← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لازمين لها، أي: فزعوا فزعا ماتوا منه " (١). (٢) أما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، ونقل تضعيفه عن البيهقي (٣). وذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى: "أن نفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة، والثانية نفخة إحياء، يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون للحساب. والثالثة: نفخة فزع وصعق، يفيقون منها كالمغشي عليه، لا يموت منها أحد. والرابعة: نفخة إفاقة من ذلك الغشى" (٤). قال ابن حجر بعد أن حكى مقالة ابن حزم: "هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحد منهما باعتبار من يستمعهما، فالأولى يموت فيها كل من كان حيا، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله. والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي

стр. 457

عليه، والله أعلم" (١). (٢) الذين لا يصعقون عند النفخ في الصور (٣): أخبرنا الباري جل وعلا أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يصعقون عندما يصعق من في السماوات ومن في الأرض (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [الزمر: ٦٨]. وقد اختلف العلماء في تعيين الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله: (إلا من شاء الله). ١ - فذهب ابن حزم إلى أنهم جميع الملائكة، لأن الملائكة في اعتقاده أرواح لا أرواح فيها، فلا يموتون أصلا (٤). وهذا الذي ذهب إليه من أن الملائكة لا يموتون لا يسلم له، فالملائكة خلق من خلق الله ﵎، وهم عبيد مربوبون مقهورون، خلقهم، وهو قادر على إماتتهم وإحيائهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه، وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: " إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة منه مثل الغشى "، وفي رواية: " إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا "

стр. 458

فأخبر في هذا الحديث أنهم يصعقون صعق الغشي، فإذا جاز عليهم صعق الغشي، جاز عليهم صعق الموت " (١). ٢ - وذهب مقاتل وغيره إلى أنهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (٢). وأضاف إليه بعض أهل العلم حملة العرش (٣). وصحة هذا متوقف على أحاديث رووها، وأهل العلم بالحديث لا يصححون مثلها (٤). ٣ - وذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أن المراد بهم الذين في الجنة من الحور العين والولدان، وأضاف إليهم أبو إسحاق بن شاقلا من الحنابلة، والضحاك بن مزاحم: خزان الجنة والنار، وما فيها من الحيات والعقارب (٥). يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت " (٦). ٤ - وقد جنح القرطبي صاحب (المفهم إلى شرح مسلم) إلى أن المراد

стр. 459

بهم الأموات كلهم، لكونهم لا إحساس لهم، فلا يصعقون (١) وما ذهب إليه أبو العباس صحيح إذا فسرنا الصعق بالموت، فإن الإنسان يموت مرة واحدة، قال تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان: ٥٦]. وقد عقد ابن القيم في كتابه: «الروح» فصلا بين فيه أن أهل العلم قد اختلفوا في موت الأرواح عند النفخ في الصور. والذي رجحه ابن القيم أن موت الأرواح هو مفارقتها للأجساد، وخروجها منها، ورد قول الذين قالوا بفناء الأرواح وزوالها، لأن النصوص دلت على أن الأرواح تبقى في البرزخ معذبة أو منعمة (٢). أما إذا فسرنا الصعق بالغشي، فإن الأرواح تصعق بهذا المعنى ولا تكون داخلة فيمن استثنى الله ﵎، فإن الإنسان قد يسمع أو يرى ما يفزعه، فيصعق، كما وقع لموسى عندما رأى الجبل قد زال من مكانه (وخر موسى صعقا) [الأعراف: ١٤٣]. وقد جاء هذا المعنى صريحا في بعض النصوص، … قال رسول الله ﷺ : " لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش

стр. 460

بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله " (١) ......... وهذا الحديث صريح في أن الموتى يصعقون، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يصعق صعق غشي هم الشهداء دون غيرهم من الأموات، وأضاف إليهم آخرون من الأنبياء (٢). وذهب إلى أن الشهداء والأنبياء يصعقون صعق غشي البيهقي فقال في صعق الأنبياء: "ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه، إلا في ذهاب الاستشعار، وقد جوز النبي ﷺ أن يكون موسى ممن استثنى الله، فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع في صعقة الطور " (٣) وقد نقل عن ابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير أن الأنبياء والشهداء من الذين استثناهم الله (٤)، وعزاه ابن حجر إلى البيهقي (٥)، فإن كان المراد استثناؤهم من الموت فإن هذا حق، وإن كان المراد استثناؤهم من الصعق الذي

стр. 461

يصيب الأموات كما دل عليه حديث موسى فالأمر ليس كذلك (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولى بالمسلم التوقف في تعيين الذين استثناهم الله، لأنه لم يصح في ذلك نص يدل على المراد. قال القرطبي صاحب التذكرة: "قال شيخنا أبو العباس: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل" (٢). وقال ابن تيمية: " وأما الاستثناء فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناول لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله، فإن الله أطلق في كتابه. والنبي ﷺ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ فإذا كان النبي ﷺ لم يخبر بكل من استثنى الله، لم يمكننا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر الله به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر، والله أعلم " (٣). ونقل القرطبي عن الحليمي أنه أبى أن يكون المستثنون هم حملة العرش أو جبرائيل وميكائيل وملك الموت، أو الولدان والحور العين في الجنة، أو موسى، ثم بين سر إنكاره لهذا فقال: " أما الأول، فإن حملة العرش ليسوا من

стр. 462

سكان السماوات ولا الأرض، لأن العرش فوق السماوات كلها، فكيف يكون حملته في السماوات. وأما جبرائيل وميكائيل وملك الموت فمن الصافين المسبحين حول العرش، وإذا كان العرش فوق السماوات، لم يكن الاصطفاف حوله في السماوات. وكذلك القول الثاني لأن الولدان والحور العين في الجنان، والجنان وإن كان بعضها أرفع من بعض، فإن جميعها فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شك أنها بمعزل عما خلق الله تعالى للفناء، وصرفه إلى موسى لا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة، فلا يموت عند نفخ الصور ثانية " (١). (٢) ورد قول الذين قالوا المستثنون هم الأموات: " لأن الاستثناء إنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة، فأما من لا يمكن دخوله في الجملة فيها، فلا معنى لاستثنائه منها، والذين ماتوا قبل نفخ الصور ليسوا بفرض أن يصعقوا فلا وجه لاستثنائهم " (٣). وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشر، حين تنشق السماوات والأرض فتستقل الأحاديث والآيات والله أعلم " (٤).

стр. 463

وقد جزم ابن القيم رحمه الله تعالى بأن الصعقة التي تحدث عنها الرسول ﷺ ، هي صعقة تكون بعد البعث، وهي المراد بقوله تعالى: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) [الطور: ٤٥]. (١) والله أعلم بالصواب (٢)

стр. 464

قال المصنف-﵀: "وأن القبر الذي بالمدينة قبر محمد ﷺ -معه أبو بكر وعمر". قول المصنف: "وأن القبر الذي بالمدينة قبر محمد ﷺ " وهنا يجدر التنبيه إلى عدة مسائل: المسألة الأولى: دفنه ﷺ . روى مالك في الموطأ "أنه بلغه أن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذًا لا يؤمهم أحد، فقال ناس يدفن عند المنبر، وقال ءاخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال سمعت رسول الله يقول ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه (١)، فحفر له فيه، فلما كان عند غسله أرادوا نزع قميصه فسمعوا صوتا يقول: لا تنزعوا القميص، فغسّل وهو عليه، ثم حفروا له تحت فراشه ودفنوه ﷺ " (٢). وكان موتُه ﷺ يومَ الاثنينِ، وكان دفنُه في آخِرِ اللَّيلِ مِنْ ليلةِ الثُّلاثاءِ أو معَ الصُّبحِ، وقيل: دُفِن ليلةَ الأربِعاءِ.

стр. 465

قال ابن كثير: "الصحيح المشهور عند الجمهور أنه- ﷺ تُوفي يوم الاثنين ودُفن يوم الأربعاء" (١) قال ابن إسحاق: "وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن امرأته فاطمة بنت عُمارة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، عن عائشة-﵂-قالت: دفن رسول الله في جوف الليل من ليلة الأربعاء. (٢) " وروى ابن سعد (٣) وابن ماجه (٤)، والبيهقي (٥) وأبو يعلى (٦) عن ابن عبَّاس-﵄-قال: لمَّا فُرغ من جهاز رسول الله- ﷺ -يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه مع أصحابه بالبقيع، وقال قائل: ادفنوه في مسجده، فقال أبوبكر: سمعت رسول الله- ﷺ -يقول: (ما قُبض نبيُّ إلا دفن حيثُ قُبض) (٧) فرُفع فراش رسول الله- ﷺ -الذي تُوفي عليه فحفروا له تحته". قال الطبري: (فلما فُرغ من جهاز رسول الله- ﷺ -يوم الثلاثاء، وُضع

стр. 466

في سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه. فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أبوبكر: إني سمعت رسول الله- ﷺ -يقول: (ما قُبض نبي إلا دُفن حيثُ يقبض)، فرفع فراش رسول الله- ﷺ -الذي تُوفي عليه، فحُفر له تحته، ثم دخل الناس على رسول الله- ﷺ -يصلّون عليه أرسالاً، دخل الرجال حتى إذا فرغوا أُدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أُدخل الصبيان، ولم يؤم الناسَ على رسول الله- ﷺ -أحد) (١). المسألة الثانية: شبهة هل دُفن النبي- ﷺ -في مسجده الشريف؟ فالجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة-﵃، فإنه لما مات- ﷺ ، دفنوه في حجرة عائشة التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان- ﷺ -يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة-﵃-حينما دفنوه- ﷺ -في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً، لقوله-﵊-من حديث عائشة-﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ -في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت: فلولا ذاك أُبرز قبره غير أنه خشي أن يُتخذ مسجداً) (٢)

стр. 467

ولكن وقع بعدهم ما يكن في حسبانهم! ذلك أن الوليد بن عبد الملك أمر سنة ثمان وثمانين بتوسيع المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله- ﷺ -إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد (١). قال "العلامة الحافظ محمد بن عبد الهادي" في "الصارم المنكي" ص (١٣٦): "وإنما أُدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتاً جابر بن عبد الله، وتُوفي في خلافة عبد الملك، فإنه تُوفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولىَّ سنة ست وثمانين، وتُوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك. قال "الشيخ الألباني": وإنما لم يُسمِّ الحافظُ ابن عبد الهادي السنة التي وقع فيها ذلك o لأنها لم ترد في رواية ثابتة على طريقة المحدثين، وما نقلناه عن ابن جرير هو من رواية الواقدي وهو متهم، ورواية ابن أبي شيبة الآتية في كلام "الحافظ ابن عبد الهادي" مدارها على مجاهيل وهم عن مجهول! كما هو ظاهر، فلا حجة في شيء من ذلك، وإنما العمدة على اتفاق المؤرخين على أن إدخال الحجرة إلى المسجد كان في ولاية الوليد. قال "محمد بن عبد الهادي"، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شُبَّة النميري في كتاب

стр. 468

(أخبار المدينة) مدينة رسول الله- ﷺ -عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة وعمل سقفه بالساج، وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد أو دخل القبر فيه. يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أُدخل المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة، وأن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته- ﷺ ، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضاً لصنيع عمر، وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطراً إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو-﵁-بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى، ولم يتعرض للحجرة، بل قال: (إنه لا سبيل عليها) (١). فأشار-﵁-إلى المحذور الذي يترتب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد. ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين،

стр. 469

فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئاً ما، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم. قال النووي: (ولما احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله- ﷺ -حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة-﵂-مدفن رسول الله- ﷺ -وصاحبيه أبي بكر وعمر-﵄-بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر) (١). ونقل "الحافظ ابن رجب" في (الفتح) نحوه عن القرطبي كما في (الكواكب) (٢) وذكر "ابن تيمية" في (الجواب الباهر) (٣): (أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سُد بابها، وبني عليها حائط آخر، صيانة له- ﷺ -أن يتخذ بيته عيداً، وقبره وثناً) (٤). المسألة الثالثة: مسألة جواز السلام على النبي ﷺ عند حجرته. فمما أفتى به الإمام مالك من جواز السلام على النبي ﷺ عند

стр. 470

حجرته التي دفن فيها وذلك لمن قدم من سفر هو ما أفتي به باقي الأئمة الأربعة. وقد احتجوا بفعل ابن عمر كما احتج به مالك (١). ومنهم من احتج بحديث "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه¬ السلام" (٢). فقد اعتمد الإمام أحمد في زيارة قبره المكرم على هذا الحديث. وعن أحمد أخذ ذلك أبو داود (٣) فلم يذكر في زيارة قبره المكرم غير هذا الحديث وترجم عليه: "باب زيارة القبر" (٤). فهذا الحديث هو عمدة الإمام أحمد وأبي داود وأمثالهم وهو غاية ما عندهم في هذا الباب عن النبي ﷺ إلا أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل (٥).

стр. 471

فليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند قبري) مع أن الذين احتجوا بهذا الحديث قالوا إن هذا هو المراد، ولم يرد على كل مسلم عليه في شرق الأرض وغربها مع أن المعنى أي أنه يرد على كل مسلم في شرق الأرض وغربها إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام. وإن كان المراد بالسلام في الحديث هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة؟ فهذا مما تنازع فيه الناس، وقد توزعوا في دلالته. فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة في زمن عائشة ﵂ فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم (١).

стр. 472

وهذا السلام عليه عند قبره كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة ﵂. وقالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره بل سلامهم عليه كالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه. والذين استدلوا بهذا الحديث على اختصاص تلك البقعة بالسلام جعلوه متناولًا لمن سلم عليه من داخل الحجرة أو من خارجها. وقد اعترض على من احتج بهذا الحديث "ما من أحد يسلم علي الا رد الله علي روحي حتى أرد عليه¬ السلام" على استحباب السلام للقادم عند الحجرة. فقيل: إن هذا الحديث لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره؟ فقد اتفق الصحابة ابن عمر وغيره على أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا وخرجوا بل يكره ذلك، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب بل لو كان جائزا لفعله بعضهم وبهذا يتبين ضعف حجة من احتج بالحديث على استحباب السلام عليه من المسجد. ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن لأحد أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرر ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع

стр. 473

ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر النبي ﷺ في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك بل أبوه عمر كان ينهي عن مثل ذلك فعن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش في الثانية، فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: "ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: وهذا ملة أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فليمض" (١) (٢). ومن استدل بهذا الحديث من العلماء ذكر أنه يرد على القريب وخصوا الجواز للمسافر القادم أو المقيم المسافر. وليس في الحديث ما يدل على التخصيص، ذلك أنه يمتنع أن يقال إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين فيها، فيمتنع أن يكون المعنى من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمين بها فإن

стр. 474

المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص، ولا روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. يبين هذا: أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلموا. فإن قيل: إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطل للحديث. وإن قيل: كان يرد عليهم من هناك، ولا يرد إذا سلموا من خارج فقد ظهر الفرق. وإن قيل: بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به. وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلم من خارج، لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول المفرقين (١) -أي بين أهل المدينة والغرباء-الذين استدلوا بهذا الحديث. هذا ولم يعتمد الأئمة لا الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التي يرويها البعض في زيارة قبره ﷺ كحديث "من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي". وحديث: "من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" ونحو

стр. 475

ذلك فإن هذه الأحاديث وأمثالها لم روها أحد من أئمة الإسلام ولم يعتمدوا عليها، ولم يروها لا أهل الصحاح ولا أهل السنن التي يعتمد عليها كأبي داود والنسائي لأنها ضعيفة بل موضوعة كما قد بين العلماء الكلام عليها" (١). المسألة الرابعة: تخصيص السلام أو الصلاة على النبي ﷺ بالمكان القريب من الحجرة. أما تخصيص السلام أو الصلاة على النبي ﷺ بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع. وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضًا أن يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد. القول الثاني: ومنهم من لم يذكر إلا النوع الثاني فقط أي أنه يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم. القول الثالث: ومنهم من لم يذكروا إلا النوع الأول فقط أي السلام أو الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد، وفي التشهد في الصلاة وهذا ما ذكره كثير من السلف. (٢)

стр. 476

فهذا النوع الأول-أي السلام عند دخول المسجد-هو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد. وأما النوع الثاني-أي السلام عليه عند الحجرة-فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردا عنه فاستحبوه للغرباء دون أهل البلد، محتجين على ذلك بفعل ابن عمر ﵄. وفي هذا الاستحباب نظر "لأن الأمر إذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر، دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي يساغ فيها الاجتهاد، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز (١). فالأولى في هذه المسألة أن يقال: إن فعل ابن عمر إنما يدل على التسويغ بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء بفعل بعض الصحابة لم يبتدع شيئا من عنده. أما أن يقال إن فعل هذا عبادة وطاعة يشرع فعلها احتجاجا بفعل بعض الصحابة-ولا سيما إذا عرف أن جمهور الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك-فلا يكفي الاحتجاج بفعل بعض الصحابة على استحبابه بل الأمر يحتاج إلى دليل شرعي.

стр. 477

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي ولا يكفي في ذلك فعل بعض السلف. ولا يجوز أن يقال إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، أو نهي عن ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك. فيقال: لو كان ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ونظائر هذا متعددة والله أعلم" (١). وفي الوقت ذاته لا يقال: انعقد إجماعهم (٢) على تركه فيبدع من فعله مع أنه قد ثبت فعله من بعض الصحابة كما ثبت من فعل ابن عمر ﵄. هذا فيما يتعلق بالسلام عليه عند حجرته للقادم من السفر. أما الشخص المقيم فلم يستحب أحد من علماء السلف أن يأتي أحد إلى الحجرة للسلام أو الصلاة، بل هو منهي عنه لأن في تخصيص الحجرة للصلاة والسلام بهذه الصورة جعلا لها عيدا، وكذلك فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا يفعلون ذلك. وقد تقدم نقل كلام الإمام مالك في هذه المسألة بعينها وكيف أنه كره ذلك لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك وقال ﵀: "لن يصلح آخر هذه

стр. 478

الأمة إلا بما صلح أولها". (١) فوقوف أهل المدينة بالقبر من البدع التي لم يفعلها الصحابة، وهذه الزيارة منهي عنها لقوله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وروي مثل ذلك في السلام عليه، فعلم أنه يكره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام بل يصلى ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل إليه فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها. المسألة الخامسة: والذين أجازوا السلام عليه عند الحجرة للغرباء اختلفوا كيف يسلم عليه هل تستقبل الحجرة أم القبلة؟ على قولين: القول الأول: فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة كمالك والشافعي وأحمد. القول الثاني: وأبو حنيفة يقول يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول وخلفه في قول. لأن الحجرة النبوية لما كانت خارجة عن المسجد لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه ﷺ ، ويستدبر القبلة، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد، بل كان إن استقبل القبلة صارت عن يساره، وحينئذ فإن كانوا يستقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح" (٢).

стр. 479

المسألة السادسة: والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب في حياته ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة ولا استغفار ولا غير ذلك. وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه (١). فقد تكلم السلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره ١ - فمنهم من نهي عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه. ٢ - ومنهم من رخص في الدعاء له والسلام عليه. ٣ - ومنهم من نهي عن الدعاء له والسلام عليه (٢) (أي عند قبره). المسألة السابعة: ولا يجوز السجود للحجرة ولا الطواف بها بل هو كفر بإجماع المسلمين (٣) بل ولا الصلاة إليها لما ثبت في صحيح مسلم من أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق

стр. 480

البطن بها وغير ذلك مما يفعله الجهال منهي عنه باتفاق المسلمين" (١). قال أبو بكر الأثرم (٢) قلت لأبي عبد الله-يعني أحمد بن حنبل-: قبر النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقيمون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ " (٣). المسألة الثامنة: أبو بكر وعمر ﵄ دُفنا في حجرة عائشة-﵂ -فبالتالي رأى من رأى من العلماء أن مَنْ جاءَ يسلِّم على النبي ﷺ عند حجرته فإنه يأتي ويسلِّم عليهما، والمسألة فيها قولان: القول الأول: فقد رأى من رأى من العلماء هذا جائزا اقتداء بمن فعل ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف، ولا يقف، يقول: السلام عليك

стр. 481

يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت ثم ينصرف (١). وكان يفعل ذلك إذا قدم من سفر أو أراده. فعن عبد الله بن دينار (٢) قال رأوا ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ويصلى ركعتين (٣). وفي رواية عنه أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ ويصلي على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄" (٤). وفي المصنف لابن أبي شيبة بسنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يخرج دخل المسجد فصلى ثم أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم يأخذ وجهه، وكان إذا قدم من سفر يفعل ذلك قبل أن يدخل منزله (٥).

стр. 482

وفي المصنف لعبد الرزاق (١) عن معمر (٢) عن أيوب (٣) عن نافع (٤) قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. القول الثاني: هناك من السلف من يقول: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ نص ثابت صحيح في هذه المسألة، يأمر فيه الأمة بالإتيان إلى قبره للسلام عليه، كما ورد ذلك في شأن السلام عليه في التشهد وعند دخول المساجد والخروج منها، وكذلك فإن الذي كان عليه فعل جمهور الصحابة من بعده ﷺ هو عدم الإتيان للقبر للسلام، ولا تخصيصه بأي عمل من الأعمال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجمهور الصحابة كانوا يدخلون المسجد ويصلون فيه على النبي ﷺ ، ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة

стр. 483

وعند القدوم من السفر، بل يدخلون المسجد فيصلون فيه ويسلمون على النبي ﷺ ولا يأتون القبر، ومقصود بعضهم التحية" (١) وعلى هذا سار كثير من السلف من بعدهم. روى ابن أبي شيبة (٢) في المصنف (٣) عن خالد بن الحارث (٤) قال سئل هشام (٥) أكان عروة (٦) يأتي قبر النبي ﷺ فيسلم عليه؟ قال: لا. وعن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو إسحاق يعني إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ ، وكان يكره إتيانه" (٧).

стр. 484

قال معمر: فذكرت ذلك-أي فعل ابن عمر-لعبيد الله بن عمر (١) فقال: "لا نعلم أحدا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك (٢).

стр. 485

وقول المصنف: "معه أبو بكر وعمر". أي دفنا معه ﷺ ، وأما عن قصة دفنهما معه فقد رغب أبو بكر وعمر ﵄ أن يُدفنا قرب النبي ﷺ ، فلبّت عائشة ﵂ ذلك، وباركته، وسارعت بالاستجابة له، وآثرت به على نفسها. فقد أخرج الطبري بسنده عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولانِ: أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 486

فَلَمَّا تُوُفِّيَ حُفِرَ لَهُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (١). وأما عمر بن الخطاب ﵁ فقد التمس ذلك من عائشة، واهتم لذلك خشية أن لا تأذن. وعن عمر بن الخطاب أنه أمر ابنه عبد الله وهو في فراش موته بعدما طُعِن: (انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، وَلَا تَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنِّي لَسْتُ الْيَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا، وَقُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ، وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلَأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ! قَالَ ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَذِنَتْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ) (٢). والرغبة في الدفن قرب الصالحين أمر شائع، معروف لدى أهل الصلاح، رغب فيه الكثير من السلف والخلف. فكيف بمجاورة سيد المرسلين وخير البرية أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال ابن بطال: "وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه، لأن الموضع كان بيتها، وكان لها فيه حق، وكان لها أن تؤثر به نفسها لذلك، فآثرت به عمر.

стр. 487

قال المصنف-﵀: "و قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن". والدليل على ذلك ما ورد من قول رسول الله ﷺ : «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن» (١) وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : "قلبُ ابنِ آدَمَ بين إصبعَينِ مِنْ أصابعِ الجبَّارِ ، إذا شاءَ أنْ يُقلِّبَه قلَّبَه، فكان يُكثِرُ أنْ يقولَ: يا مُصرِّفَ القلوبِ" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أن يقولَ: «اللَّهمَّ ثبِّتْ قلبي على دينِكَ»، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ تخافُ علينا وقد آمنَّا بِكَ وصدَّقناكَ بما جئتَ بِهِ، فقالَ: «إنَّ القُلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ يقلِّبُها» (٣). قال يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به، فقال: "لله ﵎

стр. 488

أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمته … وأنَّ له إصبعًا؛ بقول النبي ﷺ : «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن »، فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والرويَّة" (١) قال الإمام الطبري: "وأن له أصابع، لقول النبي ﷺ : «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن … » (١٧). إلى أن قال: "فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سماعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع … ". إلى أن قال: "فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفي عن نفسه جل ثناؤه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] … ". إلى أن قال: "فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه"

стр. 489

جاءت النصوص ببيان أن هناك قبضة وأن هناك يمين، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وجاء إثبات الأصابع وجاء إثبات الكف، كل هذا في النصوص واضح على أنها يدٌ حقيقية، فهذه التأويلات كلها يعني تأويلات قبيحة وواضحة البطلان، لكن من كان لا بصيرة له ولا علم له ستروج عليه هذه الأقوال" (١). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: "وندين الله- -بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ من غير تكييف" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ. ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة" (٣). وأما شبهة تأويل الأصابع بالقدرة: فقد زعم الجهمية وبعض الأشاعرة أن المراد بالأصابع هنا: القدرة (٤).

стр. 490

الجواب عن هذه الشبهة: يردُّ على هذه الشبهة من وجهين (١): الأول: أن هذا التأويل خارج عن جميع اللغات فضلًا عن لغة العرب الذي نزل بها الكتاب العزيز، فلا يُعرف في اللغة العربية تأويل الإصبع بالقدرة. الثاني: إنما هي قدرة واحِدة قد كفَتِ الأشياءَ كلَّها وملأتها واستنطقتها، فكيف صارت للقلوب من بين الأشياء قدرتان؟! ومما يبطلُ هذا التأويلَ: أن الإصبع في الحديث مثنَّاة» إصبعين من أصابع الرحمن. « وأما حكايةُ التأويل لهذا الحديث عن الإمام أحمد: فقد حكى أبو حامد الغزاليُّ أنه سمع بعضَ الحنابلة يقول: إن الإمامَ أحمدَ حسَم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ؛ ومنها قوله ﷺ : «قلب المؤمِن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٢) فالجواب عن هذه الحكاية: أن هذه الحكاية لا تصحُّ، ولم تنقل بإسنادٍ صحيح عن الإمام أحمد؛ وقد ردَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فهذه الحكايةُ كذبٌ على أحمد، لم ينقُلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يعرف أحدٌ من أصحابه نقلَ ذلك عنه، وهذا الحنبليُّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهولٌ لا يعرف، لا علمُه بما قال، ولا صِدقُه فيما قال" (٣).

стр. 491

قال المصنف-﵀: و الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة وينزل عيسى بن مريم [إلى الأرض] (١) فيقتله بباب لد (٢) ". معنى المسيح (٣): ذكر العلماء ما يزيد عن خمسين قولاً في معنى" المسيح " (٤). وقالوا إن هذا اللفظ يطلق على الصدّيق وعلى الضلّيل الكذاب، فالمسيح عيسى ابن مريم الصدّيق، مسيح الهدى، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله. والمسيح الدجال هو الضلّيل الكذاب، مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق.

стр. 492

فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر. وقال العلماء في سبب تسمية الدجال بالمسيح: أن إحدى عينيه ممسوحة، وقيل: لأنه يمسح الأرض في أربعين يوماً. والقول الأول هو الراجح، لما جاء في الحديث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ .. " (١). معنى الدجال (٢): الدَّجل: هو الخلط والتلبيس، يقال دَجَلَ إذا لبّس ومَوَّهَ، والدجال: المُمَوِّه الكذاب، الذي يُكثِر من الكذب والتلبيس. ولفظة" الدجال" أصبحت عَلَمَاً على المسيح الأعور الكذاب، وسمي الدجال دجالاً: لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم (٣). صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك (٤): الدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل

стр. 493

يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق ﷺ وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة. نسأل الله العافية. ومن هذه الصفات: (١) أنه رجل شاب أحمر، قصير، أفحج جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة-منتفخة وبارزة-ولا جحراء-غائرة-كأنها عنبة طافئة. وعينه اليسرى عليها ظفرة-لحمة تنبت عند المآقي-غليظة. ومكتوب بين عينيه" ك ف ر" بالحروف المقطعة، أو" كافر" بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم، كاتب وغير كاتب. ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له. وهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة وهي من الأدلة على ظهور الدجال: ١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا

стр. 494

الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ" (١) وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ. ٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: " إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. " (٢). ٣ - وفي الحديث الطويل الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ قال: " ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. " فقال في وصف الدجال: "إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ-شديد جعودة الشعر-عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ" (٣) ٤ - وعن عبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله ﷺ : " إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا حَجْرَاءَ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" (٤) ٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَأَمَّا

стр. 495

مَسِيحُ الضَّلالَةِ فَإِنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ عَرِيضُ النَّحْرِ فِيهِ دَفَأٌ-إنحناء-". (١) ٦ - وفي حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ-كَثِيرُهُ-مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ" (٢) ٧ - وفي حديث أنس ﵁: قال النبي ﷺ : " مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ" (٣)، وفي رواية: " وَمَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر" (٤)، وفي رواية عن حذيفة: " يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ" (٥) وهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها، ولا يشكل رؤية بعض الناس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها " وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن الأدلة بعين
следующие страницы →