ولكره الناس المشاغب بعد ما قاسوا وما عانوا في أيام مروان ومن تقدمه، وكان الحجاج بن يوسف قد توفي سنة ٩٥ هـ، أي قبل تولية سليمان بسنة والناس له كارهون، ومن شدته مشتكون، فسرهم موته ثم استخلف سليمان فأملوا به خيرا؛ فإنه أطلق الأسرى وأمر بإخلاء السجون والعفو عن المجرمين وأحسن إلى الناس بما علقهم بحبه، وعهد أولا بالخلافة إلى ابنه أيوب، فمات في حياته فعهد إلى وزيره ومشيره ابن عمه عمر بن عبد العزيز الملك الصالح، وكان الناس يعرفون صلاحه وحسن دينه وفضله، فشملهم السرور وسموا سليمان: مفتاح الخير.
وهو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، وكان موصوفا بالفصاحة وجودة الفهم والفطنة وحب الخير والعدل والميل إلى فتح البلدان والغزو.
وفي سنة ٩٨ هـ أراد أن يقرن اسمه بأسماء كبار الفاتحين فجهز الجيوش والسفن وسيرها بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك لحصار القسطنطينية فلما بلغها خدعته الروم وأصاب الجيش جوع شديد ومحنة وبلاء ولم يزل بها حتى بلغه موت أخيه سليمان، وتولية عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر أن يعود فعاد، ولم يصب نجاحا، وفي أيام سليمان فتحت جرجان وطبرستان من بلاد الترك ولم تكن أمصارا، بل هي جبال ومخارم وأبواب يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد.
وكانت عاصمة دمشق عاصمة آبائه، وأما إقامة مدة خلافته فأكثرها كان في دابق من أرض قنسرين، وبها مات ودفن ولم يحكم غير سنتين وثمانية أشهر إلا أياما، وكان معجبا بنفسه، لبس يوما حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتي! فمات قبل تمضي عليه جمعة، ونظرت إليه جارية فقال: ما تنظرين؟ فقالت:
стр. 142
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما علمته فيك عيب … كان في الناس غير أنك فان
عمر بن عبد العزيز
ولد سنة ٦٢ هـ وتوفي سنة ١٠١ هـ
لعلك تجد في بعض كتب التاريخ والسير اسم هذا الخليفة الأموي مقترنا بلقب: خامس الخلفاء الراشدين؟ وأنت تعلم أن زمرة الراشدين قد ذهب بهم وذهبوا به فكيف عادت تلك النغمة المحبوبة والذكرى المصطفاة؟ فاعلم أن صاحب هذه الصحيفة وهو:
أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم: الخليفة المرواني الأموي القرشي: هو الرجل الفذ الذي سلك طريقة الراشدين واهتدى بهديهم ونسج على منوالهم، هو الملك الناسك والخليفة الصالح والإمام العابد، مولده بحلوان قرب القاهرة، ولما شب ولي إمارة مصر، ثم استوزره سليمان بن عبد الملك، وولي الخلافة بعهد من سليمان ولم يكن يعلم به؛ فلما مات سليمان (سنة ٩٩ هـ) أقبل رجاء بن حياة أحد المقربين من سليمان وكان ذا رأي وفضل فنادى بالناس فاجتمعوا إليه في مسجد دمشق فابتدأ يقرأ عليهم عهد سليمان إلى عمر، وعمر بناحية من المسجد يستمع كغيره فلما ذكر اسمه وكان يخشى أن يكون هو المولى وهذه صورة العهد:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر ابن عبد العزيز: إني قد وليتك الخلافة بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطعيوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم».
стр. 143
فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون. فأسرع إليه رجل من ثقيف يقال له سالم، من أخوال عمر، فأخذ بضبعيه فأقامه، فالتفت إليه قائلا: أما والله ما الله أردت بهذا ولن تصيب بها مني دنيا! ثم أجلسه رجاء بن حياة على المنبر فأقبلت الناس تبايعه وهم يبكون على سليمان، ثم وقف عمر فحمد الله وصلى على نبيه وقال:
«أيها الناس، إني ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني فيه ولا طلبة ولا مشورة من المسلمين، إني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم غيري»، فصاحوا كلهم: قد اخترناك ورضيناك، فقال: «أوصيكم بتقوى الله؛ فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف واعملوا لآخرتكم فإن من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، والله إني لا أعطي أحدا باطلا ولا أمنع أحدا حقا، من أطاع الله وجبت طاعته ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله؛ فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».
ولما نزل أتي بمراكب الخلافة ولكل دابة سائس، فقال: ما هذا؟ فقيل: مراكب الخلافة. قال: دابتي أوفق لي، وركب دابته وصرفت تلك الدواب، فقيل له: أمنزل الخلافة نبغي؟ قال: لا؛ فإن فيه عيال أبي أيوب - يعني سليمان بن عبد الملك - وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، ولما استقر به مجلسه دعا بكاتب واحد فجعل يملي عليه الرسائل إلى العمال، فكان فيما كتبه كتاب إلى عبد الرحمن بن نعيم:
« … أما بعد؛ فاعمل عمل من يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين».
وإلى سليمان بن أبي السرى: « … واعمل خانات فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة وتعهدوا دوابهم، ومن كانت به علة فاقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا به فأبلغه بلده».
وكتب إلى عامل الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب:
стр. 144
«أما بعد؛ فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان فلا يكون شيء أهم إليك من نفسك فلا تحملها قليلا من الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر - يريد في أمر الجباية - وخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين ولا هدية النوروز والمهرجان ولا ثمن الصحف ولا أجور الفتوح ولا أجور البيوت، ولا درهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض فاتبع في ذلك أمري فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مئة ليحج بها والسلام».
وقال في إحدى خطبه وقيل في خطبته الأولى:
«أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه ولا يغتابن أحدا ولا يعترض فيما لا يعنيه».
ودخلت عليه امرأته فاطمة فرأته يبكي وهو في مصلاه فقالت: أحدث شيء؟ فقال: إني تقلدت أمر أمة محمد فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع، والغازي والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذوي العيال الكثير، والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت حجتي فرحمت نفسي فبكيت.
وأول حسنة قام بها عمر أنه منع سب علي بن أبي طالب وكان الخلفاء من بني أمية يسبونه ويعزون إليه أمورا مستكرهة فكتب عمر ابن عبد العزيز إلى عماله أن يستعيضوا عنها بآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى
стр. 145
عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (النحل:/ ٩٠).
فكان ﵀ من الخلفاء الأتقياء سكن إليه الناس واطمأنوا وآمنت الرعية في زمنه؛ لأنه كان لا يحابي ولا يراعي وإنما الناس في الحقوق سواء عنده كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم، سيدهم وحقيرهم.
كتب إليه عامل حمص يقول: إن هذه المدينة تحتاج إلى حصن، فوقع له في الكتاب: حصنها بالعدل.
ومن كلامه: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، وقوله: لولا أن ذكر الله فرض علي لما ذكرته إجلالا له.
وكان قد شرع بأمر لا يصدر عن غيره ولو طالت مدته لأتمه ولكن المنية التي لم تمكنه من المكوث في منصب الخلافة غير سنتين وخمسة أشهر ونصف شهر حالت بينه وبين ما أراد، وذلك أنه هم بنزع الأموال والزخارف التي كان يملكها رجال من بني أمية وهو يعلم أنها إنما أخذت سلابا وانتهابا من بيت مال الأمة فرأى أن يعيدها إلى مصدرها، ولكنه خاف الفتنة وقيام الثورة فجعل يمهد السبل رجاء أن يعيش فيظهر ما عول عليه، وشعر بذلك بعض أهله فدسوا له السم في الدسم فمرض أياما، وتوفي ﵀ وهو بدير سمعان من أرض المعرة فدفن به وقبره يزار إلى اليوم. قال الشاعر:
دير سمعان لاعدتك الغوادي … خير ميت من آل مروان ميتك
وقد جمعت سيرته وأخباره في عدة مصنفات منها كتاب بقي بن مخلد الأندلسي، وهو مفقود فيما أحسب، وكتاب أبي الفرج ابن الجوزي: سماه سيرة عمر بن عبد العزيز وهو مطبوع في مصر صفحاته تقارب ست مئة، وترجمه أكثر أصحاب التراجم والتواريخ.
стр. 146
ذيل
لما توفي عمر بن عبد العزيز تولى الخلافة من بعده، يزيد بن عبد الملك ابن مروان بعهد من أخيه سليمان كما تقدم في ترجمة عمر، وكان يزيد يتواضع ويتظاهر بالصلاح فلما صار إليه الملك رجا به الناس أن يتابع سيرة سلفه فخاب رجاؤهم ولم يكن الرجل العظيم الذي يبقي المآثر، بل خالف مظهره الأول ومال إلى لذائذه، ولد سنة ٧٦ هـ وتولى سنة ١٠١ هـ، ومات سنة ١٠٥ هـ، وليس في أخباره ما يجعله في عظماء الرجال الذين ألف هذا الكتاب ليذكرهم، وقد كانت في أيامه حروب وغزوات تجدها في تراجم أخبار السنين والعصور كتاريخ العبر والكامل والطبري فارجع إليها.
وعهد يزيد هذا بالملك إلى أخيه هشام بن عبد الملك ثم ابنه الوليد ابن يزيد ابن عبد الملك، فلما مات تولى هشام الآتي خبره.
هشام بن عبد الملك
ولد سنة ٧١ وتوفي سنة ١٢٥ هـ
امتاز صاحب هذه الترجمة برجاحة العقل وضبط الأمور بالحزم والأخذ بقوة البطش وجلال الهيبة، مات أخوه يزيد والأطماع ممتدة إليه، وهشام بحمص فبويع بها وأقبل على دمشق وذلك سنة ١٠٥ هـ، وكانت في عهده أمور كثيرة منها، خروج زيد بن علي بن الحسين بن علي سنة ١٢٠ هـ بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة قد بايعوه وعاهدوه على قتال جيوش الشام وما يرد عليهم من ملوك بني أمية قال ابن خلدون في العبر:
ظهر زيد بن علي بالكوفة خارجا على هشام: داعيا للكتاب والسنة، وإلى جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في
стр. 147
قسمة الفيء، ورد المظالم، وأفعال الخير، ونصر أهل البيت. اهـ.
وكان العامل على العراق يوسف بن عمر الثقفي وهو حينذاك في الحيرة فكتب إليه هشام، بعد أن أعلمه يوسف بالأمر، يأمره أن يقاتل زيدا، فكتب يوسف إلى الحكم بن الصلت وهو في الكوفة، فطلب الحكم زيدا، ثم اجتمع الثائرون من أصحاب زيد، والعساكر من جنود الحكم، فنشب قتال أظهر فيه زيد بن علي شجاعة خارقة وجلدا على الحرب عجيبا، وأصابه سهم في جبهته فلما عاد إلى منزله في المساء نزعه وقد بلغ دماغه فنزف دمه فمات من ساعته ودفنه أصحابه.
وفي اليوم الثاني تفرق جمعه وبحث عنه الحكم فعثر عليه فقطع رأسه وأرسله إلى يوسف في الحيرة ويوسف بعث به إلى هشام في الشام فنصبه على باب دمشق، وانطفأت الفتنة.
وفي أيامه حدثت حروب كثيرة مع خاقان الترك في ما وراء النهر، انتهت بقتله خاقان وملكوا بعض بلاده وفازوا بغنائم وافرة.
وتحرك فريق من الخوارج يريدون الظهور فعلم بهم هشام فوجه إليهم جندا فكان قتال ختم بقمع ثائرتهم وتخضيد شوكتهم واستتباب الأمر له.
وكان هشام محبا لجمع الأموال منعونا بالبخل، قيل لم يجتمع في خزانة أحد من ملوك بني أمية من المال ما اجتمع في خزائنه.
قال الثعالبي في الإعجاز والإيجاز: قيل لهشام - قبل أن يلي الملك -: أتطمع في الخلافة وأنت جبان بخيل؟ فقال: كيف لا أطمع بها وأنا عفيف حليم .. قال: وكتب إلى أخيه مسلمة بن عبد الملك: «طهر عسكرك من أهل الفساد فإن الله لا يصلح عمل المفسدين».
ونقل ابن الأثير في الكامل عن مجمع بن يعقوب الأنصاري نبذة تدل على
стр. 148
حلم هشام وحسن أخلاقه قال: شتم هشام رجلا من الأشراف فوبخه الرجل وقال: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيى هشام منه، وقال: اقتص مني! قال: إذا أنا سفيه مثلك! قال: فخذ مني عوضا من المال! قال: ما كنت لأفعل! قال: فهبها الله! قال: هي الله ثم لك! فنكس هشام رأسه واستحيى وقال: والله لا أعود إلى مثلها أبدا!
ولما كانت سنة ١٢٥ هـ مرض هشام بن عبد الملك وهو في الرصافة (قال ياقوت: رصافة هشام بن عبد الملك في غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام، وكان يسكنها في الصيف، فهي غر رصافة بغداد والبصرة) ففكر في أمر من يلي الخلافة بعده، وكان أخوه يزيد قد عهد بها إلى ابنه الوليد بن يزيد، فرأى هشام أن الوليد لا يصلح لها ولا هو من رجالها؛ فحاول خلعه وتولية من يكون أولى منه بها فلم يستطع، ومات في الرصافة.
ومدة خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وأيام.
الوليد بن يزيد
ولد سنة ٨٤ وقتل سنة ١٢٦ هـ
قلت في آخر سيرة هشام السالف ذكره: إن هشاما رأى الوليد لا يصلح للخلافة، وذلك لما كانوا يصفونه به من حب المجون والميل إلى اللهو وإيثار اللذائذ على التفكير بشؤون الملك، وأوشكت أن أضرب صفحا عن إلحاقه بعظماء الرجال الذين عقدت النية على إثباتهم في هذا المصنف، ثم رأيت بعض المؤرخين يذهبون إلى الثناء على الوليد ويعدون ما قيل فيه افتراء عليه وهم يروون له شعرا حسنا يصلح لنا أن ندعوه به شاعر الملوك الأمويين، وعلماء الأدب يذكرون أن كثيرا من الشعراء والكبار كأبي نواس وطبقته يسرقون معاني
стр. 149
الوليد ويدمجونها في أشعارهم، فقلت: إذا لم يكن الوليد ملكا هماما فهو شاعر مجيد، ولم أر أخلاء الكتاب من وصفه.
وهو: الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، ولي الخلافة بعد عمه هشام بعهد من أبيه يزيد. قال ابن الأثير المؤرخ بعد أن ذكر أخباره ونسبه: وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم منهمكا في اللهو والشرب وسماع الغناء، ومن جيد شعره قوله لما بلغه أن هشاما يريد خلعه وكتب إليه بالأبيات:
رأيتك تبني دائبا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة … فويل لهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم والليت أفضل قولهم … ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يدا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
يشير إليه بأنه لو صرف الخلافة عنه ومات لحدثت حروب ووقائع وفتن، ولما مات هشام أتى خبره الوليد، وهو في مجلس طرب فأصغى قليلا وأمر مغنيه أن يغنيه:
طاب يومي ولد شرب السلافة … وأتانا نعي من بالرصافة
وأتانا البريد ينعي هشاما … وأتانا بخاتم للخلافة
فاصطحبنا من خمر عانة صرفا … ولهونا بقينة عرافة
فغناه بها وفي صبيحة اليوم الثاني من توليته أجرى على الزمني من أهل الشام الجرايات وكسا المعوزين وأمر بإحصاء العميان، وأن يدفع إلى كل واحد منهم خادم يخدمه وفرق على الناس العطايا والمنح ولم يسأل شيئا إلا سمح به،
стр. 150
وقال:
ضمنت لكم إن لم يعقني عائق … بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة … وأعطية مني عليكم تبرع
فيجمعكم ديوانكم وعطاؤكم … به تكتب الكتاب شهرا وتطبع
وهو الذي قتل خالد بن عبد الله القسري وقال في ذلك قصيدته العامرة يوبخ أهل اليمن، وكانوا قد حاولوا نصرة خالد، ثم تخلوا عنه، وقيل: إن القصيدة لأحد شعراء اليمن جعلها على لسان الوليد ولا أراه حقيقة، قال الوليد:
ألم تهتج فتذكر الوصالا … وحبلا كان متصلا غزالا (١)
بلى فالدمع منك إلى انسجام … كماء المزن ينسجل انسجالا
فدع عنك أد كارك آل سعدى … فنحن الأكثرون حصى ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا … نسومهم المذلة والنكالا
وطئنا الأشعري بعز قيس … فيالك وطأة لي تستقالا
وهذا خالد فينا أسير … ألا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيدهم قديما … جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عز … لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا … يعالج من سلاسلنا الثقالا
ولكن الوقائع ضعضعتهم … وجدتهم وردتهم شلالا
وأثرت هذه القصيدة في اليمانية فأخذوا يسعون في قتله وقال حمزة ابن بيض الشاعر يرد على الوليد في أبياته السابقة:
وصلت سماء الضر بالضر بعدما … زعمت سماء الضر عنا ستقلع
стр. 151
فليت هشاما كان حيا يسومنا … وكناكما كنا نرجى ونطمع
ثم أتوا يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة فأطاعهم فبايعوه وانعقدت له البيعة سرا وفشت الدعوة إليه في الناس واستفحل أمره وشعر بهم الوليد فأراد تجهيز جيش فرأى الناس عنه راغبين فنهض برجاله يقاتل يزيد وأشياعه فنشب القتال، ثم انهزم الوليد فدخل قصر النعمان بن بشير في البخراء بظاهر دمشق وأغلق الباب، ثم أطل على الجماهير، وقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟ فأجابه رجل من أصحاب يزيد، فقال: ألم أزد في أعطياتكم، ألم أرفع المؤن عنكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم، قالوا: بلى! ولكنك انتهكت حرمة الله وشربت الخمر واستخففت بأمر الله، فعلم أنه لا سبيل لإقناعهم فعاد فأخذ مصحفا وجلس يتلو، فدخلوا عليه، فقال: يوم كيوم عثمان! فقتلوه.
وذلك سنة ١٢٦ هـ، ومدة خلافته سنة وستة أشهر، وله من الكلام ما هو غاية في بلاغته: يذكر أنه لما مات مسلمة بن عبد الملك قعد هشام للعزاء فأتاه الوليد يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: «يا أمير المؤمنين إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الثغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى»، فأفحم هشام ولم يجبه، ومن شعره قوله في نصرانية اسمها شقراء:
أضحى فؤادك يا وليد عميدا … صبا قديما للحسان صيودا
من حب واضحة العوارض طفلة … برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
ما زلت أرمقها بعيني وامق … حتى بصرت بها تقبل عودا
عود الصليب فويح قلبي من رأى … منكم صليبا مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانه … وأكون في لهب الجحيم وقودا
стр. 152
تتمة
لما قتل الوليد ولي الخلافة ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك؛ فكانت أيامه على قصرها أيام شرور وفتن وثورات وإحن وليس له ما يدل على عظمة أو كبر نفس أو فضل إلا قوله حين ولي؛ فإنه خطب الناس بعد أن قتل الوليد فذكر لهم زيد ما كان عليه ابن عمه من الخلاعة والفسق ثم قال:
«أيها الناس، إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة ولا أكتري نهرا، ولا أكثر مالا، ولا أعطيه زوجة وولدا، ولا أنقل مالا عن بلد حتى أسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ولا أحجركم في ثغوركم كأفتنكم، ولا أغلق بابي دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ولكم أعطياتكم كل سنة وأرزاقكم في كل شهر حتى يكون أقصاكم كأدناكم؛ فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن الوزارة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه، أيها الناس لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
كان الوليد قد زاد في أعطيات الناس (أي رواتبهم) عشرة عشرة من الدراهم فلما ولي يزيد نقصها فلقبوه «يزيد الناقص».
وكان مولده سنة ٨٦ هـ، وتولى الخلافة سنة ١٢٦ هـ فأقام خليفة خمسة أشهر وثمانية أيام ومات في هذه السنة وليس في تاريخ حياته ما يجعله في العظماء، أما أخبار أيامه فكثيرة كما قلنا وهذه ليست من خصائص هذا الكتاب فارجع إليها في تواريخ الأزمنة والعصور.
* * *
стр. 153
ولما مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك قام بعده بالأمر أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وكان ضعيفا مغلوبا على أمره مغلول اليد فازدراه أتباعه، فكانوا تارة يسلمون عليه بالخلافة، وتارة بالإمارة، وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما، فمكث سبعين [يوما] (وذلك سنة ١٢٦ هـ - ١٢٧ هـ) فثار عليه مروان ابن محمد بن مروان، وكان والي أذربيجان ودعا إلى نفسه بالخلافة وسار إلى الشام؛ فأنفق أموالا استمال بها الجند إليه، وعرف إبراهيم عجزه عن دفع هذه الغائلة، وكان على ما عرفت من الضعف، ففر واختفى، فاستولى مروان على الشام، ثم أمن إبراهيم فظهر، واستقرت الخلافة لمروان سنة ١٢٧ هـ.
مروان بن محمد
ولد سنة ٧٣ وقتل سنة ١٣٢ هـ
قدمنا أن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وثب على إبراهيم بن الوليد فاغتصب الملك منه، ونرى أن المروان هذا ذكرا كثير الورود في التاريخ فلا ينبغي إغفاله، وإن لم يكن قد أبقى من الآثار ما يذكر به، فأيامه ليست من أيام إبقاء الآثار وتخليد الذكر، ولاه هشام بن عبد الملك على إرمينية (سنة ١١٤ هـ) فسار إليها وافتتح بلادا وقلاعا، واستولى على ولايات كثيرة من إرمينية إلى طبرستان، وفي سنة ١٢٧ هـ كان عاملا على أذربيجان فبلغه ما أصاب الدولة الأموية، وهي على ما رأيت من ضعف الكلمة وتقهقر السلطان واضطراب الحال، فدعا الناس إلى البيعة له فبايعوه وقدم بجيش كثيف إلى الشام فخلع إبراهيم واستوى على عرش بني مروان، فكثرت في أيامه فتن الثائرين والمخالفين لما انبث بهم من روح الشقاق والخروج عن طاعة هذه الطائفة المالكة فكان كلما رأب صدعا انصدع رأب، وكلما داوى جرحا سال جرح، وسترى في الكلام على خلفاء بني العباس ما صنعوه من بث الدعوة إليهم وتحريض الناس على نزع بيعة بني أمية والناس عبيد
стр. 154
القوة؛ فلما رأوا أن أبا مسلم الخراساني وهو القائد الأعظم الذي أقام العباسيين في خراسان أولا، ثم بمرو وغيرها من بلاد فارس والعراق يدعو إلى بني العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي انضموا إليه وعطفوا عليه وفت في عضد مروان ومن والاه فجمع ما استطاع جمعه من الجيوش، وذلك سنة ١٣٢ هـ وقصد قتال قحطبة به شبيب الطائي: وكان أبو مسلم الخراساني قد سيره إلى طوس فلما عظم شأنه سار إليه مروان بعسكره فنزل بالزاب، وهناك جيش من عسكر قحطبة عليه عبد الله بن علي فاشتعلت بينهما نار الحرب، فانهزم جنود مروان، وفر مروان إلى الموصل، ثم إلى حران ومنها إلى حمص فدمشق، فلسطين، وانتهى إلى بوصير من أعمال مصر.
وكان السفاح (أول الخلفاء العباسيين) قد كتب إلى عبد الله بن علي يأمره بأن يتعقب مروان فلحقه حتى أدركه ببوصير فقتله وبعث برأسه إلى السفاح، وهو في الكوفة سنة ١٣٢ هـ وهو آخر ملوك بني مروان وبه انقرضت دولتا بني أمية: المعاوية والمروانية؛ في الشام، وصفا الملك لبني العباس على ما سنذكره إن شاء الله.
ومن كلام مروان: كنزنا الكنوز فما وجدنا كنزا أنفع من كنز معروف في قلب حر. أيام القدرة، وإن طالت، قصيرة والمتعة بها وإن كثرت قليلة.
وكان مروان حازما مدبرا فلم ينفعه حزمه وتدبيره عند إدبار الملك وانحلال السلطان.
стр. 155
الدولة العباسية
تمهيد
قتل الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي والأبصار حائمة على شخصه المحبوب، فانقلبت القلوب تبكيه والألسن تنعاه وترثيه واتخذ بنو هاشم مقتله وما عم من الحزن عليه ذريعة لبث الضغينة في المسلمين على بني أمية وأحلافهم ومحضا يثيرون به نار الحقود والبغضاء؛ فكانوا كلما آنسوا من أنفسهم قوة هيجوا فريقا من أشياعهم فثار على من عاصره من خلفاء بني أمية فلم يظفروا بدأة ذي بدء لما كان أولئك قد اتخذوه لأنفسهم من الوقاية وما عدوه من العدة حتى كان العام الأخير من القرن الأول للهجرة فكثرت أنصارهم ونبغت نابغتهم وعددت مثالب الدولة المالكة وأحصيت هفواتها وزلاتها وكان مرجع الهاشميين في ذلك الحين إلى رجلين هما: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ثم مات أبو هاشم مسموما قيل سمه سليمان بن عبد الملك وأوصى أصحابه والدعاة إليه بمتابعة محمد ابن علي، وكان محمد ينزل أرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام فأقبلوا عليه فبايعوه سرا كما كانوا يبايعون من قبله فاختار منهم رجالا وثق بهم فسيرهم إلى الآفاق لبث الدعوة إليه، وكتب لهم كتابا يكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها وهو أشبه بنظام جمعية سرية ثورية، فانصرفوا وهم كلما شك فيهم شال من ولاة بني أمية أظهروا أنهم يشتغلون في التجارة وفي سنة ١٠٧ هـ وشى بجماعة منهم في خراسان واش إلى أميرها أسد بن عبد الله فقطع أيدي من ظفر به منهم وصلبهم
стр. 156
فكتب بعضهم بذلك إلى محمد بن علي فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم وحقق مقالتكم وقد بقيت منكم قتلى ستعد.
ومن غريب أمرهم أن أسد بن عبد الله علم بدعاة منهم سنة ١٠٩ هـ فقبض على أحد عشر رجلا يرأسهم زياد أبو محمد مولى همدان فقتله أسد وعرض البراءة منه على أصحابه فمن تبرأ خلى سبيله، فتبرأ اثنان فتركا، وأبى البراءة ثمانية فقتلوا، فلما كان الغد أقبل أحد الاثنين إلى أسد فقال: أسألك أن تلحقني بأصحابي! فقتله.
وسنة ١٢١ هـ أعلن العصيان زيد بن علي بن الحسين في الكوفة فكان من أمره ما ذكرناه في ترجمة هشام وقتل سنة ١٢٢ هـ، وفي سنة ١٢٥ هـ توفي محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس وأوصى إلى ابنه إبراهيم بن محمد بالقيام بأمر الدعوة، وفي سنة ١٢٦ هـ وجه إبراهيم ابن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان وهو من أمنائه إلى خراسان، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة فنعى محمد بن علي، ودعا إلى ابنه إبراهيم فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال وكانت الشيعة تدفع إلى النقباء في كل سنة خمس أموالها يستعينون به على بث الدعاة في البلاد، فعاد بكير إلى إبراهيم بالأموال.
وفي سنة ١٢٨ هـ كان قد اتصل بإبراهيم بن محمد أبو مسلم الخراساني واسمه عبد الرحمن بن مسلم (انظر ترجمته) ورأى منه ما جعله يثق به فوجهه إلى خراسان وكتب إلى من بها من الشيعة أن يأتمروا بأمره ويطيعوه، فأبوا ذلك واستصغروا سنه، وكان في التاسعة عشرة، ثم شافههم به إبراهيم فأطاعوه، وفي شهر شعبان من سنة ١٢٩ هـ نزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين، فجمع حوله النقباء ورؤساء الشيعة وفرقهم في البلاد، وأمرهم أن يظهروا الدعوة في الليلة الخامسة والعشرين من شهر رمضان في جميع الآفاق بيوم واحد، ومن خالفهم قاتلوه، وذلك بعد أن اعتقد ضعف خلفاء بني أمية ونفرة الناس منهم
стр. 157
وكثرة عدد الشيعة في الأقطار، فتفرق أصحابه في طخارستان، ومرو، الروذ، والطالقان، وخوارزم، ثم انصرف هو [إلى] منزل قرية سفيذنج من قرى مرو في الليلة الثانية من رمضان، فبث الدعاة في الناس وأظهر أمره فأتاه أهل ستين قرية من قرى خراسان، وأمير خراسان نصر بن سيار مشتغل في قتال جماعة خرجوا عليه، ولما كانت ليلة الخميس في ٢٥ رمضان سنة ١٢٩ هـ، وهو اليوم الموعود المتفق عليه عقد أبو مسلم لواء كان إبراهيم الإمام قد بعث به إليه يدعى الظل على رمح طوله أربع عشرة ذراعا ونشر راية تدعى السحاب ولبس هو وأصحابه السواد، وأوقد النيران في الليل وكانت علامتهم، فاجتمعت إليه شيعته وقدمت عليه الرجال وكتب كتابا إلى نصر بن سيار فوجه إليه نصر جيشا عليه مولاه يزيد، وعلم به أبو مسلم فسير إليه جيشا عليه مالك بن الهيثم الخزاعي فتلاقيا بقرية تعرف بالين فأسر يزيد وانهزم من معه وجيء به إلى أبي مسلم فأحسن أبو مسلم إليه وعالجه حتى اندملت جراحه وخيره بين البقاء معهم أو الرجوع إلى نصر على أن يعاهدهم أنه لا يحاربهم ولا يكذب عليهم، بل يقول فيهم ما رأى فعاهده وعاد، فليم أبو مسلم على تركه فقال: إن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح فما نحن عندهم على دين الإسلام، وكان الأمر كذلك فإنهم كانوا يرجفون بأنهم يعبدون الأوثان ويستحلون الدماء والأموال، فلما انصرف إليهم يزيد نفى عنهم ما يقال، وشهد فيهم بشهادة حسنة، ثم اجتمع الناس على قتال أبي مسلم فقاتلهم.
وفي سنة ١٣٠ هـ دخل مرو وهرب نصر بن سيار إلى سرخس وطوس ونيسابور وانتهى إلى ساوة من قرى الري فمرض فمات بها، وبعث أبو مسلم الرجال إلى الجهات حتى امتلك كل ولاية خراسان وسير الجيوش إلى الشام والعراق، وكان مروان بن محمد بن مروان قد عثر على كتاب من إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم عرف فيه ما بينهما، فكتب إلى عامله بالبلقاء أن يوثق إبراهيم
стр. 158
ويرسله إليه فأتي به فحبسه مروان في حران، وأرسل إبراهيم إلى أهل بيته يأمرهم بإطاعة أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وأن يرحلوا إلى الكوفة، فارتحل بهم أبو العباس، ولما علم مروان بما صنع أبو مسلم في خراسان أرسل إلى إبراهيم فقتله سنة ١٣٢ هـ.
وفي هذه السنة عظم أمر أبي مسلم ووصل إلى الكوفة أبو العباس أخو إبراهيم فبويع بالخلافة جهرا، وأمر أبو العباس عبد الله بن علي أن يلحق مروان فقصده وقاتله بالزاب فانهزم مروان إلى بو صير كما قدمنا في الكلام عليه وتبعه عبد الله فقتله في بوصير.
وصفت الخلافة الإسلامية لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم فتتابع أبناء العباس على ما سيلي.
* * *
стр. 159
أبو العباس السفاح
ولد سنة ١٠٤ هـ وتوفي سنة ١٣٦ هـ
أصبح الملك بعد بني أمية ثابت الأساس لبني العباس وأولهم: أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد [الله] بن العباس عم النبي ﷺ ، وذلك على ما بيناه في التمهيد السالف: تولى بالكوفة سنة ١٣٢ هـ بعد أن قتل مروان بن محمد آخر ملوك بني مروان، وكان أبو العباس هذا شديد العقوبة حازما مفكرا، لم يأل جهدا في الانتقام من بني أمية، بل أخذ يقتل ويصلب ويحرق كل من ظفر به منهم حتى تشتت شملهم واختفت آثارهم ولم يسلم منهم غير الأطفال، ومن ذهب إلى الأندلس، ونبش قبورهم فرأى معاوية بن أبي سفيان قد فني وابنه يزيد رمادا، وعبد الملك بن مروان لم يبق إلا جمجمته، ووجد هشام بن عبد الملك لا يزال عليه لحمه فأخرجه وصلبه وضربه بالسياط حتى تناثر لحمه، ثم أمر به فأخرق وذر رماده في الفضاء، ولم ينفرد أبو العباس بعمله، بل كان جميع أمرائه وولاته الذين وجههم إلى الأمصار يصنعون صنيعه لما كان الأمويون قد جعلوه في قلوبهم من الأحقاد الكامنة؛ فإن عبد الله بن علي دعا من بني أمية تسعين رجلا إلى الطعام فلما كانوا عنده أنشده شبل بن عبد الله مولى بني هاشم أبياتا حرضه بها على قتلهم وذكره بما صنعوا فثارت ضغينته وأمر بهم فضربوا بالعمد، وبسطت عليهم الانطاع فجلس هو وأصحابه عليهم يأكلون وهم يسمعون أنيهم من تحتهم حتى ماتوا جميعا.
وسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس قتل منهم بالبصرة جمعا وافرا وألقاهم للكلاب فأكلتهم، وامتدت إليهم الأيدي من كل ناحية وصوب حتى فني أكثرهم، ونجا من فر إلى الأندلس حيث أسست الدولة الأموية الثانية هنالك وسنتكلم في الفصل الآتي على رجالها.
стр. 160
ولقب أبو العباس «السفاح»؛ لكثرة ما سفح من دماء بني أمية، وبني في الأنبار مدينة سماها «الهاشمية»؛ وجمعها مقر خلافته، واتخذ الوزراء، وهو أول من أحدث الوزارة في الإسلام، فإن الأمويين لم يكن لهم من يطلقون عليه هذا [الاسم]، وإنما كانوا يقربون منهم رجالا يستشيرونهم في بعض شؤونهم ويعولون على آرائهم.
وكان السفاح من أسخى الناس يدا لا يعد وعدا ويؤخره عن وقته، وهو أول خليفة في الإسلام وصل بمبلغ مليوني درهم، وكان يلبس خاتمه باليمين، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه، وكذلك الخلفاء بعده، ولما ولي معاوية جعله في يساره واقتدت به بنو أمية فلما استولى السفاح أعاده إلى اليمن وتابعه الكثيرون، وبقى يستعمل في اليمين حتى كانت أيام الرشيد فنقله إلى اليسار وتبعته الناس حتى الآن، وكان فصيحا متأدبا.
ومن كلامه: «لأعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة، ولأكر من الخاصة ما أمنتهم على العامة، ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق ولأعطين حتى لا أرى للعطية موضعا».
- «ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا، وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا»
- «إذا عظمت القدرة قلت الشهوة».
مرض بالجدري وهو شاب في الثانية والثلاثين من عمره، ومات بالأنبار فدفن بها وقد عهد بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور، وكانت في أيامه ثورات فمنعها بالقوة وشدة الجدة ونشاط فتوة الملك.
стр. 161
أبو جعفر المنصور
ولد سنة ٩٥ وتوفي سنة ١٥٨ هـ
قال صاعد الأندلسي في طبقات الأمم: «أول من عني بالعلوم من ملوك العرب الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، فكان مع براعته في الفقه، وتقدمه في علم الفلسفة، وخاصة في علم صناعة النجوم كلفا بها وبأهلها»، وكان مولده بالشراة (كما في المعارف)، وولي الخلافة بعد أخيه السفاح، بويع يوم وفاته وهو بطريق مكة آتيا من الحج (سنة ١٣٦ هـ)، فقدم عليه أبو مسلم الخراساني وكان السفاح قد ولاه على خراسان، فلما ولي المنصور كان حاقدا على أبي مسلم خائفا من شره لما رآه من ميل الناس إليه والتفافهم حوله، فاستدعاه، فامتنع أبو مسلم ثم أطاع، وجاء المدائن مخدوعا يحسب أن المنصور سيحبوه ويكرمه، فلما تمكن منه أبو جعفر قتله شر قتلة (انظر ترجمة أبي مسلم)، وذلك عام ١٣٧ هـ، وهو لعمر الله بئس الجزاء جزى به آل عباس، مشيد دولتهم، ورافع لوائهم ومؤسس ملكهم، ولكن رحم الله المتنبئ إذ يقول:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفة فلعلة لا يظلم!
وكان أبو جعفر يتهم بالبخل لحرصه ولأنه لم يكن يضع الأموال في غير موضعها، ولا يبذلها إلا في منفعته، فجمع مالا وفيرا، وكانت في أيامه أمور كثيرة لا علاقة لها بموضوع كتابنا هذا؛ لأنه لا يكتب فيه إلا ما يتعلق بترجمة صاحب الترجمة وأما ما كان في زمنه من الأحداث والخطوب فمرجعها كتب الأخبار وتواريخ الأعصار.
وهو باني بغداد، بدأ ببنائها سنة ١٤٥ هـ لجعلها مقر الملكه بدلا من «الهاشمية» التي لم تكن من الحصانة على ما يروم، وفي عصره شرع العرب يطلبون علوم
стр. 162
اليونان والفرس ويترجمونها إلى العربية، وفي زمنه عمل أول اسطرلاب في الإسلام صنعه محمد بن إبراهيم الفزاري، وكان أبو جعفر بعيدا عن اللهو والعبث كثير الجد والتفكير في الأمور، وله تواقيع هي غاية في البلاغة منها:
- أن رجلا رفع إليه شكاية على بعض عماله فوقع فيها العامل: «اكفني أمره وإلا كفيته أمرك»، ووقع إلى عامل آخر: «قد كثر شاكوك، وقل شاكروك فإما اعتدلت، وإما اعتزلت».
- وكتب إليه سوار بن عبد الله القاضي: «إن عندنا رجلا شديد الترفض يدعى السيد الحميري» فوقع في كتابه: «إنا بعثناك قاضيا لا ساعيا!».
- ووقع في كتاب بليغ استماحه: «إن البلاغة والغنى إذا اجتمعا في رجل أطغياه، وقد رزقت إحداهما، فاكتف بها واقتصر عليها»، ورفع إليه في بناء مسجد فوقع: «إن من أشراط الساعة أن تكثر المساجد فزد في خطاك يزد في أجرك».
- وأوصى ابنه المهدي قبل وفاته فقال:
«لقد جمعت لك من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البعوث، فإياك والأثرة والتبذير بأموال الرعية، واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل العامة، وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها فإن النوائب غير مأمونة، وهي من شيم الزمان، وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد فتتدارك عليك الأمور وتضيع، وأعد رجالا في الليل لمعرفة ما يكون في النهار، ورجالا في النهار لمعرفة ما يكون في الليل، وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن، وأسئ الظن بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ».
وفي سنة ١٥٨ هـ أراد المنصور الحج فسار فلما كان في الكوفة مرض فمات ببئر ميمون من أرض مكة المكرمة.
قال القلقشندي: ودفن بالحجون، وكانت مدة خلافته اثنين وعشرين عاما.
стр. 163
هارون الرشيد
ولد سنة ١٢٦ هـ وتوفي سنة ١٩٣ هـ
مات أبو جعفر المنصور وتولى من بعده بعهده ابنه أبو عبد الله محمد المهدي فكانت خلافته عشر سنين لم يأت فيهن بعمل يدل على ما يجعلنا نلمزه في قرن مع عظماء الرجال، وكان مولده سنة ١٢٦ هـ وخلافته سنة ١٥٨ هـ وموته سنة ١٦٩ هـ بما سبذان.
* وبعد المهدي تولى ابنه الهادي موسى بن محمد المهدي، وكان ضعيفا فاستبدت الخيزران بالأمور فلم يشعر إلا والقواد والرؤساء يغدون ويروحون إلى بابها فنهاها عن الدخول في شؤونه وقال لها: ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك، إياك أن تفتحي بابك لمسلم، أو ذمي فإني ضارب عنقه وقابض ماله، فانصرفت وهي مغضبة وأمرت جواريها أن يقتلنه فجلس على وجهه وهو نائم فمات، وكان مولد سنة ١٤٤ هـ وخلافته سنة ١٦٩ هـ وموته سنة ١٧٠ هـ وليس بذي بال. أما الرجل الذي امتلأت بأحاديثه صحائف الأخبار وشحنت بآثار سفائن الآثار فهو صاحب هذه الترجمة:
أبو جعفر هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور: خامس الخلفاء العباسيين وأشهرهم على الإطلاق، خدم العلم وقرب العلماء من مجالسه رافعا من شأنهم وموسعا عليهم في العطاء، وكان عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه وله محاضرات مع علماء عصره، شجاعا مقداما كثير الغزوات، حازما كريما متواضعا لأولي العلم والفضل، وكان يحج سنة، ويغزو سنة حتى قال فيه بعضهم:
فمن يطلب لقاءك أو يرده … ففي الحرمين أو أقصى الثغور
стр. 164
ولي قبل الخلافة أعمالا لأبيه وأخيه، وغزا الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني (Jrene: marte en ٨٠٣)، على أن تفتدي منه المملكة الرومانية بسبعين ألف دينار تدفعها إليه في كل عام، ولما بويع بالخلافة وله من العمر أربع وعشرون سنة قام بأعباء الملك أحسن قيام وتشبه في أفعاله بالمنصور [إلا] في بذل المال؛ فإنه لم ير خليفة أجود من الرشيد، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ولا يؤخر، وكان يحب الشعر والشعراء ويجزل لهم العطاء، وكانت دولته من أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا، ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والكتاب والندماء ما اجتمع على بابه.
جاءته البيعة ليلة وفاة أخيه الهادي وفي تلك الليلة ولد ابنه المأمون؛ فكانت ليلة، ولد فيها خليفة، وولي خليفة، ومات خليفة.
وكانت بينه وبين ملك فرنسا كارلوس الكبير الملقب بشارلمان (٨١٤ - ٧٤٢: bharlemagne) صلة موثقة العرى، وكثيرا ما كان الرشيد يتحفه بالهدايا، ومن جملة ما أهداه ساعة شمسية دقاقة، وشطرنج ثمين، وأرسل إليه مفاتيح كنيسة القمامة في القدس مع أمر لنوابه بأن يعاملوا زائري الأراضي المقدسة أحسن معاملة.
وكان الرشيد يطوف في أكثر الليالي مستترا بألبسة العامة في أسواق بغداد وشوارعها فيعلم من أمر رعيته ما خفي عنه من ظالم يزجره أو مظلوم ينصره أو عالم يقربه، وهو أول خليفة عربي لعب بالكرة والصولجان، وهو صاحب وقعة البرامكة وكانوا طائفة فارسية الأصل استولت على الملك إدارته وسياسته وماله ورجاله، فخاف الرشيد بادرة تبدر منهم نحوه ففتك بهم تلك الفتكة الهائلة فقتل بعضهم وشرد بعضا وسجن آخرين في ليلة واحدة لم يتمكنوا بها من أقل حركة يقومون بها على قوتهم وتصرفهم في الدولة والأعمال والأموال، وذلك سنة ١٨٧ هـ، وسيأتي الكلام عليهم أيضا في أخبارهم.
стр. 165
وكان الخراج يحمل إليه من القسطنطينية منذ غزاها في أيام أبيه؛ فلما كانت سنة ١٨٧ هـ خلع الرومانيون ملكتهم «إيريني» وولوا عليهم ملكا يدعى نيقيفور، فكتب «نيقيفور» إلى الرشيد كتابا ترجمته: من نيقيفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد؛ فإن الملكة إيريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بأن تحمل أضعافه إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا وبينك، فقرأ الرشيد الكتاب فغضب وأجابه على ظهر كتابه: «من هارون أمير المؤمنين إلى نيقيفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه»، وجهز جيشا جرارا وسار يحرق المدن ويدمر المعاقل حتى قرب من القسطنطينية فارتاع ملك الروم وألقى السلاح فضرب عليه الرشيد الجزية وعاد فلم يبلغ بغداد حتى بلغه أن نيقيفور نكث عهده، فرجع إليه ولم يبال ببرد تلك البلاد وثلجها فدمر وأضرب حتى بلغ البوسفور فتذلل نيقيفور له فصفح عنه ثم أخلف، وغدر ثالثة فضربه الرشيد ضربة كادت تكون قاضية قتل بها من جيش الروم أربعون ألفا في وقعة واحدة، وجرح نيقيفور، فانتهب الرشيد ماله وسلاحه ثم جعل عليهم مالا يبعثون به في كل سنة فأطاعوا وأقبل الرشيد على بغداد ظافرا قاهرا.
وأخبار الرشيد مع الأدباء والشعراء كثيرة تجدها في مظانها من كتب الأدب وله كلم مأثورة منها:
إياك والدالة فإنها تفسد الحزمة، وقال يوما لبنيه: ما ضر أحدكم لو تعلم من العربية ما يصلح به لسانه، أيسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده وأمته؟ وسأل جلساءه: من أرغد الناس عيشا؟ قالوا: أمير المؤمنين. فقال لهم: كلا، إن لأعواد المنابر لهيبة، وإن لقعقعة اللجم الفزعة، وإن أهنئ الناس عيشا رجل له دار يسكنها، وزوجة يأوي إليها، في كفاف من العيش لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فإن من عرفنا وعرفناه، أفسدنا عليه دينه ودنياه!
стр. 166
وكان قد أرسل رافع بن الليث عاملا على خراسان فلما اطمأن بها خلع الطاعة وأظهر العصيان وتبعه كثيرون فأغار على مدينة سمرقند فملكها وقتل عاملها فبلغ الرشيد ذلك فأغضبه فركب في عسكر ضخم فمرض في الطريق ولما وصل إلى مدينة طوس من أعمال خراسان مات بها فدفن هناك، وأوصى بالخلافة من بعده لأبنائه الأمين، ثم المأمون ثم المؤتمن، ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة، وكانت عاصمة ملكه بغداد.
* * *
ولما توفي الرشيد بطرس بايع الناس ابنه محمدا الأمين وهو ببغداد سنة ١٩٣ هـ، وكان ضعيف الرأي منهمكا بالملذات والشهوات وحسن له بعض وزرائه خلع المأمون أخيه من ولاية العهد وتولية ابنه موسى وفي سنة ١٩٤ هـ أمر بالدعاء على المنابر لابنه موسى وإبطال الدعاء للمأمون، وكان المأمون بمرو فغاظه ما صنع أخوه وجاءته رسالة من الأمين يدعوه بها إلى المسير إليه فاستشار المأمون أخصاءه فحذروه شر الذهاب، فرجع الرسول بخبر امتناعه، فجيش الأمين جيشا أراد توجيهه إلى مرو لقتال المأمون وكانت للمأمون عيون ببغداد تأتيه بأخبار الأمين فلما جاءه النبأ جهز جيشا ممن كانوا قد انضموا إليه بعد إعلانه العصيان على أخيه، وسيره بقيادة طاهر بن الحسين؛ فالتقى الجيشان بقرب الري فانهزم جيش الأمين وقتل قائده على بن عيسى بن ماهان، وسار طاهر بن الحسين حتى بلغ بغداد فحاصرها ثم افتتحها، وفر الأمين فقبض عليه بعض جنود طاهر فقتلوه وأخذوا إليه رأسه فبعث به إلى المأمون، وابتدأت خلافة المأمون على ما سيأتي، وكان مولد الأمين سنة ١٧٠ هـ وتولى الخلافة سنة ١٩٣ هـ وقتل سنة ١٩٨ هـ.
стр. 167
المأمون
ولد سنة ١٧٠ هـ وتوفي سنة ٢١٨ هـ
سعدت الدولة الإسلامية في أزمان رجال كانوا خير من أخرجتهم بطون الأمهات، ظفرت بهم الأمة برافعي شأنها ومشيدي ذكرها، ومؤسسي مجدها، وكان من الطراز الأول فيهم صاحب هذه الصحيفة الذي كان قصارى الملوك من بعده أن يتشبهوا به ويتخذوه قدوة في إحياء دارس المعارف ونشر لواء العلوم وإكرام النابغين بما ينشط المشتغلين بالدرس المنقطعين إلى البحث والتنقيب والتأليف والتصنيف على متابعة السير في ذلك السبيل الحميد والمنهج الرشيد.
قال صاعد الأندلسي في طبقات الأمم: لما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع - من الخلفاء العباسيين - عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور تمم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة وقوة نفسه الفاضلة فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا الخطيرة وسألهم بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة، فاستخار لها مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن، ثم حض الناس على قراءتها، ورغبهم في تعلمها، فنفقت سوق العلم في زمانه، وقامت دولة الحكمة في عصره، وتنافس أولو النباهة في العلوم، لما كانوا يرون من إحظائه لمنتحليها، واختصاصه لمتقلديها، فكان يخلو بهم، ويأنس بمناظرتهم، ويلتذ بمذاكرتهم، فينالون عنده المنازل الرفيعة والمراتب السنية، وكذلك كانت سيرته مع سائر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتعلمين وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والنسب، فأتقن جماعة من ذوي الفنون والتعلم في أيامه كثيرا من أجزاء
стр. 168
الفلسفة، وسنوا لمن بعدهم منهاج الطب، ومهدوا أصول الأدب، حتى كادت الدولة العباسية تضاهي الدولة الرومانية أيام اكتمالها، وزمان اجتماع شملها ..
تولى أبو العباس المأمون الخلافة سنة ١٩٨ هـ وصفت له بعد مقتل أخيه الأمين عشرين سنة خدم بها الأمة الإسلامية والعالم العربي خدمة لا تنسى على وجه الدهر، وكان أفضل بني العباس على الإطلاق، وأكثرهم حزما وفطنة واعتناء بنشر العلوم والاشتغال في الفنون، وأطلق في أيامه حرية الكلام للباحثين وأهل الجدل والفلاسفة، ونشر الأمان لكل بائح برأيه معلن لمذهبه وإن خالف الجمهور أو كفر أو زندق فكانت بغداد في أيامه أشبه بمدينة راقية من بلاد الغرب اليوم تقام فيها الاجتماعات لخوض المباحث المختلفة دون مسيطر أو رقيب، وعلى ذلك أخذه أمام الحرمين الجويني، قال في كتابه: «غياث الأمم»:
«وقد اتفق للمأمون وكان من أنجد الخلفاء وأقصدهم خطة ظهرت هفوته فيها وعشر على من بعده تلافيها؛ فإنه رأى تقرير كل ذي مذهب على رأيه فنبغ النابغون وزاغ الزائغون وتفاقم الأمر وتطوق خطبا هائلا وانتهى زلله وخطله؟ إلى أن سوغ للمعطلة أن يطهروا آرائهم، ورتب مترجمين ليردوا كتب الأوائل إلى لسان العرب وهلم جرا إلى أحوال يقصر الوصف عن أدناها ولو قلت إنه مطالب بمغبات البدع والضلالات في الموقف الأهول في العرصات لم أكن مجازفا».
وقد جمعت أخبار المأمون في مجلد كامل (صفحاته ٣٨٤) من تاريخ بغداد لأبي الفضل طيفور (انظر ترجمته والكلام على تأريخه)، قال طيفور: وكان المأمون قد هم بلعن معاوية وأن يكتب بذلك كتابا فثناه عن ذلك يحيى بن أكثم قائلا: يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا، ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن تكون لهم نفرة وإن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس
стр. 169
على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في السياسة وأحرى في التدبير، فرجع المأمون عن رأيه.
وكان شعار العباسيين السواد فأراد المأمون أن يستبدله بشعار العلويين وهو الأخضر فأمر قواده وخاصته أن يخلعوا الثياب السود ويلبسوا ثيابا خضرا ففعلوا فخاطبه بنو العباس وقواد خراسان في الأمر فخاف الفتنة فعاد إلى شعار آبائه، وكان مولعا بالصفح محبا للعفو حبا عجيبا حتى إنه ربما ضرب به المثل فيه ومن كلامه:
لو علم المذنبون ما أجد في العفو من اللذة لتقربوا إلي بالذنوب دون رهبة، وفي شرح النهج أن أحد كتاب المأمون أذنب ذنبا فتقدم ليحتج لنفسه ويعتذر، فقال له المأمون: يا هذا قف مكانك، فإنما هو عذر أو يمين، وقد وهبتهما لك، وقد تكرر منك ذلك، فلا تزال تسيء ونحسن، وتذنب ونغفر، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.
وقد نقلت بعض أخباره في العفو في كتابي «الصيب المنثال في شرح أرجوزة الأمثال»، فارجع إليه إن شئت، وله كلم رائعة يؤثر عنه منها قوله:
- لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة، إنما تطلب الدنيا لتملك فإذا ملكت فلتوهب.
- الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد.
- النساء شر كلهن ومن شر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.
- الناس أربعة: ذو سيادة أو صناعة أو تجارة أو زراعة فمن لم يكن منهم كان عيالا عليهم.
- النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها ولا عداوة إلا جددتها ولا جماعة إلا بددتها ثم لابد لمن عرف بها ونسب إليها أن يجتنب ويخاف من معرفته ولا يوثق بمكانه.
стр. 170
وله تواقيع تدل على مقدرة وإبداع منها ما وقع به إلى الرستمي أحد عماله وقد تظلم منه غريم له: «ليس من المروءة أن تكون أوانيك من الذهب والفضة وجارك طاو، وغريمك عاو».
وتوقيعه إلى حميد بن قحطبة من عماله أيضا في قصة متظلم منه: «يا أبا حامد لا تتكل على حسن رأيي فيك فإنك، وأحد رعيتي عندي في الحق سواء»، وفي قصة متظلم من علي بن هشام: «يا أبا الحسين الشريف من يظلم من فوقه ويظلمه من دونه فانظر أي الرجلين أنت؟».
ورفع إليه أهل السواد قصة في إتيان الجراد على غلاتهم فوقع فيها: «نحن أولى بضيافة الجراد من أهل السواد فليحط عنهم نصف الخراج»، وجاءته قصة يتظلم كاتبها من عمرو بن مسعدة أحد كتاب المأمون وخاصته فوقع بها: «يا عمرو عمر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها».
وتظلم رجل من أبي عيسى وهو أخو المأمون فوقع في قضيته: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ (المؤمنون: ١٠١)، وأخباره مع أهل الأدب والظرف والعلم والشعر كثيرة لا مجال هنا للإلمام بها، وله شعر رقيق منه قوله:
لساني كتوم لأسراركم … ودمعي نموم لسري مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى … ولوا الهوى لم تكن لي دموع
وفي سنة ٢١٨ هـ مرض فخلع أخاه المؤتمن من ولاية العهد وأخذ البيعة لأخيه أبي إسحق المعتصم ومات (خويلة) بطرسوس فدفن بها في دار خاقان خادم الرشيد.
стр. 171
المعتصم بالله
ولد سنة ١٧٩ هـ وتوفي سنة ٢٢٧ هـ
لم يكن أبو إسحق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي من حملة العلم أو ناشري لواء العرفان، ولكنه اشتهر في ملوك بني العباس بما أحرزه من قوة البأس والشجاعة والإقدام فقد كان خارقة زمنه في قوة الساعد ومتانة الأضلاع، يكسر زند الرجل بين إصبعيه، ويحمل عشرة قناطير، ولا تعمل في جسمه الأسنان، وكان في صغره يكره التعلم وضعه والده الرشيد مع مملوك له صغير عند أحد المؤدبين فمات مملوكه فلما رأى أباه تأوه فجعل أبوه يسليه عن المملوك وهو يحسب أنه حزين عليه فقال: لا يا أبي أنا لا أتأوه لموته، ولكني سررت له لأنه استراح من التعليم! فعلم أبوه أنه لن يكون من رجال العلم فأعفاه منه فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أميا.
وهو فاتح عمورية من بلاد الروم في غلاطية، وذلك أنه كان في أحد أيام سنة ٢٢٣ هـ جالسا يتناول كأسا من الشراب، وإذا برجل دخل عليه فحدثه أن امرأة هاشمية سباها أحد ملوك الروم ووضعها في عمورية فلطمها يوما فصاحت: وامعتصماه! فهزئ بها الرومي وقال: دعيه يأتي على فرس أبلق، فنهض المعتصم فختم الكأس وقال: والله لأشربته إلا بعد إطلاقها والتفريج عنها، ونادى رجاله أن يركبوا الخيول البلق فسار في سبعين ألف فارس حتى بلغ عمورية فحاصرها ثم هدمها ودخل على الأسيرة وهو يقول: لبيك لبيك، ثم ضرب عنق الرومي بيده ودعا بالكأس ففك ختامها وشربها.
وهو باني مدينة سامراء حين ضاقت بغداد بجنده فخططها وأمرهم بسكناها فدعيت «سر من رأى» ثم حرفت فقالوا: «سامراء، وسامرا، وسر من را، وسرمن راء» - راجع معجم البلدان.
стр. 172
ولقبه بعض المؤرخين «بالمثمن»؛ لأنه ولي سنة ٢١٨ هـ وتوفي ثامن عشر رمضان، وعمره ثمان وأربعون سنة، وهو ثامن الخلفاء من بني العباس، وفتح ثمانية فتوح، واستخلف ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثماني بنات، وخلف من الذهب ثمانين مليون دينار ومن الدراهم مئة وثمانين مليونا، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن المماليك ثمانية آلاف، ومن الجواري ثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور؛ وقد ذكر هذا الاتفاق في كثير من مصنفات التاريخ وهو إن صح من غريب الموافقات.
وهو أول من أضاف إلى اسمه اسم الله تعالى فقيل: «المعتصم بالله»، وكانت وفاته بسامراء ودفن بها، ومن كلامه:
إذا نصر الهوى بطل الرأي، وذكر التيه عنده فقال: حظ صاحبه من الله المقت ومن الناس اللعن، ولما احتضر قال: ذهبت الحيلة، وذكرها حتى صمت، وكان موصوفا بلين العريكة وطيب الأخلاق، عهد بالخلافة إلى ابنه الواثق بالله.
ولما مات ولي ابنه أبو جعفر الواثق بالله واسمه هارون بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد وكان كريما أديبا، أصيب بعلة الاستسقاء فمات بها: مولده سنة ٢٠٠ هـ وخلافته سنة ٢٢٧ هـ ووفاته سنة ٢٣٢ هـ، وكانت في زمنه أمور غير ذات بال فهو غير جدير بالترجمة الواسعة.
ومثله أخوه المتوكل على الله جعفر بن المعتصم ولد سنة ٢٠٦ هـ وبويع بعد وفاة أخيه الواثق سنة ٢٣٢ هـ وقتل سنة ٢٤٧ هـ طالت مدته فلم يحدث بها ما يجعله في طبقة عظماء الملوك ولكنه كان يحب العمران فبنى «المتوكلية» وأنفق عليها أموالا كثيرة، وأراد نقل العاصمة العباسية من بغداد إلى دمشق، فأقام بها شهرين وأياما فلم يطب له مناخها فعاد إلى سامراء، وكان يلبس في زمن الورد الثياب الحمر ويأمر بالفرش الحمر، ولا يرى الورد إلا في مجلسه، وكان يقول:
стр. 173
أنا ملك السلاطين والورد ملك الرياحين وكل منا أولى بصاحبه.
وكثرت الزلازل في أيامه فخرت أماكن كثيرة فعمر بعضها.
وقتله غلام تركي اسمه باغر بإيعاز من ابنه المنتصر، فدفن في سامراء.
وولي بعده ابنه المستنصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله بن المعتصم: مولده سنة ٢٢٣ هـ وخلافته بعد أبيه المتوكل سنة ٢٤٧ هـ ومات بسامراء سنة ٢٤٨ هـ، لم تطل مدته غير ستة أشهر، وكان حليما عاقلا غزير المعروف راغبا في الخير إلا أنه قويت في أيامه سلطة الغلمان فحرضوه على خلع أخويه المعتز والمؤيد وكانا ولي عهده فخلعهما وأهانهما فعاش أشهرا.
وقيل: مات مسموما بمبضع أحد أطبائه، توفي بسامراء ومولده بها، قال ابن الأثير: وهو أول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره، وكانوا لا يحفلون بقبور موتاهم.
وكان قواد الأتراك قد تحكموا بالدولة والأموال فلم يرق لهم أن يجعلوا الخلافة في أبناء المتوكل وهم قاتلوه، فلما مات المستنصر اتفقوا على مبايعة أحمد بن محمد بن المعتصم ولقبوه المستعين بالله فولوه الخلافة فلم يكن له منها غير اسمه وكثرت فتن الغلمان المتسلطين في زمانه، وكان مولده بسامراء سنة ٢٢١ هـ، وولي الخلافة الموهومة سنة ٢٤٨ هـ ونقم عليه قواده الأتراك فخلعوه سنة ٢٥٢ هـ، ثم قتلوه في هذه السنة بواسط.
وبايعوا بعده المعتز بالله بن المتوكل وكان في سجن المستعين فأخرجوه وولوه سنة ٢٥٢ هـ ومولده سنة ٢٣١ هـ فلم يكن له من الملك إلا الزخرف الباطل، ولبث وليس في يده عقد ولا حل إلى سنة ٢٥٥ هـ فجاؤوه فطلبوا مالا لا يملكه المعتز فانزلوا مقداره إلى خمسين ألف دينار، وكانت أم المعتز قد قبضت على أمواله فسألها أن تعطيه ما يرضيهم فامتنعت فدخلوا عليه فضربوه، فخلع
стр. 174
نفسه فسلموه إلى من يعذبه، فمات بعد أيام، وذلك سنة ٢٥٥ هـ، وكان فصيحا وله خطبة ذكرها ابن الأثير في حوادث هذه السنة.
وفي اليوم الثاني من خلع المعتز أسندوا منصب الخلافة إلى محمد ابن الواثق ولقبوه المهتدى بالله وكان يكنى أبا عبد الله، فلم يقبل بيعته أحد فأتي بالمعتز فخلع نفسه أمام الناس وأقر بالعجز عما أسند إليه، وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق فبايعه الخاصة والعامة مولده في القاطول سنة ٢٢٢ هـ، وخلافته سنة ٢٥٥ هـ، فكان كأسلافه وأقرب الخلفاء عهدا منه، ولكنه أخذته في آخر أيامه حمية القوي المستضعف فخرج لقتال جمع من الأتراك كان قد أعلن العصيان فلما تقابل الفريقان خانه من كان معه من الأتراك، وانضموا إلى أصحابهم فبقي المهتدي وحده وتخلى عنه أنصاره فولى منهزما وبيده السيف وهو ينادي يا معشر المسلمين أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة، وأصيب بطعنة فمات على أثرها سنة ٢٥٦ هـ في بغداد ومدة خلافته أحد عشر شهرا ونصف، وكان محمود السيرة يأخذ أخذ عمر بن عبد العزيز في الصلاح وإطراح الملاهي وتحريم الغناء والشراب على نفسه ومنع أصحابه وخاصته عن الظلم ومن كلامه:
عاون على الخير تسلم ولا تؤخره تندم.
وقبل قتل المهتدي بيومين بويع بالخلافة أبو العباس أحمد بن جعفر المتوكل، وكان محبوسا بالجوسق في سامراء فأطلقت الأتراك سراحه وبايعوه ولقبوه المعتمد على الله فاستولى على مراسم الخلافة وزخارف الإمارة وهو يعتقد أنه سيدخلها ويخرج منها، لا عليه ولا له، آلة تديرها قوة فتدار، مولده سنة ٢٢٩ هـ وخلافته سنة ٢٥٦ هـ وطالت أيام ملكه وظهر فيه الضعف والعجز عن إدارة الشؤون والتفكير في الأمور فاتجه أخوه أبو أحمد الموفق بالله وأعانه على
стр. 175
بعض العصاة وكفت يد المعتمد عن كل قول وعمل، حتى إنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاث مئة دينار فلم ينلها، فقال في ذلك:
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرا … ويمنع بعض ما يجبي إليه
وكان الخلفاء من قبله يقيمون في سامراء فانتقل المعتمد منها إلى بغداد، ولم يعد إليها أحد من بعده، وكانت في أيامه شؤون وشجون تجد الكلام عليها في تصانيف الأخبار.
ومات المعتمد سنة ٢٧٩ هـ ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر، ومات أخوه الموفق في السنة التي قبلها، وكانت ولاية العهد للمعتضد الآتي خبره.
المعتضد بالله
ولد سنة ٢٤٢ هـ وتوفي سنة ٢٨٩ هـ
مضى الكلام فيما أسلفنا على عدد كثير من خلفاء بني العباس لم يكونوا من نباهة الذكر وجلالة القدر وارتفاع الشأن بحيث يقرنون مع أسلافهم الأولين كالمنصور والرشيد والمأمون، وجاء في عرض كلامنا إشارات واضحة إلى أن أولئك الخلفاء كانوا موثقين عن العمل غير مطلقين، ومسيرين غير مخيرين، لعبت بهم طوائف الغلمان والمماليك حتى استولت على عقولهم ثم على أموالهم وانتهت إلى التحكم بهم واجتياز تدبير المملكة دونهم فإذا المال في خزائنهم، والرجال طوع أيديهم، والبلاد منقادة لهم فاستراح ضعفاء الخلفاء، بحيث يتعب العظماء، واستمر الأمر جاريا في منهاجه حتى قضى على هذه
стр. 176
الدولة العباسية بعجز ملوكها وخور عزائمهم وهو الذي قوض بعد ذلك أركانها وهدم بنيانها وزلزل سلطانها وفرق أعوانها، وكان حسب الرجل العظيم منهم أن يستميل بعض أولئك الدخلاء إليه ويجعل لكلمته بعض النفوذ ولقوته بعض التأثير كما كان شأن صاحب هذه الترجمة وأبيه من قبله وإليك طرفا من حديثهما:
لما تولى المعتمد (سنة ٢٥٦ هـ) وهو الخليفة المتقدم ذكره أراد أن ينهض بأعباء الملك فأثقلته فلجأ إلى أخيه أبي أحمد طلحة بن المتوكل فعهد إليه بالخلافة ولقبه الموفق بالله واستعان به على أعدائه فكان الموفق من كبار الرجال صد عن أخيه المعتمد غارات الطامعين بملكه، ولكنه اختص بأمور المملكة نفسه وحجر على المعتمد حتى كان يتمنى الشيء اليسير فلا يناله، وكان الموفق شجاعا كثير الحروب موفقا في جميع أعماله، عادلا حسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة وغيرهم فينتصف الناس بعضهم من بعض، وهو عالم بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وأخباره مستطابة (راجع الكامل جـ/ ٧)، ولم تخدم الموفق السعادة فيتولى الخلافة اسما كما تولاها فعلا فإنه توفي في أيام أخيه المعتمد بعلة النقرس سنة ٢٧٨ هـ ودفن ببغداد، ولما مات الموفق بايع القواد بولاية العهد بعد المفوض [إلى الله] بن المعتمد للمعتضد بالله أحمد ابن الموفق.
وفي مبدأ سنة ٢٧٩ هـ خلع المعتمد على الله ابنه جعفر الملقب بالمفوض إلى الله من ولاية العهد وعهد بالخلافة من بعده للمعتضد ابن أخيه الموفق، فأسقط اسم المفوض من السكة والخطبة وأثبت اسم المعتضد وهو صاحب هذه الترجمة:
أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق بالله طلحة بن المتوكل: ولد ببغداد ونشأ بها، فكان عضد أبيه الموفق وساعده في حياته أيام خلافة
стр. 177
المعتمد وأظهر بسالة ودراية في حروبه مع الزنج والأعراب وهو في سن الشباب وبويع بالخلافة بعد وفاة عمه المعتمد سنة ٢٧٩ هـ: فحل عن بني العباس عقدة المتغلبين وظهر بمظهر الخلفاء العاملين، ثم جعل يتوجه بنفسه إلى المفسدين في البلاد وأصحاب الشعب فيقمع ثائرتهم ويفرق عصبتهم ويعود ظافرا فاخرا.
قال ابن الأثير: «وكان المعتضد شهما شجاعا مقداما، وكان ذا عزم مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه».
وكانوا يقولون: قامت الدولة بأبي العباس وجددت بأبي العباس، يريدون بالأول السفاح وبالثاني المعتضد، قال ابن الرومي:
هنيئا بني العباس أن إمامكم … إمام الهدى والجود والناس أحمد
كما بأبي العباس أنشئ ملككم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد
وكان المعتضد عارفا بالأدب والشعر، قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (ج ١، ص ٢٠٣ من طبعة باريس): «كان أبو بكر المعروف بابن العلاف النهرواني الشاعر ينادم الإمام المعتضد بالله قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه فأتانا خادم ليلا فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى … إذا الدار قفرى والمزار بعيد
وقد أرتج علي تمامه فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي … لعل خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت وأمر لك بجائزة» .. والمعتضد ممن اتصف بالحلم العجيب، نقل صاحب تاريخ دول
стр. 178
الإسلام (ج ١، ص ١٢٨) عن أحد وزراء المعتضد عبد الله بن سليمان قال: كنت عند المعتضد يوما، وخادم بيده المذبة (المروحة)، إذ ضربت قلنسوة المعتضد، فسقطت، فكدت أختلط إعظاما للحال، ولم يتغير المعتضد، وقال: هذا الغلام قد نعس، ولم ينكر عليه، فقبلت الأرض وقلت: والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا، ولا ظننت أن حلمه يسعه، فقال: وهل يجوز غير هذا؟ أنا أعلم أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف، والإنكار لا يكون إلا على [المتعمد] دون الساهي الخاطئ، ولم يكن حلمه فيما يحسن به الحلم دونه شدته فيما تجب به الشدة؛ فإنه كان صارم العقوبة اتخذ للمجرمين وذوي المفاسد مطامير تحت الأرض، (وهي حفائر كانت تخبأ فيها الحبوب)، فجعل يزجهم بها ولما مات وولي ابنه المكتفي أمر بهدمها، ومرض المعتضد في بغداد فجدد البيعة لابنه المكتفي بالله ومات بها ومدة خلافته تسع سنين وتسعة أشهر، ونصف شهر إلا يومين.
مات المعتضد، وابنه أبو محمد علي الملقب بالمكتفي بالله في الرقة فلما جاءه الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، وقدم بغداد فاستلم زمام الملك فقام به قياما حسنا وظفر في أكثر ما كان بينه وبين العصاة والثائرين من الوقائع، مولده سنة ٢٦٣ هـ و خلافته سنة ٢٨٩ هـ ووفاته سنة ٢٩٥ هـ، وعاصمته بغداد مقر آبائه وهو:
المكتفي بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل، مرض وهو شاب في الثانية والثلاثين من عمره وطال مرضه فعهد بالخلافة إلى أخيه جعفر المقتدر، ومات ومدة حكمه ستة سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، ولم يكن كأبيه.
وبويع أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالخلافة ولقب نفسه المقتدر بالله بعد وفاة أخيه المكتفي، وكان صغير السن لا يتجاوز الثالثة عشرة فاستصغر وتكلم الناس في أمره فخلعوه.
стр. 179
وولوا أبا العباس عبد الله بن المعتز بالله ولقب بالمرتضى بالله ثم خذله أصحابه وهجم عليه بعض غلمان المقتدر فانهزم واختفى ثم عثروا عليه فقتل وستأتي ترجمته في ديوان الشعراء.
وصفا الملك للمقتدر وطالت أيامه على ما ضمت من الفتن والمحن وكان يستعين في أكثر شؤونه بخادم له يدعى مؤنسا، فبلغ هذا الخادم أن الخليفة يريد به الشر فأعلن عصيانه فأرسل إليه المقتدر يحلف له أن ما بلغه كذب فعاد إلى الطاعة، ثم نكث وجمع أنصاره ودخل بهم دار المقتدر فأخرجوا المقتدر وأمه وأولاده وخواص جواريه من دار الخلافة إلى دار مؤنس فاعتقلوا بها. وبايعوا أخاه المقتدر وهو القاهر بالله محمد بن المعتضد فاستخلف يومين ثم ثارت فرقة من الجيش تعرف بالرجالة فقتلت بعض رؤساء الغلمان ودعت بالخلافة للمقتدر فأعيد إلى الملك ثانية وخرج مؤنس من بغداد وقد علم أن قلب الخليفة لن يصفو عليه فاجتمعت عليه العساكر والغلمان وقصد الموصل فاحتلها، ثم سار بمن معه يريد بغداد فخرج له المقتدر بعسكره فانهزم أصحاب المقتدر وبقي منفردا فرآه جماعة من المغاربة فقتلوه وسلبوه ثيابه وزينته، ثم دفن في موضعه، وكان مولده سنة ٢٨٢ هـ وخلافته سنة ٢٩٥ هـ وخلع بابن المعتز سنة ٢٩٦ هـ، وأعيد بها ثم خلع ثانية بالقاهر سنة ٣١٧ هـ، وأعيد فقتله بعض أصحاب خادمه مؤنس الملقب بالمظفر سنة ٣٢٠ هـ، وكان المقتدر ضعيفا في إرادته وقوته وسياسته فاستولى على الملك خدمه ونساؤه وخاصته وكان مبذرا كثير الإنفاق على البذخ والجواري والندماء مضياعا لماله، والبون شاسع بينه وبين أبيه المعتضد: ذاك أعاد للدولة العباسية شأنها، وهذا هدم ركنها، وقد أطلنا في هذه الكلمة عليه وكان يجدر بناء إغفاله؛ لأنه لا يدخل في رجال هذا الكتاب ضعفاء الرجال وصغارهم.
قر الرأي بعد المقتدر على إعادة أخيه لأبيه محمد بن المعتضد الملقب
стр. 180
بالقاهر فلما ولي ساء السياسة فأحضر أم المقتدر وطلب منها أموال ابنها فأقسمت له أنها لا تملك غير ما في منزلها من متاع الزينة والثياب والأثاث فضربها وعذبها وصادر جميع أصحاب المقتدر وباع أملاكهم وأوقافهم وبلغه أن بعض وزرائه ساءهم ما صنع فهم يتآمرون عليه فقتل مؤنسا، وعلي بن بليق وأباه، وطلب ابن مقلة، وكلهم من خاصته، فاختفى وهيج عليه الجند فزحفوا إلى دار الخلافة ببغداد فاستيقظ القاهر، وفر فقبضوا عليه، وحبسوه وسحلت عيناه فبقي أعمى لا يبصر إلى أن مات، ومولده سنة ٢٨٧ هـ وخلافته الثانية سنة ٣٢٠ هـ وخلعه سنة ٣٢٢ هـ ومدة حكمه سنة وسبعة أشهر ووفاته سنة ٣٢٢ هـ.
الراضي بالله
ولد سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٢٩ هـ
علمت كما أسلفناه ما صارت إليه حال الدولة العباسية من الضعف وتحكم الخاملين، مما أدى بها إلى عصيان أمراء البلاد واستقلال كثير من العمال بما كانوا يلون، وانتهى أمرها إلى صاحب هذه الكلمة.
وهو: أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله، وكان محبوسا مع والدته في أيام القاهر فلما خلع أخرج وبويع بالخلافة سنة ٣٢٢ هـ ولقب بالراضي بالله وكان فاضلا أديبا سمحا يحب محادثة الأدباء والفضلاء والجلوس معهم.
وختم الخلفاء في أمور عدة منها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة كان يجيد الخطبة على المنبر ويطيلها، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين، وشعره رقيق جيد منه قوله: