلَهَّبُ (٢) قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: وما كل ذلك الذي ذكرنا إلا متاع الحياة الدنيا، يتمتعون فيها قليلًا، إلا أنها تزول وتذهب. قرأ حمزة وعاصم وهشام: ﴿لَمّا﴾ هو بالتشديد على معنى: وما كل ذلك إلّا متاع الحياة الدنيا (٣)، ويُقَوِّي هذه القِراءةَ أن فِي حرف أُبَيٍّ: ﴿وَما ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وخففه الباقون (٤) على معنى: وكُلُّ ذلك مَتاعُ الحياة الدنيا، فيكون ﴿كُلُّ﴾ ابتداءً، و ﴿لَما﴾ لغوًا وصلةً، واللام للتوكيد عند البصريين (٥)، وهي عند

стр. 963

الكوفيين بمعنى "إلّا"، و"ما" زائدة للتوكيد، وهي عند بعض النحويين نكرة بمعنى شيء (١). قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ يعني دار الآخرة، وهي الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ خاصة لهم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: يُعْرِضْ عن القرآن، وهو شرط وجزاء ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ جواب الشرط، يقال: عَشَوْتُ إلى النّارِ أعْشُو عَشْوًا؛ أي: قَصَدْتُها مُهْتَدِيًا بها، وعَشَوْتُ عَنْها: أعْرَضْتُ عنها، قال الخليل بن أحمد (٢): العَشْوُ: النظر ببصر ضعيف، وأنشد للحطيئة: ٢٢٦ - مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نارِهِ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ (٣)

стр. 964

وقال آخر: ٢٢٧ - مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نارِهِ... إذا الرِّيحُ هَبَّتْ والمَكانُ جَدِيبُ (١) وقال آخر: ٢٢٨ - مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نارِهِ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنارًا تَأجَّجا (٢) قرأ العامة: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ بضم الشين، ورُوِيَ عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿يَعْشَ﴾ بفتح الشين (٣)، ومعناه: يَعْمَ، يقال منه: عَشِي يَعْشَى عَشًا: إذا عَمِيَ، ورَجُلٌ له عَشًا، ومنه قول الأعشى: ٢٢٩ - رَأتْ رَجُلًا غائِبَ الوافِدَيْـ... ن مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أعْشَى ضَرِيرا (٤)

стр. 965

ويقال أيضًا: عَشِيَ الرَّجُلُ يَعْشَى عَشًى، فهو أعْشَى: إذا لَمْ يُبْصِرْ بالليل (١)، وقيل (٢): معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: يُظْلِمْ بَصَرُهُ عنه كَأنّ عليه غِشاوةً. يقال (٣): عَشَوْتُ إلى النار أعْشُو عَشْوًا، فأنا عاشٍ: إذا اسْتَدْلَلْتَ إليها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ، و ﴿يَعْشُ﴾ في موضع جزم بالشرط، وعلامة الجزم فيه حذف الواو، وهو مشتق من العشا (٤)، وجوابه: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾؛ أي: نُسَلِّطْهُ عليه ونُسَهِّلْهُ له ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ فلا يفارقه ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾. أي: وإن الشياطين يَمْنَعُونَ الكافرين عن سبيل الهدى، وإنما جمع الكناية لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فِي مذهب جَمْعٍ، وإن كان اللفظ على الواحد (٥).

стр. 966

قوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾؛ يعني: يَحْسَبُ كُفّارُ بَنِي آدم أنّهُمْ على هدى. فصل عن أبِي بكر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عليكم بـ "لا إله إلّا اللَّه" والاستغفارِ، فَأكْثِرُوا منهما، فإن إبْلِيسَ قال: أهلكتُ الناسَ بالذنوب، فأهلكوني بـ "لا إله إلّا اللَّه" والاستغفارِ، فلما رأيتُ ذلك أهلكتُهُمْ بالأهواء، وهم يحسبون أنهم مهتدون" (١). قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ قرأ أهل العراق وابنُ مُحَيْصِنٍ على الواحد، يعنون الكافر، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر على التثنية (٢)، يعنون الكافرَ وقَرِينَهُ، جُعِلا في سلسلة واحدة، ورُوِيَ أن الكافر إذا بُعِثَ يوم القيامة من قَبْرِهِ أخَذَ بيده شَيْطان، فلم يفارقه حتى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النار (٣)، فذلك حين يقول الكافر للشيطان: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ يعني: فبئس الصاحبُ والمُقارِنُ في النار، والمعنى: بُعْدُ ما بين

стр. 967

المشرق والمغرب، فَغُلِّبَ لَفْظُ المَشْرِقِ كما يُقالُ للغَداةِ والعَشِيِّ: العَصْرانِ، قال حميد بن ثور (١): ٢٣٠ - وَلَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمًا وَلَيْلةً... إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما (٢) ويقال لأبِي بكر وعُمَرَ ﵄: العُمَرانِ، وللسِّبْطَيْنِ: الحَسَنانِ، ويقال للشمس والقمر: القَمَرانِ، قال الشاعر: ٢٣١ - أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ... لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ (٣)

стр. 968

يعني: الشمس والقمر، ويقال للكوفة والبصرة: البَصْرَتانِ والمِصْرانِ، قال الشاعر: ٢٣٢ - وَبَصْرةُ الأزْدِ مِنّا والعِراقُ لَنا... والمَوْصِلَانِ وَمِنّا مِصرُ والحَرَمُ (١) أراد: المَوْصِلَ والجَزِيرةَ، والبَصْرةَ والكُوفةَ (٢). وقال بعضهم (٣): أراد بالمشرقين: مشرق الصيف ومشرق الشتاء، كقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (٤). قال الفراء (٥): والأول أشبه الوجهين بالصواب. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يا محمد بأن نُمِيتَكَ قبل أنْ نُعَذِّبَهُمْ ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾ يعني: بالقتل يوم بدر، دخلت "ما" توكيدًا للشرط، والنون الثقيلة في قوله: ﴿نَذْهَبَنَّ﴾ دخلت أيضًا توكيدًا، وإذا دخلت"ما" دخلت معها النون كما تدخل مع لام القَسَمِ (٦)، والمعنى: إنّا نَنْتَقِمُ منهم إنْ نَتَوَفيَنَّكَ.

стр. 969

﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ ووعدناك فيهم من النصر ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾؛ أي: قادرون عليهم، مَتَى شِئْنا عَذَّبْناهُمْ، ثم أُرِيَ ذلك يَوْمَ بَدْرٍ. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية، اختلف العلماء في هؤلاء المسؤولين، فقال أكثر المفسرين (١): هم مؤمنو أهلِ الكتاب، قالوا: وفي قراءة عبد اللَّه وأُبَيٍّ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ (٢)،

стр. 970

قال الزجاج (١): والمعنى: سَلْ أُمَمَ مَنْ أرسلنا، فحذف المضاف. وقال ابن عباس (٢): "لَمّا أُسْرِيَ بالنبي ﷺ بَعَثَ الُلَّه له آدمَ ومَنْ وَلَدَ مِن المرسلين، فَأذَّنَ جبريلُ ﵇، ثم أقام، وقال: يا محمد! تَقَدَّمْ فَصَلِّ بهم، فلما فَرَغَ رسولُ اللَّه ﷺ من الصلاة قال له جبريل: سَلْ يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا. . . الآية، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا أسأل، قد اكتفيتُ"". يريد: إنِّي لا أشُكُّ بأن ليس أحَدٌ يُعْبَدُ غَيرُ اللَّه ، ومعنى الأمر بالسؤال: التقرير لِمُشْرِكِي قريشٍ أنه لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ ولا كتاب بعبادةِ غَيْرِ اللَّهِ . قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ أربعون فَرْسَخًا في أربعين فَرْسَخًا، و"مِصْرَ" في موضع خفض، ولَمْ تنصرف عند البصريين؛ لأنها مؤنثة سُمِّيَتْ بِمُذَكرٍ، وكذا لو سَمَّيْتَ امرأة بِزَيْدَ لَمْ ينصرف (٣). قوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ يعني أنهار النيل ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ فتح نافعٌ وأبو عمرو والبَزِّيُّ الياءَ، وأسكنها الباقون (٤)، والمعنى: من تحت قصوري،

стр. 971

وقيل: حَوْلِي، وقيل: بين يَدَيَّ فِي جِنانِي وبساتيني ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ إلى عظمتي وشِدّةِ مُلْكِي وفضلي على موسى، افْتَخَرَ عَدُوُّ اللَّهِ فِرْعَوْنُ بِمُلْكِهِ، وكان مُلْكُهُ أربعين سنة. فصل رُوِيَ عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال: "نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الأنهار، وسَخَّرَ اللَّهُ له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلك أنه إذا أراد أن يُجْرِيَ نِيلَ مصر أمَرَ اللَّه كل نهر أن يُمِدَّهُ، فَتُمِدُّهُ الأنهار بِمائِها، وفَجَّرَ له الأرضَ عيونًا، فإذا انتهى جَرْيُهُ إلى ما أراد اللَّه، أوْحَى اللَّهُ إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره، والأنهار: نهر فَيُّومٍ، ونهر دِمْياطَ، ونهر البَرَلَّسِ، ونهر الرَّشِيدِ، ونهر الإسكندرية، قال: وكان فرعون يخرج من الفيوم، فيبلغ إلى دمياط، ما تناله الشمس مِن الْتِفافِ الشَّجَرِ، وبين الموضعين مسيرة أيام" (١). قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ ﴿أَمْ﴾ بمعنى "بَلْ"، وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين (٢)، والمعنى: بل أنا خَيْرٌ، وأنشد الفراء (٣): بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحا... وَصُورَتِها أمْ أنْتِ فِي العَيْنِ أمْلَحُ (٤)

стр. 972

معناه: بل أنت، وأنشد أيضًا (١): فَواللَّهِ ما أدْرِي أسَلْمَى تَغَوُّلَتْ... أمِ القَوْمُ أوْ كُلٌّ إلَيَّ حَبِيبُ (٢) بمعنى"بَلْ" هاهنا. وقال ابن الأنباري (٣): قال الفراء: في "أمْ" وجهان: إن شئت جعلتها هي الاستفهام، وإن شئت جعلتها نسقًا على قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾. وقال قوم من أهل المعانِي (٤): الوقف على قوله: "أمْ"، وعنده تَمامُ الكلامِ (٥)، وفي الآية إضمارٌ، مَجازُها: أفلا تبصرون أم تبصرون؟ ثم ابتدأ، فقال: "أنا خَيْرٌ"؛ أي: أفضل ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ضعيفٌ حقير، يعنِي موسى عليه

стр. 973

السّلام، ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ يفصح بكلامه؛ لِلَّثْغةِ التِي كانت بلسانِهِ، ﴿فَلَوْلَا﴾؛ أي: فَهَلَّا ﴿أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع أسْوِرةٍ، وهو جمع الجمع، وهو قراءة أهل الحرمين وأهلِ الكوفة إلّا حَفْصًا، وأهلِ البصرة إلّا الحسنَ وقتادةَ، فإنهما قرآ: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ بغير ألف، وكذلك قرأ حَفْصٌ وأبو حاتم ويعقوب على جَمْع السِّوار، وقرأ أُبَيٌّ: ﴿أساورُ﴾، وقرأ ابن مسعود: ﴿أساوِيرُ﴾ (١). قال أبو عمرو بن العلاء (٢): واحد الأساوِرةِ والأساوِرِ والأساوِيرِ: إسْوارٌ، وهو لغة فِي السِّوارِ، وقيل (٣): الأساورةُ جمع إسْوارٍ، والهاء بدل الياء في أساوِيرَ (٤)، أو جمع أسْوِرةٍ كما ذكرنا، كأَسْقِيةٍ وأساقٍ (٥)، والهاء كما في قَشْعَمٍ وقَشاعِمةٍ، وصَيْقَلٍ وصَياقِلةٍ (٦)، وأسْوِرةٌ جمع سِوارٍ كسِقاءٍ وأسْقِيةٍ.

стр. 974

والمعنى: هَلّا حُلِّيَ بأسْوِرةِ الذَّهَبِ إن كان عظيمًا، وكان الرجل فيهم إذا كان سَيِّدًا تَجِبُ طاعتُه سَوَّرُوهُ بِسِوارٍ من ذهب، أو طَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب؛ لِيكون ذلك دلالة لسيادته، وعلامةً لرياسته، فقال فرعون: هَلَّا سُوِّرَ؛ أي: حُلِّيَ، يعني: موسى، بأسورةِ الذهبِ إن كان عظيمًا ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾؛ يعني متتابعين معاونين، يُقارِنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يمشون معه شاهدين له، يُعِينُونَهُ على الأمر الذي بُعِثَ إليه، وهو منصوب على الحال. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾؛ أي: أغْضَبُونا، والأسَفُ في اللغة: الفَواتُ، واللَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ من الأشياء، وقيل: آسَفُوا رُسُلَنا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أحَدٌ ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ قرأ العامة بفتح السين واللّام، وهو جمع سالِفٍ مثل خادِمٍ وخَدَمٍ، وحارِسٍ وحَرَسٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، يقال: سَلَفَ يَسْلُفُ: إذا تَقَدَّمَ ومَضَى. قال الفراء (١) والزجاج (٢): جعلناهم متقدمين؛ لِيَتَّعِظَ بهم الآخِرُونَ، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى: ﴿سَلَفًا﴾ بضم السين واللام كأسَدٍ وأُسُدٍ، ورَغِيفٍ ورُغُفٍ، وهو جمع سَلِيفٍ (٣) من: سَلُفَ -بضم اللام- يَسْلُفُ: إذا تَقَدَّمَ فهو سَلِيفٌ، وقرأ ابن مسعود بضم السين وفتح اللام (٤)، استثقالًا لتوالِي ضمتين

стр. 975

كجُدَدٍ، وهو جمع سُلْفةٍ مثل: طُرْفةٍ وطُرَفٍ وغُرْفةٍ وغُرَفٍ (١)، و ﴿سَلَفًا﴾ بالتخفيف كأُسْدٍ (٢)، ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾؛ أي: عِبْرةً وعِظةً لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ نصب على خَبَرِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ (٣)، وإن شئتَ قلتَ: هو نصب على المصدر ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ يَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي بضم الصاد، وهو قراءة عَلِيٍّ والنَّخْعِيِّ (٤)، ومعناه: يُعْرِضُونَ، نظيره قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٥)، وقرأ الباقون بكسر الصاد، وهي اختيار أبِي حاتم. قال الفراء والزجاج والأخفش والكسائي (٦): هما لغتان مثل ﴿يَعْرِشُونَ﴾

стр. 976

و ﴿يَعْرُشُونَ﴾ (١)، و ﴿يَعْكُفُونَ﴾ و ﴿ويَعْكِفُونَ﴾ (٢)، ومعناها: يَضِجُّونَ، وقيل: مَنْ قَرَأ بضَمِّ الصاد فمعناه: يَصُدُّونَ، وقيل (٣): يَعْدِلُونَ بين عيسى ﵇ وبين الأَصنام. قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون عيسى ﵇، أي: ليست آلهتنا خَيْرًا من عيسى، فإنْ كان في النار، فإنه يُعْبَدُ من دون اللَّه فكذلك آلهتنا. قرأ الكوفيون: ﴿أَآلِهَتُنَا﴾ بِهَمْزَتَيْنِ بعدهما مَدّةٌ، وقرأ الباقون بهمزة واحدة مطولة (٤)، وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ يا محمد ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي: ليجادلوك ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾؛ أي: أصحاب خصومات بالباطل. ثم ذَكَرَ عيسى ﵇، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ آيةً وعِبْرةً لَهُمْ، يعرفون به قدرة اللَّه على ما يريد، حيث خلقه من غَيْرِ أبٍ. ثم خاطب كفار مكة، فقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾؛ أي: لو نشاء أهلكناكم، وجعلنا بَدَلًا منكم ملائكةً ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ يكونون خَلَفًا

стр. 977

منكم، قال الأزهري (١): و"مِنْ" قد تكون للبدل كقوله: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ يريد: بَدَلًا منكم، فَيَعْمُرُونَ الأرْضَ، فَيَعْبُدُونَنِي ويُطِيعُونَنِي. ثم رجع إلى ذِكْرِ عيسى ﵇، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ يعني: نزوله من أشْراطِ الساعة، يُعْلَمُ به قِيامُ الساعةِ، ويُسْتَدَلُّ به على ذهاب الدنيا وإقبال الآخرة، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ بفتح العين واللام (٢)؛ أي: أمارةٌ وعَلَامةٌ على قيام الساعة. والهاء راجعة إلى عيسى في قول أكثر المفسرين، وقال قوم (٣): الهاء في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ كناية عن القرآن، وإليه ذهب الحَسَنُ، ومعنى الآية: وإن القرآن لَعِلْمٌ لِلسّاعةِ، يُعْلِمُكُمْ قِيامَها، ويُخْبرُكُمْ بأحوالها وأهوالها ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ﴾ تَشُكُّنَّ وتَكَذِّبُوا "بِهَا"؛ أي: فيها ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ على التوحيد "هذَا"؛ أي: هذا الذي أنا عليه ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ من دين إبراهيم ﵇، قرأ أبو عمرو: ﴿واتَّبِعُونِي﴾ بياء في الوصل فقط، الباقون بغير ياء في الحالين (٤).

стр. 978

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ يعني كفار قريش؛ أي: هل يَرْتَقِبُونَ ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ يعني القيامة ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة، نصب على الحال، ومحل ﴿أنْ﴾ نصب على البدل من الساعة (١) ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ بمَجِيئِها، كقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (٢). قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾؛ يعني: على المعصية فِي الدنيا، وهو رفع بالابتداء، وهو جمع خليل ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، يعني: في الآخرة ﴿بَعْضُهُمْ﴾ رفع على البدل من ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾، ويجوز أن يكون مرفوعًا بالابتداء ﴿لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهو الخبر ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ فإن خُلَّتَهُمْ لا تنقطع، ولكنها قائمة دائمة لهم أبدًا، وهو نصب على الاستثناء من الموجب. قيل (٣): نزلت هذه الآية في أمية بن خلف الجمحي، وفي خَلِيلِهِ عُقْبةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ من بني أمية، وقد ذكرتُ قصتهما في سورة الفرقان (٤). قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ﴾ (٥) محله نصب لأنه نداء مضاف ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ

стр. 979

الْيَوْمَ (٦٨)﴾؛ يعني: من العذاب يوم القيامة، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائقُ رُءُوسَهُم، فيقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ فَيُنَكِّسُ أهْلُ الأديان رُؤُوسَهُمْ غَيْرَ المسلمين، فيقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾؛ أي: تُكْرَمُونَ وتُنَعَّمُونَ. ومحل ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن يكون نصبًا بإضمار "أعني"، ويجوز أن يكون رفعا خَبَرَ ابتداءٍ محذوف، تقديره: هم الذين، وقوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ ابتداء، و ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ عطف عليه، ويَجُوزُ أن يكون ﴿أنْتُمْ﴾ توكيدًا للواو فِي قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾ (١). قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ﴾؛ أي: بِقِصاعٍ، واحدتها: صَحْفةٌ، وهي القَصْعةُ الواسعة العريضة ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ أدناها سبعون ألفًا، وأعلاها سبعمائة ألف ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ يعني: أبارِيقَ مستديرة الرؤوس، ليست لها آذان ولا خراطيم (٢)، واحدها كوب، قال الأعشى: ٢٣٣ - صَرِيفِيّةً طَيِّبًا طَعْمُها... لَها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ وَدَنْ (٣)

стр. 980

قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ هذه قراءة أهل المدينة وأهل الشام، وكذا هو في مصاحفهم، وكذلك رَوَى حَفْصٌ عن عاصم، وقراءة أهل العراق: ﴿تَشْتَهِي﴾ هو بغير هاء (١)، والقراءتان حسنتان، فإثبات الهاء على الأصل، وحذفها لطول الاسم (٢). فصل عن أبِي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ أدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً مَنْ له سَبْعُ درجات، هو على السادسة، وفَوْقَ السابعة، وإن له لَثَلَاثَمِائةِ خادم، ويُغْدَى عليه ويُراحُ بِثَلَاثِمائِةِ صَحْفةٍ"، لا أعْلَمُهُ قال: "إلا من ذهب، في كل صَحْفةٍ لَوْن ليس في الأخرى، وإنه لَيُلِذُّ آخِرُهُ كما يُلِذُّ أوَّلُهُ، وإنه ليقول: يا رَبِّ! لو أذِنْتَ لِي لأطعمتُ أهل الجنة وسقيتهم، لا ينقص مما

стр. 981

عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثْنَتَيْنِ وسبعين زوجةً، سوى أزواجِهِ فِي الدنيا، وإن الواحدة منهن لَيَأْخُذُ مَقْعَدُها قَدْرَ مِيلٍ من الأرض" (١). وعن عكرمة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ أدْنَى أهل الجنة مَنْزِلةً، وأسفلَهم درجةً: الرَّجُلُ لا يدخل الجنة إلّا بعد أن يُفْسَحَ له في قصره مسيرةَ مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ، ليس فيها موضع شبر إلّا معمور، يُغْدَى عليه ويُراحُ بسبعين ألف صَحْفةٍ من ذهب، ليس فيها صَحْفةٌ إلّا وفيها لَوْنٌ ليس في الأخرى، مَثَلُ شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الدنيا لَوَسَّعَ اللَّهُ عليهم مما أعطي، لا ينقص ذلك مما أُوتِيَ شيئًا" (٢). ورُوِيَ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه: إنِّي أُحِبُّ الخيل، فهل في الجنة خَيْلٌ؟ قال: "إن اللَّه يدخلك الجنة -إن شاء اللَّه-، فلا تشاء أن تركب فرسًا من ياقوتةً حَمْراءَ تطير بك في أيِّ الجَنّةِ شئْتَ إلّا فعلت"، فقال الأعرابِيُّ: يا رسول اللَّه: إنِّي أحب الإبل، فهل في الجنة إبِلٌ؟ فقال: "يا أعرابِيُّ! إن اللَّه يدخلك الجنة -إن شاء اللَّه-، ففيها ما اشتهتْ نَفْسُكَ، ولَذَّتْ عيناك" (٣). وذلك قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ يقال: لَذِذْتُ الشَّيْءَ ألَذُّهُ مثلما اسْتَلْذَذْتَهُ، والمعنى: أنه ما من شيء اشْتَهَتْهُ نَفْسٌ، أو اسْتَلَذَّتْهُ عَيْنٌ، إلا وهو فِي الجنة، وقد عَبَّرَ اللَّهُ تعالى بهذين اللفظين عن جميع

стр. 982

نِعَمِ أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلّا وهي تصيب النفس والعين، ثم تَمَّمَ هذه النِّعَمَ بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾؛ لأنها لو انقطعت لَمْ تَطِبْ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني المشركين ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)﴾ أبدًا مقيمون ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ﴾؛ يعني: في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ أذِلّةٌ آيِسُونَ مُتَحَيِّرُونَ مُنَكِّسُونَ رُءُوسَهُمْ مُنْكَسِرُونَ. والإبْلَاسُ: الإياسُ، يقال: أبْلَسَ وأيِسَ، وسُمِّيَ إبْلِيسُ إبليسَ (١)؛ لأنه أبْلَسَ من رحمة اللَّه؛ أي: أيسَ من الرحمة، وفي قراءة عبد اللَّه: ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ (٢) يعني: في جهنم ﴿مُبْلِسُونَ﴾. قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ فَنُعَذِّبَهُمْ على غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ بكفرهم باللَّه، وتكذيبِهم برسله، وتركهم ما دعاهم إليه. ونصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على خَبَرِ ﴿كانَ﴾، و ﴿هُم﴾ عند سيبويه فاصلة لا موضع لها من الإعراب (٣) بِمَنْزِلةِ "ما" في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (٤)، والكوفيون يقولون: هو عماد وتوكيد (٥)، قال الفراء (٦): وهي في

стр. 983

حرف عبد اللَّه ابن مسعود: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، قال أبو جعفر (٢): فعلى هذا يكون "هُمْ" في موضع رفع بالابتداء، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر الابتداء، والابتداء وخبره خَبَرُ "كانَ"، كما تقول: كان زَيْدٌ أبُوهُ خارِجٌ. ومثله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) و ﴿الرَّقِيبَ﴾ بالرَّفع أيضًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (٤) بالنَّصب والرَّفع، قال قَيْسُ بن ذُرَيْحٍ: ٢٣٤ - أتَبْكِي عَلَى لُبْنَى وَأنْتَ تَرَكْتَها... وَكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلَا أنْتَ أقْدَرُ (٥) والقوافي مرفوعة (٦).

стр. 984

قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ يدعون خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾؛ أي: لِيُمِتْنا رَبُّكَ، فنَسْتَرِيحَ مِنْ شِدّةِ العذاب، فيُجِيبُهم مالكٌ بعد ألْفِ سنةٍ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ مقيمون فِي العذاب، قرأَ العامة: "يا مالِكُ" بإثبات الكاف، وقرأ عَلِيُّ بنُ أبِي طالب ﵁ والأعمش: "يا مالِ" (١) بحذف الكاف على الترخيم، ورَوَى أبو الدرداء ذلك عن النبي ﷺ ، قال أبو الفتح عثمان بن جني (٢): هذا من أحق الأشياء بالترخيم؛ لأنه موضع قد ذَهَبَتْ فيه قُواهُمْ، وَلَمْ تنفع فيه شكواهم، فَضَعُفُوا عن تَتْمِيمِ نِداءِ مالكٍ خازِنِ النار (٣). فصل عن أبِي الدَّرْداءِ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُلْقَى على أهل النار الجُوعُ، حتى يَعْدِلَ ما هم فيه من العذاب"، قال: "فيقولون: ادْعُوا مالكًا، فَيَدْعُونَ مالِكًا: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، قال: "فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٤)، قال الأعمش: أُنْبِئْتُ أن بين دعائهم وبين إجابته إيّاهُمْ ألْفَ عام، ومثل هذا رُوِيَ عن ابن عباس.

стр. 985

قوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يقول اللَّه : أرسلنا إليكم يا معشر قريش محمدًا ﷺ رسولنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ قال ابن عباس (١): يريد: كلكم كارهون لِما جاء به محمد ﷺ . وقوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾؛ أي: بل أحكموا أمرًا، وكادوا كيدًا ومعصيةً في محمد ﷺ والمكرِ به ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ مُحْكِمُونَ أمْرًا في مجازاتهم وعقوبتهم، وقيل: معناه: أم أجمعوا أمرًا، فإنا مُجْمِعُونَ لهم العذابَ، و ﴿أَمْ﴾ بمعنى "بَلْ"، أو استفهام إنكار، وأصل الإبرام فِي فَتْلِ الحَبْلِ، يقال: أبْرَمَهُ: إذا فَتَلَهُ وأحْكَمَهُ. قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾ الميم صلة؛ أي: أيَحْسَبُونَ ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ الذي بينهم ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ الذي اجتمعوا عليه ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك منهم ونعلمه ﴿وَرُسُلُنَا﴾ الملائكة الحفظة ﴿لَدَيْهِمْ﴾ يعني: عندهم ﴿يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ مع عِلْمِنا معهم، نزلت هذه الآية في كفار مكة لَمّا أجمعوا أمرهم على النبي ﷺ بالشَّرِّ، وكان ذلك منهم بمحضر إبليس -لعنه اللَّه-، تَصَوَّرَ لهم بصورة شيخ كبير، وجلس معهم مُشِيرًا بذلك. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: ما كان للرحمن ولد، و ﴿إنْ﴾ هاهنا نفي وجحود، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ (٢)؛ أي: ما أنت إلّا نذير، وقوله: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣)؛ أي: ما نحن إلّا بشر مثلكم (٤).
следующие страницы →