← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكان قد قال ﵁ قبل ذلك للشيخين عثمان وعلي ﵄ حين التشاور: «أفتجعلونه- (يعني أمر الاختيار) -إلي والله على أن لا آلو عن أفضلكم» (١) وقال عبد الله بن مسعود ﵁ لما استخلف عثمان: «أمرنا خير من بقي ولم نأل» (٢) وقال ﵁: «إنا اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل عن خيرنا ذي فوق فبايعنا أمير المؤمنين عثمان». (٣) وقال الإمام أحمد: «لم يكن بين أصحاب رسول الله اختلاف أن عثمان أفضل من علي» (٤). ومضى اعتقاد أهل السنة والجماعة على ذلك إلا ما كان من خلاف يسير في المفاضلة بين عثمان وعلي أيهما أفضل؟ بعد أن أجمعوا على تقديم أبي بكر

стр. 527

وعمر عليهما في الفضل بلا خلاف. وتفضيل أبي بكر على عمر بلا خلاف. قال الشافعي ﵀: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان». قال البيهقي-بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده-: «وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا (١) وقال يحيى بن سعيد القطان: «من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما إنما كان الاختلاف في علي وعثمان (٢) والخلاف الذي وقع في ذلك خلاف يسير، وما وقع إلا في المفاضلة بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في الفضل دون الخلافة، فإنهم مجمعون بلا خلاف على تقديم عثمان علي علي في الخلافة، وعلى صحة الخلافتين، ثم إن ذاك الخلاف قد انقضى واستقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان علي علي ورجع بعض من قال بتقديم علي إلى تقديم عثمان. يقول ابن تيمية ﵀: «مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، أيهما أفضل،

стр. 528

فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا)، قال: «لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان علي علي، وإن كانت هذه المسألة-مسألة عثمان وعلي-ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله» (١). وقال ابن عبد البر بعد ذكره للخلاف الواقع بين أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي: «وأهل السنة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر وتقديم عمر على عثمان وتقديم عثمان على علي ﵃» (٢) وقال ابن الصلاح: «وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث والسنة (٣)» قال ابن حجر: «الإجماع انعقد بأخره بين أهل السنة أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة» (٤). وحاصل ما كان عليه أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي قبل انعقاد إجماعهم على تفضيل عثمان ثلاثة مذاهب:

стр. 529

الأول: تفضيل عثمان ثم علي-وكان مذهب الجمهور. الثاني: تفضيل علي ثم عثمان-وكان قد ظهر في أهل الكوفة. الثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وكان قد ظهر في أهل المدينة. فالمذهب الأول: هو الذي كان عليه عامة أهل السنة كما قال ابن عبد البر (١) والخطابي (٢)، وابن حجر (٣) وغيرهم، وفي هؤلاء من توقف في التفضيل عند عثمان فقال بتفضيل عثمان بعد عمر وسكت على ذلك، مع اعتقاده بالتربيع بعلي، وإنما قصد بالتوقف عند عثمان الاقتداء بحدث ابن عمر المتقدم، وهم لا يقدمون على علي أحدًا بعد الثلاثة، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل، وصرح ﵀ بأن التوقف عند عثمان إنما هو عمل بحديث ابن عمر فقال: نقول أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت، على حديث ابن عمر» (٤) وقال ﵀: «فإن قال قائل من بعد عثمان؟ قلت: علي (٥) وقال ﵀ لمن سأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، قال: «أذهب إليه، ويعجبني أن أقول أبو بكر وعمر وعثمان وأسكت، وإن قال رجل: وعلي، لم أعنفه، ولا يعجبني هذا القول.

стр. 530

قال ابن عمر: أبو بكر وعمر وعثمان، ونترك أصحاب رسول الله له لا نفضل بينهم (١) وقال ﵀: «من وقف على عثمان ولم يربع بعلي فهو على غير السنة» (٢). وهذا المسلك مروي عن جماعة من أئمة أهل السنة كيحيي بن معين وبشر بن الحارث ويزيد بن زريع ومحمد بن عبيد وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (٣)، وسبق بيان أن ما ورد في حديث ابن عمر من السكوت عن علي متأول بأمور منها أن الإجماع المنعقد على تقديم علي بعد عثمان إنما حدث بعد الزمن الذي قيده ابن عمر. وأما المذهب الثاني: وهو تفضيل علي ثم عثمان بعد أبي بكر وعمر فهو كان مذهب عامة أهل الكوفة، قال الخطابي: «ذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه-يعني عليا-على عثمان ﵄ قال: «وحدثني محمد بن هاشم حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة عن عبد الصمد قال: قلت لسفيان الثوري: «ما قولك في التفضيل؟ فقال: أهل السنة من أهل الكوفة يقولون: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وأهل السنة من أهل البصرة يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، قلت: فما تقول أنت؟

стр. 531

قال: أنا رجل كوفي، قال الخطابي: «قلت: وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه: «أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃» (١)، وكما رجع سفيان الثوري رجع غيره من أهل الكوفة. كما قال ابن تيمية ﵀: «إن سفيان الثوري وطائفة من الكوفة رجحوا علياً ثم عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره» (٢) وقال ابن حجر: «ذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان، وممن قال به سفيان الثوري، ويقال إنه رجع عنه، وقال به ابن خزيمة وطائفة قبله وبعده (٣) هذا، وقد روى الخلال بسنده عن يحيي بن سعيد القطان أنه قال: «كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر ثم يقف» (٤) وكان التوقف مذهب يحيى بن سعيد وقال الإمام أحمد: «بلغني أن يحيى كان يقف عند ذكر عمر» قال: «وكان يأخذه من سفيان» (٥) يعني الثوري، فلا أدري متى كان التوقف من سفيان؟ والله أعلم.

стр. 532

وأما المذهب الثالث: وهو التوقف عن المفاضلة بينهم، فهو رواية عن مالك، ففي المدونة قال ابن القاسم: «وسألت مالكا عن خير الناس بعد نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فقال: أبو بكر ثم قال: أو في ذلك شك؟ قال ابن القاسم: فقلت لمالك: فعلي وعثمان أيهما أفضل فقال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه-يعني عليا وعثمان-ويرى الكف عنهما» (١) وروى ابن عبد البر بسنده أن مالكا سئل: من تقدم بعد رسول الله؟ قال أقدم أبا بكر وعمر ولم يزد على هذا. وروى أيضا قول مالك: «ليس من أمر الناس الذين مضوا عليه أن يفاضلوا بين الناس» (٢) وروى اللالكائي بسنده أن مالكا سئل عن علي وعثمان فقال: «ما أدركت أحداً ممن يقتدى به إلا وهو يرى الكف عنهما، يريد التفضيل بينهما، فقيل له: فأبو بكر وعمر فقال: ليس في أبي بكر وعمر شك، يريد أنهما أفضل من غيرهما» (٣)، وقد ذكر ابن تيمية أن مالكاً رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ثم علي فقال: «أما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما وهي

стр. 533

إحدى الروايتين عن مالك» (١) وقال في موضع آخر: «وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان علي علي كما هو مذهب سائر الأئمة» (٢) وقد اعتمد ابن رشد في كلام له تقديم عثمان ثم علي في مذهب مالك وقال: «وقيل: إنه الذي رجع إليه مالك بعد أن وقف في عثمان وعلي، فلم يفضل أحدهما على صاحبه على ظاهر ما وقع في كتاب الديات من المدونة» قال ابن رشد: «على أنه كلام محتمل للتأويل» (٣) وذكر السيوطي أنه قد حكى القاضي عياض عن الإمام مالك أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان، قال القرطبي: وهو الأصح إن شاء الله (٤) ولعل من وافق مالكا على التوقف قبل الرجوع يكون قد رجع إلى تفضيل عثمان على علي كما رجع مالك موافقة له في الرجوع بعد موافقته في التوقف، ولقد روى الخلال بسنده عن أيوب السختياني أنه قال: «دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وسليمان وغيرهما فما رأيت أحدًا

стр. 534

يختلف في تقديم أبي بكر وعمر وعثمان (١). وتوقف في المفاضلة بين عثمان وعلي من غير أهل المدينة يحيى بن سعيد القطان من أهل البصرة وقد استغرب عبد الرحمن بن مهدي ذلك فقال ليحيى: «بمن تقتدي في هذا وأهل البصرة ليس هذا قولهم؟!» (٢) وذكر ابن حجر أن يحيى القطان تبع مالكا في التوقف (٣)، ولكن قد سبق قبل قليل قول الإمام أحمد أن يحيى أخذ التوقف عن سفيان الثوري، ويحيى قد حكى هذا القول عن سفيان فقد أخرج الخلال أن يحيى بن معين قال: «قال يحيى بن سعيد: كان رأي سفيان الثوري: أبو بكر وعمر ثم يقف، قال يحيى بن معين: «وهو رأي يحيى بن سعيد» (٤) كأنه يشير إلى أن ذلك منه موافقة سفيان فيما رواه عنه. والله أعلم. والحاصل أن ما روي عن أئمة السلف من تقديم علي على عثمان أو التوقف فيهما قد رجعوا عنه واستقر مذهب أهل السنة على تفضيل عثمان ثم علي. وهذا هو المذهب الحق الذي لا يجوز العدول عنه لثبوته بالأدلة الشرعية من السنة والإجماع وسبق بيانهما من حديث ابن عمر وإجماع الصحابة على تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر وجميع ذلك ثابت صحيح كما تقدم،

стр. 535

ولذلك قال الإمام أحمد: «كل من قدم عليًا ثم عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار (١) وكذلك قال حماد بن زيد (٢) وروي نحو ذلك عن جماعة من الأئمة كسفيان الثوري والدارقطني وغيرهم (٣). حتى إن الأئمة قد تكلموا في تبديع من يقدم علياً على عثمان على قولين (٤). وروي عن بعضهم أنه قال: من قدم عليًا على عثمان فعليه لعنة الله، وبعضهم قال: فهو أحمق (٥).

стр. 536

قال المصنف-﵀: "وأن نشهد للعشرة بالجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف الزهري وأبو عبيدة بن الجراح". من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: "نشهد بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ منهم؛ فقد شهد ﷺ للعشرة؛ فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (١). وشهد ﷺ لثابت بن قيس بالحنة؛ فعن أنس بن مالك ? أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا مِنْ أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ اشتكى؟». قال سعد: إنه لجاري، وما علمتُ له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله ﷺ ، فقال ثابت:

стр. 537

أُنْزِلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني مِنْ أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ ، فأنا مِنْ أهل النار، فذكر ذلك سعدٌ للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «بل هو مِنْ أهلِ الجَنَّة» (١). وشهد ﷺ لعُكَّاشة بن محصن ﵁ أنه من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ (٢). وشهد ﷺ لبلالٍ بالجنة؛ فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال، حَدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام؛ فإني سمعتُ دَفَّ نَعليك (٣) بين يدي في الجنَّة!». قال: ما عملت عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورًا-في ساعة ليل أو نهار-إلَّا صَلَّيت بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أُصَلِّي» (٤). وبشَّر ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة مِنْ قَصب؛ لا صخب، فيه ولا نصب (٥). وقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (٦).

стр. 538

وشهد ﷺ لغيرهم من الصحابة. فكلُّ مَنْ ثبت أنَّ النبي ﷺ قد شهد لهم بالجنة-فإننا نشهد لهم كذلك. قال ابن كثير: "وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃" (١). ومثله قال العيني في العمدة. وقد بوب عليه البيهقي: "باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها" (٢). وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة" (٣).

стр. 539

جاء في تكملة المجموع شرح المهذب: "من ثبت عليه منهم أن يكفر من شهد له النبي ﷺ بالجنة من العشرة وغيرهم فهو كافر" (١) نص الرسول- ﷺ -نصاً صريحاً على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي (مسند أحمد)، و (سنن الترمذي) عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ -قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة». (٢) وإسناده صحيح وروى الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والضياء في المختارة عن سعيد بن زيد بلفظ فيه شيء من الاختلاف عن سابقه، ولفظه: «عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة». (٣) وإسناده صحيح.)

стр. 540

فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ، قال ابن كثير: "لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃" (١).

стр. 541

قال المصنف-﵀: "و من شهد النبي ﷺ -له بالجنة شهدنا له بالجنة". أولاً: أقسام الشهادة. يقسم أهل السنة الشهادة إلى قسمين عامة وخاصة: فالعامة: أنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. والخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيّن إلا ما عيّنه الله أو رسوله. • قال شيخ الإسلام ابنن تيمية: "اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُمْ يَجْزِمُونَ بِالنَّجَاةِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُونَ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِدُخُولِهِ فِي الْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى التَّقْوَى عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا يَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ [صَلَّى للَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] وَلَهُمْ فِيمَنِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ" (١). • قال الشيخ ابن عثيمين: "الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع فمن شهد له الشارع بذلك؛ شهدنا له، ومن لا؛ فلا، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء،

стр. 542

وتنقسم الشهادة إلى قسمين عامة وخاصة: فالعامة: هي المعلقة بالوصف، مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، أو لكل كافر بأنه في النار، أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سبباً لدخول الجنة. والخاصة: هي المعلقة بشخص، مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيّن إلا ما عيّنه الله أو رسوله. "اه (١) ثانياً: مسألة الشهادة لمعين بجنة أو نار. فمن معتقد أهل السنة والجماعة أن من كان من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إلا من شهد له الرسول ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إِنَّمَا قَدْ نَقِفُ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَلَا نَشْهَدُ لَهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ لَا نُحِيطُ بِهِ، لَكِنْ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ. وأهل السنة لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: القول الأول: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ.

стр. 543

وَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَاءَ فِيهِ نَصٌّ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. " (١). وقد استدل لهذا القول: -حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة"، وهذا في حديث الذي قتل نفسه بعد أن أثنى عليه الناس. -الحديث الآخر: "إن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة" (٢). والشاهد من هذه الأحاديث أن خاتمة السوء لا تؤمن فكيف يقطع للرجل بالجنة؟ -حديث أبي هريرة في الصحيح قال خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلاما يقال له مدعم فوجه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي

стр. 544

القرى بينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا" (١). فهذا مع شهادة الناس له بالجنة بين النبي ﷺ أن حقيقة حاله على خلاف ما شهد له به. -حديث أم العلاء في البخاري قالت: "سكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لي النبي ﷺ وما يدريك أن الله أكرمه فقلت لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد جاءه والله اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به قالت فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك قالت فنمت فأريت لعثمان عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال ذاك عمله" (٢)، والشاهد من الحديث نص وإقرار، أما النص فالقصة وما وجه به النبي ﷺ فيها، وأما الإقرار فلقولها لا أزكي أحداً بعده.

стр. 545

وهذا كالصريح في النهي، قال ابن كثير: "وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃" (١). ومثله قال العيني في العمدة. وقد بوب عليه البيهقي: "باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها" (٢). هذا مع أن عثمان بن مظعون (أبو السائب) ﵁ بدري قال الله له اصنع ما شئت فقد غفرت لك، ورُوى أنه لمّا مات دخل عليه النبي محمد فقبَّله، وقال»: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا عُثْمَانُ، مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا وَلا أَصَابَتْ مِنْكَ «. (٣) ورأت زوجته أم العلاء في منامها عينًا تجري له؛ فذكرت ذلك للنبي فقال»: ذَاكَ عَمَلُهُ «(٤)، وقد روي أنه قبله وسالت دموعه، وهو أول من دفن بالبقيع ومع ذلك يقول: "وما يدريك؟! وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به".

стр. 546

وممن نقل عنه القول في هذه المسألة من العلماء: • ما روي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (١) • ونقل عن الإمام أحمد فيمن خرج عليه اللصوص والخوارج قال: "وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث (٢). • وقال الإمام أحمد: "ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله". اه (٣) • وهي عين كلمة علي بن المديني كما وروى عن سفيان الثوري قوله: "يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله،

стр. 547

وكلهم من قريش". اه (١) • وقال الإمام أبو عمرو الداني: "ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎، ورسوله عن عاقبة أمره". (٢) • وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: "ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيّب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر. " (٣) • وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك". اه (٤).

стр. 548

فهذا مذهب جمهور أهل السنة كما ترى. وَالقول الثَّالِثُ: يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : " «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» " (١). وَقَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ»؛ «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» (٢). فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ. وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: " أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَّةِ " وَيَحْتَجُّ بِهَذَا" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ: • إِخْبَارَ الْمَعْصُومِ، فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ (٤)، وَيَشْهَدُونَ «أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: " «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٥). بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» "، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ .

стр. 549

فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. • وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ تَوَاطُؤَ شَهَادَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ -أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ". وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا: شَرًّا فَقَالَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ. وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتُ: "وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ"» (١). وَفِي الْمُسْنَدِ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ -أَنَّهُ قَالَ: «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» (٢) • وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ تَوَاطُؤُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ- ﷺ -قَالَ: " «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (٣).

стр. 550

وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (١). وَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (٢). وَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَ قَالَ: النَّبِيُّ- ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ

стр. 551

عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (١) " (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. " اه (٣) والله أعلم. وقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون

стр. 552

لبعضهم بالخير والصلاح توجب نفعه وصلاحه في الآخرة، ولا يجزم بها على العموم، فإحسان الظن بالمسلمين هو الأصل ولكن هذا لا يبنى عليه يقين بمآله. وهنا فائدة مهمة على قوله: "وجبت وجبت" وهي على الصحيح من التحقيق والجزم، فقيل إنها من خصائصه ﷺ ، ولا يجزم بها لغيره لأنها غيب، ولعل نبينا اطلع على ذلك بطريق الوحي. واختار هذا القول ابن التين. ويرده قول عمر لها أيضا لجنازة مرت عليه، كما في الصحيح. وفي معناها أيضا قال الإمام الطحاوي: (وجه ذلك عندنا والله أعلم أن الشهادة بالخير لمن شهد له به ستر من الله عليه في الدنيا ومن ستره الله في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة) اه (١) ومما قيل في معناها أيضا: أن انطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به، وليست جزما على الغيب. والله أعلم. أما الحديث الثاني: فهو أصرح في بيان المقصود لقوله: «يوشك» وقوله: «بالثناء الحسن والثناء السيئ» يعني ما هو إلا ثناء على الظاهر لا يجزم له على الحقيقة بالجنة أو النار، فيخلص من هذا أن الكلمة على الرجاء والتمني وليست على التحقيق والتألي. ومن الخلاف: هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان؟

стр. 553

الصحيح المختار: أنه عام ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع. وعليه فرأي الجمهور هو الصواب، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع. وأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب، لذلك نصوب من يقول: هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى. وعلى هذا: لا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول كما علمنا عمر: من فعل كذا فهو شهيد عن عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١). وخلاصة القول: هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام، فليس لك أن تشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنك لا تدري ماذا يُختم له،

стр. 554

فقد يُصبح المرء مسلماً ويُمسي كافراً يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، فلا يُدرى ما هي خاتمة كل أحدٍ منا، ولذلك كان من الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقد ترى الرجل على معصية وعلى شر، وعلى حالٍ لا يرضي الله لكن قد يُختم له بخاتمة حسنة، فقد يتوب فيتوب الله عليه، فلذلك لا نشهد لأحدٍ بعينه بجنة أو نار، لكن نرجو للمحسن الخير ونخاف على المسيء، فإنك لا تدري بما يُختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، فترجو إذا كان على خير أن يُختم له بخير، وإن كان على شر أن يُختم له إن شاء الله تعالى بتوبة.

стр. 555

قال المصنف-﵀: "ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات". رفع اليدين في الصلاة له عدة مواطن. الموطن الأول: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. وهذا محل إجماع عند العلماء. ورفعُ اليدينِ عند تكبيرةِ الإحرامِ سنَّةٌ (١)، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفِقهيَّةِ الأربعةِ: الحنفيَّةِ (٢)، والمالكيَّةِ (٣)، والشافعيَّةِ (٤)، والحنابلةِ (٥)، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك (٦).

стр. 556

والدليل مِنْ السُّنَّة: عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يرفَعُ يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذا افتَتَح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رفَعَ رأسَه مِنْ الرُّكوعِ رفَعَهما كذلك أيضًا، وقال: سمِعَ اللهُ لِمَنْ حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ، وكان لا يفعَلُ ذلك

стр. 557

في السُّجودِ» (١). وقال النووي: "أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام واختلفوا فيما سواها"" (٢). وقال ابن تيمية: "الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح" (٣). الموطن الثاني: رفعُ اليدينِ عند الرُّكوعِ والرَّفعِ منه فالرَّفعُ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه سنَّةٌ (٤)، وهذا مذهبُ الشافعيَّةِ (٥)، والحنابلةِ (٦)، ومذهبُ مالكٍ في إحدى الرِّوايتينِ عنه (٧)، وبه قال أكثَرُ العلماءِ مِنْ الصَّحابةِ

стр. 558

والتَّابعين ومَن بعدَهم (١). الأدلَّةُ مِنْ السُّنَّة: ١ - عن محمَّدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ قال: «سمِعْتُ أبا حُمَيدٍ السَّاعديَّ في عشَرةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فيهم أبو قَتادةَ، فقال أبو حُمَيدٍ: أنا أعلَمُكم بصلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قالوا: فلِمَ؟ فواللهِ ما كنتَ بأكثرِنا تبِعةً ولا أقدَمِنا له صُحبةً! قال: بلى، قالوا: فاعرِضْ! فقال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قام إلى الصَّلاةِ يرفَعُ يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يكبِّرُ حتَّى يقِرَّ كلُّ عَظْمٍ في موضِعِه معتدلًا، ثم يقرأُ ثم يكبِّرُ فيرفَعُ يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم يركَعُ ويضَعُ راحتَيْهِ على رُكبتيه ثم يعتدِلُ، فلا يصُبُّ رأسَه ولا يُقنِعُ، ثم يرفَعُ رأسَه فيقولُ: سمِعَ اللهُ لِمَنْ حمِده، ثم يرفَعُ يديه حتَّى يحاذيَ مَنْكِبَيْهِ، وذكَر الحديثَ، وفيه: ثم إذا قام مِنْ الرَّكعتينِ كبَّرَ ورفَع يدَيْه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيْهِ

стр. 559

كما كبَّرَ عند افتتاحِ الصَّلاةِ، ثم يصنَعُ ذلك في بقيَّةِ صلاتِه، - وذكَر باقيَ الحديثِ - قالوا - صدَقْتَ، هكذا كان يُصلِّي» (١). ٢ - عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يرفَعُ يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذا افتَتَح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رفَع رأسَه من الرُّكوعِ رفَعهما كذلك أيضًا، وقال: سمِع اللهُ لِمَنْ حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ، وكان لا يفعَلُ ذلك في السُّجودِ» (٢). الموطن الثالث: رفعُ اليدينِ عند القيامِ من التشهُّدِ الأوَّلِ. يُندَبُ رفعُ اليدينِ عند القيامِ مِنْ التشهُّدِ الأوَّلِ، وهذا وجهٌ للشافعيَّةِ (٣)، واختاره النَّوويُّ (٤)، وروايةٌ عن أحمدَ (٥) اختارَها ابنُ تيميَّةَ (٦)،

стр. 560

وابنُ مُفلِحٍ (١)، والمَرداويُّ، وغيرُهم (٢)، وهو قولُ بعضِ المحدِّثينَ (٣). الدَّليلُ مِنْ السُّنَّة: عن أبي حُمَيدٍ السَّاعديِّ، قال: سَمِعتُه يحَدِّثُ قال: «كان النبيُّ ﷺ إذا قام من السَّجدَتينِ كبَّرَ، ورفَعَ يَدَيه حتى يحاذِيَ بهما مَنكِبَيه، كما صنعَ حين افتتَحَ الصَّلاةَ» (٤). لا يُشرَعُ رفعُ اليدينِ في غيرِ المواضعِ المذكورةِ (٥).

стр. 561

وقال ابن تيمية: "وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة التي كان النبي ﷺ يفعلها، ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح" (١). وقول المصنف: "ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات". قال عقبة بن عامر: "له بكل إشارة عشر حسنات" (٢). وكان عبد الله بن عمر يقول: "لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع

стр. 562

الأيدي فيها" (١). وعن النعمان بن أبي عياش قال: "كان يقال لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح وحين يريد أن يركع وحين يريد أن يرفع" (٢). وقال ابن سيرين: "الرفع من تمام الصلاة" (٣). وأما عن الحكمة في رفع اليدين وقال النووي: "اختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين: فقال الشافعي: ﵁ فعلته اعظاما لله تعالى واتباعا لرسول الله ﷺ . وقال غيره: هو استكانة واستسلام وانقياد وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة للاستسلام. وقيل: هو اشارة إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل: اشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه كما تضمن ذلك قوله الله أكبر فيطابق فعله قوله. وقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة الاحرام. وقيل غير ذلك وفي أكثرها نظر والله أعلم" (٤).

стр. 563

قال المصنف-﵀: "و الجهر بآمين عند قول الإمام "ولا الضالين". التَّأمينُ سنَّةٌ مؤكَّدةٌ بعد قراءةِ الفاتحةِ (١)، ويُسرُّ بها في الصَّلاةِ السِّريَّةُ، ويجهرُ بها في الجَهريَّةِ، ويؤمِّنُ فيها مع الإمامِ، وهو مذهبُ الشافعيَّةِ (٢)،

стр. 564

والحنابلةِ (١)، وبه قال جمهورُ أهلِ العِلمِ (٢)، وعامَّةُ أهلِ الحديثِ (٣). الأدلَّة: أوَّلًا: من السُّنَّة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (٤) وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّه لولا جهرُه بالتَّأمينِ لَمَا أمكَنَ المأمومَ أنْ يؤمِّنَ معه ويوافِقَه في التَّأمينِ (٥).

стр. 565

وعن وائل بن حجر، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين ورفع بها صوته» (١). ثانيًا: مِنْ الآثارِ عن ابنِ جُرَيجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: أكان ابنُ الزُّبيرِ يؤمِّنُ على أثرِ أمِّ القرآنِ؟ قال: نعم، ويؤمِّنُ مَنْ وراءَهُ، حتَّى إنَّ للمسجدِ للَجَّةً (٢). ثالثًا: أنَّ التَّأمينَ تابعٌ للفاتحةِ، فكان حُكمُه حُكمَها في الجهرِ؛ كالسُّورةِ (٣). قال النووي: "في هذه الأحاديث استحباب التأمين عقب الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد وأنه ينبغي أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لقوله ﷺ وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وأما رواية إذا أمن فأمنوا فمعناها إذا أراد التأمين" (٤) أه
следующие страницы →