← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال ابن تيمية: "وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة التي كان النبي ﷺ يفعلها، ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح" (١). وقول المصنف: "ورفع اليدين في الصلاة زيادة في الحسنات". قال عقبة بن عامر: "له بكل إشارة عشر حسنات" (٢). وكان عبد الله بن عمر يقول: "لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع

стр. 562

الأيدي فيها" (١). وعن النعمان بن أبي عياش قال: "كان يقال لكل شيء زينة وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح وحين يريد أن يركع وحين يريد أن يرفع" (٢). وقال ابن سيرين: "الرفع من تمام الصلاة" (٣). وأما عن الحكمة في رفع اليدين وقال النووي: "اختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين: فقال الشافعي: ﵁ فعلته اعظاما لله تعالى واتباعا لرسول الله ﷺ . وقال غيره: هو استكانة واستسلام وانقياد وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة للاستسلام. وقيل: هو اشارة إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل: اشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه كما تضمن ذلك قوله الله أكبر فيطابق فعله قوله. وقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة الاحرام. وقيل غير ذلك وفي أكثرها نظر والله أعلم" (٤).

стр. 563

قال المصنف-﵀: "و الجهر بآمين عند قول الإمام "ولا الضالين". التَّأمينُ سنَّةٌ مؤكَّدةٌ بعد قراءةِ الفاتحةِ (١)، ويُسرُّ بها في الصَّلاةِ السِّريَّةُ، ويجهرُ بها في الجَهريَّةِ، ويؤمِّنُ فيها مع الإمامِ، وهو مذهبُ الشافعيَّةِ (٢)،

стр. 564

والحنابلةِ (١)، وبه قال جمهورُ أهلِ العِلمِ (٢)، وعامَّةُ أهلِ الحديثِ (٣). الأدلَّة: أوَّلًا: من السُّنَّة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (٤) وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّه لولا جهرُه بالتَّأمينِ لَمَا أمكَنَ المأمومَ أنْ يؤمِّنَ معه ويوافِقَه في التَّأمينِ (٥).

стр. 565

وعن وائل بن حجر، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمين ورفع بها صوته» (١). ثانيًا: مِنْ الآثارِ عن ابنِ جُرَيجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: أكان ابنُ الزُّبيرِ يؤمِّنُ على أثرِ أمِّ القرآنِ؟ قال: نعم، ويؤمِّنُ مَنْ وراءَهُ، حتَّى إنَّ للمسجدِ للَجَّةً (٢). ثالثًا: أنَّ التَّأمينَ تابعٌ للفاتحةِ، فكان حُكمُه حُكمَها في الجهرِ؛ كالسُّورةِ (٣). قال النووي: "في هذه الأحاديث استحباب التأمين عقب الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد وأنه ينبغي أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لقوله ﷺ وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين وأما رواية إذا أمن فأمنوا فمعناها إذا أراد التأمين" (٤) أه

стр. 566

وقوله: "بآمين" معناها: اللهم استجب، وعلى هذا؛ فهي اسم فعل دعاء، واسم الفعل ما كان فيه معنى الفعل دون حروفه. هلم: اسم فعل؛ لأنه بمعنى أقبل. «صه» اسم فعل بمعنى اصمت. فأحيانا أقول «صه»، وأحيانا أقول «صه»، وبينهما فرق، فإن قلت: «صه» فمعناها اسكت عن كل شيء، إن قلت: «صه» فمعناها اسكت عن كلام معين. قال الفقهاء: فإن شدد الميم في «آمين» بطلت الصلاة؛ لأن معناها حينئذ «قاصدين»؛ ولهذا قالوا: يحرم أن يشدد الميم، وتبطل الصلاة؛ لأنه أتى بكلام من جنس كلام المخلوقين" (١).

стр. 567

قال المصنف-﵀: "والصلاة على من مات من أهل هذه القبلة وحسابهم على الله " (١). الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية، متى قام بها البعض سقطت عن الآخرين، وأهل المعاصي من المسلمين يُصَلَّى عليهم كسائر المسلمين. قال ابن عبد البر ﵀: "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر" (٢) قال الخرقي: "ولا يصلي الإمام على الغال ولا على من قتل نفسه" وقال ابن قدامة شارحاً ذلك: "الغال هو الذي يكتم الغنيمة أو بعضها ليأخذه لنفسه ويختص به، فهذا لا يصلي عليه الإمام ولا على من قتل نفسه متعمداً، ويصلي عليه سائر الناس، نص عليهما أحمد" (٣) فنصلي حتى على المرجوم وعلى الزاني والزانية والذي قتل نفسه كما هو

стр. 568

الراجح وغيره من أهل القبلة وكذا السكران كل ذلك تُصلى عليهم صلاة الجنازة. فهم بذنوبهم أهل كبيرة من الكبائر لكن هذه الكبيرة لا توجب خروجهم عن الإسلام كما هو الراجح. يقول الإمام البخاري (٢٥٦ هـ): "المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك". (١) ويقول الإمام أبو إبراهيم المزني (٢٦٤ هـ): "والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان". (٢) ويقول الطحاوي (٣٢١ هـ): "وأهل الكبائر في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله". (٣) ويقول أبو بكر الإسماعيلي (٣٧١ هـ): "ويقولون [يعني: أهل الحديث أهل السنة والجماعة]: إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين، لو ارتكب ذنبًا، أو ذنوبًا كثيرة، صغائر، أو كبائر، مع الإقامة على التوحيد لله

стр. 569

والإقرار بما التزمه وقبله الله، فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ [" (١) ويقول أبو الحسين الملطي (٣٧٧ هـ): "وأنه من آمن بالله ورسله وكتبه ودينه، وأحل الحلال وحرم الحرام، ثم أصاب في إيمانه كبيرة، فإنه فاسق، لا يخرجه ذنبه من الإيمان إلى الكفر، ولا يدخله في الإيمان على التفرد". (٢) يقول النووي: "إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل، وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة". (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقيدة أهل السنة: "ولا يَسْلِبُونَ الفَاسِقَ المِلِّيَّ الإِسْلَامَ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُخَلِّدُونَهُ في النَّارِ كما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ" (٤) ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (١٢٨٥ هـ): "إن كان للموحد ذنوب لم يتب منها حصل له من الأمن والاهتداء بحسب توحيده،

стр. 570

وفاته منه بقدر معصيته، كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالظالم لنفسه هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنبه ونجاه بتوحيده من الخلود في النار. " (١)

стр. 571

قال المصنف-﵀: "و الخروج مع كل إمام في غزوة وحجة" (١) قال محمد بن أبي زمنين (٢) ﵀: "ومن قول أهل السنة أن الحج والجهاد مع كل بر أو فاجر من السنة والحق، وقد فرض الله الحج فقال: (والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)] آل عمران: ٩٧]، وأعلمنا بفضل الجهاد في غير موضع من كتابه، وقد علم أحوال الولاة الذين لا يقوم الحج والجهاد إلا بهم، فلم يشترط ولم يبين وما كان ربك نسيا" (٣). وقال قوام السنة الأصفهاني: «والجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال» (٤). كما قرر ذلك علي بن المديني (٥)، والطحاوية (٦)، وابن بطة (٧)،

стр. 572

والصابوني (١)، وابن قدامة (٢)، وابن تيمية (٣)، وغيرهم. وقد حكى محمد بن حبيب مفاسد ترك الغزو مع أئمة الجور فقال: «سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالجهاد مع الولاة، وإن لم يضعوا الخمس موضعه، وإن لم يوفوا بعهد إن عاهدوا، ولو عملوا ما عملوا، ولو جاز للناس ترك الغزو معهم بسوء حالهم لاستذل الإسلام، وتخيفت أطرافه، واستبيح حريمه، ولعلى الشرك وأهله» (٤). ويريد المصنف هنا أن يميز بين مذهب أهل السنة وبين قول الرافضة الذين عطلوا الجهاد، وعطلوا صلاة الجمعة بدعوى أنها لا تصح إلا بعد خروج المهدي المنتظر على حد زعمهم. فشيوخ الشيعة يقولون: "إن صلاة الجمعة لا تجب عليهم حتى يخرج مهديهم المزعوم من سردابه لكي يصلي بهم" (٥). وشيوخ الشيعة يقولون: "إن الجهاد قبل خروج المهدي المنتظر حرام كحرمة الميتة والدم ولحم الخنزير" (٦).

стр. 573

قال ابن تيمية ﵀: "ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات-لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم-فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة ولا فجور صُلّي خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين". قال ابن تيمية: "وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ" (١) والرافضة كانوا يقولون لا جهاد حتى يخرج الرضا من آل محمد، فقد جاء في فروع الكافي عن أبي عبد الله جعفر الصادق قال: "القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير" (٢) وقد أحدث الخميني تغييرًا في المذهب الرافضي، فقرر أن للولي الفقيه جميع ما للإمام من الوظائف والأعمال إلا البداءة بالجهاد فهو من وظائف المهدي، ثم تناقض الخميني فجعل الجهاد منوطًا بجيش جمهوريته. (٣) أما الخوارج فيجمعون على وجوب الخروج على الإمام الجائر (٤) فكيف

стр. 574

يجاهدون معه؟ بل كانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. (١) قال ابن حزم: "جميع فرق الضلالة لم يجر الله على أيديهم خيرًا، ولا فتح الله بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفعوا للإسلام راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين، أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره" (٢)

стр. 575

قال المصنف-﵀: [والصلاة خلف كل بر وفاجر (١)] والصلاة خلفهم صلاة الجمعة والعيدين" (٢). وفيه مسائل: أولاً: حكم الصلاة خلف الفساق. عند أهل السنة أنه يصلى خلف كل بر وفاجر، هذا هو الصواب، فأنت تصلي خلف الأمراء وتجاهد معهم وإن كانوا أهل معاصي، وتصلي خلف أئمة المساجد وإن كان فيهم معصية. وفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً. قال النووي: «وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في «صحيح البخاري»» (٣).

стр. 576

روى البخاري في صحيحه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ «أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ»، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟»، فَقَالَ: «الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ»، قَالَ: «هَذِهِ السَّاعَةَ؟!»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ»، فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ»، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: «صَدَقَ» (١). قال ابن حجر: «وَفِيهِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ» (٢). وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» عن عُمَيْرِ بن هَانِئٍ قال: شَهدت ابن عمر والحجاج مُحَاصِرٌ ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء» (٣). وفي صحيح البخاري أيضاً، أن ﷺ قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وأن أخطأوا فلكم وعليهم" (٤). وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى

стр. 577

عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط (١)، وكان قد يشرب الخمر وصلى مرة الصبح أربعاً وجلده عثمان بن عفان على ذلك (٢)، فمثل هذه الأمور أهل السنة وأصحاب النبي ﷺ لنا فيهم الأسوة والقدوة، فهم أسوتنا وقدوتنا. ثانياً: الصلاة خلف المبتدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهماً بالإلحاد وداعياً إلى الضلال) (٣). وسار التابعون ومن تبعهم بإحسان من أئمة السلف على هذا، فقرروه قولاً وفعلاً، فمن ذلك: ما جاء عن الأعمش ﵀ أنه قال: (كان كبار أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود-يصلون الجمعة مع المختار ويحتسبون بها) (٤). وقد كان أبو وائل ﵀ يصلي الجمعة مع المختار بن أبي عبيد (٥).

стр. 578

وعن الحسن ﵀ أنه سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة، فقال الحسن: (صل خلفه، وعليه بدعته) (١). وعن الحكم بن عطية ﵀ أنه قال: سألت الحسن وقلت: رجل من الخوارج يؤمنا، أنصلي خلفه؟ قال: (نعم، قد أم الناس من هو شر منه) (٢). وعن ابن وضاح ﵀: قال: سألت الحارث بن مسكين: هل ندع الصلاة خلف أهل البدع؟ فقال: (أما الجمعة خاصة فلا، وأما غيرها من الصلاة فنعم) (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع، وخلف أهل الفجور، ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موضع بسطه. ولكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة، لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهراً للفجور أو البدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا

стр. 579

أعلن فلم تنكر ضرت العامة، ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم، وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى بخلاف من أظهر الكفر) (١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الإِمَامَ مُبْتَدِعٌ يَدْعُو إلَى بِدْعَتِهِ، أَوْ فَاسِقٌ ظَاهِرُ الْفِسْقِ، وَهُوَ الإِمَامُ الرَّاتِبُ الَّذِي لا تُمْكِنُ الصَّلاةُ إلا خَلْفَهُ، كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالإِمَامِ فِي صَلاةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْعَقَائِدِ: إنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ خَلْفَ كُلِّ إمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ إلا إمَامٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَهُ الْجَمَاعَاتُ؛ فَإِنَّ الصَّلاةَ فِي جَمَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ فَاسِقًا. هَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ: أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بَلْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد. وَمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الإِمَامِ الْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلا يُعِيدُهَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الأَئِمَّةِ الْفُجَّارِ وَلا يُعِيدُونَ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ

стр. 580

الْحَجَّاجِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ حَتَّى إنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّةً الصُّبْحَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَك مُنْذُ الْيَوْمَ فِي زِيَادَةٍ!! وَلِهَذَا رَفَعُوهُ إلَى عُثْمَان … وَالْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ صَلاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ؛ فَإِذَا صَلَّى الْمَأْمُومُ خَلْفَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ، لَكِنْ إنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ، وَمِنْ ذَلِكَ [يعني: ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا لا يُرَتَّبُ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا أَمْكَنَ هَجْرُهُ حَتَّى يَتُوبَ كَانَ حَسَنًا وَإِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ وَصَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ أُثِرَ ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يُعْزَلَ أَوْ يَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ مِثْلِ ذَنْبِهِ. فَمِثْلُ هَذَا إذَا تَرَكَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَفُتْ الْمَأْمُومَ جُمُعَةٌ وَلا جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ تَرَكَ الصَّلاةَ يَفُوتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ فَهُنَا لا يَتْرُكُ الصَّلاةَ خَلْفَهُمْ إلا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصَّحَابَةِ ﵃. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الإِمَامُ قَدْ رَتَّبَهُ وُلاةُ الأُمُورِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ الصَّلاةِ خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ، فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلاةِ خَلْفَهُ، بَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَ الإِمَامِ الأَفْضَلِ أَفْضَلُ" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين، ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف

стр. 581

الله نفساً إلا وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من أظهر البدع والفجور منعه. وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي- ﷺ -في الحديث الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجره، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً" (١). وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي- ﷺ -الثلاثة الذين خُلِّفُوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا وُلِّي غيره بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رَدَّ بدعة ببدعة) (٢). وخلاصة القول: أن أكثر العلماء يرون جواز الصلاة خلف المبتدع على التفصيل الذي قدمناه، ومنهم من منعها وأبطلها وقال بوجوب إعادتها، وممن رجح صحة الصلاة: الإمام البخاري وابن حجر وابن تيمية، ومن المعاصرين الشيخ ابن باز-﵀-وهو يفصل بين من كانت بدعته شركية كفرية وبين من ليس كذلك فيقول: (تصح الصلاة خلف المبتدع وخلف المسبل إزاره وغيرهما من العصاة في أصح قولي العلماء، ما لم تكن

стр. 582

البدعة مكفرة لصاحبها، فإن كانت مكفرة له كالجهمي ونحوه ممن بدعتهم تخرجهم عن دائرة الإسلام، فلا تصح الصلاة خلفهم، ولكن يجب على المسئولين أن يختاروا للإمامة من هو سليم من البدعة والفسق، مرضي السيرة؛ لأن الإمامة أمانة عظيمة، القائم بها قدوة للمسلمين، فلا يجوز أن يتولاها أهل البدع والفسق مع القدرة على تولية غيرهم). والعلماء ذكروا تفاصيل كثيرة تتعلق بالتفريق بين الصلوات العادية وبين صلاة الجمعة والعيدين ويوم عرفة، والتفريق بين من كان مستور الحال ومن هو مجاهر بفسقه أو بدعته، وبين من بدعته مكفرة وبين من هو دون ذلك، وبين من كان هذا المسجد هو الوحيد في ذلك المكان وبين من بإمكانه أن يصلي في مسجد غيره إلى غير ذلك من التفاصيل التي يصعب إيرادها في مثل هذا الشرح. قال سفيان الثوري في عقيدته: «يا شعيب، لا ينفعك حتى ترى الصلاة خلف بر وفاجر. قال شعيب: فقلت لسفيان: يا أبا عبد الله! الصلاة كلها؟ قال: لا؛ ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة" (١)

стр. 583

وجاء في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: «وصلاة الجمعة خلفه-أي خلف إمام المسلمين-وخلف من ولي جائزة تامة ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع تارك للأثر مخالف للسنة … » (١). ومما قاله سهل بن عبد الله التستري في اعتقاده: «ولا يترك الجماعة خلف كل وال جائر أو عدل» (٢). كما قرر ذلك أبو الحسن الأشعري (٣)، وابن بطة (٤)، وقوام السنة الأصفهاني (٥). وهذه المسألة قد دلت عليها الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة، كما أن في تقريرها مجانبة لطوائف المبتدعة لا سيما الرافضة حيث يشترط الرافضة وجود الإمام الغائب لأداء صلاة الجمعة. (٦) كما وضحه ابن تيمية بقوله: "والرافضة لا يصلون إلا خلف المعصوم، ولا معصوم عندهم، وهذا لا يوجد في سائر الفرق أكثر مما يوجد في الرافضة، فسائر أهل البدع سواهم لا يصلون الجمعة والجماعة إلا خلف أصحابهم، كما هو دين الخوارج والمعتزلة وغيرهم،

стр. 584

وأما أنهم لا يصلون ذلك بحال فهذا ليس إلا للرافضة» (١). ومما يحسن إلحاقه بهذه المسألة (٢): ما قرره ابن تيمية من مشروعية الفصل بين الفرض والنفل في صلاة الجمعة، لما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ «نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام» (٣) ثم علل ابن تيمية ذلك بقوله: «فإن كثيرا من أهل البدع لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا، وما سلموا، فيصلون ظهرة، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا حصل التمييز بين الفرض والتفل كان في هذا منع لهذه البدعة» (٤).

стр. 585

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: [والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، ولا تخرج عليهم بالسيف، ولا تقاتل في الفتنة] (١). من سمات أهل السنة أنهم يدعون للسلطان بالصلاح: قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: "مَنْ قال: الصلاة خلفَ كُلِّ برٍّ وفاجرٍ، والجهاد مَعَ كُلِّ خليفةٍ، ولم يرَ الخروجَ على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقد خَرَجَ من قول الخوارج أوله وآخره". (٢) وقال الإمام إسماعيل الصابوني ﵀: "ويرى أصحاب الحديث: الجمعة، والعيدين، وغيرهما من الصلوات، خلف كلِّ إمام مسلم، برَّاً كان أو فاجراً، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدُّعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح. ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العُدول عن العدل إلى الجور والحيف" (٣).

стр. 586

وقال أبو جعفر الطحاوي ﵀: "ولا نرى الخروجَ على أئمتنا وولاةِ أُمورنا وإن جارُوا، ولا ندعُو عليهم، ولا ننزعُ يداً من طاعتهم، ونرى طاعَتهم من طاعة الله فريضةً ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعُو لهم بالصلاح والمعافاة". (١) وقال الخلال ﵀: "أخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعتُ أبا عبد الله وذكَرَ الخليفة المتوكل ﵀ فقال: إني لأدعو له بالصلاح والعافية، وقال: لإن حَدَثَ به حَدَثٌ لتنظرنَّ ما يحلُّ بالإسلام" (٢). وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "وإني لأرى طاعةَ أميرِ المؤمنين في السرِّ والعلانيةِ، وفي عُسري ويُسري، ومَنشطي ومكرهي، وأثرةٍ عليَّ، وإني لأدعو اللهَ له بالتسديدِ والتوفيقِ في الليلِ والنهارِ". (٣) وقال البيهقي ﵀: "قال أبو عثمان ﵀: فانصح للسلطان، وأكثر له من الدُّعاء بالصلاح والرَّشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد بصلاحهم، وإياك أن تدعو عليهم باللعنة، فيزدادوا شرَّاً، ويزداد البلاء على المسلمين، ولكن ادع لهم بالتوبة، فيتركوا الشرّ، فيرتفع البلاء عن المؤمنين" (٤).

стр. 587

وقال أبو عمر بن الصلاح ﵀: "والنصيحة لأئمة المسلمين: أي لخلفائهم وقادتهم: معاونتهم على الحقِّ وطاعتهم فيه، وتنبيههم وتذكيرهم في رفقٍ ولُطفٍ، ومجانبة الخروج عليهم، والدُّعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك" (١). وقال النووي عن حكم الدُّعاء لولاة أمور المسلمين في خطبة الجمعة: "الدُّعاءُ لأئمة المسلمين وولاة أُمورهم بالصلاح والإعانة على الحقِّ والقيام بالعدل ونحو ذلك، ولجيوش الإسلام، فمستحبٌ بالاتفاق". (٢) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، يُعظِّمون قدرَ نعمة الله به -أي بالسلطان-ويرون الدُّعاءَ له ومناصحته من أعظم ما يتقرَّبون به إلى الله تعالى، مع عدم الطمَع في ماله ورئاسته، ولا لخشية منه، ولا لمعاونته على الإثم والعدوان" (٣). فإذا كنت صاحبَ سنَّة فاحفظ لسانك عن مثلِ هذا الحال، وإذا كان هناك أمر فادعو الله أن يصلحَ من شأنه وأن يصلحَ من حاله، فنعمةُ السلطان استتابُ للأمن الذي هو من أعظم النعم التي يمنُّ الله بها عليك، ومن أعظمها أن الله منَّ عليك أن تأتي وتصلي مع الجماعة فبالتالي حفظُ

стр. 588

جانبِ السلطان ليس نفاقاً، وليس كما يدعي أهل الأهواء في كلامهم وإنما هو أمرٌ واجبٌ ديناً؛ أنت تدينُ الله به. واعلم أن من سمات أهل البدع أنهم يدعون على السلطان، فإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان أو يتتبع السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وهذا الوصف ليسَ من حالِ أهلِ السنَّة ولو انتسبَ هذا الشخص لأهلِ السنَّة فحاله هذه خلافُ السنَّة، وهذا حالُ الخوارج والمعتزلة الذين من سماتهم التتبعِ والدعاءِ على السلاطين ونحو ذلك. وقال الإمام الآجري ﵀: "قد ذكرت من التحذير من مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى، عن مذهب الخوارج، ولم ير رأيهم، وصبر على جور الأئمة، وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسأل الله تعالى كشف الظلم عنه، وعن المسلمين، ودعا للولاة بالصلاح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين وصلى معهم الجمعة والعيدين، فإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم، وإذا دارت الفتن بينهم لزم بيته وكف لسانه ويده، ولم يهو ما هم فيه، ولم يعن على فتنة، فمن كان هذا وصفه كان على الصراط المستقيم إن شاء الله" (١). فالواجبُ عليك إذا رأيت من سلطانك ما يخالف الشرع أن تناصحه نصيحةَ سر، لا تبدأ في تقليب الناس عليه، ولا تذكر في ذلك مساوئه، وإنما يجب ويتعيَّن عليك الدعاء له بالصلاح.

стр. 589

قال الشيخ صالح الفوزان: "لا يجوز الدُّعاء عليهم: لأن هذا خروجٌ معنوي، مثل الخروج عليهم بالسلاح، وكونه دعا عليهم لأنه لا يرى ولايتهم، فالواجب الدعاء لهم بالهدى والصلاح، لا الدعاء عليهم، فهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، فإذا رأيتَ أحداً يدعو على ولاة الأمور فاعلم أنه ضالٌ في عقيدته، وليس على منهج السلف، وبعض الناس قد يتخذ هذا من باب الغيرة والغضب لله ، لكنها غيرة وغضب في غير محلهما، لأنهم إذا زالوا حصلت المفاسد. والإمام أحمد صَبَرَ في المحنة، ولم يثبت عنه أنه دعا عليهم أو تكلَّم فيهم، بل صبر، وكانت العاقبة له، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، فالذين يدعون على ولاة أمور المسلمين ليسوا على مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك الذين لا يدعون لهم، وهذا علامة أن عندهم انحرافاً عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وبعضهم يُنكر على الذين يدعون في خطبة الجمعة لولاة الأمور، ويقولون: هذه مداهنة، هذا نفاق، هذا تزلف، سبحان الله! هذا مذهب أهل السنة والجماعة، بل من السنة الدعاء لولاة الأمور؛ لأنهم إذا صلحوا صلح الناس، فأنت تدعو لهم بالصلاح والهداية والخير، وإن كان عندهم شرّ، فهم ما داموا على الإسلام فعندهم خير، فما داموا يُحكِّمون الشرع، ويُقيمون الحدود، ويصونون الأمن، ويمنعون العدوان عن المسلمين، ويكفون الكفار عنهم، فهذا خير عظيم، فيُدعى لهم من أجل ذلك، وما عندهم من المعاصي والفسق، فهذا إثمه عليهم، ولكن عندهم خير أعظم، ويُدعى لهم بالاستقامة والصلاح، فهذا

стр. 590

مذهب أهل السنة والجماعة، أما مذهب أهل الضلال وأهل الجهل، فيرون هذا من المداهنة والتزلُّف، ولا يدعون لهم، بل يدعون عليهم. والغيرة ليست في الدعاء عليهم، فإن كنت تريد الخير فادعُ لهم بالصلاح والخير، فالله قادرٌ على هدايتهم وردهم إلى الحق، فأنت هل يئست من هدايتهم؟ هذا قنوط من رحمة الله، وأيضاً الدعاء لهم من النصيحة. فهذا أصل عظيم يجب التنبه له، وبخاصة في هذه الأزمنة". (١)

стр. 591

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: [ولا تتألى على أحد من المسلمين أن تقول: فلان في الجنة وفلان في النار، إلا العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة (١)] من معتقد أهل السنة والجماعة أن من كان من أهل القبلة لا يشهد له بالجنة ولا يشهد له بالنار، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، إلا من شهد له الرسول ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إِنَّمَا قَدْ نَقِفُ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ؛ فَلَا نَشْهَدُ لَهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ لَا نُحِيطُ بِهِ، لَكِنْ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ. وأهل السنة لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: القول الأول: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَالقول الثَّانِي: أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَاءَ فِيهِ نَصٌّ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. " (٢).

стр. 592

وقد استدل لهذا القول: -حديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة"، وهذا في حديث الذي قتل نفسه بعد أن أثنى عليه الناس. -الحديث الآخر: "إن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة" (١). والشاهد من هذه الأحاديث أن خاتمة السوء لا تؤمن فكيف يقطع للرجل بالجنة؟ -حديث أبي هريرة في الصحيح قال خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلاما يقال له مدعم فوجه رسول الله ﷺ إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله ﷺ إذا سهم عائر فقتله فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله ﷺ كلا والذي نفسي بيده إن

стр. 593

الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا" (١). فهذا مع شهادة الناس له بالجنة بين النبي ﷺ أن حقيقة حاله على خلاف ما شهد له به. -حديث أم العلاء في البخاري قالت: "سكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لي النبي ﷺ وما يدريك أن الله أكرمه فقلت لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ أما عثمان فقد جاءه والله اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به قالت فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك قالت فنمت فأريت لعثمان عينا تجري فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال ذاك عمله" (٢)، والشاهد من الحديث نص وإقرار، أما النص فالقصة وما وجه به النبي ﷺ فيها، وأما الإقرار فلقولها لا أزكي أحداً بعده. وهذا كالصريح في النهي، قال ابن كثير: "وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا

стр. 594

الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة، وابن سلام، والعميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر/ والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء ﵃" (١). ومثله قال العيني في العمدة. وقد بوب عليه البيهقي: "باب لا يشهد لأحد بجنة ولا نار إلاّ لمن شهد له رسول الله ﷺ بها" (٢). هذا مع أن عثمان بن مظعون (أبو السائب) ﵁ بدري قال الله له اصنع ما شئت فقد غفرت لك، وروي أن رسول الله ﷺ السلف الصالح يوم مات زينب، وقد روي أنه قبله وسالت دموعه، وهو أول من دفن بالبقيع ومع ذلك يقول: "وما يدريك؟! وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به".

стр. 595

وممن نقل عنه القول في هذه المسألة من العلماء: • ما روي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (١) • ونقل عن الإمام أحمد فيمن خرج عليه اللصوص والخوارج قال: "وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث (٢). • وقال الإمام أحمد: "ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه ونخاف على المسيء المذنب، ونرجو له رحمة الله". اه (٣) • وهي عين كلمة علي بن المديني كما وروى عن سفيان الثوري قوله: "يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله

стр. 596

وكلهم من قريش". اه (١) • وقال الإمام أبو عمرو الداني: "ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎، ورسوله عن عاقبة أمره". (٢) • وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: "ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيّب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر. " (٣) • وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك". اه (٤).

стр. 597

فهذا مذهب جمهور أهل السنة كما ترى. وَالقول الثَّالِثُ: يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِهَؤُلَاءِ وَلِمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : " «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ". وَقَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» " (١) فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ. وَكَانَ أَبُو ثَوْرٍ يَقُولُ: "أَشْهَدُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَّةِ " وَيَحْتَجُّ بِهَذَا" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الرَّجُلِ الْمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ: • إِخْبَارَ الْمَعْصُومِ، فأَهْلَ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ (٣)، وَيَشْهَدُونَ «أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ: " «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (٤). بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» "، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ (٥).

стр. 598

فَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ إِمَامٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهِيَ شَهَادَةٌ بِعِلْمٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. • وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهُ تَوَاطُؤَ شَهَادَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ -أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ". وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا: شَرًّا فَقَالَ: " وَجَبَتْ وَجَبَتْ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: "هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ. وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتُ: " وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ"» (١). وَفِي الْمُسْنَدِ «عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ -أَنَّهُ قَالَ: " يُوشِكُ أَنْ تَعْلَمُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ» (٢) • وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ ذَلِكَ تَوَاطُؤُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ- ﷺ -قَالَ: " «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (٣).

стр. 599

«وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: "هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ" (١). وَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (٢). وَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَ قَالَ: النَّبِيُّ- ﷺ : " «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ

стр. 600

تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (١) " (٢) كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. " اه (٤) والله أعلم. وقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون
следующие страницы →