Полный текст (711 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الرجل إذا رجع إلى أهله فرح واستبشر، وأنت تبكي؟! فقال: إنكم لا تعلمون إلى من أرجع، إنما أرجع إلى شياطين الإنس؛ علي بن المديني، وابن الشاذكوني، وابن بحر السقاء، يعني: عمرو بن علي» (١).
- أبو عبد الملك عقبة بن مكرم العمي البصري ثم البغدادي المالكي (ت ٢٤٣ هـ): «ما قدم علينا بعد علي بن المديني مثل عمرو بن علي» (٢).
- أبو الفضل عباس بن عبد العظيم العنبري البصري (ت ٢٤٦ هـ): «ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي» (٣).
- أبو مسعود أحمد بن الفرات الضبي الرازي، نزيل أصبهان (ت ٢٥٨ هـ)، أحد حفاظ الحديث، ومن كبار الأئمة فيه (٤): «لا أعلم أحدا قدم هاهنا أتقن من أبي حفص» (٥).
- حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي، عرف بابن الشاعر (ت ٢٥٩ هـ):
_________
(١) تاريخ بغداد: (١٠/ ٥٥). ويظهر أن هذا الوصف الحارق كان شائعا عند محدثي البصرة؛ فهذا سليمان الشاذكوني نفسه يقول عن عبد الرحمن بن مهدي، وقد هاله سيلان ذهنه وشدة حفظه بعد خبر يطول مساقه، مخاطبا صاحبه ابن المديني: «لعن الله مهديا. قلت ـ المقصود علي -: من مهدي؟ قال: أبو هذا الشيطان، كما خرج هذا من صلبه، ترى لو أنه كان قد نظر في كتبنا زاد على هذا». من التاريخ للمقدمي (٢٠٧؛ ر: ١٠١٣). والمقصود منه قوله: «أبو هذا الشيطان». وفي تاريخ الإسلام (٤/ ١٢٤٨): «قال عباس العنبري: سمعت ابن مهدي يقول: لما قدم سفيان الثوري البصرة قال لي: جثني بمن أذاكره، فأتيته بيحيى بن سعيد.
فلما خرج قال: قلت لك: جئني بإنسان، جئتني بشيطان!».
(٢) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ١٩٢).
(٣) الجرح والتعديل: (٦/ ٢٤٩)؛ تذكرة الحفاظ: (٢/ ٤٨٧).
(٤) تاريخ بغداد: (٥/ ٥٦٣؛ رت: ٢٤٤٢).
(٥) الأنساب (٣/ ٢٦٢).
стр. 107
«لا يبالي أبي: يأخذ عن عمرو بن علي من حفظه، أو من كتابه» (١).
- محمد بن الحسين بن إبراهيم، ابن إشكاب الصغير الحافظ (ت ٢٦١ هـ): «ما رأيت مثل الفلاس، وكان يحسن كل شيء» (٢). قال الفرهياني: ولم يكن ابن إشكاب يعد لنفسه نظيرا (٣).
- أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ) - وقد سئل عنه: «ذاك من فرسان الحديث» (٤)؛ «لم نر بالبصرة أحفظ من هؤلاء الثلاثة: علي بن المديني، وابن الشاذكوني، وعمرو ابن علي» (٥).
- أبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧ هـ): «كان أرشق من علي بن المديني» (٦)؛ «لم أر بالعراق مثله» (٧).
وأما قوله عن عمرو بن علي الفلاس: «بصري صدوق»، فقد تأتي «صدوق» وصفا للثقة المبرز في الحفظ والإتقان، فيكون إطلاقها عليه مجردة لا يخلو من قصور من قبل القائل، لا ينزل بدرجة ذلك الحافظ، من أجل ما استقر من العلم بمنزلته (٨).
- النسائي (ت ٣٠٣ هـ): «ثقة، صاحب حديث، حافظ» (٩).
_________
(١) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ١٩٤).
(٢) تذكرة الحفاظ: (٢/ ٤٨٧).
(٣) تاريخ الإسلام: (٥/ ١١٩٧).
(٤) طبقات المحدثين بأصبهان: (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)؛ إكمال تهذيب الكمال: (١٠/ ٢٣٢).
(٥) سنن الترمذي: (٢/ ٢٦٣).
(٦) تذكرة الحفاظ: (٢/ ٤٨٧).
(٧) الإرشاد للخليلي: (١/ ٤٥٠؛ ٢/ ٦٠١).
(٨) تحرير علوم الحديث: (١/ ٥٧١).
(٩) تسمية شيوخ النسائي: (٦٠؛ رت: ٨٥).
стр. 108
- الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت ٣٣٠ هـ): «كان من نبلاء المحدثين» (١).
- أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس المنتجيلي الصدفي القرطبي (ت ٣٥٠ هـ): «سمعت ابن قاسم (٢) يقول: سمعت النسائي كثيرا يفضل عمرو بن علي الفلاس، ويثني عليه ويوثقه، ويفضله على بندار، وعلى أبي موسى الزمن (٣)، ويقول: ثقة ممن يعتمد عليه» (٤).
- أبو القاسم مسلمة بن قاسم القرطبي (ت ٣٥٣ هـ): «بصري ثقة حافظ، أنا عنه غير واحد» (٥).
- الدراقطني (٣٨٥ هـ): «كان من الحفاظ الثقات» (٦)؛ «المحدث الحافظ من الثقات (٧)؛ وبعض أصحاب الحديث كانوا يفضلونه على علي بن المديني، ويتعصبون له» (٨)؛ «وهو إمام متقن» (٩).
- أبو نعيم (ت ٤٣٠ هـ): «من القدماء الأثبات: عمرو بن علي الصيرفي» (١٠).
- أبو يعلى الخليلي القزويني (ت ٤٤٦ هـ): «حافظ متقن» (١١).
_________
(١) موضح أوهام الجمع والتفريق: (٢/ ٣٩٢).
(٢) يعني: مسلمة بن قاسم الأندلسي.
(٣) هو العنزي.
(٤) المعلم: ٤٤٠.
(٥) المعلم: ٤٤٠؛ تهذيب التهذيب: (٨/ ٨٢).
(٦) المؤتلف والمختلف للدارقطني: (٤/ ١٨٥٩).
(٧) المؤتلف والمختلف للدارقطني: (٤/ ١٩٥٤).
(٨) سؤالات السلمي: (٨٣؛ رت: ٢٠٩).
(٩) سؤالات السلمي: (٨٣؛ رت: ٢٠٩).
(١٠) معرفة الصحابة: (١/ ٩٢؛ رح: ٣٥٤).
(١١) الإرشاد: (٢/ ٦٠١).
стр. 109
ابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ): «أحد أئمة أهل الحديث» (١)؛ «كان أحد أئمة أهل الحديث الحفاظ الجلة» (٢).
الأمير ابن ماكولا (ت ٤٧٥ هـ): «كان من أئمة أهل النقل» (٣).
السمعاني (ت ٥٦٢ هـ): «كان أحد أئمة المسلمين من أهل البصرة» (٤).
ابن خلفون الأونبي الأندلسي (ت ٦٣٦ هـ): «عمرو بن علي، أحد أئمة أهل البصرة في الحديث وعلله ورجاله» (٥).
الذهبي (ت ٧٤٨ هـ): «الإمام الثبت … أحد الأعلام … أكثر وأتقن وجود وأحسن» (٦)؛ «الحافظ الإمام المجود الناقد … صنف وجمع» (٧)، «وعني بهذا الشأن» (٨)؛ «كان ينظر بابن المديني» (٩).
- ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): «شيخ الجماعة» (١٠).
- ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): «أحد الأعلام الحفاظ» (١١).
_________
(١) الاستغناء: (٢/ ٤٥٤؛ رت: ٥٩٢).
(٢) بهجة المجالس: (٢/ ٨٠٢).
(٣) الإكمال: (٧/ ٨٩).
(٤) الأنساب: (٣/ ٢٦٢).
(٥) المعلم: (٤٤٠).
(٦) تذكرة الحفاظ: (٢/ ٤٨٧).
(٧) سير أعلام النبلاء: (١١/ ٤٧٠).
(٨) العبر: (١/ ٣٥٧).
(٩) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: (١٨٧؛ رت: ١٨٤).
(١٠) التكميل: (٣/ ١٥٢).
(١١) فتح الباري: (١/ ٤٣١).
стр. 110
- ابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ): «كان إماما محدثا حافظا ثقة صدوقا» (١).
- حمزة الحسيني (ت ٨٧٤ هـ): «الحافظ العلم، صاحب التصانيف» (٢).
٨ - وفاته:
توفي الفلاس آخر ذي القعدة سنة ٢٤٩ هـ، وهو في عشر التسعين (٣). وجعل الخليلي (٤) وفاته واقعة سنة ثمان، وهو وهم لم يتابع عليه. واختلفوا في مكان الوفاة بعد اتفاقهم على التاريخ، فقال الخطيب: «عن أبي عمر القزاز بسر من رأى، وعن محمد بن إسحاق الثقفي: بالعسكر» (٥). ثم لا منافاة بين الخبرين، فكأن العسكر على الحقيقة هو سر من رأى لتقاربهما (٦)، وقد سكن هذه على الأقل قبيل وفاته قريبا من دار ابن عليك؛ حيث توفي في هاته، وثمة جرى تجهيزه، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى أن خلفاء بني العباس المعتصم، وابنه الواثق، وأخاه المتوكل انتقلوا عن بغداد إلى سامراء، واتخذوها سكنا وبنوا بها القصور والأروقة والدور، ودفنوا بها جميعا، وكذلك المنتصر بن المتوكل دفن بموضع يقال له: الجوسق بسامراء، ومثله المستعين (٧).
وكما وقع التردد في مكان الوفاة، وقع في مكان القبر، فأفاد خبر عارض أنه في البصرة، فهل حمل من سر من رأى إليها؟ قال الخطيب: «أخبرني محمد بن علي المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعت أبا عبد الله
_________
(١) النجوم الزاهرة: (٢/ ٣٣٠).
(٢) المنتهى في وفيات أولي النهى: نسخة لا يبسك رقم ٦٧٨: و ٤٩ أ.
(٣) تاريخ الإسلام: (٥/ ١١٩٨). ون المنتهى في وفيات أولي النهى: و ٤٩ أ.
(٤) الإرشاد: (٢/ ٦٠١).
(٥) إكمال تهذيب الكمال: (١٠/ ٢٣٣؛ رت: ٤١٤٥).
(٦) سير أعلام النبلاء: (١٠/ ٣٠٥).
(٧) المقابر والمشاهد بجانب مدينة السلام، ومواضع قبور الخلفاء أئمة الإسلام: (١٣٦ - ١٤٠).
стр. 111
محمد بن يعقوب الحافظ يذكر فضل علي بن المديني، وتقدمه، وتبحره في هذا العلم، فقال له بعض أصحابنا: قد تكلم فيه عمرو بن علي، فقال: والله لو وجدت قوة لخرجت إلى البصرة، فبلت على قبر عمرو بن علي!» (١).
وسمع الخليفة بمؤته، فأرسل إلى أهله جائزة تسلمها عنهم بعض ولده، وبلغها إليه صديق والده ابن عليك المذكور آنفا (٢). وقد حضر علماء البصرة وبغداد والطارؤون عليهما جنازة أخيهم، ولم يخلوا تشييعه من مذاكرة للحديث؛ «قال أبو الحسن سهل: سمعت رجلا سأل أبا عبد الله محمد بن يحيى الأزدي في جنازة أبي حفص: أي شيء تحفظ فيمن شيع جنازة؟ … » (٣).
_________
(١) تاريخ بغداد: (١٣/ ٤٣٤).
(٢) تاريخ دمشق: (٤١/ ٥١١).
(٣) تاريخ بغداد: (١٤/ ١٢٤).
стр. 112
كتاب التاريخ
بعض المامة
١ - تسمية الكتاب:
كان من جد الكتاب أن يطير صيته كل مطار، فينفق عند العلماء وصاحبه بعد حي، حتى إذا أتت على وفاته حجج قليلة، انبثت النقول عنه في التصانيف، فأفاد منه تلاميذه على الخصوص، ومنهم الإمام البخاري في تاريخيه الأوسط والكبير. ونقل عنه بتصريح أبو أحمد العسكري (ت ٣٨٢ هـ)، في تضحيفات المحدثين (١)، وسماه «كتاب التاريخ»، وهو عين ما سيتوارد عليه الذين أفادوا من الكتاب أو روؤه، كالذهبي (٢)، ومغلطاي - بواسطة (٣)، والروداني (٤). وأما ابن حجر (٥)، فقد أفاد منه في مواضع كثيرة يقول في بعضها: «قال الفلاس في تاريخه»، مع أنني أظنه يتلقف النقول عنه بواسطة إذ لم ينقل عنه إلا ما سبق إليه، ولم يسمه ضمن مروياته في ثبت مسموعاته الضخم.
_________
(١) (٤١٣/ ٢).
(٢) تاريخ الإسلام: (١/ ٦).
(٣) إكمال تهذيب الكمال: (٥/ ٢٤٠؛ رت: ١٨٨٤؛ ٧/ ٨٣؛ رت: ٢٦٠٣؛ ٨/ ٢٧٦؛ رت: ٣٢٩٧)
(٤) صلة الخلف: (١٥٨).
(٥) الإصابة: (٤/ ١٧١؛ رت: ٤٨٢٠)؛ تهذيب التهذيب: (٦/ ٣٣٨)؛ تهذيب التهذيب: (٧/ ٤١٥)
стр. 113
وقد استوفى الخطيب في كتبه نقل مادة كثيرة من التاريخ، وورد به دمشق، ولم يزد المالكي في تسميته على إضافته إلى الفلاس؛ فقال: «تاريخ عمرو بن علي» (١)، وأظن أن للكتاب عنوانا طويلا، دفع الاقتصار المؤلفين إلى عدم إيراده، اجتزاء بالتسمية الجارية، فلعل صنيعهم هذا حجب عنا عنوانا طويلا فيه جماع ما أراد الفلاس من كتابه، ولو ضمت نسختنا الفريدة من الكتاب عنوانها، لقطعت منا اللسان، ولم تحوجنا إلى هذا التقدير وشبهه.
٢ - التاريخ التقريبي لتأليفه:
لا نجد تنصيصا على تاريخ الفراغ من التصنيف، ولكن هناك قرائن مسعفة بتأطير تقريبي؛ منها أن الفلاس وقف بتاريخه في مبدئه الذي خصصه للخلفاء عند سنة ٢٠١ هـ، تاريخ وفاة عبد الله المأمون، ولم يكن ليطوي ذكر من بعده من الخلفاء لو تأخر تأليفه؛ لما في ذلك من المنابذة والإشعار بالدون، فظاهر أنه بدأ التأليف في حدود مفتتح القرن الثالث، ثم صار يضيف أو ينقح بعد ذلك، بدليل أنه ذكر وفاة شيخيه أبي داود وأبي عاصم، وكلتاهما واقع بعد التاريخ المذكور آنفا؛ فإن الأول توفي سنة ٢٠٤ هـ، والثاني سنة ٢١٢ هـ.
وكانت رحلة محمد بن عبد السلام الخشني - الذي تؤول إليه نسختنا - إلى الحج، وقصده للبصرة، قبل سنة ٢٤٠ هـ (٢)، ومعنى هذا أن كتاب التاريخ مؤلف حينها على النحو الذي ارتضاه له صاحبه؛ لأن المهلة بين أحدث تاريخ مذكور في الكتاب (٢١٢ هـ)، وتاريخ ٢٤٠ هـ، تمكن صاحبنا أبا حفص - لو عن له ذلك - من
_________
(١) جزء فيه تسمية ما ورد به الخطيب دمشق من الكتب من روايته (ضمن كتاب: الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علم الحديث): (٢٨٦).
(٢) أخبار الفقهاء والمحدثين: (٩٩).
стр. 114
أن يبدئ في كتابه ويعيد، فنطمئن بالتبع إلى أن النسخة التي وصلتنا صورة نهائية عن العمل.
٣ - نمط التصنيف: (توصيف لمقاطع الكتاب):
أحكم نسج الكتاب بثلاث عرى: معيار زماني تاريخي (زمن الرواية)، ومعيار مكاني تداولي (مكان الرواية)، ومعيار الأرومة والنسب (أصول الرواة)، ويبدو من الامتداد الكاليغرافي للنص مجملا: أنه يتوزع بالسوية تقريبا على هاته المحاور، على أن كل محور يختص ببؤرة تميزه، ويكاد عظم الكتاب يندرج تحت أقسام أربعة:
- شق تاريخي أخباري (مبدأ التاريخ عند المسلمين، وسيرة النبي ﷺ والخلفاء والملوك):
ويبدو في هذا الشق نماء الحس التاريخي ووفرة المادة الأخبارية في زمن الفلاس، كما يظهر من خلال التراكم الهائل في تاريخ الأمم والملوك لتلميذه الطبري.
تحدث في هذا المقطع عن مبدأ التاريخ عند المسلمين عند قدوم النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة، ثم تخلص إلى وفاة النبي وتحقيق تاريخها، مع ذكر طرف من الشمائل المصطفوية، مطيلا في ذلك كله، إذا ما قورن بنفس الكتاب المؤسس على الاختصار والاقتصار.
فإذا فرغ من هذا انتقل إلى خلفاء الرسول على ترتيب خلافتهم، فذكر أسماءهم وسنهم، وتاريخ وفاتهم، وأمد خلافتهم بالسنة والشهر واليوم، وقد يتفصى من ذلك إلى ذكر بعض أوصافهم الخلقية، أو الهيئة التي ماتوا عليها، أو كيف اغتيل بعضهم، ومن صلى عليه … وأهم الوقائع التي عرفتها ولايته بعبارات قاصدة.
стр. 115
وقد احترم المؤلف الخط الكرونولوجي، وامتد به إلى ملك عبد الله المأمون؛ حيث يغطي هذا الفضل الامتداد الزمني من الهجرة إلى سنة ٢٠١ هـ.
ويتعلق بملاحظة المؤلف للخط الزمني ورعيه، اهتمامه بذكر الأوائل والأواخر؛ كما في قوله: ومات عبد الرحمن بن القاسم في ولاية مروان بن محمد، وهو آخر من ولي من بني أمية، ويتعلق تنبيهه هذا بدراية الحديث؛ لما ورد أن ملك بني أمية ينقرض لألف شهر.
- شق تاريخي صناعي عام (وهو في جملة مباحثه ذو مهمة نقدية وظيفية، هي ما يهم المحدث في قراءة الأسانيد وفهمها: الكنى والأسماء، والوفيات، وفيات رواة مدن مخصوصة، الرواة عن النبي ﷺ من القبائل):
انتقل المؤلف في هذا القسم إلى ذكر أسماء وكنى ووفيات بقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من الصحابة والتابعين كبارهم وصغارهم، مع التهمم بذكر منتمى الراوي ونسبه، ومبلغ عمره، وقد يشير في تضاعيف ذلك إلى بعض الوقائع المشهورة والمؤثرة؛ كخروج الحسين، ومقتل الزبير، وقد يطرز ذلك بذكر بعض الأحاديث أو الآثار المناسبة. وهو مغرى في كل ما مر بالاختصار، ولكنه قد يتخلى عنه بين الفينة والأخرى، عند ذكره للقامات الطويلة، كسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر؛ لأن هؤلاء صنعوا تاريخ أهل الحديث، وصانوا إرث النبوة والخلافة الراشدة.
فإذا استوفى ما ذكرنا، انتقل إلى إضافة معيار مكاني، مع التصريح بذكر الأسماء والكنى، وذلك قوله في عنوان الفصل: «ذكر من مات من أهل البصرة من الفقهاء: الأسماء والكنى» (١)، فجمع بين معيار الزمان والمكان. والملاحظ أنه تكثر في هذا
_________
(١) التاريخ: ١٤ و.
стр. 116
الفصل روايات الفلاس عن شيوخه البصريين، كمعاذ بن هشام، ومعاذ بن معاذ، وابن مهدي، ويزيد بن زريع، وعبد الله بن يونس بن عبيد، والنضر بن كثير، وابن أبي عدي … ؛ لأن الأمر يتعلق برواة مدينته، وكثير منهم قريب العهد به، ولأن أهل كل صقع أعرف برواته كما تقرر، فلذلك قدم البصرة في الذكر.
وينضاف إلى هذا تلازم صفتي الفقيه والمحدث عند الفلاس، وهو اقتران مقصود ودال، يفضي إلى تواشج الوظيفتين وتكاملهما، بما يؤدي إلى فقه للسنة، وهو اصطلاح عارض وقع في كلام للمؤلف (١).
وقد تزيد درجة الدقة في الاحتياط بتاريخ الوفاة، حين يكون المقصود بصريا من شيوخ المؤلف، فيكون كلام صاحبنا أصلا يفزع إليه في معرفة تاريخهم؛ كقوله عن حماد بن زيد: «ومات حماد بن زيد سنة تسع وسبعين في رمضان، لسبع عشرة ليلة مضت منه، يوم الجمعة، صلى عليه إسحاق بن سليمان. قال الفلاس: وصليت عليه» (٢). فأفاد تاريخ الوفاة بالسنة والشهر واليوم، وذكر من تولى الصلاة عليه، وزاد فذكر أنه حضر الجنازة، ومثله مستفاد من قوله: «وسمعت معتمر بن سليمان في جنازة يزيد بن زريع يقول: … » (٣)؛ فإن فيها أنهما معا حضرا الجنازة، وكقوله في ترجمة خالد بن الحارث: «ورأيت معتمرا وبشر بن المفضل في جنازته» (٤).
ومن تدقيقه في تواريخ الوفيات: أنه غالبا ما يردف التاريخ بزيادة بيان تفيد تحديدا أخص؛ كقوله: «مات خالد الحذاء سنة اثنين وأربعين ومئة. ومات في
_________
(١) سنرجئ الحديث عن هاته النقطة؛ لأنها تحتاج إلى إنعام نظر وطول نفس لا تسعه هاته العجالة.
(٢) التاريخ: ١٧ ظ.
(٣) التاريخ: ١٤ ظ.
(٤) التاريخ: ١٨ و.
стр. 117
أولها» (١)، وكقوله: «مات عبد العزيز بن مسلم سنة سبع وستين في آخرها … ومات معتمر بن سليمان سنة سبع وثمانين في صفر … وهو ابن إحدى وثمانين سنة» (٢)، وكقوله: «سمعت يحيى بن سعيد يقول: ولدت سنة عشرين في أولها، وولد معاذ ابن معاذ سنة تسع عشرة في آخرها، وهو أسن مني بشهرين» (٣).
وهو حين يعدم تاريخ وفاة الراوي على التعيين، يورد ما يشي بالتحديد التقريبي، وإثبات السماع من قبل ذلك، كقوله عن معمر بن راشد: «فقد سنة ثلاث وخمسين ومئة … [و] سمعت يزيد بن زريع يقول: سمعت أيوب قبل الطاعون يقول: حدثني معمر» (٤)، فأفاد أن أيوب السختياني سمع من معمر قبل سنة ١٣١ هـ. ومن هنا يعلم أن تاريخ المحدث أخص من التاريخ العام؛ لأن هذا خادم له.
وفي هذا الشق، ذكر أسماء أصحاب الكنى من أهل العلم، فإن كان صاحب الكنية مشهورا اكتفى بذكر اسمه وكنيته، وإلا استصحب ذكر ما يجلي حقيقته ويدفع الاشتباه عنه بغيره، كقوله عن أبي حاجب هو «الذي روى عنه عاصم الأحول، وعمران بن حدير» (٥)، كما يرد في الأسانيد الدائرة بين أيدي أصحاب الحديث.
صلى الله وأردف هذا الفصل بتسمية من يعرف بالكنى من أصحاب النبي (٦)، ومادة التراجم فيه مختصرة للغاية، قلما تتجاوز ذكر الكنية والاسم، خلاف ما ذكرنا في فضل فقهاء البصرة.
ثم انتقل إلى الحديث عن أسماء التابعين ممن يعرف بالكنى (٧)، ويمتاز هذا
_________
(١) ١٧ و. التاريخ
(٢) ١٧ ظ. التاريخ
(٣) ١٨ و. التاريخ
(٤) ١٧ و. التاريخ
(٥) ١٩ و. التاريخ
(٦) ١٩ و. التاريخ
(٧) ١٩ ظ. التاريخ
стр. 118
بأنه يتضمن بعض أسئلة المؤلف لشيوخه عن أسماء رواة معينين؛ كسؤاله يحيى ابن سعيد عن اسم أبي الأعور الجشمي (١) وأبي الزعراء (٢)، وعزوه إفادات الأسماء لمن سمعها منهم، كوكيع (٣) ومعتمر (٤).
وينبه في هذا الفصل خاصة إلى من يشتبه من الراوة لاتفاق الكنية؛ كقوله: «أبو خشينة، صاحب الزيادي، هو عبد الله بن الصغدي؛ سألت ابن ابنته عن اسمه. وأبو خشينة، صاحب الحكم بن الأعرج، هو حاجب بن عمر، وهو أخو عيسى بن عمر النحوي» (٥). وكقوله: «وأبو سنان، صاحب عبد الله بن أبي الهذيل، اسمه: ضرار ابن مرة، شيباني. وأبو سنان الشيباني، صاحب الضحاك، اسمه: سعيد بن سنان» (٦).
- شق نقدي صناعي خاص (مشرد بالرواة عن ابن عباس على اختلاف المدن، أو لنقل: دوران الرواية على ابن عباس في المدينة ومكة، والبصرة والكوفة):
وأما إفراده ابن عباس دون غيره من الصحابة بذكر حركة الرواية عنه في عواصم الرواية حينها: المدينة ومكة، والبصرة والكوفة؛ فلعلمه الغزير، ولأن قدرا عظيما من الأسانيد كان مدارها عليه، ثم هو من كبار علماء الصحابة الذين وردوا على البصرة وبثوا علمهم بها، استعمله عليها علي ﵁ بعد وقعة الجمل، ولم يخرج منها إلا إلى صفين، ثم رجع بعدها «إلى البصرة فأقام بها، فلم يزل بها حتى قتل علي ﵀» (٧)؛ فيكون قد مكث ثلاث سنين بالبصرة، من سنة ٣٧ إلى ٤٠ هـ، وهي مدة كافية لانتقال علم أهل مكة إلى البصرة، ويدل له ما رواه ابن سعد
_________
(١) التاريخ: ١٩ ظ.
(٢) التاريخ: ٢٠ و.
(٣) التاريخ: ٢٠ و.
(٤) التاريخ: ٢٠ و.
(٥) التاريخ: ٢٢ و.
(٦) التاريخ: ٢٢ و.
(٧) الطبقات الكبير: (٦/ ٣٣٨؛ رح: ٧١٨٢).
стр. 119
في الطبقات الكبير (١)، مسندا إلى الحسن، قال: «أول من عرف بالبصرة عبد الله بن عباس، قال: وكان مثجة كثير العلم، قال: فقرأ سورة البقرة ففسرها آية آية». ويفيد الخبر أن ابن عباس كان مكين القدر في البصرة، وأنه بث فيها علمه.
وقد استقر علم ابن عباس بعد موته، وأمن عليه من الضياع لا بالرواية الشفوية فحسب وكثرة التلاميذ، بل أيضا بتقييده في كتب معروفة، وما انقضى القرن الأول حتى عرفت كتبه لا بمكة وحدها، ولكن بالمدينة أيضا، ولك أن تقيس عليها البصرة وما صاقبها، قال موسى بن عقبة: «وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا. قال: فينسخها، فيبعث إليه بإحداهما» (٢).
ولكننا بعد هذا كله، قدرنا أن ورود ابن عباس على البصرة لم يكن أمرا انفرد به، بل شركه فيه صحابة آخرون عددهم ابن سعد في كبرى طبقاته (٣)، من أبرزهم: أنس بن مالك وأبو موسى الأشعري، ولا دعوى في إفراده دونهم على الحقيقة إلا إرادة إرضاء خلفاء بني العباس، وإليه يؤول جذمهم، وفي تزداد ذكره والإشادة - عن حق - بعلمه، ترفيع بهم، وإعلاء من شأنهم، ومنه يظهر أن الدوافع السياسية في بعض الاختيارات مما لم يخل منه الكتاب، وهو نوع من الدهاء والمداراة قد يكون أمن به من البطشة الكبرى في فتنة خلق القرآن، والله أعلم.
- شق نقدي صناعي أخص:
ويكاد يكون خالصا لمدينة البصرة، وفيه تسمية شيوخ حميد الطويل (٤) وشيوخ
_________
(١) الطبقات الكبير: (٢/ ٣١٧؛ رح: ٢٦٦٥).
(٢) الطبقات الكبير: (٧/ ٢٨٨؛ رح: ٧٣٦٠).
(٣) (٩/ ٥ - ٨٨).
(٤) التاريخ: ٤٤ و.
стр. 120
سعيد بن أبي عروبة (١)، مع ذكر شيء من أخبار من اشتهر بالتدليس وتسمية من لم يسمع منه، واقتصر ثمة على ابن أبي عروبة (٢) وقتادة (٣).
٤ - إلماعة عن منهج الكتاب:
يخطئ من يظن أن مناط التأليف في هذا العصر، غشيم يعوزه النظر المحكك، بالنظر إلى أن الفترة كانت فترة ضبط معاقد الفن لا بالتلقي للضوابط جاهزة كما صار عليه الحال بعد بقرنين تقريبا، ولكن باستخراجها من المتون عبر آليتين شديدتي التعقيد: آلية الاستقراء بجمع الطرق، وآلية الاختيار والحكم النقدي، بإعمال قواعد الجرح والتعديل.
ويظهر الأمران بشكل متداخل وواضح في لوائح الرواة عن النبي ﷺ ، من بني هاشم، وبني أمية وبني نوفل، وبني زهرة، وبني تيم بن مرة، وبني مخزوم، وبني عدي بن كعب، وبني سهم، وبني فهر، ومن موالي قريش وحلفائهم، ومن هذيل بن مدركة، وجهينة، وبني تميم، وربيعة، ومزينة، وقيس عيلان، وبني ليث ابن بكر، وبني الديل، وبني غفار، وبني أسد بن خزيمة، وأسلم، وبجيلة، وخزاعة، والأشعريين، ومن روى عن النبي من أهل المدينة ممن سكنها، ومن روى عنه ممن سكن مكة، ومن روى عنه ممن سكن الكوفة، ومن روى عنه ممن سكن الشام … ولوائح الرواة عن ابن عباس بالمدينة ومكة، والبصرة والكوفة، والرواة الذين روى عنهم سعيد بن أبي عروبة وحميد الطويل. بل إنه ليظهر قبل ذلك في حرص المؤلف في مناسبات متباينة على إيراد النظائر والأشباه، والتمييز بينها،
_________
(١) التاريخ: ٤٤ ظ.
(٢) التاريخ: ٤٥ ظ.
(٣) التاريخ: ٤٦ و.
стр. 121
والاستطراد لذكر ما يمت بصلة لمعلومة حديثية وإن كانت خارجة عن مقصود الفضل المعقود.
ويظهر ما ألمعنا إليه أيضا في منهج تحققه من الأسامي والكنى والنسب، فقد سأل أهل كثير من الرواة عن حقيقة أسمائهم ولأي شيء نسبوا … ومثل هذا استفيد من الفلاس أصالة، وهو مما يغالى بقيمته؛ لأنه من أركان تأسيس المعرفة بالرواة، وحل مشاكل كثيرة في الأسانيد.
وتؤول تلوينات المنهج في ملاكها إلى دور تعليمي بيداغوجي، هو تسهيل قراءة الأسانيد على الطالب، وأي تغييب لهذا المعنى، يضيع البوصلة الهادية، ويدفع عن الناظر فهم منطق التصنيف الذي يظهر من خلال ما يلي:
- اعتماده على استقراء المتون، كما دل عليه التتبع:
ينظر الفلاس وهو يصنف الكتاب، إلى الأسانيد، ويفيد من حفظه، وبه يفهم كيف إنه يذكر راويا بعينه، ثم يذكر بعده من يروي عنه، أو من يسبقه غالبا في سلاسل الإسناد.
- يظهر أنه يعتمد أيضا في معرفة الرجال لا على ما توارد الشيوخ على ذكره عنهم، بل أيضا على استقراء الأسانيد؛ ويدل له قوله في ترجمة «مرة الهمداني: وهو مرة بن شراحيل؛ مسمى في غير حديث» (١). وقوله في ترجمة أبي عطية الوادعي: «هو مالك بن عامر، يسميه محمد بن سيرين في حديثه» (٢).
ومنه بالتبع أنه يلتفت إلى تعيين أصحاب الآحاد، وهو حضر لمجال الرواية،
_________
(١) التاريخ: ٢٠ و.
(٢) التاريخ: ٢٠ و.
стр. 122
فيقول عن «عروة الفقيمي أبي غاضرة، أنه يروى له حديث واحد» (١). ويقول عن أبي سفيان، الذي روى عنه الأعمش: «قد سمع منه شعبة حديثا واحدا» (٢)، ثم يرويه بإسناده. وهو يعين من لم يرو عنه شيء أيضا، ممن تتفق أسماؤهم مع أسماء بعض الرواة، لقصد التمييز؛ كقوله: «وأخوه [يقصد بلالا] خالد بن رباح؛ ولم يرو عنه شيء» (٣)؛ وقوله: «وأخوه [يعني: مجاشعا] مجالد بن مسعود؛ لم يرو عن النبي ﷺ شيئا» (٤). وقال نزلة أخرى: «وأخوه مجالد بن مسعود. ماتا بالبصرة، وقبراهما في بني سليم، ولا يحفظ عن مجالد شيء» (٥)؛ «الحسن بن أبي الحسن، روى عنه، وليس عندنا له سماع» (٦)؛ «وأبو قلابة، وليس عندنا له سماع» (٧)؛ «قال أبو حفص: ما سمعت أحدا قط حدث عن سلم بن أبي الذيال إلا المعتمر. وهو رجل من أهل البصرة، صحبه في البحر معتمر، وساءله (٨) وحدثه. ليس في حديثه شيء منكر» (٩).
- اهتمامه بضمائم الاشتراك عند الرواة في نفس الطبقة أو المسرد الخاص:
وهو نوع من التنظير والتفييء به يسهل التمييز؛ ولأجله يعتني بالتوضيح والبيان عند احتمال الاشتباه، فيذكر الراويين أو الرواة الآخذين عن بعضهم متجاورين، إذا اتفقوا في الطبقة أو المعنى المقصود الذي لأجله عقد الباب؛ فمنه: «حصين ابن منيع الذي روى عن أبي محمد النهدي، رجل من بني سدوس». فذكر بإثره
_________
(١) التاريخ: ٢٨ ظ. وهذا الحديث من رواية المؤلف في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم النبيل.
(٢) التاريخ: ٢٨ ظ.
(٣) التاريخ: ٣٢ ظ.
(٤) التاريخ: ٣٤ و.
(٥) التاريخ: ٣٨ ظ.
(٦) التاريخ: ٤١ ظ.
(٧) التاريخ: ٤١ ظ.
(٨) ص: «وساله».
(٩) التاريخ: ٢٦ ظ.
стр. 123
اسم النهدي المذكور، فقال: «العلاء بن بدر، أبو محمد النهدي» (١). ويميز بين المشتبهات والنظائر لأدنى ملابسة، كتخلصه للتعريف بحميد الخياط حميد بن مهران المالكي، للتو بعد ذكره لأعين الخياط، أعين أبو حفص (٢). فإذا اشترك اثنان في الاسم في نفس الطبقة، ذكرهما متجاورين للتنبيه، مثاله: «ميمون المرئي»، فإنه ذكر بإثره «ميمون بن نجيح الناجي» (٣). ومثاله أيضا ذكره لتابعيين اشتركا في نفس الكنية، واحد بإثر الآخر: سلام بن مسكين، أبو روح؛ عمارة بن أبي حفصة أبو روح (٤). وعباد بن منصور الناجي أبو سلمة، مع الحسن بن ذكوان أبي سلمة (٥).
ومنه قوله: «سليمان بن مسهر، فزاري» (٦). ثم ذكر بإثره: «خرشة بن الحر، فزاري». وهذا يروي عن الذي قبله، وهما معا يشتركان في النسبة إلى القبيلة.
وكقوله: «أبو العلاء الخفاف، اسمه: خالد بن طهمان» (٧). ثم أتبعه بذكر «حبيب أبي عميرة … »، وأبو العلاء يروي عنه. وكسرده الرواة في نفس الطبقة كلهم أحمسيون: طلحة بن العلاء، الذي روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، أحمسي؛ أحمس بجيلة، ويكنى أبا العلاء. وإسماعيل بن أبي خالد، أحمسي. وقيس بن أبي حازم، أحمسي. وطارق بن شهاب، أحمسي (٨). وبيان بن بشر، أحمسي. وأنت ترى أن هذا يجمع على الطالب أشتاتا من المعارف، منسبكة في مساق واحد.
- إذا اختلف في اسم الراوي، اقتصر في ذكره على الكنية والنسبة؛ وهذا كثير لا يحتاج إلى تمثيل.
_________
(١) التاريخ: ٢٦ و.
(٢) التاريخ: ٢٤ و.
(٣) التاريخ: ٢٥ و.
(٤) التاريخ: ٢٥ و.
(٥) التاريخ: ٢٥ و.
(٦) التاريخ: ٢٨ ظ.
(٧) التاريخ: ٢٩ ظ.
(٨) التاريخ: ٢٩ ظ.
стр. 124
- ينسق الإخوة إن عرفوا بالرواية نسقا واحدا، فيذكر تواريخ وفياتهم، كما فعل عند ذكر يحيى بن سعيد وأخويه عبد ربه وسعد (١)، وموسى بن عقبة وأخويه إبراهيم ومحمد (٢)، ومحمد بن سيرين وإخوته: معبد، ويحيى، و. خالد، وأنس، وحفصة (٣).
- إذا تكرر له ذكر الراوي - وهذا مما يقع كثيرا ضرورة أن فصولا من الكتاب مهمات هي على غرار الطبقات -، أردف ذلك بزيادة ليست في الموضع الأول غالبا، وقد يوزع على الموضعين ما إذا اجتمع لم يستبد أحدهما به؛ فمن ذلك أنه ذكر حيان بن عمير لأول مرة فقال: «حيان بن عمير، قيسي، من بني قيس» (٤)، ثم ذكره في الثانية فقال: «حيان بن عمير، أبو العلاء» (٥)؛ فزاد الكنية كما ترى.
- لا يلتفت في التاريخ إلى الجرح والتعديل إلا لماما، ومن تلك المواضع القليلة التي ذكر فيها التعديل قوله في ترجمة أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان التيمي: «كان من الثقات» (٦).
- يرجئ التفصيل إلى موضعه؛ من قبيل قوله عند الحديث عن سيرة رسول الله ﷺ مجملة: «وسأخبرك - إن شاء الله ـ باختلافهم في سنه» (٧).
- وقد يتخلص لذكر الفائدة لأدنى ملابسة لها بالخبر الذي سيق أصالة؛ كما في قوله: «ومات عبد الله بن بسر السلمي، وهو آخر من مات بالشام سنة ثمان وثمانين، ويكنى أبا بسر. وآخر من مات بالمدينة جابر بن عبد الله. وآخر من مات بالبصرة أنس بن مالك سنة ثلاث وسبعين، ويكنى أبا حمزة. وآخر من مات بالكوفة عبد الله
_________
(١) التاريخ: ١١ و.
(٢) التاريخ: ١٢ و.
(٣) التاريخ: ١٤ ظ.
(٤) التاريخ: ٢٦ و.
(٥) التاريخ: ٤٢ ظ.
(٦) التاريخ: ٢٨ ظ.
(٧) التاريخ: ٢ ظ.
стр. 125
ابن أبي أوفى، ومات في سنة ست وثمانين، وكان قد ذهب بصره» (١). فقد تخلص من ذكر كون عبد الله بن بشر السلمي آخر من مات بالشام، ليسمي آخر من مات بالأمصار. ثم تخلص بعد إلى ذكر أخبار عن ابن أبي أوفى، وقد ذكر عرضا في الإفادة المذكورة.
- قلما يخلي التراجم من فوائد وضوابط تهم صنعة الإسناد والرواية كالمنثورات، كضبط ما سمعه المدلسون على الحقيقة، وتحديد أوان اختلاط من رمي بالاختلاط؛ فمن الأول قوله: «وسمعت معاذ بن معاذ يقول: سمعت الأشعث يقول: كل شيء حدثتكم عن الحسن فقد سمعته منه، إلا ثلاث أحاديث: حديث زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف. وحديث عثمان البتي، عن الحسن، عن علي، في الخلاص. وحديث حمزة الضبي، عن الحسن: «أن رجلا قال: يا رسول الله، متى تحرم علينا الميتة؟ قال: إذا رويت من اللبن وجاءت ميرة أهلك» (٢). ومن الثاني قوله في ترجمة عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي: «مات سنة أربع وتسعين وهو ابن أربع وثمانين. وكان قد اختلط قبل ذلك بسنتين أو ثلاث»» (٣).
وتند عنه في بعض الأحيان لفتات عللية، ويرعى أحيانا الخلف بين روايات شيوخه؛ فقد ساق حكاية عن أبي عثمان النهدي، إسنادها إليه: «نا معتمر، قال: سمعت أبي، قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: أدركت الجاهلية، فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن، فإن كان ليصلي بنا صلاة الصبح، فنود لو قرأ بالبقرة من حسن صوته». ثم زاد: «وسمعت صفوان بن عيسى يقول: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي بمثله وزاد فيه: «ولا ناي»» (٤).
_________
(١) التاريخ: ٩ و.
(٢) التاريخ: ١٧ ظ.
(٣) التاريخ: ١٨ و.
(٤) التاريخ: ١٦ و.
стр. 126
ومنه الالتفات إلى بعض الظواهر العللية، كالإرسال الخفي في قوله: «حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن مصعب بن سعد، أن حفصة قالت لعمر: «لو لبست ثيابا أحسن من ثيابك … »: لم يسمعه من مصعب؛ هكذا قال محمد بن بشر: عن نعمان، عن مصعب بن سعد. سمعت (١) يزيد بن هارون، نا إسماعيل، عن مصعب ابن سعد؛ ليس بينهما أحد» (٢).
٥ - من خصائص الكتاب وقيمته:
أ - من زوائد الكتاب:
يعود الكتاب لفترة التأسيس؛ فواضعه من طبقة الرواد، المرجوع إليهم في أفانين الصناعة الحديثية، وهو أصل من تواريخ البصريين، فلا غرابة أن يتضمن زوائد لا توجد في غيره، أو وجدت ولكنه الواسطة فيها، ودعوى الزيادة والتفرد ليست مطلقة في كل الأحوال؛ لأنها أغلبية فحسب، غير ناتجة عن استقراء تام؛ إذ هو متعذر، ولذلك نقيد كل هاته الزوائد بمخترز لازب: «وهو أنها كذلك فيما ظهر لنا وبلغته أيدينا من كتب الفن»، غير مستبعدين مع ذلك أن يكون لبعضها ذكر في كتب عز علينا وجدانها، أو أخر ما زالت مخطوطة غير منشورة.
ولم نورد كل ما عن لنا أنه من فائت كتب الفن، فكان الاقتصار على نماذج للتمثيل؛ فمنها:
- لم نجد لأحد تسمية مولاة أبي العالية الرياحي، من غير طريق المؤلف، سوى ما كان من ابن الأثير الجزري في جامع الأصول (٣)، فإنه سماها «آمنة». وقد
_________
(١) القائل الفلاس.
(٢) التاريخ: ٣١ ظ.
(٣) (١٢/ ٣٩٣)
стр. 127
نقل عنه التسمية كل من ابن عدي في الكامل (١)، والغساني في تقييد المهمل (٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣).
- «زيد أبو المعلى، هو زيد بن مرة، أما الناس فيقولون: «زيد أبو المعلى»؛ كل من سمعته يحدث عنه، إلا أن أبا داود سمى أباه» (٤).
المعنى: أن الناس يقولون في اسمه: «زيد أبو المعلى»، من غير تسمية أبيه، وكذاك كل من سمعته يحدث عنه، خلا أبي داود الطيالسي؛ فإنه سمى أباه. وقد وجدت الطيالسي ذكره في ما طبع من مسنده (٥)؛ إذ هو من شيوخه فقال: «حدثنا زيد بن أبي ليلى أبو المعلى العدوي»؛ فذكر كنية والده دون اسمه، فلعله ذكرها في غير المسند، فيتحصل أن الراوي هو أبو المعلى زيد بن أبي ليلى مرة العدوي، ويكون تعيين اسم والده من زوائد الكتاب.
- في الأصل: «حبيب، أبو عميرة، روى عن أنس: «من صلى أربعين يوما في جماعة … »» (٦).
قلت: غم على ابن عدي تعيين أي حبيب المقصود في إسناد الحديث، فقال في الكامل (٧): «ثنا ابن صاعد، ثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة، ثنا طعمة بن عمرو الجعفري، عن حبيب - قال أبو حفص: وهو الحذاء ـ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى أربعين ليلة، كتبت له براءة من النار، وبراءة من النفاق»»، ثم ساق له طرقا أخرى (٨)، وقال عقيبها: «وهذا الحديث قد ذكر فيه حبيب بن
_________
(١) (٣/ ١٦٢).
(٢) (١/ ٨٤).
(٣) (١٨/ ١٦٢).
(٤) التاريخ: ٢٢ و.
(٥) (٢/ ٢٤٢؛ رح: ٩٧٠).
(٦) التاريخ: ٢٩ ظ.
(٧) (٢/ ٤٠٣).
(٨) ن أيضا: (٣/ ١٩).
стр. 128
أبي حبيب، وروى عنه هذا الحديث طعمة بن عمرو، وخالد بن طهمان رفعه عنه طعمة، ورواه خالد عنه مرفوعا وموقوفا. ولا أدري حبيب بن أبي حبيب هذا، هو صاحب الأنماط أو حبيب آخر؟». اهـ كلامه.
قلت: بالجمع بين كلامي الفلاس أعلاه، وتوضيحه المعترض في الإسناد، نخلص إلى أن المقصود على التحقيق: حبيب بن أبي حبيب البجلي البصري، أبو عميرة ـ وهو الذي جزم به الخطيب أيضا (١) - لا صاحب الأنماط، ويكون من زوائد الترجمة عند ابن عدي أنه «حداء»، ثم وجدت أبا أحمد الحاكم تلاه فذكر حرفته أيضا - نقله عنه الحافظ مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (٢) ـ ولم يقع في قدر الأسامي والكنى المطبوع بأجزائه الأربعة.
قال الفلاس: «هلال بن أبي ميمونة الهذلي، يكنى أبا علي» (٣).
قلت: لم أجد من كناه على شدة البحث، فلعل تكنيته من زوائد الكتاب، ويقال أيضا: «ابن علي»، فلولا أنه قال: «يكنى»، لعددناه تصحيفا.
- في التاريخ (٤): «أعين الخياط، الذي روى عن أبي المليح، هو أعين أبو حفص، مولى لبني عقيل».
قلت: الكنية مزيدة مستفادة عن المؤلف.
قال الفلاس (٥): «حبان، صاحب العاج، هو حبان بن زربي».
قلت: تسمية والد «حبان» من زوائد الكتاب؛ فإني لم أقف عليها عند غيره.
_________
(١) ن المتفق والمفترق: (٢/ ١٦٦؛ ر: ٣٩٧).
(٢) (٣/ ٣٦٠؛ رت: ١١٤٩).
(٣) التاريخ: ٢٣ ظ.
(٤) ٢٤ و.
(٥) التاريخ: ٢٤ ظ.
стр. 129
- وقع في التاريخ (١): «عون بن موسى، أبو روح القسملي»: نسبة «القسملي» هذه مجودة في المخطوط، ولم يرد لها ذكر في أي مما وقفت عليه من كتب الرجال، وأراها من زوائد الكتاب.
- قال الفلاس (٢): «سهل السراج، يعرف بسهل بن أبي الصلت، وهو سهل بن زربي»:
قلت: تسمية المؤلف لوالد سهل بـ «زربي»، مما لم أقف عليه في كتب الرجال، على شدة البحث، فإن لم يكن فاتني، فهو من زوائد الكتاب.
- قال الفلاس (٣): «عاصم بن شبرقة، الذي روى عنه حماد بن سلمة، رجل من بني سليم».
قلت: قوله: «من بني سليم»؛ زيادة بيان لا تجدها عند غيره، فيما وقفنا عليه.
- قال الفلاس (٤): «الحجاج الأزدي، الذي روى عن جابر بن زيد في قوله ﴿الجوار الكنس﴾ (٥)، هو الحجاج بن المنذر».
قلت: لم أقف على نسبته إلى الأزد في غير هذا الكتاب.
- قال الفلاس (٦): «زياد الذي روى عنه أبو العالية الرياحي، هو زياد بن عدي اليربوعي».
قلت: نسبته إلى بني يربوع، من فائت كتب الرجال.
_________
(١) ٢٥ ظ.
(٢) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٣) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٤) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٥) التكوير: ١٦.
(٦) التاريخ: ٢٥ ظ.
стр. 130
- في كتاب التاريخ (١): «ومات عبد الله بن سبرة سنة أربع وأربعين ومئة».
قلت: لم أجد أحدا عين تاريخ وفاته فيما انتهى إليه بحثي.
- قال الفلاس (٢): «أبو منصور، الذي روى عن إبراهيم، اسمه ميمون، مولى جهينة».
قلت: نسبه أصحاب معاجم الرجال جهنيا دون تفصيل، وهو مولى إذن، لا من أنفسهم.
- في التاريخ (٣): «مرزوق، أبو عبد الله، مولى ثقيف … ».
قوله «مولى ثقيف» مما انفرد به نعم، وقع في مصنف ابن أبي شيبة أنه مولى بني زهرة.
- قوله (٤): «أم غراب، التي تحدث عن بنانة، جدة علي بن غراب، وبنانة هي أم المهاجر».
قلت: لم يقع ـ فيما وقفت عليه لغير المؤلف ـ تسمية أم المهاجر، غير البلاذري، فإنه ساق إسنادا فيه تعيين اسمها من غير ذكر كنية، وذلك قوله: «حدثنا محمد بن سعد، حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي، قال: حدثتني أم غراب جدة علي بن غراب، عن بنانة، أن عثمان كان يتنشف إذا توضأ بعد الوضوء … » (٥).
- قوله (٦): «و ثعلبة، أبو بحر الهلالي».
_________
(١) ٢٨ و.
(٢) التاريخ: ٢٨ ظ.
(٣) ٢٩ ظ.
(٤) التاريخ: ٣٠ و.
(٥) جمل من أنساب الأشراف: (٥/ ٤٩٠؛ ر: ١٢٥٥).
(٦) التاريخ: ٣١ و.
стр. 131
قلت: لم أجد من نسبه، لكنهم يقولون: إنه مولى أنس بن مالك.
- قال في التاريخ (١): «عيسى بن عمر النحوي، مولى الأشعريين … ».
قلت: لم أقف لغير الفلاس على ذكر ولائه.
- وقع في التاريخ (٢): «أبو قعيس، عم عائشة من الرضاعة، اسمه: وائل بن أفلح».
قال الحافظ ﵀ في الفتح (٣): (وأما اسم أبي القعيس، فلم أقف عليه إلا في كلام الدارقطني).
قلت: بل ذكره من هو أقدم منه، كابن قانع (ت ٣٥١ هـ)، وأبي الفتح الأزدي (٣٧٤ هـ)، والفلاس أقدم من كل من سمينا.
- قال الفلاس (٤): «قال: وحدثني أبو قتيبة، قال: نا المحتسب بن عبد الرحمن الأزدي … ».
قلت: قوله: «الأزدي» من زوائد الكتاب؛ فإنما يعرف هذا الراوي في كتب الحديث باسمه «محتسب»، وكنيته أبي عائذ، من غير تنصيص على أنه أزدي.
- قال أبو حفص (٥): «وأبو خالد الوالبي. وأبو خالد سلح، روى عنه إسماعيل ابن حماد بن أبي سليمان».
قلت: من فقه الفلاس أنه ذكر أبا خالد الوالبي، ثم ذكر عقيبه أبا خالد الراوي عن إسماعيل؛ ليصح للناظر التمييز بينهما، فإن يكن اسم أبي خالد «سلح»، بريئا
_________
(١) ٣١ و.
(٢) ٣٢ و.
(٣) (٩/ ١٥٩).
(٤) التاريخ: ٨ و.
(٥) التاريخ: ٤٤ و.
стр. 132
من تصحيف الناسخ، فهو من زوائد المصنف، وهو ما لم نجده عند سواه.
- قال في التاريخ (١): «واقع بن سحبان الباهلي».
قلت: لم أقف على نسبته إلى باهلة في غير كتابنا، والفلاس أعرف بالمعتزين إليها؛ إذ نسب إليها، كما مر معنا في ترجمته.
- وقع في الأصل (٢): «أبو سعيد الرقاشي، اسمه قيس بن عبد الله [ … ]» اهـ.
على هذا القدر اقتصر في الأصل، والظن أن يكون سقط منه شيء؛ لأن المساق ذكر الوفيات، وليس ثمة هاهنا شيء من ذلك، ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر ذكرا لتاريخ وفاته، فلو سلم لنا هذا الموضع لكان زيادة لا تجدها في غيره.
- قال الفلاس (٣): «[ولم يسمع قتادة] من أبان بن عثمان».
قلت: لم أجد هذا التنبيه عند غير المؤلف فيما صفحته من كتب الرجال.
ب - مثل لتصحيحات الكتاب:
- قال الفلاس (٤): «عبد الله بن أبي الهذيل، أبو المغيرة العنزي». وتردد محقق التاريخ الكبير (٥/ ٢٢٢؛ رت: ٧٢٧) ﵀ وبارك سعيه ـ في تعيين النسبة تبعا لتضحيفها الشديد فيما اعتمده من نسخ ومصادر، وقال: «ولم نجد ما نميز به الصحيح من المصحف، إلا أن «المقبري» تصحيف بيقين، يمكن أن يكون تصحيف «غنوي» أو «عنزي»، وهو أقرب ما يميل إليه القلب». قلت: وقد صدق، ويصار إلى القطع بما عند الفلاس هنا، وفي موضع آخر تال، معتضدا بما وقع عرضا في التاريخ الكبير - ولم يهتد الشيخ اليماني إليه؛ لتباعد ما بين أجزاء كتابه -
_________
(١) ٤٤ و.
(٢) التاريخ: ١٨ ظ.
(٣) التاريخ: ٤٦ و.
(٤) التاريخ: ٢٩ و.
стр. 133
عند قوله: « … حبيب بن الزبير: سمعت عبد الله بن أبي الهذيل العنزي … ».
- ومنه أيضا (١): «قال الحسن بن محمد بن علي السليمان بن يسار: لم يبق أفهم عندنا من سعيد بن المسيب».
قلت: هذا الخبر يصحح ما توارد عليه الجلة من النقل المفيد لمعنى غير مقصود. وبيانه أن البخاري في التاريخ الكبير (٢)، وابن أبي خيثمة في تاريخه (٣)، ويعقوبا الفسوي (٤)، رووا الخبر على هذا المنوال أو بنحوه: «عن الحسن بن محمد ابن علي بن أبي طالب، أنه قال: سليمان بن يسار أفهم عندنا من سعيد بن المسيب».
فيكون مكان شهادة الحسن لسليمان، وترجيحه في الفهم على ابن المسيب، وإنما يفيد خبر الفلاس التنويه بابن المسيب لأنه سياقه، ولأجل ذلك عطف على الخبر أخبارا عاضدة شاهدة بريادته، وإنما كان سليمان متلقيا غير مقصود لا بمدح ولا بذم. ولا ريب أن صاحبنا أقدم من هؤلاء، وفيهم من تتلمذ له، فهو أقرب مأخذا وأهدى سبيلا، ناهيك عن أن شهادة الحسن بن محمد نفسه في ابن المسيب أمثل وأعدل من شهادته في سليمان؛ إذ توفي ذاك قبل هذا بسنين، وخلاف الأولى من العوائد جار بغمط الأحياء وإنصاف الموتى، فهذه بعض قرائن الترجيح عندنا لرواية المؤلف، والله أعلم. ويؤيد هذا الذي جنحت إليه: أن سعيد بن المسيب يقول: «ما بقي أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ مني»؛ قال المقدمي في تاريخه (٥) عقيبه: «وهو غير مدفوع عن ذلك».
- قال الفلاس (٦): «حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن مصعب بن سعد، أن
_________
(١) التاريخ: ١٠ ظ.
(٢) (٤/ ٤١؛ رت: ١٩٠١).
(٣) السفر الثالث: (٢/ ١٤٩؛ ر: ٢١٥٠).
(٤) (١/ ٥٤٩).
(٥) (٢٠٠؛ ر: ٩٨٧).
(٦) التاريخ: ٣١ ظ.
стр. 134
حفصة قالت لعمر: «لو لبست ثيابا أحسن من ثيابك … »: لم يسمعه من مصعب؛ هكذا قال محمد بن بشر: عن نعمان، عن مصعب بن سعد».
قلت: قال الحاكم في المستدرك: «فيه انقطاع»، وتوهمه محققا مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن، واقعا بين مصعب بن سعد وحفصة، وليس كذلك، بل هو بين إسماعيل ومصعب، كما وقع بيانه للتو.
- قال الفلاس (١): «عاصم بن شبرقة، الذي روى عنه حماد بن سلمة، رجل من بني سليم».
والذي في مطبوعة التاريخ الكبير (٢): «عاصم بن شبرمة». وحشى عليه المعلمي ﵀ فقال: «وكان في الأصل: شبرقة، والصواب: شبرمة - بالميم بعد الراء ـ، راجع الثقات والجرح والتعديل، وفي اللسان: «سوقة» مكان «شبرمة»، خطأ. اهـ».
قلت: الاستمساك بما في الأصل والمصير إليه أصح؛ إذ هو الذي ذكره الفلاس. وقد تلقفه عنه الأمير ابن ماكولا - بواسطة ابن الفرضي غالبا؛ إذ ينقل عن المتشابه في أسماء النقلة له ـ وإن لم يغزه إليه؛ فقال: «شبرقة - بكسر الشين المعجمة والباء، وبعد الراء قاف - فهو عاصم بن شبرقة، روى عنه حماد بن سلمة» (٣). وأنت ترى التقارب في الألفاظ. وله شاهد في تاريخ ابن معين عن الدوري (٤)، ومؤتلف الدار قطني (٥)، وتبصير (٦) ابن حجر ولسانه (٧)، وزاد هذا: «قرأت بخط الحسيني: لا يدري من هو».
_________
(١) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٢) (٦/ ٤٨٧؛ رت: ٣٠٦٥).
(٣) الإكمال: (٥/ ١٧).
(٤) (٤/ ٣١٩؛ رت: ٤٥٨٤).
(٥) (٣/ ١٤٢٤).
(٦) (٢/ ٧٧٢).
(٧) (٤/ ٣٧١؛ رت: ٤٠٣٢).
стр. 135
قلت: وفات كلهم - بحسب ما تأدى إلي من كلامهم - ذكر أنه من بني سليم، فتكون زيادة انفرد بها كتاب الفلاس.
- «عباد بن عبد عمرو» (١).
قلت: تخطئة اليماني ﵀ لـ «عباد» الواردة في أصلي التاريخ المخطوطين في ترجمة «بشر بن صحار بن عباد بن عبد عمرو»، وأنها «عياذ»؛ مردود بأن الخلاف حكم، وأن الفلاس أوردها كذلك في تاريخه، وقد نقل عنه البخاري، ولا يقال: إنه مصحف؛ لأنه سيرد بعد نزلة أخرى بالباء الموحدة كذلك.
- «أبو آمنة، حجم النبي ﷺ » (٢).
قلت: في المصادر أنه رأى النبي يحتجم، لا أنه حجمه، ولعل ما عند المؤلف زيادة بيان.
- «مسلم بن عمار» (٣):
قلت: اضطربت النسخ في تعيين الراوي عنه؛ فوقع في تاريخ البخاري (٧/ ٢٦٧؛ رت: ١١٣٠) «ابن عياش»، وفي نسخة من كتاب ابن أبي حاتم (٨/ ١٩٠؛ رت: ٨٣٤، أصلا وحاشية) «ابن عياض»، وبما عندنا يعلم أن كل ذلك تضحيف، وأن المقصود على الصواب هو ابن عباس، والفضل معقود استقلالا لمن روى عنه، فالتحريف واقع لا ريب.
- وقع في التاريخ (٤): «وكيع، قال: حدثنا عبد الواحد بن أيمن، قال: رأيت ابن الزبير وعبيد بن عمير، لكل واحد منهما جمة»، وتابعه ابن أبي شيبة في المصنف (٥)،
_________
(١) التاريخ: ٣٤ و.
(٢) التاريخ: ٣٨ و.
(٣) التاريخ: ٤٢ ظ.
(٤) ١١ و.
(٥) (١٢/ ٥٦٨؛ رح: ٢٥٥٨٧).
стр. 136
سوى أنه قال: «ابن الحنفية»، بدل «ابن الزبير»، وهذه مجودة في نسخة التاريخ، فما أراه إلا تصحيفا اعترى أصل المصنف، ونبه عليه كتابنا، ويشهد لما قلناه: أن صحبة ابن الزبير مع عبيد مشتهرة، ونقل عنهما صنيعهما في غير هذا الموضع، كما وقع لابن أبي شيبة في المصنف نفسه (١)، قال: «حدثنا أبو خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير وعبيد بن عمير يرميان الجمار بعد ما زالت الشمس».
ويقضي بما قلنا على أقوى مما مر: أن مخرج الخبر ابن أيمن، سيقرره عن ابن الزبير من وجه آخر، فروى ابن أبي شيبة (٢) عن الفضل قال: «قال عبد الواحد بن أيمن: رأيت ابن الزبير وله جمة إلى العنق، وكان يفرق».
فيكون المصير إلى ترجيح ما في كتابنا أثلج للصدر، وأقر للعين، والله أعلى وأعلم.
ج - ترجيحات المؤلف:
تناثرت تصحيحات المؤلف وترجيحاته في ثنايا الكتاب، وأفصحت عن حاسته النقدية المتيقظة، وقد اختصت أكثر بالأسماء والوفيات والكني؛ فمن تلك الملاحظ النقدية؛ قوله:
- «ومات عبد الله بن عباس بالطائف، وهو بسن ثنتين وسبعين سنة، سنة ثمان وستين. واختلفوا في سنه يوم مات النبي؛ فقالوا: ابن خمس عشرة، وقالوا عشر؛ والصحيح عندنا أنه مات وعبد الله بن عباس قد استوفى ثلاث عشرة ودخل في أربعة عشر» (٣).
_________
(١) (٨/ ٤٨٧؛ رح: ١٤٧٩٤).
(٢) (١٢/ ٥٦٨؛ رح: ٢٥٥٨٦).
(٣) التاريخ: ٨ و.
стр. 137
- «ومات محمد بن علي بن حسين سنة أربع عشرة ومئة. وقد اختلفوا؛ فقال بعضهم: سنة سبع عشرة، وهو يومئذ ابن ثلاث وسبعين سنة، ويكنى أبا جعفر.
قال أبو حفص: والصحيح عندي سنة أربع عشرة؛ لأن عطاء بن أبي رباح روى عنه» (١).
- «وحذيفة بن حسل بن اليمان. وقال بعض أهل العلم: عسل؛ والصحيح حسل» (٢).
- «عبد المومن بن أبي شراعة، أزدي. ويقال: سراعة بالسين؛ والصحيح شراعة» (٣).
- «ورفاعة بن عرابة. وقيل: عرادة الجهني؛ الصحيح: عرابة؛ الفلاس قاله».
وتكرر له ذلك فقال: «رفاعة بن عرابة، ويقولون: عرادة. قال أبو حفص: والصحيح عرابة» (٤).
- «عبادة بن قرص. وقالوا: قرط؛ والصحيح (قرص) (٥).
- «وعبد الله بن قارب، وقال بعضهم: مارب، والصحيح قارب» (٦).
- «وأبو جري، وهو جابر بن سليم الهجيمي؛ وقال بعضهم: سليم بن جابر، وهو خطة» (٧).
- وفيما حدثني أبو قتيبة وأبو داود، قالا: نا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن سعيد ـ وقال أبو داود: «ابن سعد»؛ وهو الصواب ـ قال: .... » (٨).
_________
(١) التاريخ: ١٠ و.
(٢) التاريخ: ١٩ ظ.
(٣) التاريخ: ٢٣ ظ.
(٤) التاريخ: ٣٣ ظ.
(٥) التاريخ: ٣٥ و.
(٦) التاريخ: ٣٧ و.
(٧) التاريخ: ٣٣ ظ.
(٨) التاريخ: ٦ و.
стр. 138
- «وقال أبو أحمد: نا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم. والصواب: سيار أبي حمزة» (١).
- «ودغفل بن حنظلة، وليس بصحيح أنه سمع من النبي» (٢).
- «سمعت وكيع بن الجراح يقول: حدثنا الأعمش، عن ذكوان - أو ابن ذكوان
- قال: أدركت فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الإمارة.
هكذا قال وكيع: وإنما هو عبد الله بن ذكوان، أبو الزناد» (٣).
د - موارده، وغلبة المصادر الشفوية:
لم يسم الفلاس كتبا بعينها، ولكنه حتما كان يرجع إلى بعضها، ويظهر اهتمامه بها؛ فقد قال عن أبي بشر جعفر بن إياس: «كانت عنده كتب» (٤)، واتفق لصاحبنا مع يحيى بن بكير (رواية الذهلي)، وقوع الحافر على الحافر في عبارات شتى في الوفيات خاصة (٥)، ولعله لاشتراكهما في شيوخ بأعيانهم قد يكونون مخرج ذلك. وتكاد بعض المعلومات لا توجد إلا عند الفلاس، مقرونا إلى بلديه المتقدم ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ)، واتفاقهما في صيغ التعبير يشي أن صاحبنا قد اطلع على الطبقات الكبير، أو أنه نظر في مؤردها الأهنى، أي في كتب الواقدي المدني ثم البغدادي (ت ٢٠٧ هـ) - على ما فيه، وقد مات هذا ببغداد، فلا يعجز طلبة البصرة أن ينالوا كتبه.
_________
(١) التاريخ: ٣١ ظ.
(٢) التاريخ: ٣٨ ظ.
(٣) التاريخ: ١٠ و.
(٤) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٥) قارن مثلا بين كلام الذهلي وكلام الفلاس في الهداية والإرشاد: (٢/ ٨٢٧).
стр. 139
ومادة غالب الكتاب آخذة بحظ من الأسمعة من الشيوخ، والرواية عنهم، ولذلك سمينا فيما سلف من شيوخه جماعة ذكرهم في كتابه، وانضاف إلى هاته المعرفة المتلقاة ما تأسس لدى أبي حفص من خلال التحري الميداني والتحقيقات الشخصية؛ فقد كان يسأل عن بعض الرواة أقرب الناس إليهم، ويصرح بمأخذه هذا، وأمثلته في التاريخ كثيرة. فيبدأ بسؤال أولاد الراوي إن علوا وإن سفلوا، ويسأل ابن الصلب إن وجده وينص على ذلك، مثلما حكى عن «عمارة بن أبي حفصة»، حيث قال: «هو عمارة بن ثابت. سألت ابنه حرميا، فقال: بها يكنون أسماء العبيد؛ أي شيء يقولون اسمه؟ قلت: عمارة بن ثابت، قال: صحفوا والله!» (١).
وضريبه قوله: «الحجاج الصواف، هو الحجاج بن أبي عثمان. سألت ابنه قلت: الحجاج ابن من؟ قال: أي شيء يقولون؟ قلت: يقولون: ابن ميسرة. قال: ليس هو ابن ميسرة؛ هو الحجاج بن أبي عثمان» (٢). ومنه: «أبو بكر الهذلي، اسمه سلمى بن عبد الله، وأمه بنت حميد بن عبد الرحمن الحميري. سألت ابنه العباس بن أبي بكر فقلت له: أبو بكر، ما اسمه؟ قال: سلمى بن عبد الله» (٣).
وقد يسأل عن الراوي حفيده، كما فعل مع عثمان البتي، قال: «سألت ابن ابنه وهو مولى لثقيف» (٤).
أو ابن البنت، كما في قوله: «أبو خشينة صاحب الزيادي، هو عبد الله بن الصغدي، سألت ابن ابنته عن اسمه» (٥).
أو يسأل الأذنين من ولده، مثلما قال: «وسألت رجلا من ولد أبي الدرداء،
_________
(١) التاريخ: ٢٢ و.
(٢) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٣) التاريخ: ٢٥ و.
(٤) التاريخ: ٣١ ظ.
(٥) التاريخ: ٢٢ و.
стр. 140
فقال: هو خامس أب لي، اسمه عامر بن مالك» (١). ومنه أيضا: «وأبو الجلد، اسمه جيلان بن فروة. وسألت رجلا من ولده، فأخبرني باسمه، وهو جوني من بلحزن» (٢)؛ «وأبو عزة الهذلي، اسمه يسار بن عبد؛ سألت رجلا من ولده» (٣)؛ «وأبو حبرة الضبعي، اسمه شيحة بن عبد الله؛ سألت رجلا من ولده عن اسمه» (٤).
وقد لا يكتفي بسؤال واحد من ذرية الراوي، فيسأل كثيرين؛ فمنه قوله: «وأبو الأسود الديلي، اسمه: ظالم بن عمرو بن سفيان. سألت غير واحد من ولده» (٥).
فإن لم يجد من يسأله عن الراوي من أسرته، انتقل إلى عشيرته، أو قبيلته؛ فمنه قوله: «وأبو السوار العدوي، اسمه: حريث بن حسان. سألت بعض العدوتين عنه» (٦).
فإن أعياه وجدان ما مر، سأل ناقدا من صيارفة الرجال من شيوخه كيحيى بن سعيد؛ مثاله قوله: «أبو حفص الجشمي، صاحب عبد الله، سألت يحيى بن سعيد عن اسمه، فقال: هو عوف بن مالك» (٧). وكقوله: «وأبو الزعراء، صاحب عبد الله. سألت يحيى عن اسمه، فقال: هو عبد الله بن هانئ» (٨).
هـ ـ حضور البصرة في الكتاب:
لا جرم للمدينة التي نشأ بها المرء أثر على تكوينه وطبعه، وكم يعجبني - وأنا أرى انزعاج البعض من جنوح المراكشيين أهل بلدي إلى المرح والنكتة والانبساط - التمثل بقول أبي جعفر ابن الزيات الكلاعي البلشي المالقي (ت ٧٢٨ هـ):
_________
(١) التاريخ: ٩ و.
(٢) التاريخ: ٢١ و.
(٣) التاريخ: ٢٥ و.
(٤) التاريخ: ٢١ ظ.
(٥) التاريخ: ٢١ و.
(٦) التاريخ: ٢١ و.
(٧) التاريخ: ١٩ ظ.
(٨) التاريخ: ٢٠ و.
стр. 141
ومسقط رأس المرء عنصر حاله … نزيفا رأيت المرء أو كان صاحيا
وحمص (١) لأهليها طباع رقيقة … فلا تلم الحمصي تلقاه لاهيا (٢)
وقد ند عن المؤلف في تضاعيف الكتاب وغيره هذا الاهتمام، وتجلى في أمور؛ منها:
- استقراؤه لرواة البصرة وفقهائها؛ فمن ذلك أنه قال عن مسلم بن يسار: «كان يعد خامس خمسة من فقهاء البصرة» (٣)، وعزاه إلى قتادة.
- إفراده فضلا من كتابه لذكر من مات من أهل البصرة من الفقهاء (٤).
- تهممه بذكر ما له ماته بمدينته، كتعيين آخر من مات بها من الصحابة (٥)، وتسمية بعض من ورد عليها من الرواة والعلماء من خارجها، من قبيل المهاجر بن قنفذ (٦)، وأبي زياد الهرماس الباهلي (٧)، وشهر بن حوشب الشامي (٨)، ومالك بن صعصعة (٩)، وسيار الشامي مولى خالد بن يزيد بن معاوية (١٠)، ومحمد بن عمرو ابن علقمة الليثي المدني، الذي قال في رسمه: «سمعت سعيد بن عامر يقول: قدم علينا محمد بن عمر و مرتين، يعني البصرة؛ قدم سنة سبع وثلاثين ومئة. وقدم الثانية سنة أربع وأربعين» (١١).
_________
(١) حمص الأندلس هي إشبيلية، شبهت بحمص الشام، وفيه روح من حنين أموتي الأندلس إلى الموطن الأصل.
(٢) مجموع خطي.
(٣) التاريخ: ١٦ و.
(٤) التاريخ: ١٤ و.
(٥) التاريخ: ٩ و.
(٦) التاريخ: ٣٩ و.
(٧) التاريخ: ٣٩ و.
(٨) التاريخ: ٤٢ ظ.
(٩) التاريخ: ٣٩ و.
(١٠) التاريخ: ٤٢ ظ.
(١١) التاريخ: ١٢ ظ.
стр. 142
- تخلصه لوصف بعض مجالس أهل الحديث في البصرة؛ كقوله: «وسمعت أزهر السمان يقول: قدم علينا محمد بن عمرو، فما تخلف عنه أحد، وما سمعت منه حرفا. ورأيت كبار أصحاب الحديث؛ رأيت حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وفقهاء البصرة ومشيخة البصرة عنده، فجاء الأفطس وهو غلام، فقال: والله لا يسأل غيري أو ترجعون! فلما رأوا ذلك تركوه» (١).
- استفاضته في إيراد بعض الروايات خلال الترجمة عند ذكر البصريين؛ خلافا لصنيعه في تراجم غيرهم.
- ذكره عرضا بعض خطط البصرة ومحالها، مما لا يكاد يعرف إلا من جهته، من قبيل: درب الجوف (٢)، البارجاه (٣)، الملا (٤)، النحيت (٥)، وكقوله عن والد جعفر بن إياس أبي وحشية: إنه «كان ينزل البصرة؛ وكان ينزل بني ثعلبة، داره قائمة حتى اليوم» (٦)، ولكن هذا نادر عارض - خلاف الواقع في طبقات خليفة؛ كقوله: - «زهير بن عمرة، خطته وداره في بني هلال، قبالة دار محمد بن حرب» (٧).
- تسميته بعض قضاتها؛ كما في رسم عبد الملك بن يعلى الليثي (٨)، ورسم وأبي واثلة بن معاوية بن قرة (٩)، أو تسميته بعض أمرائها، كقوله: «عتبة بن غزوان ابن جابر بن وهب، من بني مازن بن منصور، رجل من بني سليم؛ وكان أول أمير خطب على منبر البصرة» (١٠).
_________
(١) التاريخ: ١٢ ظ.
(٢) التاريخ: ١٤ ظ.
(٣) التاريخ: ١٥ ظ.
(٤) التاريخ: ١٧ و.
(٥) التاريخ: ١٧/ و.
(٦) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٧) التاريخ: ٣٤ ظ.
(٨) التاريخ: ٢٦/ و.
(٩) التاريخ: ٢٤ ظ.
(١٠) التاريخ: ٣٤ و.
стр. 143
- ذكره بعض من مات بالبصرة وأقبر بها، كما فعل في رسم مجاشع بن مسعود السلمي وأخيه مجالد، فقال: «ماتا بالبصرة، وقبراهما في بني سليم» (١). وأما من سكن البصرة ممن ليس منها، فقد ذكر غير واحد منهم، كعمرو بن أخطب (٢)، ومالك بن ربيعة السلولي (٣).
- تأليفه لجزء حديثي عن علل الحديث وضعاف الرواة، يحتكم فيه إلى آراء علماء أهل البصرة؛ فخصهم بهذا دون غيرهم.
- سياقه في غالب الأحوال لما سمعه من شيوخه البصريين، أكثر من غيرهم، ضرورة أنهم نخبة مشيخته وأعظمها (٤).
٢٧ و - تفاريق ومنثورات:
- تركيزه على المدرسة العراقية - البصرة والكوفة - من خلال ذكر الراوة منهما، مع احتفاله بالرواة عن شخصيتين بارزتين من محدثي البصرة؛ هما حميد بن أبي حميد الطويل، وسعيد بن أبي عروبة، واحتفاظه بأوفى المسارد المعروفة لحد الآن، لشيوخ هذين، وللراوين عن ابن عباس:
فأوفى المسارد بشيوخ حميد وابن أبي عروبة، لا تجدها لا في تهذيب الكمال - مع تأخره - ولا في غيره، وإنما تجدها في كتاب الفلاس؛ فقد ذكر ثلاثة أصناف من هؤلاء شيوخ عرفوا أنهم ممن روى عنهم حميد وسعيد. وصنف معروفون، ولكن لم يعرف أن لهذين سماع عنهم. وصنف ثالث حاقت بهم الجهالة.
وتدل هذه المسارد على أن الحافظ المزي لم يستوف ذكر شيوخ المترجمين؛
_________
(١) التاريخ: ٣٨ ظ.
(٢) التاريخ: ٣٦ ظ.
(٣) التاريخ: ٣٧ ظ.
(٤) ن مسرد الشيوخ.
стр. 144
ففي ترجمة سعيد بن أبي عروبة عدد له ٣٣ شيخا، فيما عدتهم عند الفلاس ٨٥ شيخا، وهو بون شاسع، وإذا علم أن أبا الحجاج قد تملك نسخة من تاريخ أبي حفص ونقل عنها في غير ما موضع، وأنه اطلع فيها على الفضلين اللذين اهتما بذكر شيوخ سعيد وحميد؛ علم أنه اصطلح أن لا يذكر في مسرد الشيوخ إلا من ارتفعت عنه الجهالة؛ لأنه توفرت له مادة غنية في هذين المشردين، لا ذكر لها في ترجمتي الراويين من تهذيب الكمال، وقد استقرينا هؤلاء الذين طوى ذكرهم فوجدنا عظمهم مجهولا لا يعرف.
- تفرده بطرق لبعض الراويات لا توجد إلا عنده، وقد ألممنا بذكر بعضها في التخريج.
- سوقه لأسمعة من شيوخ لم يسموا في غير هذا الكتاب:
منه قوله: «ولقيت شيخا بمكة اسمه سالم، اكترينا منه إلى منى بعيرا؛ فسمعني أحدث بهذا الحديث، فقال: هو جدي، وهو محرش بن عبد الله الكعبي، ثم ذكر الحديث وكيف مر بهم النبي ﷺ . فقلت: ممن سمعته؟ فقال: حدثنيه أبي وأهلنا» (١).
- قصده في الترجمة:
لم يكن من عادة الفلاس الإطالة في الترجمة، وهي عنده مؤسسة على ذكر الكنية والاسم والنسبة في الغالب، لكنه خرج عن هذا الشرط في أعيان مخصوصين، كبكر ابن عبد الله (٢)، وأبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي (٣)، وأبي عثمان النهدي (٤)، ومسلم بن يسار (٥)، وعوف بن أبي جميلة (٦)؛ فإنه أطال في تراجمهم، وضمنها مواد لم ترد عند غيره.
_________
(١) التاريخ: ٣٥ ظ.
(٢) التاريخ: ١٤ ظ ـ ١٥ و.
(٣) التاريخ: ١٥ و.
(٤) التاريخ: ١٥ ظ.
(٥) التاريخ: ١٦ و.
(٦) التاريخ: ١٧ و.
стр. 145
- اقتصاره على سند الحديث دون مثنه، وهو من وجوه الاختصار عنده:
اتكاء على اشتهار الحديث، كقوله: «إبراهيم بن عامر، الذي روى عنه شعبة وسفيان؛ عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الجنازة … » (١).
ومساق الحديث من رواية أبي داود: «حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة، قال: مروا على رسول الله ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: «وجبت»، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت»، ثم قال: «إن بعضكم على بعض شهداء»».
ومثاله أيضا قوله: «الوليد، الذي روى عنه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد في العصير، هو الوليد بن كريب» (٢). وتمام الحديث: «قيل لسعد: تبيع عنبا ليتخذ عصيرا؟ فقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر».
- تخلصه للحديث عما يلابس الخبر في سياق واحد:
مثاله أنه ذكر أبا البختري ويوم الجماجم، فتخلص ليورد أخبارا ملابسة، وقال: «أبو البختري الطائي، اختلفوا في اسمه؛ فقالوا: أسعد، وقالوا: سعيد بن جبير؛ وكان من الموالي، أرادوا أن يستعملوه يوم الجماجم على القراء فأبى».
حدثني أمية بن خالد، قال: نا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: أرادوا أبا البختري يوم الجماجم أن يستعملوه على القراء، فقال: أنا رجل من الموالي، وأنا لا أحسن أهز السيف، فاستعملوا زحر بن جبلة بن زحر، فما برح حتى قتل.
سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت سفيان يقول: أرادوا أبا البختري أن يستعملوه يوم الجماجم، فقال: أنا رجل من الموالي، وأنا لا أحسن أهز السيف.
_________
(١) التاريخ: ٢٩ ظ.
(٢) التاريخ: ٢٨ ظ ـ ٢٩ و.
следующие страницы →