قبول الحق، ثم قال: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ [القصص: ٥٠]؛ فغاية الضلال أن يكون الإنسان متبعًا لهواه، فهذا الاتباع للهوى سيضله وسيبعده عن طريق الهدى؛ قال تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣]؛ فالظن هنا إشارة إلى القياس الفاسد، ﴿وما تهوى الأنفس﴾ [النجم: ٢٣]: إشارة إلى اتباع الهوى؛ فالعبد أمامه عدوان: ظن وقياس فاسد، وهوى متبع، فإذا سَلَّمه الله من هذين، وجعل قياسه مبنيًا على كلام الله وكلام رسوله ﷺ فقد نجا، وإذا كان هواه وأمره تابعًا لأوامر الله فقد نجا.
أما إذا ترك شرع الله ، ثم سار وَفْق هوى نفسه؛ فليعلم أنه على مهلكة، وكذلك إذا كان على غير علم بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ؛ فسيستبدل هذا بظنٍّ فاسد، وإذا لم يكن على معرفة بالحق سيستبدل الحق بالباطل.
فحذرنا الله من هذه الحال؛ فلا يُظن أن هذا فقط حكاية وخبر عن الأوائل، وإنما هي أسباب الهلاك في كل زمان.
ولهذا يميل هؤلاء- بسبب الظن الفاسد واتباع الهوى- ويُغرمون بسماع الشعر والأصوات التي تُهَيِّج المحبة المطلقة.
والسماع نوعان: سماع قرآني، وسماع شيطاني.
فإذا نظرت إلى مجالس هؤلاء وموالدهم- تجدهم يستمعون لأشعار فيها من البدع وفيها من الكفر وفيها من الشرك والضلال ما الله به عليم؛ فاستعاضوا واستبدلوا بسماع كلام الله ومدارسته في المساجد- هذا السماع الشيطاني، الذي قد يجتمع معهم فيه النِّسوان والمُردان (١)، فيحدث الاختلاط، ويتبعه أمور منكرة
стр. 177
من شرب للخمور والمخدرات ونحو ذلك.
فهم في ذوق وفي غَرَام، لكنه مَسلك شيطاني.
وأهل المعاصي يجعلون من العشق ونحو ذلك كأنه سعادة الدارين؛ فسماعهم للغناء الفاسد الذي يدعو إلى الفحش والخمر وأنواع الفساد- من أحب الأمور لديهم.
وأما أهل الإيمان فقلوبهم- كما قال الله فيهم: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فنفس المؤمن تطمئن لسماع كلام الله ، وتتشوق إلى نعيمه عند سماع وعده، وتخشع وتلين من الخوف عند سماع وعيده.
فالمؤمنون عندما يسمعون هذا السماع القرآني يستقيمون على أمر الله ، ويرغبون في طاعته سبحانه، ويسعدون بالأنس به.
فشَتَّان بين حال سماع القرآن وسماع أهل الباطل ..
قال المصنف: «وهَؤُلَاء الَّذين يتبعُون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعْتِبَار لذَلِك بِالكتاب والسّنة ومَا كَانَ عَلَيْهِ سلف الأمة».
فالمحبة لا يجوز أن تكون محبَّة مطلقة، إنما الواجب أن تكون محبة مقيدة بالضوابط التي جاءت بها النصوص الشرعية، فليس للعبد أن يأتي بأي محبة أو أي فعل من عنده، بل هو مطالب بمحبة شرعية، وهذه المحبة الشرعية لا تُنال إلا بالطرق الشرعية، فالعبودية أساسها: كمال المحبة مع كمال الذل والخضوع.
وخلاصة القول: أنه لا نجاة إلا باتباع الهدى؛ فمن لم يكن متبعًا للهدى علمًا وعملًا؛ فإنه يكون مائلًا إلى طريق الباطل، وأهل الباطل من أوصافهم: اتباع الظن وهوى الأنفس.
فانظر إلى أهل الكلام، وانظر في أهل التصوفّ فلك فيهم عبرة
стр. 178
ماثلة أمامك، كيف أنهم ضَلُّوا وأضلوا وانحرفوا وزَلُّوا، مع أن الحق في غاية الوضوح والبيان؛ لأن ما جاءوا به ليس من الحق في شيء، حتى إنهم في أنفسهم فَرَّقوا بين ما زعموه وما جاء به الحق، فلذلك قالوا عن الحق: إنه شريعة، وقالوا عن زعمهم: إنه حقيقة، وقالوا عن الحق: إنه ظاهر، وقالوا عما زعموه: إنه باطن، فاعرض هذه التفرقة على هذا المقياس: هل هي اتباع لما جاء من الله ؟ أو مخالفة له؟ وإذا كانت مخالفة؟ أليست اتباعًا للظنِّ؟ واتباعًا لهوى الأنفس؟!
فالمؤمن عليه أن يتعظ بحال هؤلاء، ويعلم أنه على خطر في حال ابتعاده عن الهدى علمًا وعملًا وتطبيقًا ودعوة وسلوكًا.
وإن لزم طريق الحق فسيكون عنده من المحبة ومن الحلاوة ومن الطَّعم والذوق ما يُغنيه عن كل ما سوى ذلك.
* * *
стр. 179
قال المصنف ﵀: «فالمُخالف لما بَعث اللهُ به رسولَه من عبادته وحده، وطاعته وطاعة رسوله، لا يكون مُتَّبِعًا لدين شرعه الله أبدًا، كما قال تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنَّهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولى المتقين﴾ [الجاثية: ١٨، ١٩].
بَيَّن المُصنفُ أنَّ المخالف لا يكون مُتَّبِعًا لدين شرعه الله، وأكَّد ذلك بصيغة التأبيد: «أبدًا»؛ ثِقة وجزمًا أن هذا المخالف لا يكون مُتَّبِعًا لدينٍ شرعه الله أبدًا، يعني: ما دام أنه قد انحرف عمَّا بَعث اللهُ به رسولَه ﷺ ، فالله بعث رسوله ﷺ بعبادته وطاعته وطاعة رسوله ﷺ .
فوظائف الرُّسل هي:
أولًا: تعريف الناس بربِّهم.
ثانيًا: تعريفهم بالطريق الذي يُوَصِّلهم إلى ربِّهم، أي: بعبادته وطاعته.
ثالثًا: بيان حالهم ومآلهم.
يعني: ما هو المآل؟ وما هي العاقبة التي تعود على الناس بإيمانهم واتِّباعهم الشرع المُنزل.
فهذه هي وظيفة الرسل.
فهذا المُخالف الذي خالف ما بعث الله به رسوله ﷺ لا يكون
стр. 180
متبعًا لشرع الله أبدًا، كما قال الله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها﴾ [الجاثية: ١٨]، فالله تعالى يأمر رسولَه ﷺ باتِّباع شرعه، وإذا كان الرسولُ ﷺ مأمورًا باتِّباع هذه الشريعة فنحن تَبَعٌ لهذا؛ قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]، فإذا لم نَتَّبعها سيكون اتِّباعًا للهوى؛ فهناك أمر وهناك نهي، فالأمر اتباع هذه الشريعة: ﴿فاتبعها﴾ [الجاثية: ١٨]، والنهي عن اتباع الهوى: ﴿ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية: ١٨]، فإذا حصل اتباع لهذا الهوى؛ فإن الله يقول: ﴿إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين﴾ [الجاثية: ١٩].
فإمَّا أن يكون العبدُ من المتقين؛ والتقوى لا تحصل إلا باتباع هذه الشريعة، وإمَّا أن يكون من أهل الهوى فيكون من الظالمين.
وإذا كان العبد من المتقين كان من أهل ولاية الله ؛ قال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: ٦٢].
فعلى العبد أن ينظر أين مقامه؟
فإذا كان مقامه في اتباع شريعة الله فهو أهل لأن يكون من أولياء الله ومن أهل الإيمان ومن أهل التقوى، ولكن إذا اتَّبع أهواء الذين لا يعلمون فهو مِنْ أهل الضَّلال.
* * *
стр. 181
قال المصنف ﵀: «بل يكون مُتَّبِعًا لهواه بغير هدى من الله؛ قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١].
وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها: حقيقة، يُقَدِّمُونها على ما شَرَعَه الله. وتارة يحتجون بالقَدَرِ الكوني على الشريعة، كما أخبر الله به عن المشركين، كما تقدم».
وصف المُصنف حال المخالفين لابتداعهم أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان؛ فحالهم يدور بين البِدعة وإحداث شرع لم يَأذن به الله؛ حيث لا دليل عليه ولا مُستمسك، وإنما هم على باطل.
فهم تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة، وهي باطل، يُقَدِّمونها على ما شرع الله ، وتارة يحتجون بالقَدَر الكوني على الشريعة، ويأتي تلاعبهم من جهتين؛ من جهة زعمهم: أن هذا الذي هم فيه حقيقة، وبالتالي ما عليهم إلَّا أن يَتَّبعوه. وتارة يحتجون بالأمر الكوني والقَدَري، فيقولون: ما كتب اللهُ أن أعمل هذه الطاعة مثلًا، أو كتب الله عليَّ أن أقع في هذه المعصية .. ويزعم أنه بذلك متبع للقدر لا يستطيع أن يخالف الأمر الكوني القَدَري ولا أن يخرج عنه.
فانظر كيف يُدخلهم الشيطان في أودية الباطل؛ فإذا وجد مسلكًا من هذا الباب دخل على الناس منه؛ فيدخل عليهم الباطل
стр. 182
من جهة أن هذه حقيقة، وأن هذا مُقَدَّم على شرع الله ، أو يَدخل عليهم من الباب الكوني القدري، فيقول لهم: إن أطعتم فهذا بقدر الله، وإن عصيتم فهذا بقدر الله !
* * *
стр. 183
قال المصنف رحمه الله تعالى: «ومن هؤلاء طائفة هم أعلاهم عندهم قَدْرًا، وهم مُستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة، واجتناب المُحَرَّمات المشهورة، لكن يَضِلُّون بترك ما أُمروا به من الأسباب التي هي عبادة؛ ظَانِّين أن العارف إذا شهد القَدَر أعرض عن ذلك؛ مثل مَنْ يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامَّة دون الخاصَّة، بناء على أنَّ من شهد القَدَر عَلِم أنَّ ما قُدِّر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا ضلال مبين.
فإنَّ الله قدَّر الأشياء بأسبابها، كما قدَّر السعادة والشقاوة بأسبابهما، كما قال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ خلق للجنَّة أهلًا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجَنَّة يَعملون، وخلق للنَّار أهلًا خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون» (١)، وكما قال النبي ﷺ لما أخبرهم بأنَّ اللهَ كتب المقادير، فقالوا: يا رسول الله، أَفَلَا نَدَعُ العمل، ونتَّكِلُ على الكتاب؟ فقال: «لا، اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له، أمَّا مَنْ كان من أهل السَّعادة، فَسَيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأمَّا مَنْ كان من أهل الشَّقاوة فسَيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة» (٢).
فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما في قوله تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]، وفى
стр. 184
قوله: ﴿قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ [الرعد: ٣٠]، وقول شعيب ﵇: ﴿عليه توكلت وإليه أنيب﴾ [هود: ٨٨]».
المتصوفة طوائف، كما ذكر المصنف هنا؛ فهم ليسوا على حال واحدة، إذ انحرافهم متنوع؛ كما قال : ﴿أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًّا على صراط مستقيم﴾ [الملك: ٢٢]، فأصحاب الحق منهجهم وطريقهم واحد؛ لكن أهل الضلال وأهل الباطل تتشعب بهم الطرق، فأراد المصنف هنا أن يُمَثِّل بصورٍ من أنواع الضلال التي وقع فيها بعضهم؛ فبَيَّن أنَّ من هؤلاء المتصوفة طائفة هم أعلاهم قدرًا، وهم مُستمسكون بما اختاروه- بهواهم- بأداء الفرائض المشهورة، واجتناب المحرمات المشهورة؛ فعندهم استقامة على الفرائض المشهورة، واجتناب للمحرمات المشهورة، يعني: اتبعوا الأمور الظاهرة من الفرائض، واجتنبوا المحرمات الظاهرة، لكن هذا الاستمساك ليس بقصد اتِّباع شرع الله ؛ لأن اتباع شرع الله يكون في الصغيرة والكبيرة، وفي الدقيق وفي الجليل!
فذكر المصنف أن من خصالهم أداء الفرائض واجتناب المحرمات المشهورة، وهذا أمر لم يُعرف عنهم انحراف فيه، لكن انحرافهم جاء من باب ترك الأخذ بما أمروا به من الأسباب؛ فعَطَّلوا الأسباب المأمور بها شرعًا؛ إذ العبد مأمور بطلب الرزق، والرزق لا يأتي بدون أسباب، فلا بد من بذل الأسباب والسعي وطلب الرزق، لكن هؤلاء عَطَّلوا هذه الأسباب، وظنوا أن ترك الأسباب من التوكل، وبالتالي شرعوا من الدِّين ما لم يأذن به الله ، وجاءوا بمفاهيم فاسدة، ظانين أن العارف إذا شهد القَدَر
стр. 185
أعرض عن الأخذ بالأسباب.
ويزعمون أن التوكل والدعاء- ونحو ذلك من الأمور الشرعية المطلوبة- من مقامات العامة. وأمَّا الخاصة عندهم فهم الذين لا يتعلقون بالأسباب؛ ويقولون: لماذا نتوكل؟ ولماذا ندعو؟ وقد قَدَّر الله هذه الأمور، ولا بد أنها كائنة لا محالة.
وهذا بناء على زعمهم أن مَنْ شهد القَدَر عَلِم أن ما قُدِّر سيكون، فيشهد الحقائق الكونية القدرية.
فهم إذًا جبرية في باب القدر، وانحرافهم فيه هو الذي دعاهم لهذه المقولات.
لكن انحرافهم لم يكن من جهة فِعلهم للفرائض المشهورة، وتركهم للمحرمات المشهورة، وإنما كان من جهة ترك التوكل وترك الدعاء وترك هذه الأمور زعمًا منهم أنها تنافي الإيمان بالقدر.
قال المصنف: «وهذا غلط عظيم فإنَّ الله قَدَّر الأشياء بأسبابها، كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما»؛ فبَيَّن المصنفُ أن هذا الزعم غلط عظيم؛ لمخالفته لنصوص الشرع، ووجه الغلط: أن الله قد قَدَّر الأشياء بأسبابها، وأمرنا بالأخذ بهذه الأسباب، «كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما»، فالسعادة لها أسباب، والشقاوة لها أسباب؛ فإن كان العبد عاملًا بطاعة الله فهو قد طلب السعادة وأخذ بأسبابها، وإن عمل بالمعاصي فقد أخذ بأسباب الشقاوة، والعياذ بالله.
فتجد المؤمن يطلب السعادة بالطاعة؛ فيتقرب إلى الله بأداء الفرائض، ويجتهد في الإكثار من النوافل؛ لذا يزداد كل يوم قربًا من الله، وينتقل من خير إلى خير، ويبتعد عن الشر، وكل ذلك لأنه أخذ بأسباب السعادة.
стр. 186
وأما الذي أقبل على المعاصي والذنوب فتجده بعيدًا عن الخير قريبًا من الشر؛ بل منغمسًا فيه؛ لأنه قد أخذ بأسباب الشقاوة.
واستدل المصنف بقوله ﷺ : «إنَّ اللهَ خَلَقَ للجَنَّة أهلًا؛ خلقها لهم وهم في أَصْلَاب آبائهم، وبعمل أهلِ الجَنَّةِ يَعملون»؛ فأخذوا بأسباب دخول الجنة لأن الله قد قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في ثلاثة مواضع: في سورة السجدة آية (١٧)، وفي سورة الأحقاف آية (١٤)، وفي سورة الواقعة آية (٢٤)، وقال سبحانه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقال أيضًا ﷻ : ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩]، والباء هنا باء السببية، وليست باء المقابلة؛ لأن باء المقابلة هي باء الثَّمن والعِوض، فالعمل ليس ثمنًا للجنة، وإنما سببٌ لدخولها.
فأخبرهم النبيُّ ﷺ بأنَّ الله كتب المقادير … إلى أن قال: «اعملوا؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له»، فالعمل أصبح سببًا؛ فأمرهم بالأخذ بالأسباب.
فكل ما أمر الله به عباده من الأخذ بالأسباب فهو عبادة، فالواجب على العبد أن يأخذ بالأسباب وألا يتركها أبدًا ما دامت مشروعة، ولكنه مع ذلك لا يركن إليها، وإنما يأخذ بالأسباب متوكلًا على الله تعالى، مستعينًا به ؛ فالتوكل مقرون بالعبادة، والعبادة سبب، لكنها مَقرونة بالتوكل، قال تعالى: ﴿فاعبده﴾ [هود: ١٢٣]: هذا سبب، ﴿وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]، وهذا- أيضًا- سبب، فالعبد يأخذ بهذا ويأخذ بهذا، كما قال سبحانه: ﴿قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ [الرعد: ٣٠].
стр. 187
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومِمَّا يَنبغي أن يُعلم: ما قاله طائفة من العلماء؛ قالوا: الالتفات إلى الأسباب شِرك في التوحيد. ومحوُ الأسباب أن تكون أسبابًا- نقصٌ في العقل. والإعراضُ عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشَّرع. وإنَّما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع» (١).
ويقول شارح «العقيدة الطحاوية»: «قد ظَنَّ بعضُ الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مُقَدَّرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد؛ فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مُستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عُرف في موضعه. وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين- يَلبس لَأْمَةَ الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ [الفرقان: ٧]. ولهذا تجد كثيرًا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يُرزقون على يد مَنْ يُعطيهم؛ إمَّا صدقة، وإمَّا هدية … » (٢).
وقال ابنُ القيم: «وفي الأحاديث الصَّحيحة الأمر بالتَّداوي، وأنَّه لا يُنافي التوكل، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتمُّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبَها الله مقتضيات لمسبباتها قَدَرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يَقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويُضعفه من حيث يظنُّ مُعطلها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد
стр. 188
في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا» (١).
وقال ابنُ حَجَر: «المراد بالتوكل: اعتقاد ما دَلَّت عليه هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجُرُّ إلى ضِد ما يَرَاه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يَأتيني رزقي! فقال: هذا رجل جَهِل العلمَ؛ فقد قال النبي ﷺ : «إنَّ الله جعل رزقي تحت ظلِّ رُمحي» (٢)، وقال: «لو تَوكلتم على الله حقَّ تَوكله لرزقكم كما يَرزق الطير تَغدو خماصًا، وتَروح بِطانًا» (٣)، فذكر أنَّها تَغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يَتَّجِرون ويَعملون في نَخيلهم، والقدوةُ بهم» (٤).
* * *
стр. 189
قال المصنف ﵀: «ومِنْهُم طَائِفَة قد تَتْرك المُستَحَبَّات من الأَعْمَال دون الواجِبَات، فتَنقص بِقدر ذَلِك».
الناس متفاوتون في نظرتهم إلى مفهوم العبادة؛ سواء في فَهم حقيقتها، أو في أدائها، فذكر هنا شيخ الإسلام أن بعض الطوائف قد تترك المستحبات من الأعمال، ويكتفون بفعل الواجبات.
وهذا ملموس مشاهد؛ فترى كثيرًا من الناس يقتصرون في أداء العبادات على ما كان من الواجبات، ثم يتركون النوافل والمستحبات من الأعمال، وهو لا يَعلم ما في هذه النوافل والمستحبات من جبر لما وقع من نقص في عبادته الواجبة؛ فكان من حكمة الله ولطفه بعباده: أن جعل مع كل واجب نوعًا من المستحبات والنوافل من جنسه، ولذلك تجد الصلاة لها نوافل؛ منها ما هي سنن مؤكدة، ومنها ما هي مستحبة غير مؤكدة، وهكذا الصيام، والزكاة، والحج، فكل واجب من الواجبات تجد معه جملة من النوافل ليتزود العبد من الخير، وليكون ذلك جبرًا لما وقع من نقص في فريضته.
والناظر إلى أحوال الناس في الصلاة- مثلًا- يرى كيف أن بعض الناس بمجرد أن يُكَبِّر تكبيرة الإحرام- قد يخرج من الصلاة وهو لا يدري ماذا قرأ الإمام؟ ولا ماذا صَلَّى؟ حتى قد يسهو الإمام في صلاة الجماعة ولا يُنبهه أحد؛ لكثرة ما يشغل بال المُصَلِّين،
стр. 190
ولذلك قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الرجل ليَنصرف وما كُتِب له إلا عُشر صلاته، تُسْعُها، ثُمُنها، سُبُعها، سُدُسها، خُمُسها، رُبُعها، ثُلُثها، نصفها» (١).
فالعبد قد لا يُقبل من صلاته إلا القليل، وقد لا يخرج بشيء من صلاته، مع أنه حرص على حسن التطهر وإسباغ الوضوء والخروج إلى الجماعة، ولكن بمجرد نطقه بتكبيرة الإحرام تأتيه وساوس الشيطان، ويصرفه عن صلاه حتى لا يخرج منها إلا بيسير من الأجر.
ولذلك هو في حاجة إلى جبر هذا النقص وسد هذا الخلل، وهذا لا يكون إلا بأداء النوافل، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أَوَّل ما يحاسب به العبدُ يوم القيامة مِنْ عمله صلاتُه؛ فإن صَلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فَسَدت فقد خَابَ وخَسِر، فإن انتقص مِنْ فريضته شيءٌ، قال الربُّ : انظروا هل لعبدي مِنْ تطوع؟ فيُكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائرُ عمله على ذلك» (٢).
فالصلاة أعظم الأعمال بعد الشهادتين، وهي أول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة، ولعظم شأنها كان جزاء مَنْ لا يَستنزه من بوله، ويفرط في أمر طهارته لها: أن يُعَذَّب في قبره؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة؛ ففي الحديث أن النبي ﷺ وقف على قبرين، وقال: «إنما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (٣)، وكذلك قال
стр. 191
النبيُّ ﷺ : «أَوَّلُ ما يُقضى بين النَّاس في الدِّماء» (١)، والنميمة بين الناس هي التي تُوَلِّد الشحناء، ثم يتولد من هذه الشحناء استباحة الدماء، فلذلك يُعَذَّب النَّمَّام في قبره.
فالعبد يعلم أنه مهما اجتهد في أداء الواجبات فلا بد أن يقع منه تقصير، وهو يعلم كذلك أن جميع عبادته لا تساوي أن تكون ثمنًا لمَّا أعده الله من ثواب للعبد المؤمن.
فهؤلاء الذين تركوا المستحبات من الأعمال دون الواجبات- ينقص أجرهم بقدر ما تركوا من هذه المستحبات.
فعلى العبد أن يَلزم هذه المستحبات وهذه النوافل وهذه السُّنن، وهي- بإذن الله- جبر لما نَقص من واجباته، وزيادة في درجاته، ورفعة له وخير وإحسان ونور في ذات نفسه.
وليعلم العبد أن حياة القلوب إنما هي بهذه الأعمال الصالحة؛ فبَقدر ما يعمر أوقاته بتلك الأعمال الصالحة بقدر ما يَعمر الإيمان قلبه ويزداد فيه، وهذا الإيمان نور يتلألأ في قلب المؤمن، كما قال الله : ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ [النور: ٣٥].
فهذا المَثَل ضربه الله لنور الإيمان في قلب المؤمن؛ قال الحكيم الترمذي: «ضربَ الْمثل لنوره فِي قلب الْمُؤمن؛ ليُعلمه قدره ومنزلته، فدَلَّه بالحاضر على مَا أعد لَهُ فِي الآجل … فَكَلَام المؤمن نور، وَعَمله نور، وَظَاهره نور، وباطنه نور، ومدخله فِي الْأَعْمَال
стр. 192
نور، ومخرجه مِنْهَا نور، ومَصيره يَوْم الْقِيَامَة إِلَى النُّور» (١).
فحريٌّ بالمؤمن أن يُدرك هذه الحقيقة، وأن يُنير قلبه بهذه الأعمال الصالحة؛ فيحرص على واجباته ويحافظ عليها ويؤديها، ثم يتزود من النوافل والمستحبات والسنن، فإذا تمكن هذا النور من قلب المؤمن كان هذا عونًا له على مزيد من الطاعات حتى يألفها؛ فيأنس بها ويسعد.
أما من يتكاسل عنها فتثقل عليه، ويشق فعلها على نفسه.
ونحن نرى الرجل المسن المريض يحرص على صيام التطوع بخلاف الشاب الجلد القوي الذي يثقل عليه صوم يوم من الأيام، وكذلك في سائر الأعمال.
فعلى العبد أن يطلب العون والتوفيق من الله، ولذلك قال النبي ﷺ لمعاذ: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أُوصيك يا معاذ: لا تَدَعَنَّ في دُبر كلِّ صلاة تقول: اللهم أَعِنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك» (٢).
فالله يعين العبد الذي أراد طاعته ورغب فيها ويقبل عمله ويجزيه عليه الأجر الجزيل؛ لم لا وهو القائل سبحانه: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، والقائل ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
* * *
стр. 193
قال المصنف ﵀: «ومِنْهُم طَائِفَة يَغترُّون بِمَا يحصل لَهُمْ من خَرق عَادَة؛ مثل: مكاشفة، أَوْ استجابة دَعْوة مُخَالفَة للعَادَة، ونَحْو ذَلِك فيشتغل أحدُهم بِهَذِهِ الأُمُور عَمَّا أُمِر بِهِ من العِبَادَة والشُّكْر، ونَحْو ذَلِك.
فَهَذِهِ الأُمُور ونَحْوهَا كثيرًا مَا تَعرض لأهل السلوك والتَّوَجُّه».
ثم ذكر طائفة أخرى فقال: «ومنهم طائفة يَغترون بما يحصل لهم من خَرق عادة؛ مثل: مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة للعادة، ونحو ذلك»، فبعض أهل السُّلوك وبعض أهل التصوف وبعض أهل العبادة- يسعون فيما يسعون إليه أن تكون لهم نوع كرامة خارقة للعادة، أو مُكاشفة، أو استجابة دَعْوة مُخَالِفَة للعَادَة، أو نحو ذلك مما قد يحصل لهم، وأحيانًا يكون هذا من تلبيس الشيطان، أو يكون فتنة لهم، أو استدراج.
أمَّا العبد المؤمن فينبغي أن لا يشغل نفسه بحصول كرامات على يديه، وإنما هو مُنشغل بطاعة ربه، وَجِلٌ مِنْ عدم قبولها، وقد سألت عائشةُ ﵂ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿والذين يُؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة: أهم الذين يَشربون الخمر ويَسرقون؟ قال: «لا يا بِنت الصِّديق، ولكنهم الَّذين يَصومون ويُصلون ويتصدقون، وهم يَخافون أن لا تُقبل منهم؛ ﴿أولئك يُسارعون
стр. 194
في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦١]» (١).
فهذا الخوف يلازم المؤمن ولا ينفك عنه إلا عندما ينقطع العمل وتحضر ساعة الموت عند ذلك يُغَلِّبُ جانبَ الرَّجاء، وقد «جَاءَ سَائِلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ لابْنِهِ: أَعْطِهِ دِينَارًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنْكَ يَا أَبَتَاهُ! فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنِّي سَجْدَةً واحِدَةً، أَوْ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ واحِدٍ، لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أَحَبَّ إِليَّ مِنَ المَوْتِ؛ أَتَدْرِي مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللهَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]» (٢).
قال ابن رجب ﵀: «ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوفُ السَّلف على نفوسهم؛ فخافوا ألَّا يكونوا من المُتَّقين الذين يَتقبل الله منهم» (٣).
ولذلك فمَن اتَّقى اللهَ في العبادة حَسُنت وقُبلت منه، ومن لم يتَّقِهِ فلا؛ ولذلك لا يركنن العبد إلى عمله، وليعلم أن تعلقه بالله وليس بعمله.
فبعض هؤلاء إذا ابتلي وحصلت له استجابة دعوة مثلًا- ظن أنه قد استحق الولاية، وأن هذه الولاية لا تنفك عنه، بينما العبد قد يعطى من النعم ما يكون ابتلاء، وليس كل ما أنعم الله به على الإنسان إكرامًا له؛ لأن الله قد قال: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه﴾ [الفجر: ١٥]؛ فسَمَّى هذا الابتلاء إكرامًا وتنعيمًا، ﴿فيقول ربي أكرمن وإما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن﴾ [الفجر: ١٥، ١٦]، ثم جاء الجواب بعدها: ﴿كلا﴾ [الفجر: ١٧]،
стр. 195
يقول ابن القيم: «﴿كلا﴾ أي: ليس كل مَنْ وَسَّعت عليه وأعطيته أكون قد أكرمتُه، ولا كلُّ مَنْ ضَيَّقت عليه وقَتَّرت أكون قد أهنتُه؛ فالإكرام: أن يُكرم الله العبد بطاعته، والإيمان به، ومحبته ومعرفته. والإهانة: أن يَسلبه ذلك» (١).
فكل هذا ابتلاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فالعلم الذي أنعم الله به على العبد هو ابتلاء له، والمال الذي أعطاه الله له هو ابتلاء له، والصحة ابتلاء؛ فكل نعم الله على العبد إنما هي ابتلاء؛ ليمتحنه أيشكر أم يكفر؟ وسليمان ﵇ لمَّا جاءه عرش ملكة سبأ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠].
وقد قصَّ الله علينا قصة صاحب الجنتين؛ الذي قال: ﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، فهذا مرض يَعتري بعض النفوس، حيث تظن أن إنعام الله عليهم معناه: رضا الله عنهم في الدنيا والآخرة.
ولذلك حتى طالب العلم لا بد أن يعلم أن كل علم يكتسبه هو ابتلاء له، وأن ما حَصَّله ليس بحوله وقوته، وإنما كان بفضل الله عليه، وأنه سيسأل عنه يوم القيامة: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمره فيما أفناه، وعن عِلمه فِيم فَعَل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جِسمه فيم أبلاه» (٢).
стр. 196
فسيسألنا الله عن عِلمنا؛ فلا يظن من حصَّل درجة علمية أو قَدْرًا من العلم- أنه قد أُعفي من مسئولية القيام بهذا العلم؛ من حيث العمل به ونشره، بل كل هذا ابتلاء من الله له.
وقد يغتر الإنسان بعلمه، كما قد يغتر برؤيا رآها، أو بدعوة استجيبت له؛ فيظن أنه بهذا قد وصل إلى ولاية الله تعالى، وهو لا يعلم أن هذا كله ابتلاء من الله ، وقد يكون استدراجًا من الشيطان؛ لأنه قد يخيل إليه أمورًا ليست حقيقية، كما يخيل لبعض المتصوفة أنه يرى الله ؛ فيغتر ذاك الجاهل بهذا؛ لأنه لا يَعلم أن رسول الله ﷺ قال: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (١)، فالشيطان يدخل على هؤلاء من قِلَّة علمهم؛ فيُلَبِّس عليهم مثل هذه الأمور.
فهذه الطائفة إذا خُرِقت لها عادة أو حصلت لها مكاشفة أو استجيبت لها دعوة، اشتغل الواجد منهم بهذه الأمور، ويُصرف بهذه الحالة عن الاجتهاد في العبادة المأمور بها، وتكون فتنة له.
* * *
стр. 197
قال المصنف ﵀: «وإِنَّمَا ينجو العَبْدُ مِنْهَا بملازمة أَمْرِ الله الَّذِي بَعَثَ به رَسُولَه، فِي كل وقت، كما قال الزُّهْريُّ: «كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنا يَقُولُونَ: الاعْتِصام بِالسُّنَّةِ نَجاة» (١). وذَلِكَ أَنَّ السُّنَّة كَمَا قال مَالكٌ ﵀: «مِثل سَفِينة نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نجَا، ومَن تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ» (٢).
على العبد أن يعلم أنَّ مدار أمره على طاعته لله ، وأنه يجب عليه في جميع أحواله أن يكون طائعًا لله مستجيبًا له في السراء والضراء، وهو مأجور في الحالتين، كما قال ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن؛ إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضَرَّاء صَبَر، فكان خيرًا له» (٣)؛ فالشكر عبادة والصبر عبادة، ولذلك جاء في الأثر: «الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر» (٤).
فالإنسان يدور بين الصبر والشكر، والصبر أنواع ثلاثة كما ذكر العلماء: «الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر
стр. 198
- أيضًا- على النائبات وأنواع المكاره في الدنيا» (١)؛ فلا بد من الصبر والأخذ بأسباب النصر.
فالنجاة والمخرج والطريق الصحيح المستقيم للعبد أن يدور مع أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وعليه أن ينظر في كل وقت وفي كل حال إلى أمر الله وأمر رسوله ﷺ له، ويسلك سبيل العلم ليحصل معرفة ذلك ثم يقوم بواجب العمل بمقتضى ذلك، فالنجاة أن يكون العبد موافقًا لهدي النبي ﷺ ؛ إذ أمر الله باتباعه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولذلك قال الزهري ﵀: «كان مَنْ مضى مِنْ سَلفنا يقولون: «الاعتصام بالسنة نجاة».
فإذا أراد العبد أن ينجو وأن يحقق العبودية الحقة لله ، وأراد أن يستقيم له فكره وإرادته وجوارحه- فما عليه إلا أن يعتصم بالسنة ويَلزمها علمًا وعملًا وإرادة وسلوكًا وتفكيرًا؛ فالاعتصام بالسنة يهدي إلى الحق في كل باب وفي كل حال وفي كل وقت؛ لأنها وسط بين الإفراط والتفريط.
وهذه الموازنة قد يفقدها الإنسان بسبب ظن خاطئ؛ فعلى سبيل المثال إذا أراد أن يفاضل بين عبادة وأخرى، فالسنة هي التي تبين له أيتهما أولى وأحق بالتقديم.
فالقصد أن ينظر الإنسان إلى ما جاءت به السُّنَّة؛ فهي كسفينة نوح ﵇ مَنْ ركبها نجا، ومَن تخلف عنها غرق.
* * *
صَالحًا، واجعله لوجهك خَالِصًا، ولَا تجْعَل لأحدٍ فِيهِ شَيْئًا» (١).
وقَالَ الفُضيل بن عِيَاض فِي قوله تعالى: ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيُّكُم أحسن عملًا﴾ [هود: ٧]، قال: «أخلصه وأصوبه». قَالُوا: يا أبا عَليٍّ، مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: «إِنَّ العَمَلَ إِذا كَانَ خَالِصًا ولم يكن صَوابًا لم يُقبل، وإِذا كَانَ صَوَابًا ولم يكن خَالِصًا لم يُقبل، حَتَّى يكون خَالِصًا صَوابًا، والخالص: أَنْ يكون لله، والصَّواب: أَنْ يكون على السُّنَّة» (٢).
من رحمة الله بعباده وهو أرحم الراحمين أنه لَمَّا فرض عليهم عبادته وجعلها مبنيةً على محبَّته ورجائه وخوفه، أوضح لهم بعد ذلك شروط صحة تلك العبادة، وأنها لا تكون صحيحة ومقبولة عنده إلا إذا توافرت فيها هذه الشروط، التي دلَّ عليها الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمَّة، وهي:
شروط صحة العبادة:
الشرط الأول: الإخلاص، وهو لُبُّ الدِّين، وعموده الأعظم.
تعريف الإخلاص:
الإخلاص لغة:
وهو لغةً: «تصفية الشيء وتنقيته؛ يقال: خلص الشيء من الشوائب: إذا صفا، وأخلص الشيء: نَقَّاه، وخلَّصه: أزال عنه ما يكدره (٣).
стр. 201
الإخلاص شرعًا:
تَنَوَّعت عباراتُ العلماء في المراد به شرعًا:
فقيل: هو «قصد المعبود وحده بالعبادة» كما قال تعالى: ﴿ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (١).
وقيل: تخليص القلب من كلِّ شوب يُكدِّر صفاءه (٢).
وقيل: أن يكون الداعي إلى الإتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي إرضاء الله (٣).
والتعريفات متقاربة، ومدارها على أن يريد العبد بطاعته التقرُّب إلى الله سبحانه دون أيِّ شيءٍ آخر من تصنُّعٍ لمخلوقٍ أو اكتساب محمدةٍ عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سِوى التقرُّب به إلى الله تعالى (٤).
أهل الإخلاص:
أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للنبي ﷺ هم: مَنْ كانت أعمالهم كلُّها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومَنعهم لله، وحُبهم لله وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكورًا، ولا ابتغاء الجاه عندهم وطلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هربًا من ذمِّهم، بل قد عدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يَملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا (٥).
стр. 202
الأدلة على شرط الإخلاص:
وردت أدلَّةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّة مُقَرِّرةً هذا الشرط؛ فمن الكتاب:
قوله تعالى آمرًا نبيه محمدًا ﷺ أن يُوضِّح لأمته ما أُمر به من قِبل الله ، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ولَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [الرعد: ٣٦]، وقال ﷻ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، وقال جل وعلا مُوَضِّحًا ما أُمر به المؤمنون: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ … ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿ومَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * ولَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢١]، وقال : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولَا دِمَاؤُهَا ولَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَل عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
ومن السُّنَّة:
قال ﵊: «إنَّما الأعمال بالنِّيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى؛ فمَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١).
وقال ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (٢).
وعن أبي موسى الأشعري ? قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل شَجاعة ويقاتل حَمِيَّة ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟
стр. 203
فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١).
فهذه الأدلة تدلُّ على وجوب إخلاص النية في جميع العبادات.
أهمية الإخلاص:
الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله إن كان عبادة محضة؛ كالصَّلاة والزكاة والصيام والحج والطواف وقراءة القرآن، وشرط لحصول الثواب إن كان غير ذلك؛ كالأكل والشرب والنوم والكسب ونحو ذلك.
وما أعظم مقام الإخلاص عند الله! وما أشقَّه على النفس! لذا جديرٌ بالمسلم أن يجاهد نفسه ويحاسبها في كلِّ قول وعمل، بل وفي كلِّ مقام ولحظة.
قال سهل بن عبد الله: «ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنَّه ليس لها فيه نصيب» (٢).
وقال يوسف بن الحسين الرازي: «أعزُّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه يَنبت فيه على لون آخر» (٣).
فعمل القلب هو رُوح العبودية ولُبُّها، فإذا خلا عملُ الجوارح منه كان كالجسد الميت بلا رُوح، والنية هي عمل القلب.
والكلام في مسألة النِّيَّة شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحةً
стр. 204
وفسادًا، وإنَّما هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تَبَعٌ ومكمِّلة ومتمِّمة، وأنَّ النية بمنزلة الرُّوح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فمَوَات، وكذلك العمل إذا لم تَصحبه النية فحركة عابث؛ فمعرفة أحكام القلوب أهم مِنْ معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هو أصلُها، وأحكام الجوارح متفرِّعة عنها.
والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرًا وباطنًا، وقدَّموا قلوبهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاء تبعًا لها، وهي حقيقة العبودية، ومن المعلوم أنَّ هذا هو مقصود الربِّ بإرسال رُسُله وإنزال كُتُبه وشرعه شرائعه. ومَن تأمَّل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأنَّ أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يُميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كلِّ واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما، وهل يمكن لأحدٍ الدخول في الإسلام إلَّا بعمل قلبه قبل جوارحه؛ فعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كلِّ وقت، ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب، ومركب الإسلام الجوارح (١).
إن أساس القبول لأيِّ عبادة هو إخلاص القلب فيها لله تعالى؛ فإن حقيقة العبادة ليست شكلًا فقط، وإنَّما هي سِرٌّ يتعلق بالقلب، ويَنبع من الرُّوح، فإذا لم يَصْدُق قلب المسلم في عبادته، ولم يُخلص لله في طاعته- صارت كالجسد بلا رُوح، وساعتها يردُّها الله عليه؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥]،
стр. 205
وقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدِّين﴾ [الزمر: ٢]، وقال: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدِّين﴾ [الزمر: ١١]، وقال: ﴿قل الله أعبد مخلصًا له ديني﴾ [الزمر: ١٤].
فالقلبُ هو الأساس في الإسلام، وهو مَوضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، وهو مُستند القبول والفلاح في الآخرة، وفي هذا يقول الرسول ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١)، ويقول: «ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (٢)، ويقول الله تعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجَاءَ بِقَلبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ [ق: ٣١ - ٣٤].
أثر الإخلاص في الأعمال:
إنَّ الإخلاصَ يشترط في كلِّ عمل شرعه الله ليُتعبد به ويُتقرب به إليه، وقد هاجر أحدُ المسلمين في زمن النبي ﷺ من مكة إلى المدينة من أجل امرأة يريد الزواج بها تُعرف بأم قيس، فسُمِّي «مهاجر أم قيس» (٣).
وفي هذا الشأن حَدَّثهم النبي ﷺ ذلك الحديث الجامع الذي عَدَّه بعض المُحَدِّثين ربع الإسلام أو ثُلُثه أو نصفه، والذي افتتح به الإمام البخاري «جامعه الصحيح»: «إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته
стр. 206
إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١).
وهذا الحديث أجمع علماء الإسلام في كل اختصاص على تلقيه بالقبول (٢).
وقيمة (النية) في الإسلام لا تعتمد على هذا الحديث وحده، وإنما تعتمد على نصوص وأحاديث كثيرة مستفيضة، تُعطي في مجموعها يقينًا جازمًا بأن الأعمال بالنيات، وأنَّ لكل امرئ ما نوى، ولو أخذنا كتابًا ك «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري مثلًا لوجدناه يَذكر في فضل النية الصالحة أحد عشر حديثًا، وفي الترغيب في الإخلاص ثلاثة عشر حديثًا، وفي الترهيب من الرياء أكثر من ثلاثين.
فهذه المجموعة من الأحاديث وما شابهها- مع ما جاء في القرآن من آيات- هو السند اليقين لقيمة النية في الأعمال.
الشرط الثاني: المتابعة:
تعريف المتابعة:
معنى المتابعة: أن تكون عبادة المسلم تابعةً لِما جاء عن الله ورسوله ﷺ ، وهذا هو تحقيق شهادة أنَّ محمدًا رسول الله، وهو طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أَخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألَّا يُعبد الله إلَّا بما شرع ﵊.
الأدلة على وجوب هذا الشرط:
أوَّلًا: من القرآن:
قوله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
стр. 207
فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله جل وعلا: ﴿ومَا أَرْسَلنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ … ﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ … ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله جل وعلا: ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
ثانيًا: ومِن السُّنَّة:
ما رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (١).
وفي رواية عنها- ﵂ أيضًا: «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (٢)، أي: مردود عليه غير مُتَقَبَّل منه كائنًا مَنْ كان.
وفي معرض ذكر أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة قال ابن القيم ﵀: «وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولِما يُحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله من عاملٍ سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وجعل ما على الأرض زينة لها؛ ليَختبرهم أيهم أحسن عملًا.
قال الفضيل بن عياض: «العمل الحَسَن هو: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، والخالص: ما كان لله. والصَّواب: ما كان على السُّنَّة» … فلا يَقبل الله من العمل إلَّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردودٌ على
стр. 208
عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباءً منثورًا» (١).
جماع هذه الشروط:
وقد جمع الله بين هذه الشروط الثلاثة في آية واحدة؛ فقال تعالى: ﴿ومَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
وبيان ذلك:
الشرط الأول: الإخلاص، ودليله: قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وجْهَهُ للهِ … ﴾ [النساء: ١٢٥] الآية.
والشرط الثاني: المتابعة، ودليلها: قوله سبحانه: ﴿وهُو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، والمحسن: هو ما كان عمله وَفْق ما جاء عن اللهِ وعن رسولِه ﷺ .
الشرط الثالث: صحَّة المعتقَد، ودليله قوله ﷻ : ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا … ﴾ [النساء: ١٢٥] الآية.
قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: «أي: لا أحدَ أحسن من دينِ مَنْ جَمَع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله، الدَّال على استسلام القلب وتوجُّهه وإنابته وإخلاصه، وتوجُّه الوجه وسائر الأعضاء لله. ﴿وهو﴾ [النساء: ١٢٥] مع هذا الإخلاص والاستسلام ﴿مُحسِن﴾ [النساء: ١٢٥] أي: مُتَّبِع لشريعة الله التي أَرسل الله بها رُسله، وأنزل بها كتُبه، وجعلها طريقًا لخواص خلقه وأتباعه.
﴿واتبع ملة إبراهيم﴾ [النساء: ١٢٥] أي: دينه وشرعه.
стр. 209
﴿حنيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد وعن التوجُّه للخلق، إلى الإقبال على الخالق» (١).
فلا بدَّ من توفُّر هذه الشروط في العبادة حتى تكون صالحةً مقبولةً عند الله . أمَّا إذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشروط فإنَّها لا تصحُّ، وبالتالي لا تنفع صاحبها، بل تكون وبالًا عليه في الدِّين والدُّنيا والآخرة (٢).
أقسام النَّاس في شروط صحة العبادة
الناس مُنقسمون في هذا الباب إلى أربعة أقسام:
أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة:
(الإخلاص): إذ إنَّ أعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاءهم لله، ومنعهم لله، وحُبَّهم لله، وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يُريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذَمِّهم، بل قد عَدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ فالعمل لأجل الناس، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم للضر والنفع منهم- لا يكون مِنْ عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربِّه؛ فمَن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يُعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا
стр. 210
عرف الله وعرف الناس آثرَ معاملة الله على معاملتهم.
(المتابعة): وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله مِنْ عامل سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورًا، وكل عمل بلا اقتداء؛ فإنَّه لا يزيد عامله من الله إلا بُعدًا، فإنَّ الله تعالى إنما يُعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء.
القسم الثاني: مَنْ لَا إِخْلَاصَ لَهُ ولَا مُتَابَعَةَ:
فَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هُو خَالِصًا لِلمَعْبُودِ؛ كَأَعْمَالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنَّاسِ، المُرَائِينَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ ورَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُمْ يَرْتَكِبُونَ الأمور التي لم يَشرعها الله، ويجمعون معها الرِّيَاءَ والسُّمْعَةَ، فَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّبَاعِ والإِخْلَاصِ والعِلمِ.
القسم الثالث: مَنْ هُو مُخْلِصٌ فِي أَعْمَالِهِ، لَكِنَّهَا عَلَى غَيْرِ مُتَابَعَةِ الأَمْرِ:
بعض الناس يَظهر عليه الإخلاص في عمله، لكنه يفعل أمورًا مخالفةً للشرع؛ كمن يَظُنُّ أَنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأَنَّ صِيَامَ يَوْمِ فِطْرِ النَّاسِ قُرْبَةٌ، وأَمْثَالِ ذَلِكَ، وقد جاء الشرعُ بالنَّهي عن مواصلة الصوم؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الوِصَالِ؛ قَالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ. قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وأُسْقَى» (١).
стр. 211
وأمَّا صيام يوم العيد؛ فقد ثبت عن أبي هريرة ?: «أن رسول الله ﷺ نَهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفِطر» (١).
ومن هذا الباب ما جاء في حديث أنس ? قال: «جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوتِ أزواج النَّبي، يَسألون عن عبادة النَّبي، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبي؛ قد غُفر له تقَدَّم مِنْ ذَنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدَّهر ولا أُفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النِّساء فلا أَتزوج أبدًا. فجاء رسولُ الله إليهم؛ فقال: «أنتم الَّذِين قُلتم كذا وكذا؟! أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكِّني أصومُ وأُفطر، وأُصَلِّي وأَرقد، وأتزوج النِّساء؛ فمَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مني» (٢).
القسم الرابع: مَنْ أَعْمَالُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ الأَمْرِ، لَكِنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ:
كَطَاعَةِ المُرَائِينَ، وكَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ رِيَاءً وحَمِيَّةً وشَجَاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقَالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقَالَ؛ فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ ظَاهِرُهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، لَكِنَّهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ؛ لأنَّ الله قال: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]؛ فَكُلُّ أَحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعِبَادَةِ اللهِ بِمَا أَمَرَ، والإِخْلَاصِ لَهُ فِي العِبَادَةِ (٣).
ودليله: حديث أبي هريرة ? قال: «حَدَّثني رسولُ الله ﷺ أنَّ الله ﵎ إذا كان يوم القيامة يَنزل إلى العباد؛ ليَقضي بينهم وكل أمة جاثية؛ فأَوَّل مَنْ يَدعو به رجلٌ جَمَعَ القرآنَ، ورجلٌ يُقتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال؛ فيقول الله ﵎ للقارئ:
стр. 212
أَلَم أُعَلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فِيما عُلِّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله ﵎ له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان قارئ؛ فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: أَلَم أُوَسِّع عليك حتى لَم أَدَعَك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِل الرَّحم وأتصدق! فيقول الله له: كَذَبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله: بل إنَّما أردتَ أن يُقال: فلان جَوَاد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قُتِل في سبيل الله؛ فيقال له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتلت! فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان جَرِيء؛ فقد قيل ذاك». ثم ضرب رسول الله ﷺ رُكبتي؛ فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلق الله تُسَعَّر بهم النَّار يوم القيامة» (١).
فإذا أراد الإنسان أن يُحَقِّق عبادة الله ، وأن يَصل إلى هذه الغاية: أن يكون مِنْ أهل هذه الطاعة والعبادة ومِن أهل صِراط الله المستقيم، ممن استقام على شرع الله ؛ فعليه أن يحقق هذين الشرطين-: الإخلاص والمتابعة- في كل عمل.
* * *