فأصل المَحابِّ المحمودة: محبة الله تعالى، بل وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تَبَعٌ لها.
كما أنَّ المحبةَ مع الله أصلُ الشرك، والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تَبَعٌ لها (١).
فأصل الشرك الذي لا يَغفره الله هو الشرك في هذه المحبة؛ فإنَّ المشركين لم يزعموا أنَّ آلهتهم وأوثانهم شاركت الربَّ سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنَّما كان شِركهم بها من جهة محبتها مع الله؛ فَوَالَوْا عليها وعادوا عليها وتألَّهوها، وقالوا: هذه آلهة صِغار تُقَرِّبنا إلى الإله الأعظم؛ قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا منهم كحال عبادتهم لهم؛ قال ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مَفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (٢).
المسألة الثالثة: حقيقة المحبة الشرعية:
المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وكل ما يدخل في فَلَكها ويدور مع محورها.
فهذه المحبة مِنْ أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العِبادات المُناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنَّه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ إليه مما
стр. 72
سواهما.
فهي أصلُ كلِّ عمل من أعمال الإيمان والدِّين، كما أن التصديق به أصل كلِّ قول من أقوال الإيمان والدِّين؛ فإنَّ كل حركة في الوجود إنما تَصدر عن محبة؛ إمَّا عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تَصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة: هي محبة الله ؛ إذ العملُ الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملًا صالحًا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله؛ فإنَّ الله تعالى لا يَقبل مِنْ العمل إلا ما أُريد به وجهه؛ كما ثبت في «الصَّحيح» عن النبي ﷺ فيما يَرويه عن ربِّه أنه قال: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك؛ مَنْ عَمِل عملًا أَشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه» (١).
فإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان.
وهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (٢)، فأصلُ الدِّين وقاعدته يتضمن أن يكون اللهُ هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله: ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.
стр. 73
والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو؛ فتَخلو القلوب عن محبة ما سواه بِمَحَبَّته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (١).
فإذا كان أصلُ العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمثال هذا.
والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يُحَبُّ لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فبَيَّن- سبحانه- أنَّ المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا وإن كانوا يُحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشدُّ حُبًّا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأنَّ المؤمنين أعلم بالله، والحب يَتبع العِلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حُبِّهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعضَ حُبِّهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل؛ قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
стр. 74
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإنَّ المؤمن يحب الله ويحب رُسلَه وأنبياءه وعبادَه المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقُّها غيرُه. ولهذا جاءت محبة الله مَقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتُّل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله .
وكما أنَّ محبته هي أصلُ الدِّين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (١).
وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ؛ فالحق الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ: هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخَلَقَ الجَنَّةَ والنارَ (٢).
وقد بين الله أنه قد خلقَ الناس للابتلاء؛ فقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وهُو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فأخبر جل وعلا في هذه الآيات أنَّ خلق العالم والموت والحياة وتَزَيُّنَ الأرض بما عليها: أنه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أحسن عملًا، فيكون عمله موافقًا لمحابِّ الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خُلِق هو لها وخلق لأجلها العالَم، وهي عبوديته
стр. 75
المتضمنة لمحبَّته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقَدَّر سبحانه مقادير تُخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقَه بين أَمْرِه وقَدَرِه؛ ليَبلوهم أيُّهم أحسن عملًا.
فانقسم الخلق في هذا الابتلاء إلى فريقين:
الفريق الأول: داروا مع أوامره ومحابِّه، ووقفوا حيث وَقف بهم الأمر، وتحَرَّكوا حيث حَرَّكهم الأمر، واستعملوا الأمرَ في القَدَر، وركبوا سفينةَ الأمر في بحر القَدَر، وحَكَّموا الأمرَ على القَدَر، ونازعوا القَدَرَ بالقَدَرِ؛ امتثالًا لأمره واتِّباعًا لمرضاته؛ فهؤلاء هم النَّاجون.
والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقَدَر، وبين ما يُحِبُّه ويَرضاه وبين ما قَدَّره وقَضَاه، فهؤلاء هم المُفَرِّطون (١).
وحقيقة المحبة: حركة نفس المُحِبِّ إلى محبوبه، فالمحبة حَركة بلا سكون؛ فالحبُّ يُوجب حركة النفس وشِدَّة طلبها، والنَّفس خُلِقت مُتحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكلُّ مَنْ أَجَلَّ شيئًا من الأشياء وَجَدَ في حُبِّه لذَّة ورَوْحًا، فإذا خلا عن الحب مطلقًا تعطَّلَت النفس عن حركتها وثَقلت وكَسلت وفارقها خِفَّةُ النَّشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس همًّا وغَمًّا وحُزنًا، ليس لهم فَرح ولا سرور، بخلاف أرباب النَّشاط والجِدِّ في العمل أيِّ عملٍ كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبِّه ونشاطهم فيه أقوى.
وإنَّه ليس للقلب والروح ألذُّ ولا أطيبُ ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقُرَّة العَين به، والأنس بِقُربه،
стр. 76
والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإنَّ مِثقال ذَرَّة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لَذَّات الدنيا، ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يُخَلِّص من الخلود في دار الآلام؛ فكيف بالإيمانِ الذي يَمنع من دخولها؟! (١).
ولهذا كان أعظم صلاح للعبد: أن يَصرف قُوى حبِّه كلها لله تعالى وحده؛ بحيث يحب اللهَ بكل قلبه ورُوحه وجوارحه، فليس لقلب العبد صلاح ولا نعيم إلَّا بأن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما، وأن تَكون محبَّتُه لغير الله تابعةً لمحبة الله، فلا يُحب إلا لله؛ كما في الحديث الصَّحيح: «ثلاث مَنْ كن فيه وَجَد بهن حَلاوة الإيمان: مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، ومَن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلا لله، ومَن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يَكره أن يُلقى في النَّارِ» (٢)، فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلَّا بأن يكون اللهُ أحبَّ إليه مما سواه، ومحبة الرسول هي من محبته، ومحبة المرء- إن كانت لله- فهي من محبة الله، وإن كانت لغير الله فهي مُنقصة لمحبة الله مُضعفة لها، وتَصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه- وهو الكفر- بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد.
ولا ريب أنَّ هذا من أعظم المحبة؛ فإنَّ الإنسان لا يُقَدِّم على محبة نفسه وحياته شيئًا، فإذا قَدَّم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خُيِّر بين الكفر وإلقائه في النَّار لاختار أن يُلقى في النار ولا يكفر
стр. 77
- كان اللهُ أحبَّ إليه من نفسه؛ فالحديثُ دلَّ على أن حلاوة الإيمان تَتْبَع كمالَ محبة العبد لله، وهذه الحلاوة لا تحصل إلا بثلاثة أمور: (تكميل هذه المحبة. تفريعها. دفع ضدها).
١ - «فتكميلها»: أن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما، فإن محبة الله ورسوله لا يُكتفى فيها بأصل الحب، بل لابد أن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما.
٢ - و «تفريعها»: أن يحب المرءَ لا يحبُّه إلا لله.
٣ - و «دفع ضدها»: أن يكره ضد الإيمان- وهو الكفر- أعظم من كراهته الإلقاء في النار (١).
وهذه المحبة هي فوق ما يَجِدُه سائرُ العُشَّاق والمحبين من محبة محبوبهم، بل لا نظيرَ لهذه المحبة كما لا مَثِيل لِمَنْ تَعَلَّقت به.
وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتَقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبَّة المخلوق كائنًا مَنْ كان.
ولهذا مَنْ أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركًا شركًا لا يَغفره الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًّا لله مِنْ أهل الأنداد لأندادهم، كما تقدم بيانُه: أن محبة المؤمنين لربهم لا يُماثلها محبة مخلوق أصلًا، كما لا يُماثل محبوبهم غيره، وكل أذى
стр. 78
في محبَّة غيره فهو نَعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قُرَّة عين في محبته (١).
وكثير مِنْ الناس يَدَّعي محبة الله تعالى من غير تحقيق لموجباتها؛ وروي عن الحسن من طرق؛ قال: «قال أقوامٌ على عهد رسول الله ﷺ : واللهِ يا محمد، إنَّا لَنُحِبُّ ربَّنا! فأنزل اللهُ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فجعلَ اللهُ اتِّباعَ نبِيِّه محمدٍ ﷺ عَلَمًا لحُبِّه، وعذاب مَنْ خالَفَه» (٢)، وقال الإمام ابنُ كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «أي: يحصل لكم فوق ما طَلبتم من محبَّتكم إيَّاه، وهو محبَّتُه إيَّاكم، وهو أعظمُ من الأول» (٣).
هذا لأنَّ الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول ﷺ يَدعو إليه، وليس شيء يدعو إليه الرسول ﷺ إلَّا والله يحبُّه، فصار محبوبُ الرَّبِّ ومَدْعُو الرَّسول متلازمين، بل هذا هو هذا في ذاته وإن تنوَّعت الصفات.
فكل مَنْ ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول ﷺ فقد كَذَب، وليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهي محبة شِرك، فإنما يَتَّبع ما يهواه؛ كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يُحبوا إلا ما أحب؛ فكانوا يتبعون الرسول ﷺ ، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبِّه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين.
стр. 79
وهكذا أهلُ البدع؛ فمَن قال: إنَّه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول ﷺ والعمل بما أمر به، وترك ما نهى عنه، فمحبته فيها شَوْبٌ من محبة المشركين واليهود والنصارى بحسب ما فيه من البدع، فإن البدع ليست مما دعا إليه الرسول ولا يُحبها الله، فإن الرسول ﷺ دعا إلى كلِّ ما يحبه الله، فأمر بكلِّ مَعروف ونهى عن كل منكر (١).
فمحبة الله ورسوله وعِباده المُتَّقِين تَقتضي فِعل محبوباته وترك مكروهاته، والناس يتفاضلون في هذا تفاضلًا عظيمًا؛ فمَن كان أعظم نصيبًا من ذلك كان أعظم درجة عند الله، ومَن كان أقل نصيبًا كان ذلك سببًا في نزول درجته ومنزلته.
وأمَّا مَنْ كان غير مُتَّبع لسبيل النبي ﷺ ، فكيف يكون محبًّا لله ؟! (٢)، ومعلوم أنه لا يَتم الإيمان والمحبة لله إلا بتصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر (٣).
فلابد لمحبِّ الله مِنْ متابعة الرسول ﷺ ، والمجاهدة في سبيل الله، بل هذا لازم لكل مؤمن؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]؛ فهذا حبُّ المؤمن لله.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ
стр. 80
بِأَمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]؛ فأخبر أنَّ مَنْ كانت محبوباته أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله فهو من أهل الوعيد.
وقال في الذين يُحبهم ويحبونه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
فمن تمام محبة الله ورسوله ﷺ : بُغض مَنْ حَادَّ الله ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيله؛ لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَولَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ ومَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوةُ والبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومَن معه؛ حيث أَبْدَوا العداوة والبغضاء لمن أشرك حتى يُؤمنوا بالله وحده (١).
وثَبات المحبة إنما يكون بمتابعة الرسول ﷺ في أعماله وأقواله وأخلاقه، فبحسب هذا الاتباع يكون مَنشأ هذه المحبة وثباتها
стр. 81
وقُوَّتها، وبحسب نقصانه يكون نقصانها.
وهذا الاتباع يُوجب المحبة والمحبوبية معًا، ولا يتم الأمر إلا بهما، كما قال بعض الحكماء العلماء: «ليس الشأنُ أن تُحِبَّ، إنَّما الشأنُ أن تُحَبَّ» (١)، أي: في أن يُحِبَّك الله، ولا يحبك الله إلا إذا اتَّبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصَدَّقتَه خبرًا، وأطعته أمرًا، وأجبتَه دعوة، وآثرته طوعًا، وفَنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته، وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم يكن ذلك فلا تَتَعَنَّ، وارجع مِنْ حيث شئتَ؛ فالتمس نورًا فلستَ على شيء (٢).
ومحبة الله ورسوله ﷺ على درجتين:
الدرجة الواجبة، وهي درجة المقتصدين.
الدرجة المُستحبة، وهي درجة السَّابقين.
فمحبة المقتصدين (الواجبة): تقتضي أن يكون اللهُ ورسولُه ﷺ أحبَّ إليه مما سواهما، بحيث لا يحبُّ شيئًا يُبغضه؛ كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبُغض ما حَرَّمه الله تعالى، وذلك واجبٌ، فإنَّ إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه الله، كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها، وذلك مُستلزم لبُغضها التام.
فيجب على كلِّ مؤمن أن يُحبَّ ما أحبَّه اللهُ، ويُبغض ما أبغضه اللهُ؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ
стр. 82
إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ومِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَه﴾ [الرعد: ٣٦].
وأما محبة السَّابقين (المُستحبة): بأن يُحب ما أحبَّه الله من النوافل والفضائل محبَّة تامَّة، وهذه حال المُقَرَّبين الذين قَرَّبهم الله إليه.
فإذا كانت محبة الله ورسوله الواجبة تَقتضي بغضَ ما أبغضه الله ورسوله، كما في سائر أنواع المحبة، فإنها تُوجب بُغض الضد (١).
* * *
стр. 83
قال المصنف ﵀: «فجنس المحبَّة يكون لله ولِرَسُولِهِ كالطاعة، فَإِنْ الطَّاعَة لله ولِرَسُولِهِ والإرضاء لله ولِرَسُولِهِ: ﴿والله ورَسُوله أَحَق أَنْ يرضوه﴾ [التوبة: ٦٢]، والإيتاء لله ولِرَسُولِهِ: ﴿ولَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله ورَسُوله﴾ [التوبة: ٥٩].
وأمَّا العبادة وما يُناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك، فلا تكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَنْ لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِنْ توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ [آل عمرَان: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التوبة: ٥٩]؛ فالإيتاء لله والرسول، كقوله: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، وأما الحسب- وهو الكافي- فهو الله وحده، كما قال تعالى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنْ النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ [آل عمرَان: ١٧٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، أَي: حَسبك وَحسبُ مَنْ اتَّبعك من المؤمنِينَ: اللهُ، وَمن ظنَّ أَنْ المعنى: حَسبك الله والمؤمنون مَعَه، فقد غلط غَلطًا فَاحِشًا، كَمَا قد بسطناه فِي غير هَذَا الْمَوْضع، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ [الزمر: ٣٦]».
قرن الله جل وعلا بينه وبين نبيِّه ﷺ في وجوب المحبة؛ فقال:
стр. 84
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وفي التوعد على الأذى؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وفي وجوب الطاعة وترتُّب الأجر العظيم عليها، وفي التحذير من المعصية وترتب العقاب الشديد عليها، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣، ١٤].
وفي الأحقية بالرِّضا؛ فقال سبحانه: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
فهذا ونحوه هو ما يستحقه رسول الله- بأبي هو وأمي ونفسي ﷺ .
وأمَّا العبادة وما يُناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك، فهي لله تعالى وحده لا شريكَ له لا ينبغي لأحد أن ينازعه فيها أو أن يصرفها لغيره؛ قال ﷻ : ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
وقد جمع بين العبادة والتوكل في مواضع، كما في قوله جل وعلا: ﴿فَاعْبُدْهُ وتَوكَّل عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقوله: ﴿وتَوكَّل عَلَى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨].
والدعاء يجب أن يكون لله وحده؛ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة، قال تعالى: ﴿وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ولا
стр. 85
أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨ - ٢٠].
وتوحيد الله وإخلاص الدِّين له في عبادته والاستعانة به كثير جدًّا في القرآن، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره؛ كما قال النبي ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله» (١)، وقال ﷺ : «مَنْ كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٢).
وهو قلب الدِّين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له.
فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك- من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار- كل هذا لله وحده لا شريك له.
فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله ربُّ العالمين لا إله إلا هو، ولا ربَّ لنا غيره، لا مَلِكَ ولا نَبِيَّ ولا غيره؛ يقول سماحةُ الشيخ ابن باز ﵀: «الشرك: هو تشريك غير الله مع الله في العبادة؛ كأن يدعو الأصنام أو غيرها، أو يَستغيث بها، أو يَنذر لها، أو يصلي لها، أو يصوم لها، أو يذبح لها» (٣).
فأعظم الذنوب: الإشراك بالله؛ بأن تجعل له ندًّا وهو خلقك، فقد سأل رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تَدْعُوَ لله ندًّا وهو خَلَقك». قال: ثم أي؟ قال: «ثُمَّ أن تقتل ولدك خشية أن يَطعم معك». قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن
стр. 86
تُزاني بحليلة جارك»؛ فأنزل الله تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]» (١).
والشرك: أن تجعل لغير الله شِرْكًا- أي: نصيبًا- في عبادتك وتوكُّلِك واستعانتك، قال ﷻ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢، ٣].
وأصناف العبادات- من الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السُّجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام- لا يَصلح أن تُوَجَّه إلا لله وحده.
وكذلك لا يجوز أن يُتنفل بها عن طريق العبادة إلا لله وحده، لا لشمس ولا لقمر ولا لملك ولا لنبي ولا لصالح ولا عند قبر نبي أو صالح، وهذا في جميع مِلل الأنبياء، وقد جاء في شريعتنا النهي عن التنفل- ولو على وجه التحية والإكرام- لأيِّ مخلوق، ولهذا نهى النبي ﷺ معاذًا أن يَسجد له، وقال: «لو كنتُ آمرًا أن يُسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عِظم حقِّه عليها» (٢).
وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة، لا يُتصدق بها إلا لله، كما قال تعالى: ﴿ومَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠، ١٩].
стр. 87
فلا يجوز فِعل ذلك على سبيل العبادة؛ لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبي ولا لصالح، ولا لغيره، كما يفعل بعض السؤال والمعظمين؛ فيقولون: كرامة لفلان وفلان.
وكذلك لا يُحلف بالأنبياء ولا بآل البيت ولا الصحابة ولا بالصَّالحين، أو بغير الصالحين، ولا بغير البشر؛ فعن سعد بن عبيدة، قال: سمع ابنُ عمر رجلًا يحلف: لا والكعبة، فقال له ابنُ عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بغير الله فقد أشركَ» (١).
وكذلك النذر من العبادة؛ فلا يجوز صرفه لغير الله؛ يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: «إنَّ الله تعالى مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو مُستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة؛ فمَن فعل ذلك لغير الله متقربًا إليه، فقد أشرك» (٢).
وكذلك الحج إلى بيت الله الحرام؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]؛ فلا يُحج إلا إلى بيت الله الخحرام بمكة؛ ولا يُطاف إلا به، ولا تُفعل مناسك الحج والعمرة المختلفة إلا عنده، كما بينها النبي ﷺ ، وعليه فلا يجوز فعل شيء من هذا بقبر نبيٍّ ولا صالح، ولا بوثن ولا غيره؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
стр. 88
وكذلك الصيام؛ لا يُصام إلا عبادة لله؛ فلا يُصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك.
وقد بَيَّن سماحة الشيخ ابن باز- ﵀ نَوْعي الشرك، وضرب لهما أمثلة، وأقام عليهما أدلة، ومن ذلك قوله: «ضد التوحيد: الشرك، وهو نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر؛ فالشرك الأكبر: هو ما يتضمن صرف العبادة لغير الله أو بعضها؛ كدعاء الأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم، أو يتضمن استحلال ما حَرَّم الله، أو إسقاط ما أوجب الله؛ كاعتقاد أن الصلاة لا تجب، أو الصوم لا يجب، أو الحج مع الاستطاعة لا يجب، أو الزكاة لا تجب، أو اعتقاد أنَّ مثل هذا غير مشروع مطلقًا، كان هذا كفرًا أكبر، وشركًا أكبر؛ لأنه يتضمن تكذيب الله ورسوله ﷺ .
والنوع الثاني: الشرك الأصغر، وهو ما ثبت بالنصوص تسميته شركًا، لكنه لم يَبلغ درجة الشرك الأكبر، فهذا يُسَمَّى شركًا أصغر؛ مثل: الرياء والسمعة؛ كمن يقرأ يرائي، أو يُصلي يرائي، أو يدعو إلى الله يرائي، ونحو ذلك؛ فقد ثبت في الحديث أنَّه ﷺ قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»؛ فسئل عنه فقال: «الرياء»؛ يقول الله يوم القيامة للمُرائين: «اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا فانظروا؛ هل تجدون عندهم من جزاء؟»، رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن محمود بن لبيد الأشهلي الأنصاري ? (١).
ومن ذلك قول العبد: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان، أو هذا من الله ومن فلان.
стр. 89
هذا كله من الشرك الأصغر، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد صحيح عن حذيفة ?، عن النبي ﷺ أنَّه قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان. ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» (١).
ومن هذا: ما رواه النسائي عن قتيلة: «أنَّ اليهود قالوا لأصحاب النبي ﷺ : إنَّكم تُشركون تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبةِ؛ فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يَحلفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة. وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد» (٢)، وفي رواية للنسائي- أيضًا- عن ابن عباس ﵄ «أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، ما شاء اللهُ وشئتَ. فقال: «أجعلتني للهِ نِدًّا، ما شاء الله وحده» (٣)، ومن ذلك ما ثبت عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] قال: «هو الشرك في هذه الأمة أَخفى مِنْ دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كُلَيْبَةُ هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطُّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وقول: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانًا. فإن هذا كله به شرك». رواه ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن (٤).
فهذا وأشباهه من جنس الشرك الأصغر. وهكذا الحلف بغير
стр. 90
الله؛ كالحلف بالكعبة، والأنبياء والأمانة وحياة فلان، وبشرف فلان ونحو ذلك، فهذا من الشرك الأصغر؛ لما ثبت في «المسند» بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب ? عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ حلفَ بشيء دون الله فقد أشرك» (١).
فاتضح بهذا أن الشرك شركان: أكبر، وأصغر، وكل منهما يكون خفيًّا؛ كشرك المنافقين .. وهو أكبر، ويكون خفيًّا أصغر؛ كالذي يقوم يرائي في صلاته أو صَدقته أو دعائه لله، أو دعوته إلى الله أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر أو نحو ذلك.
فالواجب على كل مؤمن: أن يحذر ذلك، وأن يبتعد عن هذه الأنواع، ولا سيما الشرك الأكبر، فإنَّه أعظم ذنبٍ عُصي الله به، وأعظم جريمة وقع فيها الخلق، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقال فيه سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال فيه سبحانه أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
فمن مات عليه فهو من أهل النار جزمًا، والجنة عليه حرام، وهو مخلد في النار أبد الآباد؛ نعوذ بالله من ذلك.
أما الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، وصاحبه على خطر عظيم، لكن قد يُمحى عن صاحبه برجحان الحسنات، وقد يُعاقب عليه ببعض العقوبات؛ لكن لا يُخَلَّد في النار خُلود الكفار، فليس هو مما يُوجب الخلود في النار، وليس مما يحبط الأعمال، ولكن يحبط العمل الذي قارنه.
стр. 91
فالشرك الأصغر يحبط العمل المقارن له؛ كمن يُصلي يُرائي فلا أجر له، بل عليه إثم، وهكذا مَنْ قرأ يرائي فلا أجر له. بل عليه إثم، بخلاف الشرك الأكبر والكفر الأكبر؛ فإنهما يُحبطان جميع الأعمال؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
فالواجب على الرجال والنساء، وعلى العالم والمتعلم، وعلى كل مسلم: أن يعنى بهذا الأمر ويَتبصر فيه، حتى يعلم حقيقة التوحيد بأنواعه، وحتى يعلم حقيقة الشرك بنوعيه: الأكبر والأصغر، وحتى يبادر بالتوبة الصادقة مما قد يقع منه من الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، وحتى يلزم التوحيد، ويستقيم عليه، وحتى يستمر في طاعة الله، وأداء حقه، فإن التوحيد له حقوق؛ وهي أداء الفرائض، وترك المناهي، فلا بد مع التوحيد من أداء الفرائض وترك المناهي، ولا بد- أيضًا- من ترك الإشراك كله: صغيره وكبيره.
فالشرك الأكبر ينافي التوحيد، وينافي الإسلام كليًّا. والشرك الأصغر يُنافي كماله الواجب، فلا بد من ترك هذا وهذا.
فعلينا جميعًا أن نُعنى بهذا الأمر، ونتفقه فيه، ونُبَلِّغه للناس بكل عناية وبكل إيضاح؛ حتى يكون المسلم على بَيِّنة من هذه الأمور العظيمة» (١).
* * *
وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر الَّتي مَنْ اكْتفى بهَا وَلم يَتَّبع الْحَقَائِق الدِّينِيَّة كَانَ مِنْ أَتبَاع إِبْلِيس اللعين والكافرين بِرَبِّ الْعَالمين، وَمن اكْتفى فِيهَا بِبَعْض الْأُمُور دون بعضٍ أَوْ فِي مقَام دون مقَام أَوْ حَال دون حَال نقص من إيمَانه وولايته لله بِحَسب مَا نقص من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة».
أراد شيخ الإسلام هنا أن يُقَسِّم العبودية إلى قسمين: القسم الأول: العبودية الاضطرارية. والقسم الثاني: العبودية الاختيارية.
وذلك أنَّ العبد قد يُطلق ويراد به المُعَبَّد، وقد يطلق ويراد به العابد، فإذا أُطلق وأريد به المُعَبَّد، فإن العبودية تكون حينئذ بمعنى: الخلق، وبمعنى الإيجاد والربوبية، وهذا النوع يُطلق عليه (العبودية الاضطرارية)، وهي عبودية الذل والخضوع لله قهرًا واضطرارًا، وليس اختيارًا من الإنسان، وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله ، فكل المخلوقات من الإنسن والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله بهذا الاعتبار.
حتى الكفار فهم عابدون لله اضطرارًا، أي: خاضعون وذليلون له، وهم في خضوعهم وذلهم هذا ليسوا مختارين، وإنما هم مضطرون إلى ذلك.
وهذه العبودية الاضطرارية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله ، أي: أنه رب كل شيء، وأنه خالق كل شيء.
وهذه العبودية الاضطرارية لا تُفَرِّق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير الإنسان بها مؤمنًا.
стр. 96
ومشركو مكة مقرون بهذه العبودية الاضطرارية؛ فإنهم كانوا يَعترفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ومع ذلك كانوا يشركون في عبادتهم معه غيره؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ مَنْ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ [لقمان: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تُسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
ومع ذلك لم تنفعهم هذه العبودية وحدها، ولهذا يقول الله عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]؛ فأثبت لهم إيمانًا، لكن هذا الإيمان لم يَنفعهم وحده، بل لا بد أن يُضاف إليه إيمان آخر، وهو عبودية الله مختارين منقادين لأوامره الشرعية.
قال شيخ الإسلام: «ومعلوم أنَّ المشركين من العرب الذين بُعِث إليهم محمدٌ ﷺ لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: في توحيد الربوبية]، وهم مع هذا مشركون» (١).
ولهذا جاء عن بعض السلف أنه سمى الإقرار بالربوبية فقط دون الإلهية: إيمان المشركين، وذلك أن الإقرار بالربوبية والإقرار بالعبودية الاضطرارية من الإيمان، لكن ليس هو كل الإيمان، وليس هو الإيمان الذي ينجي الإنسان يوم القيامة، وليس هو الإيمان الذي يُدخل الإنسان الجنة، ويجعله يخرج من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، بل لابد من الإتيان بالعبودية الاختيارية التي سيأتي الكلام عنها.
стр. 97
وهذه العبودية الاضطرارية (الجبرية) هي التي جاءت في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] يعني: إلا سيأتي إلى الله وهو خاضع مُقر، ولن يستطيع الهرب يوم القيامة.
ثم قال شيخ الإسلام: «وَكثير مِمَّنْ يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها، لَا يَشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة، وَهِي الحَقِيقَة الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمنُ وَالْكَافِرَ وَالْبَرُّ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار؛ قَالَ إِبْلِيس: ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [ص: ٧٩]».
فهذه العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها، فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد، ويفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية، مع أنه يشترك في معرفتها وشهودها المؤمن والكافر والبر والفاجر، حتى إبليس- الشيطان الرجيم- مُعترف بهذه الحقيقة؛ حيث قال إبليس فيما قصَّه الله في كتابه عنه: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]، فهو مقر بالربوبية، ولكنه لما استكبر عن تنفيذ الأمر ما نفعه هذا الإقرار؛ فكفر، وتوعده الله بالعذاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
وكذلك أهل النار قَالُوا: ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ [١٠٦ المؤمنون: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الأنعام: ٣٠]، فهم معترفون بربوبية الله تعالى، ولكنهم لم يقوموا بعبودية الألوهية (الاختيارية).
لذلك كان الاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر قد
стр. 98
فُطر الناس عليه.
وأما النوع الآخر وهو (العبودية الاختيارية)؛ فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار وإرادة، ولو شاء لتركها.
وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله بالأمر والنهي؛ فهؤلاء هم الذين يعبدون الله ، وهم المختارون لهذه العبادة عن رضا وطواعية.
ومن أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ وقد قص القرآن أن جميع الرسل قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، أي: هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، ولا يَقبل أن تُشركوا معه غيره فيها.
فهي التي يسمى بها الإنسان مؤمنًا، وبها ينجو من عذاب الآخرة، ويفوز بالنعيم في الجنة.
قال ابنُ أبي العِزِّ الحنفي ﵀: «وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كَذَّبوا الرسل. كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة الرهط الذين تَقاسموا بالله، أي: تحالفوا بالله؛ لنَبيتنَّه وأهله. فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله على قَتل نَبِيِّهم وأهلِه، وهذا بَيِّنٌ أنَّهم كانوا مؤمنين بالله إيمانَ المشركين.
فَعُلِم أنَّ التوحيدَ المطلوبَ هو توحيدُ الإلهيَّةِ، الذي يتضمن توحيد الربوبية؛ قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: ٣٠]» (١)
стр. 99
وعلى العبد ألا يخلط بين (الإرادة الكونية القدريَّة) وبين (الإرادة الدِّينية الشرعية).
فالإرادة الكونية القدريَّة: هي ما يقع في الكون بقدر الله وتدبيره. ويشترك في شهودها البَر والفاجر.
وأمَّا الإرادة الدِّينية الشرعية: فهي ما شرعه وأمر به سبحانه، ورضيه وأحبَّه من عباده.
وعدم التفريق بين هذين النوعين جَرَّ طوائف إلى الوقوع في أنواع الإلحاد والكفر؛ يقول شيخ الإسلام ﵀ هنا: «فَمن وَقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها، وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ مِنْ الحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله، كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار.
فَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أَنَّه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سَقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهي الشَّرعيان، كَانَ مِنْ أشر أهل الكفر والإلحاد».
فبعضُ الصوفية وبعضُ أهل الكلام قد فَسَّروا (لا إله إلا الله) بأنه لا خالق إلا الله.
ويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة، ويفرقون بين العامة والخاصة، وخلاصة قولهم: أنهم يرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا.
ووصفهم للمسلمين بأنهم (العامة) وصف انتقاص؛ لأنهم يقولون: إنهم الذين لم يصلوا إلى شهود الحقيقة الكونية، وهي- عندهم- أن يعلم أن الإنسان لا صفات له ولا أفعال له، وإنما
стр. 100
الفاعل على الحقيقة هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله؛ مثل الإناء عندما يكون محلًّا للماء، وكالريشة التي يحركها الهواء، يعني: ليس فاعلًا فعلًا اختياريًّا، وإنما الله هو الذي يحركه، والإنسان مسلوب الإرادة، مجبور على فعله.
ويترتب على هذا القول: أن القول الذي يقوله الإنسانُ ليس قولَه؛ بل هو قولُ الله، وأنَّ الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعلَه، وإنما هو فعلُ الله.
ويترتب على هذا أيضًا: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تَسقط عنه التكاليف؛ لأنه لا فِعل له؛ فالتكليف يحصل عندما يكون للإنسان فِعل، ثم يحاسب على هذا الفعل، ولكن إذا لم يكن له فعل؛ فكيف يحاسب عليه؟ وكيف يجازى على فعله مع أنه ليس هو فاعله حقيقة؟ وإنما الفعل الذي فيه هو فِعل الله؛ لذلك أسقطوا التكاليف الشرعية.
وهذا- لا شكَّ- قولٌ في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي تَصدر عنهم من كفر أو فسق- هي فعل الله؛ فجَرَّدوا الإنسان من إرادته.
مع أنَّ هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعيشه، وهو أنَّ له إرادة وله عمل، وهو محاسب على إرادته وعمله، بالإضافة إلى النصوص المتوافرة من الكتاب والسنة المثبتة للإنسان إرادة ومشيئة واختيارًا وسعيًا وكسبًا.
* * *
стр. 101
قال المصنف ﵀: «وهذا مقامٌ عظيم فيه غلط الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين حتَّى زَلِقَ فيه من أكابر الشيوخ- المُدَّعين للتحقيق والتوحيد والعرفان- ما لا يُحصيهم إلا الله الذي يَعلم السِّرَّ والإعلان».
يشير المصنفُ بهذا إلى بعض كبار شيوخ المتصوفة المُدَّعين للتحقيق والتوحيد والعرفان؛ إذ وقع هؤلاء في هذا المزلق الخطير، وهو إقصاؤهم للأمور الشرعية، وتركيزهم على الحقائق الكونية القدرية، وإن كان نظرهم كذلك هو نظر الجبرية.
فالصوفية والجبرية يتكلمون بلسان واحد في باب القَدَر، فإذا ذكر الصوفية في هذه المسائل فاعلم أنَّهم جبرية؛ فهم والجهمية في خندق واحد، مع تعطيلهم لباب الحقائق الدينية، ومع تعطيلهم للأوامر والنواهي، فما أراده الجَهْمُ (١) - وهو أول مَنْ برز بعد الجعد (٢)
стр. 102
في مسائل الكلام- أراد هؤلاء أن يحققوه، فالهدف عندهم واحد، والطريق واحد، والمؤدَّى واحد، فانظر كيف يلتقي أهل الباطل مع بعضهم في هذه المسائل. ولذلك قال المصنف: «ما لا يُحصيهم إلا الله الذي يعلم السرَّ والإعلان».
* * *
стр. 103
قال المصنف: «وإلى هذا أشار الشيخُ عبد القادر- ﵀ فيما ذُكر عنه، فبيَّن أن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أنا، فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل مَنْ يكون منازعًا للقدر، لا من يكون موافقا للقدر».
أشار المصنف هنا إلى ما ذُكر عن الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ (١) من أن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وهذا على نهج الجهمية من أن العبد مجبور، ولكنه يقول: إن الله نجاني من هذه النظرة الخاطئة، وانفتحت لي فيه روزنة- أي: نافذة- فنازعت أقدار الحق بالحق للحقِّ، يعني: أن الله وضع الأسباب، والأمر قَدَر الله .
стр. 104
ولذلك قال شيخ الإسلام بعد مقالة الشيخ عبد القادر هذه في «مجموع الفتاوى»: «وهو ? كان يُعَظِّم الأمر والنهي، ويُوصي باتِّباع ذلك، ويَنهى عن الاحتجاج بالقَدَر» (١).
والتصوف قديمًا كان مرادفًا- عندهم- للزُّهد، أي: التقلل من الدنيا مع طول العبادة؛ قال شيخ الإسلام: «وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء: مثل الجُنَيد بن محمد وأتباعه، ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله؛ فهؤلاء من أعظم الناس لزومًا للأمر والنهي، وتوصية باتِّباع ذلك، وتحذيرًا من المشي مع القَدَر، كما مشى أصحابُهم أولئك» (٢).
ثم بَيَّن- ﵀ الفارقَ بين طريقة السلف ومنهم الشيخ عبد القادر الجيلاني، وطريقة من حادوا عن طريق الحق فزَلُّوا وضَلُّوا وأَضَلُّوا؛ فقال: «والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحظور والصبر على المَقدور، ولا يُثبت طريقًا تخالف ذلك أصلًا، لا هو ولا عامة المشايخ المَقبولين عند المسلمين، ويُحذر عن ملاحظة القَدَر المحض بدون اتباع الأمر والنهي، كما أصاب أولئك الصوفية الذين شهدوا القَدَرَ وتوحيدَ الربوبية، وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي المحمدي؛ الذي يُفَرِّق بين محبوب الحقِّ ومكروهه، ويُثبت أنه لا إله إلا هو. وهذا من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك؛ فإنَّ كثيرًا من المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل، وإنما يَعرف هذا مَنْ توجَّه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمور، وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة، فإن لم يكن
стр. 105
معه نور الإيمان والقرآن الذي يحصل به الفرقان حتى يشهد الإلهية التي تُميز بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه الله وما يبغضه وبين ما أمر به الرسول وبين ما نهى عنه، وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خروجه عن هذا؛ فإن الربوبية العامَّة قد أقرَّ بها المشركون الذين قال فيهم: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦]. وإنما يصير الرجل مسلمًا حنيفًا موحدًا إذا شهد: أن لا إله إلا الله. فعبد الله وحده بحيث لا يُشرك معه أحدًا في تألهه ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه وإسلامه له ودعائه له والتوكل عليه وموالاته فيه ومعاداته فيه؛ ومحبته ما يحب؛ وبغضه ما يُبغض، ويَفنى بحقِّ التوحيد عن باطل الشرك؛ وهذا فناء يُقارنه البقاء؛ فيَفنى عن تأله ما سوى الله بتأله الله تحقيقًا لقوله: لا إله إلا الله؛ فيَنفي ويُفني من قلبه تألُّه ما سواه؛ ويُثبت ويُبقي في قلبه تألُّه الله وحده» (١).
ومعلوم أن مراتب القدر أربعة هي: (العلم والكتابة والخلق والمشيئة)، ومِن قدر الله أن وضع للأمور أسبابًا تقوم بها، فالإنسان لا يمكن أن يكون له ولد بدون زواج، وهكذا لا يمكن أن يكون له رزق إلا بسبب، حتى الطير؛ لا بد لها أن تغدو على رزقها لتحصِّله. فهذه أسباب وضعها الله ، وهكذا حتى في الأعمال الشرعية، فالله تعالى هيَّأ لك العقل، وهيأ فيك من الهمة ما يجب أن تقوم بها، وإن كان مع القيام بهذه الأسباب يجب على الإنسان أن يستعين بالله ، وهذا مقام ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، فالعبد يقوم بالطاعة والعمل الصالح؛ لكي ينال رضوان الله ومحبته وجَنَّته، ويستعين بالله تعالى على أداء هذا العمل
стр. 106
الصالح، أمَّا مَنْ يترك أسباب الهداية ويقول: لو شاء الله هدايتي لهداني، ولو شاء أن أقوم للصلاة لقمتُ. فهذا مناف للشرع والعقل، فلا بد للإنسان أن يقوم بأسباب العمل الصالح؛ لأن الله قد ركَّب في الإنسان من المشيئة والإرادة ما هو تَبَع لمشيئته وإرادته جلَّ وعلا، لكن الإنسان يُختبر بهذه الأسباب، فلا يجوز له تعطيلها بأي حال من الأحوال.
وهذا معنى قوله: «نازعت أقدار الحق بالحق»؛ لأن على العبد أن يأخذ بالأسباب الشرعية التي شرعها الله ؛ لكي ينال ما كتبه الله عليه في أمر القَدَر، وقد يناله وقد لا يناله، لكنه مُطالب بأن يأخذ بهذه الأسباب التي أرادها الله .
فإنَّ مِنْ خَلْقِ الله تعالى أن ركَّب للأمور أسبابًا، ومِن خلق الله أن جعل للعبد إرادة ومشيئة، وهذه الإرادة والمشيئة لا تخرج عن إرادته ومشيئته ، فعلى هذا أمر الله تعالى العباد واختبرهم وابتلاهم؛ فمنهم مَنْ أطاع- بمعنى: أنه أخذ بأسباب السعادة وقام بهذه الأسباب، وطلبها من الله تعالى؛ فأعانه عليها- ومنهم مَنْ حُرم مِنْ هذا.
والفضل مِنْ قبل ومن بَعد لله الذي هيَّأ للعبد هذه الأسباب من جهة، والذي أعانه على هذه الأمور من جهة، فعلى العبد أن يُوازن بين هذا وهذا، وعلى هذا المفهوم يُفَسَّر قول الشيخ عبد القادر هنا، ولا يفهم من قوله: «فنازعت أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ، والرجل مَنْ يكون منازعًا للقَدَر»: أنها منازعة لذات الله ، فالله قد أمر العبد وخَلق له إرادة، كما قال: ﴿إنَّا هديناه السبيلا إما شاكرا وإما كفورا﴾ [الإنسان: ٣]؛ فهداه السبيل وركَّب فيه من أسباب الهداية ما
стр. 107
ركَّب، وشاء أن يمتحنه؛ فإما أن يقوم بالطاعة أو يقوم بالمعصية، وكلا العبدين قد أوتي من القوة والصحة والأسباب ما يُعينه على فعل ما أراد، لكن هذا أعان على نفسه فاتَّبع أسباب الهداية فسار عليها، وذاك حَرَم نفسه فَوُكِل إليها، فالعبد بالتالي في حال جهاد مع نفسه، وفي حال مجاهدة مع قَدَر الله ؛ لأنه لا يعلم ما خاتمته التي يموت عليها، ولكنه يعلم أن الله تعالى قد جعل للجنة أسبابًا، وأمره بالأخذ بهذه الأسباب، فسبب دخول الجنة: الاستقامة على أوامر الله ، ولذلك ذكر العلماء أن الباء في قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] هي باء السبب، وليست باء المقابلة والعِوض، فالجنة ليست ثمنًا لعمل العبد؛ قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: «﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] أي: بعملهم، أو بالذي كانوا يعملونه لأن (ما) في قوله: ﴿بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧] يصح أن تكون مصدرية، ويصح أن تكون اسمًا موصولًا، والباء هنا للسببية» (١).
وقال لأهل النار: ﴿جزاء وفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، فكلٌّ يجازيه الله بحسب عمله.
ومدار الثواب والعقاب على العمل؛ فعن أبي هريرة ?، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٢).
فعلى الإنسان أن يحقق أسباب السعادة ونيل رضوان الله ، فالجنة لا تحصل بالجسم ولا بالمال ولا بالحسب والنسب؛ فعن أبي هريرة ?، قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وأنذر
стр. 108
عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مَناف، لا أُغني عنكم مِنْ الله شيئًا، يا عبَّاس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمَّة رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سَلِيني ما شئتِ من مالي؛ لا أُغني عنك من الله شيئًا» (١).
ففاطمة ﵂ مع كونها بنت النبي ﷺ الذي هو أعظم الخلق عند الله ، إلا أن هذا النسب لا يُغني عنها من الله شيئًا، حتى تؤمن وتعمل صالحًا.
فعلى هذا يقصد بهذه المنازعة: أن يسعى العبد لأسباب السعادة؛ ويسأل الله القبول، ويحسن ظنه بالله؛ لأنه سبحانه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، وبعد الإيمان والعمل الصالح يرجو أن يكون من أهل الجنة، ولا يقولَنَّ- مثلًا- أنا على قَدَر الله تعالى؛ فإن شاء هداني وإن لم يشأ لم يهدني. فيترك أسباب نَيل الخير.
والإنسان في الأمور الدنيوية يعلم أنه من غير الممكن أن يترك الأسباب ويحصِّل نتائجها، ومن فعل ذلك سخر الناس منه واستهزءوا به؛ كمن يُريد الولد بلا زواج، وكمن يريد المال بدون عمل.
* * *
стр. 109
قال المصنف ﵀: «والَّذِي ذكره الشَّيْخ ﵀ هُو الَّذِي أَمر اللهُ بِهِ ورَسُولُه، ولَكِنْ كثير من الرِّجَال غَلطوا فِيهِ؛ فَإِنَّهُم قد يَشْهدُونَ مَا يُقَدَّر على أحدهم من المعاصِي والذُّنُوب، أَوْ مَا يُقَدَّر على النَّاس من ذَلِك، بل من الكفْر، ويشْهدُونَ أَنْ هَذَا جَار بِمَشِيئَة الله وقضائه وقدره، دَاخل فِي حكم رُبوبيته ومُقْتَضى مَشِيئَته؛ فيَظنون الاستسلام لذَلِك وموافقته والرِّضَا بِهِ ونَحْو ذَلِك دينًا وطريقًا وعبادَة؛ فيضاهئون المُشْركين الَّذين قَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا ولَا آبَاؤُنَا ولَا حرمنا من شَيْء﴾ [الأنعَام: ١٤٨]، وقَالُوا: ﴿أنطعم مَنْ لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ [يس: ٤٧]، وقَالُوا: ﴿لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم﴾ [الزخرف: ٢٠]، ولَو هُدوا لعلموا أَنَّ القدر أُمرنا أَنْ نَرضى بِهِ، ونَصْبِر على مُوجبه فِي المصائب الَّتِي تُصيبنا؛ كالفقر والمَرَض والخَوْف؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله ومن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ [التغابن: ١١]، قَالَ بعض السّلف: هُو الرجل تصيبه المُصِيبَة فَيعلم أَنَّها من عِنْد الله فيَرضى ويُسَلِّم. وقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض ولَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَنْ نبرأها إِنْ ذَلِك على الله يسير * لكَي لَا تأسوا على مَا فاتكم ولَا تفرحوا بِمَا آتَاكُم﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣].
وفِي «الصَّحِيحَيْن» عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «احْتَجَّ آدمُ ومُوسَى؛ فَقَالَ مُوسَى: أَنْت آدم الَّذِي خَلَّقَك الله بِيَدِهِ، ونفخ فِيك من رُوحه، وأسجد لَك مَلَائكَته، وعَلَّمك أَسمَاء كلِّ شَيْء؛ فلماذا أخرجتنا ونفسَك من الجنَّة؟ فَقَالَ آدم: أَنْت مُوسَى الَّذِي اصطفاك الله بِرِسَالَاتِهِ
стр. 110
وبكلامه؛ فَهَلْ وجدتَ ذَلِك مَكْتُوبًا عَليَّ قبلَ أَنْ أُخلق؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فحَجَّ آدمُ مُوسَى» (١).
وآدَم ﵇ لم يَحْتَجَّ على مُوسَى بِالقَدَرِ؛ ظنًّا أَنْ المذنب يَحْتَج
بِالقدرِ؛ فَإِنْ هَذَا لَا يَقُوله مُسلمٌ ولَا عَاقل، ولَو كَانَ هَذَا عذرًا لَكَانَ عذرًا لإبليس وقوم نوح وقوم هود وكل كَافِر. ولَا مُوسَى لَامَ آدم- أَيْضًا- لأجل الذَّنب، فَإِنَّ آدم قد تَابَ إِلَى ربِّه فاجتباه وهدى، ولَكِن لامه لأجل المُصِيبَة الَّتِي لَحقتهم بالخطيئة. ولِهَذَا قَالَ: فلماذا أخرجتنا ونفسَك من الجنَّة؟ فَأَجَابَهُ آدم: إِنَّ هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا عليَّ قبل أَنْ أُخلق.
فَكَانَ العَمَلُ والمصيبةُ المترتبة عَلَيْهِ مقدَّرًا، ومَا قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام لَهُ، فَإِنَّهُ من تَمام الرِّضَا بِاللَّه رَبًّا.
وأمَّا الذُّنُوب فَلَيْسَ للعَبد أَنْ يُذنب، وإِذا أذْنب فَعَلَيهِ أَنْ يَسْتَغْفر ويَتُوب؛ فيَتوب من صنوف المعايب، ويصبر على المصائب؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فاصبر إِنْ وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾ [غافر: ٥٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقَالَ: ﴿وإِن تصبروا وتتقوا فَإِنْ ذَلِك من عزم الأُمُور﴾ [آل عمرَان: ١٨٦]، وقَالَ يُوسُف ﵇: ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر المُحْسِنِينَ﴾ [يُوسُف: ٩٠]».
سبق أن تقدم أنَّ من المتصوفة مَنْ يرون القول بالجبر، أي: أن العبد مجبور على فعله، ويَرون أنه كالريشة في مَهَبِّ الريح، وأنه لا إرادة ولا قدرة له؛ فيَسلبون قدرة العبد بالكلية، وبهذا يرون أن العبد