الصالح، أمَّا مَنْ يترك أسباب الهداية ويقول: لو شاء الله هدايتي لهداني، ولو شاء أن أقوم للصلاة لقمتُ. فهذا مناف للشرع والعقل، فلا بد للإنسان أن يقوم بأسباب العمل الصالح؛ لأن الله قد ركَّب في الإنسان من المشيئة والإرادة ما هو تَبَع لمشيئته وإرادته جلَّ وعلا، لكن الإنسان يُختبر بهذه الأسباب، فلا يجوز له تعطيلها بأي حال من الأحوال.
وهذا معنى قوله: «نازعت أقدار الحق بالحق»؛ لأن على العبد أن يأخذ بالأسباب الشرعية التي شرعها الله ؛ لكي ينال ما كتبه الله عليه في أمر القَدَر، وقد يناله وقد لا يناله، لكنه مُطالب بأن يأخذ بهذه الأسباب التي أرادها الله .
فإنَّ مِنْ خَلْقِ الله تعالى أن ركَّب للأمور أسبابًا، ومِن خلق الله أن جعل للعبد إرادة ومشيئة، وهذه الإرادة والمشيئة لا تخرج عن إرادته ومشيئته ، فعلى هذا أمر الله تعالى العباد واختبرهم وابتلاهم؛ فمنهم مَنْ أطاع- بمعنى: أنه أخذ بأسباب السعادة وقام بهذه الأسباب، وطلبها من الله تعالى؛ فأعانه عليها- ومنهم مَنْ حُرم مِنْ هذا.
والفضل مِنْ قبل ومن بَعد لله الذي هيَّأ للعبد هذه الأسباب من جهة، والذي أعانه على هذه الأمور من جهة، فعلى العبد أن يُوازن بين هذا وهذا، وعلى هذا المفهوم يُفَسَّر قول الشيخ عبد القادر هنا، ولا يفهم من قوله: «فنازعت أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ، والرجل مَنْ يكون منازعًا للقَدَر»: أنها منازعة لذات الله ، فالله قد أمر العبد وخَلق له إرادة، كما قال: ﴿إنَّا هديناه السبيلا إما شاكرا وإما كفورا﴾ [الإنسان: ٣]؛ فهداه السبيل وركَّب فيه من أسباب الهداية ما
стр. 107
ركَّب، وشاء أن يمتحنه؛ فإما أن يقوم بالطاعة أو يقوم بالمعصية، وكلا العبدين قد أوتي من القوة والصحة والأسباب ما يُعينه على فعل ما أراد، لكن هذا أعان على نفسه فاتَّبع أسباب الهداية فسار عليها، وذاك حَرَم نفسه فَوُكِل إليها، فالعبد بالتالي في حال جهاد مع نفسه، وفي حال مجاهدة مع قَدَر الله ؛ لأنه لا يعلم ما خاتمته التي يموت عليها، ولكنه يعلم أن الله تعالى قد جعل للجنة أسبابًا، وأمره بالأخذ بهذه الأسباب، فسبب دخول الجنة: الاستقامة على أوامر الله ، ولذلك ذكر العلماء أن الباء في قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] هي باء السبب، وليست باء المقابلة والعِوض، فالجنة ليست ثمنًا لعمل العبد؛ قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: «﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] أي: بعملهم، أو بالذي كانوا يعملونه لأن (ما) في قوله: ﴿بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] يصح أن تكون مصدرية، ويصح أن تكون اسمًا موصولًا، والباء هنا للسببية» (١).
وقال لأهل النار: ﴿جزاء وفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، فكلٌّ يجازيه الله بحسب عمله.
ومدار الثواب والعقاب على العمل؛ فعن أبي هريرة ?، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٢).
فعلى الإنسان أن يحقق أسباب السعادة ونيل رضوان الله ، فالجنة لا تحصل بالجسم ولا بالمال ولا بالحسب والنسب؛ فعن أبي هريرة ?، قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وأنذر
стр. 108
عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مَناف، لا أُغني عنكم مِنْ الله شيئًا، يا عبَّاس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمَّة رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سَلِيني ما شئتِ من مالي؛ لا أُغني عنك من الله شيئًا» (١).
ففاطمة ﵂ مع كونها بنت النبي ﷺ الذي هو أعظم الخلق عند الله ، إلا أن هذا النسب لا يُغني عنها من الله شيئًا، حتى تؤمن وتعمل صالحًا.
فعلى هذا يقصد بهذه المنازعة: أن يسعى العبد لأسباب السعادة؛ ويسأل الله القبول، ويحسن ظنه بالله؛ لأنه سبحانه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وبعد الإيمان والعمل الصالح يرجو أن يكون من أهل الجنة، ولا يقولَنَّ- مثلًا- أنا على قَدَر الله تعالى؛ فإن شاء هداني وإن لم يشأ لم يهدني. فيترك أسباب نَيل الخير.
والإنسان في الأمور الدنيوية يعلم أنه من غير الممكن أن يترك الأسباب ويحصِّل نتائجها، ومن فعل ذلك سخر الناس منه واستهزءوا به؛ كمن يُريد الولد بلا زواج، وكمن يريد المال بدون عمل.
* * *
стр. 109
قال المصنف ﵀: «والَّذِي ذكره الشَّيْخ ﵀ هُو الَّذِي أَمر اللهُ بِهِ ورَسُولُه، ولَكِنْ كثير من الرِّجَال غَلطوا فِيهِ؛ فَإِنَّهُم قد يَشْهدُونَ مَا يُقَدَّر على أحدهم من المعاصِي والذُّنُوب، أَوْ مَا يُقَدَّر على النَّاس من ذَلِك، بل من الكفْر، ويشْهدُونَ أَنْ هَذَا جَار بِمَشِيئَة الله وقضائه وقدره، دَاخل فِي حكم رُبوبيته ومُقْتَضى مَشِيئَته؛ فيَظنون الاستسلام لذَلِك وموافقته والرِّضَا بِهِ ونَحْو ذَلِك دينًا وطريقًا وعبادَة؛ فيضاهئون المُشْركين الَّذين قَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا ولَا آبَاؤُنَا ولَا حرمنا من شَيْء﴾ [الأنعَام: ١٤٨]، وقَالُوا: ﴿أنطعم مَنْ لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ [يس: ٤٧]، وقَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ [الزخرف: ٢٠]، ولَو هُدوا لعلموا أَنَّ القدر أُمرنا أَنْ نَرضى بِهِ، ونَصْبِر على مُوجبه فِي المصائب الَّتِي تُصيبنا؛ كالفقر والمَرَض والخَوْف؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله ومن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ [التغابن: ١١]، قَالَ بعض السّلف: هُو الرجل تصيبه المُصِيبَة فَيعلم أَنَّها من عِنْد الله فيَرضى ويُسَلِّم. وقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض ولَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَنْ نبرأها إِنْ ذَلِك على الله يسير * لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم ولَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
وفِي «الصَّحِيحَيْن» عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «احْتَجَّ آدمُ ومُوسَى؛ فَقَالَ مُوسَى: أَنْت آدم الَّذِي خَلَّقَك الله بِيَدِهِ، ونفخ فِيك من رُوحه، وأسجد لَك مَلَائكَته، وعَلَّمك أَسمَاء كلِّ شَيْء؛ فلماذا أخرجتنا ونفسَك من الجنَّة؟ فَقَالَ آدم: أَنْت مُوسَى الَّذِي اصطفاك الله بِرِسَالَاتِهِ
стр. 110
وبكلامه؛ فَهَلْ وجدتَ ذَلِك مَكْتُوبًا عَليَّ قبلَ أَنْ أُخلق؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فحَجَّ آدمُ مُوسَى» (١).
وآدَم ﵇ لم يَحْتَجَّ على مُوسَى بِالقَدَرِ؛ ظنًّا أَنْ المذنب يَحْتَج
بِالقدرِ؛ فَإِنْ هَذَا لَا يَقُوله مُسلمٌ ولَا عَاقل، ولَو كَانَ هَذَا عذرًا لَكَانَ عذرًا لإبليس وقوم نوح وقوم هود وكل كَافِر. ولَا مُوسَى لَامَ آدم- أَيْضًا- لأجل الذَّنب، فَإِنَّ آدم قد تَابَ إِلَى ربِّه فاجتباه وهدى، ولَكِن لامه لأجل المُصِيبَة الَّتِي لَحقتهم بالخطيئة. ولِهَذَا قَالَ: فلماذا أخرجتنا ونفسَك من الجنَّة؟ فَأَجَابَهُ آدم: إِنَّ هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا عليَّ قبل أَنْ أُخلق.
فَكَانَ العَمَلُ والمصيبةُ المترتبة عَلَيْهِ مقدَّرًا، ومَا قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام لَهُ، فَإِنَّهُ من تَمام الرِّضَا بِاللَّه رَبًّا.
وأمَّا الذُّنُوب فَلَيْسَ للعَبد أَنْ يُذنب، وإِذا أذْنب فَعَلَيهِ أَنْ يَسْتَغْفر ويَتُوب؛ فيَتوب من صنوف المعايب، ويصبر على المصائب؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فاصبر إِنْ وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ [غافر: ٥٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقَالَ: ﴿وإِن تصبروا وتتقوا فَإِنْ ذَلِك من عزم الأُمُور﴾ [آل عمرَان: ١٨٦]، وقَالَ يُوسُف ﵇: ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر المُحْسِنِينَ﴾ [يُوسُف: ٩٠]».
سبق أن تقدم أنَّ من المتصوفة مَنْ يرون القول بالجبر، أي: أن العبد مجبور على فعله، ويَرون أنه كالريشة في مَهَبِّ الريح، وأنه لا إرادة ولا قدرة له؛ فيَسلبون قدرة العبد بالكلية، وبهذا يرون أن العبد
стр. 111
عليه أن يَستسلم لكل ما يَمر به.
وهنا يشير المصنف رحمه الله تعالى إلى أنه يجب التفريق بين مقامين: بين مقام المصيبة ومقام الذنوب.
فمقام المصيبة انها أمر كوني قدري يُقدره الله على العباد؛ فإذا وقع للعبد ابتلاء مما كتبه عليه، فعلى العبد أن يستسلم له، وليس للإنسان أن يَعيب على إنسان في مصيبة كتبها الله عليه، كما جاء في قصة موسى وآدم ﵉.
وأمَّا في مقام الذنوب ومقام الطاعات، فمعلوم أن الإنسان قد رَكَّب الله تعالى فيه من القدرة والإرادة والمشيئة ويسَّر له الأسباب؛ ويجب عليه أن يجتهد في تحقيق الطاعات، والابتعاد عن الذنوب، ولذلك قال هنا موضحًا اعتقاد الجبرية الفاسد: «ولكن كثيرًا من الرجال غلطوا فيه؛ فإنهم قد يشهدون ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يُقَدَّر على الناس من ذلك؛ بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حُكم رُبوبيته ومقتضى مَشيئته؛ فيَظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرِّضا به ونَحْو ذَلِك دينًا وطريقًا وعبادَة؛ ويقولون بأن هذا هو شهود الحقيقة الكونية، وقد تقدم الكلام عنها.
وهذا وجه الغلط عندهم.
لذا تجدهم يقررون أن الكُفَّار لا يُلامون على كفرهم، وأنَّ العُصاة لا يلامون على معصيتهم؛ لأنهم- كما يزعمون- قد حَقَّقوا قدرَ الله تعالى!
فأصبح حالهم كحال القدرية من المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ [الأنعام: ١٤٨]،
стр. 112
وكذلك في قولهم: ﴿أنطعم مَنْ لو يشاء الله أطعمه﴾ [يس: ٤٧]، وقوله: ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ [الزخرف: ٢٠]؛ فمقولة هؤلاء وحالهم هي نفس مقولة أولئك وحالهم.
فالقدر حجة في المصائب، ولذلك لما هَمَّ عمر بن الخطاب ? بالرجوع قبل أن يدخل أرض الشَّام؛ لأن الوباء قد وقع بها- قال له أبو عبيدة بن الجراح: «أفرارًا من قَدَر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ لو كانت لك إبلٌ فهبطت واديًا له عُدْوتان؛ إحداهما: خِصْبة، والأخرى: جَدْبة، أليس إن رعيتَ الخِصبة رَعَيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله! قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا عِلْمًا، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتُم به بأرضٍ؛ فلا تَقدَموا عليه، وإذا وقَع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فِرَارًا منه». قال: فَحَمِد اللهَ عمرُ بن الخطاب، ثم انصرف» (١).
والقدر ليس حجة على فعل المعاصي؛ وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن شخص عاص عندما دُعِي للحق قال: «إنَّ الله لم يَكتب لي الهداية»؛ فكيف يُتعامل معه؟
فأجاب قائلًا: «نقول بكل بساطة: أطَّلعتَ الغيبَ أم اتخذت عند الله عهدًا؟
إن قال: نعم، كفر؛ لأنَّه ادَّعى علم الغيب. وإن قال: لا، خُصِم وغُلِب، إذا كنتَ لم تطلع أنَّ الله لم يَكتب لك الهداية فاهتدِ، فالله ما منعك الهداية، بل دعاك إلى الهداية، ورَغَّبك فيها، وحَذَّرك
стр. 113
من الضلالة، ونَهاك عنها، ولم يشأ الله أن يدع عباده على ضلالة أبدًا؛ قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ فتب إلى الله، والله أشدُّ فرحًا بتوبتك من رجلٍ أَضَلَّ راحلته وعليها طعامه وشرابه، وأيس منها، ونام تحت شجرة ينتظر الموت؛ فاستيقظ فإذا بخطام ناقته مُتعلق بالشجرة، فأخذ بخطام الناقة فرحًا، وقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك». أخطأ من شدة الفرح» (١)؛ فنقول: تُب إلى الله، واللهُ أمرك بالاهتداء، وبَيَّن لك طريق الحق. والله وليُّ التوفيق» (٢).
فالأمر الكوني القدري عندما يجري على الإنسان فهذا جانب، وأما الأمر الديني الشرعي فالله قد أمر العبد أن يجاهد نفسه، وبين الله له طريق الحق وطريق الضلال، وأمره بلزوم طريق الحق.
فأي إنسان مَنَّ الله عليه بفهم سليم يَعلم أن الله أمره بطاعته ونهاه عن معصيته؛ فلا بد له من مجاهدة نفسه على فعل الطاعة وترك المعاصي؛ لأنه قد زُيِّن للنفس حبُّ الشهوات، وهو مُبتلى في هذه الحياة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١، ٢].
فهؤلاء الذين غلطوا في هذا الباب لم يُراعوا هذا الجانب، قال المصنف: «ولو هُدوا لعلموا أنَّ القَدَر أُمرنا أن نَرضى به، ونَصبر على موجبه في المصائب التي تُصيبنا». يعني في مقام المصائب،
стр. 114
وهي الأمور التي ليس للعبد فيها اختيار؛ فإذا وقع عليه قضاء الله تعالى بالموت، أو الابتلاء بنقص المال ونحو ذلك، فهذا أمر لا اختيار للإنسان فيه، وهو لا يرغب أن يصاب به، لكن لو شاء الله سبحانه أن يقع هذا عليه- لحِكم يَعلمها- فما على العبد إلا الرضا والتسليم؛ قال جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والإنسان كما هو مُبتلى بالمصائب مُبتلى كذلك بالنِّعم امتحانًا من الله؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقد بَيَّن سليمان ﵇ ذلك بعد ما استقر عنده عرش ملكة سبأ، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
وعلى العبد أن يرضى ويُسَلِّم بما قَدَّر الله وقَسم من نعم بين خلقه، ويعلم أنَّ الخلق مقهورون مربوبون لله سبحانه؛ قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال ﷻ : ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدي قلبه﴾؛ قال علقمةُ بن قيس في تفسيرها: «هو الرجل تصيبه المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله فيَرضى ويُسَلِّم» (١).
وقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا
стр. 115
على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٣، ٢٢]؛ فهذا أمر كوني قدري، وعلى الإنسان فيه أن يَرضى ويُسَلِّم.
وكما جاء في «الصحيحين» في قصة آدم وموسى ﵉؛ فهل لام موسى آدمَ- ﵉ على الذَّنْب أم لامه على المُصيبة؟
فالجواب: أنه لامه على المصيبة، أمَّا الذنب فقد تاب آدمُ منه، وتاب اللهُ عليه؛ قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، لكن موسى ﵇ قد لامه على المصيبة؛ فاحتج آدم بالقدر؛ واحتجاجه بذلك صحيح.
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل في محاجة آدم وموسى إقرارٌ للاحتجاج بالقدر؟
فأجاب بقوله: «هذا ليس احتجاجًا بالقضاء والقدر على فعل العبد ومعصية العبد، لكنه احتجاج بالقَدَر على المصيبة الناتجة مِنْ فعله، فهو من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، ولهذا قال: «خَيَّبتنا وأخرجتنا ونفسَك من الجنَّة»، ولم يقل: عصيتَ رَبَّك؛ فأُخرجت من الجنة.
فاحتج آدمُ بالقدر على الخروج من الجنة الذي يَعتبره مُصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به؛ أرأيت لو أنَّك سافرت سفرًا وحصل لك حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء.
فستجيبه: بأنَّ هذا قضاء الله وقَدَره، أنا ما خرجت لأجل أن أُصاب بالحادث، وإنما خرجت لمصلحة؛ فأُصبت بالحادث.
كذلك آدم ﵊، هل عصى الله لأجل أن يُخرجه من الجنة؟
стр. 116
لا. فالمصيبة إذًا التي حصلت له مجرد قضاء وقَدَر، وحينئذ يكون احتجاجه بالقدر على المصيبة الحاصلة احتجاجًا صحيحًا، ولهذا قال النبي ﷺ : «حَجَّ آدمُ موسى، حَجَّ آدمُ موسى». وفي رواية للإمام أحمد: «فحَجَّه آدمُ» (١)، يعني: غلبه في الحُجَّة.
مثال آخر: رجل أصاب ذنبًا وندم على هذا الذنب وتاب منه، وجاء رجل من إخوانه يقول له: يا فلان، كيف يقع منك هذا الشيء؟ فقال: هذا قَضاء الله وقدرُه. فهل يصحُّ احتجاجه هذا أو لا؟
نعم يصح؛ لأنَّه تاب، فهو لم يحتج بالقدر؛ ليَمضي في معصيته، لكنه نادم ومُتأسف، ونظير ذلك «أن النبي ﷺ دخل ليلة على عليِّ بن أبي طالب وفاطمةَ ﵄؛ فقال: «أَلَا تُصَلِّيان؟». فقال عليٌّ ?: يا رسول الله، إن أنفسَنا بيدِ الله؛ فإن شاء الله أن يَبعثنا بَعَثنا! فانصرف النبيُّ ﷺ يضرب على فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]» (٢). فالرسول ﷺ لم يَقبل حُجَّته، وبَيَّن أن هذا من الجدل؛ لأن الرسول ﷺ يعلم أنَّ الأنفس بيد الله، لكن يريد أن يكون الإنسان حازمًا؛ فيحرص على أن يقوم ويُصَلِّي.
على كل حال تَبين لنا أن الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها جائز، وأمَّا الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرًا لموقف الإنسان واستمرارًا فيها، فغير جائز» (٣).
فقال العلماء: «القدر حجة في المصائب لا في المعائب».
لكن المخالفين من الجبرية والصوفية ساووا بين الأمرين.
стр. 117
ولكن ليس للعبد أن يحتج بالقدر على فعل الذنب، وإذا وقع منه الذنب عليه أن يبادر بالتوبة والاستغفار، ويعلم أن هذا الأمر من عند نفسه؛ قال المصنف: «وأمَّا الذُّنُوب فَلَيْسَ للعَبد أَنْ يُذنب، وإِذا أذْنب فَعَلَيهِ أَنْ يَسْتَغْفر ويَتُوب؛ فيَتوب من صنوف المعايب، ويصبر على المصائب؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فاصبر إِنْ وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ [غافر: ٥٥]»، ولا شك أن مقام الصبر من أعظم الأمور المعينة على أمر المصيبة.
ومن هنا نعلم هنا أن هؤلاء المتصوفة أخطئوا في جانبين:
الجانب الأول: أنهم حصروا إيمانهم وتوحيدهم في الجانب الكوني القدري.
والجانب الثاني: أنهم لم يَفهموا القَدَرَ على وجهه، فهم جبرية في هذا الباب.
* * *
стр. 118
قال المصنف ﵀: «وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفارَ والمنافقين، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، ويحب في الله ويبغض في الله، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ [القلم: ٣٥]، وقال: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوى الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا﴾ [الزمر: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا
стр. 119
يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦، ٧٥]، وقال تعالى: ﴿لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ [الحشر: ٢٠].
ونظائر ذلك مما يفرِّق الله فيه بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة وأهل المعصية، وأهل البر وأهل الفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغي والرشاد، وأهل الصدق والكذب.
فمن شهد الحقيقة الكونية دون الدينية، سوَّى بين هذه الأجناس المختلفة التي فرَّق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوِّي بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى عنهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٨، ٩٧]، بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سَوَّوا الله بكل موجود، وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقًّا لكل موجود؛ إذ جعلوه هو وجودَ المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد».
تقدم أن المصنف- رحمه الله تعالى- قد عقد مقارنة بين ما عليه حال أهل الحق؛ أهل السنة والجماعة في شأن العبودية، وبين ما عليه أهل الباطل، وبالأخص هنا غلاة الصوفية، وتقدم أن أهل التصوف عطلوا العبودية عن معناها الحق؛ فجعلوا أمر التوحيد مقصورًا على الإيمان بالحقائق الكونية القدرية؛ فلهم انحراف في باب القَدَر، وخلاصته أنهم جبرية.
وكذلك في مقام التوكل أسقطوا الأسباب، ولم يُفَرِّقوا بين مشيئة الله الكونية القدرية وبين مشيئته الدينية الشرعية؛ فلم يفرقوا بين ما شاءه الله كونًا وقدرًا، وبين ما أحبَّه دينًا وشرعًا، وجعلوا
стр. 120
الأمرين على حدٍّ سواء؛ فتخبطوا وضَلُّوا في هذا الباب.
وضلال الصوفية لا يقتصر على ذواتهم وإنما يتعداهم إلى عامَّة الناس الذين يفتنون ويخدعون بهم، كما حَذَّر السلف قديمًا من ذلك؛ فقال الشَّعبي ﵀: «أَبْعِدِ الفاجرَ مِنْ العلماء، والجاهلَ مِنْ المتعبِّدين؛ فإنَّهما آفةُ كلِّ مفتون» (١)، وقال سفيان: «كان يقال: تعوَّذوا بالله مِنْ فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما فتنة كلِّ مفتون» (٢)؛ فالمتصوفة نشروا فكرهم بين كثير من الناس.
فإذا الضَّالون من المتصوفة في مقام التوكل يسقطون الأسباب، ويرون أن ترك الأسباب هو أعلى مقامات التوكل.
وعطلوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.
وهكذا يسري الأمر عندهم في كثير من مسائل الدين وأمور التوحيد، وبالأخص توحيد العبادة.
فهنا أراد المصنف أن يُبَيِّنْ قيمة هذا الباب (باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وأن يظهر ما له من مكانة ومنزلة في الإسلام، ثم عقب ذلك بقوله: «فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سَوَّى بين هذه الأصناف المختلفة، التي فرَّق الله بينها غاية التفريق؛ فلا بد من تعظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وهؤلاء الضالُّون من المتصوفة جعلوا المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا؛ ومن يقرأ سِيَرَهم، ويُطالع طبقاتهم يتعجب مما دَوَّنوه هم بأنفسهم من فضائح ومخازي يستحي الإنسان من ذِكرها؛ ومع ذلك
стр. 121
دَوَّنوها وأثبتوها في كتبهم، وهي مخازي تتعدى- أحيانًا- ما عليه الإباحية الحديثة التي نسمع عنها في بلاد الغرب، والعياذ بالله.
كل ذلك؛ لأنهم أسقطوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسقطوا عن أنفسهم التكاليف بالكلية؛ لأنهم زعموا أنهم يشهدون الحقيقة الكونية.
والله قد مدح هذه الأمة بقوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠]، فهذه الأمة لا تنال الخيرية إلا بهذه الشروط: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله ، والله قد قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال جل وعل: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة آتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤١]؛ فعَظَّم الله هذا الأمر، وهو ما أوجب النبي ﷺ تغييره؛ فقال: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يَستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب من واجبات الدين، وأمر عظيم من شعائره، لكن هؤلاء القوم أسقطوه، حتى إنهم لا يرون استحسانًا لحسنة، ولا استقباحًا لسيئة، بل إنهم يتبجحون ويتفاخرون بما يرتكبونه من منكرات وقبائح، وكتبهم شاهدة بذلك، ويكفي مثالًا على ذلك «طبقات الشعراني»؛ حيث تجد فيه الكثير من مخازي هؤلاء، وكل ذلك لأنهم أسقطوا شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 122
ولذلك نبَّه المصنف على أهمية هذا الباب فقال: «وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته»، ونحن نعلم أن العلماء والأمراء هم مِنْ أعظم مَنْ يجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالعلماء لأن الله قد أعطاهم الله الفقه في الدين، ولذلك اشترط العلماء في الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر أمورًا منها: أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالمًا بما يأمر به وبما ينهى عنه، ثم أن يكون حكيمًا في أمره ونهيه، ثم بعد ذلك يصبر على ما يلقاه في سبيل القيام بهذا الواجب، فلابد أن تجتمع فيه هذه الأمور الثلاثة (العلم والحكمة والصبر)؛ قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وكذلك يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الولاة والأمراء؛ لأن بيدهم السلطة وقوة التنفيذ؛ قال الله : ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤١].
فالولاة قد أعطاهم الله التمكين في الأرض، وبالتالي إذا قام هذا المجتمع على هذه الأسس صلح حاله.
فعلى العبد أولًا: أن يصلح نفسه؛ بأن يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر؛ لأن النفس أمَّارة بالسوء، وبالتالي لا بد من قَسْرها وحملها على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، ثم ينتقل الإنسان من نفسه إلى أهله؛ لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦]، ولقول النبي ﷺ : «كلكم
стр. 123
راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (١)؛ فيجب على الإنسان أن يكون آمرًا لأهله بالمعروف وناهيًا لهم عن المنكر، ثم بعد ذلك الأقربين إليه، ثم جيرانه، ثم من حوله من المجتمع؛ لأن هذا المجتمع هو كيان واحد، فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر كان ذلك سبب نجاتنا.
وقد قص الله علينا أن سبب هلاك بني إسرائيل أنهم: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ [المائدة: ٧٩].
أمَّا غلاة المتصوفة فتجدهم على الضد من ذلك، بل إنهم يَستهينون بالأوامر، ومن ذلك أن أحد شيوخهم سأل مُريدًا عنده؛ فقال له: إذا أرسلتك في حاجة ومررت بمسجد وقد أُقيمت الصلاة؛ فماذا تفعل؟ هل تمضي في حاجتي أو تصلي مع الناس؟ فقال: لا، بل أمضي في حاجتك».
فانظر كيف عطَّلوا أمر الصلاة، وإقامة الصلاة من أوجب الأمر بالمعروف؛ ومع ذلك يثني الشيخ على هذا المريد؛ لأنه قَدَّم أمره على أمر الله ، وهكذا يُربون أتباعهم على مثل هذه الأحوال، ويرون أنها من أحسن الأحوال وأعظم المقامات.
ومن الشواهد على تعطيلهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض اجتماعات الصوفية في موالدهم؛ فتجد- والله- من الفضائح والمخازي ما الله به عليم؛ ومن ذلك: أنهم لا يصلون مع الجماعة، وقد لا يصلون بالمرَّة؛ ولا يتناهون عن المنكر؛ فيجتمع الرجال مع النساء، ويتعاطون الخمر والحشيش ونحو ذلك، ويقع من المفاسد
стр. 124
العظيمة؛ حتى اشتهر أنه كلما وجدت فوضى وزحام؛ فالغالب أنه مولد، فيُعبرون عن الفوضى بكلمة (مولد)؛ لأن بعض هذه الموالد التي يجتمع لها أتباع هؤلاء المتصوفة تُرتكب فيها شتى أنواع الفواحش والمنكرات، وكل ذلك على مرأى ومَسمع منهم.
فبدل أن يُعظموا أوامر الله ؛ فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر- عَطَّلوا هذه الشعيرة من شعائر الإسلام.
فعلينا أن ننتبه إلى موطن الخلل الذي يدخل على هذه الأمة، فنحن نرى الأمة وفيها كتاب الله، وفيها سنة نبيه ﷺ ، وفيها أحكام الدِّين، ولكن مع ذلك نرى من أحوالها العجب العجاب، فهذا الدَّاء جاء إليها من أمثال هؤلاء الذين عطَّلُوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال المصنف كذلك: «ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله».
فإذا نظرت إلى كلام المتصوفة ترى أنهم هوَّنوا من أمر الجهاد؛ بل إنهم حصروا الجهاد في جهاد النَّفس فقط، وواقع تاريخهم يشهد بذلك؛ فعندما دخل النصارى أهل الصَّليب إلى بيت المقدس في عام ٤٩٢ هـ- لم يُذكر عن أبي حامد الغزالي أنه أنكر هذا الأمر، أو أنه حث الناس على جهاد النصارى؛ قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: «لقد عاش الغزاليُّ بعد ذلك ثلاثةَ عشر عامًا؛ إذ مات سنة ٥٠٥ هـ، فما ذرف دمعةً واحدةً، ولا استنهض همةَ مُسلمٍ؛ ليذوذ عن الكعبةِ الأولى، بينما سواهُ يقولُ:
أحلَّ الكفرُ بالإسلامِ ضيمًا … يطولُ عليه للدينِ النحيبُ
وكم من مسجدٍ جعلوه ديرًا … على محرابهِ نُصب الصليبُ
دمُ الخنزيرِ فيه لهم خلوف … وتحريقُ المصاحفِ فيه طيب
стр. 125
أهزَّ هذا الصريخُ الموجعُ زعامة الغزالي؟
كلا، إذ كان عاكفًا على كتبهِ يُقَرِّرُ فيها أنَّ الجمادات تخاطب الأولياءَ، ويتحدثُ عن الصحو والمحو، دون أن يُقاتلَ، أو يدعو حتى غيره إلى قتالٍ!» (١).
وَقَالَ الدكتور زكي المبارك: «أتدري لماذا ذكرتُ لك هذه الكلمةَ عن الحروبِ الصليبيةِ؟ لتعرف أنَّه بينما بطرسُ الناسكُ يَقضي ليله ونهاره في إعدادِ الخطبِ وتحبيرِ الرسائلِ لحثِّ أهلِ أوروبا على امتلاكِ أقطارِ المسلمين- كان الغزاليُّ (حجةُ الإسلامِ) غارقًا في خلوتهِ، منكبًّا على أورادهِ، لا يَعرفُ ما يجبُ عليه من الدعوةِ والجهادِ» (٢).
وقال الدكتور عمر فروخ: «أَلَا يَعجبُ القارئ إذا عَلِم أن حُجَّةَ الإسلامِ أبا حامدٍ الغزالي شهد القدس تسقطُ في أيدي الفرنجةِ الصَّليبين، وعاش اثنتي عشرة سنة بعد ذلك ولم يُشر إلى هذا الحادثِ العظيمِ، ولو أنه أهاب بسكانِ العراقِ وفارس وبلادِ التركِ لنصرةِ إخوانهم في الشامِ لنفر مئاتُ الألوفِ منهم للجهادِ في سبيلِ اللهِ .. وما غفلةُ الغزالي عن ذلك إلا لأنَّه كان في ذلك الحين قد انقلب صوفيًّا، واقتنع على الأقل بأن الصوفيةَ سبيلٌ من سُبُلِ الحياةِ، بل هي أسدى تلك السُّبُلِ وأسعدها.
ويُعَلِّل المتصوفة سكوتهم ورضاهم بما يَنزلُ بقومهم من المصائبِ بأن هذه المصائب عقابٌ من الله للمُذنبين مِنْ خلقهِ، فإذا كان اللهُ قد سَلَّط على قومٍ ظالمًا فليس لأحدٍ أن يُقاومَ إرادةَ اللهِ أو
стр. 126
أن يَتأففَ منها» (١).
وهكذا ابتلي الإسلام بشتى أنواع الأعداء؛ كالتتار والاستعمار، والاستعمار ليس ببعيد، وها هو الاستعمار الفرنسي في بلاد المغرب يشهد لهؤلاء المتصوفة أنهم كانوا أعوانًا له، بل كانوا من أشد أنصار هذا الاستعمار، والتاريخ يشهد كيف أن هؤلاء عطلوا هذه الشعيرة من شعائر هذا الدين؛ لأن في الجهاد رفعة وعزة للإسلام وأهله، وذوذ وحماية لحياض الإسلام، ولكن هؤلاء ألغوا هذا الأمر وعطلوا وحصروه في جهاد النفس على حدِّ زعمهم، ويا ليتهم حتى جاهدوا أنفسهم؛ بل نشروا ما نشروا من الخرافات والأباطيل في أمة الإسلام، بسبب معتقداتهم وأفكارهم.
والمصنف- ﵀ يُنبه على أن هذه الشعائر من شعائر الدين؛ أي: الجهاد في سبيل الله، وموالاة أهل الإيمان ومعاداة أهل الكفر.
أمَّا المتصوفة فتقرأ في كتبهم أن أبا يزيد البسطامي؛ طيفور بن عيسى واجتاز بمقبرة لليهود فقال: «معذورون»، ومَرَّ بمقبرة للمسلمين فقال: «مَغرورون» (٢)!
فيا سبحان الله! حتى مع الأموات موالاتهم لأهل الكفر، ومعاداتهم لأهل الإيمان، فكتب القوم تَطفح بهذه المواقف المخزية وبهذا الكلام الضال.
ولقد وصل الهوس والجنون بابن الفارض- بناء على عقيدته: أن الله هو عين كل شيء- وصل به الحال إلى أن يَعتقد أنه هو الله حقيقة؛ لأن الله حسب خرافاته هو عين كل شيء، فهو على هذا
стр. 127
يُمَثِّل الله؛ تعالى عن قولهم.
وابن عربي من أساطين القائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد وصحة الأديان كلها، مهما كانت في الكفر؛ إذ المرجع والمآل واحد، ومِن هنا فهو يقول:
عقد الخلائق في الإله عقائدًا … وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه (١)
فيجعلون أن كل من اعتقد عقيدة فهو عندهم من أهل التوحيد، فلم يُفَرِّقوا- أصلًا- بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بل أثنوا على أهل الكفر أكثر من ثنائهم على أهل الإيمان!
فجعلوا التوحيد متعلقًا بالربوبية، وبالتالي فكأن مَنْ أقر بوجود الله فهو على التوحيد.
وفي شأن القَدَر هم جبرية.
وفي شأن التوكل أسقطوا الأسباب، وتركوا أسباب الرزق، وحثوا الناس على الكسل والخمول.
مع أن الله حَبَا هذه الأمة بجميع أنواع الخيرات، لكننا نجد أن أرض الإسلام قد امتلأت بملايين البشر الكسالى والعاطلين بسبب ما غرسه فيهم هؤلاء!
وفي باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد أن الكثير من هذه الأمة حتى في ذات نفسه وحتى في أهل بيته لا يَأمر بالصلاة؛ فتجد البيت ممتلئ بالأولاد ومع ذلك لا يأمرهم الأَبَوان بالصلاة.
وهكذا فعلوا حتى في الوعد والوعيد، حتى في الجنة والنار، فهذه رابعة العدوية تقول: «ما أعبد الله خوفًا من عذابه ولا رغبة
стр. 128
في جَنَّته»!
وقد أجاب عن ذلك تقي الدِّين السبكي ﵀، وبين المعنى الصواب؛ فقال: «والعاملون على أصناف: صنف عبدوه لذاته وكونه مستحقًّا لذلك، فإنه مستحق لذلك لو لم يَخلق جنة ولا نارًا. فهذا معنى قول مَنْ قال: ما عبدناك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك. أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك. ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار.
ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل؛ فمن لم يسأل الله الجنة والنجاة من النار، فهو مخالف للسنة؛ فإن من سنة النبي ﷺ ذلك، ولما قال ذلك القائل للنبي ﷺ : إنَّه يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، وقال: ما أُحسن دَندنتك ولا دندنة معاذ! قال النبي ﷺ : «حولها نُدَنْدِنُ» (١).
فهذا سَيِّدُ الأولين والآخرين يقول هذه المقالة؛ فمَن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل خَتَّال.
ومِن آداب أهل السنة أربعة أشياء لا بد لهم منها: الاقتداء برسول الله ﷺ ، والافتقار إلى الله تعالى، والاستغاثة بالله، والصبر على ذلك إلى الممات. كذا قال سهل بن عبد الله التستري، وهو كلام حق» (٢).
ثم هذا أبو حامد الغزالي يقول: «فمن كان حبُّه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور مُكِّن من الجنة؛ ليتبوأ منها
стр. 129
حيث يشاء، فيلعب مع الولدان، ويتمتع بالنسوان؛ فهناك تنتهي لذَّتُه في الآخرة … فالأبرار يَرتعون في البساتين، ويتنعمون في الجنان مع الحُور العِين والولدان.
والمقربون ملازمون للحضرة، عاكفون بطرفهم عليها؛ يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذَرَّة منها؛ فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مَشغولون، وللمجالسة أقوام آخرون» (١).
وقال الغزالي أيضًا: «وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن وموضع قضاء وطرهما الجنة؛ فالعامل لأجل الجنة عاملٌ لبطنه وفرجه كالأجير السوء، ودرجته درجة البله …
وأمَّا عبادة ذوي الألباب فإنَّها لا تجاوز ذِكر الله تعالى والفكر فيه حبًّا لجماله وجلاله … ، وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المَنكوح والمطعوم في الجنة، فإنهم لم يقصدوها، بل هم الذين يَدعون ربَّهم بالغَدَاة والعَشي يريدون وجهه … ، ويسخرون ممن يَلتفت إلى الحُور العِين» (٢).
وهؤلاء المتصوفة أيضًا: هونوا حتى من شأن الأنبياء، ومخازيهم وفضائحهم وانحرافاتهم العقدية- للأسف الشديد- أثَّرت على الأمة أشد التأثير؛ لفتنة الناس بمن يعتقدون فيهم العلم، وبمن يعتقدون فيهم الصلاح، ولا يلحظون أنه قد يكون وراء هذا العلم فجور، ووراء هذا الصلاح فجور أو جهل، والعياذ بالله؛ فيترتب على ذلك أن العوام قد يقتدون بأناس ليسوا بأهل لأن يكونوا قدوة.
فها هي المعاني الشرعية قد عطلوها، وأقاموا بدلًا منها معاني
стр. 130
باطلة، فلم يَعد هناك قيمة ولا وزن للأمر بالمعروف، ولا حب في الله ولا بغض في الله، ولا الجهاد في سبيل الله ، ولا تفرقة بين المسلمين والكافرين، ولا بين الطائعين والعاصين.
فأين هؤلاء من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ؟!
فقد فَرَّق الله به بين أوليائه وبين أعدائه في مثل قوله تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]؟
وقال رسوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لا يَسمع بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يَهودي ولا نَصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلَّا كان من أصحاب النار» (١).
وقال أيضًا ﷺ : «كلُّ أُمَّتي يَدخلون الجنَّة إلَّا مَنْ أَبَى». قالوا: يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال: «مَنْ أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أَبَى» (٢).
قال المصنف ﵀: «ونظائر ذلك مما يفرق الله بين أهل الحق والباطل، وأهل الطاعة والمعصية، وأهل البر والفجور، وأهل الهدى والضلال، وأهل الغَيِّ والرشاد، وأهل الصدق والكذب».
فيجب التفريق بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين أهل الطاعة والمعصية، فلا يستوي مَنْ هو تقي ومَن هو عاص، فهذا والله من أبطل الباطل أن تساوي بين الفريقين، لكن عند هؤلاء يساوون بينهم، وقد امتدحوا من امتدحوا- ممن يزعمون أنهم أولياء- بأنهم ارتكبوا أعظم أنواع الفجور، والعياذ بالله .
стр. 131
والله فَرَّق بين الإسلام والكفر، وفرق بين المُسيء والمحسن.
وأمَّا هؤلاء فعندهم يستوي الأمران!
فانظر كيف تلاعبوا بشعائر الإسلام وعملوا على نقضها، أو على الأقل تحقيرها والتقليل من شأنها!
والمصنف يُرشدنا إلى وجه الخلل عند هؤلاء، فقال: «مَنْ شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية سَوَّى بين هذه الأصناف المختلفة التي فَرَّق الله بينها غاية التفريق»؛ لأن عندهم التوحيد أن تشهد أنه موجود، وتشهد أن هذا الكون تحت قدرته وتحت تصرفه، هذا هو غاية توحيدهم (التوحيد الخاص)، إن لم يتعداه إلى ما هو أشد بطلانًا منه، وهو وحدة الوجود.
* * *
стр. 132
قال المصنف ﵀: «ومن عِبَادَته وطاعته: الأَمر بِالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنْ المُنكر بِحَسب الإِمْكَان، والجهَاد فِي سَبيله لأهل الكفْر والنفاق؛ فيجتهدون فِي إِقَامَة دينه مُستعينين بِهِ».
هذا وصف أهلِ السُّنَّة ومجتمعِ التوحيد، المجتمع الذي يجب أن يقوم بأمر العبادة، ومن القيام بالعبادة والطاعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو مِنْ أوجب الأمور على الأمراء وعلى العلماء وعلى طلبة العلم؛ عليهم أن يُبينوا للناس بقدر الطاقة وحسب الإمكان، فكل إنسان مسئول على قدر استطاعته، وما تحمل من مسئوليات.
فالإنسان في بيته يَملك ما لا يملكه في السوق، ويملك مع زوجه ما لا يملكه مع أمه ومع أبيه، ويملك مع ولده ما لا يملكه مع جاره؛ ويملك الامير ما لا يملكه غيره من عوام الناس؛ فكلٌّ بحسب الحال والمقام الذي هو فيه؛ قال ﷺ : «كُلُّكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (١).
وكذلك لا بد من جهاد أهل الكفر والنفاق؛ للدفاع عن حياض
стр. 133
دين الإسلام، والعمل على نشره والدعوة إليه، وإقامة الحجة على الناس، ولكن لا بد أن يكون بشروطه وضوابطه، التي بيَّنها العلماءُ؛ قال الله ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وقال جل وعلا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١].
أمَّا مَنْ يدعو إلى ترك الجهاد بالكلية؛ فهذا إنما يدعو إلى تعطيل شعيرة من شعائر الإسلام، وفيه شبه مِنْ أولئك المُتصوفة.
وأهل السنة يجتهدون في إقامة دينهم وإظهار شعائره في المجتمع، وعلى كل المسلم أن يعتز بدينه، وأن يجاهد نفسه ليكون نموذجًا صالحًا للمسلم الملتزم بدينه؛ ليكون قدوة لغيره؛ لأنه- في الحقيقة- يُمَثِّل هذا الإسلام العظيم.
أما إذا حلق مسلم لحيته، وأسبل آخر ثوبه، واستمر حال الناس على هذا؛ من التجافي عن إقامة شعائر الدين والبُعد عن التمسك بها وإظهارها؛ فيُوشك أن تذهب.
إذًا على أفراد الأمة أن يجتهدوا في إقامة شعائر هذا الدين، وأن لا يتعللوا بحجج واهيةّ
لأنَّ مِنْ علامات أهل التوحيد: أنهم يجتهدون في إقامة دين الله، مُستعينين به سبحانه، متوكلين عليه في ذلك؛ طالبين منه التوفيق والعون؛ وليكن شعار المسلم كما قال شعيب ﵇: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
إذًا لا بد من مقام التوكل، ولا شك أن مقام التوكل مقام عظيم، فالله قد أمر بعبادته والتوكل عليه جل وعلا، وقرن
стр. 134
التوكل بالإيمان في كثير من المواطن، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]، فلا بد من أخذ بالأسباب مع التوكل عليه جل وعلا.
وفرق كبير بين التوكل والتواكل؛ فالتواكل يكون بترك الأخذ بالأسباب. وهو مذموم. والتوكل المشروع يكون بالأخذ بالأسباب، مع سؤال الله العون والتوفيق والهداية والسداد على فعل الطاعات.
فالعقيدة السلفية الصحيحة كما تنفي الاستسلام والخضوع بغير حق، تنفي السلبية والتواكل وهجر الدنيا واعتزال الخلق، ومَن يخالط الناس ويُخالقهم بالأخلاق الحسنة، ويدعوهم بالحسنى؛ فيأمرهم بالمعروف بالرفق واللين، وينهاهم عن المنكر بلا منكر، ويتحمل أذاهم .. هذا خير ممن يهجرهم ويدعهم فيما هم فيه من خير وشر؛ كما قال ﷺ : «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، ويصْبِرُ على أَذَاهُم، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ، ولا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (١).
* * *
стр. 135
قال المصنف ﵀: «رافعين مُزيلين بذلك مَا قدر من السَّيِّئَات، دافعين بذلك مَا قد يُخَاف من آثَار ذَلِك، كَمَا يزِيل الإِنْسَان الجُوع الحَاضِر بِالأَكْلِ، ويدْفَع بِهِ الجُوع المُسْتَقْبل، وكَذَلِكَ إِذا آن أَوان البرد دَفعه باللباس، وكَذَلِكَ كل مَطْلُوب يُدْفع بِهِ مَكْرُوه، كَمَا قَالُوا للنَّبِي ﷺ : يَا رَسُول الله، أَرَأَيْتَ أدوية نتداوى بهَا، ورقى نسترقي بهَا، وتُقى (١) نتَّقي بهَا؛ هَلْ تَرد مِنْ قَدَر الله شَيْئًا؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ قدر الله» (٢)، وفِي الحَدِيث: «إِنَّ الدُّعَاء والبَلَاء ليلتقيان؛ فيعتلجان بَين السَّمَاء والأَرْض» (٣).
فَهَذَا حَال المُؤمنِينَ بِاللَّه ورَسُوله العابدين لله، وكل ذَلِك من العِبَادَة».
الإنسان محل الخطأ ومحل الزَّلل ومحل التقصير، وعليه أن يجتهد في رفع هذا التقصير، وأن لا يستسلم لهذا الأمر؛ بل عليه الاستغفار، ويجب عليه التوبة والمسارعة في فعل الخيرات.
ويجب أن تغرس هذه المعاني في النفوس، ولا بد من الأخذ
стр. 136
بالأسباب، وضرب المصنف هنا- مثلًا- يوضح المقصود؛ حيث قال: «دافعين بذلك ما قد يخالف من آثار ذلك؛ كما يُزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل»، والمقصود: أن الإنسان إذا كان جائعًا فإنه يدفع عن نفسه الجوع بالأكل.
وهو بهذا يرد على بعض مَنْ غلط من المتصوفة وزعم أن طلب الأكل أو الرزق عند الجوع ينافي التوكل، ويحثون الناس على ترك التكسب والأخذ بالأسباب.
وهذا الزعم ينافي الشرع والعقل؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ دنيوية كانت أو شرعية، وهذا الأخذ لا ينافي التوكل والاستعانة بالله ، وضرب المصنف مثالًا آخر؛ فقال: «وكَذَلِكَ إِذا آن أَوانُ البرد، دَفعه باللباس، وكَذَلِكَ كلُّ مَطْلُوب يُدْفع بِهِ مَكْرُوه، كَمَا قَالُوا للنَّبِي ﷺ : يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت أدوية نَتداوى بهَا ورُقى نسترقي بهَا وتُقى نتقي بهَا؛ هَلْ تردُّ مِنْ قدر الله شَيْئًا؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ قَدَر الله»، وفِي الحَدِيث: «إِنْ الدُّعَاء والبَلَاءَ ليلتقيان فيَعتلجان بَين السَّمَاء والأَرْض».
ومعنى: «يعتلجان»، أي: يتصارعان؛ فأيُّهما غَلب أصاب، فهذا الذي ورد في الحديث معناه: أن الدعاء الذي يرفعه العبد إلى الله- ﵎ يلتقي مع القضاء الذي قَدَّره الله ما بين السماء والأرض، ويحدث بينهما هذا اللقاء والتصارع؛ فإذا كان الدعاء مخلصًا رَدَّ الله به قضاءه الذي قَدَّره، هذا والدعاء- أيضًا- من قدر الله؛ لأن الله لو لم يشأ للإنسان أن يدعو لما استطاع، ولما وفَّقَه لذلك؛ فالقدر من الله والدعاء- أيضًا- من الله، وقد أعلمنا النبي ﷺ أن هذا يدفع ذاك.
فالأخذ بالأسباب مِنْ القدر، والله هو مسبب الأسباب،
стр. 137
وهو الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًا، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، ويَفقه هذه الأمور من وضع نصب عينيه توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة؛ منه التوكل، ومنه الإنابة، ومنه الخشية، ومنه الأمر بالمعروف، ومنه النهي عن المنكر، ومنه الجهاد في سبيل الله.
وكل هذه المعاني والشعائر يجب أن تكون واضحة ظاهرة، وعلينا أن نتمثلها في أنفسنا، وأن نُعَلِّمها لأسرنا ومجتمعاتنا وسائر أُمَّتنا، فلا بد من غرس المعاني الحقة وإبعاد تلك المعاني الفاسدة التي لصقت في أذهان الناس، حتى إنهم أصبحوا لا يعرفون من الدِّين إلا تلك الصورة الباطلة، فأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والعياذ بالله.
* * *
стр. 138
قال المصنف ﵀: «وهَؤُلَاء الَّذين يَشْهدُونَ الحَقِيقَة الكونية- وهِي ربوبيته تَعَالَى لكلِّ شَيْء، ويجعلون ذَلِك مَانِعًا من اتِّبَاع أمره الدِّيني الشَّرْعِيِّ على مَرَاتِب فِي الضَّلال:
فَغُلاتهم يجْعَلُونَ ذَلِك مُطلقًا عَامًّا؛ فيحتجون بِالقَدَرِ فِي كل مَا يخالفون فِيهِ الشَّرِيعَة.
وقَول هَؤُلَاءِ شَرٌّ من قَول اليَهُود والنَّصَارَى، وهُو من جنس قَول المُشْركين الَّذين قَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا ولَا آبَاؤُنَا ولَا حرمنا من شَيْء﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ [الزخرف: ٢٠].
وهَؤُلَاء من أعظم أهل الأَرْض تناقضًا، بل كل مَنْ احْتج بِالقَدَرِ فَإِنَّهُ متناقض؛ فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ أَنْ يُقَرَّ كل آدَمِيٍّ على مَا يفعل، فَلَا بُد إِذا ظلمه ظَالِم، أَوْ ظلم النَّاس ظَالِم، وسعى فِي الأَرْض بِالفَسَادِ، وأخذ يسفك دِمَاء النَّاس، ويستحلُّ الفروج، ويُهْلك الحَرْث والنسل، ونَحْو ذَلِك من أَنْواع الضَّرَر الَّتِي لَا قِوَام للنَّاس بهَا: أَنْ يَدْفع هَذَا القَدَر، وأَن يُعَاقب الظَّالِم بِمَا يكف عدوانه وعدوان أَمْثَاله؛ فَيُقَال لَهُ: إِنْ كَانَ القَدَرُ حجَّة، فَدَع كل أحد يفعل مَا يَشَاء بك وبغيرك، وإِن لم يكن حُجَّة بَطل أصل قَوْلك: [إِنَّ القَدَرَ] حُجَّة.
وأَصْحَاب هَذَا القَوْل الَّذين يحتجون بِالحَقِيقَةِ الكونية لَا يطردون هَذَا القَوْل ولَا يَلتزمونه، وإِنَّمَا هم يَتَّبعُون آراءهم وأهواءهم، كما قَالَ فيهم بعض العلمَاء: أَنْت عِنْد الطَّاعَة قَدَري، وعند المعْصِيَة جَبْري، أيُّ مَذْهَب وافق هَواك تَمذهبت بِهِ.
стр. 139
ومِنْهُم صنف يدَّعون التَّحْقِيق والمعرفة، ويزعمون أَنْ الأَمر والنَّهْي لَازم لمن شهد لنَفسِهِ أفعالًا، وأثبت لَهُ صِفَات. أما مَنْ شهد أَنْ أَفعاله مخلوقة، أَوْ أَنه مجبور على ذَلِك، وأَن الله هُو المُتَصَرف فِيهِ، كَمَا يُحَرك سَائِر المتحركات، فَإِنَّهُ يَرْتَفع عَنهُ الأَمر والنَّهْي والوعد والوعيد.
وقد يَقُولُونَ: مَنْ شهد الإِرَادَة سَقط عَنهُ التَّكْلِيف. ويزعمون أَنْ الخضر سَقَطَ عَنهُ التَّكْلِيف؛ لشهوده الإِرَادَة».
قول المصنف رحمه الله تعالى: «وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية» يريد بهؤلاء: المتصوفة، وهم- كما قد تقدم- يرون أن التوحيد، أي: توحيد الخاصة عندهم، يُراد به: شهود الحقيقة الكونية، مع انحرافهم في هذا الباب، وقولهم بالجبر، وأن الإنسان مجبور على فعله، فهؤلاء المتصوفة على مراتب في الضلال.
فغُلاة هؤلاء في هذه المسألة يجعلون ذلك مطلقًا عامًّا؛ فعندهم أنه قد يكون هناك مانع من اتِّباع الأمر الديني الشرعي، ذلك أنهم يقولون: إن كل فعل يفعله العبد فهو مجبور عليه، وبالتالي على العبد أن يشهد في هذا الفعل قُدرة الله ، وما دام أنه يشهد قدرة الله فما عليه بهذا إلا أنه لا يَستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة؛ إذ إن الكل عند هؤلاء من عند الله ، فهو إن فعل حسنة فذاك فِعل الله ، وإن فعل سيئة فذاك فِعل الله .
ويترتب على ذلك تعطيلُ باب الأوامر والنواهي، وهذا قد تقدم بيانه.
وهؤلاء الغلاة يحتجون بالقَدَر في كل ما يخالفون به الشريعة،
стр. 140
فكل أمر خالفوا فيه الشريعة حُجَّتهم في ذلك: أن هذا أمر مَقدور؛ ويقولون: أنه ما دام أنه أمر مقدور، فعلى العبد أن يُسَلِّم بهذا الأمر!
وعلى هذا لا يصبح هناك أي تقيد بأمر الشرع، ولا أي حرص من الإنسان- أو دافع منه- على فعل الخير؛ فيستوي عنده فعل الخير وفعل الشر؛ إذ الكل- بزعمه- من عند الله ، وهو في فعله ذاك على أي الأحوال من خير أو شر- إنما يحقق أمر الله .
وهذا الذي قالوه- كما قال المصنف-: «شَرٌّ من قول اليهود والنصارى»؛ بل هو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فهؤلاء شابهوا وشاكلوا المشركين، كما سيأتي تفصيله كذلك، بأن أهل الشرك قد ابتدعوا في جانبين:
الجانب الأول: ابتدعوا أنهم شرعوا أمورًا ما شرعها الله ، كما فعلوا في مسألة الأنعام، وستأتي معنا.
الجانب الثاني: ابتدعوا في تحليل بعضها وتحريم بعضها من عند أنفسهم، وكلما فعلوا سيئة نَسبوها إلى الله ؛ فيحتجون بشركهم أن هذا مشيئة الله .
وقول هؤلاء المتصوفة هو من جنس قول أولئك المشركين.
وقال: «وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضًا؛ لأن هؤلاء الذين يحتجون بالقدر لا يطردون هذا في كل حال»، وإنما في الحال الذي يَروق لهم ويناسبهم يحتجون بالقَدَر، وفي الحال الذي لا يَروق لهم لا يحتجون بالقدر، وقد بين ذلك فقال: «بل كل مَنْ احتج بالقدر فإنه مُتناقض؛ فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما يفعل»!
стр. 141
فمن يحتج بالقدر لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما يفعل؛ فلو جاءه لص وسرق ماله، ما أقرَّه على ذلك. ولو جاءه أحد واستحل عرضه ما أقرَّه على ذلك.
فلو انتشر هذا وشاع؛ لانتشر الظلم، وسعى الناس في الأرض فسادًا، وسُفكت الدماء، واستحلت الفروج، وأهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من الضرر التي لا قِوَام للناس به.
والواقع أن كل إنسان يعمل على دفع الظلم عن نفسه، والناس يعاقبون الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله، ولا يمكن في هذه الأحوال أن يُحتج بالقدر، وإلا لقيل لهؤلاء: إن كان القدر حُجة؛ فدعوا كل أحد يفعل ما يشاء بكم وبأهاليكم وأموالكم.
فهل تستقيم بهذا حياة؟!
والجواب: يستحيل أن تستقيم أمور الناس بهذا.
فكيف يصبح القدر حجة لهؤلاء؟! فإذا كان يصح أن يكون حجة في مصالح الناس، فيمكن مع ذلك أن يصح أن يكون حجة في جانب عبادة الله ، فإذا كان لا يصح أن يحتج به في مصالح الناس، فهو كذلك لا يصح أن يحتج به في جانب عبادة الله ، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولهم: إن القدر حجة.
فإذن: لا يمكن ولا يصح في أي حال أن يكون القدر حجة للعاصي، كما لا يصح أن يكون حُجة للمخطئ أو المذنب في حق الناس.
قال: «وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول»، أي: لا يستمرون عليه، ولا يلتزمونه في كل أمورهم، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم؛ فمتى ما كان القدر يناسب آراءهم وأهواءهم أخذوا به، وأما إذا كان القدر لا يناسب
стр. 142
آراءهم وأهواءهم لم يأخذوا به، كما قال بعض العلماء: «عند الطاعة قدرية، وعند المعصية جبرية»، فأي مذهب وافق أهواءهم تمذهبوا به.
فترى الواحد منهم عند الأمر يحتج بالقدر؛ فيقول: لو شاء الله أن أُصَلِّي سأصلي، وإن لم يشأ أن أُصلي فلن أصلي!
وأمَّا في جانب المعصية، فيقول: أنا مجبور على فِعلها، لا أستطيع أن أخالف فِعل الله فيَّ!
فلماذا لا يقول: أنا مجبور على الطاعة؛ سأقوم وأُصلي؛ لأنني مجبور.
فهو إذا جاء باب الطاعة أصبح قدريًّا؛ فيحتج بالقدر على تركها.
وإذا جاء باب المعصية أصبح جبريًّا؛ يزعم أنه مجبور على فعلها ..
فيتمذهب بالمذهب الذي يُوافق هواه؛ لينسلخ من الأوامر، وليقترف من النواهي ما شاء، والعياذ بالله.
وهذا الصنف الأول، وهم أشدهم غُلُوًّا.
وأمَّا الصنف الثاني، وهم الذين يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالًا وأثبت له صفات، يعني: إذا كان العبد لم يصل إلى الدرجة المطلوبة من التصوف؛ بحيث يرى أنه فاعل لهذه الأشياء، وأن في هذه النفس هذه الصفات، فيقولون: هذا يلزمه أن يأتي بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه إذا كان من المريدين، أو كان من عوام الناس فعليه أن يلتزم بالأوامر والنواهي؛ لأن هذا لم يصل إلى درجة ورتبة من هذا
стр. 143
الشهود؛ بحيث إنه لا يشهد لذات نفسه فعلًا، فقال: يزعمون أن الأمر والنهي لازم لهذا الصنف من الناس، لمن شهد لنفسه أفعالًا، وأثبت لها صفات.
أمَّا الصنف الاول المغالي، فهو يشهد أنه مجبور على أفعاله، وأن الله هو المتصرف فيه، كما يحرك سائر المحركات، ويزعم أنه لما شهد ذلك ارتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأنه وصل إلى مرتبة في التصوف؛ بحيث لا يرى لنفسه فعلًا، ويرى أنه متحرك كسائر المتحركات، فعند هذا لا يلزمه الأمر والنهي.
فالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة- تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف).
فإذا وصل إلى مرحلة شهود الله وأنه الفاعل لكل شي على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم- فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله.
ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف.
فيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه
стр. 144
الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة.
فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم.
ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم؛ لأن نبينا ﷺ قد قال: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ- حَتَّى يَمُوتَ» (١)، فلا سبيل إلى رؤية الله في هذه الحياة الدنيا، فهي أمر ممتنع، ولكن الشيطان يستدرج هؤلاء، ولذلك النبي ﷺ عندما تكلم مع ابن صياد، فقال له النبي: «ما ترى؟». قال: أرى عرشًا على الماء! فقال رسول الله ﷺ : «تَرى عرشَ إبليس على البَحر» (٢)، فهذا الذي يراه هؤلاء إنَّما هو شيطان من الشياطين يَتمثل لهم، ويستدرجهم بهذه الأمور والأحوال؛ ليخرجهم عن الدين، مِنْ طريق ترك العبادة؛ فأصبح هؤلاء لا دين لهم، والعياذ بالله.
стр. 145
قال المصنف ﵀: «فَهَؤُلَاءِ يفرقون بَين العَامَّة والخاصَّة الَّذين شهدُوا الحَقِيقَة الكونية؛ فَشَهِدُوا أَنَّ الله خَالق أَفعَال العباد، وأَنه مُرِيد ومدبر لجَمِيع الكائنات.
وقد يفرقون بَين مَنْ يعلم ذَلِك علمًا وبَين مَنْ يرَاهُ شُهُودًا، فَلَا يُسقطون التَّكْلِيف عَمَّن يُؤمن بذلك ويعلمه فَقَط، ولَكِن [يسقطونه] عَمَّن يشهده، فَلَا يرى لنَفسِهِ فعلًا أصلًا، وهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الجَبْرَ وإِثْبَات القَدَرِ مَانِعًا من التَّكْلِيف على هَذَا الوجْه».
بَيَّن المصنف هنا أن هذا الصنف من المتصوفة يُفَرِّقون بين توحيد العوام وتوحيد الخواص؛ فهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعًا من التكليف على هذا الوجه؛ إذا كان للعوام، أي: إذا كان مِنْ طبقة مَنْ يعلم ولكنه لم يصل إلى مرحلة الشهود، بزعمهم، فذاك مطالب بالأوامر والنواهي، أي: ما زال مُكَلَّفًا.
وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد.
فهؤلاء الطوائف- من غُلاة المتصوفة- استدرجهم الشيطان، وأوقعهم فيما يسمونه (الشهود)، أو المرتبة الثانية التي يريدون تحقيقها، ويزعمون أنها هي التوحيد، وهي شهود الحضرة الإلهية، أو شهود الحقائق الكونية معاينة، كما يزعمون!
* * *