← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال المصنف-﵀: و الدجال خارج في هذه الأمة لا محالة وينزل عيسى بن مريم [إلى الأرض] (١) فيقتله بباب لد (٢) ". معنى المسيح (٣): ذكر العلماء ما يزيد عن خمسين قولاً في معنى" المسيح " (٤). وقالوا إن هذا اللفظ يطلق على الصدّيق وعلى الضلّيل الكذاب، فالمسيح عيسى ابن مريم الصدّيق، مسيح الهدى، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله. والمسيح الدجال هو الضلّيل الكذاب، مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق.

стр. 492

فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر. وقال العلماء في سبب تسمية الدجال بالمسيح: أن إحدى عينيه ممسوحة، وقيل: لأنه يمسح الأرض في أربعين يوماً. والقول الأول هو الراجح، لما جاء في الحديث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ .. " (١). معنى الدجال (٢): الدَّجل: هو الخلط والتلبيس، يقال دَجَلَ إذا لبّس ومَوَّهَ، والدجال: المُمَوِّه الكذاب، الذي يُكثِر من الكذب والتلبيس. ولفظة" الدجال" أصبحت عَلَمَاً على المسيح الأعور الكذاب، وسمي الدجال دجالاً: لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم (٣). صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك (٤): الدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل

стр. 493

يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق ﷺ وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة. نسأل الله العافية. ومن هذه الصفات: (١) أنه رجل شاب أحمر، قصير، أفحج جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة-منتفخة وبارزة-ولا جحراء-غائرة-كأنها عنبة طافئة. وعينه اليسرى عليها ظفرة-لحمة تنبت عند المآقي-غليظة. ومكتوب بين عينيه" ك ف ر" بالحروف المقطعة، أو" كافر" بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم، كاتب وغير كاتب. ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له. وهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة وهي من الأدلة على ظهور الدجال: ١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا

стр. 494

الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ" (١) وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ. ٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: " إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. " (٢). ٣ - وفي الحديث الطويل الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ قال: " ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. " فقال في وصف الدجال: "إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ-شديد جعودة الشعر-عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ" (٣) ٤ - وعن عبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله ﷺ : " إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا حَجْرَاءَ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" (٤) ٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَأَمَّا

стр. 495

مَسِيحُ الضَّلالَةِ فَإِنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ عَرِيضُ النَّحْرِ فِيهِ دَفَأٌ-إنحناء-". (١) ٦ - وفي حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ-كَثِيرُهُ-مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ" (٢) ٧ - وفي حديث أنس ﵁: قال النبي ﷺ : " مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ" (٣)، وفي رواية: " وَمَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر" (٤)، وفي رواية عن حذيفة: " يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ" (٥) وهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها، ولا يشكل رؤية بعض الناس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها " وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن الأدلة بعين

стр. 496

بصيرته ولا يراه الكافر فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلّم، لأن ذلك الزمن تنخرق فيه العادات" (١) ومختصر الجواب عن الإشكال أنّ الله على كلّ شيء قدير فهو قادر على أن يري هذه الكتابة بعض الناس دون بعض وقادر على أن يجعل الأمّي يقرؤها. قال النووي: "الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله يظهرها الله لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك" (٢) ٨ - ومن صفاته أيضاً ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في قصة الجسّاسة، وفيه قال تميم الداري ﵁: " فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا" (٣) ٩ - وفتنته عظيمة جدا لدرجة أنه ليس بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من فتنة المسيح الدجال كما جاء وفي حديث عمران بن حصين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ

стр. 497

خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنْ الدَّجَّالِ" (١). وفي رواية أحمد عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فِتْنَةٌ أَكْبَرُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ" (٢). ١٠ - وأمّا أن الدجال لا يُولَدُ له فلما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: "أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ؟ قَالَ قُلْتُ: بَلَى. " (٣). والملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصف عينه اليمنى بالعور وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وقد جمع بعض أهل العلم بين هذه الروايات، فقال القاضي عياض: "أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين اليمنى هي العين المطموسة والممسوحة، العوراء الطافئة-بالهمز-التي ذهب نورها كما في حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى: التي عليها ظفرة غليظة وطافية-بلا همز-معيبة أيضاً ". فهو أعور العين اليمنى واليسرى معاً، فكل واحدة منها عوراء أي معيبة، فإن

стр. 498

الأعور من كل شيء المعيب، لا سيما ما يختص بالعين، فكلتا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابهما والأخرى بعيبها. ووافق القاضي عياض على هذا الجمع النووي، ورجحه القرطبي. مكان خروج الدجال (١): يخرج الدجال من جهة المشرق من خراسان، من يهودية أصبهان، ثم يسير في الأرض فلا يترك بلداً إلا دخله، إلا مكة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما لأن الملائكة تحرسهما. • ففي حديث فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال في الدجال: " أَلا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ لا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ" (٢). • وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ قال: " الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ" (٣). • وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ" (٤).

стр. 499

الأماكن التي لا يدخلها الدجال (١): حرم على الدجال دخول مكة والمدينة حين يخرج في آخر الزمان، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وأما ما سوى ذلك من البلدان فإن الدجال سيدخلها واحداً بعد الآخر. • جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن الدجّال قال: "وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ فَلا أَدَعَ قَرْيَةً إِلا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا" (٢). وثبت أيضاً أن الدجال لا يدخل مسجد الطور، والمسجد الأقصى. • لما روي من حديث جنادة بن أبي أمية الأزدي قال: أتيت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ فقلت له: حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّجَّالِ، فذكر الحديث وقال: " وَإِنَّهُ يَلْبَثُ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ إِلا أَرْبَعَ مَسَاجِدَ مَسْجِدَ الْحَرَامِ وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالطُّورِ وَمَسْجِدَ الأَقْصَى " (٣).

стр. 500

أتْباع الدجال (١): أكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس غالبهم الأعراب والنساء. • فعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَةُ" (٢). والطيالسة: كساء غليظ مخطط. • وفي رواية للإمام أحمد: "سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ" (٣). • وجاء في حديث أبي بكر السابق: " يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ" (٤). وأما كون الأعراب يتبعون الدجال، فلأن الجهل غالب عليهم، أما النساء لسرعة تأثرهن وغلبة الجهل عليهن. • جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : " يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّ قَنَاةَ-وادٍ بالمدينة-فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ

стр. 501

النِّسَاءُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ" (١). فتنة الدجال (٢): فتنة الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب. فقد ورد أن معه جنة وناراً، جنته ناره وناره جنته، وأن معه أنهار الماء وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كسرعة الغيث استدبرته الريح، إلى غير ذلك من الخوارق. وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة. • فعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ-كَثِيرُهُ-مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ" (٣). • وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ: مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ" (٤).

стр. 502

• وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدجال: أن الصحابة قالوا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ". قالوا: وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: "كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ-الماشية-أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا-الأعالي والأسنمة-وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ-كناية عن الامتلاء وكثرة الأكل-. ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ" (١). • وجاء في رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن هذا الرجل الذي يقتله الدجال من خيار الناس أو خير الناس، يخرج إلى الدجال من مدينة رسول الله ﷺ فيقول للدجال: "أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ لا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ" (٢).

стр. 503

• وفي حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال النبي ﷺ عن الدجال: "وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لأَعْرَابِيٍّ أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَقُولانِ يَا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبُّكَ" (١). الوقاية من فتنة الدجال (٢): أرشد النبي ﷺ أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدجال، فقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فلم يدع خيراً إلا دل أمته عليه ولا شراً إلا حذرها منه، ومن جملة ما حذّر منه: فتنة المسيح الدجال لأنها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام الساعة، وكان كل نبي ينذر أمته الأعور الدجال، واختص محمد ﷺ بزيادة التحذير والإنذار، وقد بين الله له كثيراً من صفات الدجال ليُحذِّرَ أمته فإنه خارج في هذه الأمة لا محالة، لأنها آخر الأمم ومحمد ﷺ خاتم النبيين. وهذه بعض الإرشادات النبوية التي أرشد إليها المصطفى ﷺ أمته لتنجو من هذه الفتنة العظيمة: التمسك بالإسلام، والتسلح بسلاح الإيمان ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى التي لا يشاركه فيها أحد، فيعلم أن الدجال بشر يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزه عن ذلك، وأن الدجال أعور والله ليس بأعور، وأنه لا أحد يرى ربه

стр. 504

حتى يموت والدجال يراه الناس عند خروجه مؤمنهم وكافرهم. التعوذ من فتنة الدجال، وخاصة في الصلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، منها: • ما روي عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ" (١). • وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (٢). حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النبي ﷺ بقراءة فواتح سورة الكهف على الدجال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها. ومن الأحاديث الواردة في ذلك: • حديث النواس بن سمعان الطويل، وفيه قوله: " فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ" (٣).

стр. 505

• وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ" أي: من فتنته، قال مسلم: قال شعبة: " مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ وقَالَ هَمَّامٌ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف" (١). قال النووي: "سَبَب ذَلِكَ مَا فِي أَوَّلهَا مِنْ الْعَجَائِب وَالآيَات، فَمَنْ تَدَبَّرَهَا لَمْ يُفْتَتَن بِالدَّجَّالِ، وَكَذَا فِي آخِرهَا قَوْله تَعَالَى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا.) " (٢). وهذا من خصوصيات سورة الكهف فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها وخاصة في يوم الجمعة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُوْرَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ الْنُّوْرِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ" (٣). ولا شك أن سورة الكهف لها شأن عظيم، ففيها من الآيات الباهرات كقصة أصحاب الكهف وقصة موسى مع الخضر وقصة ذي القرنين وبناءه للسد العظيم حائلاً دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصور، وبيان الأخسرين أعمالاً وهم الذين يحسبون أنهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.

стр. 506

فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة وحفظها وترديدها وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشمس، وهو يوم الجمعة. الفرار من الدجال والابتعاد منه (١). والأفضل سكنى مكة والمدينة، والأماكن التي لا يدخلها الدجال، فينبغي للمسلم إذا خرج الدجال أن يبتعد منه وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس، فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات فيتبع الدجال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين. • فعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ-يبتعد-مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ يَتَّبِعُهُ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ بِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ " (٢). هلاك الدجال (٣): يكون هلاك الدجال على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك الدجال يظهر على الأرض ويكثر أتباعه

стр. 507

وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين. وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم ﵇ على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤمنين، فيسير بهم قاصداً المسيح الدجال، ويكون الدجال عند نزول عيسى ﵇ متوجهاً نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب" لُد"-بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس-، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقول له عيسى ﵇: " إن لي فيك ربة لن تفوتني" فيتداركه عيسى فيقتله بحربته، وينهزم اتباعه فيتبعهم المؤمنون فيقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود. وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدجال وأتباعه: • فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ. " فذكر الحديث، وفيه: " فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ " (١). • وعن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ " (٢). • وعن النواس بن سمعان ﵁ حديثاً طويلاً عن الدجال، وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدجال، وفيه قوله ﷺ : "فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي

стр. 508

حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ" (١). • وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: " قال رسول الله ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي خَفْقَةٍ مِنْ الدِّينِ وَإِدْبَارٍ مِنْ الْعِلْمِ" فذكر الحديث وفيه: " ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُنَادِي مِنْ السَّحَرِ فَيَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى الْكَذَّابِ الْخَبِيثِ فَيَقُولُونَ هَذَا رَجُلٌ جِنِّيٌّ فَيَنْطَلِقُونَ فَإِذَا هُمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ فَتُقَامُ الصَّلاةُ فَيُقَالُ لَهُ تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ فَيَقُولُ لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ فَإِذَا صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ خَرَجُوا إِلَيْهِ قَالَ فَحِينَ يَرَى الْكَذَّابُ يَنْمَاثُ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَيَمْشِي إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ وَالْحَجَرَ يُنَادِي يَا رُوحَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ فَلا يَتْرُكُ مِمَّنْ كَانَ يَتْبَعُهُ أَحَدًا إِلا قَتَلَهُ" (٢). وبقتله-لعنه الله-تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شره وشر أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم ﵇ وأتباعه المؤمنين ولله الحمد والمنة. الرد على من أنكر حقيقة المسيح الدجال قال الشيخ حمود التويجري: "وأما خروج الدجال فقد جاء فيه أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، وقد تواترت الأحاديث في خروج

стр. 509

الدجال من وجوه متعددة، ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في كل صلاة لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه، والرد على من أنكر ذلك. وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، ذكر ذلك ابن كثير في النهاية قال: وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله- ﷺ ، وذكر النووي في شرح مسلم: "أن مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار إثبات خروج الدجال خلافا لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة" (١). وقد تبع الخوارج والجهمية والمعتزلة على إنكار خروج الدجال كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا وقبله بزمان، وأنكر بعضهم كثيرا من أشراط الساعة مما هو ثابت عن النبي- ﷺ ، وبعضهم يتأولها على ما يوافق عقليته الفاسدة، ولو كان الذين أشرنا إليهم أهل علم على الحقيقة لما ردوا شيئاً من الأحاديث الثابتة عن النبي- ﷺ ، ولكانوا يقابلونها بالرضا والقبول والتسليم. " (٢)

стр. 510

قال الدكتور يوسف الوابل: "ما تقدم من الأحاديث يدل على تواتر خروج الدجال في آخر الزمان، وأنه شخص حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة. وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح (١)، وتبعه الشيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدجال رمز لاستشراء الباطل، وليس رجلا من بني آدم، وهذا التأويل صرف للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينة!! وإليك ما قاله الشيخ أبو عبية في تعليقه على أحاديث الدجال؛ قال: "اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الأجال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صياد أم غيره؟ يشير إلى أن المقصود بالدجال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولته جبروته، واستشراء خطرة، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسر له من وسائل التمكن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته، وتموت جمرته سلطان الحق، وكلمة الله: (إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ٨١] " (٢). ويقول أيضا: أليس الأولى أن يفهم من الدجال أنه رمز الشر والبهتان

стр. 511

والإفك .. إلخ (١) ويرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدجال رجل بعينه، وليس هناك ما يدل على أنه رمز للخرافات والدجل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، وأن أول ما يخرج الدجال من أصبهان من جهة خراسان. وكلها في جهة المشرق، وما قيل عن ابن صياد هل هو الدجال أم غيره؟ وذكر العلماء الأقوال في ذلك. وإذا تبين هذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب ولا من حيث مكان خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته التي نبهت عليها الأحاديث، والتي تدل دون ارتكاب تجوز لا داعي له على أنه شخص حقيقة. وأيضا؛ فأبو عبية متناقض في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدجال في كتاب الفتن والملاحم، لابن كثير؛ فإنه يعلق على قول النبي ﷺ : «إنه مكتوب بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن». وقوله: «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت». يقول أبو عبية: "وهذا يقرر كذب الدجال في دعواه الربوبية قبحه الله، وأتم عليه غضبه ولعنه" (٢)

стр. 512

فهو هنا يرى أن الدجال إنسان حقيقة، يدعي الربوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجال على الحقيقة، وإنما هو رمز للشر والفتنة!! ولا شك أن هذا تناقض واضح منه. وأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدجال قوله ﷺ : «إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا» (١) (٢)

стр. 513

قال المصنف-﵀: "وما أنكرت العلماء من [أهل السنة (١)] فهو منكر، واحذروا البدع كلها". بعد أن بيَّن المصنِّف-رحمه الله تعالى-وجوبَ لزوم السنَّة، وأن طريقَ السنَّة هو لزومُ طريقِ أصحابِ النبي ﷺ ، فمَن أرادَ الاستقامةَ على شرع الله وعلى دينِ الإسلام فعليه بالتمسكِ بسنَّة النبي ﷺ وذلك إنما يكون بما كان عليه فهمُ السلفِ الصالح من الصحابةِ والتابعين وتابعي التابعين. ذكرَ المصنِّف هنا ما يقابل السنَّة وهي البدعة، والبدعة في أصل اللغة: الشيء المبتدَع هو الشيء المخترَع على غيرِ أثرٍ سابق (٢)؛ أو على غير مثالٍ سابق، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] فالنبي ﷺ لم يكن أولَّ الرسل وإنما قد كان من قبله عددٌ كبيرٌ من أنبياءِ الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم. وهكذا قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي أن الله خلقَ السماواتِ والأرض على غيرِ مثالٍ سابق، فهذا معنى البدعة في اللغة.

стр. 514

و الشيء المبتدَع يطلق على أمرين: الأمر الأول: أمرٌ مبتدَع في أمور الدنيا كالمخترَعات التي يخترعها البشر في مصالحِ دنياهم. والأمرُ الثاني: الأمر المبتَدع في أمر الدين. فما يتعلق بأمرِ مصالح الناس من مخترَعاتهم كوسائلِ تنقلاتهم وما يتعلق بمساكنهم، وما يتعلق بأدواتهم ونحو ذلك؛ فهذا لا شأنَ له بهذا الأمر، وإنما الكلامُ هنا عن الابتداعِ في الدين. ومعلومٌ أن الابتداعَ في الدين أمرٌ محرَّم، والنبي ﷺ حذرنا وقال: «وإياكم ومحدَثات الأمور فإن كل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة» (١) فما استثنى النبي ﷺ شيئاً من البدع، ولا حجةَ لقائلٍ في قول عمر ﵁ في شأنِ التراويح: "نعمتُ البدعةُ هي" (٢). فالتراويح لم تكن أمراً على غيرِ مثالٍ سابق فقد صلى النبي ﷺ بأصحابه التراويح ولكن النبي ﷺ رأفةً ورحمةً بأمته لم يستمر بهم خشيةَ أن تُفرَضَ عليهم، فالتراويح لم تكن أمراً مبتدَعاً من الناحية الشرعية واستعمال عمر لهذه اللفظة إنما هو استعمالٌ من حيث المعنى اللغوي لا أكثر (٣).

стр. 515

فالبدع منهيٌّ عنها جملةً وتفصيلاً، وكما قال النبي ﷺ : «من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ (١)، والناسَ لم يبتدعوا بدعةً قط حتى تركوا من السنَّةِ مثلها، فهذا هو الواقع المعايَش؛ أنه ما أُحيِيت بدعة إلا وأُمِيتَت سنَّة، والإنسان عليه أن يسألَ نفسه هل استطعنا أن نقومَ بالواجباتِ كما ينبغي وبسنن النبي ﷺ كما كان ينبغي وبقيَ عندنا فضلا وزيادة من الوقتِ والجهد لنبحثَ عن زيادة على تلك الواجبات وتلك السنن؟!. أعتقد أن جواب كل واحدٍ منّا أننا على تقصيرٍ كبير في شأن الواجبات وتفريطٍ أكبر في شأنِ السنن والنوافل، والواحدُ منَّا لو تأملَّ في صلاة الفريضة كيف أدَّاها وكيف صلَّاها لبكى على حاله وعلى نفسه من تقصيره في أدائها وبالتالي هل الناس استطاعوا أن يؤدُّوا الواجبات والسنن لينتقلوا بعد ذلك إلى أمورٍ أخرى؟ فما بالك إذا كان إحياءُ البدعة حتماً ولابد أن يكونَ في مقابله إماتةٌ للسنَّة، فأولئك الذين يبتدعون في الأذكار بعد الصلوات كالذكر الجماعي؛ لما انشغلوا أو شغلوا تلك الأوقات بأذكارٍ جماعية كان هذا في مقابل إماتةِ السنَّة التي كان عليها النبي ﷺ في ذكره بعد الصلاة.

стр. 516

فما داموا شغلوا تلك الأوقات بتلك البدع كان في مقابل ذلك إماتةٌ للسنَّة، وهكذا فقِسْ؛ كلما أُحيِيَت بدعة أُمِيتَ في مقابلها سنَّة فهذا مما يدل على أن من شرِّ هذه البدع ومن خطرها أن فيها إماتةٌ للسنَّة، ويصلُ الحال ببعضهم إلى أن يرى السنَّةَ بدعة والبدعةَ سنَّة لأنه ألِفَ البدعة ونشأ عليها ولما يُؤتَّى إليه بأمرٍ من السنَّة ينكره ويرى أنه هو البدعة فتنقلبُ عنده الموازين. (١) والحث على التمسك بالسنة والتحذير من البدع هو وصية النبي ﷺ ووصية السلف الصالح من بعده من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن جاء بعدهم، فعن العرباض بن سارية (٢) ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٣). فوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما

стр. 517

سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه. وقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما: ١ - الاتباع. ٢ - ترك الابتداع. ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ ، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها. ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة. فأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.

стр. 518

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "ولا عين نظرت (١) بعد النبي ﷺ -خيراً من أبي بكر الصديق ﵁، ولا بعد أبي بكر عين نظرت خيراً من عمر، ولا بعد عمر عين نظرت خيراً من عثمان، ولا بعد عثمان بن عفان عين نظرت خيراً من علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين؛ [قال أحمد: كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت عن علي حين صح لنا حديث ابن عمر بالتفضيل (٢)]. قال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون". أولاً: هذه المسائل المتعلقة بالمفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ يذكرها العلماء دائماً توطئة لمسائل الخلافة والإمامة. فمسألة تفضيل أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ على باقي الصحابة، ويدخل فيها مسألة تفضيل عثمان على علي. وأهل السنة يعتقدون بأن خير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر

стр. 519

وعمر وعثمان، ثم علي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك يأتي بقية العشرة، ثم يأتي بعد هذا أهل بدر، ثم يأتي بعد ذلك أهل بيعة شجرة الرضوان، ثم بعد ذلك يأتي أهل الفتح فتح مكة ثم بعد ذلك يتوالى الفضل بحسب أقدمية ذلك الذي أسلم من الصحابة. قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: «ويقرُّون بما تَوَاتَرَ به النَّقْلُ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بْنِ أبي طالبٍ ﵁ وغيرِه، مِنْ أَنَّ خَيْرَ هذه الأُمَّةِ بعد نَبِيِّهَا: أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃ أجمعين، كما دلَّت عليه الآثارُ» (١). وقد أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، وإن كان بعض السلف قد اختلفوا في التفضيل بين عثمان وعلي-فإنهم لم يختلفوا في الترتيب في البيعة للخلافة، وكل مَنْ خالف الترتيب في الخلافة فإنه من أهل البدع. وترتيب أهل السنة: (أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ويثُلِّثُونَ بِعُثْمَان، ويُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ ﵃ أجمعين). وإن كان ثَمَّ خلاف في التفضيل بين عثمان وعليٍّ، ولكنه لا يترتب عليه أي أثر في الانتساب لأهل السنة؛ «فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، وربَّعوا بعليٍّ، وقدَّم قومٌ عليًّا، وقومٌ توقَّفوا، لكن استقرَّ أمرُ أهلُ السُّنَّة على تقديم عُثْمَان ثم عليٍّ.

стр. 520

ثانيًا: ذكر تفاضل الأربعة رضوان الله عليهم. (١) أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على تفضيل أبي بكر وتقديمه على سائر الصحابة ثم تفضيل عمر بعده على عثمان ثم عثمان بعد عمر على من بعده رضوان الله عليهم، وكانوا يتحدثون بذلك في زمن النبي ﷺ وهو يسمعهم فلا ينكره، ثم أجمعوا على تقديم علي بعد عثمان فقدموه وبايعوه بالخلافة. فالصحابة مجمعون على تفضيل أبي بكر على عمر ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي ﵃ أجمعين، وتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف. قال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (٢) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (٣)

стр. 521

والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان، يقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (١). قال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (٢). وروى ابن عبد البر بسنده أن مالكا سئل: من تقدم بعد رسول الله؟

стр. 522

قال أقدم أبا بكر وعمر ولم يزد على هذا. وروى أيضا قول مالك: «ليس من أمر الناس الذين مضوا عليه أن يفاضلوا بين الناس (١) ولقد روى الخلال بسنده عن أيوب السختياني أنه قال: «دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدا يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (٢). هذا، وقد ذكر ابن حزم (٣) عن بعض السلف من الصحابة وغيرهم سمى بعضهم، أن منهم من قال: أفضل الناس بعد النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومنهم من قال وبعد جعفر حمزة، وأن منهم من قال إن أفضل الناس بعد النبي ﷺ عبد الله بن مسعود، وغير ذلك مما ذكره ابن حزم عن بعض السلف من غير أن يذكر إسناداً؛ لما رواه عنهم، وقد قال ابن تيمية ﵀: «وأما ما يحكي عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر وتقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديماً عاماً وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي (٤). ويشهد لما قاله ابن تيمية من كلام ابن حزم نفسه فقد حمل ما ورد عن

стр. 523

أم سلمة ﵂ في ذكرها زوجها قبل النبي ﷺ على أنه مذهبها في التفضيل، قال: «وروينا عن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ أنها تذكرت الفضل ومن هو خير فقالت: ومن هو خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ (١)، والمروي عن أم سلمة في ذلك ما جاء في سياق قصة زواجها بالنبي ﷺ من قولها: «فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منه، قال: «ثم رجعت إلى نفسي قلت: من أين لي خير من أبي سلمة، فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ ، فذكرت قصة خطبة النبي لها ثم زواجها منه ﷺ حتى قولها: «فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله ﷺ (٢) وحمل ما ورد في هذه الرواية عن أم سلمة أنه مذهبها وقولها في أفضل الناس بعد رسول الله-كما حمله ابن حزم-عجيب غاية العجب، ولقد وردت أحاديث في تفضيل أعيان من الصحابة كل واحد في أمر مخصوص كما في حديث: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن

стр. 524

الجراح (١) ونحو ذلك من الأحاديث ومن قال من السلف مثلا أفرض الصحابة زيد فليس هذا قول منه بأنه أفضل الصحابة بعد النبي وإن توهم الواهم ذلك. وقد روى الذهبي بسنده عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: وما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا ركب الكور رجل أفضل من جعفر». ثم قال الذهبي: «هذا ثابت عن أبي هريرة، ولا ينبغي أن يزعم زاعم أن مذهبه: أن جعفراً أفضل من أبي بكر وعمر، فإن هذا الإطلاق ليس هو على عمومه، بل يخرج منه الأنبياء والمرسلون، فالظاهر أن أبا هريرة لم يقصد أن يدخل أبي بكر ولا عمر ﵃» (٢). ومن قبيل ما ذكره ابن تيمية ﵀ ما حكاه الخطابي عن بعض المتأخرين إذ قال: «وللمتأخرين في هذا مذاهب، منهم من قال بتقديم أبي بكر من جهة الصحابة وبتقديم علي من جهة القرابة» قال: وكان بعض مشايخنا يقول: أبو بكر خير وعلي أفضل قال: وباب الخيرية غير باب الفضيلة، قال: وهذا كما تقول: إن الحر الهاشمي أفضل من العبد الرومي والحبشي، وقد يكون العبد الحبشي خيراً من هاشمي في معنى الطاعة لله والمنفعة للناس، فباب الخيرية متعد وباب الفضيلة لازم (٣)

стр. 525

وهذا الذي حكاه الخطابي هو في معنى ما تقرر من أنه قد تكون في المفضول فضيلة لا توجد في الفاضل من غير أن ينال ذلك من تفضيل الفاضل على المفضول، والله أعلم. وكان ابن عبد البر قال: «اختلف السلف أيضا في تفضيل علي وأبي بكر» (١) قال الزركشي: «قد غلط في ذلك ووهم» (٢) كيف وهو نفسه ممن نقل اجتماع السلف والخلف على أن عليا أفضل الناس بعد عثمان (٣). فالصحابة مجمعون على تفضيل أبي بكر على عمر ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي ﵃ أجمعين، ولقد اتفق-الناس-الصحابة وغيرهم-بعد مقتل عمر ﵁ على تفضيل عثمان، حكى هذا الاتفاق صاحب رسول الله صلى عليه وسلم، عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود ﵄، أما عبد الرحمن فقد قال في قصة بيعة عثمان ﵁ لما اختاره للخلافة بعد عمر: «أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان (٤)

стр. 526

وكان قد قال ﵁ قبل ذلك للشيخين عثمان وعلي ﵄ حين التشاور: «أفتجعلونه- (يعني أمر الاختيار) -إلي والله على أن لا آلو عن أفضلكم» (١) وقال عبد الله بن مسعود ﵁ لما استخلف عثمان: «أمرنا خير من بقي ولم نأل» (٢) وقال ﵁: «إنا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل عن خيرنا ذي فوق فبايعنا أمير المؤمنين عثمان». (٣) وقال الإمام أحمد: «لم يكن بين أصحاب رسول الله اختلاف أن عثمان أفضل من علي» (٤). ومضى اعتقاد أهل السنة والجماعة على ذلك إلا ما كان من خلاف يسير في المفاضلة بين عثمان وعلي أيهما أفضل؟ بعد أن أجمعوا على تقديم أبي بكر

стр. 527

وعمر عليهما في الفضل بلا خلاف. وتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف. قال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (١) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (٢) والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان. يقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل،

стр. 528

فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (١). وقال ابن عبد البر بعد ذكره للخلاف الواقع بين أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي: «وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر وتقديم عمر على عثمان وتقديم عثمان على علي ﵃» (٢) وقال ابن الصلاح: «وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة (٣)» قال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (٤). وحاصل ما كان عليه أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي قبل انعقاد إجماعهم على تفضيل عثمان ثلاثة مذاهب:

стр. 529

الأول: تفضيل عثمان ثم علي-وكان مذهب الجمهور. الثاني: تفضيل علي ثم عثمان-وكان قد ظهر في أهل الكوفة. الثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وكان قد ظهر في أهل المدينة. فالمذهب الأول: هو الذي كان عليه عامة أهل السنة كما قال ابن عبد البر (١) والخطابي (٢)، وابن حجر (٣) وغيرهم، وفي هؤلاء من توقف في التفضيل عند عثمان فقال بتفضيل عثمان بعد عمر وسكت على ذلك، مع اعتقاده بالتربيع بعلي، وإنما قصد بالتوقف عند عثمان الاقتداء بحدث ابن عمر المتقدم، وهم لا يقدمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل، وصرح ﵀ بأن التوقف عند عثمان إنما هو عمل بحديث ابن عمر فقال: نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، على حديث ابن عمر» (٤) وقال ﵀: «فإن قال قائل من بعد عثمان؟ قلت: علي (٥) وقال ﵀ لمن سأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قال: «أذهب إليه، ويعجبني أن أقول أبو بكر وعمر وعثمان وأسكت، وإن قال رجل: وعلي، لم أعنفه، ولا يعجبني هذا القول.

стр. 530

قال ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان، ونترك أصحاب رسول الله له لا نفضل بينهم (١) وقال ﵀: «من وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة» (٢). وهذا المسلك مروي عن جماعة من أئمة أهل السنة كيحيي بن معين وبشر بن الحارث ويزيد بن زريع ومحمد بن عبيد وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (٣)، وسبق بيان أن ما ورد في حديث ابن عمر من السكوت عن علي متأول بأمور منها أن الإجماع المنعقد على تقديم علي بعد عثمان إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر. وأما المذهب الثاني: وهو تفضيل علي ثم عثمان بعد أبي بكر وعمر فهو كان مذهب عامة أهل الكوفة، قال الخطابي: «ذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه-يعني عليا-على عثمان ﵄ قال: «وحدثني محمد بن هاشم حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة عن عبد الصمد قال: قلت لسفيان الثوري: «ما قولك في التفضيل؟ فقال: أهل السنة من أهل الكوفة يقولون: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وأهل السنة من أهل البصرة يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، قلت: فما تقول أنت؟
следующие страницы →