تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
كما عَرَّف الإمامان ابنُ القيم وابنُ الجوزي رحمهما الله الهوى بأنَّه: «مَيْلُ الطَّبْع إلى ما يُلائمه» (١).
وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «ما ذَكر الله الهوى في كتابِه إلا ذَمَّه» (٢).
وقال سهل بن عبد الله: «هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك»، وقال وهب: «إذا شككت في أمرين ولم تَدْرِ خَيْرَهما، فانظرْ أبعَدَهما من هواك فَأْتِهِ» (٣).
وقال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى: يا أبا سعيد، أي: الجهاد أفضل؟ قال: «جِهادُك هَوَاك» (٤).
وحقيقة اتباع الهوى: هو ما تَميل إليه النفسُ مما لم يُبحه الشَّرع، وخلاف مقصود الشرع؛ لأن «المقصد الشرعي من وضع الشَّريعة: إخراج المُكَلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا» (٥).
وصاحب الهوى لا عقل له ولا خطام، ولا قائد له ولا إمام، إذ قد اتخذ إلهه هواه، فحيثما سار به سار، وأينما حل به فهو معه؛ فجميع أقواله وفتاويه ومواقفه تَبَعٌ لسلطان هواه عليه، فوقع تحت قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ وأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلبِهِ
стр. 247
وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: «ما ابتدع رجلٌ بدعة إلا أتى غدًا بما ينكره اليوم» (١).
وقال عبد الله بن عون البصري: «إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يَستقبحه» (٢).
قال شيخ الإسلام: «والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصولَ دينٍ قد ابتدعوه برأيهم، ثم يَعرضون على ذلك القرآن والحديث؛ فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فِعل أئمتهم، وتارة يُعرضون عنه، ويقولون: نُفَوِّض معناه إلى اللّه، وهذا فِعل عامَّتهم» (٣)؛ فانظر ماذا فَعل اتِّباع الهوى بأهله؟! نعوذ بالله من اتِّباعه.
* * *
стр. 248
قال المصنف ﵀: «فهذا عبدُ ما يهواه من ذلك، وهو رقيقٌ له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة: هو رِقُّ القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، ولهذا يقال:
العبدُ حُرٌّ ما قَنع * والحرُّ عبدٌ ما طَمِع (١)
وقال القائل:
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني * ولو أني قنعتُ لكنت حرًّا (٢)
ويقال: الطمع غُلٌّ في العنق، قيد في الرِّجْل، فإذا زال الغُل من العنق زال القيد من الرِّجْل.
ويُروى عن عمر بن الخطاب ? أنه قال: «الطمعُ فَقر، واليَأس غنى، وإنَّ أحدكم إذا يئس مِنْ شيء استغنى عنه» (٣).
وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه، ولا يطمع به، ولا يبقى قلبه فقيرًا إليه، ولا إلى مَنْ يفعله. وأمَّا إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه، فإن قلبه يتعلق به؛ فيصير فقيرًا إلى حصوله وإلى مَنْ يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصُّور وغير ذلك؛ قال الخليل ﷺ : ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون﴾ [العنكبوت: ١٧].
стр. 249
فالعبد لا بد له من رزق، وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا لله، فقيرًا إليه، وإذا طلبه من مخلوق صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا اليه.
ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنَّما أُبيحت للضرورة، وفى النَّهي عنها أحاديث كثيرة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد؛ كقوله ﷺ : «لا تزالُ المسألةُ بأحدكم حتَّى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم (١)» (٢)، وقوله: «مَنْ سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا- أو خموشًا أو كدوحًا (٣) - في وجهه» (٤)، وقوله: «لا تَحِلُّ المسألة إلا لذي غُرم مُفظع، أو دم مُوجِع، أو فَقر مُدْقِع» (٥).
وهذا المعنى في «الصَّحيح»، وفيه أيضًا: «لِأَنْ يَأخذ أحدُكم حبلَه فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس؛ أعطَوه أو
стр. 250
منعوه» (١)، وقال: «ما أتاك مِنْ هذا المال وأنت غير سائل ولا مُشرف فَخُذْه، وما لا، فلا تُتبعه نفسك» (٢)، فكَرِه أخذه مع سؤال اللِّسان واستشراف القلب، وقال في الحديث الصَّحيح: «مَنْ يَستغن يُغنه الله، ومَن يَستعفف يُعِفَّه الله، ومَن يتصبَّر يُصَبِّره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر» (٣).
وأوصى خواصَّ أصحابه ألَّا يسألوا الناس شيئًا، وفي «المسند»: «أنَّ أبا بكر كان يَسقط السوطُ من يده، فلا يقول لأحد: ناولني إيَّاه، ويقول: إن خليلي أمرني ألَّا أسأل الناس شيئًا» (٤)، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عوف بن مالك: «أنَّ النبي ﷺ بايعه في طائفة، وأسرَّ إليهم كلمة خَفِيَّة: «ألَّا تسألوا الناس شيئًا»، فكان بعض أولئك النَّفر يسقط السوط من يد أحدهم ولا يقول لأحد: ناولني إياه» (٥).
وقد دلَّت النصوصُ على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وقول النبي ﷺ لابن عبَّاس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» (٦)، ومنه قول الخليل: ﴿فابتغوا
стр. 251
عند الله الرزق﴾ [العنكبوت: ١٧] (١)، ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأنَّ تقديم الظرف يُشعر بالاختصاص والحصر، كأنَّه قال: لا تَبتغوا الرزق إلا عند الله، وقد قال تعالى: ﴿واسألوا اللهَ مِنْ فضله﴾ [النساء: ٣٢]».
يشير المصنف ﵀ إلى أن الإنسان باستسلامه لأهوائه ورغباته- فإنه يكون أسيرًا لها، وهذا يضرُّه دنيويًّا وأُخرويًّا.
وإن ترك نفسَه بدون معالجة فإن هذا المرض سيستفحل إلى أن يهلكه،
فعلى العبد أن ينظر إلى قلبه وما وَقَرَ فيه؛ هل هي عبودية الله ؟ أم عبودية الماديات؟
ولهذا قيل: العبد حُرٌّ ما قنع؛ إذ القناعة من أهم الأمور التي يُرزقها العبد، بحيث تَقنع نفسه بما قسم الله له، فيعلم أنَّ رزقه مقسوم، وكما يقال في المَثَل: «القناعة كنز لا يَفنى»، فإذا كان العبد قنوعًا بما قسم الله له راضيًا به ارتاح باله، واطمأنت نفسه.
وكذلك الحر عبد ما طمع؛ فالطمع هو الذي يجعل الإنسان مستعبَدًا لهذه الشهوات، فإذا أخذ يَطلبها ويسعى بكل جهده ليحصل عليها، فهذا طمع يؤدي به إلى عبودية الشيء الذي يطمع فيه، كما قال القائل:
أطعت مطامعي فاستعبدتني *** ولو أني قنعت لكنت حرًّا
ولقد حثَّ النبيُّ ﷺ على القناعة، وبيَّن أنها طريق إلى السعادة
стр. 252
والفلاح؛ فقال ﵊: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (١)، وعن عُبيد الله بن محصن ?، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أصبح منكم آمنًا في سِرْبِه، مُعافى في جسده، عنده قوتُ يومه؛ فكأنَّما حِيزت له الدنيا» (٢).
فالطمع إذا استولى على القلوب لم تَعد تقنع لا بالقليل ولا بالكثير. وهذا ما حَذَّرنا منه نبينا ﵊، كما في «الصَّحيحين» عن ابن عباس ﵄، قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يَملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ويَتوب الله على مَنْ تاب» (٣).
قال أبو حاتم ﵀: «مِنْ أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرًا؛ القناعة. وليس شيءٌ أروحَ للبدن من الرضا بالقضاء والثقة بالقَسْم، ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لِطلب الفَضلِ، لكان الواجبُ على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال» (٤).
وقال أيضًا: «القناعةُ تكون بالقلب؛ فمن غني قلبه غَنيت يداه، ومَن افتقر قلبُه لم ينفعه غناه، ومَن قنع لم يَتَسَخَّطْ وعاش آمنًا مطمئنًا، ومَن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته» (٥).
لذلك يجب على الإنسان أن يكون في قلبه من القناعة ما يجعله
стр. 253
يرضى بما قسم الله له، ويحسن التعامل مع نعم الله عليه، ويقوم بشكرها؛ لأنها نعم لا تُعَدُّ ولا تُحصى.
وأمَّا الطمع فهو غُلٌّ في العنق يدفع صاحبه إلى أمور غير محمودة؛ لذك يُروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: «الطمع فقر، واليأس غنى»، ولا شك أن الغنى غنى النفس، والإنسان إذا أيس من شيء استغنى عنه، وبالتالي يَكفيه القليل، وقد يكون بهذا القليل مِنْ أسعد الناس، والإنسان- أحيانًا- يُشقيه الكثير؛ لأنه يحتاج إلى رعاية وإلى متابعة وإلى أشياء لا حصر لها، وهو لا يعلم ما يُصلحه.
لذلك ينبغي على العبد أن يتعلق بالله وحده، وأن يكون طلبه من الله وحده، وأن يكون على يقين وتعلق بالله ؛ لأن الرزق من الله وحده، قال الله سبحانه: ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون﴾ [العنكبوت: ١٧]، ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأن تقديم الظرف يُشعر بالاختصاص، وهذا يدل على أن الرزق عند الله وحده، وليس عند أحد من الناس.
والدعاء من أعظم الأمور التي يحصل بها الرزق مع الأخذ بأسبابه؛ لأنَّ الله بيده مقاليد الأمور؛ إذا أراد حصول الرزق للعبد كان، وإذا لم يُرده لم يكن، فإذا أخذ العبد بأسباب الرزق، وطلبه من الله صار عبدًا لله بحق فقيرًا إليه وحده، وإذا ما تعلق به وتذلل له وانكسر، ولجأ إليه ومدَّ يدي الضراعة لله ، مع تمجيده والثناء عليه- أعطاه من النِّعم ما لا يَخطر له على بال.
وحتى لو أن الله تعالى لم يعطِ العبد ما طلب لحكم يعلمها- لم يُحرم العبد أجر دعائه وثنائه على الله وانكساره وانطراحه بين يديه.
فالدعاء لا يخلو من فائدة؛ فعن أبي سعيد الخدري ? أنَّ
стр. 254
النبي ﷺ قال: «ما مِنْ مُسلم يَدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قَطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن يُعَجِّل له دعوته. وإمَّا أن يَدخرها له في الآخرة. وإمَّا أن يَصرف عنه من السُّوء مِثلها». قالوا: إذن نُكثر! قال: «اللهُ أكثرُ» (١).
فالدَّاعي في كل الأحوال رابح، وعلى خير، وإلى خير.
وأمَّا إذا سأل المخلوقُ مخلوقًا مثله وتذلل له فسيصير عبدًا له، والأصل أن التذلل للمخلوق بالمسألة محرم؛ لأن التذلل والمسكنة والاستعانة لا يَنبغي أن تُصرف إلا إلى الله ، كما قال النبيُّ ﷺ لابن عباس ﵄: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله»، وابن عباس غلام في الثالثة عشر من عمره، لكن النبي ﷺ أراد أن يغرس في قلبه هذه المعاني الجليلة.
فالعبودية الحقَّة لله لا يجوز أن تُصرف لغيره، ومهما يكن من سؤال ففيه نوع مذلة، ولذلك قال المصنف: «وفي النهي عنه أحاديث كثيرة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد، كقوله ﷺ : «لا تَزال المسألةُ بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم»، وقوله: «مَنْ سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مَسألته يوم القيامة خُدُوشًا- أو خموشًا أو كُدوحًا- في وجهه»، فهل يَرضى الإنسان أن يَلقى الله يوم القيامة على هذا الحال؛ نسأل الله العافية.
والمسألة لا تَصلح إلا لثلاث؛ لذي فَقر مُدقع، أو لذي غُرم مفظع، أو لذي دَم مُوجع، كما جاء في الحديث.
والفقر المدقع، أصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه: الفقر
стр. 255
الذي يُفضي بصاحبه إلى التراب، بحيث لا يكون عنده ما يتقي به التراب.
والغرم المفظع: أي: الشنيع المجاوز المقدار، وأراد به الديون الفادحة التي تهبط صاحبها.
والدم المُوجع: هو الذي يُوجع أولياء المقتول من شِدَّة تحمُّلِ الدِّيات (١).
ولذلك حث النبي ﷺ على العمل، وذمَّ المسألة؛ فقال: «لأن يَأخذ أحدُكم حَبْلَه، فيَذهب فيحتطب خير له من أن يَسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه».
ودعا ﷺ إلى الصبر والاستغناء والاستعفاف عمَّا في أيدي الناس؛ فقال: «مَنْ يَستغنِ يُغنه الله، ومَن يَستعفف يُعِفَّه الله، ومَن يتصبر يُصبره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
وأوصى خواصَّ أصحابه ألَّا يَسألوا الناس شيئًا، كما جاء في شأن أبي بكر أنَّه كان يسقط سوط الدابة من يده، فينزل عن دابته، وهذا فيه كلفة ومشقة، ويتناول سوطه؛ لكيلا يطلب من أحد أن يناوله إيَّاه، مع أن هذه الأمور قد تكون من أقل أنواع السؤال، ولكنها أمور تَرَبَّى عليها خواصُّ أصحاب النبي ﷺ حتى لا يَسألوا الناس شيئًا أبدًا.
وقد دَلَّت النصوصُ على الأمر بسؤال الخالق والنهي عن سؤال المخلوق في غير موضع؛ كما في قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧]، فالرغبة تكون إلى الله وحده.
* * *
стр. 256
قال المصنف ﵀: «والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ودفع ما يضرُّه. وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله، فلا يسأل رزقه إلا من الله، ولا يشتكى إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾» [يوسف: ٨٦].
في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر- شُرع للإنسان أن لا يسأل إلا الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ومن المعلوم أن الإنسان في حوائج دنياه وفي حوائج أُخراه يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه، ودفع ما يضرُّه.
فمثلًا يسأل العبدُ ربَّه الغِنى، ويستعيذ به من الفقر، ويسأل الله القوة، ويستعيذ به من الضعف، وهكذا في كل أموره.
ولكن الإنسان إذا مسه الضرُّ لجأ إلى الله ، وأمَّا في حال استغنائه ورخائه؛ فإنه قد يَنسى، ولذلك يقول الله : ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦]؛ فترى الإنسان في حال رخائه بعيدًا عن الله ، ولا يلجأ إليه ولا يشكره على ما أولاه من نِعَم، مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله في جلب المنفعة وفي دفع المضرة.
ولذلك عَلَّمنا النبيُّ ﷺ أن ندعو الله في كل شيء، حتى
стр. 257
في إصلاح شِسع النَّعل (١)؛ فعن أنسٍ ?، قال: قال رسول الله ﷺ : «لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلها، حتى يَسأل شِسْعَ نَعله إذا انقطع» (٢).
قال ابن بطَّال: «ليستشعر العبدُ الافتقارَ إلى ربِّه فى كل أمر وإن دَقَّ، ولا يَستحيى من سؤاله ذلك» (٣).
فالعبد في كل أحواله لا بد أن يلجأ إلى الله ، فإذا شُرع له سؤال الله في مثل هذا الأمر اليسير، فعليه أن يلزم دعاءه في جميع أحواله؛ سواء كان دعاء ثناء أو دعاء مَسألة.
* * *
стр. 258
قال المصنف رحمه الله تعالى: «والله- تعالى- ذَكَرَ في القرآن الهجرَ الجميلَ والصَّفح الجميل والصبر الجميل.
وقد قيل: إنَّ الهجر الجميل هو هَجر بلا أذى. والصفح الجميل: صَفح بلا معاتبة. والصبر الجميل: صَبر بغير شكوى إلى المخلوق».
لا شك أن النفوس التي ترتقي لهذه المعاني هي نفوس عظيمة، قد ابتغت العزة، والله جعل العزة لِمَنْ اتَّبع سبيلَه؛ قال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: ٨]، والعزة تاج على رءوس أهلها، لا ينبغي إسقاطه أو التخلي عنه، لكن هذه العزة لا تُنال بمجرد الأماني، وإنما هي أقوال وأفعال يقوم بها العبدُ يصل بها إلى العِزَّة.
وقول المصنف ﵀: «والله- تعالى- ذَكَرَ في القرآن الهجرَ الجميلَ والصَّفح الجميل والصبر الجميل … ».
فالهجر الجميل: هجر بلا أذى، فإذا قُدِّر للعبد أن يعاقب بالهجر فإنَّ هذا الهجر ينبغي أن يكون جميلًا، بمعنى: أن لا يُصاحبه أذى، فإذا صَاحَبَه أذى لم يكن هجرًا جميلًا.
والصفح الجميل: هو صفح بلا مُعاتبة، فلو أنَّ إنسانًا جاءك معتذرًا فعليك أن لا تُعاتب؛ لتكون من أهل هذا المقام، فتقول: عفا الله عمَّا سلف، وعليك أن تسعى في أن تنزع من صدرك ومن لسانك كلَّ ما فيه أمر عِتاب لهذا الشخص الذي قد صَفحت عن خطيئته وزَلَّته.
стр. 259
والصبر الجميل: هو صبر من غير شكوى إلى إلى المخلوق، وهذا موطن الشاهد هنا من هذا الكلام، ومعلوم أن الإنسان يصيبه من الهموم والغموم والأدواء والأمراض ما يَعتري كثيرًا من أحواله، فمن حال الكمال أن لا يَبُثَّ شكواه إلى إلى مخلوق، وأن يشتكي إلى إلى الخالق وحده.
فإذا أراد العبد أن ينال مقام الصبر الجميل، فإن هذا الأمر يتحقق بعدم التشكى إلى المخلوق، وهذا لا شك أنه أكمل، مع أن التشكي قد يكون مسوغًا في بعض الأحوال؛ كأن يشتكي إلى الطبيب عوارض المرض، ولكن لا يتشكى من الأنين والتوجع، فمن الأكمل للإنسان أن لا يُظهر هذا بين الناس، ولا شك أن هذا حال كمال.
ولكن للأسف بعض الناس إذا أصابه ما أصابه من الأمراض والأدواء ونحو ذلك صَاحَبَ هذا جزع وتَشَكٍّ، وهذا هو الممنوع، فهذه المصيبة التي أُصيب بها العبد إنما هي ابتلاء من الله.
وليعلم الإنسان أن كل خير وكل شر قدره الله عليه إنَّما هو من باب الابتلاء؛ كما قال الله : ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ [الملك: ٢].
فالنعمة حقها الشكر، والبلاء حقه الصبر، فلا بد من الشكر والصبر، كما جاء في الحديث: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر» (١)، فهو متوزع بين الأمرين (الشكر والصبر).
* * *
стр. 260
قال المصنف ﵀: «ولهذا قُرئ على أحمد بن حنبل في مرضه: «إنَّ طاوسًا كان يَكره أنين المريض، ويقول: «إنَّه شكوى». فما أَنَّ أحمدُ حتى مات» (١).
وأمَّا الشَّكوى إلى الخالق فلا تُنافي الصبر الجميل، فإن يعقوب قال: ﴿فصبر جميل﴾ [يوسف: ٨٣]، وقال: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦].
وكان عمر بن الخطاب ? يَقرأ في الفجر بسورة يونس، ويوسف، والنَّحل؛ فمَرَّ بهذه الآية في قراءته، فبكى حتى سُمع نشيجه من آخر الصفوف (٢).
ومن دعاء موسى: «اللهم لك الحمدُ، وإليك المُشتكى، وأنت المُستعان، وبك المستغاث، وعليك التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك» (٣).
الشكوى إنما تكون إلى الله ، وعلى الإنسان أن يَبُثَّ حزنه وشكواه إلى خالقه ؛ فهو القادر وحده على إزالة ما نزل بهذا
стр. 261
المخلوق من آلام وأمراض ونحو ذلك، وللأسف كثير من الناس يغفل عن هذه الحقيقة، وغفلته تجعله يلجأ إلى مخلوق لا يملك له نفعًا ولا ضرًّا، ويَنسى الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء.
فإذا كان ما نزل بالعبد ضيقًا في العيش فإن الذي يعطي هو الله ، فكيف لا يسأله الرزق؟! وإذا كان مرضًا، فالشافي هو الله، كما قال إبراهيم الخليل: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٨٠]، وكما جاء في الحديث: «اللهم اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا» (١).
فقلب العبد المؤمن يَلجأ إلى الواحد الأحد ، وهذه المعاني- للأسف مع ضعف الإيمان وعدم استحضار حق الله وعدم تحقيق العبودية الحقة- تغيب وتضعف، وبالتالي لا يُحييها إلا صدق اللجوء إلى الله ومحبته ، والرغبة فيما عنده جلَّ وعلا.
* * *
стр. 262
قال المصنف ﵀: «وفى الدُّعاء الذي دعا به النبيُّ ﷺ لما فعل به أهل الطائف ما فعلوا: «اللهم إليك أشكو ضَعف قوتي، وقِلَّة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت ربُّ المُستضعفين وأنت ربي. اللهم إلى مَنْ تَكلني؟ إلى بعيدٍ يَتجهمني (١)، أم إلى عدوٍّ مَلَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غير أنَّ عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصَلح عليه أمرُ الدُّنيا والآخرة: أن ينزل بي سخطك، أو يَحل عليَّ غضبُك، لك العُتْبى حتى تَرضى (٢)؛ فلا حول ولا قوة إلا بك»، وفى بعض الروايات: «ولا حولَ ولا قُوَّة إلَّا بك» (٣).
معلوم ما فَعل أهلُ الطائف بالنَّبي ﷺ حين ذهب إليهم ليدعوهم إلى الإسلام، وكيف سَلَّطوا عليه صبيانهم وسفاءهم وجُهَّالهم، ورموه بالحجارة، وبدل أن تقوم ثقيف وهوازن- وهم أهل الطائف- بإكرامه ﷺ ، أو حتى معاملته كضيف، أو على الأقل يكفون أذاهم
стр. 263
عنه، إذا بهم يجتمع مع عدم إجابتهم إلى دعوتهم عدم إكرام الضيف والتجرؤ على أذيته، ومع كل هذا لجأ النبي ﷺ واشتكى إلى الله ؛ فكان ما كان من دعائه السابق من بثِّ الشكوى إلى الله ، واللجوء إليه وحده، وهو أسوتنا ﷺ ؛ فيجب أن نَقتدي به.
وهذا الحديث المشتمل على هذا الدعاء؛ رواه الطبراني وغيره وضَعَّفوه، على أنَّ أهلَ السِّير قد رَوَوْه، ومِثل هذا يَتَوَجَّه جمهورُ أهلِ النَّقل إلى قَبوله؛ لِتَعدد مصادره وخِفَّة القادح ويُسْر الضعف فيه، كما قَرَّر مثل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في «مقدمة في أصول التفسير»، واستدل به الإمامُ ابنُ القيم كثيرًا في كتبه.
* * *
стр. 264
قال المصنف ﵀: «وكلما قوي طمعُ العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته- قَوِيت عبوديتُه له، وحُرِّيَّتُه مِمَّا سِواه».
الطمع والرجاء يكون في الله ، وكلما قَوِيَا كلما كان هذا دليلًا على قوة العبودية في قلب العبد، فهذه المعاني تظهر في قلبٍ قَوِيت عبوديته لله ، أمَّا إذا ضعفت العبودية فيَقل الطمع والرجاء في الله ، والإنسان حتمًا لا محالة سيلجأ في هذه الحال إلى أحد من الخلق.
فالقلب وعاءُ إذا لم يَمتلأ بعبودية الله وإذا لم تَقْوَ فيه هذه المعاني من المحبة والخوف واليقين والرجاء والطمع في الله والتوكل عليه- استعاض عنها بمعان فاسدة، فالقلب يَصِحُّ ويَمرض- بل ويموت- إذا ابتعد عما خُلِق له وعن موادِّ إحيائه؛ والله يقول: ﴿فإنَّها لا تَعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦]، ودواؤها في الاستجابة لله ولرسوله ﷺ ؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وصلاح القلوب في ملازمة الصالحين والبُعد عن الغافلين أهل الأهواء؛ قال الله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 265
ولذلك ترى الإنسان الذي تحقق بهذه المعاني لا يَكترث بشيء من حطام الدنيا ولا تستهويه، وإنما يقينُه وتعلقه إنما هو بالله وحده .
* * *
стр. 266
قال المصنف ﵀: «فكما أنَّ طمعه في المخلوق يُوجب عبوديته له، فيَأسه منه يُوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: «استغن عمَّن شئت تَكن نظيره، وأفْضِلْ على مَنْ شئت تكن أميره، واحتج إلى مَنْ شئت تكن أسيره» (١)، فكذلك طمع العبد في ربِّه ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من الله والرجاء له- يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما مَنْ كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق؛ بحيث يكون قلبه معتمدًا إمَّا على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإمَّا على أهله وأصدقائه، وإمَّا على أمواله وذخائره، وإمَّا على ساداته وكبرائه؛ كمالكه ومَلِكه وشيخه ومخدومه وغيرهم، ممن هو قد مات أو يموت؛ قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وكل مَنْ علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه، أو أن يهدوه- خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرًا لهم مدبِّرًا لأمورهم، متصرفًا بهم.
فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر؛ فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة- ولو كانت مُباحة له- يبقى قلبه أسيرًا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرُها ومملوكها، ولا سيما إذا علمت بفقره
стр. 267
إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور؛ الذى لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرق وأُسر لا يبالى إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص.
وأمَّا إذا كان القلب- الذي هو مَلِكُ الجسم- رقيقًا مستعبدًا، متيَّمًا لغير الله؛ فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية الذَّليلة لما استعبد القلب.
وعبودية القلب وأسره هي التي يَترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك، إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات، ومَن استُعبد بحقٍّ إذا «أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَوَاليه فله أجران» (١)، ولو أُكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان- لم يضره ذلك. وأمَّا مَنْ استُعبد قلبه صار عبدًا لغير الله، فهذا يضرُّه ذلك، ولو كان في الظاهر مَلكَ النَّاس».
قوله: «أَفْضِل على مَنْ شئت تكن أميره»، هذا كما قيل: الإنسان أسير الإحسان.
وكما قال أبو الفتح البستي:
أَحْسِنْ إلى النَّاسِ تَسْتَعبِدْ قلوبَهمُ … فطالما استعبدَ الإنسانَ إِحسانُ (٢)
стр. 268
إذا أحسنت إلى الإنسان كأنَّك استعبدته، ولذلك إذا وجدت نفرة من إنسان فأحسن إليه، فسرعان ما تكون كأنك أميرٌ عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
وفي المقابل لو احتجت إلى أحد فستكون كأنك أسيره، أو كأنك خادم له، ولذا ينبغي للإنسان أن يستغني عمَّا في أيدي الناس، وأن يترفع عنها، خاصة في أمور الدنيا؛ لأنها إن كانت مقدرة للعبد فستأتيه لا محالة، وإن كانت غير مُقَدَّرة فلن تأتي؛ مهما استجدى غيره ومهما ذلَّ له.
وعليه فطمع العبد في ربِّه ورجاؤه له يُوجب عبوديته له.
وأمَّا إعراض القلب عن سؤال الله ورجائه له فيوجب انصراف قلبه عن عبودية الله ، وهذه طامَّة كبرى؛ لأن صلاح القلب صلاح للجسد كله، وفساد القلب فساد للجسد كله.
ومن يركن إلى رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، أو إلى أهله وأصدقائه، أو إلى أمواله وذخائره، أو إلى سادته وكبرائه- يكون طمعه ورجاؤه فيهم، وليس في الله ، فتستعبده هذه الأشياء، وإن كان رئيسًا أو مَلِكًا في الظاهر إلا أنه لحاجته إليهم فهو مرءوس؛ لأنهم في الحقيقة هم الذين يُسيرون له الأمور ويُوجهونه، وصار يخشاهم، بدل أن يخشوه، وأصبح مُلكه مسخرًا لهم؛ فيحصلون على أموال الناس بالباطل، ويظلمونهم، ونحو ذلك، ولا يستطيع أن يَمنعهم؛ حتى لا ينصرفوا عنه، أو يَمكروا به؛ فهذا في الحقيقة استرقاق واستعباد له وإن كان في الظاهر أنه أميرهم ومُدبر أمورهم.
стр. 269
ولذلك أمر اللهُ نبيَّه ﷺ بالتوكل عليه وحده؛ فقال: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨].
فالعاقل ينظر إلى حقائق الأمور وبواطنها وليس إلى ظواهرها، وقد ضرب المصنف مثلًا برجل تعلق قلبه بزوجته أو بأَمَتِه، وهذا الأمر مباح، وفي الظاهر هو زوجها أو سيدها، وله القوامة عليها، ولكن قلبه في الحقيقة أسير لها تتحكم فيه كيفما شاءت.
لماذا؟ لأن هذا التعلق منه بهذه المرأة يُشعرها كأنه لا يستطيع أن يعيش بدونها، فتَظل هي الآمرة، ولا يستطيع أن يُؤَخِّر لها أمرًا؛ لما في قلبه مِنْ تعلق بها، حتى يصير كالمملوك والأسير عندها، وإن كان في الظاهر هو زوجها وسيدها!
وهذا نجده- أيضًا- عند من يتعلق بالمال، حتى يصير عبدًا له؛ يفعل من أجله الموبقات من القتل والظلم والسرقة، ويُعَرِّض نفسه للتهلكة والسجن ونحو ذلك؛ لأنه استرق نفسه للمال.
* * *
стр. 270
قال المصنف ﵀: «فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أنَّ الغِنى غنى النفس؛ قال النبيُّ ﷺ : «ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، وإنَّما الغِنى غِنى النَّفْسِ» (١).
الأمر يعود إلى القلب؛ لأنه مَلِك الجسم، كما قال أبو هريرة: «القلب مَلِك وله جنود، فإذا صَلح المَلِك صلحت جنوده، وإذا فَسَد الملك فسدت جنوده» (٢)، وقد قال النبي ﷺ : «أَلَا وإنَّ في الجَسد مُضغة؛ إذا صَلحت صَلح الجسد كله، وإذا فَسَدت فَسَد الجسد كله، أَلَا وهي القلب» (٣). فهذه الأعضاء كلها تَبَع لهذا القلب؛ تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، فإذا كان هذا القلب مستعبدًا لغير الله ، تَبِعته الجوارح وشَقِي صاحبه بذلك.
وعبودية القلب هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب؛ لأن هذا القلب هو الموجه للأعضاء، فإذا كانت عبوديته لله فالأعضاء تبع لهذا العبودية؛ فترى الإنسان- مثلًا- يغض بصره، ويحفظ فرجه، ولا يستمع إلى حرام، ولا يأكل حرامًا .. ؛ لماذا؟ لأن قلبه امتلأ عبودية ؛ بحيث علم أن الأمر هو أمر الله، وأن النهي هو نهيه .
стр. 271
فالحريةُ حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أنَّ الغِنى غنى النَّفس؛ قال النبيُّ ﷺ قال: «لَيس الغِنى عن كثرة العَرَض، وإنَّما الغِنى غِنى النَّفْسِ».
فالعَرَضُ هو متاع الدنيا، ومعنى الحديث: أنَّ الغِنى المحمود هو غِنى النفس وشِبعها وقِلَّة حِرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأنَّ مَنْ كان طالبًا للزيادة لم يَستغن بما معه، وبالتالي لن يشبع؛ فليس له غِنى.
فنسأل الله أن يُحَبِّب إلينا الإيمان، وأن يُزَيِّنه في قلوبنا، وأن يُكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
* * *
стр. 272
قال المصنف ﵀: «وَهَذَا لعَمْرو الله إِذا كَانَ قد استعبد قلبَه صُورَةٌ مُبَاحَة. فَأَما مَنْ استعبد قلبه صُورَة مُحرمَة؛ امْرَأَة أَوْ صبي، فَهَذَا هُوَ العَذَاب الَّذِي لَا يُدانيه عَذَاب.
وَهَؤُلَاء- عُشَّاق الصُّور- مِنْ أعظم النَّاس عذَابًا وَأَقلهمْ ثَوابًا، فَإِنَّ العاشق لصورة إِذا بَقِي قلبه مُتَعَلقًا بهَا مستعبدًا لها اجْتَمَع لَهُ من أَنْوَاع الشَّرِّ والفساد مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا ربُّ العباد، ولَو سَلِم مِنْ فعل الفَاحِشَة الكُبْرَى، فَدَوَام تعَلُّقِ القلب بهَا- بلَا فِعل الفَاحِشَة- أَشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِمَّنْ يفعل ذَنبًا، ثمَّ يَتُوب مِنْهُ، ويَزُول أَثَرُه من قلبه. وهَؤُلَاء يشبَّهون بالسكارى والمجانين، كَمَا قيل:
سُكران سُكر هوى وسُكر مُدَامة (١) … ومَتى إفاقة مَنْ بِهِ سُكرانِ؟ (٢)
وقيل:
قَالُوا: جُننتَ بِمن تهوى! فَقلت لَهُمْ: … العِشْقُ أعظمُ مِمَّا بالمجانين
العِشْق لَا يستفيق الدهرَ صاحبُه … وإِنَّمَا يُصرع المَجْنُون فِي حِين (٣)»
بعد أن تكلم المصنف عن تعلق الإنسان بامرأة مباحة له، وبَيَّن الضرر العائد عليه من جَرَّاء هذا التعلق المباح- ذكر هنا حال
стр. 273
الإنسان إذا كان تعلقه محرمًا، وأوضح أن هَذَا هُوَ العَذَاب الَّذِي لَا يُدانيه عَذَاب؛ ولذلك نهى الله تعالى عن سلوك الطريق الموصل إلى هذا؛ فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]؛ ليقطع على الشيطان خطواته، فأمر بغضِّ البَصر والستر والعفاف؛ فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] ونهى عن الخضوع بالقول؛ فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وحذر النبي ﷺ من الخلوة والاختلاط بالنساء الأجنبيات، فقال ﷺ : «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» (١)، وقال ﵊: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» (٢)؛ كل هذا صيانة للعباد والبلاد عن مفاسد هذه الأمراض الخطيرة التي تَنتج عن العِشق والتَّعَلُّق بغير الله.
* * *
стр. 274
قال المُصَنِّفُ ﵀: «وَمِنْ أَعْظَمِ أَسبَابِ هَذَا البلَاء: إِعْرَاضُ القلب عَنْ الله؛ فَإِنْ القلب إِذا ذاق طعمَ عبَادَة الله والإِخْلَاص لَهُ- لم يكن عِنْده شَيْء قطُّ أحلى من ذَلِك، ولَا ألذُّ ولَا أمتع ولَا أطيب. والإِنْسَان لَا يتْرك محبوبًا إِلَّا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إِلَيْهِ مِنْهُ، أَوْ خوفًا من مَكْرُوه، فالحب الفَاسِد إِنَّمَا يَنْصَرف القلب عَنهُ بالحبِّ الصَّالح، أَوْ بالخوف من الضَّرَرِ.
قَالَ تَعَالَى فِي حقِّ يُوسُف: ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤]؛ فَالله يصرف عَنْ عَبده مَا يَسوؤه من الميل إِلَى الصُّور والتعلق بهَا، ويَصرف عَنهُ الفَحْشَاءَ بإخلاصه لله، ولِهَذَا يكون قبل أَنْ يَذُوق حلاوة العُبُودِيَّة لله، والإِخْلَاص لَهُ؛ بِحَيْثُ تغلبه نَفسُه على اتِّبَاع هَواهَا، فَإِذا ذاق طَعم الإِخْلَاص وقَوي فِي قلبه- انقهر لَهُ هَواهُ بِلَا علاج.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاة تَنْهى عَنْ الفَحْشَاء والمُنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فَإِنَّ الصَّلَاة فِيهَا دفع مَكْرُوه، وهُو الفَحْشَاء والمُنكر، وفيهَا تَحْصِيل مَحْبُوب، وهُو ذكر الله. وحُصُول هَذَا المحبوب أكبرُ من دفع ذَلِك المَكْرُوه، فَإِنَّ ذكرَ الله عبَادَةٌ لله، وعبادَة القلب لله مَقْصُودَة لذاتها. وأمَّا اندفاع الشَّرِّ عَنهُ فَهُو مَقْصُود لغيره على سَبِيل التَّبع».
إذا ظهر جليًّا أن كل مَنْ أحب شيئًا من المخلوقين عُذِّب به ولا بد، فإن في المقابل من أحب الله وعمل بطاعته وجد السعادة
стр. 275
الحقيقية، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وذاق طعم الإيمان؛ قال ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١)، وأحسَّ بحلاوة الإيمان؛ قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيه وَجد بهن حلاوةَ الإيمان: مَنْ كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار» (٢)، فهذه النصوص الشرعية وغيرها دالة على فضائل محبة الله والتعلق به والإخلاص في عبوديته، وكذلك التجربة تدل على ذلك.
وقلب العبد كالإناء إما أن يملأ بالخير وإما أن يملأ بمحبة مَنْ سواه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر؛ ثم ضرب شيخ الإسلام مَثَلًا بيُوسُف ﵇ لما استعاذ بالله والتجأ إليه؛ ف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]؛ فنجاه الله من مِكرهن؛ واستجاب دعاءه، وصرف عَنهُ السُّوء والفحشاء لإِنَّه كان مِنْ عباد الله المخلصين.
ثم بَيَّن أنَّ عبادَة القلب لله مَقْصُودَة لذاتها، وأمَّا اندفاع الشَّرِّ عَنهُ فَهُو مَقْصُود لغيره على سَبِيل التَّبع؛ فالصَّلَاة- مثلًا- فِيهَا نَهي عن الفَحْشَاء والمُنكر، وفيهَا إقامة ذكر الله، وهو تحصيل لأمر محبوب، وحُصُول هَذَا المحبوب أكبرُ من دفع ذَلِك المَكْرُوه؛ قال
стр. 276
ابن كثير: «الصَّلَاةُ تَشتمل على شيئين: على تَرك الفَوَاحش والمُنكرات، أي: إنَّ مُوَاظبتها تَحمل على ترك ذلك» (١).
* * *
стр. 277
قال المصنف ﵀: «والقلب خُلِقَ يحبُّ الحقَّ ويريده ويطلبه، فَلَمَّا عرضت لَهُ إِرَادَة الشَّرِّ طلب دفع ذَلِك؛ فَإِنَّهَا تُفْسد القلب كَمَا يَفْسد الزَّرْعُ بِمَا ينْبت فِيهِ من الدَّغل (١).
ولِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح من زكاها * وقد خَابَ من دساها﴾ [الشَّمس: ٩، ١٠]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح من تزكّى * وذكر اسْم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قل للمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم ذَلِك أزكى لَهُمْ﴾ [النُّور: ٣٠]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿ولَوْلَا فضلُ الله عَلَيْكُم ورَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدًا﴾ [النُّور: ٢٠]، فَجعل سُبْحَانَهُ غضَّ البَصَر وحفظ الفرج هُو أقوى تَزْكِيَة للنَّفس، وبَيَّن أَنْ ترك الفَواحِش من زَكَاة النُّفُوس، وزَكَاة النُّفُوس تَتَضَمَّن زَوالَ جَمِيع الشرور؛ من الفَواحِش والظُّلم والشِّرك والكذب وغير ذَلِك».
إن الفلاح الحقيقي في تزكية النفس وتهذيبها وتخليصها مِنْ كل الأدران السيئة والعمل على السمو بها بالإيمان والعمل الصالح؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وإذا كان أهل السنة والجماعة في أبواب الاعتقاد لهم منهج
стр. 278
راشد قائم على نصوص الكتاب والسنة، فلديهم كذلك منهج راشد مُستنبط من الكتاب والسنة في مجال الأخلاق والآداب، ويشمل منهجهم- كذلك- سياسة الدنيا بهذا الدين، وكيفية النهوض بحياة الفرد والمجتمع، وبالجملة فمنهجهم هو إصلاح الفرد وبالتالي إصلاح المجتمع؛ دينًا ودُنيا؛ ليفوز العبد في الآخرة؛ فالخير كل الخير في اتباع هذه الشريعة المباركة التي ما تركت خيرًا في قليل ولا كثير إلا أَمَرت به، وحَثَّت عليه، وأجزلت الأجر عليه، ولا تركت شرًّا في قليل ولا كثير إلا حَذَّرَت منه، ونَهَت عنه، وبَيَّنت وخيم عواقب فِعله؛ فكانت كاملة حسنة من جميع الوجوه، وقد أثار ذلك استغراب غير المسلمين؛ حتى قال أحدهم لسلمان الفارسي ?: «قد عَلَّمكم نبيكم ﷺ كلَّ شيء حتى الخراءة؟ فقال: «أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول … » (١).
* * *
стр. 279
قال المصنف ﵀: «وكَذَلِكَ طَالب الرِّئَاسَة والعلو فِي الأَرْض- قلبه رَقِيق لمن يُعينهُ عَلَيْهَا، ولَو كَانَ فِي الظَّاهِر مقدَّمَهم والمطاع فيهم، فَهُو فِي الحَقِيقَة يَرجوهم ويخافهم؛ فيبذل لَهُمْ الأَمْوال والولايات، ويعفو عَمَّا يَجترحونه ليطيعوه ويعينوه، فَهُو فِي الظَّاهِر رَئِيس مُطَاع، وفِي الحَقِيقَة عبدٌ مُطِيع لَهُمْ.
والتَّحْقِيق: أَنْ كِلَاهُمَا (١) فِيهِ عبودية للآخر، وكِلَاهُمَا تَارِك لحقيقة عبَادَة الله. وإِذا كَانَ تعاونهما على العُلُوّ فِي الأَرْض بِغَيْر الحق، كَانَا بِمَنْزِلَة المتعاونين على الفَاحِشَة أَوْ قطع الطَّرِيق؛ فَكل واحِد من الشخصين، لهواه الَّذِي استعبده واسترقَّه مُستعبد للآخر.
وهَكَذَا- أَيْضًا- طَالب المَال، فَإِنْ ذَلِك المال يَستعبده ويسترقه».
إنَّ الإمارة والرياسة لا يَصلح لها كلُّ أحد؛ فعن أبي ذر ?، قال: «قلت: يا رسول الله، أَلَا تَستعملني؟ قال: فضرب بيدِه على مَنْكِبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنَّك ضعيفٌ، وإنَّها أمانة، وإنها يوم القيامة خِزي وندامة، إلَّا مَنْ أخذها بحقِّها، وأَدَّى الذي عليه فيها» (٢)؛ فكان من هديه ﷺ ألا يولي من حرص عليها وسعى إليها؛ فعن أبي موسى ?، قال: «دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من
стр. 280
بَني عَمِّي، فقال أحدُ الرَّجُلين: يا رسول الله، أَمِّرْنا على بعض ما وَلَّاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: «إنَّا- وَاللهِ- لا نُوَلِّي على هذا العمل أحدًا سأَلَه، ولا أحدًا حَرص عليه» (١).
كل هذا لما تَجُرُّه الإمارة مِنْ تبعات شاقة قد لا يقوم بها على وجهها، وكذلك مما قد يعود على صاحبها مِنْ كبر وحرص وتَعَالٍ وتعلق بها يؤدي به إلى الظلم والتعدي على حرمات الناس؛ من أكل أموالهم بالباطل، وإيذائهم بأنواع الإيذاء المختلفة.
وفي الظاهر ينظر الناس إليهم على أنهم رؤساء ومتبوعون ومحظوظون، وفي الحقيقة هم مُبتلون ببلاء شديد؛ قال ابن حبان: «رؤساء القوم أعظمهم همومًا، وأدومهم غمومًا، وأشغلهم قلوبًا، وأشهرهم عيوبًا، وأكثرهم عدوًّا، وأشدهم أحزانًا، وأنكاهم أشجانًا، وأكثرهم في القيامة حسابًا، وأشدهم- إن لم يعف اللهُ عنهم- عذابًا» (٢).
فطالب الرياسة في الحقيقة تابع وليس متبوعًا؛ إذ هو حريص على إرضاء الناس؛ فَهُو فِي الحَقِيقَة يَرجوهم ويخافهم؛ ولذا يبذل لَهُمْ الأَمْوالَ والولايات، وفي الغالب فإن كلَّ حريص على العلو في الدنيا فإنه يُحرم عزَّ الآخرة ونَعيمها؛ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ [القصص: ٨٣].
فطالبو الجاه وطالبو المال- في الحقيقة- هم أسرى لما يَطلبان.
* * *
стр. 281
قال المصنف ﵀: «وهَذِه الأُمُورُ نَوْعَانِ:
مِنْهَا: مَا يَحْتَاج العَبْدُ إِلَيْهِ، كَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من طَعَامه وشَرَابه ومسكنه ومنكحه ونَحْو ذَلِك. فَهَذَا يَطْلُبهُ من الله، ويرغب إِلَيْهِ فِيهِ؛ فَيكون المَال عِنْده- يَسْتَعْمِلهُ فِي حَاجته- بِمَنْزِلَة حِمَاره الَّذِي يَركبه، وبساطه الَّذِي يجلس عَلَيْهِ، بل بِمَنْزِلَة الكنيف الَّذِي يَقْضى فِيهِ حَاجته، من غير أَنْ يَستعبده فَيكون ﴿هلوعًا * إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعًا * وإِذا مَسّه الخَيْر منوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١].
ومِنْهَا: مَا لَا يَحْتَاج العَبْد إِلَيْهِ، فَهَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّق قلبه بِهِ. فَإِذا علق قلبه بِهِ صَار مستعبَدًا لَهُ. ورُبمَا صَار مُعْتَمدًا على غير الله، فَلَا يَبْقى مَعَه حَقِيقَة العِبَادَة لله، ولَا حَقِيقَة التَّوكُّل عَلَيْهِ، بل فِيهِ شُعْبَة من العِبَادَة لغير الله، وشُعْبَة من التَّوكُّل على غير الله، وهَذَا من أَحَقِّ النَّاس بقوله ﷺ : «تَعِسَ عبدُ الدِّرْهَم، تعس عبد الدِّينَار، تَعِسَ عبدُ القطيفة (١)، تعس عبدُ الخميصة (٢)» (٣)، وهَذَا هُو عبد هَذِه الأُمُور؛ فَإِنَّهُ لَو طلبَهَا من الله، فَإِنْ الله إِذا أعطَاهُ إِيَّاه رَضِي، وإِن مَنعه إِيَّاه سخط، وإِنَّمَا عبدُ الله مَنْ يُرضيه مَا يُرْضِي الله، ويُسخطه مَا يُسْخط الله، ويُحب مَا أحبه الله ورَسُوله، ويبغض مَا أبغضه الله ورَسُوله، ويوالي أَوْلِيَاء الله، ويعادي أَعدَاء الله تَعَالَى. وهَذَا هُو الَّذِي
стр. 282
اسْتكْمل الإِيمَان، كَمَا فِي الحَدِيث: «مَنْ أحبَّ لله وأبْغض لله، وأعْطى لله ومنع لله، فقد اسْتكْمل الإِيمَان» (١)، وقَالَ: «أوثق عُرى الإِيمَان: الحبُّ فِي الله والبُغض فِي الله» (٢).
وفِي «الصَّحيح» عَنهُ ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وجد حلاوة الإِيمَان: مَنْ كَانَ اللهُ ورَسُولُه أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، ومَن كَانَ يحب المَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ومن كَانَ يكره أَنْ يَرجع إِلَى الكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يَكره أَنْ يُلقى فِي النَّار» (٣). فَهَذَا وافقَ ربَّه فِيمَا يُحِبُّهُ ومَا يَكرههُ، فَكَانَ الله ورَسُوله أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وأحب المَخْلُوق لله، لَا لغَرَض آخر. فَكَانَ هَذَا مِنْ تَمام حُبِّه لله، فَإِنْ محبَّة مَحْبُوب المحبوب من تَمام محبَّة المحبوب، فَإِذا أحبَّ أَنْبيَاء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق- لَا لشَيْء آخر- فقد أحبهم لله لَا لغيره، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على المُؤمنِينَ أعزة على الكَافرين﴾ [المَائِدَة: ٥٤].
ولِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ [آل عمرَان: ٣١]، فَإِنْ الرَّسُول لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يحب الله، ولَا يَنْهَى إِلَّا عَمَّا يبغضه الله ولَا يَفعل إِلَّا مَا يُحِبهُ الله ولَا يخبر إِلَّا بِمَا يحبُّ الله التَّصْدِيق بِهِ.
فَمن كَانَ محبًّا لله لزم أَنْ يَتبع الرَّسُول، فيصدقه فِيمَا أخبر، ويُطيعه فِيمَا أَمر، ويتأسى بِهِ فِيمَا فعل، ومَن فعل هَذَا فقد فَعل مَا
стр. 283
يُحِبُّهُ الله، فَيُحِبهُ الله».
أراد المصنف هنا أن يبين أنَّ احتياج الإنسان لبعض متاع الدنيا لا يدخل في التعلق المذموم بها؛ وهذا هو التوسط المطلوب، فليس معنى خوف التعلق بالدنيا: أن يَزهد فيها العبد وأن لا يَستعمرها، وإنما المراد ألَّا يكون حريصًا عليها، وأنَّها إذا جاءته من طريق شرعي يَنبغي أن يستخدمها في مرضاة الله، وأن تكون في يده وليست متحكمة فيه مستعبدة له مُستولية على قلبه شاغلة له عن الغاية من وجوده في هذه الحياة؛ وهي عبادة الله ﵎؛ لذلك قال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تَنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]، أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنِّعمة الطائلة في طاعة ربِّك والتقرب إليه بأنواع القُربات، التي يَحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]، أي: مما أباح اللهُ فيها مِنْ المآكل والمَشارب والملابس والمساكن والمناكح؛ فإنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولِزَوْرِك- أي: ضيفك- عليك حقًّا، فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقه. ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧] أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ [القصص: ٧٧] أي: لا تَكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض، وتُسيء إلى خلق الله؛ ﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ [القصص: ٧٧]» (١).
стр. 284
فالإسلام وسطٌ في العمل للدنيا والآخرة؛ فكلٌّ منهما عبادة لله تعالى وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضِمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرَّفاهية والرقي المادي، وبين الإزراء بهذا الرُّقي المادي والمتاع الدنيوي، كما هو الشأن في المذاهب التي تَدعو إلى الرَّهبنة وتعذيب الجسد من أجل الرُّوح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء (١).
* * *
стр. 285
قال المصنف ﵀: وقد جعل الله لأهل مَحبته علامتين: اتِّبَاع الرَّسُول، والجهَاد فِي سَبيله، وذَلِكَ لِأَن الجِهَاد حَقِيقَته الِاجْتِهَاد فِي حُصُول مَا يُحِبهُ الله من الإِيمَان والعَمَل الصَّالح، ومَن دفع مَا يبغضه الله من الكفْر والفسوق والعصيان، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وإِخْوانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله ورَسُوله وجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ [التَّوْبَة: ٢٤]، فتوعد مَنْ كَانَ أَهله ومَاله أحب إِلَيْهِ مِنْ الله ورَسُوله والجهَاد فِي سَبيله بِهَذَا الوعيد. بل قد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي «الصحيح» أَنه قَالَ: «والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحبَّ إِلَيْهِ من ولَده ووالده والنَّاس أَجْمَعِينَ» (١). وفِي «الصحيح» «أَنْ عمر بن الخطاب قَالَ: يَا رَسُول الله، لأَنْت أحبُّ إِلَيَّ مِنْ كلِّ شَيْء إِلَّا مِنْ نفسي، فَقَالَ: «لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحبَّ إِلَيْك من نَفسك». فَقَالَ: فواللَّه لأَنْت أحب إِلَيَّ من نَفسِي. فَقَالَ: «الآن يَا عُمر» (٢).
فحقيقة المحبَّة لَا تتمُّ إِلَّا بموالاة المحبوب، وهُو مُوافَقَته فِي حب مَا يحب وبغض مَا يُبغض، والله يحبُّ الإِيمَان والتَّقوى، ويُبغض الكفْر والفسوق والعصيان.
ومَعْلُوم أَنَّ الحبَّ يُحَرِّك إِرَادَة القلب، فَكلما قويت المحبَّة فِي القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فَإِذا كَانَتْ المحبَّة تَامَّة