Полный текст (711 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ومسقط رأس المرء عنصر حاله … نزيفا رأيت المرء أو كان صاحيا
وحمص (١) لأهليها طباع رقيقة … فلا تلم الحمصي تلقاه لاهيا (٢)
وقد ند عن المؤلف في تضاعيف الكتاب وغيره هذا الاهتمام، وتجلى في أمور؛ منها:
- استقراؤه لرواة البصرة وفقهائها؛ فمن ذلك أنه قال عن مسلم بن يسار: «كان يعد خامس خمسة من فقهاء البصرة» (٣)، وعزاه إلى قتادة.
- إفراده فضلا من كتابه لذكر من مات من أهل البصرة من الفقهاء (٤).
- تهممه بذكر ما له ماته بمدينته، كتعيين آخر من مات بها من الصحابة (٥)، وتسمية بعض من ورد عليها من الرواة والعلماء من خارجها، من قبيل المهاجر بن قنفذ (٦)، وأبي زياد الهرماس الباهلي (٧)، وشهر بن حوشب الشامي (٨)، ومالك بن صعصعة (٩)، وسيار الشامي مولى خالد بن يزيد بن معاوية (١٠)، ومحمد بن عمرو ابن علقمة الليثي المدني، الذي قال في رسمه: «سمعت سعيد بن عامر يقول: قدم علينا محمد بن عمر و مرتين، يعني البصرة؛ قدم سنة سبع وثلاثين ومئة. وقدم الثانية سنة أربع وأربعين» (١١).
_________
(١) حمص الأندلس هي إشبيلية، شبهت بحمص الشام، وفيه روح من حنين أموتي الأندلس إلى الموطن الأصل.
(٢) مجموع خطي.
(٣) التاريخ: ١٦ و.
(٤) التاريخ: ١٤ و.
(٥) التاريخ: ٩ و.
(٦) التاريخ: ٣٩ و.
(٧) التاريخ: ٣٩ و.
(٨) التاريخ: ٤٢ ظ.
(٩) التاريخ: ٣٩ و.
(١٠) التاريخ: ٤٢ ظ.
(١١) التاريخ: ١٢ ظ.
стр. 142
- تخلصه لوصف بعض مجالس أهل الحديث في البصرة؛ كقوله: «وسمعت أزهر السمان يقول: قدم علينا محمد بن عمرو، فما تخلف عنه أحد، وما سمعت منه حرفا. ورأيت كبار أصحاب الحديث؛ رأيت حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وفقهاء البصرة ومشيخة البصرة عنده، فجاء الأفطس وهو غلام، فقال: والله لا يسأل غيري أو ترجعون! فلما رأوا ذلك تركوه» (١).
- استفاضته في إيراد بعض الروايات خلال الترجمة عند ذكر البصريين؛ خلافا لصنيعه في تراجم غيرهم.
- ذكره عرضا بعض خطط البصرة ومحالها، مما لا يكاد يعرف إلا من جهته، من قبيل: درب الجوف (٢)، البارجاه (٣)، الملا (٤)، النحيت (٥)، وكقوله عن والد جعفر بن إياس أبي وحشية: إنه «كان ينزل البصرة؛ وكان ينزل بني ثعلبة، داره قائمة حتى اليوم» (٦)، ولكن هذا نادر عارض - خلاف الواقع في طبقات خليفة؛ كقوله: - «زهير بن عمرة، خطته وداره في بني هلال، قبالة دار محمد بن حرب» (٧).
- تسميته بعض قضاتها؛ كما في رسم عبد الملك بن يعلى الليثي (٨)، ورسم وأبي واثلة بن معاوية بن قرة (٩)، أو تسميته بعض أمرائها، كقوله: «عتبة بن غزوان ابن جابر بن وهب، من بني مازن بن منصور، رجل من بني سليم؛ وكان أول أمير خطب على منبر البصرة» (١٠).
_________
(١) التاريخ: ١٢ ظ.
(٢) التاريخ: ١٤ ظ.
(٣) التاريخ: ١٥ ظ.
(٤) التاريخ: ١٧ و.
(٥) التاريخ: ١٧/ و.
(٦) التاريخ: ٢٢ ظ.
(٧) التاريخ: ٣٤ ظ.
(٨) التاريخ: ٢٦/ و.
(٩) التاريخ: ٢٤ ظ.
(١٠) التاريخ: ٣٤ و.
стр. 143
- ذكره بعض من مات بالبصرة وأقبر بها، كما فعل في رسم مجاشع بن مسعود السلمي وأخيه مجالد، فقال: «ماتا بالبصرة، وقبراهما في بني سليم» (١). وأما من سكن البصرة ممن ليس منها، فقد ذكر غير واحد منهم، كعمرو بن أخطب (٢)، ومالك بن ربيعة السلولي (٣).
- تأليفه لجزء حديثي عن علل الحديث وضعاف الرواة، يحتكم فيه إلى آراء علماء أهل البصرة؛ فخصهم بهذا دون غيرهم.
- سياقه في غالب الأحوال لما سمعه من شيوخه البصريين، أكثر من غيرهم، ضرورة أنهم نخبة مشيخته وأعظمها (٤).
٢٧ و - تفاريق ومنثورات:
- تركيزه على المدرسة العراقية - البصرة والكوفة - من خلال ذكر الراوة منهما، مع احتفاله بالرواة عن شخصيتين بارزتين من محدثي البصرة؛ هما حميد بن أبي حميد الطويل، وسعيد بن أبي عروبة، واحتفاظه بأوفى المسارد المعروفة لحد الآن، لشيوخ هذين، وللراوين عن ابن عباس:
فأوفى المسارد بشيوخ حميد وابن أبي عروبة، لا تجدها لا في تهذيب الكمال - مع تأخره - ولا في غيره، وإنما تجدها في كتاب الفلاس؛ فقد ذكر ثلاثة أصناف من هؤلاء شيوخ عرفوا أنهم ممن روى عنهم حميد وسعيد. وصنف معروفون، ولكن لم يعرف أن لهذين سماع عنهم. وصنف ثالث حاقت بهم الجهالة.
وتدل هذه المسارد على أن الحافظ المزي لم يستوف ذكر شيوخ المترجمين؛
_________
(١) التاريخ: ٣٨ ظ.
(٢) التاريخ: ٣٦ ظ.
(٣) التاريخ: ٣٧ ظ.
(٤) ن مسرد الشيوخ.
стр. 144
ففي ترجمة سعيد بن أبي عروبة عدد له ٣٣ شيخا، فيما عدتهم عند الفلاس ٨٥ شيخا، وهو بون شاسع، وإذا علم أن أبا الحجاج قد تملك نسخة من تاريخ أبي حفص ونقل عنها في غير ما موضع، وأنه اطلع فيها على الفضلين اللذين اهتما بذكر شيوخ سعيد وحميد؛ علم أنه اصطلح أن لا يذكر في مسرد الشيوخ إلا من ارتفعت عنه الجهالة؛ لأنه توفرت له مادة غنية في هذين المشردين، لا ذكر لها في ترجمتي الراويين من تهذيب الكمال، وقد استقرينا هؤلاء الذين طوى ذكرهم فوجدنا عظمهم مجهولا لا يعرف.
- تفرده بطرق لبعض الراويات لا توجد إلا عنده، وقد ألممنا بذكر بعضها في التخريج.
- سوقه لأسمعة من شيوخ لم يسموا في غير هذا الكتاب:
منه قوله: «ولقيت شيخا بمكة اسمه سالم، اكترينا منه إلى منى بعيرا؛ فسمعني أحدث بهذا الحديث، فقال: هو جدي، وهو محرش بن عبد الله الكعبي، ثم ذكر الحديث وكيف مر بهم النبي ﷺ . فقلت: ممن سمعته؟ فقال: حدثنيه أبي وأهلنا» (١).
- قصده في الترجمة:
لم يكن من عادة الفلاس الإطالة في الترجمة، وهي عنده مؤسسة على ذكر الكنية والاسم والنسبة في الغالب، لكنه خرج عن هذا الشرط في أعيان مخصوصين، كبكر ابن عبد الله (٢)، وأبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي (٣)، وأبي عثمان النهدي (٤)، ومسلم بن يسار (٥)، وعوف بن أبي جميلة (٦)؛ فإنه أطال في تراجمهم، وضمنها مواد لم ترد عند غيره.
_________
(١) التاريخ: ٣٥ ظ.
(٢) التاريخ: ١٤ ظ ـ ١٥ و.
(٣) التاريخ: ١٥ و.
(٤) التاريخ: ١٥ ظ.
(٥) التاريخ: ١٦ و.
(٦) التاريخ: ١٧ و.
стр. 145
- اقتصاره على سند الحديث دون مثنه، وهو من وجوه الاختصار عنده:
اتكاء على اشتهار الحديث، كقوله: «إبراهيم بن عامر، الذي روى عنه شعبة وسفيان؛ عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في الجنازة … » (١).
ومساق الحديث من رواية أبي داود: «حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن عامر، عن عامر بن سعد، عن أبي هريرة، قال: مروا على رسول الله ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: «وجبت»، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت»، ثم قال: «إن بعضكم على بعض شهداء»».
ومثاله أيضا قوله: «الوليد، الذي روى عنه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد في العصير، هو الوليد بن كريب» (٢). وتمام الحديث: «قيل لسعد: تبيع عنبا ليتخذ عصيرا؟ فقال: بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر».
- تخلصه للحديث عما يلابس الخبر في سياق واحد:
مثاله أنه ذكر أبا البختري ويوم الجماجم، فتخلص ليورد أخبارا ملابسة، وقال: «أبو البختري الطائي، اختلفوا في اسمه؛ فقالوا: أسعد، وقالوا: سعيد بن جبير؛ وكان من الموالي، أرادوا أن يستعملوه يوم الجماجم على القراء فأبى».
حدثني أمية بن خالد، قال: نا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: أرادوا أبا البختري يوم الجماجم أن يستعملوه على القراء، فقال: أنا رجل من الموالي، وأنا لا أحسن أهز السيف، فاستعملوا زحر بن جبلة بن زحر، فما برح حتى قتل.
سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت سفيان يقول: أرادوا أبا البختري أن يستعملوه يوم الجماجم، فقال: أنا رجل من الموالي، وأنا لا أحسن أهز السيف.
_________
(١) التاريخ: ٢٩ ظ.
(٢) التاريخ: ٢٨ ظ ـ ٢٩ و.
стр. 146
سمعت يحيى يقول: سمعت شعبة يقول: فقد عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن شداد في الجماجم، اقتحم بهما فرساهما الفرات فذهبا.
سمعت أبا عاصم يقول: حدثنا عمران القطان، قال: رأيت الحسن يوم هزم ابن الأشعث، وقع في الدجيل، فجعل يفتح بيديه.
سمعت أبا بحر البكراوي يقول: حدثني خالي عبيد الله بن عمر بن أبي بكرة، قال: رأيت الحسن حلق رأسه وقضى في عسكر ابن الأشعث.
سمعت يحيى يقول: بلغني أن الحسن خرج مع ابن الأشعث؛ أكره على ذلك.
سمعت يحيى يقول: سمعت عبد ربه بن أبي راشد يقول: لم يخرج جابر بن زيد مع ابن الأشعث.
سمعت عبد الرحمن يقول: نظر طلحة بن مصرف إلى العلاء بن عبد الكريم يضحك، فقال: إنك لتضحك ضحك رجل ما شهد الجماجم! ولقد شهدتها فلوددت أنها قطعت من هاهنا وأني لم أكن شهدتها! - يعني من المرفق -
قال: «وحدثنا عبد الرحمن قال: حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال لي مسلم بن يسار: أما إني أحمد الله إليك، أني لم أرم بسهم، ولم أضرب بسيف. قال: قلت: فكيف بمن رآك بين الصفين تقاتل؟ فقال: هذا مسلم ابن يسار لا يقاتل إلا على حق، فقاتل حتى قتل. فبكى والله حتى وددت أن الأرض انشقت فدخلت فيها» (١).
ومع أنه سرد هذه الحكايات الأربع من غير تعليق، إلا أن اختياره النقدي يبدو واضحا؛ فقد فيأ المحدثين في موقفهم من الوقعة إلى أربع قسم:
_________
(١) التاريخ: ٢٠ و - ٢٠ ظ.
стр. 147
- قسم نشب في الوقعة فلم يتخلص، كعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن شداد.
- قسم اعتزل ونأى بجانبه ولم يخرج، فتخلص ونجا، كأبي البختري الطائي، وجابر بن زيد.
- قسم لم يسعه الفكاك، فخرج على كره، كالحسن البصري.
- قسم شهدها فندم، كطلحة بن مصرف.
وينفع موقفه النقدي هنا في التنظير بموقفه من فتنة خلق القرآن؛ لنفهم أنه وفق إلى التفصي من وزر الخوض فيها على تفصيل لا نعلمه، طوته كتب التواريخ التي وقعت إلينا.
- التفنن في الإيراد، تنبيها على اختلاف الروايات:
اعتاد المؤلف منهج الاختصار والإيماء والتلميح، واغتاض به عن التصريح بذكر الاختلاف في أسماء الرواة وأنسابهم، بإجراء هذا الاختلاف عند تكرار أو تردد ورودهم، مجتزئا به عن تنبيه القارئ في كل مرة، وبتعبير آخر: إذا اختلف في اسم الراوي اختلافا كبيرا، نوع المؤلف في إيراد اسمه عند اختلاف المواضع، تنبيها على الاختلاف في الراوية.
ومثاله أنه سمى أبا العشراء الدرامي: «أسامة بن مالك بن قهطم» (١)، وسماه في موضع تال «بلز» (٢)، قال: «وهو أبو العشراء الدارمي»، وهذا من فقهه.
ومنه قوله: «وعم حسناء الصريمية» (٣)، وسيتكرر ذكرها للمؤلف فيسميها
_________
(١) التاريخ: ١٩ و.
(٢) التاريخ: ٣٣ ظ.
(٣) التاريخ: ٣٣ ظ.
стр. 148
خنساء ـ بتقديم النون ـ على عادته في التفنن في إيراد الأسماء المختلف فيها.
ومن قبيله أيضا قوله: «الحارث بن عقيش» (١). وقد تقدم «الحارث بن أقيش» (٢)، ويقال: بالواو أيضا، ولعل ما في الأصل غير مصحف عنه. ونحن وإن لم نظفر براو هو الحارث بن عقيش، على أن تسمية «عقيش» التي وقعت في الأصل، يحتمل أن تكون رواية أخرى في اسم «أقيش»، على طريقة التفنن في الإيراد، وهي من سمات منهج المؤلف في التنبيه على الوجوه من طرف خفي.
- ذكر إفادات موضوعية تاريخية عارضة:
بعضها للمثال يتعلق بتسيمة بعض البقاع أو الأسواق، كقوله: «ومات يحيى بن أبي كثير - ويكنى أبا نصر - سنة تسع وعشرين، وهو رجل من أهل البصرة، وكان يكتب عن السماكين في البارجاه» (٣)، وهو أقدم مؤلف يذكر هذه التسمية.
وبعضها له صلة ببعض الأخبار من مادة تراجم بعض الرواة لا توجد في غيره، بحسب ما أدى إليه اجتهادنا ووسعنا، كقوله في ترجمة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي: «حدثنا معتمر بن سليمان، قال: نا إياس بن دغفل قال: انطلقت مع الحسن نعود أبا نضرة، فقام فقبل خد الحسن، ثم قال: يا أبا سعيد، اقرأ سورة وادع بدعوات. فقرأ الحسن بفاتحة الكتاب والمعوذتين، ثم قال: اللهم مس أخانا الضر، وأنت أرحم الراحمين. فقال أبو نضرة: يا أبا سعيد، إنه قد حضر مني ما ترى، فإذا مت فكن أنت الذي يصلي علي. فقال الحسن: إنه والله لولا هؤل المطلع ـ فإنه لا يجترى عليه إلا أحمق - لسر ناسا من إخوانك أن يكونوا قد فارقوا ما هاهنا.
قال إياس: فمات أبو نضرة، فصلى عليه الحسن.
_________
(١) التاريخ: ٣٨ ظ.
(٢) التاريخ: ٣٨ و.
(٣) التاريخ: ١٥ ظ.
стр. 149
حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا الفضل بن الحكم القيسي، قال: رأيت الحسن وأبا رجاء وثابتا البناني عادوا أبا نضرة وقد ضربه الفالج، فجعلوا يبكون عليه بصوت عال، ويقولون: إن كنت لفصيحا» (١).
وكقوله في ترجمة عوف بن أبي جميلة: «وسمعت أبا عاصم يقول: دخلنا على عوف سنة ست وأربعين ومئة، فقلنا له: يا أبا سهل، كم أتى لك؟ قال: سبع وثمانون سنة. قلنا: كم تأمل؟ قال: ثلاث سنين. قال: وكانت به الحصاة. قال: فخرجت إلى مكة، قال: فأتانا مؤته ونحن بالطريق» (٢).
«وكان رجلا من أهل هجر، وكان ينزل النحيت، وكان له تسع إخوة من العرب من بلهجيح، ولم يكن له ولاء.
سمعت سالم بن نوح يقول: كنت أرى عوفا يجيء من النحيت، راكبا حمارا عليه إكاف، فيأتي الملا بالبصرة، فيشتري برا فيجعله في جوالقين، ثم يحمله على الحمار، ويسوق الحمار حتى يأتي النحيت» (٣).
وكقوله عن أبي بشر جعفر بن إياس: «وكان إياس يكنى أبا وحشية، وكان ينزل البصرة؛ أصله منها. وكان ينزل بني ثعلبة، داره قائمة حتى اليوم. وقد أتى واسط، فسمع منه ثمة. وكانت عنده كتب» (٤).
فقد جمع في هذين السطرين أخبارا خلت من عظمها كتب التراجم.
- التنبيه على أصول الرواة:
يهتم برفع أنساب بعض الرواة، ويميز بين الصرحاء والموالي؛ من قبيل قوله
_________
(١) التاريخ: ١٥ و.
(٢) التاريخ: ١٧ و.
(٣) التاريخ: ١٧ و.
(٤) التاريخ: ٢٢ ظ.
стр. 150
عن أبي هلال الراسبي: إنه ليس راسبيا صليبة، ولكنه نزل بني راسب فنسب إليهم: «أبو هلال الراسبي، اسمه: محمد بن سليم، وهو مولى لبني ناجية، وكان ينزل بني راسب، فعرف بالموضع» (١).
- التهمم بإيراد الرقائق وحكايات الصالحين:
من غير مبالغة ولا اغترار بالأساطير والمستحيلات؛ كحكايته عن أبي عمران الجؤني، قال: «نا علي بن بزيع الهلالي أبو الحسن، أن عويد بن أبي عمران الجوني قال: لما مات أبو عمران الجوني، رأيت في مصلاه موضع جحرين. فقال لأمه: ما هذا؟ فقالت: يا بني، هذا والله موضع دموع أبيك، كان يصلي من الليل فيبكي حتى تقطر دموعه في هذا الموضع» (٢). وحكايته عن والد معاذ بن هشام شيخه؛ قال: «سمعت معاذ بن هشام يقول: كان المصباح لا يطفأ في منزلنا شتاء ولا صيفا، فلما حضر أبي قالت له أمي: يا أبا بكر، صحبتك خمسين سنة كنت أجلك أن أسألك: ما للمصباح لا يطفأ في منزلنا شتاء ولا صيفا؟ قال: ما سؤالك عن ذلك؟ قالت: إني أحببت أن تخبرني. قال: كنت رجلا قد أشرب قلبي ظلمة القبر، فما طفئ المصباح قط إلا ظننت أني في القبر» (٣).
- لا يلتفت إلى وظيفة الراوي إلا لماما:
فإن ذكرها فلتعلق ذكرها بزيادة بيان في التعريف، كقوله عن أبي سوار العدوي: «كان عريف بني عدي» (٤). ثم أردفه بما يفيد موقف حريث بن حسان من وظيفته، قال: «حدثني عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا قرة بن خالد، عن حميد بن هلال قال:
_________
(١) التاريخ: ٢٤ و.
(٢) التاريخ: ١٦ ظ.
(٣) التاريخ: ١٧ و.
(٤) التاريخ: ٢٣ و.
стр. 151
قال أبو السوار: وددت أن حدفتي في يدي مكان العرافة» (١). وليس إيراد هذا الخبر بريئا؛ لأن فيه الإيماء إلى معرفة المؤلف بأحاديث ذم العرافة، وإن كان غالبها ضعيفا.
ز - تنبيهات تتعلق ببعض المآخذ عليه:
- قد يخرج عن مقصود الباب ويورد فيه ما ليس منه لفائدة؛ مثلما وقع له في باب أسماء التابعين ممن يعرف بالكنى، حين ذكر كنى بعض الصحابة، كأبي عزة الهذلي، وأبي سليمان مالك بن الحويرث الليثي (٢).
- ضعف التحرير في بعض الأحيان، لكني لا أجزم بنسبة هذا إليه؛ لاحتمال تدخل بعض النساخ في النص - مثلما وقع في مواطن من نسختنا، ومثل ما سأسوقه لا يخفى على صغار الطلبة، فيبعد أن يكون من لدن صاحبنا، فمنه: «عثمان بن عبيد الراسبي … راسبي من بني راسب» (٣)، فلو كان اقتصر على قوله: «من بني راسب»، لعلمت النسبة، ولما احتيج إلى تكرارها مرارا. وقد تكرر له هذا في قوله: «عقبة بن أوس، الذي روى عنه ابن سيرين، سدوسي من بني سدوس» (٤)، وفي قوله: «حيان ابن عمير، قيسي، من بني قيس (٥)؛ وقد يعتذر عنه بأنه تنبيه إلى أنه من أنفسهم لا من الموالي، فيكون ضربا من الاصطلاح، والله أعلم.
- الوقوع في تكرار أسماء بعض الرواة داخل نفس المسرد؛ مثاله قوله في أسماء التابعين ممن يعرف بالكنى»: «جميل بن مرة، شيباني من بني شيبان» (٦)، ثم أعاد ذكره في نفس الباب فقال: «جميل بن مرة، رجل من بني شيبان» (٧).
_________
(١) التاريخ: ٢٣ و.
(٢) التاريخ: ٢٥ و.
(٣) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٤) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٥) التاريخ: ٢٦ و.
(٦) التاريخ: ٢٥ ظ.
(٧) التاريخ:
стр. 152
ومثاله أيضا قوله: «أبو طلق، الذي روى عن جدته، عن علي: في الدية اثنا عشر ألفا؛ اسمه: عدي بن حنظلة. وسمعت ابن داود يقوله» (١)، وتكرر له هذا بعد ورقات، بنقصان «اثنا عشر ألفا» (٢). ولعل هذا الملحظ في التكرار يجعل التساؤل مشروعا عن حقيقة تصنيف الكتاب: أكان مبادرة شخصية، أم كان إملاء على الطلبة؟ فإن تكرار بعض المعطيات من سمات التداول الشفوي، لعلة تعدد مجالس السماع.
- أنه أدرج داخل فضل أسماء وكنى التابعين من الكوفة ووفيات أربعة منهم، من غير أن تكون منسوقة بما يمهد لها (٣)، وتقدم ذكر الوفيات قبل ذلك مفردة.
ح ـ ما وقع فيه من الوهم:
يرتقي الكتاب إلى مرحلة التأصيل، ولذلك تدولت مادته على نطاق واسع، وترددت في كتب العلماء، فعارضوها بأصول أخر، فانماز لديهم صريح القول وهجينه، ولا نسبة بين مواضع الوهم فيه وبين بقيته؛ فهي قليلة غاية، وإنما سقنا المثالين بعد أخذا بإخذ من سبقنا:
١ - تسميته لوالد عيسى أبي سنان القسملي «سلمان» (٤)، وهو خطأ، إنما اسمه «سنان»، ولا يدعى فيه وقوع التضحيف في نسختنا؛ فإنه كذلك في نسخ ابن عساكر، وقد تعقبه.
٢ - عند ترجمة محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، فإنه قال: «مات سنة إحدى وثمانين» (٥)، وتعقبه قاسم بن أصبغ في تاريخ الوفاة، وزاد أن الترمذي حدثه
_________
(١) التاريخ: ٢٩ و.
(٢) التاريخ: ٣٠ ظ.
(٣) عند قوله: «ومات طارق بن شهاب سنة ثلاث وثمانين»، وما بعده.
(٤) التاريخ: ٢٣ ظ.
(٥) التاريخ: ١٨ و.
стр. 153
عنه، وأثبت الأسعد ذلك في طرر نسخته، وأدرجه ناسخنا غفلة في المتن، وهو ذا: «نا الأسعد، قال لنا أبو محمد قاسم: هذا غلط، نا عنه إسماعيل (١) والترمذي (٢) وغيرهما.
وفي غير هذا الموضع: مات سنة عشرة ومئتين، وهو الصواب إن شاء الله». لكن تاريخ الوفاة هذا من قاسم غير صحيح أيضا؛ فإن الراوي توفي سنة ٢١٥ هـ، كما في تهذيب الكمال (٢٥/ ٥٤٦ - ٥٤٨) وغيره. والذي أظنه أن الوهم من الناسخ لا من ابن أصبغ، وتأويله أن تاريخ الوفاة هذا رسم بالأرقام الهندية لا العربية، فغم على الناسخ؛ إذ التبس عليه رقم خمسة الهندي بالصفر العربي، فأفضى به ذلك إلى ما ترى حين كتب العدد بالحروف.
٦ - رواية الكتاب بالمشرق والمغرب.
أ - رواية الكتاب بالأندلس والمغرب:
كثير من أصول العلم المشرقية المتقدمة الباذخة، وصلتنا في نسخ مغربية (٣)، قام على روايتها ونساختها أعلام لا تكاد تجد لبعضهم ولا لأسانيده ذكرا في كتب الطبقات، حتى دفع ذلك الذهبي ـ وهو من هو ـ إلى القول: «وغالب مشايخ الأندلس لا اعتناء لنا بمعرفتهم؛ لأن روايتهم لا تقع لنا» (٤)؛ ومن ثم أفردت هذا المبحث للحديث عن الرواة المغاربة والأندلسيين لكتابنا هذا.
_________
(١) لعله إسماعيل بن إسحاق المالكي القاضي، وهو من علية مشايخه.
(٢) لعله محمد بن إسماعيل الترمذي، وهو من شيوخه.
(٣) منها تاريخ شباب العصفري، ورسالة الصاهل والشاحج لرهين المحبسين، وتفسير عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وعظم معجم الصحابة لأبي القاسم البغوي، وأسفار من تاريخ ابن أبي خيثمة …
(٤) سير أعلام النبلاء: (١٨/ ٣٤٥).
стр. 154
متى دخل الكتاب إلى الأندلس والمغرب؟
ظل المشرق رافدا لا ينضب معينه لعلماء الجزيرة، ووجهة لا ينكص عن أمها إلا من أكدت وسائله، وشكلت رحلات الحج موعدا دينيا لا يتخلف، يستصحب العلماء فيه - مع أداء الفريضة وصل وشائج العلم، وإنعاش الامتداد، ويستجلبون معهم أصولا علمية قرؤوها على أصحابها، أو تناولوها بحق روايتها أو أجيزوا فيها، فاتصلت أسانيدهم بها، وستغدو بعد عودهم مقررات يشرحونها لطلبتهم، أو يؤوبون إليها؛ لاستشارتها عند التأليف أو النظر.
وكان من تلكم الأصول النافقة التي التفت إليها هؤلاء كتاب التاريخ لعمرو بن علي، وأول من نعلمه أدخله إلى الأندلس اثنان:
أولهما ينميه نسبه إلى أصول مغربية، وهو عبد الله بن مسرة بن نجيح، أبو محمد البربري الفاسي (١) القرطبي (ت ٢٨٦ هـ) (٢)، رحل مع محمد بن عبد السلام، وسمع معه على الفلاس بالبصرة، «وتردد فيها فأكثر» (٣)، حتى لحقته نحلة القدرية، وكانت فاشية ثمة، ورجع إلى الأندلس، فروى عنه التاريخ قاسم بن أصبغ (٤).
وأما الثاني فأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني (ت ٢٨٦ هـ)،
_________
(١) عزا ابن الفرضي نسبه إلى الحكيم، وهو على التحقيق: عبد الله بن عبيد الله الأزدي (ت ٣٤١ هـ)، له كتاب نبيل في أنساب الأندلسيين، قال عنه ابن عبد الملك في الذيل والتكملة (١/ ٢١٣): «ذكر فيه الخلفاء ومن تناسل منهم بالأندلس، ومن سائر قريش ومواليهم، وأهل الخدمة والتصرف لهم، ومشاهير العرب الداخلين إلى الأندلس من المشرق من غير قريش ومواليهم، ومشاهير قبائل البربر الذين احتلوا الأندلس».
(٢) تاريخ الإسلام: (٦/ ٧٧٠؛ رت: ٣٢٣).
(٣) تاريخ العلماء: (١/ ٢٥٦؛ رت: ٦٥٢).
(٤) ن تقييد المهمل وتمييز المشكل: (٣/ ١٠٧٩؛ ١٠٩٧؛ ١١٢٣؛ ١١٢٦).
стр. 155
وقد «كانت له رحلة إلى العراق وإلى غيرها من البلاد» (١)، أقام فيها «خمسا وعشرين سنة متجولا في طلب الحديث، فلما رجع إلى الأندلس تذكر محاله في الغربة، فقال:
كأن لم يكن بين ولم تك فرقة … إذا كان من بعد الفراق تلاقي
كأن لم تؤرق بالعراقين مقلتي … ولم تمر كف الشوق ماء مآقي» (٢)
فنص على مكثه بالبصرة والكوفة، ثم إنه «رجع إلى الأندلس وحدث زمانا طويلا» (٣)؛ فإن جمعنا بين هذا وبين قول ابن الفرضي: إنه «رحل قبل الأربعين ومئتين، فحج ودخل البصرة» (٤)، تحصل لنا أنه رجع إلى الأندلس سنة ٢٦٥ هـ تقريبا. ومنه نستنتج:
- أنه سمع الكتاب من الفلاس ما بين ٢٤٠ و ٢٤٩ هـ.
- أن الكتاب ألف قبل ٢٤٠ هـ.
- أن دخول الكتاب على يد الخشني إلى الأندلس، كان بلا مراء بعد ٢٦٥ هـ، أي بعد ١٦ سنة من وفاة صاحبه، وهو تاريخ مبكر بمقاييس تلك الفترة.
فإذا انضم إلى ما سلف أننا حددنا تاريخا تقريبيا لتأليف الكتاب بعد سنة ٢٠١ هـ، وأن صاحبه ظل ينقحه بعد ذلك إلى حدود ٢١٢ هـ؛ علمنا أن الخشني تلقى الكتاب عن الفلاس، وقد نفض يده منه، واستقر على صورته التي ارتضاها له؛ فتكون نسختنا - إذ تؤول إلى الخشني - نسخة نهائية.
_________
(١) جذوة المقتبس: (١٠٧).
(٢) جذوة المقتبس: (١٠٧ - ١٠٨). والأبيات بأطول من هذا في بهجة المجالس وفصل المقال ومطمح الأنفس.
(٣) جذوة المقتبس: (١٠٧).
(٤) تاريخ العلماء والرواة: (١٦/ ٢؛ رت: ١١٣٤).
стр. 156
ونقل الحافظ مغلطاي عن تاريخ أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم المنتجيلي الصدفي (ت ٣٥٠ هـ) جملة مختصرة منسوقة من أخبار بكر بن عبد الله المزني، فيغلب على الظن أن كتاب الفلاس كان من موارده؛ إذ كثيرا ما يكون النقل عنه في كتاب مغلطاي بإثر النقل عن ابن حزم (١)، ولم نقف على أصل كتاب المنتجيلي لنتحقق من هذا الظن، وعبارة علاء الدين: «قال أبو عمر بن حزم المنتجيلي: ولما ازدحم الناس على سريره، قال الحسن: على عمله فتنافسوا. وقال حميد: كان بكر مجاب الدعوة. ولما مرض جعلوا يدخلون عليه ولا يخرجون، فقال بكر: الصحيح يزار، والمريض يعاد» (٢). وهذه الأخبار كلها بعينها في التاريخ، ثم تحققت أن المنتجيلي أفاد قطعا من كتاب الصيرفي ونقل عنه؛ لأن صاحب الإكمال كان يجعله واسطته فيه كما في قوله في ترجمة أيوب بن بشير العدوي: «قال المنتجالي: قال الفلاس: هو من الأوس، ويكنى أبا سليمان، ومات سنة تسع عشرة ومئة» (٣). ولعل كتابنا مما جلبه الصدفي معه من رحلته المشرقية التي ابتدأها سنة ٣١١ هـ (٤).
وقد تحققت لنا رواية ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) للكتاب (٥)، بما ذكر من أسانيده وحدد من أجزائه، ووقع أن أفاد منه في فهرسته من غير تصريح؛ إذ قال، لأبي المعتمر سليمان بن طرخان (٦): «وكان مولى لبني ﷺ عند سيرة رسول الله مرة … فلما تكلم بإثبات القدر أخرجوه، فقبله بنو تميم، وقدموه وصار إمامهم»؛
_________
(١) ن للمثال: (٦/ ٧٠؛ رت: ٢١٩٦؛ ٧/ ٣٠٠؛ رت: ٢٨٨١).
(٢) إكمال تهذيب الكمال (٣/ ١٩).
(٣) إكمال تهذيب الكمال: (٢/ ٣٢٠؛ رت: ٦٣٨).
(٤) تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: (١/ ٥٦؛ رت: ١٤٢).
(٥) فهرسته: (٢٦٥؛ ر: ٣٥٩).
(٦) فهرسة ابن خير: (٢٨٦؛ ر: ٤٣٣).
стр. 157
وهذا القدر المنقول هو بفصه ونصه كلام الفلاس في التاريخ، ويبعد أن يكون من باب توارد الخواطر على معنى واحد بلفظ واحد، أي: وقوع الحافر على الحافر.
ورحل ابن الدباغ القرطبي خلف بن قاسم (ت ٣٩٣ هـ) إلى مصر، فسمع الكتاب بها من حمزة بن محمد الكناني (١)، ثم عاد إلى قرطبة فسمعه منه ابن عبد البر صغيرا (٢)، وقد رواه أبو عمر أيضا عن شيخه أبي محمد الجهني الطليطلي، عن حمزة به.
وبدخول الكتاب إلى مرويات الأندلسيين، والإفادة منه في التصنيف، خاصة عند أضراب ابن الفرضي (ت ٤٠٣ هـ)، وابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ)، وأبي الوليد الباجي (ت ٤٧٤ هـ)، وأبي علي الغساني (ت ٤٩٨ هـ)، وابن الحاج القرطبي (ت ٥٢٩ هـ)، وأبي بكر ابن خير (ت ٥٧٥ هـ)، مع تباين أسانيدهم إليه علوا ونزولا، حمله تلاميذ هؤلاء أو خلفهم إلى المغرب يوم صار قبلة الأندلسيين، وانعقد الارتباط السياسي بين العدوتين.
ولعل التلاميذ المغاربة لشيوخ العدوة رجعوا بالكتاب إلى المغرب، ولكننا لا نقف له على ذكر في كتبهم أو فهارسهم إلا مع أبي الحسن ابن القطان الفاسي المراكشي (ت ٦٢٨ هـ)، حيث عده من مصادره في بيان الوهم والإيهام ونقل عنه (٣). ولم نعثر على إسناده فيه، ولا وفقنا في الاهتداء إلى سبيله، ولعله عثر على
_________
(١) تاريخ ابن الفرضي: (١/ ١٦٣؛ رت: ٤١٧).
(٢) ن إسناده فيه.
(٣) قال في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦): «قال عمرو بن علي الفلاس في تاريخه: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أتيت الجريري، فقال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن عمرو: «بين كل أذانين صلاة»، فلما خرجت قال لي رجل: إنما هو: عن عبد الله بن المغفل، فرجعت إليه، فقلت له: فقال: عن عبد الله بن المغفل». =
стр. 158
أصل للكتاب بتعاليق الأندلسيين في خزانة الموحدين الباذخة بمراكش ـ وقد كان محافظها، ثم نسخ بعد عن هذا الأصل الذي كان بيده فرع برسم الأمير أبي زكريا يحيى بن محمد، وعن هذا الفرع أعيد انتساخ نسخة أخرى سنة ٧٧٤ هـ، ولم تظهر هذه إلا سنة ٩٨٧ هـ؛ حيث حبست على «خزانة الجامع الكبير الجديد» (١)؛ كما سيأتي بيانه بتفصيل في وصف النسخة الخطية.
ولا أستبعد أن يكون ابن عبد الملك المراكشي (ت ٧٠٣ هـ)، قد حاز رواية الكتاب بالإجازة؛ لاتساع روايته، وقد يكون تملك نسخة منه لوجود أصل منه حينها في مراكش (٢)، ولكننا لا نجد له ذكرا فيما بقي من أسفار الذيل والتكملة، على أن عبارته الشهيرة الذائعة «السماع رزق»، تؤوب في الأصل إلى أبي حفص الفلاس، فقد نقل الخطيب بسنده إلى أبي الحسين الغازي، قال: سمعت عمرو بن علي يقول: «السماع من الرجال أرزاق» (٣). ولو سلم لنا كتابه المخلص للصناعة، في التكميل والتذييل على بغية النقاد النقلة لابن المواق (٤)، لقوي الطمع في التحقق من هذا.
وقد وجدت المحدث الناقد أبا علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص الفهري المالقي، عرف بابن الناظر (ت ٦٩٩ هـ) (٥)، نقل في كتابه
_________
= قلت: وهو وإن قال: قال الفلاس في تاريخه، إلا أن النقل ليس من التاريخ، ولكنه من كتاب العلل، على أن كثيرا من الرواة عدوا الكتابين كتابا واحدا، كما نبه عليه ابن خير في فهرسته.
(١) وقفية الكتاب.
(٢) ن مبحث وصف النسخة.
(٣) تاريخ بغداد: (١٤/ ١١٩).
(٤) ن الذيل والتكملة: (١/ ١٣٤ - ١٣٦).
(٥) ترجمته في المرقبة العليا للبناهي: (١٢٧)؛ فهرسة المنتوري: (٣٦٧؛ ر: ٨١٨).
стр. 159
المشرع السلسل في الحديث المسلسل عن الفلاس، عند حديثه عن يزيد بن أبان الرقاشي، فقال: «قال أبو حفص الفلاس: كان رجلا صالحا، قد روى عنه الناس، وليس بالقوي» (١)، ولكننا لا نجد كلامه هذا في التاريخ، ولا نتحقق حصول الكتاب بيد ابن أبي الأحوص، مع بقاء احتمال روايته إياه.
وسينقطع ذكر الكتاب ردحا من الدهر، ثم نعثر على إسناده لدى الروداني، من طريق مشرقية، ولعله من آخر من وقع له رفع سنده إليه.
ب - نصوص أسانيد الأندلسيين والمغاربة:
- إسناد الأسعد بن عبد الوارث بن يونس بن محمد، أبي القاسم القيسي القرطبي (٢)، في الأصل المخطوط من كتاب التاريخ:
«الأسعد، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، قال: حدثني أبو حفص عمرو بن علي بن بحر السقاء» (٣).
- إسناد أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي (ت ٤٠٣ هـ) في «المتشابه من أسماء نقلة الحديث من الرجال والنساء»:
«أخبرنا محمد بن يحيى بن (٤) عبد العزيز (٥)، قال: أنا أحمد بن بشر (٦)، قال: نا
_________
(١) فهرست أبي زكريا يحيى السراج النفزي الأندلسي الفاسي (ت ٨٠٥ هـ) (نسخة الخزانة العامة بالرباط: ٢٦٤٣ د): ١٨٩.
(٢) ن ترجمته في تاريخ ابن الفرضي: (١/ ٩٢؛ رت: ٢٤٥).
(٣) التاريخ: ١ ظ؛ ١٩ و؛ ٣٢ ظ.
(٤) صحفت في النسخة إلى «عن».
(٥) محمد بن يحيى بن عبد العزيز، المعروف: بابن الخراز، من أهل قرطبة، يكنى: أبا عبد الله (ت ٣٦٩ هـ). من تاريخ ابن الفرضي: (٢/ ٨٢؛ رت: ١٣٢٥).
(٦) أحمد بن بشر بن محمد بن إسماعيل بن البشر بن محمد التجيبي؛ يعرف: بابن الأغبس؛ =
стр. 160
محمد بن عبد السلام الخشني، قال: قال لنا عمرو بن علي الفلاس … » (١).
وقد سمع الكتاب على محمد بن يحيى، عرف بابن الخراز القرطبي سنة ٣٦٨ هـ؛ لأنه قال (٢): «واختلفت إليه للسماع منه قبل مؤته بعام، فلم أزل أتكرر عليه وأسمع منه إلى أن مات».
- إسناد الحافظ أبي عمر ابن عبد البر القرطبي النمري (ت ٤٦٣ هـ): «حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال: حدثنا خالد بن النضر بالبصرة، قال: حدثنا عمرو بن علي … » (٣).
ووقع في موضع واحد من الاستيعاب (٤)، ذكر الإسناد إلى عمرو بن علي، في شيء من تاريخه فقال: «أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد (٥)، قال: حدثنا حمزة بن محمد، حدثنا خالد بن النضر، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال أبو قعيس وائل بن أفلح» (٦)، فيكون إسنادا ثانيا للحافظ النمري، من نفس طريق حمزة بن محمد.
_________
= من أهل قرطبة؛ يكنى أبا عمر (ت ٣٢٧ هـ). من جذوة المقتبس: (١٧٣؛ رت: ١٩٨)؛ تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: (١/ ٤٤؛ رت: ١٠٢).
(١) متشابه أسماء النقلة (مصورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، رقم الحفظ ١٦٩٥ ف، عن نسخة جامعة كاليفورنيا).
(٢) تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس: (٢/ ٨٢).
(٣) التمهيد: (٦/ ٤٦٩).
(٤) (٤/ ١٧٣٤ - ١٧٣٥).
(٥) هو أبو محمد الجهني الطليطلي (ت ٣٩٥ هـ)، من كبار شيوخ ابن عبد البر. ن سير الذهبي: (١٦/ ٤٨٢)
(٦) وقع تصحيف اسم الفلاس في هذا النقل في مطبوعتي البجاوي ومرشد من الاستيعاب إلى «عمر بن علي».
стр. 161
- إسناد أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت ٤٧٤ هـ) في التعديل والتجريح:
قال: «وما أخرجته فيه من تاريخ أبي حفص الفلاس، فأخبرنا به أبو القاسم الدبثائي (١)، عن أبي الحسن بن لؤلؤ، عن أبي بكر بن شهريار، عن أبي حفص» (٢).
- إسناد أبي علي الحسين بن محمد الغساني الجياني (ت ٤٩٨ هـ) في تقييد المهمل وتمييز المشكل:
من نفس سند هذه النسخة التي اعتمدنا عليها وقعت رواية الكتاب لأبي علي الغساني، فقد ساق طي كتابه نقولا ثلاثة عن أبي حفص صدرها بإسناده إلى تاريخه فقال:
«حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد قراءة عليه، قال: نا سعيد بن نصر، وعبد الوارث ابن سفيان، وأبو الفضل أحمد بن قاسم، قالوا: نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، وعبد الله بن مسرة، قالا: قال لنا عمرو بن علي الفلاس … » (٣).
ويكاد يفهم من هذا الخبر أن الخشني وابن مسرة، سمعا معا الكتاب في وقت واحد، وأن قراءتهما كانت قراءة تفهم وتحقيق؛ بدليل أن الصيرفي كان يتوقف ليشرح لهما ما أشكل من كتابه (٤).
وسيتلو في إسناد ابن الحاج القرطبي أنه روى الكتاب عن أبي علي الغساني،
_________
(١) هو أبو القاسم أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري الدبثائي (ت ٤٣٥ هـ). ن: تبصير المنتبه: (٢/ ٥٨٢).
(٢) التعديل والتجريح: (١/ ٢٤٨).
(٣) تقييد المهمل: (٣/ ١٠٧٩؛ ١٠٩٧؛ ١١٢٣؛ ١١٢٦).
(٤) سيأتي بيانه في مبحث وصف النسخة.
стр. 162
عن أبي العاصي حكم بن محمد الجذامي، عن سعيد بن نصر، به؛ فيكون إسنادا آخر للجياني.
- إسناد القاضي الشهيد أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خلف، ابن الحاج القرطبي (ت ٥٢٩ هـ) في كتابه مناسك الحج (١):
«وما كان فيه من تاريخ أبي حفص الفلاس (٢)؛ فأخبرني به حسين بن محمد الغساني، ما بين قراءة مني عليه وسماع، قال: نا أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي، عن سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: نا محمد ابن عبد السلام (٣)، وعبد الله بن مسرة، عن أبي حفص عمر و (٤) بن علي الفلاس (٥)».
_________
(١) مخطوط خزانة ابن يوسف رقم ١٥٢/ ١٤١ ظ.
(٢) في الأصل: «ابن أبي خيثمة»؛ وهو وهم من الناسخ؛ لاعتبارين: الأول: أن الإسناد ينتهي إلى عمرو بن علي الفلاس. والثاني: أن ابن أبي خيثمة متأخر عن عمرو؛ إذ توفي سنة ٢٧٩ هـ، فلا يصح أن يكون أبو حفص راويا عنه. لكنه من المؤكد أن ابن الحاج نقل أيضا عن تاريخ ابن أبي خيثمة حسبما تجده في تضاعيف منسكه.
(٣) في الأصل: «السالم».
(٤) في الأصل: «عمر».
(٥) في الأصل: «الفالاس».
стр. 163
- إسناد أبي بكر محمد بن خير اللمتوني الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) في فهرسته: إسناد أول: حدثني به أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث، عن أبي عمر ابن الحذاء، عن أبي عثمان بن نصر، وأبي القاسم عبد الوارث بن سفيان، وأحمد بن قاسم، وعمر بن حسين؛ قالوا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، وعبد الله بن مسرة، كلاهما عنه (١).
إسناد ثان: وحدثني به أيضا أبو محمد بن عتاب ﵀، عن أبي عمر بن عبد البر الحافظ، قال: حدثنا خلف بن قاسم الحافظ، قال: حدثنا حمزة بن محمد الكناني، قال: حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر القرشي، قال: حدثنا عمرو بن علي الفلاس، الجزأين من التاريخ فقط، ليس فيه العلل (٢).
- إسناد محمد بن سليمان الروداني المغربي (ت ١٠٩٤ هـ) في صلة الخلف (٣):
قال: «كتاب التاريخ، لعمرو (٤) بن علي الفلاس، به إلى أبي إسحاق التنوخي، عن عبد الرحمن بن عبد الولي، عن جده عبد الرحمن بن أبي الفهم، عن أبي القاسم يحيي بن أسعد، عن أبي محمد قراتكين بن أسعد، عن الحسن بن علي الجوهري، عن علي بن محمد لؤلؤ، عن محمد بن الحسن بن شهريار، عنه».
- إسناد العبيد الضعيف، إلى مولاه اللطيف:
وقد حصلت لنا ـ ولله الحمد - رواية الكتاب من طريق الروداني؛ حيث نتصل به بحق الإجازة المطلقة، من جهة شيخنا العلامة أبي الفضل العباس بن عبد الله
_________
(١) الفهرسة: (٢٦٥/ ٣٥٩: ر).
(٢) الفهرسة: (٢٦٥/ ٣٥٩: ر).
(٣) صلة الخلف: (١٥٨).
(٤) صحف في الأصل إلى «عمر».
стр. 164
الجراري حفظه الله، عن والده الفقيه الشيخ عبد الله الجراري، عن الشيخ عبد الحي الكتاني، بأسانيده (١) إلى صلة الخلف للروداني، بإسناد هذا المتقدم.
ج - أسانيد المشارقة:
- إسناد أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) في الكامل: «حدثنا خالد بن النضر، حدثنا عمرو بن علي» (٢).
- إسناد أبي محمد عبد الله بن محمد، عرف بأبي الشيخ الأنصاري (ت ٣٦٩ هـ) في طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها:
«حدثنا محمد بن الحسن بن علي بن بحر، قال: ثنا عمرو بن علي (٣)».
- إسناد أبي سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد، ابن زبر الربعي (ت ٣٧٩ هـ) في وفياته:
قال: «وما كان عن عمرو بن علي بن بحر، فأخبرناه المصعبي مصعب بن إسماعيل، عن محمد بن أحمد بن ماهان، عنه».
- إسناد أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري (ت ٣٨٢ هـ) في تضحيفات المحدثين:
«حدثنا أبو يزيد القرشي، حدثنا أبو حفص عمرو بن علي في كتاب التاريخ» (٤).
_________
(١) ن فهرس الفهارس: (١/ ٤٢٧).
(٢) الكامل: (٣/ ٣٩٥).
(٣) طبقات المحدثين بأصبهان: (١/ ٢٥٢، ١/ ٢٩٨؛ ١/ ٣١٧ … ) إلخ.
(٤) تصحيفات المحدثين: (٢/ ٤١٣).
стр. 165
- إسناد أبي الحسن علي بن عمر البغدادي الدار قطني (ت ٣٨٥ هـ) في المؤتلف والمختلف:
١ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن أبو علي ابن الصواف (١)، حدثنا بشر بن موس، حدثنا عمرو بن علي (٢).
٢ - وحدثنا محمد بن الحسين أبو سليمان، حدثنا خالد بن النضر، حدثنا عمرو ابن علي (٣).
- إسناد أبي بكر أحمد بن علي بن منجويه الأصبهاني (ت ٤٢٨ هـ) في رجال صحح مسلم:
قال: «وما فيه عن عمرو بن علي، أخبرنيه عبد الله بن محمد بن زر ببخار، عن محمد بن صالح الصيمري، عنه» (٤).
- أسانيد أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) في معرفة الصحابة:
له غير واحد؛ منها:
- «حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن الفضل، ثنا خالد بن النضر، قال: حدثنا عمرو بن علي» (٥).
- «حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن الحسن بن علي بن بحر، ثنا عمرو بن علي» (٦).
_________
(١) هذا اسمه بالتلفيق بين مواقع ذكره في كتاب الدار قطني.
(٢) المؤتلف والمختلف: (١/ ١٨٦، ٣/ ١٣٨٢).
(٣) المؤتلف والمختلف: (١/ ٣٢٣).
(٤) رجال صحيح مسلم: (٢/ ٤٢٦).
(٥) معرفة الصحابة: (١/ ١٠٧؛ رت: ٤٢١).
(٦) معرفة الصحابة: (١/ ٤٣؛ ر: ١٥٥؛ ٢/ ٦٥٨؛ ر: ١٧٥٨).
стр. 166
- إسناد الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في تاريخ بغداد والمتفق والمفترق وتلخيص المتشابه في الرسم:
قال: «أخبرنا علي بن أحمد الرزار، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا عمرو بن علي» (١).
- إسناد يحيى بن الحسين الشجري (ت ٤٧٧ هـ) في الأمالي الشجرية الخميسية: «قال: أخبرنا الحسن بن علي المقنعي قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن لؤلؤ، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن شهرار، قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن علي .... » (٢).
- إسناد الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) في تاريخ دمشق:
أسند ابن عساكر كتاب التاريخ من طريق ثلاثة من شيوخه: قراتكين بن الأسعد ابن المذكور الأزجي التركي (٣)، وعبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد، أبي منصور ابن زريق القزاز (٤)، وإسماعيل بن أحمد بن عمر، أبي القاسم ابن السمرقندي (٥)؛ وإسناده إلى الأول هو المعتمد في الكتاب، والثاني قليل الدور، والثالث مذكور مرة واحدة. وظاهر أن طريق ابن زريق تؤدي إلى رواية الخطيب البغدادي، وطريق
_________
(١) تاريخ بغداد: (١/ ٤٧٥)؛ المتفق والمفترق (٣/ ١٧٠١؛ ر: ١٢١٩)؛ تلخيص المتشابه في الرسم: (١/ ٥٧٠؛ ٢/ ٦١٨).
(٢) الأمالي الشجرية: (٢/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٣) ذكره ابن عساكر في معجم الشيوخ: (٢/ ٨٢٨؛ ر: ١٠٣٨).
(٤) ذكره ابن عساكر في معجم شيوخه: (١/ ٥٥١ - ٥٥٢؛ ر: ٦٨٢).
(٥) معجم الشيوخ: (١/ ١٦٠؛ ر: ١٧٧).
стр. 167
ابن السمرقندي مؤدية إلى رواية ابن عدي.
١ - أبو الأعز قراتكين بن الأسعد بن المذكور الأزجي ببغداد، أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أنبأنا علي بن محمد بن لؤلؤ، أنبأنا محمد بن الحسين ابن شهريار أبو بكر، نبأنا عمرو بن علي (١).
٢ - أخبرنا أبو منصور بن زريق، أنا أبو بكر الحافظ، أنا علي بن أحمد بن محمد الرزاز، أنا أبو علي محمد بن أحمد الصواف، نا بشر بن موسى، قال: قال أبو حفص عمرو بن علي (٢).
٣ - أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنا إسماعيل مسعدة، أنا حمزة بن يوسف، أنا أبو أحمد ابن عدي، حدثنا خالد بن النضر (٣)، عن عمرو بن علي.
- إسناد جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ):
أنبأني عاليا محمد بن مقبل، عن ابن أبي عمر، عن الفخر، أخبرنا ابن طبرزد، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا الجوهري إجازات، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن لؤلؤ، أخبرنا محمد بن الحسن بن شهريار، عنه (٤). اهـ.
_________
(١) تاريخ دمشق: (١/ ٣٧).
(٢) تاريخ دمشق: (٣٣/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٣) تاريخ دمشق: (١٨/ ١٦٢).
(٤) أنشاب الكتب: ٢٢٨؛ ر: ٨٨٩.
стр. 168
وصف النسخة، ومنهج تحقيقها
١ - وصف النسخة:
ثلاثة أجزاء في سفير (١) عري عن جلدته الأصلية إن وجدت، أوراقه على الحقيقة ٤٥ ورقة مع ورقة مزيدة مدرجة ليست من الكتاب، فتكون عدة أوراقه ٤٦، والغالب أنه قد سقطت منه ورقة أيضا؛ لانقطاع سياق الكلام في ناصية الورقة ٣٩. مقاسه: ٣٢٢/ ١٧. ٥ سم، وفي كل صفحة ٢١ سطرا، وقد أضر به السوس، وليس له صفحة عنوان ولا ترجمة كما هو معهود (٢)، وبها تعقيبة فقدت قيمتها بتسلط الأرضة على موقعها، مما أذهب النفع بها في الغالب.
كتب بخط مغربي مقفر من ملامح الجمال، ولكنه منضبط مقروء، لولا أن الناسخ يضطرب في نقل أسماء الأعلام اضطرابا عظيما، يدفعه إلى أن يصور الكلمات كما بدت له من غير إنعام نظر ولا روية، وقد وقع في تكرار جمل بل أسطر برمتها ولم يتفطن البتة، وقد يتفطن فيشطب على المكرر وقد يدعه من غير شطب، لكنه يقطع النساخة ويفصل بين ما تقدم بفراغ يسير كالمهلة.
وتفاوتت عناية الناسخ بما ينسخ بين بداءة النص ونهايته، فاغتنى في مبدأ أمره بكتابة علامة التحديث وبداية الفقرات بالحمرة، ثم اعتراه الملال أو غيره فانقطع
_________
(١) عادة السفر أن تكون عدة أوراقه مئة وخمسون، وقد يطلق ويراد به الجزء أو الكتاب أو المجلد.
(٢) ن مبحث أصالة النسخة.
стр. 169
عن هذا؛ وأراه ـ حسبما يأتي دليله - لم يقابل نسخته بالأصل، أو أعجل عن القيام بذلك بالعضل أو الاضطرار، ففوت من التصحيح شيئا كثيرا، وأضر بنسختنا هاته أي ضرر، وعنانا في تتبع هناته وزلقاته فكسر منا الذراع، وقد قيل: إذا نسخت ولم تقابل، فارم في المزابل! ومع أن أواخر القرن الثامن - أوان كتابة النسخة في الظاهر - احتفظ بصبابة باقية من تنوق الخط الأندلسي، رفع الخط المغربي بها الرأس، إلا أن خط ناسخنا فوت كل ذلك، والظاهر أن البلوى بعموم رداءة النساخة كان أمرا فاشيا في المغرب في هذه الفترة المضطربة، حتى قال ابن عباد الرندي الفاسي (ت ٧٩٢ هـ)، إبان إقامته بسلا، مخاطبا أبا زكريا يحيى السراج الفاسي (ت ٨٠٥ هـ): «على أن من ارتضي خطه هاهنا ممن هو متصد للنسخ معدوم» (١).
وقد شان النسخة أمور أربعة كفيل أيها أن يصرف عن معاناتها، فكيف إذا اجتمعت كلها:
ولو كان رمحا واحدا لا تقيته … ولكنه رمح وثان وثالث (٢)!
فمنها: كثرة التضحيفات والأغلاط - وهي القاصمة ـ، وكثرة البياضات والفراغات، ووقوع أسقاط أضرت بالنص، وإدراج ما ليس منه فيه، وأغلب هذا المدرج طرر وحواش طرزت الأصل، غم على الناسخ تمييزها فحشرها في المتن، ولم نخلصه إلا بإعمال نظر مضن وإنفاق وقت غير يسير.
ولكننا لا نروم من وراء هذا الكلام التهوين من شأن الناسخ ولا من نسخته؛ فكفى به إحسانا أن أناط به الله إحياء سفر عظيم من أسفار تواريخ المحدثين، ولكن
_________
(١) نزهة الناظر المتأمل: (٢٨٩).
(٢) من شهير إنشادات القاضي أبي بكر ابن العربي الإشبيلي (ت ٥٤٣ هـ).
стр. 170
واجب البيان عند وقت الحاجة أفضى بنا إلى ما ترى من التعريف، ونحن نستنزل له شآبيب الرحمة، وفيوضات الغفر، ونتمنى أن نكون شركاء له في الأجر.
٢ - أصالة النسخة:
حالنا مع هذه النسخة كحال «طفيلي ويقترح»، فما إن عثرنا عليها على عجرها وبجرها، حتى تمادى بنا الطمع في أن لو كنا قد استمسكنا بأصل عتيق يهون ما عنانا من سقمها، ويدفع عنا كثيرا من الاضطراب في تعيين صواب بعض مشكلاتها، ومع أن تقييد الفراغ من النسخة يوفر لها قدرا من الوثاقة، ويضمن لها أمرين جليلين، أحدهما: أنها منتسخة برسم أمير هو «الحاكم المعظم الأسنى أبو زكريا يحيى بن محمد»، وثانيهما: أن تاريخ تمام النسخ كان سنة ٧٧٤ هـ، وهو تاريخ متقدم إذا ما روعي أن ذكر الكتاب والنقل عنه سينقطع تقديرا في منتصف القرن الثامن، مع إفادة الذهبي منه في تاريخ الإسلام، وما تناسل عنه من التصانيف.
وفوق هذا كله، فالنسخة مغربية الإسناد، مغربية الوراقة، مغربية النساخة، مراكشية القرار، بما يستشف من عبارة الختم، وبما أثبتته وقفية الكتاب، وذلك مما يحتاج إلى مزيد بسط في الكلام، وأوله أن لنا ملاحظات تبديها:
١ - يبعد أن تعرى نسخة خزائنية عن العنوان أو على ما يدل عليه، فإن هذا غير خليق بصنعة ناسخ من النساخ السوقة (١)، بله أن يكون مرتسما بالنساخة للأمراء والوجهاء.
٢ - ليس في النسخة «ترجمة» (٢)، بل سقطت منها عناوين تسعة فصول، وليس
_________
(١) هذا إن كان في النساخين سوقة، ففي التعبير مسامحة، وإلا فهم أشراف جميعهم على اختلاف في الدرجات.
(٢) هي السرلوحة في اصطلاح المشارقة.
стр. 171
هذا عادة مما يقع في النسخ الخزائنية؛ فإن الاستدلال عليها يقع بمجرد صفحها، لمزيد العناية بها وتذهيبها، ونسختنا هذه عارية عن كل ذلك، بل إنها غير مسفرة البتة، وليست مفروطة ولا عليها أثر عمل المجلد، وإنما بقيت كما كانت كراريس مخيطة، ولعل الناسخ أعجله أمر ما أو عالجه صارف قاهر، فترك الكتاب منقوصا.
٣ - لا يقع الناسخ عادة في الخطأ في تاريخ نسخه؛ فقد سقط له من تقييد الختام عبارة ألحقت بالطرة، وظاهر أن في الكلام سقطا ذهب معه تعيين اليوم والشهر، أو إجمالا زهد معه في التفصيل، وللتفاصيل أحيانا خطرها الذي لا ينكر.
ونص التقييد في الغاشية: «نسخ هذا الكتاب للحاكم المعظم الأسنى أبي زكريا يحيى بن محمد، أحيا الله ذكره، وبلغه أمله، وأدام سعادته، وخلد أيامه غرة. وكان الفراغ منه في فاتح أربع وسبعين وسبع مئة، عرفنا الله خيره، وكفانا شره».
فانظر كيف غابت العبارات المشكوكة التي درج عليها في مخاطبة الأمراء والملوك حينها، من قوله: «سيدنا ومولانا» وما يجري مجراه.
٤ - أن الناسخ لم يحل صاحب الوقت، بغير «الحاكم المعظم الأسنى»، ولم يسمه أميرا ولا خليفة ولا ملكا ولا سلطانا، وفي هذا ما فيه.
٥ - أن الدعاء بضريب قوله: «أحيا الله ذكره، وبلغه أمله»، «وأدام سعادته»، لا تناسب سلطانا دانت له الأمور، وتفنن في تصاريفها، وقوبل بالخوف والرهبة والخنوع، بقدر ما توافق أميرا متغلبا حديث عهد بحكم، أو ثائرا مستبدا ينازعه الناس المطاوعة، لكنه يتألف قلوبهم حتى تمكنه منهم الفرصة، ولا ذكر تبعا لذلك لتحليات «أمير المومنين» أو «الخليفة» أو «الملك» أو «السلطان» (١)، فإن انضاف إلى
_________
(١) ن نماذج عن تحليات السلاطين في تضاعيف العز والصولة للنقيب ابن زيدان، بجزئيه.
стр. 172
هذا دعاء الناسخ في آخر الأمر بقوله: «عرفنا الله خيره، ووقانا شره»، علم أن الناسخ لم يرتسم بالخطة كما هي العادة، ولا له فيها باع؛ إذ ليس من الآداب السلطانية ولا خدمة الملوك ذكر الشر بإثر ذكرهم؛ لما فيه من قلة الأدب وسوء الفأل.
ولعل مرد ما وقع للناسخ من اضطراب أنه وجد نفسه في ظرف استثنائي، صار بموجبه ناسخا لثائر متمرد، انفرد عن السلطة المركزية بحكم مراكش، أو أمير نوزع الملك، فأعوزته خبرة الخدمة، أو أخطأته الكياسة، فنسخ مثلما ينسخ لعامة الناس، وزاد فترك الكتاب خلوا من عنوان وترجمة، بل عناوين فصول، وتردد في الختم، وأفصحت يده الرعشة عن خوف دفين.
ولكن قلم الناسخ - على ما أسلفت - أفصح في حيزه اليسير عن أمر لا يفهم إلا بمعرفة حال المغرب - ومراكش تحديدا - في تلك الفترة، فنطقت عباراته بالدلالة على أن الزمن كان زمن فتنة، أو على الأقل لم يكن زمن استقرار، وأن استتباب الأمن إن وقع، فإنما يعد بأيام نحسات، وأن المنتسخ أنجز في وضع خاص.
ومع هذا الاستنتاج الملح، لم يناسب أن يكون المقصود بالحاكم المعظم الأسنى أبا زكرياء يحيى الحفصي (تولى سنة ٦٢٥ هـ، إلى حدود وفاته سنة ٦٤٧ هـ) (١)؛ فإنه
_________
(١) من قرائن استبعاد هذا الاحتمال بالكلية: اتساع الهوة بين صنيع ناسخنا وبين صنيع أحد نساخ أمراء الدولة الحفصية، فبينا تضاءل حجم الإجادة عند الأول، ترقى الآخر سلم الرسوخ، فيصف الباحثون نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٣٤٦ أدب، من لزوميات أبي العلاء المعري بقولهم بعد كلام: «كتبها من يدعى عبد الواحد بن عبد الرفيع، لمكتبة الأمير الأجل المرتضى أبي زكريا بن الشيخ المعظم أبي محمد بن الشيخ المعظم أبي حفص، وفرغ منها في أواسط شهر صفر سنة ٦٣٩ هـ … ثم قابلها على أصله حسب طاقته. وتمتلئ النسخة بالشروح القيمة التي تدل على قدرة صاحبها اللغوية الفائقة … كذلك تكشف النسخة عن قدرة كبيرة تمتع بها الناسخ في يقظة التتبع، ودقة الضبط، وجمال الخط». =
стр. 173
ما من مائة تربط النسخة بتونس، وصاحب تونس «عادة لا يدعى بالحاكم المعظم؛ فهو إما السلطان، أو الأمير، أو أمير المؤمنين». كما عبر صديقنا المؤرخ التونسي د. إبراهيم جدلة (١).
_________
= من مقدمة اللزوميات (١/ ٦ - ٧). وليس من نسبة بين العملين، فيفت هذا في عضد عد الأول من نساخ الحفصيين.
ومن قبيله أيضا ما نجده في ختام رسالة الصاهل والشاحج، لأبي العلاء المعري، من نسخة الخزانة الحسنية بالقصر الملكي بالرباط رقم ٨٠٢، وهي مما كتب برسم الخزانة الحفصية، وهي نسخة «عالية المستوى في الضبط والإتقان والتجويد، ويشهد ضبطها بتمكن من العربية ودراية بسياق النص»، على حد تعبير دة. عائشة عبد الرحمن رحمها الله (مقدمتها: ٦٥)، ووقع في تقييد الختم تأريخها في أول العشر لمحرم، عام ثمانية وثلاثين وست مئة أي سنة قبل التي قبلها، وهذا من عجيب الاتفاق .. مع عبارة الناسخ: «كتبها بخطه للأمير الأجل، الملك الميمون المبارك، الأسعد المؤيد المنصور أبي زكريا بن الشيخ المكرم المعظم المقدس الأطهر أبي حفص، أيد الله أمرهم، وأعز نصرهم، وأوزع الكافة شكرهم، كما طيب في الأفواه ذكرهم: عبدهم المسترق، ومملوكهم المستحق، يحيى بن إبراهيم بن ( … ). ثم قابلها وقيد شرحها وطررها على حسب طاقته، وضبطها بقدر استطاعته». ون صورة هذا التقييد في مطبوعة رسالة الصاهل والشاحج: (٨٣).
وثالث الأمثلة ما تجده في نسخة دار الكتب المصرية (٧٩٤) حديث طلعت من كتاب المفصح المفهم لابن هشام الخضراوي الأندلسي (ت ٦٤٦ هـ)، المكتوبة برسم أبي زكريا الحفصي؛ فإنها بخط صحيح متقن. ن الكتاب: ٢٠ - ٢١.
_________
(١) من رسالة جوابية لفضيلته، بتاريخ ٢٣ مارس ٢٠١٣. ون فخامة التحليات في تقييد ختام المخطوطتين المذكورتين أعلاه.
стр. 174
وكل ما يلابس النسخة يفصح عن أنها مغربية الدار، مراكشية القرار، وأول ذلك: أن نسختنا ثاوية ببلدنا، محبسة على جامع من عريق جوامعه. وثانيها: أن شبهة الانتماء تقوى بما نعلم أن تاريخ أبي حفص الفلاس كان من ذخائر الخزانة الموحدية، وأنه مما فاخر بتملكه من الأصول أبو الحسن ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ) في بيان الوهم والإيهام (١)، فناسب أن لا يعدم عنها فرع. وثالثها: أننا نرجح أن يكون الأمير المقصود أبا زكريا يحيى (المعتصم) بن محمد (الناصر) بن يعقوب المنصور الخليفة الموحدي (ولايته: ٦٢٤ - ٦٣٣ هـ)؛ فإن هذا بويع على استحياء وتردد من شيوخ الموحدين وهو غلام حزور، بعد بيعتهم للمأمون وقتلهم للعادل، وامتنع من هذه البيعة عرب الخلط وقبائل هسكورة، ولم يستتب له الأمر قط؛ إذ لم يزل مدته في منازعة للمأمون وولده الرشيد، إلى أن قتل (٢). وهو يوم مات، ترك البلاد تضطرم نارا، قد توالى عليها الخراب والفتن، والقحط والغلاء الشديد، والخوف بالطرقات، وقد تكالب العدو على أكثر بلاد المسلمين بالأندلس، وبنو حفص قد استبدوا بإفريقية، وبنو مرين قد دخلوا المغرب واستحوذوا على جميع بواديه، وأخرجوا عليها عمالهم وحفاظهم» (٣). وأعرب عن الحال بألخص مما مر ابن أبي زرع حين قال عن المأمون: «وكانت أيامه كلها شقية في منازعة يحيى، افترق الموحدون فيها فرقتين، فصارت الدولة دولتين» (٤).
ثم إننا نظرنا إلى تاريخ تقييد الفراغ، فأفضى بنا إلى استحالة أن يكون تاريخ النسخة المنقول عنها؛ لأنها تؤوب إلى عصر الأمير أبي زكريا يحيى الموحدي،
_________
(١) بيان الوهم والإيهام: (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧؛ ر: ١٩٣٢).
(٢) ن تفصيل ذلك في الأنيس المطرب لابن أبي زرع: (٣٢٥ - ٣٢٧).
(٣) المصدر نفسه (٣٢٨).
(٤) المصدر نفسه (٣٣٣).
стр. 175
وهذا توفي سنة ٦٣٣ هـ، فترجع النسخة قطعا إلى تاريخ أقدم، ويبقى باليد أن الناسخ نقل كل ما ألفاه في النسخة الأصل، عدا تاريخ نهاية النسخ؛ فإنه لم يجده أو لم ينقله كما هو، وأثبت تاريخ النسخ الحقيقي ٧٧٤ هـ، ثم تقلبت الأحوال بعد ذلك بالنسخة على وجه لا نعلمه، لتستقر بواحد من المساجد العتق في مراكش.
ولكي لا تذهب بالقارئ المذاهب، يتحصل لدينا مما مر تقديرا: أن أصلا باذخا من الكتاب احتفظ بتعاليق رواته الأندلسيين (١)، كان في خزانة الموحدين بمراكش، ثم انتسخ عنه فرع برسم الأمير أبي زكريا لم يتم انتساخه لاضطراب الأحوال، ثم وجد هذا الفرع على علاته فنقله ناسخ مبتدئ حسبما وجده، ونسخة هذا الكتاب هي التي آلت إلى الأمير الأسعد عبد الله بن محمد الشيخ الشريف الحسني، فحبسها سنة ٩٨٧ هـ على «خزانة الجامع الكبير الجديد … بحضرة مراكش» (٢)، وبسط يد قاضي الجماعة بحضرة مراكش محمد بن عبد الرحمن على حوزه، فحازه للجامع المذكور (٣).
_________
(١) ن وصف النسخة.
(٢) وقفية الكتاب.
(٣) وقفية الكتاب.
стр. 176
٣ - تجزئة النسخة:
تتألف من أجزاء ثلاثة خالصة، وهي بذلك تحقق عيني لفرع عن إحدى نسختي ابن خير الثلاثية التجزئة (١)، التي يلتقي سندها مع صاحبتنا في قاسم بن أصبغ. أما أختها فتقع في جزئين فقط، وهي التي رواها ابن خير من طريق شيخه أبي محمد ابن عتاب، من رواية خالد بن النضر، ويبدو أنها وقعت له منضمة إلى كتاب العلل، فتكون بمجموعها ثلاثة أجزاء (٢).
ولا تنضبط أجزاء نسختنا في عد صفحاتها على الجاري في عرف النساخ، من اطراد التساوي فيه، ولكنها مع ذلك تتقارب، بما يشي أن الأمر منضبط في الأصل المنقول عنه، فيقع للأول ٣٤ صفحة ونصف، وللثاني ٢٦ صفحة ونصف، وللثالث ٣٠ صفحة؛ فيكون الجموع ٤٥ ورقة تقريبا.
وقد ذهل الناسخ عن إثبات بداءة ثاني الأجزاء، ثم تلافاه في الطرة على عجل، وعذيره متابعة الأصل، ولولا أنه سقط مع قدر من النص لم يعبأ به، ولا ألقى إليه بالا، ولا وقف له على طلل، ضرورة خلوه من المواد المسعدة للنساخ، الآخذة بلباتهم برفق، إلى مصاف العلماء المتقنين، وما أسعد المحقق الذي ترفده الأقدار بنسخة زبرها عالم بصير، عكف على تصحيحها وتوثيقها؛ فإنها تعفيه من ضنك شدما أخذ بالخناق.
_________
(١) فهرسته: (٢٦٥).
(٢) المصدر نفسه.
стр. 177
٤ - سند النسخة:
احتفظت نسختنا بسند لا شك أنها تلقفته عارية لا ملكا؛ لانقطاع ذلكم السند وقلة رجاله، وقد كان المفروض أن يتصل حتى يغطي فترة التاريخ إلى القرن العاشر (١)، ويكثر رجاله كثرة تساوق الامتداد الزمني، ولكن كل ذلك لم يقع فدعك منه.
ولكن السند مع ذلك آل إلينا من طريق لم ينقلها أصحاب الفهارس والبرامج والمشيخات، فقد صدرت بالتحديث هكذا: «حدثنا الأسعد، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، قال: حدثني (٢) أبو حفص عمرو ابن علي بن بن بحر السقاء» (٣)، فأما الذي تلقى السماع عن الأسعد فلا قبل لنا بمعرفته؛ إذ أبهم اسمه في تضاعيف الكتاب، وأما اسم «الأسعد» هكذا مجردا، فتتبعناه في صلات الأندلسيين، فإذا هو الأسعد بن عبد الوارث بن يونس بن محمد القيسي، أبو القاسم القرطبي (ت … هـ؟)، «معلم كتاب (٤)، سمع من أسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن، وعبد الله بن يونس، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن قاسم، ونظرائهم، وحدث»؛ هذا سياق ترجمته عند
_________
(١) اعتمادا على تاريخ التحبيس.
(٢) في أخبار الفقهاء والمحدثين (٩٥ - ١٠١؛ رت: ١٣٨)، أنه روى عن أبي حفص عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس.
(٣) لم يسلم السند في الأصل من التصحيف.
(٤) ليت شعري! أي شيء لحق الأمة حتى أرخت رسن أبنائها لجهلة المعلمين، بعد أن كان المكتبون علماء رواة، ومناسبة هذا الكلام ما أفادته ترجمة الأسعد من اشتغاله بالتعليم في الكتاب والتحديث على حد سواء، وهو اقتران دال.
стр. 178
ابن الفرضي (١)، فهو إسناد مسلسل بالأندلسيين عدا المؤلف بالطبع.
وتلتقي هذه النسخة في سندها مع واحد من سندي ابن خير (٢) في قاسم ابن أصبغ، وتتفق معه في العنعنة عن الخشني، وفي هذا تصحيح للنسخة ووثاقة لسندها، وهو سند مغربي صرف.
ويظهر أنه كانت للخشني وعبد الله بن مسرة البربري المغربي (٢٨١ - ٢٩٠ هـ) (٣)، طرز على الكتاب، طرزاها بفوائد من تفسير المؤلف حال قراءتهما الكتاب عليه - كتفسير الداناج في كتاب أبي علي الجياني، ولعل بعض التعليقات التي ألفيناها في نسختنا أو أقحمت باعتساف في متنها من تلك الطرر، فات الناسخ الاهتبال بعظمها، ولا مزية أنه لم يكن من أهل الفن؛ فالتورك عليه في هذا الباب جرح غير مؤثر لا موجب له.
وباد أن الأسعد بن عبد الوارث القرطبي لما قرأ الكتاب على قاسم، وكان هذا ينبه على ما غمض، أو يستدرك أو يصحح؛ احتفظ ببعض تعليقات شيخه، ثم نميت من أصله إلى الفروع التي انتسخت عنه، فكان من حظ نسختنا أن تحتفظ بشيء من ذلك؛ ومثاله ما أقحمه الناسخ في المتن غفلة أو جهلا، ثم تفطن بعد لأي، فقطع النقل على حين غرة - كما هو ظاهر، ورجع إلى الأصل. والمدرج قوله: «نا الأسعد، قال لنا أبو محمد قاسم: هذا غلط نا عنه إسماعيل والترمذي وغيرهما.
وفي غير هذا الموضع: مات سنة عشرة ومئتين، وهو الصواب إن شاء الله. نا قاسم،
_________
(١) تاريخ العلماء والرواة: (١/ ٩٢؛ رت: ٢٤٥). ولا عجب في أن تكون معرفتنا بالرجل من طريق الحميدي؛ فإن الرجل أكثر خبرا بهذا الأمر، وقد وشت الطرر المنقولة عن كتابه في المتشابه في أسماء النقلة أو غيره على كتاب الأمير ابن ماكولا، بتملكه بلا ريب نسخة من كتاب الفلاس.
(٢) فهرسة ابن خير: (٢٦٥؛ ر: ٣٥٩).
(٣) تاريخ الإسلام: (٦/ ٧٧٠؛ رت: ٣٢٣).
стр. 179
قال: ( … )»؛ ثم يتلوه بياض بقدر سطر.
وقوله هذا: «وفي غير … »، ما يشي باستقراء قاسم لنسخته، وعمق معرفته بها، وهو أمر يوجبه رسوخه في العلم، وإدمانه ربما لرواية الكتاب.
ومن المواطن التي تنبه الناسخ إلى انفصالها عن المتن، عند قول الأصل: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: «فتن الناس بقبر عبد الله بن غالب؛ كان الرجل يدخل يده في قبره فيجد ريح المسك». ونجد بعده «وكان رجلا من حدان». فإننا نجد في الحاشية عند عطفة اللحق عبارة «قاله الأسعد البارقاء الأ لـ ( … )»، بعد أن تفطن الناسخ إلى خروج التعليق الثاني «وكان رجلا … » عن أن يكون من كلام الفلاس، وهو أشبه أن يكون تعليقا من الأسعد عن شيخه.
ومن مثل التعاليق على النص - مما ينمى في الأغلب لقرأة الكتاب على المؤلف - ما نجده عند قول الأصل: «وأبو نعامة الجهني، واسمه قيس بن عبادة»، كتب ناسخ الأصل في الحاشية: «ط: ويقال الحنفي». والطاء رمز للطرة فيما أحسب، وهذا ليس من تعليقات الناسخ قطعا؛ لما تدل عليه تضحيفاته من جهل بالفن، فيلزم أن يكون ناقلا عن الأصل المنتسخ منه.
ولائح أن الأصل المنقول عنه جليل؛ فقد نص الناسخ على تمام الكتاب، ثم زاد خبرا آخر، ونقل بإثره عبارة وجدها مقيدة، وهي «تم الكتاب عند أبي محمد» (١)، فإن يكن المقصود قاسم بن أصبغ، فيثبت أن الأصل الأول لنسختنا مصحح مقابل على أكثر من نسخة بضميمة العبارة آنفا، وأن رواية تزيد على أخرى بخبر واحد.
_________
(١) وقعت في الأصل مشتبهة بين أن تكون كما أثبتنا، أو أن تكون «أبي عمر»؛ والراجح أن الناسخ نقل التعاليق التي توجد على نسخته، وقد قابل صاحبها بين رواية أبي محمد قاسم ابن أصبغ وغيره.
стр. 180
٥ - معضلاتها:
أ - بياضات العناوين:
بيض الناسخ لقرابة تسعة من العنوانات، ثم أغفل كتابتها بعد، أو ترك قدر البياض الذي وجده في الأصل المنتسخ عنه، وقد أوقعني ذلك في حيص بيص، وألجأني إلى استقراء رواة كل فضل من تلك الفصول، واقترحت - تبعا لذلك - العنوان المناسب، وفاقا للعنوان الذي سبقه، ومساوقة لنهج المصنف، ثم ألفيت بعد الفراغ بعض ما اقترحته - لا كله - بنصه في مصادر سميتها في موضعه؛ فلله الحمد.
وإليك العناوين المتلافاة مما أخلت به النسخة:
-[وسكن اليمامة من أصحاب النبي] (١).
-[تسمية من روى عن ابن عباس ممن سكن المدينة] (٢).
-[تسمية من روى عن ابن عباس ممن سكن مكة] (٣).
-[تسمية من روى عن ابن عباس من أهل البصرة] (٤).
-[تسمية من روى عن ابن عباس من أهل الكوفة] (٥).
-[تسمية من روى عنه حميد الطويل] (٦).
-[من سمع منه ابن أبي عروبة] (٧).
- ذكر شيء من أخبار بعض المدلسين:
[أ - ابن أبي عروبة] (٨).
_________
(١) التاريخ: ٤٠ و.
(٢) التاريخ: ٤٠ و.
(٣) التاريخ: ٤١ و.
(٤) التاريخ: ٤١ ظ.
(٥) التاريخ: ٤٢ ظ.
(٦) التاريخ: ٤٤ و.
(٧) التاريخ: ٤٤ ظ.
(٨) التاريخ: ٤٥ ظ.
следующие страницы →