← Тараджим

Тараджим · id 30120

تراجم الأوائل والخلفاء (الأعلام الصغرى)

خير الدين الزركلي

Полный текст (226 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عمر بن الخطاب ولد سنة ٤٠. ق. هـ وتوفي سنة ٢٣ هـ مضى الخليفة الراشد الأول لسبيله بعد أن اختار للمسلمين إماما كان له من الذكر ما لم يكن لأحد من قبله ومن بعده أعني ثاني الخلفاء الراشدين أبا حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، ذلك الرجل الكبير، وما أحسبني إلا على شيء من الجرأة وقد هممت بالإشارة إلى بعض نبأه في صفحات يسيرة من هذا الكتاب الذي يضيق عن الإطالة والإكثار من الأخبار، ولكن قول: ما لا يستطاع كله لا يترك قله، حدا بي أن أقول: كان عمر ﵁ من شرفاء العرب ووجوههم في الجاهلية والإسلام. أما في الجاهلية فكانت له السفارة في قريش، وذلك أنهم إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حتي لمفاخرة جعلوه منافرا وراضوا به. وأما في الإسلام فحسبك أن رسول الله ﷺ كان يدعو ربه أن يعز به دينه، وكان يرزق من التجارة بين الشام والحجاز حتى ولي الخلافة. أسلم قبل الهجرة بخمس سنين ونصر الإسلام نصرا بينا، وكان شجاعا مهيبا طويل القامة، إذا مشى فكأنه راكب والناس يمشون. وبويع بالخلافة سنة ١١ هـ يوم وفاة أبي بكر، فحذا حذوه وسلك سبيله، فسير البعوث وجيش الجيوش؛ فأتم فتح الشام والعراق وفتح القدس والمدائن ومصر والجزيرة، ودون الدواوين على الطريقة الفارسية لإحصاء أرباب الأعطيات وتوزيع المرتبات المالية عليهم، ووضع للمسلمين التاريخ الهجري، وكانوا يؤرخون بالوقائع الشهيرة كعام الفيل وعام الفجار، وكانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير الفارسية والرومية فضرب عمر الدراهم على نقش الكسروية وزاد في

стр. 107

بعضها «الحمد لله» وبعض «محمد رسول الله»، واتخذ بيت مال للمسلمين، وأمر ببناء مدينتي البصرة والكوفة فشيدتا، وهو أول من دعي بأمير المؤمنين، وكانوا ينادونه يا خليفة خليفة رسول الله، فاستثقلت، وضرب بعدله المثل. قال علي بن أبي طالب ﵁: «إن الله جعل أبا بكر وعمر حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة فسبقا والله سبقا بعيدا، وأتعبا والله من بعدهما إتعابا شديدا، فذكرهما حزن للأمة وطعن على الأئمة … » وكان يطوف في الأسواق منفردا ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم، وقصة «اضرب ابن الأكرمين» من غريب أخباره روى أنس بن مالك فقال: بينا كان عمر جالسا أتاه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك، فقال عمر: لقد عذت بمجير فما شأنك؟ فقال: سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص (وهو يومئذ أمير مصر) فجعل يعلوني بسوطه، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فبلغ ذلك أباه عمرا فخشي أن آتيك، فحبسني في السجن، فانفلت منه حتى أتيتك، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج، وقعد عمر مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه، فقام المصري، فرمى إليه عمر بالدرة (وهي سوطه)، وأشار إليه أن يضرب ابن عمرو. قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى اشتهينا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين! فقال المصري: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت، قال: ضعها على ضلع عمرو، قال: يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني، قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع، ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال: يا عمرو! متى

стр. 108

تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ فجعل عمرو يعتذر إليه، ويقول: إني لم أشعر بهذا. قال الغزالي في إحياء علوم الدين: وشهد عند عمر شاهد فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل: فأثنى عليه خيرا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، فقال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى؟ قال: نعم! فقال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل: اذهب فائتني بمن يعرفك. وذكر عنده رجل فقيل: يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من الشر شيئا، فقال: ذاك أوقع له فيه. وكتب إلى أبي موسى الأشعري كتابا يوصيه فيه: نقله ابن قتيبة في عيون الأخبار، نصه: «أما بعد؛ فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني، وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله والآخر للدنيا؛ فآثر نصيبك من الله؛ فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، أخف الفساق واجعلهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد مريض المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك؛ فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطمعك ومركبك ليس للمسلمين مثلها؛ فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة: مرت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلا السمن، وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العاقل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به والسلام».

стр. 109

وهذه خطبة أوردها له أبو جعفر الطبري قال: قال عمر: «إن الله قد ولاني أمركم وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم وإنني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر قد تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي وأتقدم وأبين لكم أمري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذنني إنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله قد وعدكم كرامة كثيرة وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله». ومن كلامه ﵁: لا تؤخر عمل يومك إلى غدك. - لست بخب والخب لا يخدعني. - اتقوا من تبغضه قلوبكم. - إنما مثل العرب: مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده. - لا ينبغي أن يلي هذا الأمر إلا رجل فيه أربع خلال اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، والإمساك في غير بخل، والسماحة في غير سرف؛ فإن سقطت واحدة منهن فسدت الثلاث. - من كتم سره كان الخيار في يده.

стр. 110

- من ذوي القرابات أن يتازوروا ولا يتجاوروا. - تعلموا المهنة؛ فإنه يوشك أحدكم أن يحتاج إلى مهنته. - إياكم والمعاذير؛ فإن كثيرا منها كذب. ولما كان فجر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، ووقف عمر للصلاة بالناس فاجأه فيروز أبو لؤلؤة الفارسي غلام المغيرة بن شعبة فطعنه في خاصرته بخنجر ذي رأسين مسموم فسقط عمر، فانهال الناس على الفارسي يريدون القبض عليه فطعن منهم ثلاثة عشر رجلا هلك سبعة منهم، ثم طعن نفسه فمات منتحرا. واختلف أصحاب الأخبار في الدافع الحقيقي لأبي لؤلؤة على عمله فقيل: إنه شكا لعمر ارتفاع الخراج الذي ضربه عليه مولاه المغيرة فلم يره كثيرا فحقد عليه فضربه. وقيل غير ذلك، وكله وهم وأمور اتخذها الغلام الفارسي ليستر بها مؤامرة سياسية كانت بينه وبين جنينة النصراني من أهل الحيرة، والهرمزان الفارسي، ولا يعلم إن كان ثمة غيرهما فإن عمر أبقى في قلوب الفرس والروم جروحا لا تأسوها اليوم، أو ليس الذي قوض أركان دولة الأكاسرة وزلزل عروش القياصرة بحزمه وبأس رجاله؟ كان فيروز الفارسي رجلا غيورا على أمته أخذته الآلام مما صنع أمير المؤمنين بقومه فأراد الانتقام ففعل ما فعل. وأخذ عمر إلى داره فدعا بعلي وعثمان والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وأمرهم أن يتشاوروا في أمر الخلافة وأن ينتظروا طلحة؛ فإن أبطأ فليقضوا بأحدهم وأن يشهدهم عبد الله بن عمر (ابنه) وليس له أن يولي، وإنما صنع ذلك ليتخلص من تبعة خلفه وليكون أمر المسلمين شورى، وقيل له في ذلك، فقال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني (يريد رسول الله) وإن استخلفت فقد

стр. 111

استخلف عليكم من هو خير مني (يعني أبا بكر)، وكأنه بهذا القول يشير إلى خيرة عرته في الأمر، فاختار سنة النبي الأمين ولم يعهد إلى أحد، وعاش ثلاث ليال ثم لقي ربه. هذا ما اتسع المجال لإيراده من أخبار أعدل الخلفاء وأمير الأمراء (رضوان الله ورحمته عليه) وإن شئت الزيادة فعليك بكتاب أشهر مشاهير الإسلام؛ فهناك نحو ثلاث مئة صفحة جمعت من أخباره ما لا تراه في غيرها. عثمان بن عفان ولد سنة ٤٧ ق. هـ وتوفي سنة ٣٥ هـ توفى الله عمر بن الخطاب (﵁) وترك الأمر شورى في ستة من كبار المسلمين وبعد بحث وحديث طويل تجده في تاريخ الطبري قر رأيهم على أن يكون ثالث الخلفاء الراشدين ذو النورين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية: نودي به خليفة في المسلمين بعد وفاة عمر بثلاثة أيام، وهو أحد الرجال الذين أعز الله بهم الإسلام من السابقين إلى الدين، وله في سبيل الدعوة الإسلامية أياد بيضاء، وهو صاحب جيش العسرة. وذلك أن رسول الله ﷺ لما حشد جيش العسرة في غزوة تبوك وقف في القوم، فقال: «من ينفق اليوم نفقة متقبلة؟» فلم يكن من عثمان إلا أن جهز نصف الجيش من ماله فبذل ثلاث مئة بعير بأقتابها وأحلاسها وتبرع بألف دينار، فقال رسول الله ﷺ : ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. ولما ولي الخلافة كتب إلى أمراء الأمصار يقول: «أما بعد؛ فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة وليوشكن أئمتكم أن يصيروا

стр. 112

جباة ولا يصيروا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم فتعطوهم ما لهم وتأخذوهم بما عليهم ثم تعتنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء». وكتب إلى أمراء الجنود في الثغور: «أما بعد؛ فإنكم حماة الإسلام وذاتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدل بكم غيركم فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه». وكتب إلى عمال الخراج: «أما بعد؛ فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به؛ والأمانة الأمانة: قوموا عليها ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم». وكتب إلى العامة من المسلمين بالأمصار: «أما بعد؛ فإنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع فلا تلفتكم الدنيا عن أمركم؛ فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم وبلوغ أولادكم من السبايا»، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «الكفر في العجمة؛ فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا أو ابتدعوا». وسار عثمان في بادئ الأمر سيرة من تقدمه، ثم ما لبث أن جعل يتشيع لأقاربه من بني أمية فيعزل عن البلاد الأكفاء ويوليها من لا يصلح لها منهم، وقد كان

стр. 113

عمر يتخوف ذلك منه. قال العلامة ابن أبي الحديد في شرح النهج من فصل عقده لذكر ما فقم على عثمان في خلافته: «لما ولي عثمان صحت فيه فراسة عمر؛ فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع وافتتحت أرمينية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان بن الحكم، وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربع مئة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن سيره رسول الله ﷺ ولم يرده أبو بكر ولا عمر وأعطاه مئة ألف درهم، وتصدق رسول الله ﷺ بموضع سوق بالمدينة يعرف بتهروز على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب - وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة - من غير [أن] يشركه فيه أحد من المسلمين، وأعطى أبا سفيان بن حرب مئتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمئة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى فقال للخلفاء شعرا كثيرا لست أدري مبلغه من الصحة، جاء فيه هذان البيتان لعثمان: غنى النفس يغني النفس حتى يكفها … وإن عضها حتى يضر بها الفقر وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها … بكائنة إلا سيتبعها يسر وترجم في كثير من كتب التاريخ الإسلامي ولعلك تجد ما يكفيك في أشهر مشاهير الإسلام.

стр. 114

علي بن أبي طالب ولد سنة ٢٣ ق. هـ وتوفي سنة ٤٠ هـ أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين أبو الحسن، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي: ولد بمكة وأسلم صغيرا وناصر ابن عمه كبيرا؛ فكان من أعظم أعوان رسول الله ﷺ على نشر الدعوة الإسلامية والذود عن حياض شريعة القرآن، وكان ممتازا بثلاث خلال: الشجاعة في الحروب: وهو ابن بجدتها وصاحب الصوت والصيت في المعارك والملاحم، والفقه في الدين، وكان أعلم أصحاب النبي ﷺ بالأحكام وبه يضرب المثل في حسن القضاء، والفصاحة في المنطق، وله الخطب الرنانة والأقوال المتناقلة والكلم السوائر. تولى الخلافة بعد مقتل عثمان (عام ٣٥ هـ) فحدثت في أيامه من وقائع عظيمة أشدها ما كان بينه وبين معاوية مزاحمه الأكبر على الخلافة والداهية الأموي المشهور. يكاد الباحث المؤرخ يوجل من إبداء رأيه في صاحب هذه الترجمة عليه الرضى والسلام لما يراه من اختلاف الناس فيه وإدخال بعض العامة ورهط من الخاصة الحكم عليه في أمور الدين، علي أن العاقل المنصف إذا وجد مجالا للقول لم يسعه إلا أن يجهر بحقيقة ما يجب أن يذكر به هذا الخليفة الراشد مما يكون له أو عليه، لنترك أقوال الغالين في حبه والذين يبلغون به مقام الربوبية أو ما دونها، ولندع التعرض للمفاضلة بينه وبين من تقدمه من الخلفاء؛ فالأولون جهلة أغبياء لا يقاومون بغير التهذيب والتعليم فلا تلبث أن تنقشع عن قلوبهم تلك العماية الرائنة والغواية الكامنة، وأما الخلفاء من الأصحاب فكأصابع الكف للدين، لكل منهم مقام ومنزلة لا ينوب بها عنه الآخر، ولا سيما والشحناء في مثل هذا لا تجدي من أورى بها الزند نفعا.

стр. 115

أما ما شغل جماعات المؤرخين من أنه كان الأحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان، مما يؤدي بفريق من الناس إلى الحط من كرامتهم بنسبتهم إلى الظلم، ثم بأن يقال فيهم ما يقال في الظالم المغتصب، فهذا أيضا أمر مفروغ منه، والذي نعتقده أن أبا بكر كان أرضى الله والناس من سواه لاطلاعه على روح الدين في نشأته الأولى والثانية، حين كان أمير المؤمنين علي يعد في الفتيان، يقوده إلى الدين حبه لرسول الله ﷺ وشغفه بأخلاقه واستحسانه لما جاء به، وأبو بكر من شيوخ المسلمين وأهل الحنكة والدربة والعلم والرأي فيهم، فهو أولى بها، واجتهد أبو بكر في المسلمين فعهد إلى عمر فلم يكن دونه ضبطا للأمور وقياما بمصلحة الأمة، وانتهى الأمر إلى عثمان فكان في عصره ما كان، وجاءت النوبة إلى علي والناس له مريدون عليه مجمعون، فكان (﵁) شديدا في الدين إذا رأى الرأي لم يردده عنه راد يصدع فيما يأمره به قلبه النقي وما يوحي إليه ضميره الطاهر غير وان ولا محاب وأنت ترى أن سياسة الملك ربما قضت على القائم بها أن يغض بصره على بعض القذى وأن يتوقع الفرصة ويتربص للسوانح؛ فهذا ما يأخذه على علي من آخذه، ومن دافع عنه عد تلك الخلال سياسة خداع ودهان، ورأى عليا عليه الرضوان أجدر بأن لا يتصف بها وأحرى بأن يتعرى منها، وذلك ما يظهر لنا في أمره يتجلى لك فيما سنذكره من الكلام على أخباره: قتل عثمان وولي علي بمبايعة الناس له، فلم يكن ليطيب له الصبر وهو يرى البلاد قد طوقت ببني أمية وفيهم الصالح والطالح، فسير الولاة إلى الجهات وعزل بعض من ولاهم سلفه، وكانت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان عداوات و حزازات أشار إليها العلامة ابن أبي الحديد في شرح النهج حكاية عن معاصره أبي جعفر نقيب البصرة، قال (ج ٢، ص ٥٧٩): «وكيف يتوهم من يعرف السير أن معاوية كان يبايع لعلي لو أقره على الشام وبينه وبينه ما لا تبرك الإبل عليه

стр. 116

من التراث القديمة والأحقاد، وهو - أي علي - الذي قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد وجده عتبة في مقام واحد ثم ما جرى بينهما في أيام عثمان حتى أغلظ كل واحد منهما لصاحبه وحتى تهدده معاوية، وقال له: إني شاخص إلى الشام وتارك عندك هذا الشيخ - يعني عثمان - والله لئن أنحضت منه شعرة واحدة لأضربنك بمئة ألف سيف … إلخ». فلما بعث علي الرجال إلى الأمصار سير سهل بن حنيف واليا على الشام؛ فسار حتى بلغ تبوك فإذا خيل من الشام فقالوا: من أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام. قالوا: إن كان بعثك عثمان فحي هلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع، فرجع إلى علي، وبلغ معاوية الخبر فقام في الناس فأخبرهم بأن عليا قتل عثمان وحرضهم على القيام لقتل من اشترك في دمه فاتجهت إليه القلوب، وكان علي ﵁ لما أراد توجيه الأمر بالعزل إلى معاوية وأضرابه من عمال عثمان نهاه أصحابه وأطالوا عليه ولا سيما المغيرة بن شعبة وعبد الله بن العباس وهما من خيرة عقلاء المسلمين ودهاتهم فأبى وأصر (راجع كامل ابن الأثير المجلد الثاني)، قال له المغيرة: «أقرر معاوية وابن عامر - والي البصرة - وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس، ثم اعزل من شئت»، فكان يقول: «لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في أمري»، قال: «فإن أبيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن فيه جرأة وهو في أهل الشام يستمع منه ولك حجة في إثباته، كان عمر بن الخطاب ﵁ قد ولاه الشام»، فقال: «لا والله لا أستعمل معاوية يومين!»، ودخل عليه ابن عباس فحدثه علي بقول المغيرة فقال: نصحك. قال: ولم نصحني؟ قال: «لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى ثبتهم لا يبالون من ولي هذا الأمر، ومتى عزلتهم يقولون أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا ويؤلبون عليك فتنتفض عليك الشام وأهل العراق مع أني لا أمن طلحة والزبير أن يكرا عليك، وأنا أشير عليك أن تثبت

стр. 117

معاوية؛ فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله»، قال علي: «والله لا أعطيه إلا بالسيف»، فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع لست صاحب رأي في الحرب، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحرب خدعة؟ قال: بلى! قال: «والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد، ولا تركتهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا أثم لك … » فأزمع علي على ما ارتأى وبعث الرجال فكان لسهل بن حنيف ما كان فلما عاد وأخبره أخذ يتجهز للزحف على الشام لقتال معاوية [و] من أخذ إخذه، وإذا هم بنبأ جديد، جمع من المسلمين ثاروا عليه في البصرة برأسهم طلحة والزبير الصحابيان الجليلان وعائشة أم المؤمنين وكلهم يتهمونه بقتل عثمان، فحول علي قوته إليهم وتوجه نحوهم فكانت الواقعة المعروفة باسم «وقعة الجمل» حاربهم فيها علي بنصرأة له من أهل الكوفة والحجاز فظفر بهم وفرق جمعهم، فلم يطمئن حتى بلغه وهو في الكوفة أن معاوية يتهيأ للوثوب، فكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى البيعة وليؤكد له أنه بريء، من دم عثمان، فأجابه معاوية بأنه: إن لم يكن هو قاتل عثمان، فإنه يتقمم منهم أنصاره، وأنه لا يبايع إلا بعد أمرين: أن يدفع إليه قتلة عثمان ينتقم منهم، وأن يترك الأمر شورى بين المسلمين كما تركه عمر؛ فإن اتفقوا عليه بايعه، فأغلظ له علي في الجواب، وترا دفت الرسائل بينهما، ولم يشعر علي إلا وأهل الشام زاحفة بجيوشها عليه، فجهز أهل العراق، ومن كان معه من رجال الحجاز وخرج يريد القتال، فتلاقى الجمعان في موضع يقال له صفين (كسجيل: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس) قال ياقوت في معجم البلدان (ج ٥، ص ٣٧٠): «كانت وقعة صفين في سنة ٣٧ في غرة صفر … وكان علي في مئة وعشرين ألفا، ومعاوية في تسعين ألفا، وقتل في الحرب بينهما سبعون ألفا منهم من أصحاب علي خمسة وعشرون ألفا، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا … وكان مدة المقام بصفين مئة يوم وعشرة أيام، وكانت الوقائع تسعين وقعة».

стр. 118

واختتمت تلك الحروب الهائلة في ذلك السبب التافه حتى اتفق الفريقان على تحكيم رجلين منهما والرضى بما يتفقان عليه فاختار معاوية وأصحابه عمرو بن العاص القائد الداهية، واختار أصحاب علي أبا موسى الأشعري أحد الأشراف وكان في سن الشيخوخة؛ فخدعه عمرو في حديث طويل (تراه في تاريخ الطبري وابن الأثير) فخلع أبو موسى صاحبه عليا، وأثبت عمرو صاحبه معاوية، وعلي في الكوفة ومعاوية في الشام، فانصرف الناس كل فريق إلى صاحبه وسلم أهل الشام على معاوية بالخلافة، وأسف علي على ما كان ثم خرجت عليه الخوارج فما زال في حروب وخطوب حتى اعترضه عبد الرحمن بن ملجم المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه وهو واقف بباب مسجد الكوفة يصيح بالناس: «الصلاة الصلاة» فضربه بسيفه فأصاب قرنه وفر فشد عليه الناس فأمسكوه، وأخذ علي إلى منزله فجمع بنيه وأوصاهم بما يصلح به دينهم ودنياهم وأمرهم أنه إذا مات فليقتلوا ابن ملجم ولا يمثلوا به، ففعلوا ذلك، ودفن أمير المؤمنين بالكوفة عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة، وقال القلقشندي: دفن بالنجف. ولم يتسع أجل علي (كرم الله وجهه) لتكون له أوليات كبيرة، وإنما عرف له منها أنه أول من وضع «بيت القصص» وهو غرفة يلقي بها الناس رفاعهم وشكاواهم، وتبعه بمثله بعض خلفاء بني العباس (ذكره ابن أبي الحديد). وأما خطبه وأقواله فقد جمعت في كتاب سمي «نهج البلاغة» وربما شك بعض الناس في نسبة جميعه إلى علي، وهو في أعلى طبقة من طبقات كلام البشر يحسن بكل مشتغل في اللغة والأدب والإنشاء أن يكثر من تلاوته، وقد شرحه أحد كبار علماء المعتزلة ابن أبي الحديد شرحا وافيا (انظر ترجمة ابن أبي الحديد)، وفي هذا الشرح الكبير تجد جميع أخبار أمير المؤمنين وجانبا عظيما من أخبار صدر الإسلام والمباحث الجدلية والفلسفية النافعة.

стр. 119

ومن كلامه: المرء مخبوء تحت لسانه، الناس أعداء ما جهلوا، لا راحة لحسود، لا مروءة لكذوب، الراحة مع اليأس، من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه واستخفاف به، كفى أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك، من أكثر من شيء عرف به الناس، من خوف الذل في الذل، خير أموالك ما كفاك، وخير إخوانك من واساك، من عذب لسانه كثر إخوانه، بالبر يستعبد الحر، إذا تم العقل نقص الكلام، النصح بين الملأ تقريع، من أكثر فكره في العواقب لم يشجع، من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل. وجاء في إحدى خطبه بصفين يوصي الجيش: «لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم؛ فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا ولا تأخذوا مالا ولا تهيجوا امرأة وإن شتمتكم؛ فإنهن ضعاف الأنفس والقوى». ومن كلامه: قصم ظهري رجلان؛ عالم متهتك، وجاهل متنسك، هذا ينفر الناس بتهتكه، وهذا يضل الناس بتنسكه، ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض. وقال لابنه الحسن: يا بني، ابذل لصديقك كل المودة ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة، وأعطه كل المواساة ولا تفش له كل الأسرار. وقال: من كثر دينه لم تقر عينه، من فعل ما شاء لقي ما ساء، من استعان بالرأي ملك ومن كابد الأمور هلك، من حسنت ساستة دامت راسته، من ركب العجلة لم يأمن الكبوة. وعنه ﵁: الوحدة راحة، والعزلة عبادة، والقناعة غنى، والاقتصاد بلغة، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير، ولا تعرف الناس إلا بالاختبار؛ فاختبر

стр. 120

أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، والتودد والملق عند عطلتك، لتعلم بذلك منزلتك. وجاء في خطبة أثبتها له الجاحظ في البيان والتبيين: أما بعد؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة؛ فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وألزمه الصغار، وسيم الخسف، ومنع النصف، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم - يريد بني غامد - ليلا ونهارا سرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقتل ابن حسان البكري وأزال خيلكم من مسالحها وقتل منكم رجلا صالحين، وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع أحجالها وقلبها ورعثها، ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم حلما فلو أن امرأ مسلما مات من بعدها أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان عندي جديرا بها فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في باطلهم وفشلكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى وفينا ينهب، يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون فإذا أمرتكم بالسير إليهم في الحر قلتم حرارة القيظ أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم أمهلنا حتى ينسلخ عنا القر كل هذا فرارا من الحر والقر؟ فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر، يا أشبه الرجال ولا رجال! ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الخجال! وددت أن الله أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضني إلى رحمته من بينكم والله لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفتكم، والله حرت ندما وورثتم صدري غيظا وجرعتموني الموت أنفاسا وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع، ولكن لا علم له بالحرب الله أبوهم! وهل منهم أحد أشد

стр. 121

لها مراسا وأطول لها تجربة مني؟ لقد مارستها وما بلغت العشرين فيها وقد نيفت على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع». قال الجاحظ: وهذه الخطبة خطب علي بها الناس وهو جالس على باب السدة، أقول: وذلك في الكوفة؛ فإنه كان اتخذها دار إمارة له. وروى له أصحاب المجاميع والأقاصيص شعرا جعلوه في كتيب سموه (ديوان علي بن أبي طالب)، وجله أو كله مما ينطق ببراءته من علي لبعده عن بلاغة معاني أمير المؤمنين وضخامة ألفاظ ذلك الجيل العربي المحض وما يذكرونه ويعزونه إليه أشبه بشعر الفقهاء والمؤدبين فأين هو من ناشر لواء البلاغة (عليه رضوان الله وسلامه)، وقرأت في تاريخ النحاة للسيوطي كلمة نقلها عن المرزباني قال: ما صح عندنا ولا بلغنا أن علي بن أبي طالب قال شعرا إلا هذين البيتين: تلكم قريش تمنتني لتقتلني … فلا وربك ما برؤوا ولا ظفروا فإن هلكت فرهن ذمتي لهم … بذات روقين لا يعفو لها أثر * * *

стр. 122

بنو أمية في الشام توطئة مضى الكلام في الصحف السالفة على القسم الأول من كتاب الملوك والأمراء، وكان بها الكلام على الخلفاء الراشدين (رضوان الله عليهم أجمعين)، وهذا هو القسم الثاني نورد فيه تراجم ملوك بني أمية في الشام وهم الذين ورثوا الخلافة الإسلامية عن الحسن بن علي بن أبي طالب كما جاء في الكلام عليه، وإنما خص بالذكر من كان في الشام منهم إعلاما بأن ملوك الأندلس الذين من أصل أموي سيجري البحث عن رجالهم في فصل آت. والدولة الأموية أسسها في الشام [و] أول أمرائها معاوية بن أبي سفيان، وكان كما سترى في ترجمته أميرا على الشام من قبل عمر ابن الخطاب، ثم أقره على ولايته عثمان بن عفان وأراد علي بن أبي طالب عزله عنها فوثب عليه وألبس السياسة ثوبا دينيا فادعى أنه لا يحارب عليا من أجل ملك أو رياسة، وإنما هو يعتقد أن عليا قتل عثمان أو اشترك بدمه فهو يريد قتلته ويطلب دمه على نحو ما أوردنا في ترجمة علي وانتهى الأمر بأن كان في المسلمين خلافتان في زمن واحد: راشدية في العراق، وصاحبها علي بن أبي طالب، وأموية في الشام وصاحبها معاوية بن أبي سفيان، فلما قتل علي بايع أصحابه ابنه الحسن فصالح الحسن معاوية وولاه الخلافة فصفت لابن أبي سفيان يتوارثها بنوه من بعده، وبنو هاشم في معزل عنها يتطالون إليها، ولا يطولونها، حتى آلت إلى بني مروان وهم فرع من بني أمية وسنذكرهم في المبحث القادم بعد الكلام على معاوية وبنيه إن شاء الله ولا قوة إلا به.

стр. 123

معاوية بن أبي سفيان ولد سنة ٢٠ ق. هـ وتوفي سنة ٦٠ هـ بنو أمية بطن من قريش كبني هاشم، وهم من ذوي السيادة والرياسة في هذه القبيلة، وإنما قدم عليهم الهاشميون برسول الله ﷺ ؛ فلما لقي ربه طمحوا نحو الإمرة من بعده، فتولاها أبو بكر فصبروا، وعمر فانكمشوا، وصارت إلى عثمان فأحياهم وأنعش آمالهم وفرقهم ولاة وحكاما في البلاد. أما معاوية وهو صاحب هذه الترجمة، فأبوه أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: ولد بمكة وأسلم يوم فتحها (سنة ٨ هـ)، وكان من ذوي الرأي والدهاء عارفا بالكتابة وهي فضل كبير في ذلك الحين فجعله رسول الله ﷺ في كتابه. ولما ولي أبو بكر ولاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان فكان على مقدمته في فتح مدينة صيدا، وعرقة، وجبيل، وبيروت. وآل الأمر إلى عمر بن الخطاب (﵁) فولاه ولاية الأردن، فرأى فيه معرفة وحزما؛ فلما مات أخوه يزيد وكان والي دمشق ولاه عمر بدلا منه. وجاء عثمان وصلة النسب تربطهما فجمع له الديار الشامية معها وجعل ولاة أمصارها تابعين له، فشرع معاوية يتحبب إلى أهل الشام ويدني رؤساؤهم من حضرته حتى استألفهم واستمالهم إليه، ومات عثمان فقام علي مقامه، وهو الأمر الذي تكرهه أمية لعلمها بأن الخلافة متى توارثتها قريش حرمت هي منها: فأعد معاوية العدة واتخذ قتل عثمان ذريعة له يستحث به الجموع على قتال علي وأصحابه وكان بينهما ما أسلفنا ذكره في ترجمة علي من الحروب والوقائع بصفين وانتهى الأمر بإمامته على الشام وإمامة علي في العراق، ثم قتل علي

стр. 124

وبويع بعده ابنه الحسن فسلم الخلافة إلى معاوية (انظر ترجمته الحسن بن علي)، وذلك في عام ٤١ هـ، وهو المعروف بعام الجماعة لاجتماع المسلمين فيه يدا واحدة على إمام واحد، ودامت له الخلافة حتى بلغ سن الشيخوخة فعهد بها إلى ابنه يزيد. ومات بدمشق فدفن في مقبرة باب الصغير. ذلك إجمال في سيرة معاوية مؤسس دولة بني أمية، ومن عظماء ملوك العرب وخلفائهم، وهو أحد كبار الفاتحين، بلغت فتوحاته المحيط الأتلانطيقي [الأطلنطي]، وكان واليه على مصر عمرو بن العاص (الآتي ذكره) فافتتح السودان سنة ٤٣ هـ، وفي هذه السنة غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان من بلاد السند فأصاب مغانم كثيرة عاد بها إلى معاوية ورجع إلى الغزو فقتل في بعض بلاد السند، وكان عدد السفن في أيام معاوية ١٧٠٠ سفينة كاملة العدة، وهو أول مسلم ركب بحر الروم للغزو، وذلك حينما كان عاملا على الشام في خلافة عثمان بن عفان، وفي أيامه فتح كثير من الجزائر اليونانية والدردنيل وحاصر القسطنطينية بحرا وبرا سنة ٤٨ هـ فلم يتمكن من فتحها وأصيبت سفنه بخسائر فادحة فعاد ما بقي منها، وهو أول من جعل دمشق مقر خلافة، وأول من اتخذ المقاصير (وهي الدور الواسعة المحصنة)، والحرس والحجاب، ولم يكن ذلك للخلفاء الراشدين لازدرائهم تلك المظاهر والزخارف وبعدهم عن أبهة الملك وقناعتهم بما كانوا عليه قبل الخلافة من السذاجة والتقشف وأما معاوية فلم يتسن له ذلك في بلاد ألفت أنظارها ما كان عليه ملوكها السابقون من الروم، وربما سخرت بمن كان دونهم وعدته دخيلا على الرياسة، حديث عهد بالإمارة، وهو أول من خطب قاعدا لأنه كان بطينا بادنا، وأول من قدم الخطبة على الصلاة في يوم الجمعة، وكانت الخطبة بعد الصلاة فخاف معاوية أن يتفرق الناس عنه قبل أن يتم ما يريد أن يقول فقدمها: وتابعه المسلمون حتى اليوم، وهو أول من جلس بين الخطبتين وبقيت بعده إلى يومنا هذا، وفي أنساب

стр. 125

العرب للقلقشندي أنه كان طويلا أبيض جميلا مهيبا، قال: وكان عمر ينظر إليه فيقول: هذا كسرى العرب! وفي سنة ٥٠ هـ سار إلى المدينة بموكب حافل فألقى بها عدة خطب وكان قوي المنطق جيد البديهة سريع الخاطر، ومن أحسن ما تتمثل به سياسته في قوله في بعض خطبه: «يا أهل المدينة إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق يعيبون الشيء، وهم فيه: كل امرئ منهم شيعة نفسه، فأقبلونا بما فينا؛ فإن ما وراءنا شر لكم، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت ولو قد أتى، فالرتق خير من الفتق، وفي كل مقال بلاغ ولا مقام على الرزية». ودخل دار عثمان بن عفان - في المدينة - فصاحت عائشة بنت عثمان وبكت ونادت أباها، فقال معاوية: «يا ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا ذلا تحته حقد، ومع كل إنسان سيفه ويرى موضع أصحابه؛ فإن نكثناهم نكثوا بنا ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس». وخطب في المدينة أيضا فقال: «أيها الناس، إن أبا بكر (﵁) لم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان فنال منها ونالت منه، وأما أنا فمالت بي وملت بها؛ فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم». وكان يضرب المثل بحلم معاوية ومن أخباره أنه كان لعبد الله بن الزبير أرض مجاورة لأرض فيها عبيد لمعاوية من الزنوج يعمرونها فدخلوا في أرض عبد الله فكتب إلى معاوية: «أما بعد؛ فإنه يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من الدخول في أرضي كان لي ولك شأن!»، فلما وقف معاوية على الكتاب دفعه إلى ابنه يزيد فلما قرأه قال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تنفذ إليه جيشا أوله عنده وآخره

стр. 126

عندك يأتونك برأسه، فقال: يا بني عندي خير من ذلك علي بدواة وقرطاس، وكتب: «وقفت على كتابك يا ابن حواري رسول الله ﷺ وساءني والله ما ساءك، والدنيا هيئة عندي في جنب رضاك، وقد كتبت على نفسي برقما بالأرض والعبيد، وأشهدت علي فيه ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام»، فلما وقف عبد الله على كتاب معاوية كتب إليه: «وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام»، فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله رماه إلى ابنه يزيد فلما قرأه أشرق وجهه، فقال: «يا بني إذا رميت بهذا الداء داوه بهذا الدواء». ويذكر في الاتفاقات الغريبة أن أول ملوك بني أمية اسمه معاوية وآخرهم معاوية، وأول ملوك الدولة الأيوبية صلاح الدين يوسف وآخرهم صلاح الدين يوسف، وأول ملوك بني العاص مروان وآخرهم مروان وأول ملوك الفاطميين عبد الله وآخرهم عبد الله. يزيد بن معاوية ولد سنة ٢٥ وتوفي سنة ٦٤ هـ ما ينس المسلمون لا ترهم ناسين فاجعتهم الكبرى بابن بنت نبيهم وفادحتهم العظمى بأحب الناس إليهم تلك الجريمة المؤلمة التي اقترفها صاحب هذه الترجمة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثاني ملوك بني أمية: عهد معاوية إلى يزيد بالخلافة فلما مات تولاها وانضم إليه من أخلصوا في حب أبيه وفاء له وتنفيذا لعهده، وكان يزيد فتى لهو وقصف، ولكنه عارف بالأدب روي له من الشعر رقيقه، ولم تصف له الخلافة، بل كثرت في عهده الثورات وامتنع كثير من الناس عن مبايعته والرضى بخلافته، فقامت الفتنة في العراق ودعا أهل الكوفة الحسين ليبايعوه؛ فلما ارتحل إليهم اعترضه بكربلاء عمرو بن سعد ابن أبي وقاص قادما

стр. 127

من قبل عبيد الله بن زياد، وكان يزيد قد كتب إليه يأمره بتوجيه من يقاتل الحسين قبل أن يبلغ الكوفة، فحاربوه، وقتله شمر بن ذي الجوشن، وأتي برأسه إلى دمشق على ما قدمنا في ترجمته (انظر ترجمة الحسين)، فلما ذاع خبره كان عبد الله بن الزبير بمكة فحض أهل مكة والحجاز على الثورة فبايعوه، واتفق أهل المدينة على خلع نائب يزيد، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان فطردوه من المدينة، وعلم يزيد بما حدث فوجه مسلم بن عقبة في عشرة آلاف مقاتل فساروا إلى المدينة فافتتحوها وجعلها مسلم مباحة للسلب والنهب ثلاثة أيام، ثم رحل عنها يريد مكة؛ فمات في طريقه بموضع يعرف بالمشكل، وأقام نائبا عنه الحصين ابن نمير، فقدم مكة، فقاتله ابن الزبير فلم يزل بها حتى جاءه خبر موت يزيد فعاد بجيشه إلى الشام. هكذا تجد المسلمين بعد اشتغالهم بفتح البلدان وتوسيع سلطة الدولة الإسلامية وتوطيد أزكانها عادوا فشغلوا بأنفسهم، يقتل بعضهم بعضا، ويحارب الرجل قريبه ونسيبه وحبيبه، ثورات في البلاد على كل مستخلف فيهم وخروج وعصيان وخوف مستمر: كأنما القوم عادت جاهليتهم … لهم فما أغنت الآيات والنذر وفي أيام يزيد فتح المغرب الأقصى على يد الأمير عقبة بن نافع، وكان قد وجهه يزيد إلى إفريقية فلما بلغ القيروان جمع من بها من الجند ودخل مدينة باغاية فحاربه أهلها وكانوا من الروم، ثم أغلقوا أبوابها، فأراد حصارهم ولكنه اختار قصد غيرها، فسار إلى بلاد الزاب فامتلك مدينتها العظمى إربه، وسار إلى طنجة ومنها عاد بغنائم وافرة. فانظر هداك الله إلى المسلمين في ذلك الحين لو وجهوا سيوفهم التي يضربون بها وجوههم إلى بلاد الأعداء وأمصار الروم وغيرهم هلا كانوا بلغوا أقاصي

стр. 128

الأرض وأطاعهم الناس أجمعون؟ وأنت ترى أن جيشا قليل العدد قليل العدد يتوغل يحارب البرابرة والروم ويرجع ولواؤه يخفق بالظفر والغنم والربح. وكانت وفاة يزيد بجوار أبيه من أرض حمص لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأولى، وعمره تسع وثلاثون سنة، وخلد في صحيفة بني أمية تلك النقطة السوداء التي لن تزول، وقد سبق القول بأن ليزيد شعرا مرويا فلا نرى بأسا من ذكر شيء منه، وإن كنت لا أثق بصحة كل ما ينقل عنه من هذا النوع؛ فمن ذلك قصيدة تنمى إليه في كتب الأدب قال: خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني … رأيت بعيني في أناملها دمي ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها … بلى خبروها بعد موتي بمأثمي لها حكم لقمان وصورة يوسف … ونغمة داود وعفة مريم ولي حزن يعقوب ووحشة يونس … وآلام أيوب وحرة آدم إلى أن يقول: ولما تلاقينا وجدت بنانها … مخصبة تحكي عصارة عندم فقلت: خضبت الكف؟ بعدى، وهكذا … يكون جزاء المستهام المتيم فقالت وأبدت في الحشا حرق الجوى … مقالة من في القول لم يتبرم وعيشك ما هذا خضابا عرفته … فلا تك بالبهتان والزور متهمي ولكنني لما رأيتك نائيا … وقد كنت لي كفي وزندي ومعصمي بكيت دما يوم النوى فمسحته … بكفي وهذا الأثر من ذلك الدم ولو قبل مبكاها بكيت صبابة … بسعدي شفيت النفس قبل التندم ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا … بكاها فكان الفضل للمتقدم

стр. 129

وتنسب له القصيدة المشهورة التي مطلعها: نالت على يدها ما لم تنله يدي … نقشا على معصم أوهت جلدي ويروى له هذان البيتان: دعوت بماء في إناء فجاءني … غلام به خمرا فأوسعته زجرا فقال: هو الماء القراح وإنما … تبدى به خدي فأوهمك الخمرا وهو صاحب الأبيات التالية قالها حين جاءه النبأ بموت أبيه، وكان غائبا عن دمشق: جاء البريد بقرطاس يخب به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم … قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأن أغبر من أركانها انقلعا ثم انبعثنا إلى خوص مزممة … نرمي العجاج بها ما نأتلي سرعا فما نبالي إذا بلغن أرحلنا … ما مات منهن بالموماة أو طلعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كذا [ك] كنا جميعا قاطنين معا أغر أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أخلاقهم قرعا لا يرقع الناس ما أوهى ولو جهدوا … أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا قال الشافعي: والبيتان الأخيران سرقهما من الأعشى.

стр. 130

معاوية بن يزيد ولد سنة ٤١ ومات سنة ٦٤ هـ لما مات يزيد بايع أهل الشام ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية ثالث ملوك بني أمية وأضعفهم فتولى الملك ثلاثة أشهر بعد أبيه وأصيب بأمراض حالت بينه [وبين] شؤون الخلافة والنظر في مصالح الناس فأمر فنودي: «الصلاة جامعة» فاجتمع الناس فقام فيهم خطيبا فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ فإن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به، ثم تقلده أبي، ولقد كان غير خليق به، وصرت أنا الثالث والساخط علي أكثر من الراضي، وقد ضعفت عن أمركم، ولا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، فقد خلعت بيعتي من أعناقكم». ثم دخل منزله وأغلق بابه وأقام يعبد الله حتى مات، ولم يعش في الرواية المشهورة أكثر من أربعين يوما. * * *

стр. 131

ملوك بني مروان صلة رأيت في ترجمة «معاوية بن يزيد» آخر أبناء معاوية بن أبي سفيان، كيف ترك الخلافة للناس دون أن يعهد أو يوصي واعتذر عن نفسه بأنه لم يجد الرجل الذي يحق له أن يركن إليه ويعتمد في أمور المسلمين عليه، وأنت ترى أن المسلمين كانوا على عهد والده في نفور واضطراب وسخط فلما بلغهم موته، وتولية ابنه معاوية المعروف بالضعف وقصر اليد قويت شوكة الثائرين، فبويع لابن الزبير بالخلافة في الحجاز وامتدت سلطته إلى المدينة ومصر فسير إلى المدينة أخاه عبيد الله بن الزبير، وإلى مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهري، واليين عليهما، وأبعد بني أمية ومروان بن الحكم إلى الشام، وانبثت الدعاة إلى ابن الزبير بحمص وقنسرين وفلسطين والعراق، ولا سيما حين استقال معاوية من الملك وتركه لمن لا يعرف من يكون، واختلف أهل دمشق وفيهم مريدون لابن الزبير. ومبايعون لمروان بن الحكم، ثم انتهى الأمر باجتماع الشاميين على مروان وهو ابن الحكم بن العاص بن أمية، أموي ولكنه غير معاو فكان أول من ملك من هذا البيت وترادفت أبناؤه من بعده وبويع ابن الزبير في الحجاز والعراق فاجتمع للمسلمين خليفتان حتى كان زمن عبد الملك بن مروان فوجه الحجاج إلى ابن الزبير فقتله وصلبه، ثم نشأت الثورة العباسية على ما سيذكر إن شاء ربك. * * *

стр. 132

مروان بن الحكم ولد سنة ٢ وتوفي سنة ٦٥ هـ علمت ما كان في أيام معاوية بن يزيد من تركه للملك على ما تقدم بيانه وقلنا: إن أهل الشام اتفقوا على مروان بن الحكم بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو أموي قرشي. وكان شيخا كبير السن، ولد بمكة وانتقل إلى المدينة حتى كانت أيام عثمان ابن عفان جامع شتات بني أمية بن عبد شمس فقربه عثمان إليه وجعله أحد خاصته الذين يرجع إلى آرائهم ويعتمد عليهم في المعضلات ولما قتل عثمان انصرف إلى مكة وأقام يتردد بين الحجاز والشام حتى طرده ابن الزبير من مكة، فانصرف إلى الشام وهي بلا خليفة بعد انفصال معاوية بن يزيد عن الخلافة، فبويع مروان بها لسنه وقربه من عثمان وأمويته فهدأ الشام وخرج إلى مصر فصالحه أهلها، وكانت قد فشت فيها البيعة لابن الزبير فوثق منهم مروان وولى عليهم ابنه عبد العزيز وعاد إلى الشام، ورجا أن تصفو الخلافة لبنيه إلا أنه خاف مطالبة خالد بن يزيد بن معاوية بها متى كبر، وكان آنئذ صغيرا فرأى أن يستميله فتزوج أمه. وبقي مروان في الملك تسعة أشهر وثمانية عشر يوما، حتى دخل عليه يوما خالد بن يزيد في شأن له فشتمه مروان وسب أمه فانحرف إليها ونقل لها الكلام فانتظرته حتى أقبل فوضعت على وجهه وسادة ضخمة بعد أن اضطجع وأمرت الجواري فقعدن عليها فصاح واستنجد فلم يغثنه فمات مخنوقا (قاله ابن الأثير)، وقال القلقشندي: توفي بالطاعون بدمشق.

стр. 133

عبد الملك بن مروان ولد سنة ٢٦ وتوفي سنة ٨٦ هـ ما انفكت خلافة الأمويين في اضطراب وتزلزل منذ غادر الحياة معاوية الأول حتى انقلبت ألعوبة في أيدي الرجال، فقاذف لها زاهد بها، ومتلقف لها راغب فيها ومشرئب إليها طامع بانتقالها إليه، بحيث لم تستقر على حال واحدة إلا في زمن صاحب هذه الكلمة وهو: أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، انتقلت إليه الخلافة بموت أبيه مروان سنة ٦٥ هـ فبويع في دمشق وأعظم ما يهدد ملكه استفحال أمر عبد الله بن الزبير في الحجاز والعراق، فلما بويع قام في الناس خطيبا فقال: «أيها الناس إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا بالخليفة المداهن - يريد معاوية الأول - ولا بالخليفة المأفون - يريد يزيد بن معاوية فمن قال برأسه كذا - أي امتنع - قلنا له بسيفنا كذا - أي ضربناه - ثم نزل». وعلم عبد الملك أن ابن الزبير وجه المختار الثقفي إلى الكوفة أميرا عليها فجهز عبد الملك جيشا فيه عبيد الله بن زياد ورجال من كبار القادة عنده فأرسل المختار جيشا لقتال عبيد الله بقيادة إبراهيم ابن الأشتر، فالتقى الجيشان بالجازر (قرية من نواحي النهروان من أعمال بغداد قرب المدائن) فقتل عبيد الله بن زياد وأصحابه وأخذت رؤوسهم إلى ابن الزبير، فلما بلغ عبد الملك ذلك عظم عليه فنادى أهل الشام فلم يلبوه، وكان في رجال شرطته الحجاج بن يوسف، وهذا أول ما اشتهر به فتقدم إلى عبد الملك فسأله أن يسلطه عليهم، فقال: قد سلطتك!! فانصرف من مجلسه لا يمر على رجل من أهل الشام قد تخلف عن القيام إلا أحرق عليه داره، فجزع الناس واتجهوا إليه فجهزهم عبد الملك وسار بهم يريد العراق، وخرج إليه مصعب بن الزبير بأهل البصرة والكوفة فالتقوا بين

стр. 134

الشام والعراق، وكان عبد الملك كتب كتبا إلى رجال من وجوه أهل العراق يدعوهم إلى نفسه ويجعل لهم الأموال، فلما تلاقى الفريقان انضم رجال مصعب إلى عبد الملك، وبقي مصعب في قليل من أصحابه فأتاه غلام لعبيد الله ابن ظبيان فأعان عليه مولاه عبيد الله بن ظبيان فقتلاه (وستأتي ترجمة مصعب في القواد)، ودخل عبد الملك الكوفة، فبايعه الناس فجاءه الحجاج فقال: رأيت في المنام كأني أسلخ ابن الزبير من رأسه إلى قدميه، وكان عبد الملك قد رأى من الحجاج حزما وشدة بأس فقال له: أنت له، فخرج الحجاج بجيش كثيف يريد عبد الله بن الزبير. وفي سنة ٧٢ هـ كان في منى ثم حصر ابن الزبير في مكة ونصب المجانيق على جبالها ونواحيها يرمي أهلها بالحجارة، وانتهى القتال بقتل عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين في العراق والحجاز، فأرسل الحجاج رأسه إلى عبد الملك بن مروان في دمشق، ونصب للناس راية الإمارة فجعلوا يغدون عليه، فلم ينصرف عن الحجاز إلا وهي مبايعة لعبد الملك وبهذا سكنت الفتنة واجتمع المسلمون مع عبد الملك واستتب له الأمر فيهم، ودامت له الخلافة العامة بعد مقتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر. وكان يقال: معاوية للحكم، وعبد الملك للحزم، وكان ملكا جبارا على من عانده وقوي الهيبة شديد السياسة، حسن التدبير، جمع بين العلم والعقل. قال الشعبي: ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك فإني ما ذاكرته حديثا ولا شعرا إلا زادني فيه. وقال نافع وهو من مشاهير القراء: لقد رأيت أهل المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان. وفي أيامه كانت تكتب الدواوين باللغتين الفارسية والرومية فأمر بترجمتها

стр. 135

ونقلت إلى العربية، وهي مأثرة تذكر، وكانت الرعية كما علمت من ترجمة عمر ابن الخطاب وغيره تتكلم بحضرة الخلفاء وترجع إليهم في جميع أمورها؛ فنهاهم عبد الملك عن ذلك وجعل الكلام لخاصته ومن أراد من العلماء والأمراء. وهو أول من سك الدنانير في الإسلام، وكان عمر قد سك الدراهم كما أسلفنا، وكأني بعبد الملك اتخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إماما له يقتدي به في سياسته وأعماله فإنه أتم مشروعين جليلين بدأ بهما عمر، وهما: الدواوين، وضعها عمر على نسق الفرس بلغتهم ونقلها عبد الملك إلى العربية، والدراهم: نقشها عمر فتابعه عبد الملك بنقش الدنانير، ولعل هذا كان سر صفاء الأمر له وخلوه من المكدرات. وفي مراسلاته وكتبه تجد عقلا كبيرا وحبا للخير جما: كتب إليه الحجاج بن يوسف عامله على العراق في شأن عروة بن الزبير عامل اليمن، وكان قد لجأ إلى عبد الملك: «بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد؛ فإن لو ذان المعترضين بك وحلول الجانحين إلى المكث بساحتك واستلافتهم دمث أخلاقك وسعة عفوك كالعارض المبرق لأعدائه، لا يعدم له شائما رجاء استمالة عفوك، وإذا أدني الناس بالصفح عن الجرائم كان ذلك تمرينا لهم على إضاعة الحقوق مع كل ضال، والناس عبيد العصا هم على الشدة أشد استباقا منهم على اللين ولنا قبل عروة بن الزبير مال من مال الله، وفي استخراجه منه قطع لطمع غيره فليبعث به أمير المؤمنين إن رأى ذلك والسلام». فأجابه عبد الملك: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين رأك مع ثقته بنصيحتك خارطا في السياسة ضبط عشواء الليل؛ فإن رأيك الذي يسول لك أن الناس عبيد العصا هو الذي أخرج رجالات العرب إلى الوثوب

стр. 136

عليك، وإذا أخرجت العامة بعنف السياسة كان أوشك وثوبا عليك عند الفرصة ثم لا يلتفتون إلى ضلال الداعي ولا هداه إذا رجوا بذلك إدراك الثأر منك، وقد وليت العراق قبلك ساسة وهم يومئذ أحمى أنوفا وأقرب من عمياء الجاهلية وكانوا عليهم أصلح منهم عليك، وللشدة واللين أهلون، والإفراط في العفو أفضل من الإفراط في العقوبة والسلام». وفي أيام عبد الملك ضبطت الحروف العربية النقط والحركات؛ فعل ذلك نصر بن عاصم النحوي المتوفي سنة ٩٠ هـ، ولما حضرت عبد الملك الوفاة جمع أبناءه وقال يعظهم: «أوصيكم بتقوى الله؛ فإنها عصمة باقية، وجنة واقية وهي أحصن كهف وأزين حلية، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير مع سلامة الصدور والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والفرقة والخلاف، فيهما هلك الأولون، وذل ذوو العز المعظمون كونوا بني أم بررة لا تدب بينكم العقارب، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب؛ فإنهم أصون له وأشكر لما يؤتى إليهم منه، وتعهدوا ذنوب أهل الذنوب فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا»، ثم أقبل على ابنه الوليد ولي عهده فقال: «لا ألفينك إذا مت تعصر عينيك! وتحن حنين الأمة! ولكن شمر واتزر والبس جلد نمر! وذلني في حفرتي وخلني وشأني وعليك وشأنك، ثم ادع الناس إلى البيعة؛ فمن قال برأسه كذا (لا) فقل بالسيف كذا (اضرب عنقه)»، والجملة الأخيرة أثبتها مترجموه له مرتين، حين ولي وحين ولى، كما رأيت، ومات في منتصف شوال فدفن خارج باب الجابية. لخصت هذه الترجمة من الكامل لابن الأثير (المجلد الثالث)، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح، والعقد الفريد لابن عبد ربه (ج ٢)، وفوات الوفيات (ج ٢)، والمعارف لابن قتيبة وغيره.

стр. 137

الوليد بن عبد الملك ولد سنة ٤٨ وتوفي سنة ٩٦ هـ اتصف أكثر الملوك من بني مروان بصفات جعلت لهم فضلا كبيرا على العالم الإسلامي؛ ففيهم الزاهد الناسك في غير ضعف، والمؤطد السائد في غير عنف، والعمراني الفاتح، والرجل الصالح، مما لا ينكره المنكر ولا يجحده الجاحد، وكان عمرانيهم الأكبر وصاحب الآثار فيهم مترجمنا هذا. وهو: أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي القرشي، ولي الخلافة بعهد من أبيه عبد الملك (سنة ٨٦ هـ)، والبلاد مطمئنة والمسلمون ساكنون، فوجه القواد لفتح البلاد فكان من رجاله موسى بن نصير، ومولاه طارق بن زياد، فسيره الوليد إلى بلاد المغرب (سنة ٨٩ هـ)، وموسى سير طارقا، فاجتاز طارق جبال البيرة، وهي سلسلة جبال تفصل بين مملكة أسبانيا (الأندلس) وفرنسا، وافتتح الجانب الجنوبي من فرنسا، وأوشك يتوغل في أوروبا، إلا أن موسى حسده ولحق به وأهانه وأوقفه عن السير وقيل: إنه سجنه فبلغ الوليد ذلك فطلب موسى إلى الشام وضربه وطرده إلى مكة، حيث كانت وفاته، وأصبحت جبال البيرة (أو البرينات) حدا بين العرب والعجم. وامتدت في زمنه المملكة العربية شرقا إلى بلاد الهند فتركستان فحدود الصين، بحيث بلغت مسافتها ستة أشهر بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، قال أحد المؤرخين: فتح المسلمون في ثمانين عاما ما لم تفتحه الرومان في ثمان مئة. أما ولوع الوليد بالبناء والعمران فكان غريبا جدا، قال ابن الأثير في حوادث سنة ٨٨ هـ: «وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز - والي المدينة - يأمره بتسهيل الثنايا وحفر الآبار وأن يعمل الفوارة بالمدينة فعملها وأجرى ماءها

стр. 138

فلما حج الوليد ورآها أعجبته فأمر لها بقوام يقومون عليها، وأمر أهل المسجد أن يستقوا منها وكتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطرق وعمل الآبار، ومنع المجذومين من الخروج على الناس وأجرى لهم الأرزاق». اهـ. والوليد أول من أحدث المستشفيات في الإسلام وأمر ببنائها مؤاساة للمرضى والمصابين بعقولهم، وجعل لكل أعمى قائدا يتقاضى نفقاته من بيت المال ولا عمل له إلا قيادته والنظر في شأنه، وأقام لكل مقعد خادما، ونشط القراء المشتغلين بحفظ القرآن الكريم فخصص لهم أموالا تكفيهم وتمنعهم من أن يكونوا عالة على الناس أو يتخذوا القرآن حرفة يعيشون بها كما هو الحال اليوم في بلاد المسلمين من تكسب القراء بالقراءة، حتى دخلت علينا بدعة من أسوأ البدع في الإسلام، وهي بيع الختمة بقيمة محتومة وهم يحتالون على الله فيجعلون الدراهم هبة ويهبون الختمة لروح الميت ولو امتنعت من بذل المقابل من الأجرة لضنوا على دفينك بالكلمة يتلونها والحرف يجودونه، وهذا بحث يجر إلى سواه فلنتركه إلى الباحثين من علماء الدين. وأقام الوليد بيوتا ومنازل تأوي إليها الغرباء وتهوي عليها الضيفان كما هو الشأن في قبائل العرب والآخذين إخذهم، وهدم مسجد المدينة والبيوت المحيطة به ثم بناه بناء جديدا، فجعل مساحته مئتي ذراع في مئتين (ذراعا هاشميا، وهو نحو نصف الذراع الشامي)، ودفع أثمان البيوت من بيت مال المسلمين، وصفح الكعبة والميزاب والأساطين في مكة، وبنى المسجد الأقصى في القدس، أرسل إليه الصناع والعملة من الشام، والمأثرة الخالدة للوليد بناؤه مسجد دمشق المعروف بالجامع الأموي وهو من أشهر مساجد البلاد الإسلامية وفيه قبر ماريوحنا، وكان كنيسة لنصارى الشام فلما فتح خالد بن الوليد دمشق ودخلها عنوة من جانبها الشرقي دخل الكنيسة، وقد علم أن أبا عبيدة بن الجراح دخلها صلحا من الجانب الغربي فاتفق المسلمون مع الروم على أن يجعلوا النصف

стр. 139

الشرقي مسجدا ويبقى النصف الغربي كنيسة، فلما استخلف الوليد الأموي دعا النصارى إلى أن يعوضهم عن ذلك الجانب الغربي الذي بأيديهم مكانا غيره في دمشق، فأبوا فانتزعه قهرا وضمه إلى النصف الأول. وكتب إلى ملك الروم والقسطنطينية أن يوجه إليه اثنى عشر ألفا من صناع بلاده فأبى فهدده فأذعن وبعث بهم وأنفق على بنائه، كما نقل ابن جبير في حلته عن ابن المعلى الأسدي (١١.٢٠٠.٠٠٠) أي نحو ستة ملايين ليرة إنكليزية من نقود زماننا، وعلق فيه ست مئة سلسلة ذهبية للمصابيح، وملأ جدرانه كلها بفصوص الفسيفساء ممزوجا بها أنواع من الأصبغة الغريبة تمثل أشجارا وأغصانا بديعة الصنع، بدأ فيه سنة ٨٨ هـ، ومات ولم يكمله فأتمه أخوه سليمان، وقد وصف ابن جبير هذا المسجد وصفا شاملا فارجع إليه إن شئت ولا بأس بنقل النبذة التاريخية الآتية عنه قال: «وله - أي الجامع الأموي - أربعة أبواب باب قبلي، ويعرف بباب الزيادة وله دهليز كبير متسع له أعمدة عظام وفيه حوانيت للخرزيين وسواهم، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين - لعلها المعروفة بالصاغة اليوم - وهي كانت دار معاوية (﵁) وتعرف بالخضراء، وباب شرقي، وهو أعظم الأبواب ويعرف بباب جيرون، وباب غربي، ويعرف بباب البريد، وباب شمالي، ويعرف بباب الناطفيين، وللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة يفضي كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها مداخل للكنيسة فبقيت على حالها وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون، ليخرج من هذا الباب إلى بلاط طويل عريض قد قامت أمامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة أعمدة طوال، وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي (﵄)، ثم نقل إلى القاهرة وبإزائه مسجد صغير ينسب لعمر بن عبد العزيز … إلخ».

стр. 140

و بالجملة فقد كان هذا المسجد من مفاخر الأبنية الإسلامية و لما ولي عمر ابن عبد العزيز أتاه جمع من النصارى و أروه عهدا في أيديهم من الصحابة بإبقاء جانب الغربي لهم فهم بإعادته إليهم، ثم عوضهم منه بمال عظيم أرضاهم به فقبلوه. وأحرق هذا الجامع مرات متواليات آخرها في عهدنا هذا، و بناؤه اليوم يختلف كثيرا عن شكله الأول؛ فإنه الآن مسجد متسع عمارته لا تزيد عن عمارة غيره من المساجد العظيمة المبنية في الأزمنة المتأخرة وفيه كثير من آثاره لا تزال كمشهد الحسين وبعض الأعمدة وشيء من الفسيفساء في الجانب الشمالي من داخله، وقد أطلنا في الكلام عليه حتى كدنا نخرج عن موضوعنا. وامتدت الخلافة للوليد تسع سنين و ثمانية أشهر أبقى فيها آثارا جليلة وذكرا حسنا، وكان محبا للنساء كثير الزوجات، قيل: إن عدد اللواتي تزوجهن ينيف على الستين، وكان كثير الصدقات والمبرات والخيرات، وكانت وفاته بدير مران في غوطة دمشق، ودفن بها وقيل في خارج الباب الصغير. وهذه الترجمة لخصتها من كتب كثيرة أوثقها: (الكامل: ج ٤، ٥)، و شذرات الذهب، والفخري لابن الطقطقي، ورحلة ابن جبير، وتاريخ الشام لابن عساكر .. و غيرها. سليمان بن عبد الملك ولد سنة ٥٤ وتوفي سنة ٩٩ هـ لم يكن صاحب هذه الترجمة من أولئك الرجال الذين حالفهم التوفيق فشادوا وسادوا ولكنه قصرت مدته و حاول القيام بعمل عظيم فلم يفلح وكان الناس قد استبشروا بتوليه بعد أخيه، وذلك أنه بويع يوم وفاة أخيه الوليد وهو بالرملة سنة ٩٦ هـ فلم يتخلف عن مبايعته أحد لرسوخ قدم هذه الأسرة في منصب الخلافة

стр. 141

ولكره الناس المشاغب بعد ما قاسوا وما عانوا في أيام مروان ومن تقدمه، وكان الحجاج بن يوسف قد توفي سنة ٩٥ هـ، أي قبل تولية سليمان بسنة والناس له كارهون، ومن شدته مشتكون، فسرهم موته ثم استخلف سليمان فأملوا به خيرا؛ فإنه أطلق الأسرى وأمر بإخلاء السجون والعفو عن المجرمين وأحسن إلى الناس بما علقهم بحبه، وعهد أولا بالخلافة إلى ابنه أيوب، فمات في حياته فعهد إلى وزيره ومشيره ابن عمه عمر بن عبد العزيز الملك الصالح، وكان الناس يعرفون صلاحه وحسن دينه وفضله، فشملهم السرور وسموا سليمان: مفتاح الخير. وهو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، وكان موصوفا بالفصاحة وجودة الفهم والفطنة وحب الخير والعدل والميل إلى فتح البلدان والغزو. وفي سنة ٩٨ هـ أراد أن يقرن اسمه بأسماء كبار الفاتحين فجهز الجيوش والسفن وسيرها بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك لحصار القسطنطينية فلما بلغها خدعته الروم وأصاب الجيش جوع شديد ومحنة وبلاء ولم يزل بها حتى بلغه موت أخيه سليمان، وتولية عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر أن يعود فعاد، ولم يصب نجاحا، وفي أيام سليمان فتحت جرجان وطبرستان من بلاد الترك ولم تكن أمصارا، بل هي جبال ومخارم وأبواب يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد. وكانت عاصمة دمشق عاصمة آبائه، وأما إقامة مدة خلافته فأكثرها كان في دابق من أرض قنسرين، وبها مات ودفن ولم يحكم غير سنتين وثمانية أشهر إلا أياما، وكان معجبا بنفسه، لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتي! فمات قبل تمضي عليه جمعة، ونظرت إليه جارية فقال: ما تنظرين؟ فقالت:

стр. 142

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما علمته فيك عيب … كان في الناس غير أنك فان عمر بن عبد العزيز ولد سنة ٦٢ هـ وتوفي سنة ١٠١ هـ لعلك تجد في بعض كتب التاريخ والسير اسم هذا الخليفة الأموي مقترنا بلقب: خامس الخلفاء الراشدين؟ وأنت تعلم أن زمرة الراشدين قد ذهب بهم وذهبوا به فكيف عادت تلك النغمة المحبوبة والذكرى المصطفاة؟ فاعلم أن صاحب هذه الصحيفة وهو: أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم: الخليفة المرواني الأموي القرشي: هو الرجل الفذ الذي سلك طريقة الراشدين واهتدى بهديهم ونسج على منوالهم، هو الملك الناسك والخليفة الصالح والإمام العابد، مولده بحلوان قرب القاهرة، ولما شب ولي إمارة مصر، ثم استوزره سليمان بن عبد الملك، وولي الخلافة بعهد من سليمان ولم يكن يعلم به؛ فلما مات سليمان (سنة ٩٩ هـ) أقبل رجاء بن حياة أحد المقربين من سليمان وكان ذا رأي وفضل فنادى بالناس فاجتمعوا إليه في مسجد دمشق فابتدأ يقرأ عليهم عهد سليمان إلى عمر، وعمر بناحية من المسجد يستمع كغيره فلما ذكر اسمه وكان يخشى أن يكون هو المولى وهذه صورة العهد: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر ابن عبد العزيز: إني قد وليتك الخلافة بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطعيوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم».

стр. 143

فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. فأسرع إليه رجل من ثقيف يقال له سالم، من أخوال عمر، فأخذ بضبعيه فأقامه، فالتفت إليه قائلا: أما والله ما الله أردت بهذا ولن تصيب بها مني دنيا! ثم أجلسه رجاء بن حياة على المنبر فأقبلت الناس تبايعه وهم يبكون على سليمان، ثم وقف عمر فحمد الله وصلى على نبيه وقال: «أيها الناس، إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه ولا طلبة ولا مشورة من المسلمين، إني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم غيري»، فصاحوا كلهم: قد اخترناك ورضيناك، فقال: «أوصيكم بتقوى الله؛ فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف واعملوا لآخرتكم فإن من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، والله إني لا أعطي أحدا باطلا ولا أمنع أحدا حقا، من أطاع الله وجبت طاعته ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله؛ فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم». ولما نزل أتي بمراكب الخلافة ولكل دابة سائس، فقال: ما هذا؟ فقيل: مراكب الخلافة. قال: دابتي أوفق لي، وركب دابته وصرفت تلك الدواب، فقيل له: أمنزل الخلافة نبغي؟ قال: لا؛ فإن فيه عيال أبي أيوب - يعني سليمان بن عبد الملك - وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، ولما استقر به مجلسه دعا بكاتب واحد فجعل يملي عليه الرسائل إلى العمال، فكان فيما كتبه كتاب إلى عبد الرحمن بن نعيم: « … أما بعد؛ فاعمل عمل من يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين». وإلى سليمان بن أبي السرى: « … واعمل خانات فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة وتعهدوا دوابهم، ومن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا به فأبلغه بلده». وكتب إلى عامل الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب:

стр. 144

«أما بعد؛ فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان فلا يكون شيء أهم إليك من نفسك فلا تحملها قليلا من الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر - يريد في أمر الجباية - وخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين ولا هدية النوروز والمهرجان ولا ثمن الصحف ولا أجور الفتوح ولا أجور البيوت، ولا درهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض فاتبع في ذلك أمري فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مئة ليحج بها والسلام». وقال في إحدى خطبه وقيل في خطبته الأولى: «أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه ولا يغتابن أحدا ولا يعترض فيما لا يعنيه». ودخلت عليه امرأته فاطمة فرأته يبكي وهو في مصلاه فقالت: أحدث شيء؟ فقال: إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع، والغازي والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذوي العيال الكثير، والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت حجتي فرحمت نفسي فبكيت. وأول حسنة قام بها عمر أنه منع سب علي بن أبي طالب وكان الخلفاء من بني أمية يسبونه ويعزون إليه أمورا مستكرهة فكتب عمر ابن عبد العزيز إلى عماله أن يستعيضوا عنها بآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى

стр. 145

عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (النحل:/ ٩٠). فكان ﵀ من الخلفاء الأتقياء سكن إليه الناس واطمأنوا وآمنت الرعية في زمنه؛ لأنه كان لا يحابي ولا يراعي وإنما الناس في الحقوق سواء عنده كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم، سيدهم وحقيرهم. كتب إليه عامل حمص يقول: إن هذه المدينة تحتاج إلى حصن، فوقع له في الكتاب: حصنها بالعدل. ومن كلامه: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، وقوله: لولا أن ذكر الله فرض علي لما ذكرته إجلالا له. وكان قد شرع بأمر لا يصدر عن غيره ولو طالت مدته لأتمه ولكن المنية التي لم تمكنه من المكوث في منصب الخلافة غير سنتين وخمسة أشهر ونصف شهر حالت بينه وبين ما أراد، وذلك أنه هم بنزع الأموال والزخارف التي كان يملكها رجال من بني أمية وهو يعلم أنها إنما أخذت سلابا وانتهابا من بيت مال الأمة فرأى أن يعيدها إلى مصدرها، ولكنه خاف الفتنة وقيام الثورة فجعل يمهد السبل رجاء أن يعيش فيظهر ما عول عليه، وشعر بذلك بعض أهله فدسوا له السم في الدسم فمرض أياما، وتوفي ﵀ وهو بدير سمعان من أرض المعرة فدفن به وقبره يزار إلى اليوم. قال الشاعر: دير سمعان لاعدتك الغوادي … خير ميت من آل مروان ميتك وقد جمعت سيرته وأخباره في عدة مصنفات منها كتاب بقي بن مخلد الأندلسي، وهو مفقود فيما أحسب، وكتاب أبي الفرج ابن الجوزي: سماه سيرة عمر بن عبد العزيز وهو مطبوع في مصر صفحاته تقارب ست مئة، وترجمه أكثر أصحاب التراجم والتواريخ.
следующие страницы →