قال المصنف ﵀: «وهَذِه الأُمُورُ نَوْعَانِ:
مِنْهَا: مَا يَحْتَاج العَبْدُ إِلَيْهِ، كَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من طَعَامه وشَرَابه ومسكنه ومنكحه ونَحْو ذَلِك. فَهَذَا يَطْلُبهُ من الله، ويرغب إِلَيْهِ فِيهِ؛ فَيكون المَال عِنْده- يَسْتَعْمِلهُ فِي حَاجته- بِمَنْزِلَة حِمَاره الَّذِي يَركبه، وبساطه الَّذِي يجلس عَلَيْهِ، بل بِمَنْزِلَة الكنيف الَّذِي يَقْضى فِيهِ حَاجته، من غير أَنْ يَستعبده فَيكون ﴿هلوعًا * إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعًا * وإِذا مَسّه الخَيْر منوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١].
ومِنْهَا: مَا لَا يَحْتَاج العَبْد إِلَيْهِ، فَهَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّق قلبه بِهِ. فَإِذا علق قلبه بِهِ صَار مستعبَدًا لَهُ. ورُبمَا صَار مُعْتَمدًا على غير الله، فَلَا يَبْقى مَعَه حَقِيقَة العِبَادَة لله، ولَا حَقِيقَة التَّوكُّل عَلَيْهِ، بل فِيهِ شُعْبَة من العِبَادَة لغير الله، وشُعْبَة من التَّوكُّل على غير الله، وهَذَا من أَحَقِّ النَّاس بقوله ﷺ : «تَعِسَ عبدُ الدِّرْهَم، تعس عبد الدِّينَار، تَعِسَ عبدُ القطيفة (١)، تعس عبدُ الخميصة (٢)» (٣)، وهَذَا هُو عبد هَذِه الأُمُور؛ فَإِنَّهُ لَو طلبَهَا من الله، فَإِنْ الله إِذا أعطَاهُ إِيَّاه رَضِي، وإِن مَنعه إِيَّاه سخط، وإِنَّمَا عبدُ الله مَنْ يُرضيه مَا يُرْضِي الله، ويُسخطه مَا يُسْخط الله، ويُحب مَا أحبه الله ورَسُوله، ويبغض مَا أبغضه الله ورَسُوله، ويوالي أَوْلِيَاء الله، ويعادي أَعدَاء الله تَعَالَى. وهَذَا هُو الَّذِي
стр. 282
اسْتكْمل الإِيمَان، كَمَا فِي الحَدِيث: «مَنْ أحبَّ لله وأبْغض لله، وأعْطى لله ومنع لله، فقد اسْتكْمل الإِيمَان» (١)، وقَالَ: «أوثق عُرى الإِيمَان: الحبُّ فِي الله والبُغض فِي الله» (٢).
وفِي «الصَّحيح» عَنهُ ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وجد حلاوة الإِيمَان: مَنْ كَانَ اللهُ ورَسُولُه أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، ومَن كَانَ يحب المَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ومن كَانَ يكره أَنْ يَرجع إِلَى الكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يَكره أَنْ يُلقى فِي النَّار» (٣). فَهَذَا وافقَ ربَّه فِيمَا يُحِبُّهُ ومَا يَكرههُ، فَكَانَ الله ورَسُوله أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وأحب المَخْلُوق لله، لَا لغَرَض آخر. فَكَانَ هَذَا مِنْ تَمام حُبِّه لله، فَإِنْ محبَّة مَحْبُوب المحبوب من تَمام محبَّة المحبوب، فَإِذا أحبَّ أَنْبيَاء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق- لَا لشَيْء آخر- فقد أحبهم لله لَا لغيره، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على المُؤمنِينَ أعزة على الكَافرين﴾ [المَائِدَة: ٥٤].
ولِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ [آل عمرَان: ٣١]، فَإِنْ الرَّسُول لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا يحب الله، ولَا يَنْهَى إِلَّا عَمَّا يبغضه الله ولَا يَفعل إِلَّا مَا يُحِبهُ الله ولَا يخبر إِلَّا بِمَا يحبُّ الله التَّصْدِيق بِهِ.
فَمن كَانَ محبًّا لله لزم أَنْ يَتبع الرَّسُول، فيصدقه فِيمَا أخبر، ويُطيعه فِيمَا أَمر، ويتأسى بِهِ فِيمَا فعل، ومَن فعل هَذَا فقد فَعل مَا
стр. 283
يُحِبُّهُ الله، فَيُحِبهُ الله».
أراد المصنف هنا أن يبين أنَّ احتياج الإنسان لبعض متاع الدنيا لا يدخل في التعلق المذموم بها؛ وهذا هو التوسط المطلوب، فليس معنى خوف التعلق بالدنيا: أن يَزهد فيها العبد وأن لا يَستعمرها، وإنما المراد ألَّا يكون حريصًا عليها، وأنَّها إذا جاءته من طريق شرعي يَنبغي أن يستخدمها في مرضاة الله، وأن تكون في يده وليست متحكمة فيه مستعبدة له مُستولية على قلبه شاغلة له عن الغاية من وجوده في هذه الحياة؛ وهي عبادة الله ﵎؛ لذلك قال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، قال ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تَنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]، أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنِّعمة الطائلة في طاعة ربِّك والتقرب إليه بأنواع القُربات، التي يَحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]، أي: مما أباح اللهُ فيها مِنْ المآكل والمَشارب والملابس والمساكن والمناكح؛ فإنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولِزَوْرِك- أي: ضيفك- عليك حقًّا، فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقه. ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧] أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك، ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ [القصص: ٧٧] أي: لا تَكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض، وتُسيء إلى خلق الله؛ ﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ [القصص: ٧٧]» (١).
стр. 284
فالإسلام وسطٌ في العمل للدنيا والآخرة؛ فكلٌّ منهما عبادة لله تعالى وتحقيق لغاية الوجود الإنساني ضِمن شروط معينة، بينما تأرجحت المذاهب الأخرى بين الاهتمام بالنواحي المادية الذي يظهر في المدنية الغربية الحديثة، وأصبح معبودها هو المال والقوة والرَّفاهية والرقي المادي، وبين الإزراء بهذا الرُّقي المادي والمتاع الدنيوي، كما هو الشأن في المذاهب التي تَدعو إلى الرَّهبنة وتعذيب الجسد من أجل الرُّوح وتهذيبها للوصول إلى مرحلة الفناء (١).
* * *
стр. 285
قال المصنف ﵀: وقد جعل الله لأهل مَحبته علامتين: اتِّبَاع الرَّسُول، والجهَاد فِي سَبيله، وذَلِكَ لِأَن الجِهَاد حَقِيقَته الِاجْتِهَاد فِي حُصُول مَا يُحِبهُ الله من الإِيمَان والعَمَل الصَّالح، ومَن دفع مَا يبغضه الله من الكفْر والفسوق والعصيان، وقد قَالَ تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وإِخْوانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله ورَسُوله وجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ [التَّوْبَة: ٢٤]، فتوعد مَنْ كَانَ أَهله ومَاله أحب إِلَيْهِ مِنْ الله ورَسُوله والجهَاد فِي سَبيله بِهَذَا الوعيد. بل قد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي «الصحيح» أَنه قَالَ: «والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحبَّ إِلَيْهِ من ولَده ووالده والنَّاس أَجْمَعِينَ» (١). وفِي «الصحيح» «أَنْ عمر بن الخطاب قَالَ: يَا رَسُول الله، لأَنْت أحبُّ إِلَيَّ مِنْ كلِّ شَيْء إِلَّا مِنْ نفسي، فَقَالَ: «لَا يَا عمر حَتَّى أكون أحبَّ إِلَيْك من نَفسك». فَقَالَ: فواللَّه لأَنْت أحب إِلَيَّ من نَفسِي. فَقَالَ: «الآن يَا عُمر» (٢).
فحقيقة المحبَّة لَا تتمُّ إِلَّا بموالاة المحبوب، وهُو مُوافَقَته فِي حب مَا يحب وبغض مَا يُبغض، والله يحبُّ الإِيمَان والتَّقوى، ويُبغض الكفْر والفسوق والعصيان.
ومَعْلُوم أَنَّ الحبَّ يُحَرِّك إِرَادَة القلب، فَكلما قويت المحبَّة فِي القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فَإِذا كَانَتْ المحبَّة تَامَّة
стр. 286
استلزمت إِرَادَة جازمة فِي حُصُول المحبوبات؛ فَإِذا كَانَ العَبْدُ قَادرًا عَلَيْهَا حصلها، وإِن كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا فَفعل مَا يَقدر عَلَيْهِ من ذَلِك كَانَ لَهُ أجر كَأَجر الفَاعِل، كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ : «مَنْ دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الأجر مِثل أُجور مَنْ اتَّبعهُ، مِنْ غير أَنْ يَنقص مِنْ أُجُورهم شَيْء، ومَن دَعَا إِلَى ضَلَالَة كَانَ عَلَيْهِ من الوزر مثل أوزار مَنْ اتَّبعهُ، من غير أَنْ يَنقص من أُجُورهم شَيْء» (١). وقَالَ: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسيرًا ولَا قَطعْتُمْ واديًا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ». قَالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: «وهُم بِالمَدِينَةِ حَبَسَهم العذرُ» (٢).
والجهَاد: هُو بذل الوسع- وهُو كل مَا يُمْلَكُ من القُدْرَة- فِي حُصُول مَحْبُوب الحق، ودفع مَا يَكرههُ الحق. فَإِذا ترك العَبْد مَا يَقدر عَلَيْهِ من الجِهَاد، كَانَ دَلِيلًا على ضعف محبَّة الله ورَسُوله فِي قلبه.
ومَعْلُوم أَنَّ المحبوبات لَا تنَال غَالِبًا إِلَّا بِاحْتِمَال المكروهات؛ سَواء كَانَتْ محبَّة صَالِحَة أَوْ فَاسِدَة، فالمحبون لِلمَالِ والرئاسة والصور، لَا ينالون مطالبهم إِلَّا بِضَرَر يَلحقهم فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يُصيبهم من الضَّرَر فِي الدُّنْيَا والآخِرَة. فالمحب لله ورَسُوله إِذا لم يَحْتَمل مَا يرى ذُو الرَّأْي من المُحبين لغير الله مِمَّا يَحْتَملُونَ فِي سَبِيل حُصُول مَحبوبهم- دلَّ ذَلِك على ضعف مَحَبَّتهم لله، إِذا كَانَ مَا يسلكه أُولَئِكَ فِي نظرهم، هُو الطَّرِيق الَّذِي يُشِير بِهِ العقل.
ومن المَعْلُوم أَنْ المُؤمن أَشد حبًّا لله، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿ومن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ [البَقَرَة: ١٦٥]».
стр. 287
جعل الله لأهل مَحبته علامتين: اتِّبَاع الرَّسُول، والجهَاد فِي سَبيله تعالى؛ لأن فيه بذل الرُّوح والمال، وهذا دليلٌ على صِدق العبد في عبوديته لله تعالى؛ والجهاد ذروة سنام الأمر؛ إذ به ينتشر دين الله في الأرض، وتعلو راية الإسلام، ويَعرف الناسُ ربَّهم وخالقهم ويُفردوه بالعبادة؛ يقول شيخ الإسلام: «والجهاد مقصوده: أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله؛ فمقصوده: إقامة دين الله لا استيفاء الرجل حظَّه، ولهذا كان ما يُصاب به المجاهد في نفسه وماله أجره فيه على الله؛ ف ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، حتى إنَّ الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يَضمنوا ما أتلفوه للمسلمين من الدِّماء والأموال؛ بل لو أسلموا وبأيديهم ما غَنِموه من أموال المسلمين كان ملكًا لهم عند جمهور العلماء؛ كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو الذي مَضَت به سُنَّةُ رسول الله ﷺ وسُنَّة خلفائه الرَّاشدين» (١).
فالجهاد لم يُشرع في الإسلام للتشفي ولا لإراقة دماء الناس ولا لاسترقاقهم، كما يُشيع أعداؤه؛ وإنما الأمة بحاجة ماسَّة إليه بنوعيه: جهاد الدَّفْع؛ للذَّبِّ عن حِمى الدِّين، وصيانة للأعراض والأموال وكل ما يُنَافَحُ عَنْه. أو جهاد الطَّلَب؛ لنشر شِرْعة الإسلام، وإغاظة أعداء الملة؛ ويقول ابن القيم: «جهاد الدَّفع يَقْصِدهُ كلُّ أحد، وَلَا يَرغب عَنهُ إِلَّا الجَبان المذموم شرعًا وعقلًا. وَجِهَاد
стр. 288
الطَّلب الْخَالِص لله يَقْصِدهُ سَادَاتُ الْمُؤمنِينَ، وَأمَّا الْجِهَاد الَّذِي يكون فِيهِ طَالبًا مَطْلُوبًا، فَهَذَا يَقْصِدهُ خِيَار النَّاس؛ لإعلاء كلمة الله وَدينه، ويقصده أوساطهم للدَّفْع ولمحبة الظَّفَر» (١).
ولما كانت المحبوبات لَا تُنَال- غَالِبًا- إِلَّا بِاحْتِمَال المكروهات، وكان المُؤمن أَشد حبًّا لله- كان دليل محبته له سبحانه: أن يَبذل كل ما يملك وأن يحتمل الشدائد في سبيلِ طلب مرضاته جل وعلا واحتسابٍ للأجر عنده وحده.
* * *
стр. 289
قال المصنف ﵀: «نعم، قد يسْلك المُحب- لضعف عقله وفَسَاد تصَوره- طَرِيقًا لَا يحصل بهَا المَطْلُوب. فَمثل هَذِه الطَّرِيق لَا تُحمد إِذا كَانَتْ المحبَّة صَالِحَة محمودة، فَكيف إِذا كَانَتْ المحبَّة فَاسِدَة والطَّرِيق غير موصل؟! كَمَا يَفْعَله المتهورون فِي طلب المَال الرِّئَاسَة والصور، من حبِّ أُمُور تُوجب لَهُمْ ضَرَرًا، ولَا تحصل لَهُمْ مَطْلُوبًا، وإِنَّمَا المَقْصُود الطّرق الَّتِي يَسلكها العقل السَّلِيم لحُصُول مَطْلُوبه.
إِذا تبين هَذَا، فَكلما ازْدَادَ القلب حبًّا لله ازْدَادَ لَهُ عبودية، وكلما ازْدَادَ لَهُ عبودية ازْدَادَ لَهُ حبًّا وفضَّلَه عَمَّا سواهُ. والقلب فَقير بِالذَّاتِ إِلَى الله مِنْ وَجْهَيْن: من جِهَة العِبَادَة، وهِي العلَّة الغائية، ومن جِهَة الِاسْتِعَانَة والتوكل، وهِي العلَّة الفاعلة. فالقلب لَا يصلح، ولَا يفلح، ولَا ينعم، ولَا يسر، ولَا يلتذ، ولَا يطيب، ولَا يَسكن، ولَا يطمئن إِلَّا بِعبَادة ربه وحبه والإنابة إِلَيْهِ، ولَو حصل لَهُ كل مَا يلتذ بِهِ من المَخْلُوقَات لم يَطمئن ولم يَسكن؛ إِذْ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربِّه، ومن حَيْثُ هُو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبِذَلِك يحصل لَهُ الفَرح والسُّرُور واللذة والنِّعْمَة والسكون والطمأنينة».
جمع الله بين العبادة والاستعانة في قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، قال ابن كثير في تفسيرها: «أي: لا نَعبد إلا إيَّاك، ولا نَتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة.
стр. 290
والدِّين يَرجع كله إلى هذين المَعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سِرُّ القرآن، وسِرُّها هذه الكلمة: ﴿إياك نَعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فالأول: تَبرؤ من الشرك، والثاني: تَبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله . وهذا المعنى في غير آية من القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾ [هود: ١٢٣]، ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]» (١).
ويذكر ابنُ القَيِّم أنَّ «سِرَّ الخلق والأمر والكتب والشرائع، والثواب والعقاب؛ انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد؛ فإن الله تعالى أنزل الكتب، ثم جمع معانيها في القرآن الكريم، وأنزل القرآن فجمع معانيه في فاتحة الكتاب، ثم أنزل الفاتحة وجمع معانيها في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾.
وهما الكلمتان المَقسومتان بين الربِّ وبين عبده نَصفين؛ فنصف له سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصف لعبده وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾» (٢).
وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أصول التَّوحيد في نوعين:
النوع الأول: توحيد العبادة المتعلق بحقِّ ألوهيته ؛ قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤].
النوع الثاني: توحيد الاستعانة: وهو مُتعلق بحقِّ ربوبيته جل
стр. 291
جلاله؛ بحيث لا يُستعان ولا يُستغاث إلا به جل وعلا، ولا يُدعى ولا يتوكل إلا عليه وحده؛ لأن الأمر كله بيده، وقد جمعهما الله في مثل قوله تعالى: ﴿وللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣].
* * *
стр. 292
قال المصنف ﵀: «وهَذَا لَا يحصل لَهُ إِلَّا بإعانة الله لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقدر على تَحْصِيل ذَلِك لَهُ إِلَّا الله، فَهُو دَائِمًا مُفتقر إِلَى حَقِيقَة: ﴿إيَّاك نعْبد وإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، فَإِنَّهُ لَو أُعين على حُصُول كل مَا يُحِبهُ ويطلبه ويَشتهيه ويريده، ولم يحصل لَهُ عبَادَة لله، فَلَنْ يحصل إِلَّا على الأَلَم والحَسْرَة والعَذَاب، ولنْ يخلص من آلام الدُّنْيَا ونكد عيشها إِلَّا بإخلاص الحبّ لله؛ بِحَيْثُ يكون الله هُو غَايَة مُرَاده ونِهَايَة مَقْصُوده، وهُو المحبوب لَهُ بِالقَصْدِ الأول وكل مَا سواهُ إِنَّمَا يُحِبهُ لأَجله، لَا يحب شَيْئًا لذاته إِلَّا الله. ومَتى لم يحصل لَهُ هَذَا لم يكن قد حَقَّق حَقِيقَة: (لَا إِلَه إِلَّا الله)، ولَا حقق التَّوْحِيد والعبودية والمحبة لله، وكَانَ فِيهِ من نقص التَّوْحِيد والإِيمَان، بل من الأَلَم والحَسْرَة والعَذَاب بِحَسب ذَلِك.
ولَو سعى فِي هَذَا المَطْلُوب، ولم يَكن مُستعينًا بِاللَّه متوكلًا عَلَيْهِ، مفتقرًا إِلَيْهِ فِي حُصُوله لم يحصل لَهُ؛ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ الله كَانَ ومَا لم يَشَأْ لم يكن، فَهُو مفتقر إِلَى الله؛ من حَيْثُ هُو المَطْلُوب المحبوب المُرَاد المعبود، ومن حَيْثُ هُو المَسْئُول المُسْتَعَان بِهِ المتَوكل عَلَيْهِ، فَهُو إلهه الَّذِي لَا إِلَه لَهُ غَيره، وهُو ربُّه الَّذِي لَا ربَّ لَهُ سواهُ».
كمال الذل وكمال الافتقار يَظهران في تحقيق العبد لكمال العبودية لله تعالى؛ قال ابن القيم ﵀: «سُئل محمد بن عبد الله الفرغاني عن الافتقار إلى الله سبحانه والاستغناء به، فقال: إذا صَحَّ
стр. 293
الافتقار إلى الله تعالى صَحَّ الاستغناءُ به، وإذا صحَّ الاستغناءُ به صحَّ الافتقار إليه، فلا يقال: أيهما أكمل؛ لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر؟ قلت: الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأن كمال الغِنى به هو كمال عبوديته، وحقيقة العبودية: كمال الافتقار إليه من كل وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به» (١).
وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه، أي: في أن يشهد ذلك، ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخضوع والخشوع، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع استغناء؛ فيطغى، كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧]، وقال: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض﴾ [فصلت: ٥١] (٢).
فالعبد مُفتقر إلى الله جل وعلا في كل شيء؛ في خلقه ووجوده، وفي استمراره وحياته، وفي علومه ومعارفه، وفي هدايته وأعماله، وفي جلب أي نفع له عاجل أو آجل، أو دفع أي ضرر عنه عاجل أو آجل، وهذا هو معنى: (لا حول ولا قوة إلا بالله).
* * *
стр. 294
قال المصنف ﵀: «ولَا تتمُّ عبوديته لله إِلَّا بِهَذَيْنِ، فَمَتَى كَانَ يحب غير الله لذاته، أَوْ يلتَفت إِلَى غير الله أَنه يُعينهُ كَانَ عبدًا لما أحبه، وعبدًا لما رجاه، بِحَسب حبه لَهُ ورجائه إِيَّاه، وإِذا لم يحب أحدًا لذاته إِلَّا الله، وأي شَيْء أحبه سواهُ، فَإِنَّمَا أحبه لَهُ ولم يرج قطُّ شَيْئًا إِلَّا الله، وإِذا فعل مَا فعل من الأَسْبَاب أَوْ حصَّل مَا حصَّل مِنْهَا كَانَ مشاهدًا أَنْ الله هُو الذى خلقهَا وقدرها وسخرها لَهُ، وأَن كل مَا فِي السَّمَاوات والأَرْض، فَالله ربُّه ومليكه وخالقه ومسخره، وهُو مفتقر إِلَيْهِ كَانَ قد حصل لَهُ من تَمام عبوديته لله بِحَسب مَا قُسم لَهُ من ذَلِك.
والنَّاس فِي هَذَا على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة، لَا يُحصي طرقها إِلَّا الله.
فأكمل الخلق وأفضلهم وأَعْلَاهُمْ وأقربهم إِلَى الله وأَقْواهُمْ وأهداهم: أتمهم عبودية لله من هَذَا الوجْه».
لا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاء، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان اختلت العبودية، ويبعث على تحقيق العبودية أمران اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه، ومطالعة عيوب النفس والعمل؛ قال ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: العارفُ يَسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة ومطالعة عيب النَّفس والعمل، وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح من حديث شَدَّاد
стр. 295
بن أوس رضي الله تعالى عنه: «سَيِّدُ الاستغفار أن يَقول العبدُ: اللهم أنتَ ربِّي لا إله الا أنت، خَلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك مِنْ شَرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنَّه لا يَغفر الذنوب إلا أنت» (١)، فجمع في قوله ﷺ : «أَبُوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ وأَبُوء بذنبي» مشاهدةَ المِنَّة ومطالعةَ عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النِّعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل تُوجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض، دخول مَنْ كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه ، وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كل ذَرَّة مِنْ ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ﵎، وأنه إن تخلى عنه طَرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر، إلا أن يَعود الله تعالى عليه ويَتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حِجاب أغلظ من الدَّعوى» (٢).
ولما كان رسولنا ﷺ أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له .
وهذا حال الأئمة والصالحين، وقد قال ابن القيم عن افتقار
стр. 296
شيخه ابن تيمية لربِّه: «ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء».
ومن نَظم شيخ الإسلام ﵀:
أنا الفقير إلى رب البريات … أنا المُسيكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده ياتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضرات
وليس لي دونه مولى يُدَبِّرني … ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي
إلا بإذن من الرحمن خالقنا … إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات
ولست أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعض ذرات
ولا ظهير له كي يستعين به … كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم … وكلهم عنده عبد له آتي
فَمَنْ بغى مطلبًا من غير خالقه … فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملء الكون أجمعه … ما كان منه وما من بعد قد ياتي» (١).
* * *
شَرَفًا (١)، أَوْ ركب دَابَّة (٢) ونَحْو ذَلِك، وبِه يُطفأ الحَرِيق وإِن عَظُم (٣)، وعند الأَذَان يَهرب الشَّيْطَان (٤)؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم إِنْ الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ [غافر: ٦٠].
وكل مَنْ استكبر عَنْ عبَادَة الله لَا بُد أَنْ يَعبد غَيره، فَإِنَّ الإِنْسَان حسَّاس يَتَحَرَّك بالإرادة. وقد ثَبت فِي «الصحيح» عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «أصدق الأَسْمَاء: حَارِث وهَمَّام» (٥)، فالحارث: الكاسب الفَاعِل. والهَمَّام: فَعَّال من الهم، والهمُّ أول الإِرَادَة، فالإنسان لَهُ إِرَادَة دَائِمًا، وكل إِرَادَة فَلَا بُد لَهَا من مُرَاد تنتهى إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ لكلِّ عبد من مُرَاد مَحْبُوب هُو مُنْتَهى حُبِّه وإرادته، فَمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عَنْ ذَلِك، فَلَا بُد أَنْ يكون لَهُ مُرَاد مَحْبُوب، يستعبده غير الله، فَيكون عبدًا لذَلِك المُرَاد المحبوب؛ إِمَّا المَال، وإِمَّا الجاه، وإِمَّا الصُّور، وإِمَّا مَا يَتَّخِذهُ إِلَهًا
стр. 299
من دون الله، كَالشَّمْسِ والقَمَر والكَواكِب والأوثان، وقبور الأَنْبِيَاء والصَّالِحِينَ أَوْ من المَلَائِكَة والأنبياء الَّذين يتخذهم أَرْبَابًا، أَوْ غير ذَلِك مِمَّا عُبد من دون الله.
وإِذا كَانَ عبدًا لغير الله يكون مُشْركًا، وكل مستكبر فَهُو مُشْرك، ولِهَذَا كَانَ فِرْعَوْن من أعظم الخلق استكبارًا عَنْ عبَادَة الله، وكَانَ مُشْركًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ولَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وهامان وقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب﴾ [غَافِر: ٢٣، ٢٥] .. إِلَى قَوْله: ﴿وقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم من كل متكبر لَا يُؤمن بِيَوْم الحساب﴾ إِلَى قَوْله: ﴿كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار﴾ [غَافِر: ٢٣ - ٣٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وقَارُون وفرْعَوْن وهامان ولَقَد جَاءَهُم مُوسَى بِالبَيِّنَاتِ فاستكبروا فِي الأَرْض ومَا كَانُوا سابقين﴾ [العنكبوت: ٣٩]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ فِرْعَوْن علا فِي الأَرْض وجعل أَهلهَا شيعًا يستضعف طَائِفَة مِنْهُم يذبح أَبْنَاءَهُم ويستحيي نِسَاءَهُمْ﴾ [القَصَص: ٤]، وقَالَ: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ [النَّمْل: ١٤]، ومثل هَذَا فِي القُرْآن كثير.
وقد وصف فِرْعَوْن بالشرك فِي قَوْله: ﴿وقَالَ المَلأ من قوم فِرْعَوْن أتذر مُوسَى وقَومه ليفسدوا فِي الأَرْض ويذرك وآلهتك﴾ [الأَعْرَاف: ١٢٧]، بل الاستقراء يدل على أَنه كلما كَانَ الرجل أعظم استكبارًا عَنْ عبَادَة الله كَانَ أعظم إشراكًا بِاللَّه؛ لِأَنَّهُ كلما استكبر عَنْ عبَادَة الله ازْدَادَ فقرًا وحاجة إِلَى المُرَاد المحبوب الَّذِي هُو المَقْصُود: مَقْصُود القلب بِالقَصْدِ الأول؛ فَيكون مُشْركًا بِمَا استعبده من ذَلِك».
حقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله، ومعنى الاستسلام لله: الخضوع والتسليم له ﷻ ، فأخبار الشرع حقها التصديق،
стр. 300
وأوامر الشرع حقها الرضا بها والعمل بمقتضاها، ونواهي الشرع حقها القبول لها واجتنابها.
أما الاعتراض على ما ثبت أنه من دين الإسلام فأصله من الكبر ويوصل إلى الزندقة، وإبليس أول من فعل هذا، حينما أمره الله بالسجود لآدم فاعترض وأَبَى أن يسجد، قال الله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٢، ١٣]، فأخرجه الله من الجنة، ولعنه وطرده؛ لمَّا أظهر كِبره واستعلن بكفره، وكذلك كل من سار على دربه.
وفارق بين الاعتراض على الحكم وتركه كبرًا وجحودًا وبين الإذعان للحكم وتركه تهاونًا وكسلًا، فالأول كفر، والثاني معصية.
لخطورة الكبر قال رسولُ الله ﷺ : «لا يَدخل الجَنَّة مَنْ كان في قلبه مثقال ذَرَّة من كبر». فقال رجل: إنَّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة! قال: «إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال، الكبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس» (١)، فكَما أَنَّ النَّار لَا يُخَلَّد فِيهَا مَنْ كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان فكذلك لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ إذ الكبرُ مناف للإيمَان؛ مباعد عن حَقِيقَةِ العُبُودِيَّة؛ لأنَّه مِنْ خصائص الربوبية.
وكل مَنْ استكبر عن عبادة الله ولم يكن الله منتهى حبه وإرادته، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله؛ فيكون عبدًا ذليلًا لذلك المراد المحبوب، وسيذوق وبال ذلك في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
стр. 301
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وكلما كان الإنسان أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول؛ فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وأشدهم إشراكًا وجحودًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]، إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، ومثل هذا في القرآن كثير.
* * *
стр. 302
قال المصنف ﵀: «ولنْ يَسْتَغْنِي القلب عَنْ جَمِيع المَخْلُوقَات، إِلَّا بِأَنْ يكون الله هُو مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَعبد إِلَّا إِيَّاه ولَا يَسْتَعِين إِلَّا بِهِ، ولَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ، ولَا يفرح إِلَّا بِمَا يُحِبهُ ويرضاه، ولَا يكره إِلَّا مَا يُبغضه الربُّ ويكرهه، ولَا يوالى إِلَّا مَنْ والَاهُ الله، ولَا يُعادي إِلَّا مَنْ عَادَاهُ الله، ولَا يحب إِلَّا لله، ولَا يبغض شَيْئًا إِلَّا لله، فَكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله، واستغناؤه عَنْ المَخْلُوقَات، وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الكبر والشِّرك.
والشرك غَالب على النَّصَارَى، والكبر غَالب على اليَهُود؛ قَالَ تَعَالَى فِي النَّصَارَى: ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم ورُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم ومَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا واحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُو سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ [التَّوْبَة: ٣١]، وقَالَ فِي اليَهُود: ﴿أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أَنفسكُم استكبرتم ففريقًا كَذبْتُمْ وفريقًا تقتلون﴾ [البَقَرَة: ٨٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿سأصرف عَنْ آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الحق وإِن يرَوا كل آيَة لَا يُؤمنُوا بهَا وإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلًا وإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٥]».
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يَعبد إلا إياه … » فيه: تقرير
стр. 303
لحقيقة أن عبودية الله والتعلق به ينجي من آفتين:
الآفة الأولى: هي آفة اليهود المغضوب عليهم، وهي الكبر؛ لأنهم علموا الحق وأعرضوا عنه كبرًا.
والآفة الثانية: هي آفة النَّصارى الضَّالُّون، وهي الشرك؛ لأنهم ضلوا طريق الحق.
والعبودية لله نوعان:
النوع الأول: عبوديةٌ قسريَّة، تتمثَّل في كونِ اللهِ ربَّنا ومالكَنا، وكونِنا خاضعين قهرًا؛ فالخلقُ عبادُه- بهذا المعنى- شاءوا أم أَبَوْا.
النوع الثاني: عبودية إلهية، وهي الإقرارُ لله وحْدَه بالعبادة والانقياد له بالطاعة.
فالإنسانُ لا ينفكُّ عن وصفِ العبودية؛ فإنْ لم يكن عبدًا لله طوعًا، وهو شرف وعز له- استعبدتْه حاجاتُه وأهواؤه وطواغيتُ الجنِّ والإنس؛ فذاق الذل والخزي في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة.
فسبيلُ تحرُّر العبد في كمال عبوديته لله، ولن يستغنيَ القلبُ عن جميعِ المخلوقات إلاَّ بأنْ يكونَ اللهُ هو مولاه الذي لا يَعبُد إلا إيَّاه، ولا يستعين إلاَّ به، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يفرَح إلا بما يحبُّه ويرضاه … فكلَّما قوِيَ إخلاصُ دِينه لله كَمُلتْ عبوديتُه لله واستغناؤه عنِ المخلوقات.
* * *
стр. 304
قال المصنف ﵀: «ولما كَانَ الكِبْرُ مُستلزمًا للشرك، والشرك ضد الإِسْلَام، وهُو الذَّنب الَّذِي لَا يَغفره الله؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ الله لَا يغْفر أَنْ يُشْرك بِهِ ويغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء ومن يُشْرك بِاللَّه فقد افترى إِثْمًا عَظِيما﴾ [النِّسَاء: ٤٨]، وقَالَ: ﴿إِنْ الله لَا يَغْفر أَنْ يُشْرك بِهِ ويغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء ومن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالًا بَعيدًا﴾ [النِّسَاء: ١١٦]- كَانَ الأَنْبِيَاء جَمِيعهم مَبعوثين بدين الإِسْلَام، فَهُو الدَّين الَّذِي لَا يَقبل الله غَيره، لَا من الأَولين ولَا من الآخرين؛ قَالَ نوح: ﴿فَإِنْ توليتم فَمَا سألتكم من أجر إِنْ أجري إِلَّا على الله وأمرت أَنْ أكون من المُسلمين﴾ [يُونُس: ٧٢]، وقَالَ فِي حقِّ إِبْرَاهِيم: ﴿ومن يرغب عَنْ مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه ولَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وإنَّهُ فِي الآخِرَة لمن الصَّالِحين * إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب العَالمين﴾ .. إِلَى قَوْله: ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٠ - ١٣٢]، وقَالَ يُوسُف: ﴿توفني مُسلمًا وألحقني بالصَّالحين﴾ [يُوسُف: ١٠١]، وقَالَ مُوسَى: ﴿يَا قوم إِنْ كُنْتُم آمنتم بِاللَّه فَعَلَيهِ توكلوا إِنْ كُنْتُم مُسلمين * فَقَالُوا على الله توكلنا﴾ [يُونُس: ٨٤، ٨٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى ونور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا﴾ [المَائِدَة: ٤٤]، وقَالَت بلقيس: ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب العَالمين﴾ [النَّمْل: ٤٤]، وقَالَ: ﴿وإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَنْ آمنُوا بِي وبرسولي قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ﴾ [المَائِدَة: ١١١]، وقَالَ: ﴿إِنْ الدَّين عِنْد الله الإِسْلَام﴾ [آل عمرَان: ١٩]، وقَالَ: ﴿ومن يَبتغ غير الإِسْلَام
стр. 305
دينا فَلَنْ يُقبل مِنْهُ﴾ [آل عمرَان: ٨٥]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ وله أسلم من فِي السَّمَاوات والأَرْض طَوْعًا وكرهًا﴾ [آل عمرَان: ٨٣]، فَذكر إِسْلَام الكائنات طَوْعًا وكرها؛ لِأَن المَخْلُوقَات جَمِيعهَا متعبدة لَهُ التَّعَبُّد العَام؛ سَواء أقرَّ المقرُّ بذلك أَوْ أنكرهُ، وهم مدينون لَهُ مُدبرون، فهم مُسلمُونَ لَهُ طَوْعًا وكرهًا، لَيْسَ لأحد من المَخْلُوقَات خُرُوج عَمَّا شاءه وقَدَّره وقضاه، ولَا حول ولَا قُوة إِلَّا بِهِ، وهُو رب العَالمين ومَلِيكهم؛ يُصَرِّفهم كَيفَ يَشَاء، وهُو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل مَا سواهُ فَهُو مربوب مَصْنُوع مفطور فَقير مُحْتَاج معبَّد مقهور، وهُو سُبْحَانَهُ الواحِد القهَّار، الخَالِق البارئ المصور».
مما لا شكَّ فيه أن المقصود من إثبات ربوبيته- سبحانه- لخلقه وانفراده بذلك: هو الاستدلال به على وجوب عبادته وحده لا شريك له؛ الذي هو توحيد الألوهية، فلو أن الإنسان أقر بتوحيد الربوبية ولم يقر بتوحيد الألوهية أو لم يَقم به على الوجه الصحيح؛ لم يكن مسلمًا، ولا موحدًا؛ بل يكون كافرًا جاحدًا.
ومعنى ذلك: أنَّ من أَقَرَّ بتوحيد الربوبية لله، فاعترف بأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون إلا الله لزمه أن يُقر بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله سبحانه، وهذا هو توحيد الألوهية، فإن الألوهية هي العبادة، فتوحيدُ الربوبية دليلٌ لوجوب توحيد الألوهية؛ ولهذا كثيرًا ما يحتجُّ الله- سبحانه- على المنكرين لتوحيد الألوهية بما أقروا به من توحيد الربوبية؛ مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً وأنزل من السماء
стр. 306
ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. [البقرة: ٢١، ٢٢].
فأمرهم بتوحيد الألوهية، وهو عبادتهُ، واحتَجَّ عليهم بتوحيد الرُّبوبية الذي هو خلقُ الناس الأَوَّلين والآخرين، وخلقُ السماءِ والأرضِ وما فيهما، وتسخير الرياح وإنزالُ المطر، وإنباتُ النبات، وإخراج الثمرات التي هي رزق العباد؛ فلا يليق بهم أن يُشركوا معه غيره؛ ممن يعلمون أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، ولا من غيره، فالطريق الفطري لإثبات توحيد الألوهية: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية، فإن الإنسان يتعلق- أولًا- بمصدر خَلقه، ومنشأ نفعه وضره؛ ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وتُرضيه عنه، وتُوثق الصلة بينه وبينه، فتوحيد الربوبية بابٌ لتوحيد الألوهية؛ من أجل ذلك احتج الله على المشركين بهذه الطريقة، وأمر رسَوله أن يحتج بها عليهم، فقال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه﴾ [الأنعام: ١٠٢]؛ فقد احتج بتفرده بالربوبية على استحقاقه للعبادة، وتوحيد الألوهية (العبادة): هو الذي خلق الخلق من أجله؛ قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
وهذا كثيرٌ في القرآن، فمن زعمَ أنَّ التوحيدَ هُو الإقرارُ بوجود الله، أو الإقرار بأن الله هو الخالق المتصرف في الكون، واقتصر
стр. 307
على هذا النوع؛ لم يكُن عارفًا لحقيقة التوحيد الذي دعَتْ إليه الرسلُ؛ لأنَّهُ وقفَ عندَ الملزوم وترك اللازم، أو وقف عند الدليل وترك المدلول عليه.
ومن خصائص الألوهية: الكمالُ المطلقُ من جميع الوجوه؛ الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها لها وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل والاستغاثة، وغاية الذلِّ مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون لغيره (١).
* * *
стр. 308
قال المصنف ﵀: «وهُو وإِن كَانَ قد خلق مَا خلقه بِأَسْبَاب فَهُو خَالق السَّبَب والمقدِّر لَهُ، وهَذَا مفتقر إِلَيْهِ كافتقار هَذَا، ولَيْسَ فِي المَخْلُوقَات سَبَب مُسْتَقل بِفعل خير ولَا دفع ضرّ، بل كل مَا هُو سَبَب فَهُو مُحْتَاج إِلَى سَبَب آخر يعاونه، وإِلَى مَا يدْفع عَنهُ الضِّدّ الَّذِي يُعَارضهُ ويمانعه.
وهُو سُبْحَانَهُ وحده الغني عَنْ كل مَا سواهُ، لَيْسَ لَهُ شريك يُعاونه، ولَا ضد يُناوئه ويُعارضه؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قل أَفَرَأَيْتُم مَا تدعون من دون الله إِنْ أرادني الله بضر هَلْ هن كاشفات ضره أَوْ أرادني برحمة هَلْ هن ممسكات رَحمته قل حسبي الله عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون﴾ [الزمر: ٣٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وإِن يَمسسك الله بضر فَلَا كاشف لَهُ إِلَّا هُو وإِن يَمسسك بِخَير فَهُو على كل شَيْء قدير﴾ [الأَنْعَام: ١٧]، وقَالَ تَعَالَى عَنْ الخَلِيل: ﴿يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون * إِنِّي وجهت وجْهي للَّذي فطر السَّمَاوات والأَرْض حَنِيفا ومَا أَنا من المُشْركين * وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وقد هدان ولَا أَخَاف مَا تشركون بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاء رَبِّي شَيْئا … ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿الَّذين آمنُوا ولم يلبسوا إِيمَانهم بظُلم أُولَئِكَ لَهُمْ الأَمْن وهم مهتدون﴾ [الأَنْعَام: ٧٨ - ٨٢].
وفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عبدِ الله بن مَسْعُود ﵁: «أَنَّ هَذِه الآيَة لمَّا نزلت شقَّ ذَلِك على أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وقَالُوا: يَا رَسُول الله، أَيُّنَا لم يَلبس إيمَانه بظُلم؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا هُو الشّرك؛ أَلَم تسمعوا إِلَى قَول العَبْد الصَّالح: ﴿إِنْ الشِّرك لظلم عَظِيم﴾ [لُقْمَان: ١٣]» (١).
стр. 309
وإِبْرَاهِيم الخَلِيلُ إِمَام الحنفاء المخلصين؛ حَيْثُ بعث وقد طبق الأَرْضَ دينُ المُشْركين؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وإِذ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات فأتمهن قَالَ إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ ومن ذريتي قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ [البَقَرَة: ١٢٤]؛ فَبين أَنْ عَهده بِالإِمَامَةِ لَا يتَنَاول الظَّالِم، فَلم يَأْمر الله سُبْحَانَهُ أَنْ يكون الظَّالِم إِمَامًا، وأعظم الظُّلم الشّرك.
وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا ولم يَك من المُشْركين﴾ [النَّحْل: ١٢٠]، والأُمة هُو: معلم الخَيْر الَّذِي يُؤتم بِهِ. كَمَا أَنَّ القُدْوة: الذى يُقْتَدى بِهِ.
والله تَعَالَى جعل فِي ذُريَّته النُّبُوة والكتاب، وإِنَّمَا بعث الأَنْبِيَاء بعده بمِلَّته؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَنْ اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا ومَا كَانَ من المُشْرِكين﴾ [النَّحْل: ١٢٣]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ وهَذَا النَّبِي والَّذين آمنُوا والله ولي المُؤمنِينَ﴾ [آل عمرَان: ٦٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا ولَا نَصْرَانِيّا ولَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما ومَا كَانَ من المُشركين﴾ [آل عمرَان: ٦٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وقَالُوا كونُوا هودا أَوْ نَصَارَى تهتدوا قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا ومَا كَانَ من المُشْركين * قُولُوا آمنا بِاللَّه ومَا أنزل إِلَيْنَا ومَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وإِسْمَاعِيل وإِسْحَاق ويَعْقُوب والأسباط﴾ إِلَى قَوْله: ﴿ونحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٣٥، ١٣٦].
وقد ثَبت فِي «الصحيح» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنْ «إِبْرَاهِيم خير البَريَّة» (١)، فَهُو أفضلُ الأَنْبِيَاء بعد النَّبِي ﷺ ، وهُو خَلِيل الله تَعَالَى.
وقد ثَبت فِي «الصحيح» عَنْ النَّبِي ﷺ من غير وجه أَنه قَالَ:
стр. 310
«إِنَّ الله اتخذنى خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا» (١). وقَالَ: «لَو كنت متخذًا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتَّخذت أَبَا بكر خَلِيلًا، ولَكِنَّ صَاحبَكُم خَلِيلُ الله» (٢)، يَعْني: نَفسه.
وقَالَ: «لَا تبقين فِي المَسْجِدِ خَوْخَة إِلَّا سُدَّت إِلَّا خوخةَ أَبى بكر» (٣). وقَالَ: «أَلَا وإِنَّ مَنْ كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يَتَّخذون القُبُور مَسَاجِد، أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُور مَسَاجِد؛ فإني أَنهاكم عَنْ ذَلِك» (٤). وكل هَذَا فِي «الصحيح»، وفِيه أَنه قَالَ ذَلِك قبل مَوته بأيام، وذَلِكَ من تَمام رسَالَته؛ فَإِنْ فِي ذَلِك تَمام تَحْقِيق مخالَّته لله الَّتِي أَصْلهَا محبَّة الله تَعَالَى للعَبد ومحبة العَبْد لله، خلافًا للجهمية.
وفِي ذَلِك تَحْقِيق تَوْحِيد الله، وألَّا يعبدوا إِلَّا إِيَّاه؛ ردًّا على أشباه المُشْرِكين، وفِيه ردٌّ على الرَّافضة الَّذين يَبخسون الصِّديق ? حَقَّه، وهم أعظم المنتسبين إِلَى القِبْلَة إشراكًا بِعبَادة عَليٍّ وغَيره من البشر.
والخُلَّة: هِيَ كَمَال المحبَّة المستلزمة من العَبْد كَمَال العُبُودِيَّة لله، ومن الربِّ سُبْحَانَهُ كَمَال الربوبية لِعِبَادِهِ الَّذين يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ.
ولَفظ العُبُودِيَّة يتَضَمَّن كَمَالَ الذُّلِّ وكَمَالَ الحبّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: قلب مُتَيَّم، إِذا كَانَ متعبدًا للمحبوب. والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهَذَا- على الكَمَال- حصل لإِبْرَاهِيمَ ومُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وسَلَّم.
стр. 311
ولِهَذَا لم يكن لَهُ ﷺ من أهل الأَرْض خَلِيل؛ إِذْ الخُلَّة لَا تحْتَمل الشِّركَة؛ فَإِنَّهُ كَمَا قيل فِي المَعْنى:
قد تخللت مَسْلَك الرُّوح مني … وبِذَا سُمِّي الخَلِيل خَلِيلًا (١)
بِخِلَاف أصل الحبِّ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قد قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الحَسَن وأُسَامَة: «اللَّهُمَّ إني أُحِبُّهما؛ فأَحبَّهما وأحبَّ مَنْ يُحبهما» (٢)، وسَأَلَهُ عَمْرو بن العَاصِ: أَيُّ النَّاس أحبُّ إِلَيْك؟ قَالَ: «عَائِشَة». قَالَ: فَمِنْ الرِّجَال؟ قَالَ: «أَبوهَا» (٣). وقَالَ لعَليٍّ ?: «لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدًا رجلًا يُحبُّ اللهَ ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ الله ورَسُوله» (٤). وأمثال ذَلِك كثير.
وقد أخبر تَعَالَى أَنه ﴿يحبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، و ﴿يُحب المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، و ﴿يُحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢]، و ﴿يُحب التوابين ويُحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و ﴿يُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]، وقَالَ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ [المَائِدَة: ٥٤]؛ فقد أخبر بمحبته لِعِبَادِهِ المُؤمنِينَ ومحبة المُؤمنِينَ لَهُ، حَتَّى قَالَ: ﴿والَّذين آمنُوا أَشد حُبًّا لله﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].
أمَّا الخلَّة فخاصَّة، وقَول بعض النَّاس: إِنْ مُحَمَّدًا حبيب الله، وإِبْرَاهِيم خَلِيل الله، وظنه أَنْ المحبَّة فَوق الخلَّة؛ قَول ضَعِيف؛ فَإِنْ
стр. 312
مُحَمَّدًا- أَيْضًا- خَلِيل الله، كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة.
ومَا يرْوى أَنْ العَبَّاس يُحْشر بَين حبيب وخليل، وأمثال ذَلِك فأحاديث مَوْضُوعَة لَا تَصلح أَنْ يُعْتَمد عَلَيْهَا».
محبة الله صفة من صفاته، وهي ثابتة له ، ولا ينكرها إلا أهل التعطيل والعياذ بالله، فالله يُحِبُّ ويُحَبُّ، يعني: تنسب له المحبة على وجهين: على أنها فِعل منه، وعلى أنها فعل نحوه، وهذه يثبتها أهل السنة والجماعة؛ فيَرون أن الله يحبُّ بعضَ خلقه؛ كمحبته للأنبياء والصالحين والعمل الصالح، ومحبته للصابرين ومحبته للمتطهرين، ونحو ذلك، وكذلك من جهة العبد؛ فالعبد يحب ربَّه ويُعظمه ، ويتعلق قلبه به لكمال صفاته ولكمال إنعامه.
ثم أشار المصنف إلى الروافض وأذنابهم الذين نشروا الشرك وعبادة غير الله من القبور والأضرحة والعتبات التي يقدسونها ويحجون إليها ويطوفون بها ويذبحون عندها، ويستغيثون بعليِّ بن أبي طالب ?، ويصفونه بصفات الله، ويبغضون أبا بكر وعمر ويلعنونهما ويسبون عائشة ﵂، وغير ذلك من كفرهم وضلالاتهم، وقد رد عليهم شيخ الإسلام في كتابه القَيِّم «منهاج السنة النبوية»، ودحض شبههم وفند مزاعمهم، وألزمهم الحجج الواضحة.
ولقد صدق الشعبي حين قال لمالك: «إنني قد درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا هم أحمق من الخشبية (طائفة من الروافض)، لو كانوا من الدواب لكانوا حُمُرًا، ولو كانوا من الطير لكانوا رخمًا، وقال: أُحَذِّرك الأهواء المضلة، وشَرها الرافضة، وذلك أن منهم
стр. 313
يهودًا يَغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم … ، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وطعنًا عليهم … » (١).
* * *
стр. 314
قال المصنف ﵀: «وقد قدمنَا أَنْ محبَّة الله تَعَالَى هِيَ: محبتُه ومحبة مَا أحب، كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنه قَالَ: «ثَلَاث مَنْ كن فِيهِ وجد حلاوة الإِيمَان: مَنْ كَانَ اللهُ ورَسُولُه أحبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، ومَن كَانَ يحب المَرْءَ لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ومن كَانَ يكره أَنْ يَرجع فِي الكفْر بعد إِذْ أنقذه الله مِنْهُ، كَمَا يَكره أَنْ يلقى فِي النَّار» (١). أخبر النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَنْ كَانَ فِيهِ هَذِه الثَّلَاث؛ وجد حلاوة الإِيمَان؛ لِأَن وَجْدَ الحَلَاوة بالشَّيْء يتبع المحبَّة لَهُ، فَمن أحبَّ شَيْئًا أَوْ اشتهاه، إِذا حصل لَهُ مُرَاده، فَإِنَّهُ يجد الحَلَاوة واللذة والسُّرُور بذلك، واللذة أَمر يحصل عَقيب إِدْرَاك الملائم الَّذِي هُو المحبوب أَوْ المشتهى. ومَن قَالَ: إِنْ اللَّذَّة إِدْرَاك الملائم- كَمَا يَقُوله مَنْ يَقُوله من المتفلسفة والأطباء- فقد غلط فِي ذَلِك غَلطًا بَينًا، فَإِنْ الإِدْرَاك يتوسط بَين المحبَّة واللذة، فَإِنَّ الإِنْسَان- مثلًا- يَشْتَهِي الطَّعَام، فَإِذا أكله حصل لَهُ عقيب ذَلِك اللَّذَّة، فاللذة تتبع النَّظر إِلَى الشَّيْء، فَإِذا نظر إِلَيْهِ التذ بِهِ. واللذة الَّتِي تتبع النّظر لَيست نفس النّظر، ولَيْسَت هِيَ رُؤْيَة الشَّيْء، بل تَحصل عقيب رُؤْيَته، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الأَنْفس وتلذ الأَعْين﴾ [الزخرف: ٧١]، وهَكَذَا جَمِيع مَا يحصل للنَّفس من اللَّذَّات والآلام: من فَرح وحزن ونَحْو ذَلِك يَحصل بالشعور بالمحبوب، أَوْ الشُّعُور بالمكروه، ولَيْسَ نفس الشُّعُور هُو الفَرح ولَا الحزن.
فحلاوة الإِيمَان المتضمنة من اللَّذَّة بِهِ والفرح مَا يَجده المُؤمن
стр. 315
الواجِد حلاوة الإِيمَان، تتبع كَمَال محبَّة العَبْد لله، وذَلِكَ بِثَلَاثَة أُمُور: تَكْمِيل هَذِه المحبَّة وتفريقها، ودفع ضدها. فتكميلها: أَنْ يكون الله ورَسُوله أحبّ إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، فَإِنْ محبَّة الله ورَسُوله لَا يكْتَفى فِيهَا بِأَصْل الحبّ، بل لا بد أَنْ يكون الله ورَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا كَمَا تقدم.
وتفريقها: أَنْ يحب المَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله، ودفع ضدها: أَنْ يكره ضد الإِيمَان أعظم من كَرَاهَته الإِلقَاء فِي النَّار.
فَإِذا كَانَتْ محبَّة الرَّسُول والمُؤمنِينَ من محبَّة الله، وكَانَ رَسُول الله ﷺ يحب المُؤمنِينَ الَّذين يُحِبُّهُمْ الله؛ لِأَنَّهُ أكمل النَّاس محبَّة لله، وأحقهم بِأَنْ يحب مَا يُحِبهُ الله، ويبغض مَا يبغضه الله، والخلة لَيْسَ لغير الله فِيهَا نصيب، بل قَالَ: «لَو كنتُ متخذًا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتَّخذت أَبَا بكر خَلِيلًا» (١) - علم مزِيد مرتبَة الخلَّة على مُطلق المحبَّة.
والمَقْصُود: هُو أَنْ الخلَّة والمحبة لله: تَحْقِيق عبوديته، وإِنَّمَا يغلط من يغلط فِي هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَنَّ العُبُودِيَّة مُجَرّد ذلٍّ وخضوع فَقَط، لَا محبَّة مَعَه، وأَن المحبَّة فِيهَا انبساط فِي الأَهْواء أَوْ إدلال لَا تَحتمله الربوبية، ولِهَذَا يُذكر عَنْ ذِي النُّون: أَنهم تكلمُوا عِنْده فِي مَسْأَلَة المحبَّة؛ فَقَالَ: «أَمْسكُوا عَنْ هَذِه المَسْأَلَة لَا تسمعها النُّفُوس فتدَّعيها».
وكره مَنْ كره مِنْ أهل المعرفَة والعلم مجالسة أَقوام يُكثرون الكَلَام فِي المحبَّة بِلَا خشيَة.
وقَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السّلف: «مَنْ عَبد الله بالحبِّ وحده فَهُو
стр. 316
زنديق (١)، ومَن عَبده بالرجاء وحده فَهُو مُرجئ (٢)، ومَن عَبده بالخوف وحده فَهُو حروريٌّ (٣)، ومَن عَبده بالحب والخَوْف والرجاء فَهُو مُؤمن موحد».
ولِهَذَا وجد فِي المُتَأَخِّرين مَنْ انبسط فِي دَعْوى المحبَّة، حَتَّى أخرجه ذَلِك إِلَى نوع من الرعونة والدَّعْوى الَّتِي تنَافِي العُبُودِيَّة، وتُدْخل العَبْد فِي نوع من الربوبية الَّتِي لَا تَصلح إِلَّا لله؛ فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حُدُود الأَنْبِيَاء والمُرْسلِينَ، أَوْ يَطْلب من الله مَا لَا يَصلح بِكُل وجه إِلَّا لله، لَا يصلح للأنبياء ولَا للمرسلين.
وهَذَا بَاب وقع فِيهِ كثير من الشُّيُوخ. وسَببه: ضعف تَحْقِيق العُبُودِيَّة الَّتِي بيَّنها الرُّسُل، وحَرَّرها الأَمر والنَّهْي الَّذِي جَاءُوا بِهِ، بل ضعف العقل الَّذِي بِهِ يعرف العَبْد حَقِيقَته. وإِذا ضعف العقل، وقلص العلم بِالدِّينِ، وفِي النَّفس محبَّة طائشة جاهلة- انبسطت النَّفس بحمقها فِي ذَلِك، كَمَا ينبسط الإِنْسَان فِي محبَّة الإِنْسَان مَعَ حمقه وجهله، ويَقُول: أَنا محب، فَلَا أؤاخذ بِمَا أَفعلهُ من أَنْواع يكون فِيهَا عدوان وجَهل، فَهَذَا عين الضلال، وهُو شَبيه بقول اليَهُود والنَّصَارَى: ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ [المَائِدَة: ١٨]، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّنْ خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ [المَائِدَة: ١٨]، فَإِنْ تعذيبه لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي أَنهم غير محبوبين، ولَا منسوبين إِلَيْهِ بِنسَبة البُنُوة، بل يَقْتَضِي أَنهم مربوبون مخلوقون.
стр. 317
فَمن كَانَ الله يُحِبُّهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومَحبوبه لَا يفعل مَا يُبغضه الحق ويُسخطه؛ من الكفْر والفسوق والعصيان.
ومَن فعل الكَبَائِر وأصرَّ عَلَيْهَا ولم يَتب مِنْهَا، فَإِنَّ الله يُبغض مِنْهُ ذَلِك، كَمَا يحب مِنْهُ مَا يَفْعَله من الخَيْر، إِذْ حبه للعَبد بِحَسب إيمَانه وتقواه.
ومَن ظن أَنْ الذُّنُوب لَا تضرُّه لكَون الله يُحِبهُ مَعَ إصراره عَلَيْهَا- كَانَ بِمَنْزِلَة من زعم أَنْ تنَاول السم لَا يضرّهُ مَعَ مداومته عَلَيْهِ، وعدم تداويه مِنْهُ لصِحَّة مزاجه، ولَو تدبر الأحمق مَا قصَّ الله فِي كِتَابه من قصَص أنبيائه، ومَا جرى لَهُمْ من التَّوْبَة والِاسْتِغْفَار، ومَا أصيبوا بِهِ من أَنْواع البلَاء الَّذِي فِيهِ تمحيص لَهُمْ وتطهير بِحَسب أَحْوالهم- علم بعض ضَرَر الذُّنُوب بأصحابها، ولَو كَانَ أرفع النَّاس مقَامًا، فَإِنْ المُحب للمخلوق إِذا لم يكن عَارِفًا بمحابِّه ولَا مرِيدًا لَهَا، بل يَعْمل بِمُقْتَضى الحبّ وإِن كَانَ جهلًا وظلمًا- كَانَ ذَلِك سَببًا لِبُغْض المحبوب لَهُ، ونُفوره عَنهُ، بل سَببًا لعقوبته».
خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته، مع الخضوع له والانقياد لأمره.
فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبه. وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر واجتناب النهي
стр. 318
تتبين حقيقة العبودية والمحبة، ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علمًا عليها، وشاهدًا لمن ادعاها؛ فقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]، فجعل اتباع رسوله مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله. ودل على أن متابعة الرسول ﷺ هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما، فهذا هو الشرك الذي لا يَغفره الله لصاحبه البتة، ولا يَهديه الله؛ قال الله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤].
فكل مَنْ قَدَّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحدهم على معاملة الله فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه، وكذلك من قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله، فذلك المقدم عنده أحب إليه من الله ورسوله (١).
стр. 319
إنَّ كثيرًا من أمراض قلوبنا ترجع إلى ضعف حبِّ الله ورسولِه ﷺ في قلوبنا، وهو مِنْ أوثق عرى الإيمان.
والذي يروم المحبة الصادقة لا بد له من حادٍ يسوقه ويعينه على مشقة الطريق، وعليه أن يجاهد نفسه في سبيل تحصيلها والتلذذ بها؛ وذلك بالبعد عن الذنوبِ ومصاحبةِ أهل الغفلة، وعليه بالاجتهاد في الطاعة، والعمل على تهذيب أخلاقه والسمو بروحه، والصبر على أنواع الابتلاءات المختلفة الممحصة، وبذل الغالي في سبيل ذلك؛ فالعاقبة محمودة.
إنَّ محبة الله تعالى تملأ النفس سكينة ورضا، وتملأ الحياة نورًا وسعادة، وتملأ المجتمعات البشرية تفاهمًا وتراحمًا وتكافلًا، ومَن حرم تلك النعمة كان قرينه الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة.
* * *
стр. 320
قال المصنف ﵀: «وكثير من السالكين سلكوا فِي دَعْوى حبِّ الله أنواعًا من أُمُور الجَهْل بِالدِّينِ: إِمَّا مِنْ تعدِي حُدُود الله، وإِمَّا مِنْ تَضْييع حُقُوق الله، وإِمَّا مِنْ ادِّعَاء الدَّعَاوى البَاطِلَة الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا، كَقَوْل بَعضهم: أَي مُرِيد لي ترك فِي النَّار أحدًا، فَأَنا برِئ مِنْهُ، فَقَالَ الآخر: أَي مُرِيد لي ترك أحدًا من المُؤمنِينَ يدْخل النَّار فَأَنا مِنْهُ بَرِيء.
فَالأول: جعل مريده يُخرج كل مَنْ فِي النَّار.
والثَّانِي: جعل مريده يمْنَع أهل الكَبَائِر من دُخُول النَّار.
ويَقُول بَعضهم: إِذا كَانَ يَوْم القِيَامَة نَصبت خَيْمَتي على جَهَنَّم حَتَّى لَا يدخلهَا أحدٌ.
وأمثال ذَلِك من الأَقْوال الَّتِي تُؤْثَر عَنْ بعض المَشَايِخ المَشْهُورين، وهِي إِمَّا كذب عَلَيْهِم، وإِمَّا غلطٌ مِنْهُم.
ومثل هَذَا قد يصدر فِي حَال سكر وغَلَبَة وفناء يَسْقط فِيهَا تَمْيِيز الإِنْسَان، أَوْ يَضعف حَتَّى لَا يَدْرِي مَا قَالَ. والسكر هُو لَذَّة مَعَ عدم تَمْيِيز. ولِهَذَا كَانَ من هَؤُلَاءِ مَنْ إِذا صَحا اسْتغْفر من ذَلِك الكَلَام، والَّذين توسعوا من الشُّيُوخ فِي سَماع القصائد المتضمنة للحبِّ والشوق واللوم والعذل والغرام- كَانَ هَذَا أصل مقصدهم، فَإِنْ هَذَا الجِنْس يُحَرك مَا فِي القلب من الحبِّ كَائِنا مَا كَانَ، ولِهَذَا أنزل الله محنة يمْتَحن بهَا المُحب؛ فَقَالَ: ﴿قل إِنْ كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ [آل عمرَان: ٣١]، فَلَا يكون محبًّا لله إِلَّا مَنْ يتبع رَسُوله،