← Акыда

Акыда · id 30104

التحفة البهية في شرح رسالة العبودية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (364 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأمَّا صيام يوم العيد؛ فقد ثبت عن أبي هريرة ?: «أن رسول الله ﷺ نَهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفِطر» (١). ومن هذا الباب ما جاء في حديث أنس ? قال: «جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوتِ أزواج النَّبي، يَسألون عن عبادة النَّبي، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبي؛ قد غُفر له تقَدَّم مِنْ ذَنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدَّهر ولا أُفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النِّساء فلا أَتزوج أبدًا. فجاء رسولُ الله إليهم؛ فقال: «أنتم الَّذِين قُلتم كذا وكذا؟! أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكِّني أصومُ وأُفطر، وأُصَلِّي وأَرقد، وأتزوج النِّساء؛ فمَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مني» (٢). القسم الرابع: مَنْ أَعْمَالُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ الأَمْرِ، لَكِنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ: كَطَاعَةِ المُرَائِينَ، وكَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ رِيَاءً وحَمِيَّةً وشَجَاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقَالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقَالَ؛ فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ ظَاهِرُهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، لَكِنَّهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ؛ لأنَّ الله قال: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]؛ فَكُلُّ أَحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعِبَادَةِ اللهِ بِمَا أَمَرَ، والإِخْلَاصِ لَهُ فِي العِبَادَةِ (٣). ودليله: حديث أبي هريرة ? قال: «حَدَّثني رسولُ الله ﷺ أنَّ الله ﵎ إذا كان يوم القيامة يَنزل إلى العباد؛ ليَقضي بينهم وكل أمة جاثية؛ فأَوَّل مَنْ يَدعو به رجلٌ جَمَعَ القرآنَ، ورجلٌ يُقتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال؛ فيقول الله ﵎ للقارئ:

стр. 212

أَلَم أُعَلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فِيما عُلِّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله ﵎ له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان قارئ؛ فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: أَلَم أُوَسِّع عليك حتى لَم أَدَعَك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِل الرَّحم وأتصدق! فيقول الله له: كَذَبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله: بل إنَّما أردتَ أن يُقال: فلان جَوَاد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قُتِل في سبيل الله؛ فيقال له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتلت! فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان جَرِيء؛ فقد قيل ذاك». ثم ضرب رسول الله ﷺ رُكبتي؛ فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلق الله تُسَعَّر بهم النَّار يوم القيامة» (١). فإذا أراد الإنسان أن يُحَقِّق عبادة الله ، وأن يَصل إلى هذه الغاية: أن يكون مِنْ أهل هذه الطاعة والعبادة ومِن أهل صِراط الله المستقيم، ممن استقام على شرع الله ؛ فعليه أن يحقق هذين الشرطين-: الإخلاص والمتابعة- في كل عمل. * * *

стр. 213

قال المصنف ﵀: «فَإِنْ قيل: فَإِذا كَانَ جَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ الله دَاخِلًا فِي اسْم العِبَادَة، فلماذا عطف عَلَيْهَا غَيرهَا، كَقَوْلِه فِي فَاتِحَة الكتاب: ﴿إياك نعْبد وإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله لنَبيه: ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقَول نوح: ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح: ٣]، وكَذَلِكَ قَول غَيره من الرُّسُل؟ قيل: هَذَا لَهُ نَظَائِر، كَمَا فِي قَوْله: ﴿إِنْ الصَّلَاة تنْهى عَنْ الفَحْشَاء والمُنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، والفَحشاء من المُنكر، وكَذَلِكَ قَوْله: ﴿إِنْ الله يَأْمر بِالعَدْلِ والإِحْسَان وإيتاء ذِي القُرْبَى وينْهى عَنْ الفَحْشَاء والمُنكر والبَغي﴾ [النَّحْل: ٩٠]، وإيتاء ذِي القُرْبَى: هُو مِنْ العَدْل والإِحْسَان، كَمَا أَنْ الفَحْشَاء والبَغي من المُنكر. وكَذَلِكَ قَوْله: ﴿والَّذين يُمَسِّكون بِالكتاب وأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وإِقَامَة الصَّلَاة من أعظم التَّمَسُّك بِالكتاب. وكَذَلِكَ قَوْله عَنْ أنبيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخيرَات ويدعوننا رغبًا ورهبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ودعاؤهم رغبًا ورهبًا من الخيرَات. وأمثال ذَلِك فِي القُرْآن كثير. وهَذَا البَاب يكون تَارَة مَعَ كَون أَحدهمَا بعض الآخر، فيعطف عَلَيْهِ تَخْصِيصًا لَهُ بِالذكر؛ لكَونه مَطْلُوبًا بِالمَعْنَى العَام والمَعْنَى الخَاص. وتارَة تتنوع دلَالَة الِاسْم بِحَال الِانْفِرَاد والاقتران، فَإِذا أُفْرِدَ عَمَّ، وإِذا قُرِن بِغَيْرِهِ خص، كاسم (الفَقِير) و (المسكين)؛ لما أفرد أَحدهمَا فِي مثل قَوْله: ﴿للفُقَرَاء الَّذين أحْصرُوا فِي سَبِيل

стр. 214

الله﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقَوله: ﴿إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ [المائدة: ٨٩]- دخل فِيهِ الآخر. ولما قرن بَينهمَا فِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للفُقَرَاء والمَسَاكِين﴾ [٦٠ التوبة: ٦٠] صَارا نَوْعَيْنِ. وقد قيل: إِنْ الخَاص المَعْطُوف على العَام لَا يدْخل فِي العَام حَال الاقتران، بل يكون من هَذَا البَاب، والتَّحْقِيق: أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَازِمًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿من كَانَ عدوًّا لله ومَلَائِكَته ورُسُله وجِبْرِيل ومِيكال﴾ [البقرة: ٩٨]، وقال تعالى: ﴿وإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإِبْرَاهِيم ومُوسَى وعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ [الأحزاب: ٧]. وذكر الخَاص مَعَ العَام يكون لأسباب متنوعة: تَارَة لكَونه لَهُ خاصية لَيست لسَائِر أَفْرَاد العَام، كَمَا فِي نوح وإِبْرَاهِيم ومُوسَى وعِيسَى. وتارَة لكَون العَام فِيهِ إِطْلَاق قد لَا يُفهم مِنْهُ العُمُوم، كَمَا فِي قَوْله: ﴿هدى لِلمُتقين * الَّذين يُؤمنُونَ بِالغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ * والَّذين يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك ومَا أنزل من قبلك﴾ [٢ - ٤ البَقَرَة]، فقوله: ﴿يُؤمنُونَ بِالغَيْبِ﴾ يتَنَاول كلَّ الغَيْب الَّذِي يجب الإِيمَانُ بِهِ، لَكِن فِيهِ إِجْمَال. فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على أَنَّ من الغَيْب ما أُنزل إليك وما أُنزل مِنْ قبلك. وقد يكون المَقْصُود أَنهم يُؤمنُونَ بالمخبَر بِه، وهُو الغَيْبُ، وبالإخبار بِالغَيْبِ، وهُو مَا أُنزل إِلَيْك ومَا أنزل من قبلك. ومن هَذَا البَاب: قَوْله تَعَالَى: ﴿اتل مَا أُوحِي إِلَيْك من الكتاب وأقم الصَّلَاة﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله: ﴿والَّذين يُمَسِّكون بِالكتاب وأَقَامُوا الصَّلَاة﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وتلاوة الكتاب: هِيَ اتِّبَاعه والعَمَل بِهِ، كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الكتاب يتلونه حق تِلَاوته﴾

стр. 215

[١٢١ البَقَرَة]، قَالَ: «يُحِلُّون حَلَاله ويُحَرِّمون حَرَامه، ويُؤمنون بمتشابهه ويعملون بمُحكمه» (١). فاتِّباع الكتاب يتَنَاول الصَّلَاة وغَيرهَا، لَكِن خَصَّها بِالذِّكر لمزيتها. وكَذَلِكَ قَوْله لمُوسَى: ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ [طه: ١٤]، وإِقَامَة الصَّلَاة لذكره مِنْ أَجَلِّ عِبَادَته، وكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقوا الله وقُولُوا قولا سديدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وقوله: ﴿اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الوسِيلَة﴾ [المائدة: ٣٥]، وقَوله: ﴿اتَّقوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ [التوبة: ١٠٩]؛ فَإِنْ هَذِه الأُمُورَ هِيَ- أَيْضًا- مِنْ تَمام تقوى الله، وكَذَلِكَ قَوْله: ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، فَإِنْ التَّوكُّل هُو الاسْتِعَانَة، وهِي من عبَادَة الله، لَكِن خُصَّت بِالذِّكر؛ ليَقصدها المتعبد بخصوصها، فَإِنَّها هِيَ العونُ على سَائِر أَنْواع العِبَادَة؛ إِذْ هُو- سُبْحَانَهُ- لَا يُعبد إِلَّا بِمَعونته». ذكر المصنف ﵀ هذه المسألة، وهي أنها: إن قيل: فإذا كان جميع ما يحبُّه الله داخلًا في اسم العبادة؛ فلماذا عطف عَلَيْهَا غَيرهَا، كَقَوْلِه فِي فَاتِحَة الكتاب: ﴿إياك نعْبد وإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، فعطفت الاستعانة على العبادة، فإذا كانت الاستعانة من العبادة فلماذا حصل العطف؟ والأصل أن العطف يقتضي المغايرة، وذكر المصنف هنا أمثلة عُطفت فيها أمور داخلة في العبادة عليها؛ كقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]، حيث

стр. 216

عطف التوكل على العبادة، وقول نوح: ﴿اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح: ٣]، وكذلك قول كثير من الرسل! والجواب: أن لهذا نظائر كثيرة جاءت في النصوص؛ كقوله : ﴿إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ فالفحشاء من المنكر، وكذلك قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠]؛ فقال: إيتاء ذي القربى هو مِنْ العدل والإحسان، كما أنَّ الفحشاء والبَغي من المنكر، وهذا العطف يسمى عطف الخاص على العام؛ فالعام هنا العبادة، والخاص هو الاستعانة والتوكل، وكذا العدل عام هنا، وإيتاء ذي القربى خاص؛ فهو من العدل، والفحشاء والبغي من المنكر، فهذا من باب عطف خاص على العام. ثم بَيَّن سبب هذا العطف؛ وأنه يكون تارة لكون أحدهما بعض الآخر؛ فيعطف عليه تخصيصًا له بالذِّكر، فيكون سبب هذا التخصيص بيان قيمته وأهميته. وقال: «لكونه مطلوبًا بالمعنى العام والمعنى الخاص». وتارة تتنوع دلالة الاسم في حال الإفراد وفي حال الاقتران؛ مثل الفقير والمسكين، فيُعطف هذا على هذا، فيكون إذا أُفردا دخل فيه الآخر، وإذا اقترنا اختص هذا بأمر واختص هذا بأمر. فأنت إذا قلت: المسكين عمومًا دخل فيه الفقير، وإذا قلت: الفقير عمومًا دخل فيه المسكين، لكن إذا ذُكر الفقير والمسكين في سياق واحد؛ كقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]؛ فيكون الفقير نوع والمسكين نوع، فقال هنا: «وتارة تتنوع

стр. 217

دلالة الاسم في حال الانفراد والاقتران؛ فإذا أُفرد عَمَّ، وإذا قُرِن بغيره خُصَّ؛ كاسم الفقير والمسكين في مثل قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقوله: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩]، فهنا دخل فيه الآخر، وأما إذا اقترنا في سياق واحد؛ فإن الفقير هو الذي لا يَجد قوت يومه، والمسكين هو الذي لا يَجد قوتَ سَنَتِه؛ كما في قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة: ٦٠]، ومعنى هذا: أنَّ الفقراء نوع، والمساكين نوع آخر، إذًا صارَا نوعين. وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من باب العطف الذي يقتضي المغايرة. فقاعدة: أن العطف يقتضي المغايرة لها استثناء؛ فليس كل عطف يقتضي المغايرة في كل حال. وضرب المصنف أمثله هنا؛ منها قول الله : ﴿من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]؛ حيث ذكر الله الملائكة، ثم ذكر بعدهم جبريل وميكال، مع أنَّ جبريل وميكال من الملائكة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ [الأحزاب: ٧]؛ فذكر النبيين، ثم ذكر بعض النبيين؛ فقال: ﴿ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾ [الأحزاب: ٧]. قال المصنف: «وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة». منها: بيان شرفهم ومكانتهم؛ كما ذكر الله تعالى جبريل وميكال بعد ذكر الملائكة؛ فهذا تخصيص لهم؛ لشرفهم ومكانتهم، وكذلك عندما ذكر الله جل وعلا النبيَّ ﷺ وإبراهيم وموسى وعيسى بعد

стр. 218

النبيين؛ لأنهم أولو العزم من الرسل، وهذا تخصيص لبيان شرفهم ومكانتهم. وتارَة لكَون العَام فِيهِ إِطْلَاق قد لَا يُفهم مِنْهُ العُمُوم، كَمَا فِي قَوْله: ﴿هدى لِلمُتقين﴾ [البقرة: ٢]، ثم ذكر من أوصافهم بعد ذلك: ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ * والَّذين يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك ومَا أنزل من قبلك﴾ [البقرة: ٣، ٤]. فقوله: ﴿يُؤمنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] يتَنَاول كلَّ الغَيْب الَّذِي يجب الإِيمَانُ بِهِ، لَكِن فِيهِ إِجْمَال؛ إذ مفهوم الإيمان يشمل عدة أمور، منها ما هو غيب ومنها أمور أخرى، فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على أَنَّ من الغَيْب ما أُنزل إليك وما أُنزل مِنْ قبلك، فخصه بذلك لأهميته؛ لنؤمن بما أنزل إلينا وما أنزل من قبلنا، فهذا أمر لا بد منه؛ لأن الكفر بما أنزل من قبل النبي ﷺ خروج من الإيمان، ولمَّا لم يستحضر الذهن مثل هذه الأمور، كان لا بد ذكرها وتخصيصها؛ لكي تُعلم قيمتها ومكانتها، وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب، وبالإخبار بالغيب هو ما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك، يعني: قد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به، ومن هذا الإيمان بما أنزل وما أنزل من قبلك باعتبار أنه من الغيب، فقد يكون المراد هذا وقد يكون المراد هذا، فهنا يقتضي أن له خاصية ليست لسائر الأمور. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقوله: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة﴾ [الأعراف: ١٧٠]؛ فتلاوة الكتاب هي اتِّباعه والعمل به، ولا شك أن الصلاة من العمل به، كما قال ابن مسعود في قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١]، قال: «يُحِلُّون حلالَه

стр. 219

ويُحَرِّمون حرامَه، ويُؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمُحكمه»؛ فاتِّباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خَصَّها بالذكر لمزيتها؛ ولا شك أنها أعظم أمر بعد الشهادتين. ثم قال: وكذلك قوله لموسى: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]، وإقامة الصلاة لذكره تعالى مِنْ أَجَلِّ عِبادته. وكذلك قوله تعالى: ﴿اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، فلا شك أن القولَ السَّديدَ مِنْ تقوى الله، ولكن أحيانًا تُمتحن التقوى في نفس العبد، وبخاصة في الأمور التي فيها حظٌّ للنفس، فقد يخطئ شخص في حقك خطأ غير متعمد، ولكن أحيانًا من ضعف التقوى قد تعتدي بالقول، وتميل النفس إلى التجاوز؛ لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، ولكن إذا كانت التقوى قائمة في النفس فستكبح جماحها. فالقول السديد هذا يدل على أن التقوى متمكنة في القلب، وتظهر في حال الشدة والمصيبة. وكذلك قوله تعالى: ﴿اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: ٣٥]، وقوله ﷻ : ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩]، فإن هذه الأمور- أيضًا- من تمام التقوى. وكذلك قوله جل وعلا: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]؛ فإن التوكل هو الاستعانة، وهو من عبادة الله؛ لكن خُصَّ بالذكر؛ ليَقصده المتعبد؛ لأنه معين له على سائر أنواع العبادة. وإذا قلت: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] فاعلم أنه لا غنى لك عن عون الله طرفة عين، وكل ما حصل لك من خير

стр. 220

وطاعة وعبادة فهو بعون الله وتوفيقه، ولذا لزم على العبد في هذا المقام أن يخص الاستعانة بالذكر بعد العبادة؛ لأنها العون على سائر أنواع العبادة. فإذا عمر الإيمانُ القلبَ- والقلب له أعماله، والتي منها اليقين والتوكل والاستعانة وغير ذلك- كان لا بد من صدق مع الله ؛ لذا قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩]، وأعظم أنواع الصدق: الصدق مع الله ، والصدق في التوكل عليه جل وعلا، فإذا قامت هذه المعاني في القلب أعان الله سبحانه العبد على سائر الطاعات، وإذا ضعفت كان ذلك مدعاة للتكاسل والتباطؤ عن العبادة. فبقدر قوة اليقين وقوة التوكل والعزيمة في القلوب بقدر ما ينطلق الإنسان في سائر أنواع الطاعات. فإذن: هذا التخصيص يُبين قِيمة ومَزِيَّة هذه العبادة التي أُفردت بالذِّكر بعد العموم والإجمال. * * *

стр. 221

قال المصنف ﵀: «إِذا تَبَيَّن هَذَا فكمال المَخْلُوق فِي تَحْقِيق عُبوديته لله، وكلما ازْدَادَ العَبْدُ تَحْقِيقًا للعبودية ازْدَادَ كَمَالُه، وعَلَتْ دَرَجَتُه». كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وهذا الكمال لا يوجد في المظهر، ولا في المال ولا في سائر أمور الحياة الدنيا الزَّائفة، وإنَّما الكمال في عبادة الله تعالى وحده. فإذا أراد العبدُ الكمالَ الحقيقي فإنَّ كماله يكون بتحقيقه العبودية لله ؛ بعد أن يتخلص من شَرِّ نفسِه ووساوسها وخطراتها ومن همزات الشَّياطين، ثم سيجد أثر ذلك- بفضل الله عليه- صلاحًا في نفسه، وصفاء في قلبه، ونَقاء لِرُوحه، وهداية للأهل وبركة في المال والولد، بل وبركة في الحياة كلها، ومن ذلك الذِّكر الحَسَن بين الناس حَيًّا وميتًا، وأعظم من هذا: عُلو درجته عند الله . * * *

стр. 222

قال المصنف ﵀: «ومَن تَوَهَّم أن المخلوق يَخرج من العبودية بوجهٍ من الوجوه، أو أنَّ الخروج عنها أكمل؛ فهو مِنْ أجهل الخلق، بل من أضَلِّهم؛ قال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا سبحانه بل عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم مِنْ خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]، وقال تعالى في المَسيح: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾ [الزخرف: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وقال تعالى: ﴿لن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٧٢، ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار

стр. 223

والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون﴾ [فصلت: ٣٧، ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥، ٢٠٦]. وهذا ونحوه- مما فيه وصف أكابر الخلق بالعبادة، وذم مَنْ خرج عن ذلك- متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك؛ فقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى لبنى إسرائيل: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت: ٥٦]، ﴿وإياي فاتقون﴾ [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]، وقال: ﴿وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل الله أعبد مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]. وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله؛ كقول نوح ومن بعده- ﵈ في سورة الشعراء (١) وغيرها: ﴿اعبدوا الله

стр. 224

ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩] (١). وفي «المسند» عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ أنه قال: «بُعثتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة حتى يُعبد الله وحده لا شريكَ له، وجُعل رِزقي تحت ظِلِّ رُمحي، وجُعل الذِّلَّة والصَّغار على مَنْ خالف أمري» (٢). وقد بَيَّن أنَّ عباده المخلصين هم الذين يَنجون من السيئات التي زيَّنها الشيطان؛ قال الشيطان: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، قال تعالى: ﴿هذا صراطٌ عليَّ مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤١، ٤٢]، وقال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال في حَقِّ يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿سبحان الله عما يصفون * إلَّا عباد الله المخلصين﴾ [الصافات: ١٥٩، ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠]. وبالعبودية نعت كلَّ مَنْ اصطفى مِنْ خلقه؛ كقوله: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]، وقوله: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب﴾ [ص: ١٧]، وقال عن

стр. 225

سليمان: ﴿نعم العبد إنَّه أَوَّاب﴾ [ص: ٣٠]، وعن أيوب: ﴿نعم العبد﴾ [ص: ٤٤]، وقال عنه: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه﴾ [ص: ٤١]، وقال عن نوح ﵇: ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا﴾ [الإسراء: ٣]، وقال عن خاتم رسله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وهو أولى القِبلتين، وقد خَصَّه الله بأن جعل العبادة فيه بخمسمائة ضِعف، والمقصود بمضاعفة الحسنات: هو المسجد الذي حرقه اليهود عليهم لعنة الله، ويظن البعضُ أن المسجد الأقصى هو الصَّخرة والقُبَّة المحيطة بها، وليس كذلك، وقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ [الجن: ١٩]، وقال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وقال: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]، وقال: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ومِثل هذا كثير متعدد في القرآن». رجع المصنف إلى الرد على المتصوفة، وسبق أن بعض أهل التصوف ظنوا أن العبودية مرحلة، إذا استطاعوا تجاوزوها وصلوا إلى مقام أكبر وأعظم، وهو مقام الخواص، وخواص الخواص؛ وبالتالي تسقط عنهم العبادة والتكاليف، ولا شك أن هذا باطل. ولذلك قال: «ومَن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل- فهو مِنْ أجهل الخلق، بل من أضلهم». وهذه دعوى بعض المتصوفة الذين يزعمون أن العبادة ما هي إلا مرحلة، وهي أمور خاصة بالعوام، وأن الواحد منهم متى ما تخلى بخلواته وانشغل بأوراده وأذكاره الخاصة المبتدعة- فإنه

стр. 226

يَنسلخ من هذه العبادة ويخرج منها، حتى إنه بعد ذلك لا يأتمر بمعروف ولا يَنتهي عن منكر؛ ويرى أن هذه الأمور تسقط عنه، وأن بلغ مقامًا أعظم من مقام عبادة الله ، ولا شك أن هذا- كما قال المصنف- لا يقع إلا مِنْ أجهل الخلق ومِن أَضَلِّهم وأَبْعَدهم عن دين الله . وهذه الآيات بَيَّنت أنَّ أفضلَ مَقام وأفضل وصف يتصف به جميع الخلق- بمن فيهم الرُّسل والملائكة- هو وصف العبودية؛ فالملائكة قال الله تعالى عنهم: ﴿بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، فوصفهم بأنهم عباد له جل وعلا، وأنَّهم لا يَخرجون عن مقتضى هذه العبودية؛ فقال: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦]، وهذه أخص أوصافهم. وكذلك الرُّسل عباد لله، لا يخرجون عن هذا الوصف الذي هو شَرَفٌ لهم؛ فبعد أن أكرم الله رسوله ﷺ بالإسراء أنزل عليه قوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، ولما ذكر قصة ميلاد عيسى- ﵇ العجيبة، ذكر عبوديته له ؛ فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠، ٣١]، وهكذا في سائر الآيات التي ذكرت دعوة الرسل إنما هي دعوة لعبادة الله وحده. فليس للعبد إلا أن يحقق عبودية الله ، وهذا وحده هو سبيل الكمال وسبيل النَّجاة، وهو أساس دعوة الرُّسل، وأما دعوى إسقاط العبادات فضلالٌ كبير وشر مستطير وخسران مبين. والمصنف بعد أن أورد عددًا من الآيات في هذه المسألة- بَيَّن أن القرآن أكثر مِنْ ذكر شأن العبادة وبيان منزلتها، وتوضيح أنها هي

стр. 227

الصلة بين العبد وبين ربه ؛ لذا فمن أراد أن يحقق الصلة بينه وبين الله تعالى فليُحقق ما جاء في الحديث القدسي: «وما تقَرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يَزال عبدي يتقرب إليَّ بالنَّوافل حتى أُحِبَّه» (١). فتحقيق الصلة بالله والقُرب منه ومحبته ونَيْل رِضوانه وجَنَّته إنَّما يكون بتحقيق العبادة، والسعيد مَنْ عرف، وبعد أن عرف لَزِم، فيَنبغي لزوم هذه الحقائق الشرعية، وعدم المَحيد عنها، ومهما حاول أولئك الضالُّون أن يَطمسوها فهي واضحة جلية بَيِّنَّة لكلِّ مَنْ كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما من ضل بترهات أولئك وأقوالهم وأباطيلهم فهو جاهل وما ضَرَّ إلا نفسه، ولو عاد إلى كتاب الله وإلى سُنَّة رسوله ﷺ لرأى من مكانة العبادة وفضلها وعِظمها ما يجعله يجتهد في طاعة ربِّه وعبادته . * * *

стр. 228

قال المصنف ﵀: «فصل [في التَّفاضل بالإيمان] إذا تبين ذلك، فمعلوم أنَّ هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلًا عظيمًا، وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان، وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت إلهيَّةُ الربِّ فيها عموم وخصوص». بعد أن بَيَّن المصنفُ- ﵀ مفهوم العبادة ومعناها، وبَيَّن مواقف الطوائف منها، وذكر ما يتعلق بها من حيث أصلها واجتماع شروطها، شرع في هذا الفصل في بيان التفاضل في الإيمان؛ فالناس في أمر العبودية ليسوا على حدٍّ سواء، فهم يتفاضلون فيما بينهم بحسب ما حَقَّقه كلُّ واحد منهم في هذا الأمر، ولذلك مَنْ كان همته عالية وعنده رغبة فيما عند الله من الفضل والأجر العظيم- فلا بد له أن يستحضر في قلبه عددًا من المعاني، إذا امتثلها وتعلق بها رفع ذلك من مقام عبوديته لله ، وخَلَّصه من أنواعٍ من عبوديات في الدنيا. لذلك كان لا بد لمن كان له مثل هذه الهمة أن يعلم هذه المعاني وأن يستحضرها ثم يتحقق بها. ولمَّا كانت العبادة هي الغاية التي خُلِق من أجلها الجنُّ والإنسُ، تفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا، وهو تفاضلهم في حقيقة

стр. 229

الإيمان، والإيمان والعبادة هنا بمعنى واحد، فالإيمان- كما هو معلوم- قول وعمل، وهكذا العبادة قول وعمل؛ فهناك قول، وهو قول القلب وقول اللسان، وعمل، وهو عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح؛ فكل هذه أنواع من العبادة على العبد أن يقوم بها وأن يحققها. والناس ينقسمون في أمر العبودية إلى عام وخاص، ولهذا كانت ربوبية الله لهم فيها عموم وخصوص؛ فهناك عبودية عامَّة، وهي عبودية القهر والذل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فكل الخلق مَقهورون مَربوبون لله ، تحت حكمه وتحت إرادته، وتحت تدبيره؛ فهذه تسمى عبودية عامَّة. والعبودية الخاصة هي التي تكون لأهل الإيمان وحدهم؛ ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ ، واستقام على شرع الله ، وقد سبق بيانها. * * *

стр. 230

قال المصنف ﵀: «ولهذا كان الشِّركُ في هذه الأُمَّة أَخْفَى مِنْ دَبيب النَّمل». شرع المصنف ﵀ في ذكر عدد من العوائق تتسبب في نقص إيمان العبد وبُعده عن عبوديته لله ، ومن تلك العوائق: ضعف الإخلاص، كما قال عبد الله بن المبارك: «رُبَّ عملٍ صغير تُعَظِّمُه النِّيَّة، ورُبَّ عملٍ كبيرٍ تُصَغِّرهُ النيَّة» (١)، يقولُ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ ﵀: «إنَّما يريدُ اللهُ مِنْكَ نِيَّتَكَ وإرادتَكَ» (٢). فالإنسان لا بد أن يُخلص العبودية لله ، لكن هناك عوارض وموانع وهذه العوارض والموانع في غالب الأمر تأتي من نفس الإنسان، بحكم تعلُّقه بأمر من أمور الدنيا؛ فيقع منه الإخلال بالعبودية، وهذا الإخلال إمَّا أن يقع في الإخلاص، وإما أن يقع في المتابعة. فَلِكَي يستقيم أمرُ الإخلاص ويستقيم أمر المتابعة لا بد من النظر في هذه العوارض والموانع في ذات النفس ومُعالجتها، وهذا الخَلل قد يكون في طريقة التفكير، أو في استجابة الإرادة، والقلبُ يُراد به كلا الأمرين: أمر الفكر والنَّظر، وأمر الإرادة والعمل. فإذا كان أمرُ الفِكر والنَّظر متعلقًا بأمور الدنيا وزهرتها

стр. 231

وأحوالها، فهذا مانع قد يحجز العبد عن تحقيق الإخلاص لله ، ومن ثم يدخل الشرك الخفي في النفس؛ فلو كان هناك مطمع في مدح أو ثناء أو جاه أو مال أو رئاسة أو نحو ذلك من مطامع الدنيا، فهذا المطمع قد يحمل العبد على عدم الإخلاص في هذا العمل، وقد يمنعه عن اتباع الشرع. كذلك الحال في الهوى، أَلَا ترى إلى ذلك الشخص الذي ينشغل بتجارته حتى إنه من انشغاله بتجارته قد لا يُصلي، فلا يُغلق مَحِلَّه، ولا يَستجيب لداعي الله . وذاك الشخص الذي يأتي إلى الصلاة وهو مُنشغل بأمر الدنيا، فيصلي ويركع ويسجد ولكن لا يَدري ماذا صَلَّى؟ ولا ماذا سَبَّح؟ ولا ماذا قرأ الإمام؟ كل ذلك لانشغاله بأمر الدنيا. فهذه الموانع لا بد من استعراضها وبيانها، وقد أشار المصنف هنا إلى ما رواه أَبو موسى الأشعري ? قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ!». فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُه» (١)، وهذا يعني أن العبد لا تستطيع أن يبرئ نفسه من مثل هذا الحال؛ لأنه قد يقع فيها وهو لا يَشعر، فلا بد إذًا من أخذ الحيطة والحذر، ولا بد أن يكون الإنسان على دراية بهذه الموانع التي قد تُفسد عليه أمر دينه وعبادته.

стр. 232

ثم معلوم أنَّ للقلب أعمالًا، وهذه الأعمال لا بد من تحقيقها فيما يتعلق بحقِّ الله ، فمتى ما قامت هذه الأعمال في قلبه كانت سببًا لاستكماله لطاعة الله ، واستكماله للدرجات العلى والمنازل الرفيعة التي أعدَّها الله للمخلصين من عباده. * * *

стр. 233

قال المصنف ﵀: «وفى «الصَّحيح» عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «تَعِسَ عبدُ الدِّرهم، تَعِسَ عبدُ الدِّينار، تَعِسَ عبدُ القَطيفة، تَعِسَ عبدُ الخميصة، تَعِس وانتكس، وإذا شِيك فلا انتقش؛ إن أُعطي رَضِي، وإن مُنِع سَخِط» (١). فسَمَّاه النبيُّ ﷺ عبدَ الدِّرهم، وعبدَ الدينار، وعبد القَطِيفة، وعبد الخميصة، وذكر ما فيه دعاء وخبرًا، وهو قوله: «تَعِس وانتكس، وإذا شِيك فلا انتُقِش»، والنقش: إخراج الشَّوكة من الرِّجْل. والمنقاش: ما يُخرج به الشوكة. وهذه حال مَنْ إذا أصابه شَرٌّ لم يَخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تَعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنَّه إذا أُعطي رضي، وإذا مُنع سخط، كما قال تعالى: ﴿ومنهم مَنْ يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨]؛ فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله». ذكر المصنف المعوق الثاني من معوقات تحقيق العبودية لله تعالى: وهو تعلق الإنسان بالدنيا على حساب تحقيق العبودية لله تعالى، واستدل لذلك بقول رسول الله ﷺ : «تَعِس عبدَ الدِّينار،

стр. 234

تَعِس عبدَ الدِّرهم، تَعِسَ عبدَ القَطِيفة، تَعِس عبدَ الخميصة، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِيك فلا انتقش؛ إن أُعطي رَضِي، وإن مُنِع سَخِط»، فمَن عبدَ الدينار والدرهم ولهث وراءهما- لا يُحِلُّ حلالًا ولا يُحرم حرامًا من أجل اكتسابها، وكان همه هو جمع المال وزينة الدنيا من ملبس ومركب ومسكن ونحو ذلك، ولا يبالي من أين اكتسب هذا المال ولا فيما أنفقه، ويغرُّه المال وينسى أنه سيسأل عنه يوم القيامة؛ كما جاء في الحديث: «لا تزول قَدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمره فيما أفناه، وعن عِلمه فِيم فَعَل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جِسمه فيم أبلاه» (١). وقد سمَّاه النبيُّ ﷺ عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة؛ لأن العبودية في أصلها هي الذُّلُّ والخضوع، وهذا المحب لهذه الأشياء الجامع لها والمغتر بها- يحمله حبها لها على الذل والخضوع في طلبها وجمعها، ويكون ذلك على حساب دينه وعبوديته لربه، وتبقى أقواله وأعماله وحركاته وسكناته تبعًا لتحصيل هذه الأشياء ويلهث وراءها؛ فتستعبده. وقوله: «فيه دعاء وخبر، وهو قوله: «تعس وانتكس»، فهذا دعاء عليه فما بالك بمن دعا عليه النبيُّ ﷺ ؟! فيجب أن يحذر من ذلك، ولو علم بحقيقة دعوة النبي ﷺ لضاقت الدنيا عليه. وكذلك الخبر: «وإذا شِيك فلا انتقش»، أي: إذا أصابته شوكة ما استطاع إخراجها. لذا يجب على الإنسان أن يحتاط لنفسه؛ لأن هذه الأمور قد

стр. 235

تقع في النفس وتهواها وتتعلق بها؛ بحيث يصعب عليها مفارقتها، وبالنظر لأحوال تجد بعض أهل الدنيا ممن عندهم من الأموال ما يكفي أمة من الناس، ومع ذلك تراه على حالة رثة، وتجده من أبخل الناس على نفسه، وهو في ضنك من العيش وفي هَمٍّ وغم، وقد لا ينام الليل؛ بسبب أن حبَّ الدنيا قد تمكن في قلبه، وأصبح عبدًا خادمًا للمال بدل أن يكون هذا المال وسيلة لقضاء حوائجه. قال المصنف ﵀: "وهذه حال مَنْ إذا أصابه شَرٌّ لم يَخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تَعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنَّه إذا أُعطي رضي، وإذا مُنع سخط، كما قال تعالى: ﴿ومنهم مَنْ يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨]؛ فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله». وهذا من دعوة النبي ﷺ على مَنْ هذا حاله؛ قال المصنف: «وهذه حال من أصابه شرٌّ لم يخرج منه ولم يُفلح؛ لكونه تَعس وانتكس»، فشرٌّ ووبال على الإنسان أن يكون على مثل هذا الحال، وسيأتي أن مدار هذه الأمور كلها على الحبِّ؛ لأن تعريف العبادة هي كمال المحبة مع كمال الذُّلِّ، فأصل الأمر هو الحب، فإذا كان حبك لله تعَلَّقَ القلب بما يُرضي الله ، وسعى في تحقيقه، وإذا اختل هذا الحب وتعلق بغير الله فهذا هو الذل بعينه، وهو الحياة الضنك والشقاء والانتكاس. ولما كان كل إنسان إنما يبحث عن السعادة والحياة الطيبة- لزم أن يعلم أنها في اتباع منهج الله؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ

стр. 236

مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وأن التعاسة والشقاء في الإعراض عن منهجه جل وعلا؛ قال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤]. لذلك دعا النبي ﷺ بالتعاسة على من تعلق قلبه بمثل هذه الفانية واستعبدته؛ لأن عاقبتها إلى شقاء، وإلى انتكاس، وإلى تعاسة متحققة؛ كما أخبر النبي ﷺ . وقد وصف النبي ﷺ المتعلق بالدنيا بأنه إذا أُعطي رضي، وإذا مُنِع سخط، وهذا حال كثير من الناس ممن استعبدتهم الدنيا، حتى إنهم ليتسخطوا أقدار الله ؛ إن أعطاهم نعمة رضوا بها وفرحوا، وإن منعهم تسخطوا وجزعوا؛ وقد قال الله تعالى في وصف هؤلاء: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]. * * *

стр. 237

قال المصنف ﵀: «وهكذا حال مَنْ كان متعلقًا برئاسة». ذكر المصنف معوقًا آخر من معوقات تحقيق العبودية لله، وهو تعلق القلب بأمر من أمور الدنيا لدرجة تُنسيه حقَّ الله عليه، وهو التعلق بالرئاسة. وحبُّ الرئاسة هي شهوة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحبِّ الظهور، وهي التي حَذَّر منها رسولُ الله ﷺ بقوله: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة؛ فنِعم المرضعةُ وبئست الفاطمةُ» (١). وقوله: «نعم المرضعة» وذلك أولها؛ لأنَّ معها المال والجاه والسلطة، وقوله: «بئس الفاطمة» أي: آخرها؛ لأنَّ معه القتل والعزل في الدنيا والحسرة والتبعات يوم القيامة، وقد بيَّن النبيُّ ﷺ عواقب الرئاسة ومراحلها الثلاث في قوله: «إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي: أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا مَنْ عَدَلَ» (٢). بل قال ﷺ لرجلين سَأَلَاه الإمارةَ: «إنَّا لا نولِّي هذا مَنْ سأله، ولا مَنْ حرص عليه» (٣).

стр. 238

ومدح رسول الله ﷺ صنفًا من الناس وهم الذين لا يَعنيهم ولا يَشغل فكرهم سوى رضا الله ؛ سواء كانوا ظاهرين أم مُستترين، وفي المقدمة أو في المؤخِّرة، وذلك بقوله ﷺ : «طُوبى لعبدٍ آخذٍ بِعِنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُه، مُغْبَرَّة قدماه؛ إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفع لم يُشفَّع» (١). وقال النبيُّ ﷺ : «ما ذئبان جائعان أُرْسِلَا في غَنَمٍ بأفسدَ لها مِنْ حرص المرء على المال والشَّرف لدينه» (٢). قال ابن رجب: «فأخبر النبيُّ ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف إفساده لدينه بأقل من إفساد هذين الذئبين لهذه الغنم، بل إمَّا أن يكون مساويًا وإما أن يكون أزيد، يشير إلى أنه لا يسلم من دين المرء مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل، كما أنه لا يَسْلَم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيهما إلا القليل، فهذا المَثَل العظيم يتضمن غاية التحذير من شرِّ الحرص على المال والشرف في الدنيا» (٣). قال سفيان الثوري ﵀: «ما رأيتُ الزهدَ في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع الرئاسة حامى عليها وعادى» (٤).

стр. 239

وقال يوسف بن أسباط: «الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الدنيا» (١). وكان السلفُ ﵏ يُحَذِّرون مَنْ يحبون منها؛ فقد كتب سفيان إلى صاحبه عبَّاد بن عبَّاد رسالة فيها: «إيَّاك وحب الرئاسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحبَّ إليه من الذهب والفضة، وهو بابٌ غامض لا يُبصره إلا البصير من العلماء السماسرة؛ فتَفقَّد نفسك واعمل بنية» (٢). وقال أيوب السختياني: «ما صدق عبد قط فأحبَّ الشهرةَ» (٣). وقال بشر بن الحارث: «ما اتَّقى اللهَ مَنْ أحبَّ الشهرة» (٤). وقال يحيى بن معاذ: «لا يفلح مَنْ شممت رائحة الرياسة منه» (٥). وقال شدَّاد بن أوس ?: «يا نعايا للعرب، إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية» (٦). قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟ قال: «حبُّ الرئاسة» (٧). قال ابن تيمية مُعَقِّبًا: «فهي خفية، تخفى عن الناس، وكثيرًا ما

стр. 240

تخفى على صاحبها» (١). فالنفس قد تميل إلى الترأس وإلى التصدر، وإلى أن يكون لها منزلة ومكانة بين الناس، فعلى الإنسان أن يَعلم أن هذا الأمر فيه مَفسدة وشر على نفسه؛ فلا يستشرف إليه ولا يطلبه، وكما جاء في الحديث المنع من هذه الأمور، فإن الإنسان لا يَنبغي أن يسألها، وإن كان العلماء قد فَصَّلوا في هذا، كما كان حال يوسف ﵇؛ حين قال للمَلِك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. لكن في حاصل الأمر: أن الإنسان لا يسأل هذه الرئاسة ولا يَطلبها، وخاصة إذا كان فيه من الضعف ما لا يستطيع معه تحمل أعبائها، ولكن تبقى عنده نوازع إليها في نفسه، فالواجب عليه أن يَكبح جماحها، وأن لا تكون الرئاسة غاية مقصودة لذاتها، وأمَّا إذا ابتلي بها العبد من غير طلب منه- فسَيُعان عليها؛ فعن عبد الرحمن بن سمرة ?، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبدَ الرَّحمن بن سَمُرة، لا تسأل الإمارة؛ فإن أُعطيتها عن مَسألة وُكِلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها» (٢). وهذا أمر كوني قدري قد يَبتلي اللهُ العبدَ به؛ قال الله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦]. واعلم أنَّ غالب هؤلاء الذين هم في الرئاسات يعيشون في كدر؛ حتى تَفنى أعمارُهم، ولا يجدون طعمًا للراحة؛ فالرئاسة جعلتهم في الحقيقة محكومين وليس حاكمين؛ لما يتحملونه من أعباء

стр. 241

ومسئوليات دنيوية، فضلًا عن حسابهم في الآخرة؛ قال رسول الله ﷺ : «كلُّكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (١). فحال الإنسان أنه يسعى إلى ما قد يكون فيه تعاسته وهلاكه وانتكاسته، ويظن أن فيه لذته وسعادته، بينما اللذة الحقيقية هي في القُرب من الله بعبادته والأنس بطاعته. * * *

стр. 242

قال المصنف رحمه الله تعالى: «أو بصورة». من الأمور التي تحول بين العبد وبين تحقيق عبوديته لله تعالى: التعلق بغير الله؛ قال ابن القيم: «[فصل: المفسد الثالث من مفسدات القلب: التعلق بغير الله تبارك تعالى]. وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق، فليس عليه أضر من ذلك، ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه، فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعَلَّق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمَّله ممن تعلق به وصل» (١). ومن التعلق بغير الله: التعلق بالصُّور؛ فالإنسان قد يتعلق بامرأة ويُحِبُّها وقد تكون زوجة أو جارية له، وهو مالكها وسيدها، ولكنه مع ذلك يكون مملوكًا لها في واقع الحال، وكأنه عبدٌ بين يديها، وما يحصل هذا إلا لفراغ قلبه من التعلق بالله . وقد يحمل التعلقُ بهذه الصور النفسَ على عبوديتها من أجل أنه تلذذ بالقُرب منها، بينما اللذة الحقيقية والطمأنينة الحقيقية هي كما قال الله : ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨].

стр. 243

وما أجمل ما قاله ابن القيم ﵀ في «الطب النبوي» عند الحديث عن هديه ﷺ في علاج العِشق! إذ قال ابن القيم ﵀: «وعشق الصور إنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المُعرضة عنه، المتعوِّضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرضَ عِشق الصور، ولهذا قال تعالى في حقِّ يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السُّوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرفُ المسبَّب صرفٌ لِسببه، ولهذا قال بعض السلف: العِشق حركة قلبٍ فارغ، يعني: فارغًا ممَّا سِوى مَعشوقه … والعشق مركَّبٌ من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه، فمتى انتفى أحدُهما انتفى العشق، وقد أَعْيَت علةُ العشق على كثير من العقلاء، وتكلم فيها بعضهم بكلام يُرْغَب عن ذكره إلى الصَّواب» (١). ثم قال: «والمقصود: أنَّ العشق لما كان مرضًا من الأمراض، كان قابلًا للعلاج، وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيلٌ إلى وصل محبوبه شرعًا وقَدَرًا، فهو علاجه، كما ثبت في «الصَّحيحين» من حديث ابن مسعود ? قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب، مَنْ استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّه له وجاء» (٢)، فدلَّ المحبَّ على علاجين: أصلي وبَدَلي، وأمره بالأصلي: وهو العلاج الذي وُضع لهذا

стр. 244

الداء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وَجد إليه سبيلًا. وروى ابن ماجه في «سننه» عن ابن عبَّاس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لم نَرَ للمُتحابين مثل النِّكاح» … » (١)، إلخ ما قال (٢). * * *

стр. 245

قال المصنف رحمه الله تعالى: «ونحو ذلك من أهواء نفسه؛ إن حَصل له رَضِي، وإن لم يَحصل له سَخِط». ذكر المصنفُ ﵀ أحدَ مُعَوِّقات تحقيق العبودية في نفس الإنسان، وهو اتِّباع الهوى؛ فالمعاصي والبدع كلها مَنشؤها من تقديم الهوى على الشرع؛ قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٩]. ففساد الدِّين يقع بالاعتقاد بالباطل، أو بالعمل بخلاف الحقِّ؛ «فالأول: البدع، والثاني: اتِّباع الهوى، وهذان هما أصل كلِّ شر وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسلُ، وعُصي الرب، ودُخلت النار، وحَلَّت العقوبات» (١)، ولذلك ما ذكر اللهُ الهوى في كتابه إلا على سبيل الذَّمِّ، وأَمَر بمخالفته، وبَيَّن أن العبد إن لم يَتَّبع الحقَّ والهدى اتَّبَع هواه؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وقال جل وعلا: ﴿ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِنْ تَحْمِل عَلَيْهِ يَلهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وإِنْ تَلوُوا أَوْ

стр. 246

تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. كما عَرَّف الإمامان ابنُ القيم وابنُ الجوزي رحمهما الله الهوى بأنَّه: «مَيْلُ الطَّبْع إلى ما يُلائمه» (١). وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «ما ذَكر الله الهوى في كتابِه إلا ذَمَّه» (٢). وقال سهل بن عبد الله: «هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك»، وقال وهب: «إذا شككت في أمرين ولم تَدْرِ خَيْرَهما، فانظرْ أبعَدَهما من هواك فَأْتِهِ» (٣). وقال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى: يا أبا سعيد، أي: الجهاد أفضل؟ قال: «جِهادُك هَوَاك» (٤). وحقيقة اتباع الهوى: هو ما تَميل إليه النفسُ مما لم يُبحه الشَّرع، وخلاف مقصود الشرع؛ لأن «المقصد الشرعي من وضع الشَّريعة: إخراج المُكَلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا» (٥). وصاحب الهوى لا عقل له ولا خطام، ولا قائد له ولا إمام، إذ قد اتخذ إلهه هواه، فحيثما سار به سار، وأينما حل به فهو معه؛ فجميع أقواله وفتاويه ومواقفه تَبَعٌ لسلطان هواه عليه، فوقع تحت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ وأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلبِهِ

стр. 247

وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: «ما ابتدع رجلٌ بدعة إلا أتى غدًا بما ينكره اليوم» (١). وقال عبد الله بن عون البصري: «إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يَستقبحه» (٢). قال شيخ الإسلام: «والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصولَ دينٍ قد ابتدعوه برأيهم، ثم يَعرضون على ذلك القرآن والحديث؛ فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فِعل أئمتهم، وتارة يُعرضون عنه، ويقولون: نُفَوِّض معناه إلى اللّه، وهذا فِعل عامَّتهم» (٣)؛ فانظر ماذا فَعل اتِّباع الهوى بأهله؟! نعوذ بالله من اتِّباعه. * * *

стр. 248

قال المصنف ﵀: «فهذا عبدُ ما يهواه من ذلك، وهو رقيقٌ له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة: هو رِقُّ القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، ولهذا يقال: العبدُ حُرٌّ ما قَنع * والحرُّ عبدٌ ما طَمِع (١) وقال القائل: أطعتُ مطامعي فاستعبدتني * ولو أني قنعتُ لكنت حرًّا (٢) ويقال: الطمع غُلٌّ في العنق، قيد في الرِّجْل، فإذا زال الغُل من العنق زال القيد من الرِّجْل. ويُروى عن عمر بن الخطاب ? أنه قال: «الطمعُ فَقر، واليَأس غنى، وإنَّ أحدكم إذا يئس مِنْ شيء استغنى عنه» (٣). وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه، ولا يطمع به، ولا يبقى قلبه فقيرًا إليه، ولا إلى مَنْ يفعله. وأمَّا إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه، فإن قلبه يتعلق به؛ فيصير فقيرًا إلى حصوله وإلى مَنْ يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصُّور وغير ذلك؛ قال الخليل ﷺ : ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون﴾ [العنكبوت: ١٧].

стр. 249

فالعبد لا بد له من رزق، وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا لله، فقيرًا إليه، وإذا طلبه من مخلوق صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا اليه. ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنَّما أُبيحت للضرورة، وفى النَّهي عنها أحاديث كثيرة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد؛ كقوله ﷺ : «لا تزالُ المسألةُ بأحدكم حتَّى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم (١)» (٢)، وقوله: «مَنْ سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا- أو خموشًا أو كدوحًا (٣) - في وجهه» (٤)، وقوله: «لا تَحِلُّ المسألة إلا لذي غُرم مُفظع، أو دم مُوجِع، أو فَقر مُدْقِع» (٥). وهذا المعنى في «الصَّحيح»، وفيه أيضًا: «لِأَنْ يَأخذ أحدُكم حبلَه فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس؛ أعطَوه أو

стр. 250

منعوه» (١)، وقال: «ما أتاك مِنْ هذا المال وأنت غير سائل ولا مُشرف فَخُذْه، وما لا، فلا تُتبعه نفسك» (٢)، فكَرِه أخذه مع سؤال اللِّسان واستشراف القلب، وقال في الحديث الصَّحيح: «مَنْ يَستغن يُغنه الله، ومَن يَستعفف يُعِفَّه الله، ومَن يتصبَّر يُصَبِّره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر» (٣). وأوصى خواصَّ أصحابه ألَّا يسألوا الناس شيئًا، وفي «المسند»: «أنَّ أبا بكر كان يَسقط السوطُ من يده، فلا يقول لأحد: ناولني إيَّاه، ويقول: إن خليلي أمرني ألَّا أسأل الناس شيئًا» (٤)، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عوف بن مالك: «أنَّ النبي ﷺ بايعه في طائفة، وأسرَّ إليهم كلمة خَفِيَّة: «ألَّا تسألوا الناس شيئًا»، فكان بعض أولئك النَّفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه» (٥). وقد دلَّت النصوصُ على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وقول النبي ﷺ لابن عبَّاس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» (٦)، ومنه قول الخليل: ﴿فابتغوا
следующие страницы →