← Акыда

Акыда · id 30104

التحفة البهية في شرح رسالة العبودية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (364 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فمن يحتج بالقدر لا يمكن أن يقر كل آدمي على ما يفعل؛ فلو جاءه لص وسرق ماله، ما أقرَّه على ذلك. ولو جاءه أحد واستحل عرضه ما أقرَّه على ذلك. فلو انتشر هذا وشاع؛ لانتشر الظلم، وسعى الناس في الأرض فسادًا، وسُفكت الدماء، واستحلت الفروج، وأهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من الضرر التي لا قِوَام للناس به. والواقع أن كل إنسان يعمل على دفع الظلم عن نفسه، والناس يعاقبون الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله، ولا يمكن في هذه الأحوال أن يُحتج بالقدر، وإلا لقيل لهؤلاء: إن كان القدر حُجة؛ فدعوا كل أحد يفعل ما يشاء بكم وبأهاليكم وأموالكم. فهل تستقيم بهذا حياة؟! والجواب: يستحيل أن تستقيم أمور الناس بهذا. فكيف يصبح القدر حجة لهؤلاء؟! فإذا كان يصح أن يكون حجة في مصالح الناس، فيمكن مع ذلك أن يصح أن يكون حجة في جانب عبادة الله ، فإذا كان لا يصح أن يحتج به في مصالح الناس، فهو كذلك لا يصح أن يحتج به في جانب عبادة الله ، وإن لم يكن حجة بطل أصل قولهم: إن القدر حجة. فإذن: لا يمكن ولا يصح في أي حال أن يكون القدر حجة للعاصي، كما لا يصح أن يكون حُجة للمخطئ أو المذنب في حق الناس. قال: «وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول»، أي: لا يستمرون عليه، ولا يلتزمونه في كل أمورهم، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم؛ فمتى ما كان القدر يناسب آراءهم وأهواءهم أخذوا به، وأما إذا كان القدر لا يناسب

стр. 142

آراءهم وأهواءهم لم يأخذوا به، كما قال بعض العلماء: «عند الطاعة قدرية، وعند المعصية جبرية»، فأي مذهب وافق أهواءهم تمذهبوا به. فترى الواحد منهم عند الأمر يحتج بالقدر؛ فيقول: لو شاء الله أن أُصَلِّي سأصلي، وإن لم يشأ أن أُصلي فلن أصلي! وأمَّا في جانب المعصية، فيقول: أنا مجبور على فِعلها، لا أستطيع أن أخالف فِعل الله فيَّ! فلماذا لا يقول: أنا مجبور على الطاعة؛ سأقوم وأُصلي؛ لأنني مجبور. فهو إذا جاء باب الطاعة أصبح قدريًّا؛ فيحتج بالقدر على تركها. وإذا جاء باب المعصية أصبح جبريًّا؛ يزعم أنه مجبور على فعلها .. فيتمذهب بالمذهب الذي يُوافق هواه؛ لينسلخ من الأوامر، وليقترف من النواهي ما شاء، والعياذ بالله. وهذا الصنف الأول، وهم أشدهم غُلُوًّا. وأمَّا الصنف الثاني، وهم الذين يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالًا وأثبت له صفات، يعني: إذا كان العبد لم يصل إلى الدرجة المطلوبة من التصوف؛ بحيث يرى أنه فاعل لهذه الأشياء، وأن في هذه النفس هذه الصفات، فيقولون: هذا يلزمه أن يأتي بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه إذا كان من المريدين، أو كان من عوام الناس فعليه أن يلتزم بالأوامر والنواهي؛ لأن هذا لم يصل إلى درجة ورتبة من هذا

стр. 143

الشهود؛ بحيث إنه لا يشهد لذات نفسه فعلًا، فقال: يزعمون أن الأمر والنهي لازم لهذا الصنف من الناس، لمن شهد لنفسه أفعالًا، وأثبت لها صفات. أمَّا الصنف الاول المغالي، فهو يشهد أنه مجبور على أفعاله، وأن الله هو المتصرف فيه، كما يحرك سائر المحركات، ويزعم أنه لما شهد ذلك ارتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأنه وصل إلى مرتبة في التصوف؛ بحيث لا يرى لنفسه فعلًا، ويرى أنه متحرك كسائر المتحركات، فعند هذا لا يلزمه الأمر والنهي. فالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة- تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف). فإذا وصل إلى مرحلة شهود الله وأنه الفاعل لكل شي على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم- فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله. ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف. فيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه

стр. 144

الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة. فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم. ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم؛ لأن نبينا ﷺ قد قال: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ- حَتَّى يَمُوتَ» (١)، فلا سبيل إلى رؤية الله في هذه الحياة الدنيا، فهي أمر ممتنع، ولكن الشيطان يستدرج هؤلاء، ولذلك النبي ﷺ عندما تكلم مع ابن صياد، فقال له النبي: «ما ترى؟». قال: أرى عرشًا على الماء! فقال رسول الله ﷺ : «تَرى عرشَ إبليس على البَحر» (٢)، فهذا الذي يراه هؤلاء إنَّما هو شيطان من الشياطين يَتمثل لهم، ويستدرجهم بهذه الأمور والأحوال؛ ليخرجهم عن الدين، مِنْ طريق ترك العبادة؛ فأصبح هؤلاء لا دين لهم، والعياذ بالله.

стр. 145

قال المصنف ﵀: «فَهَؤُلَاءِ يفرقون بَين العَامَّة والخاصَّة الَّذين شهدُوا الحَقِيقَة الكونية؛ فَشَهِدُوا أَنَّ الله خَالق أَفعَال العباد، وأَنه مُرِيد ومدبر لجَمِيع الكائنات. وقد يفرقون بَين مَنْ يعلم ذَلِك علمًا وبَين مَنْ يرَاهُ شُهُودًا، فَلَا يُسقطون التَّكْلِيف عَمَّن يُؤمن بذلك ويعلمه فَقَط، ولَكِن [يسقطونه] عَمَّن يشهده، فَلَا يرى لنَفسِهِ فعلًا أصلًا، وهَؤُلَاء يجْعَلُونَ الجَبْرَ وإِثْبَات القَدَرِ مَانِعًا من التَّكْلِيف على هَذَا الوجْه». بَيَّن المصنف هنا أن هذا الصنف من المتصوفة يُفَرِّقون بين توحيد العوام وتوحيد الخواص؛ فهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعًا من التكليف على هذا الوجه؛ إذا كان للعوام، أي: إذا كان مِنْ طبقة مَنْ يعلم ولكنه لم يصل إلى مرحلة الشهود، بزعمهم، فذاك مطالب بالأوامر والنواهي، أي: ما زال مُكَلَّفًا. وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد. فهؤلاء الطوائف- من غُلاة المتصوفة- استدرجهم الشيطان، وأوقعهم فيما يسمونه (الشهود)، أو المرتبة الثانية التي يريدون تحقيقها، ويزعمون أنها هي التوحيد، وهي شهود الحضرة الإلهية، أو شهود الحقائق الكونية معاينة، كما يزعمون! * * *

стр. 146

قال المصنف ﵀: «وقد وقع فِي هَذَا طوائف من المنتسبين إِلَى التَّحْقِيق والمعرفة والتوحيد. وسبب ذَلِك: أَنه ضَاقَ نِطاقهم عَنْ كَون العَبْد يُؤمر بِمَا يقدَّر عَلَيْهِ خِلَافه، كَمَا ضَاقَ نطاق المُعْتَزلَة ونَحْوهم من القَدَرِيَّة عَنْ ذَلِك، ثمَّ المُعْتَزلَة أَثْبَتَت الأَمر والنَّهْي الشرعيين دون القَضَاء والقدر، اللَّذَيْن هما إِرَادَة الله العَامَّة وخلقه لأفعال العباد. وهَؤُلَاء أثبتوا القَضَاء والقَدَر، ونَفَوْا الأَمر والنَّهْي فِي حقِّ مَنْ شهد القدر؛ إِذْ لم يُمكنهُم نفي ذَلِك مُطلقًا. وقَول هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ قَول المُعْتَزلَة، ولِهَذَا لم يكن فِي السَّلف مِنْ هَؤُلَاءِ أحد، وهَؤُلَاء يَجْعَلُونَ الأَمر والنَّهْي للمَحجوبين الَّذين لم يَشْهدُوا هَذِه الحَقِيقَة الكونية، ولِهَذَا يجْعَلُونَ مَنْ وصل إِلَى شُهُود هَذِه الحَقِيقَة يَسْقط عَنهُ الأَمر والنَّهْي، ويَقُولُونَ: إِنَّه صَار من الخَاصَّة. ورُبمَا تأولوا على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿واعبد رَبك حَتَّى يَأْتِيك اليَقِين﴾ [الحجر: ٩٩]؛ فاليقين عِنْدهم هُو معرفَة هَذِه الحَقِيقَة». عقد المصنف مقارنة بين ما عليه القدرية الذين هم المعتزلة، وبين ما عليه هؤلاء الصوفية الجبرية، والمقارنة في ناحيتين: ١ من ناحية الحقيقة الكونية القدرية. ٢ ومن ناحية الحقيقة الدينية الشرعية.

стр. 147

مع الأخذ في الاعتبار أنَّ المعتزلة عَظَّموا الأمر والنهي، لكن المتصوفة لم يُعَظِّموه. ففي الجانب الكوني القَدَري: المعتزلة: لم يعظموا الجانب الكوني القدري؛ لأنهم أنكروا قدرة الله في فعل العبد. وهؤلاء الصوفية الجبرية: وافقوا المعتزلة في هذا الجانب، وبالتالي ضاق نطاقهم عن كون العبد يُؤمر بما يُقَدَّر عليه خلافه، فهم لم يَفهموا هذه المسألة وهي: كيف أن العبد يؤمر ثم لا يفعل؛ فكيف يُقَدَّر عليه خلاف هذا الأمر؟ فلم يُفَرِّقوا بين ما أراده الله كونًا وما أراده دينًا وشرعًا؛ فقد يأمر الله بأمر دينًا وشرعًا، ولكن يُقَدِّر على العبد خلافه، فالله أمر العبد أن يصلي، ولكن العبد قد يَعصي ويترك الصلاة، فهؤلاء ضاقت عقولهم عن التفريق بين ما أراده كونًا وما أحبَّه شرعًا، فليس كلُّ ما أراده أحبَّه، وليس كل ما أحبَّه أراده، فيجب التفريق بين البابين. فهؤلاء لم يستوعبوا هذه المسألة، كما ضاق في المقابل على المعتزلة ونحوهم من القدرية فَهم ذلك؛ فلم يستوعبوا هذا الأمر في الفرق بين ما أحبَّه وبَيْن ما أراده. وأمَّا في الجانب الديني الشرعي: فالمعتزلة: أثبتت الأمر والنهي الشَّرعيين؛ فَعُرف عنهم إثبات الأمر والنهي الشرعيين؛ فعَظَّموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم في باب الإيمان ليسوا بمرجئة؛ فظهر منهم تعظيم الأمر والنهي، وإن كانوا قد أخطأوا من وجه آخر، ففي القضاء والقدر هم قَدَرية، إذ أنكروا قدرة الله في فعل العبد، لكنهم عظموا الأمر والنهي

стр. 148

الشرعيين، فقالوا: الإيمان: قول واعتقاد وعمل. وهؤلاء المتصوفة: أثبتوا القضاء والقدر، ولكن نفوا الأمر والنهي في حقِّ مَنْ شَهِد القَدَر. فعندهم إذا وصل الواحد منهم إلى مرحلة الشهود، فعند ذلك لا أمر ولا نهي عليه. ولمَّا لم يُمكنهم نفي ذلك مطلقًا، أبقوه للعوام كأمر ونهي، وأسقطوه عن الخواص. فإذن: قول هؤلاء شر من قول المعتزلة، لأن إسقاط الأوامر والنواهي إسقاط للدِّين، وإذا أسقطت شعائر الدين الظاهرة .. ماذا يبقى من حال الأمة؟! قال المصنف: «لهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد»، أي: لم يقل أحد من السلف بقول هؤلاء، الذين يجعلون الأمر والنهي للمَحجوبين عن الكشف والشهود. وهذا فيه احتقار وتقليل للأمر والنهي، وبالتالي أصبحت العبادات في نظرهم دينًا للعوام، ويقولون: أنتم أهل الشريعة، ونحن أهل الحقيقة، وأنتم العوام ونحن الخواص، وأنتم الذين حجبتم، ونحن الذين شهدنا! وهذا ما يُبررون به باطلهم. ولذلك ما أصبح للأمر والنهي أي وزن- أو قيمة- في نفوس هؤلاء، وقال عنهم المصنف: «ولهذا يجعلون مَنْ وصل إلى شهود هذه الحقيقة يَسقط عنه الأمر والنهي، ويقولون: إنه صار من الخاصَّة، وربما تأولوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩]»، وفسَّروا اليقين بالحقيقة الكونية، فقالوا: إذا وصلت إلى مرحلة الشهود سقطت عنك التكاليف. * * *

стр. 149

قال المصنف ﵀: «وقَول هَؤُلَاءِ كفر صَرِيح، وإِن وقع فِيهِ طوائف لم يَعلمُوا أَنه كفر، فَإِنَّهُ قد عُلم بالاضطرار من دين الإِسْلَام: أَنْ الأَمر والنَّهْي لازمان لكل عبد مَا دَامَ عقله حَاضرًا إِلَى أَنْ يَمُوت، لَا يسقطان عَنهُ لَا بشهوده القَدَر، ولَا بِغَيْر ذَلِك. فَمَنْ لم يعرف ذَلِك عُرِّفَه وبُيِّن لَهُ، فَإِنْ أصر على اعْتِقَاد سُقُوط الأَمر والنَّهْي فَإِنَّهُ يُقتل. وقد كثرت مثلُ هَذِه المقالات فِي المُسْتَأْخِرِينَ». دعوى إسقاط الأمر والنهي كفرٌ صريحٌ، لأنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام: أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد، لا يَسقطان عن أيِّ عبد من العبيد ما دام أن عقله حاضر، والتكليف لا يسقط إلا عمَّن ذكرهم النبي ﷺ ، كما جاء في الحديث: «رُفع القلمُ عن ثلاثة: عن النَّائم حتى يَستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعقل» (١)، فهؤلاء ومن في حكمهم يسقط عنهم التكليف. أما دعوى هؤلاء أنه يسقط عنهم التكليف بشهودهم القدر- فهي دعوة كفرية. وعليه، مَنْ كان جاهلًا منهم وجب تعليمه، وتبيين ضلال هذا

стр. 150

السبيل له، وذلك بإقامة الحجة عليه، ودفع الشبهة عنه. فإذا أُقيمت عليه الحجة التي يَكفر بخلافها؛ فعند ذلك إن تابَ تَابَ الله عليه؛ لكن إن أصر على ذلك بعد البيان، فإن هذا الأمر كُفر، وموجب لقتله. وقد كثُرت مثل هذه المقالات في متأخري الصوفية؛ فعند خواصهم من هذا الشيء الكثير، والعياذ بالله. * * *

стр. 151

قال المصنف ﵀: «وأمَّا المتقدمون من هَذِه الأمة، فَلم تكن هَذِه المقالات مَعْرُوفَة فيهم. وهَذِه المقالات هِيَ محادَّةٌ لله ورَسُوله، ومعاداة لَهُ، وصَدٌّ عَنْ سَبيله، ومشاقَّة لَهُ، وتَكْذيب لرسله، ومضادَّة لَهُ فِي حكمه، وإِن كَانَ مَنْ يَقُول هَذِه المقالات قد يجهل ذَلِك، ويعتقد أَنْ هَذَا الَّذِي هُو عَلَيْهِ هُو طَرِيق الرَّسُول، وطَرِيق أَوْلِيَاء الله المُحَقِّقين، فَهُو فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة مَنْ يعْتَقد أَنْ الصَّلَاة لَا تجب عَلَيْهِ؛ لاستغنائه عَنْهَا بِمَا حصل لَهُ من الأَحْوال القلبية، أَوْ أَنْ الخمر حَلَال لَهُ؛ لكَونه من الخَواص الَّذين لَا يَضرهم شرب الخمر، أَوْ أَنْ الفَاحِشَة حَلَال لَهُ؛ لِأَنَّهُ صَار كالبحر لَا تُكدِّره الذُّنُوب ونَحْو ذَلِك!». بَيَّن المصنف- ﵀ أن هذه المقالات لم تَكن معروفة في المُتَقَدِّمين، ولكن الشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حتى أوصلهم إلى هذه الحال. فهذه المقالات هي مُحادَّة ومُعاداة لله ولرسوله ﷺ ، وإذا لم تُعَظَّم- في الأمة- أوامر الله عز جل وأوامر رسوله ﷺ ؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟ فوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله ﷺ : أن لا يكون هناك تعظيم لأوامر الله ونواهيه.

стр. 152

فإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادَّة ومعاداة لله ورسوله ﷺ ، وإن كان بعض مَنْ يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عَرف من الدِّين إلا هذه المبادئ المتصوفة؛ فتَربى عليها ونشأ عليها، ولم يعرف من الدين إلا هذه الأمور، وهذه الحال التي هو عليه هي حال ضَلال؛ فنسأل الله العافية والسلامة. فإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول ﷺ ، وأنَّه طريق أولياء الله المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية. وهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة، وموجود كذلك عند بعض من تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس، ويَدَّعي أولئك المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام، أمَّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام، وبالتالي قد وصلوا إلى المقصود، ووصلوا إلى ما يريده الرسول من الأوامر والنواهي، ولكن بطريق آخر. وهذا الفكر قد فُتِن به- أيضًا- بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات اليونانية، أو درسوا في المدارس الغربية، ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في الدراسات (الأكاديمية) والثقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم، ولا يعظم الأمر والنهي، ويزعم أنه على الإسلام، ومن يخالط هؤلاء يجدهم على هذا الفكر، ويرى أنه مُستغن ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية، ويرى أنه ليس مخاطبًا ولا مطالبًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي.

стр. 153

فالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء، وهناك أوجه شبه كبيرة بينهما، ولهم جميعًا مبرراتهم الباطلة، التي يستمدونها من الأحوال القلبية، أو المبادئ الفلسفية، التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلًا، وتبيح لهم شرب الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس، حِلٌّ لهم؛ لكونهم من الخواص الذين لا يَضرهم شرب الخمر، بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبَحر لا تضرهم الذنوب وإن كثرت، حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظِّمين لأوامر الله تعالى ونواهيه. فهل بعد هذا التلاعب من الشيطان بهؤلاء من تَلاعب؟! أما المسلم فيحمد الله ؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي. * * *

стр. 154

قال المصنف ﵀: «ولَا ريب أَنْ المُشْركين الَّذين كذبُوا الرَّسُول يَتَرَدَّدُونَ بَين البِدْعَة المُخَالفَة لشرع الله، وبَين الِاحْتِجَاج بِالقدرِ على مُخَالفَة أَمر الله، فَهَذِهِ الأَصْنَاف فِيهَا شَبه من المُشْركين؛ إِمَّا أَنْ يبتدعوا، وإِمَّا أَنْ يحتجوا بِالقَدَرِ، وإِمَّا أَنْ يجمعوا بَين الأَمريْنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ المُشْركين: ﴿وإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا والله أمرنَا بهَا قل إِنْ الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، وكما قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا ولَا آبَاؤُنَا ولَا حرمنا من شَيْء﴾ [الأنعام: ١٤٨]. وقد ذَكَرَ عَنْ المُشْركين مَا ابتدعوه من الدَّين الَّذِي فِيهِ تَحْلِيل الحَرَام، وعبادَة الله بِمَا لم يَشْرع الله، فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء بزعمهم وأنعام حرمت ظُهُورهَا وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ … ﴾ [الأنعام: ١٣٨] إِلَى آخر السُّورَة، وكَذَلِكَ فِي سُورَة الأَعْرَاف في قوله تعالى: ﴿يَا بني آدم لَا يفتننكم الشَّيْطَان كَمَا أخرج أبويكم من الجنَّة … ﴾ [الأعراف: ٢٧] إِلَى قَوْله: ﴿وإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا والله أمرنَا بهَا قل إِنْ الله لَا يَأْمر بالفحشاء أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ * قل أَمر رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد … ﴾ [الأعراف: ٢٨، ٢٩] إِلَى قَوْله: ﴿وكلوا واشْرَبُوا ولَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين * قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق … ﴾ [الأعراف: ٣١، ٣٢] إِلَى قَوْله: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الفَواحِش مَا ظهر مِنْهَا

стр. 155

ومَا بطن والإِثْم والبَغي بِغَيْر الحق وأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلطَانا وأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]». فصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ في كتابه الرائع «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» باستفاضة أوجه الشبه بين المشركين والفِرق الضالة المنحرفة عن منهج الكتاب والسنة، وهنا يُشَبِّه أعمال هؤلاء المبتدعة بأعمال المشركين. فبَيَّن أنَّ هذه الطائفة تشبَّهت بالمشركين في خصلتين: الخصلة الأولى: الابتداع. والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر. فأمَّا الخصلة الأولى: الابتداع؛ ومعناه: الإحداث، فكان المشركون إذا فعلوا فاحشة ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]؛ فنسبوها إلى الله ، فردَّ الله عليهم؛ فقال لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ولهذا فمن وقع في البدع فقد شابه المشركين؛ لأنهم أول من ابتدعوا. وهذا الخطاب يَصلح أن يُوَجَّه للمتصوفة، فإذا فعل المتصوف فاحشة وشرب خمرًا وادعى أنه من أهل الحقيقة؛ قيل له: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٢٨]. فهذا الجواب الذي بَكَّت اللهُ به أهلَ الشِّرك يَصلح أن يكون جوابًا لأهل التصوف، فهذا الربط العجيب يبين لك أنَّ أصل ما عند هؤلاء هو أصل ما عند هؤلاء؛ لأنها بضاعة شيطانية، والشيطان يأمر

стр. 156

بالفحشاء، والله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، والشيطان تَقَوَّل على الله، ولذلك حَرَّم الله التَّقَوُّل عليه. وكذلك ابتدعوا في الشرع تحليل الحرام وتحريم الحلال، وعبادة الله بما لم يشرع، كما ذكر الله عنهم؛ فقد كانوا يجعلون قسمًا مِنْ زروعهم وحُرُوثهم لله، وقسمًا لأصنامهم لا يأكلونه ويقولون: هذا لله، يتعبدون لله؛ فابتدعوا ما لم يَشرع لهم؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]؛ فيجعلون من الزروع والمواشي قسمين: قسمًا لله، وقسمًا للأصنام، كل هذا تحكُّم من عندهم، والأنعام التي يملكونها جعلوا منها البَحيرة والوَصِيلة والحامي، أشياء لم يشرعها الله له . وهذا منهم زعم! ولو ترك لكل واحد أن يزعم ما يشاء لصار الدين ألعوبة في أيدي الناس. فالله خلق بهيمة الأنعام لمصالحنا ومنافعنا؛ نأكل منها ونشرب من لبنها ونركبها ونستعملها في حاجاتنا ونحمل عليها، ولم يأمرنا أن نسيب منها شيئًا للأصنام أو لله، ونقول: هذه لا تركب، وهذه لا تحلب وهذه لا تؤكل، كل هذ تخبُّط في الحلال والحرام لم يَشرعه الله (١). والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر. فالمشركون كذبوا على الله ، كما قال الله عنهم: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف: ٢٨]، أي: أن الله قدَّرها علينا فاحتجوا بالقدر على فعل الفواحش، وأن الله راض

стр. 157

عنهم في ذلك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قل إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء﴾ [الأعراف: ٢٨]، والله نهى عن كشف العورات، وسمى ذلك فاحشة، ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. أي: أخلصوا الله ؛ فإقامة الوجوه معناها: الإخلاص لله بالعمل، فالله أمر بالقسط، وهو العدل، ولم يأمر بالجور وهو الظلم، وأمر بإخلاص العبادة له ، ولم يأمر بالشرك والفواحش. وكذلك في قوله سبحانه عن المشركين: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حَرَّمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فردَّ عليهم بهذا السؤال: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]؛ فالذي يَدَّعي هذه الدعوة بمجرد أن يُسأل هذا السؤال سيفر؛ لأن ادَّعاءه أنه من أهل الحقيقة وتخصيصه بترك التكاليف- ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة .. فهي دعوى زائفة وباطلة. وانظر هذا السَّرد كيف يوضح هذه العلاقة؟ فهذه الأصناف من المتصوفة فيها شَبَه من المشركين، وكذلك أهل الكلام فيهم شَبَه بالمشركين من هذا الوجه؛ لأن الجهميَّة- أيضًا- جبرية يحتجون بالقَدَر على كفرهم ومعاصيهم، وقد قال الله عن المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] (١). فكل مخالفة لأوامر الله واحتجاج بالقدر- قد أنكره الله على

стр. 158

المشركين، وإذا كان هذا مردودًا على المشركين؛ فكيف يصبح جائزًا لهؤلاء المتصوفة؟! فقول المصنف: «ولا ريبَ أنَّ المشركين» فيه ربط للمقولة المتأخرة بالمقولة المتقدمة، والمقولة المتقدمة للمشركين والمقولة المتأخرة للمتصوفة؛ فالمشركين الذين كذَّبوا الرسول ﷺ يَترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله. فهنا نَبَّه المصنف على مسألة في غاية الأهمية، وهي أن المقولات قد تكون واحدة؛ ولكن تطبيقاتها تتعدد، فكل قول لأهل الباطل فهو مفند في نص كتاب الله ونص كلام رسوله ﷺ ، وأنَّ كلَّ ما يَدَّعيه أهل الباطل قديمًا وحديثًا فهو مردود عليه في نصوص الكتاب والسنة. فعلى العاقل المُتبصر أن يعرف أن مَعين هؤلاء ومعين هؤلاء واحد، ومصدرهم واحد، والرد على هؤلاء من جنس الرد على هؤلاء، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يُغنينا، فهؤلاء قد يسمون ما يُحدثوه من البدع حقيقة، كما يسمون ما يشهدون من القَدَر حقيقة، وفي حقيقته إنما هو من جنس ما عند أهل الباطل من أهل الشرك، فالبضاعة واحدة والمصدر واحد، والله لم يُقر المشركين على باطلهم، فكيف يقر هؤلاء؟! * * *

стр. 159

قال المصنف ﵀: «وهَؤُلَاء قد يسمُّون مَا أحدثوه من البدع: حَقِيقَة، كما يسمُّون مَا يَشْهدُونَ من القَدَر: حَقِيقَة، وطَرِيق الحَقِيقَة عِنْدهم: هُو السلوك الَّذِي لَا يتَقَيَّد صَاحبه بِأَمْر الشَّارِع ونَهْيه، ولَكِن بِمَا يرَاهُ ويذوقه ويجده فِي قلبه مَعَ مَا فِيهِ من غَفلَة عَنْ الله جلَّ وعلا ونَحْو ذَلِك. وهَؤُلَاء لَا يحتجون بِالقدرِ مُطلقًا، بل عمدتهم اتِّبَاع آرائهم وأهوائهم، وجعلُهم مَا يرونه ومَا يهوَونه حَقِيقَة، ويأمرون باتباعها دون اتِّبَاع أَمر الله ورَسُوله- نَظِير بدع أهل الكَلَام من الجَهْمِية وغَيرهم؛ الَّذين يجْعَلُونَ مَا ابتدعوه من الأَقْوال المُخَالفَة للكتاب والسُّنَّة حقائق عقلية يجب اعتقادها، دون مَا دلَّت عليه السمعيات، ثمَّ الكتاب والسُّنَّة؛ إِمَّا أَنْ يحرِّفوا القَوْل فيهمَا عَنْ مواضعه، وإِمَّا أَنْ يعرضُوا عَنهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَلَا يتدبَّرونه ولَا يعقلونه، بل يَقُولُونَ: نفوِّض مَعْنَاهُ إِلَى الله، مَعَ اعْتِقَادهم نقيض مَدْلُوله. وإذا حُقِّق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة- وُجدت جهليَّات واعتقادات فاسدة. وكذلك أولئك إذا حُقِّق عليهم ما يزعمونه من حقائق أولياء الله؛ المخالفة للكتاب والسُّنَّة- وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه». ما عند هؤلاء مِنْ دعاوى يُبررونها بأنها علم الحقيقة، وأن الحقيقة هي طريق الخواص، وأمَّا الشريعة التي جاءت بها الرسل،

стр. 160

فيقولون عنها: إنها طريق العوام. فشرعوا لأنفسهم ما لذَّ لهم ووافق أهواءهم ورغباتهم، وأعرضوا عن شرع الله ، وسموا ما شرعوه (السلوك والذوق والوجد والكشف) .. إلى آخره. بمعنى: ألا يتقيد السالك منهم بالشرع، وبالتالي لا يعظمه، وإنما يفعل ما يتذوقه، وما يجده في قلبه، مع ما فيه من غفلة عن الله ، ونحو ذلك، فأصبحت أذواق- إذًا أهواء متبعة. فهؤلاء المتصوفة لهم أهواؤهم، كما أن لأهل الكلام أهواءهم، فهؤلاء سموها (أذواقًا ووجدًا … )، وأولئك سموها (عقليات). وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقا؛ بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، ثم يسمون ما يرونه ويَهوونه- وهو مخالف للشرع- حقيقة. ويُلزم هؤلاء المتصوفة والمتكلمون أتباعهم باتِّباع هذه الآراء والأهواء، دون اتباع أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ويسمي المتصوفة ما ابتدعوه من الكلام المخالف للكتاب والسنة: حقائق قلبية، ويسميها المتكلمون: حقائق عقلية. فعموم المتكلمين يحتجون بعلم الجَدَل وقواعد المنطق وما يُسمونها (البراهين العقلية)، ويُقَدِّمونها على الأدلة الشرعية، ويقولون: إنَّ الأدلة الشرعية ظنية لا تُفيد اليقين، وأمَّا البراهين العقلية فهي يقينية؛ ولذلك أنكروا الأسماء والصفات الثابتة بالكتاب والشئة؛ لأنها لا تُوافق البراهين العقلية بزعمهم، ويسمون الأدلة الشرعية: (أدلة السمع)، ويسمون أدلة المنطق: (أدلة العقل)،

стр. 161

وعندهم العقل مُقَدَّم على الشرع؛ لأن الشرع لا يُفيد اليقين، وأمَّا العقليات فإنها تُفيد اليقين، وهذا من كيد الشيطان لبني آدم، فكما أنَّه أضلهم في العبادة فقد أضلهم في العقيدة أيضًا (١). وهذا الذي أحدثه هؤلاء وأحدثه هؤلاء ليس من الدِّين في شيء؛ ولكن هذا أعطاه مسمى جميلًا، وذاك أعطاه مسمى جميلًا، وأمَّا في المضمون فهو أقبح ما يكون؛ فالقبح واضح وظاهر؛ لأنه لا حظَّ لأيٍّ منهما في كلام الله وكلام رسوله ﷺ . وأمَّا موقفهم من آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ ؛ فإمَّا أنهم يفسرونها بغير تفسيرها الصحيح؛ لتوافق أهواءهم، ويسمون هذا ب «التأويل». وإمَّا أنهم يُفَوِّضون معناها ولا يُفسرونها، ويعتقدون في نفس الأمر: أنَّها لا تدل على أسماء الله ولا على صفاته، ويقولون: لا ندري ما المراد بها؟ بل نُفوض معناها إلى الله! فهم إمَّا مُؤولة، وإما مُفَوِّضة. فهذه طريقتهم مع أدلة الشرع: إمَّا تأويلها وتحريفها وتفسيرها كما يريدون، وإمَّا أن يُفَوِّضوها كأنَّها طلاسم وألغاز لا يُعرف معناها، وذلك إذا عجزوا عن تأويلها، وربما نسبوا هذه الطريقة إلى السلف، ويقولون: طريقة السلف هي التفويض، وطريقة الخلف هي التأويل؛ ولذلك قالوا: طريقة السلف أسلمُ، وهي التفويض عندهم، وطريق الخلف أعلم وأحكم، وهي التأويل. وقد كذبوا؛ فهذه ليست طريقة السلف، وليست طريقة السلف أسلم فقط؛ بل هي الأسلم وهي الأعلم والأحكم. ويقولون: إن الأدلة العقلية يقينيات؛ فيعتبرون الأدلة العقلية-

стр. 162

وهي في الحقيقة جهليَّات- يَقينيات، مع أن اليقينيات: هي ما دل عليه الكتاب والسُّنَّة، والعقل السليم لا يخالف النَّقل الصَّحيح أبدًا، فإن اختلفا: فإمَّا أن يكون النقل غير صحيح، وإمَّا أن العقل غير سليم. هذه هي القاعدة؛ لأن العقل لا يُدرك كلَّ شيء، فهو قاصر وتابع للنَّقل، ولو كانت العقول كافية لما احتجنا إلى نزول القرآن ولا نقل السُّنَّة (١)، ولشيخ الإسلام كتاب رائع بعنوان: «درء تعارض العقل والنقل»، وقد أَلَّفه لمناقشة الفلاسفة وأهل الكلام والرد على القانون الكلي لفخر الدِّين الرَّازي وما توصل إليه الرَّازي من تقديم العقل على النقل في حال تعارضهما. والميزان الذي أمر الله به عند التنازع هو ما بينه في قوله ﷻ : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ : هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته. فمزاعم هؤلاء القوم ناتجة: إمَّا عن تحريف القول عن مواضعه؛ كتحريفهم لقوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩]، فقالوا: إن اليقين هو شهود الحقيقة الكونية. وإمَّا عن الإعراض التام عن نصوص القرآن والسنة، فلا يتدبرونها ولا يعقلونها، وليس عندهم عناية بها؛ لا رواية ولا دراية، والعياذ بالله. فهذا سمتهم وتلك حالهم، وتارة يقولون: نُفَوِّض معناها إلى الله، مع اعتقادهم نقيض مدلول المعنى، وكأنهم ليسوا معنيين بهذا الخطاب.

стр. 163

فإذا حققنا فيما عند المتكلمين وما زعموه من عقليات مخالفة للكتاب والسنة- وجدناها جهالات واعتقادات فاسدة، وكذلك لو تدبرنا فيما عند أدعياء السلوك والذوق المخالف للكتاب والسنة- وجدناه اتباع الهوى الذي حذر منه الله ورسوله ﷺ . * * *

стр. 164

قال المصنف رحمه الله تعالى: «وأصلُ ضلال مَنْ ضَلَّ هُو بِتَقْدِيم قِيَاسه على النَّصِّ المُنَزَّل من عِنْد الله، وتَقْدِيم اتِّبَاع الهوى على اتِّبَاع أَمر الله؛ فَإِنْ الذَّوْق والوجد ونَحْو ذَلِك هُو بِحَسب مَا يُحِبُّهُ العَبْد ويهواه؛ فَكل محب لَهُ ذوق ووجد بِحَسب محبته وهواه. فَأهل الإِيمَان لَهُمْ من الذَّوْق والوَجْد مثل مَا بيَّنه النَّبِيُّ ﷺ بقوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح: «ثَلَاث مَنْ كن فِيهِ وَجَد حلاوة الإِيمَان: مَنْ كَانَ الله ورَسُوله أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، ومَن كَانَ يحب المَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ومن كَانَ يكره أَنْ يَرجع فِي الكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ، كَمَا يكره أَنْ يُلقى فِي النَّار» (١)، وقَالَ ﷺ في الحديث الصَّحيح: «ذاق طَعْمَ الإِيمَان مَنْ رَضِي بِاللَّه رَبًّا، وبِالإِسْلَامِ دينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا» (٢). وأمَّا أهل الكفْر والبدع والشهوات، فَكلٌّ بِحَسبِهِ. قيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: مَا بَالُ أهل الأَهْواء لَهُمْ محبَّة شَدِيدَة لأهوائهم؟ فَقَالَ: أنسيتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم العجل بكفرهم﴾ [البقرة: ٩٣]، أَو نَحْو هَذَا من الكَلَام. فعُبَّاد الْأَصْنَام يُحبونَ آلِهَتهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبِّ الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال: ﴿فَإِنْ لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يَتَّبعُون

стр. 165

أهواءهم وَمن أضلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ [٥٠ الْقَصَص]، وَقَالَ: ﴿إِنْ يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَدْ جَاءَهُم من رَبهم الْهدى﴾ [النَّجم: ٢٣]. ولِهَذَا يمِيل هَؤُلَاءِ ويُغرمون بِسَمَاع الشّعْر والأصوات الَّتِي تُهَيِّج المحبَّة المُطلقَة، الَّتِي لَا تخْتَص بِأَهْل الإِيمَان، بل يشْتَرك فِيهَا محبُّ الرَّحْمَن ومحبُّ الأَوْثَان ومحب الصُّلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المُردان ومحب النِّسوان، وهَؤُلَاء الَّذين يتَّبِعُون أذواقهم ومَواجيدهم، من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالكتاب والسُّنة ومَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الأمة». بَيَّن المصنفُ- رحمه الله تعالى- بقوله: «وأَصْلُ ضَلال مَنْ ضَلَّ هو بتقديم قياسِه على النَّصِّ المُنزل من عند الله، وتقديم اتِّباع الهوى على اتِّباع أمر الله»: أنَّ القياس الفاسد هو أصل الضلال، فأصل ضلال مَنْ ضَلَّ إنما هو بقياسه الفاسد؛ فإبليس أَوَّلُ مَنْ ضَلَّ، وكان ضلاله من جهة قياسه الفاسد؛ إذ ظنَّ نفسَه خيرًا من آدم ﵇؛ لأنه خُلِق من نار، وآدم خُلق من طين؛ فظنَّ أنَّ النار أفضل من الطين، ولذلك أبى الاستجابة لأمر الله بالسجود لآدم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١ - ٧٦]؛ فعندما قاس مثل هذا القياس الفاسد ضَلَّ عن اتِّباع أمر الله ؛ فكان هذا هو أصلُ الضلال.

стр. 166

وإذا تتبعنا أهلَ الباطل- قديمًا وحديثًا- وجدنا أنَّ أصلَ ضلالهم هو بتقديمهم للقياس الفاسد على النصوص الشرعية المنزلة. والقياس منه ما يكون صحيحًا، وهو أحد الأدلة المعتبرة في الاستدلال عند أهل العلم، ومن القياس كذلك ما يكون فاسدًا، وهو أصلٌ من أصول الضلال؛ فيَضل الإنسان من جهة قياسه، فمثلًا هنا أهل التصوف ظَنُّوا أنَّ وَجْدَهم وذَوْقَهم يُوازي ما يجده أهل الإيمان مِنْ ذَوْقٍ، (وهو ذوق وحلاوة الإيمان)؛ فظنوا أنهم إذا وصلوا إلى أي حلاوة بطريق آخر؛ فإن هذا يُغنيهم عن حلاوة الإيمان الحقِّ؛ فكان في هذا ضلالهم. وكذلك اتِّبَاعُ الهوى وتقديمُه على اتِّبَاع أَمر الله- أصلٌ من أصول الضَّلال، وهذا حاصلٌ عند سائر أهل الضلال، ولذلك حَذَّر الله في كثير من آيات القرآن من اتباع الهوى، وذم الذين اتَّبعوا أهواءهم؛ فبالتالي ضلوا وأضلوا؛ لأنَّهم سلكوا طريق الهوى؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، وقوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وهنا أعطانا المصنف مثالًا على هذا الضلال بهؤلاء المتصوفة الذين زعموا أنَّ لهم ذوقًا ووجدًا. وحقيقة الأمر: أنَّ هذا الذوق وذاك الوَجْد إنما يكون بحسب ما يحبُّه العبد ويهواه؛ فَكل محب لَهُ ذوق ووجد بِحَسب محبته وهواه.

стр. 167

فهؤلاء المتبعون لأهوائهم وأقيستهم الفاسدة أرادوا أن يقيسوا أذواقهم ومواجيدهم بطرقهم الفاسدة البعيدة عن الوحي- على المحبة الحقيقية التي جاء بها الشرعُ، فبالتالي ضلوا وأضلوا. لذا قال المصنف: «وبحسب ما يحبه العبد ويهواه فكل محب له ذوق ووجد يحسب محبته وهواه»، وبالتالي يُنظر إلى ما أحبه العبد فإذا ما كان محبوبه موافقًا لهواه ومخالفًا لشرع الله؛ فهذا الذوق والوجد الذي يحصل له هو فرع عن ذاك الحب وذاك الهوى الذي مال إليه، وهو ذوق فاسد، ومحبة باطلة. وأما أهل الإيمان المُقَدِّمين لأوامر الشرع على أهوائهم وشهواتهم- فإن لهم ذوقًا ووجدًا، والتعبير الصحيح: أن يقال: إنها محبة، فهذه المحبة تجعل من شعور الإنسان وجوارحه تبعًا لشرع الله . فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بَيَّنه النبيُّ ﷺ بقوله في الحديث الصَّحيح: «ثَلَاثٌ مَنْ كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)؛ فهناك حلاوة وأنس ولَذَّة يجدها العبد المؤمن بهذه الثلاث: أولها: مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما؛ فلا بد من تقديم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ على محبة ما سواهما، والله قد قال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ قال العلَّامةُ ابنُ كثير ﵀: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل مَنْ ادَّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتَّبع الشرع المحمدي والدِّين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في «الصَّحيح» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (١)، ولهذا قال: ﴿قل إن

стр. 168

كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم مِنْ محبتكم إيَّاه، وهو محبته إيَّاكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأنُ أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله؛ فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]» (١). فعلامة محبة الله ومحبة رسوله ﷺ تظهر وتتضح بقدر عمل العبد واتباعه لأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ . فإذا كانت محبة العبد لله ولرسوله ﷺ أكثر من محبته لما سواهما، ودليل ذلك: اتباعه لأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ ، وتقديمه لهما على ما سواهما؛ فهذه أول الأمور الثلاثة التي يجد بها العبد حلاوة الإيمان. وعلى العبد إذا أراد العبد أن يختبر صدق محبته: أن ينظر إلى حاله مع الأوامر والنواهي، فإن كانت النفس تنشط وتسابق لفعل الخيرات وفعل الطاعات، ومن أعظمها أمر التوحيد وأمر الصلاة، فأمر الصلاة محك واختبار لصدق إيمان العيد؛ فإذا كان العبد حريصًا على الصلاة في وقتها ومع الجماعة؛ فذاك علامة من علامات أهل الإيمان، كيف لا والعبد يستيقظ- مثلًا- لصلاة الفجر، مع أن النوم في هذا الوقت ألذ ساعات النوم عند كل أحد، ومع ذلك يدافع النوم ويغالبه ويقوم وينشط لذكر الله وأداء الصلاة، فإذا اجتمع مع هذا قيام الليل كان هذا زيادة في علامة محبة الله ومحبة رسوله ﷺ .

стр. 169

قال الإمام ابن القيم ﵀: «استقامة القلب بشيئين: أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب، فإذا تعارض حب تعالى الله وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه، فرتب على ذلك مقتضاه. الأمر الثاني: الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهى، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي؛ فإنَّ الله تعالى ذَمَّ مَنْ لا يُعظم أمره ونهيه، قال : ﴿ما لكم لا ترجون لله وقاراً﴾ [نوح: ١٣] قالوا في تفسيرها: ما لكم لا تخافون لله تعالى عظمة» (١). فعلامة ودلالة صدق محبتنا هي في مدى طاعتنا لأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ واجتناب النواهي، ولنعرض محبتنا على هذه فعل الأوامر وترك النواهي، وبقدر ما تزيد الطاعات بقدر ما تزيد هذه المحبة، ومن ثم تترتب عليها اللذة والحلاوة التي يجدها المؤمن؛ وذلك في سعادة نفسه، وراحة باله، وطمأنينة قلبه، وانشراح صدره. وهذه أمور يبحث عنها الناس خاصة في هذا العالم الذي كثرت فيه الماديات، وتعلقت قلوب الناس بها، واستعبدت نفوسهم، فإذا فقد الإنسان من مظاهر الدنيا وأمورها شيئًا تَكَدَّر وحزن واهتم لذلك الذي فقده؛ لتعلقه بأمر الدنيا، فلا يستطيع الإنسان أن يَبتعد عن مثل هذه الأمراض التي اعترت قلوب كثير من الناس إلا باللجوء إلى الله وصدق محبته، ولا ننسى أن العبادة الحقة هي كمال المحبة مع كمال الذل؛ فلماذا يحرم الإنسان نفسه من حلاوة محبة الله ومحبة رسوله ﷺ ؟ ولماذا لا يذوق لذة هذه الحلاوة؟! ثم انظر للأمر الثاني وهو (الحب في الله)؛ فإذا أحببتَ فيجب

стр. 170

أن تحب في الله، وإذا كرهت يجب أن تكره في الله، فكل ذلك تبع للأمر الأول؛ فقال بعد ذلك: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، فإذا أحببتَ أمرًا بعد هذا فإنه يجب أن يكون لله ، ويجب أن يكون تبعًا لهذه المحبة، ويكون مرتبطًا بها، فاعلم هذا والزم هذا الأمر. فإذا كان العبد متعلقًا بحبِّ الله وحبِّ رسوله ﷺ ؛ فإنه لن يحب شيئًا إلا إذا كان حبه لله ، ولذلك إذا كنت مشمرًا في الطاعات، ملتزمًا بسائر القربات- سواء كانت تلك الطاعات والقربات فرائض أو نوافل- فهذا علامة على أن هذا العبدَ محبٌّ لله ولرسوله ﷺ ؛ فصلة الأرحام والإحسان للجار وإكرام الضيف ونحو ذلك .. كل هذه الأمور إذا فعلها الإنسان بقصد تحقيق محابِّ الله ومراضيه، فإن في هذا علامة صدق على أنه أحب هذا الشيء لله . وهكذا الأمر الثالث: (كراهية ما يضاد محاب الله)، ومثاله: أن يكره العبد يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار، فالمؤمن مبغضٌ للكفر، ومبغضٌ لأنواع المعاصي والذنوب، لأنَّ الإيمانَ شُعُبٌ، كما أنَّ الكفرَ شُعُبٌ، فكل طاعة هي شعبة من شُعُب الإيمان، وكل معصية هي شعبة من شعب الكفر. فعلى العبد أن ينظر لحاله مع المعاصي؛ فإن ركن إليها واطمأن بها وارتاحت نفسه إليها، فليعلم أنَّ هناك خللًا في إيمانه، وسيفقد من حلاوة الإيمان بقدر ذلك الخلل، وإن كان يكرهها كما يكره أن يلقى في النار؛ فليعلم أن هذا من علامات الإيمان. وهذا هو الذوق والوجد الحقيقي، وهو الذوق والوجد الإيماني، الذي يُحَبِّب إلى النفس كلَّ طاعة من الطاعات، ويُكَرِّه

стр. 171

إلى النفس كل معصية من المعاصي، فإذا وجد الإنسان هذه الحلاوة فهيهات أن يجد في قلبه مكانًا للغِلِّ، أو مكانًا للحسد، أو مكانًا للحقد، أو مكانًا للكبر، أو مكانًا للاستهزاء، أو نحو ذلك من المعاصي والذنوب. فعلينا أن نعرض قلوبنا على هذه الأمور الثلاثة: ما حالنا مع محبة الله ومحبة رسوله ﷺ ؟ وما حالنا مع محبة ما يحبه الله ؟ وما حالنا مع كراهة ما يَكرهه الله ؟. فإذا كان حالنا على هذه الأوصاف التي ذكرها النبيُّ ﷺ ؛ فسنجد حلاوة الإيمان لا محالة؛ لأن النفس لابد أن تسكن لشيء، فإذا كان سكونها وراحتها وطمأنينتها في مقام الإيمان؛ ففهذه هي السعادة في الدنيا والآخرة، وبهذا تستغني، وبهذا تزكو، والله قد قال: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. ولنا في الناس عبرة! فانظر إلى أولئك الذين انغمسوا في الشهوات وفي رذائل الأمور؛ كمَن انغمس- مثلًا- في المخدرات، ومالت نفسه إلى هذا الطريق المظلم، فيكون في هذا ضياع دينه وماله وعرضه وعقله وكل أمره؛ لأنه اتبع هواه، ولذلك قال الله : ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: أصبح مضيعً؛ فلم يَعد يعرف ما به صلاح نفسه، حتى إن الواحد مِنْ هؤلاء قد يُختم له بخاتمة سوء والعياذ بالله؛ لأنَّ بعضهم قد يتعاطى هذه الأشياء في دورات المياه، ويصل به الحال أن يموت ووجهه في المرحاض؛ لأن قلبه قد تعلق بمثل هذه الأمور، فانظر إلى هذه الخاتمة والعياذ بالله.

стр. 172

ثم انظر إلى ذاك الذي مات وهو ساجد في بيتٍ من بيوت الله ، فشَتَّان بين الحالين. ولذلك قال ﷺ : «ذاق طعم الإيمان مَنْ رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا»، فالإيمان له طعم يذوقه المؤمن، كما أنَّ له حلاوة؛ إذا رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالطبع عمل لازم هذا الرِّضا. ولذلك المؤمن المستقيم تجده في سعادة، وتجد في عموم أمة النبي محمد ﷺ من الخير ما لا يُوجد في غيرها من الأمم. ونحن نرى في عالم اليوم كيف أنَّ أهل الكفر إذا عرفوا هذا الدين معرفة صحيحة، أو رأوا تعاليمه- أقرُّوا بكماله وسُمُوِّه وما لَه من مكانة سامقة، وبالتالي نرى الداخلين في دين الله يزداودن كلَّ يوم. ومع ما نراه من حملة شعواء على الدِّين، وعَداء له مِنْ قِبل أعدائه، ومع ما نراه من خلل وانحراف عند بعض المسلمين، إلا أنه من النادر أن يرتد عنه من انتسب إليه؛ إذا كان يعرف حقيقته، وما نسمعه من تنصير ونحو ذلك إنما هو لفئة قليلة قد تكون جاهلة لا تعرف الدِّين، بعد أن احتال عليهم أولئك المحتالون بأنواع الحيل، ومنها العمل على تنصير أطفال المسلمين، ومن ذلك ما يفعلونه في بعض دول الإسلام؛ حيث يبنون للأطفال اليتامى دورًا؛ يبثون فيها النصرانية، ويربونهم عليها. أو يأتون لقرى نائية ويقدمون لهم المساعدات الغذائية ونحو ذلك، ويدعونهم إلى النصرانية حتى يحصلوا على هذه المساعدات .. ومما يحكى أنهم في إحدى تلك البلدان؛ لما نصروا قرية جاءوا يُمَنُّونهم ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن نذهب إلى مكة للحج.

стр. 173

ثم يقولون بعد ذلك: نحن في هذا المجتمع استطعنا أن ننصر كذا وكذا. فقل أن يخرج مسلم من دينه إذا كان على علم به؛ فالذي يذوق طعم الإيمان لا يفرط فيه أبدًا، لأنه لن يجدها أبدًا في الكفر. فهناك حلاوة، وهناك لذة، وهناك أُنس، وهناك سعادة- لكن لا يُمكن أن تنال إلا من طريق اتِّباع الشَّرع، أمَّا البحث عنها من طريق آخر فليس إلا خبال وضلال واستدراج من الشيطان وتلاعب، ولذلك قال المصنف: «وأمَّا أهل الكفر والبدع والشهوات فكلٌّ بِحَسَبه»، فأهل الكفر لهم ذوقهم ولهم وجدهم؛ لكن هذا الوجد وهذا الذوق ظلمة وحسرة وندامة يجدونها في أنفسهم في هذا الأمر. ومن ذلك ما حكاه أهل الكلام دليلًا على حيرتهم وضلالهم؛ فيقول بعض رؤسائهم، وهو الرَّازي: نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ … وَأَكْثَرُ سَعْيِ العَالَمِينَ ضَلَالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ ولَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُ ويقول آخر: لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ المَعَاهِدَ كُلَّهَا … وسيَّرتُ طَرفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعَالِمِ فَلَم أَرَ إلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ … عَلَى ذَقْنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (١) فحيرة وضلال وتهوك لدى أهل الكلام، وهكذا لدى أهل التصوف، فكل بحسب حال ذوقه ووجده؛ لكن هذا الذوق وهذا الوجد مثل ما يكون لشارب الخَمر؛ وهو في الحقيقة نوع من خداع النفس؛ يجده للحظات، ثم بعدها يفتقده ويعقبه حسرة وظلمة

стр. 174

في نفسه وسواد في قلبه، وغبرة في وجهه. ولذلك قيل لسفيان بن عيينة: ما بالُ أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أنسيتَ قوله تعالى: ﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [البقرة: ٩٣]؛ فيُشرب هذا الأمر، وتَتلبسه النفسُ، وتتغذى به، وتَنشأ عليه، فإذا أُشرب هذا الأمر تجده محبًّا لباطله، وتجده بعد ذلك كما قيل: «حبك الشيء يعمي ويصم» (١). قال المناوي: «أي: يجعلك أعمى عن عيوب المحبوب، أصم عن سماعها؛ حتى لا تُبصر قبيح فعله ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى القبيح منه حسنًا، وتسمع منه الخنا قولًا جميلًا … أو يعمى ويصم عن الآخرة، أو عن طرق الهدى، وفائدته: النهي عن حبِّ ما لا ينبغي الإغراق في حبِّه» (٢). حتى إنهم يقولون في الأمثال: (لا تقل للعاشق إلَّا زد)، فيشرب الإنسان الباطل، ويتلبس بحبِّ الباطل حتى إنه يعميه عن معرفة الحق؛ فهؤلاء لهم قُلوبٌ لكن لا يفقهون بها، ولهم أَعينٌ لكن لا يُبصِرون بها، ولهم آذانٌ لكن لا يسمعون بها؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، وساروا في باطلهم. وقد كَشَف أبو الوفاء ابن عقيل هذه الخبيئة في نفوسهم، وهي أنهم يريدون التحلل من التكاليف؛ فقال: «لما صعبت التكاليف على الجُهَّال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاعٍ

стр. 175

وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع؛ مثل: تعظيم القبور … » (١). ثم قال المصنف: «فعبَّاد الأَصْنَام يحبونَ آلِهَتهم؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ومن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبِّ الله والَّذين آمنُوا أَشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال: ﴿فَإِنْ لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم ومن أضلّ مِمَّنْ اتبع هَواهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ [القصص: ٥٠]، وقال: ﴿إِنْ يتبعُون إِلَّا الظَّن ومَا تهوى الأَنْفس ولَقَد جَاءَهُم من رَبهم الهدى﴾ [٢٣ النجم]». وهنا بَيَّن المصنف أنَّ عُبَّاد الأصنام يحبون تلك الآلهة، ولهم ذوق ووجد وخضوع تجاهها؛ ولكنه خضوع فاسد وباطل، فالإنسان يرى في أحوال الناس أن الإنسان يسير إلى مَهلكة، ويعرف أن نتيجته الهلاك، لكن هو في عمى وفي صمم عن سماع أي نصيحة؛ لأن حب هذا الشيء تمَلَّك قلبه، فلم يَعد يقيس هذه الأمور بمقياس صحيح، بل صار قياسه فاسدًا، وترتب عليه حب الذات، وهو حب فاسد، كحبِّ عُبَّاد الآلهة لها، وكحبِّ صاحب الشهوة لشهوته، وكحب صاحب البدعة لبِدعته. فمن ثبت على الحقِّ وأصبح مقياسه هو طريق الحق- أصبح في الذوق والوجد والمحبة الحقيقية، ومن كان منحرفًا إلى كفر أو بدعة أو إلى شهوة فقد انحرف في حبِّه وذوقه ووجده إلى أمر فاسد، ولذلك قال الله عن هؤلاء: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ [القصص: ٥٠]؛ فأصبح الهوى حاجرًا ومانعًا وسدًّا عن

стр. 176

قبول الحق، ثم قال: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ [القصص: ٥٠]؛ فغاية الضلال أن يكون الإنسان متبعًا لهواه، فهذا الاتباع للهوى سيضله وسيبعده عن طريق الهدى؛ قال تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣]؛ فالظن هنا إشارة إلى القياس الفاسد، ﴿وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣]: إشارة إلى اتباع الهوى؛ فالعبد أمامه عدوان: ظن وقياس فاسد، وهوى متبع، فإذا سَلَّمه الله من هذين، وجعل قياسه مبنيًا على كلام الله وكلام رسوله ﷺ فقد نجا، وإذا كان هواه وأمره تابعًا لأوامر الله فقد نجا. أما إذا ترك شرع الله ، ثم سار وَفْق هوى نفسه؛ فليعلم أنه على مهلكة، وكذلك إذا كان على غير علم بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ؛ فسيستبدل هذا بظنٍّ فاسد، وإذا لم يكن على معرفة بالحق سيستبدل الحق بالباطل. فحذرنا الله من هذه الحال؛ فلا يُظن أن هذا فقط حكاية وخبر عن الأوائل، وإنما هي أسباب الهلاك في كل زمان. ولهذا يميل هؤلاء- بسبب الظن الفاسد واتباع الهوى- ويُغرمون بسماع الشعر والأصوات التي تُهَيِّج المحبة المطلقة. والسماع نوعان: سماع قرآني، وسماع شيطاني. فإذا نظرت إلى مجالس هؤلاء وموالدهم- تجدهم يستمعون لأشعار فيها من البدع وفيها من الكفر وفيها من الشرك والضلال ما الله به عليم؛ فاستعاضوا واستبدلوا بسماع كلام الله ومدارسته في المساجد- هذا السماع الشيطاني، الذي قد يجتمع معهم فيه النِّسوان والمُردان (١)، فيحدث الاختلاط، ويتبعه أمور منكرة

стр. 177

من شرب للخمور والمخدرات ونحو ذلك. فهم في ذوق وفي غَرَام، لكنه مَسلك شيطاني. وأهل المعاصي يجعلون من العشق ونحو ذلك كأنه سعادة الدارين؛ فسماعهم للغناء الفاسد الذي يدعو إلى الفحش والخمر وأنواع الفساد- من أحب الأمور لديهم. وأما أهل الإيمان فقلوبهم- كما قال الله فيهم: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فنفس المؤمن تطمئن لسماع كلام الله ، وتتشوق إلى نعيمه عند سماع وعده، وتخشع وتلين من الخوف عند سماع وعيده. فالمؤمنون عندما يسمعون هذا السماع القرآني يستقيمون على أمر الله ، ويرغبون في طاعته سبحانه، ويسعدون بالأنس به. فشَتَّان بين حال سماع القرآن وسماع أهل الباطل .. قال المصنف: «وهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالكتاب والسّنة ومَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الأمة». فالمحبة لا يجوز أن تكون محبَّة مطلقة، إنما الواجب أن تكون محبة مقيدة بالضوابط التي جاءت بها النصوص الشرعية، فليس للعبد أن يأتي بأي محبة أو أي فعل من عنده، بل هو مطالب بمحبة شرعية، وهذه المحبة الشرعية لا تُنال إلا بالطرق الشرعية، فالعبودية أساسها: كمال المحبة مع كمال الذل والخضوع. وخلاصة القول: أنه لا نجاة إلا باتباع الهدى؛ فمن لم يكن متبعًا للهدى علمًا وعملًا؛ فإنه يكون مائلًا إلى طريق الباطل، وأهل الباطل من أوصافهم: اتباع الظن وهوى الأنفس. فانظر إلى أهل الكلام، وانظر في أهل التصوفّ فلك فيهم عبرة

стр. 178

ماثلة أمامك، كيف أنهم ضَلُّوا وأضلوا وانحرفوا وزَلُّوا، مع أن الحق في غاية الوضوح والبيان؛ لأن ما جاءوا به ليس من الحق في شيء، حتى إنهم في أنفسهم فَرَّقوا بين ما زعموه وما جاء به الحق، فلذلك قالوا عن الحق: إنه شريعة، وقالوا عن زعمهم: إنه حقيقة، وقالوا عن الحق: إنه ظاهر، وقالوا عما زعموه: إنه باطن، فاعرض هذه التفرقة على هذا المقياس: هل هي اتباع لما جاء من الله ؟ أو مخالفة له؟ وإذا كانت مخالفة؟ أليست اتباعًا للظنِّ؟ واتباعًا لهوى الأنفس؟! فالمؤمن عليه أن يتعظ بحال هؤلاء، ويعلم أنه على خطر في حال ابتعاده عن الهدى علمًا وعملًا وتطبيقًا ودعوة وسلوكًا. وإن لزم طريق الحق فسيكون عنده من المحبة ومن الحلاوة ومن الطَّعم والذوق ما يُغنيه عن كل ما سوى ذلك. * * *

стр. 179

قال المصنف ﵀: «فالمُخالف لما بَعث اللهُ به رسولَه من عبادته وحده، وطاعته وطاعة رسوله، لا يكون مُتَّبِعًا لدين شرعه الله أبدًا، كما قال تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنَّهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين﴾ [الجاثية: ١٨، ١٩]. بَيَّن المُصنفُ أنَّ المخالف لا يكون مُتَّبِعًا لدين شرعه الله، وأكَّد ذلك بصيغة التأبيد: «أبدًا»؛ ثِقة وجزمًا أن هذا المخالف لا يكون مُتَّبِعًا لدينٍ شرعه الله أبدًا، يعني: ما دام أنه قد انحرف عمَّا بَعث اللهُ به رسولَه ﷺ ، فالله بعث رسوله ﷺ بعبادته وطاعته وطاعة رسوله ﷺ . فوظائف الرُّسل هي: أولًا: تعريف الناس بربِّهم. ثانيًا: تعريفهم بالطريق الذي يُوَصِّلهم إلى ربِّهم، أي: بعبادته وطاعته. ثالثًا: بيان حالهم ومآلهم. يعني: ما هو المآل؟ وما هي العاقبة التي تعود على الناس بإيمانهم واتِّباعهم الشرع المُنزل. فهذه هي وظيفة الرسل. فهذا المُخالف الذي خالف ما بعث الله به رسوله ﷺ لا يكون

стр. 180

متبعًا لشرع الله أبدًا، كما قال الله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها﴾ [الجاثية: ١٨]، فالله تعالى يأمر رسولَه ﷺ باتِّباع شرعه، وإذا كان الرسولُ ﷺ مأمورًا باتِّباع هذه الشريعة فنحن تَبَعٌ لهذا؛ قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإذا لم نَتَّبعها سيكون اتِّباعًا للهوى؛ فهناك أمر وهناك نهي، فالأمر اتباع هذه الشريعة: ﴿فاتبعها﴾ [الجاثية: ١٨]، والنهي عن اتباع الهوى: ﴿ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية: ١٨]، فإذا حصل اتباع لهذا الهوى؛ فإن الله يقول: ﴿إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين﴾ [الجاثية: ١٩]. فإمَّا أن يكون العبدُ من المتقين؛ والتقوى لا تحصل إلا باتباع هذه الشريعة، وإمَّا أن يكون من أهل الهوى فيكون من الظالمين. وإذا كان العبد من المتقين كان من أهل ولاية الله ؛ قال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: ٦٢]. فعلى العبد أن ينظر أين مقامه؟ فإذا كان مقامه في اتباع شريعة الله فهو أهل لأن يكون من أولياء الله ومن أهل الإيمان ومن أهل التقوى، ولكن إذا اتَّبع أهواء الذين لا يعلمون فهو مِنْ أهل الضَّلال. * * *
следующие страницы →