وكلهم من قريش". اه (١)
• وقال الإمام أبو عمرو الداني: "ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا نارا إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎، ورسوله عن عاقبة أمره". (٢)
• وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: "ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيّب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر. " (٣)
• وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك. وأهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة ﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك". اه (٤).
تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (١) " (٢)
كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. " اه (٤) والله أعلم.
وقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون
стр. 601
لبعضهم بالخير والصلاح توجب نفعه وصلاحه في الآخرة، ولا يجزم بها على العموم، فإحسان الظن بالمسلمين هو الأصل ولكن هذا لا يبنى عليه يقين بمآله.
وهنا فائدة مهمة على قوله: "وجبت وجبت" وهي على الصحيح من التحقيق والجزم، فقيل إنها من خصائصه ﷺ ، ولا يجزم بها لغيره لأنها غيب، ولعل نبينا اطلع على ذلك بطريق الوحي. واختار هذا القول ابن التين.
ويرده قول عمر لها أيضا لجنازة مرت عليه، كما في الصحيح.
وفي معناها أيضا قال الإمام الطحاوي:
(وجه ذلك عندنا والله أعلم أن الشهادة بالخير لمن شهد له به ستر من الله عليه في الدنيا ومن ستره الله في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة) اه (١)
ومما قيل في معناها أيضا: أن انطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به، وليست جزما على الغيب. والله أعلم.
أما الحديث الثاني: فهو أصرح في بيان المقصود لقوله: (يوشك) وقوله: (بالثناء الحسن والثناء السيئ) يعني ما هو إلا ثناء على الظاهر لا يجزم له على الحقيقة بالجنة أو النار، فيخلص من هذا أن الكلمة على الرجاء والتمني وليست على التحقيق والتألي.
стр. 602
ومن الخلاف: هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان؟
الصحيح المختار: أنه عام ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع.
وعليه فرأي الجمهور هو الصواب، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع.
وأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب، لذلك نصوب من يقول: هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا: لا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول كما علمنا عمر: من فعل كذا فهو شهيد عن عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١).
وخلاصة القول: هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام، فمن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خيرٍ ولا شر"، فليس لنا أن
стр. 603
تشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، لأننا لا ندري ماذا يُختم له، فقد يُصبح المرء مسلماً ويُمسي كافراً يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، فلا يُدرى ما هي خاتمة كل أحدٍ منا، ولذلك كان من الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
فقد ترى الرجل على معصية وعلى شر، وعلى حالٍ لا يرضي الله لكن قد يُختم له بخاتمة حسنة، فقد يتوب فيتوب الله عليه، فلذلك لا نشهد لأحدٍ بعينه بجنة أو نار، لكن نرجو للمحسن الخير ونخاف على المسيء، فإنك لا تدري بما يُختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، فترجو إذا كان على خير أن يُختم له بخير، وإن كان على شر أن يُختم له إن شاء الله تعالى بتوبة.
стр. 604
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
[وأن الله سميع عليم] (١) [وصفوا الله بما وصف به نفسه، وانفوا عن الله ما نفاه عن نفسه] (٢).
معتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته، يقوم على أساس الإيمان بكل ما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتاً ونفياً، فهم بذلك:
١ يسمون الله بما سمى به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.
٢ ويثبتون لله ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف (٣)، ولا تعطيل (٤)، ومن غير تكييف (٥)،
стр. 605
ولا تمثيل (١).
٣ وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله محمد ﷺ ، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.
فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة، فكل اسم أو صفة لله وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات فيجب بذلك إثباتها.
وأما النفي فهو أن ينفى عن الله كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.
قال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف، و لا تعطيل، ولا تكييف، و لا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات
стр. 606
قال تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ (١) فهذا رد على الممثلة
﴿وهو السميع البصير﴾ رد على المعطلة.
وقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدهما: أن الله منزه عن صفات النقص مطلقاً كالسِنَةِ، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها، على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات) (٢).
ويمكن إجمال معتقد أهل السنة في أسماء الله في النقاط التالية:
١ الإيمان بثبوت الأسماء الحسنى الواردة في القرآن والسنة، من غير زيادة ولا نقصان.
٢ الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه، فالله هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
٣ الإيمان بأن هذه الأسماء دالة على معانٍ في غاية الكمال، فهي أعلام وأوصاف، وليست كالأعلام الجامدة التي لم توضع باعتبار معانيها، كما يزعم المعتزلة.
стр. 607
٤ احترام معاني تلك الأسماء، وحفظ ما لها من حرمة في هذا الجانب، وعدم التعرض لتلك المعاني بالتحريف والتعطيل كما هو شأن أهل الكلام.
٥ الإيمان بما تقتضيه تلك الأسماء من الآثار وما ترتب عليها من الأحكام (١).
(ويمكن إجمال معتقد أهل السنة في صفات الله في النقاط التالية:
١ إثبات تلك الصفات لله حقيقةً على الوجه اللائق به، وأن لا تعامل بالنفي والإنكار.
٢ أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة، ولا يغير اسمها ويعيرها اسماً آخر. كما تسمي الجهمية المعطلة سمعه، وبصره، وقدرته، وحياته، وكلامه أعراضاً. ويسمون وجهه ويديه وقدمه -سبحانه-جوارح وأبعاضاً، ويسمون حكمته وغاية فعله المطلوبة: عللاً وأعراضاً. ويسمون أفعاله القائمة به: حوادث. ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه: تحيزاً. ويتواصون بهذا المكر الكُبَّار إلى نفي ما دل عليه الوحي والعقل والفطرة، وآثار الصنعة من صفاته. فيسعون بهذه الأسماء التي سموها هم وأباؤهم على نفي صفاته وحقائق أسمائه.
٣ عدم تشبيهها بما للمخلوق. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
стр. 608
٤ اليأس من إدراك كنهها وكيفيتها. فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها. فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف (بلا كيف) أي بلا كيف يعقله البشر فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، معروفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك) (١).
٥ الإيمان بما تقتضيه تلك الصفات من الآثار وما يترتب عليها من الأحكام.
وقد بسطت معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته كتاب معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، فمن أراد الاستزادة والتوسع فليرجع إليه.
стр. 609
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
[و احذروا الجدال مع أصحاب الأهواء] (١).
الجدال ينقسم إلى قسمين:
١ - الجدال المحمود:
وهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذا الجدال في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ في علاه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦].
وقال النبي ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (٢).
стр. 610
وقد حصل هذا النوع من الجدال بين عبد الله بن عباس ﵄ وبين الخوارج زمن علي بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وإفحامهم، فرجع عن هذه البدعة خلق كثير (١). وكذلك مجادلة أحمد بن حنبل للمعتزلة، ومجادلات ابن تيمية لأهل البدع.
٢ - الجدال المذموم:
هو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص:
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣].
وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج: ٨].
стр. 611
وقوله سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر: ٤].
وقال ﷺ : «المراء في القرآن كفر» (١).
وقال ابن عثيمين: (المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها) (٢).
وقال الكرماني: (الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح) (٣).
فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو
стр. 612
يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.
فالمجادلة والمناظرة لأهل البدع: فإن الأصل فيها كما تقدم عدم مجادلتهم ومناظرتهم لكن هذا الأصل له استثناء حيث ورد عن السلف أنهم ناظروا أهل البدع والأهواء، وفي شأن هذا الأمر يفصل الأمر لنا شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: "ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ.
١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعياً إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال:
стр. 613
إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة.
وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم.
فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ : "تجيء البقرة وآل عمران"، وأمثال ذلك من الأحاديث.
أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم.
ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلاماً غير مخلوق لزم أن يكون جسماً.
فأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له
стр. 614
أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله.
وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفواً أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعياً.
٢ - وأما إذا كان المناظر معارضاً للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.
مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.
أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.
فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:
١ - بألفاظهم.
стр. 615
٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم.
وحينئذ يقال لهم الكلام إما:
أ-أن يكون في الألفاظ.
ب-وإما أن يكون في المعاني.
ج-وإما أن يكون فيهما.
فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقاً ومعشوقاً ونحو ذلك.
فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسناً.
وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفاً من التشبه بهم في الثياب.
وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.
فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.
стр. 616
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و (الجسم) و (العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعاً. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.
وأيضاً: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (١).
وقال ابن عثيمين: "المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (٢).
وقال الكرماني: "الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح" (٣).
فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.
стр. 617
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"والكف عن مساوئ أصحاب رسول الله ﷺ -تحدثوا بفضائلهم وأمسكوا عما شجر بينهم".
من أصول أهل السُّنَّة والجماعة: سلامةَ قلوبهم تجاه أصحاب النبي ﷺ ، وذلك لأنهم حَمَلة ميراث النبوة، فهم علماء هذه الأمة وخيرها وأبرُّها، كما قال عنهم ابن مسعود ﵁: «مَنْ كان منكم مستنًّا، فليستنَّ بمَن قد مات؛ فإنَّ الحيَّ لا يُؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد، أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلفًا؛ قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه، وإقامة دينه؛ فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم؛ فإنَّهم كانوا على الهُدى المستقيم» (١).
وقد عَلَّق شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الأثر؛ فقال: «وقول عبد الله بن مسعود: «كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا»: كلامٌ جامع، بيَّن فيه حُسن قَصدهم، ونيَّاتهم ببر القلوب، وبيَّن فيه كمال المعرفة، ودقتها بعمق العلم، وبيَّن فيه تيسير ذلك عليهم، وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف … وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على الناس، الذين
стр. 618
هداهم الله لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فليسوا مِنْ المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا من الضالين الجاهلين … بل لهم كمال العلم، وكمال القصد؛ إذ لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمةُ خيرَ الأمم، وأن لا يكونوا خيرَ الأمة، وكلاهما خلاف الكتاب والسُّنَّة.
وأيضًا فالاعتبار العقليُّ يدلُّ على ذلك؛ فإنَّ مَنْ تأمَّل أمة محمد ﷺ ، وتأمل أحوال اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين-تبيَّن له مِنْ فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم في العلم النافع والعمل الصالح ما يضيق هذا الموضع عن بسطه.
والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، ولهذا لا تجد أحدًا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه وعلى أمثاله، وتَجد مَنْ ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس. ولهذا لا يُوجد في أئمة الفقه الذين يُرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث، ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في الجيوش المؤيدة المنصورة جيش رافضي، ولا في المُلوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوَّه مَنْ هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سِيرة محمودة مَنْ هو رافضي … » (١).
فالله جل وعلا قد اختار هؤلاء الصفوة لصحبة نبيه ﷺ ، واختارهم
стр. 619
لإقامة دينه؛ فحفظوا لنا القرآن وحفظوا سنة النبي ﵊، وما انحسروا في المدينة، وإنما جاهدوا في سبيل نشر هذا الدِّين في ربوع الأرض، وانطلقوا يُبَلِّغون دين الله، وقد بلغ الإسلام في عهدهم مبلغًا عظيمًا، حتى إن بعضهم تُوفي عند أسوار القسطنطينية؛ كأبي أيوب الأنصاري ﵁، مع أنها لم تفتح إلا في زمن العثمانيين.
فالصحابة فازوا بخيرية الصحبة، فكان لهم السبق في الإيمان والفضل وجلالة القَدْر، وحمل ميراث النبوة وتبليغه، والجهاد في سبيله؛ فكانوا فرسانًا بالنهار رهبانًا بالليل.
ولذلك أهل السنة-والحمد لله-قلوبهم سليمة دائمًا من الغل أو الحقد والحسد تِجاه الصَّحب والآل؛ لأن الله قد زكَّى المهاجرين والأنصار ومَن جاءوا بعدهم مُستغفرين لهم؛ فقال جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وكذلك قلوب أهل السنة نقية تجاه حَمَلة ميراث النبوة من العلماء الصَّادقين والدُّعاة المخلصين والمقتفين للآثار النبي الأمين ﷺ ؛ لأن
стр. 620
النبي ﷺ قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم؛ فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ» (١).
وأمَّا أهل الباطل فديدنهم بُغض أصحاب النبي ﷺ وبُغض حملة شريعته؛ لأنهم مخالفون لهم، وهم مُبغضون ناقمون على مخالفيهم حتى ولو كانوا في ذات فِرقتهم؛ فقد يحكمون بكفرهم وتبديعهم وتفسيقهم؛ إذا خالفوا نهجهم ولو يسيرًا.
أمَّا أهل السنة فقلوبهم تلهج-دائمًا-بالثناء والترضي على أصحاب النبي ﷺ ، «ويَقْبَلُونَ ما جاء به الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ من فضائلِهِم ومَرَاتِبِهِم».
ومن ذلك ما جاء في قول الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾،
стр. 621
فقد أخبر الله-تعالى-في هذه الآية أنه رضي عن هؤلاء رضًا مطلقًا، ورَضي عمن بعدهم رضًا مقيدًا، وهو شرط اتباعهم بإحسان؛ قال الإمام ابن كثير ﵀: «فقد أخبر اللهُ العظيم أنَّه قد رضي عن السَّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل مَنْ أبغضهم أو سَبَّهم أو أبغض-أو سَبَّ-بَعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخَيرهم وأفضلهم-أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم-أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يُعادون أفضل الصحابة ويُبغضونهم ويسبونهم؛ عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون مَنْ قدم الله ذكرهم ورفع شأنهم.
وأمَّا أهل السنة فإنهم يَترضون عنهم، ويَسبون مَنْ سَبَّه اللهُ ورسولُه، ويُوالون مَنْ يُوالي الله، ويُعادون مَنْ يعادي الله، وهم مُتَّبعون لا مُبتدعون، ويَقتدون ولا يَبتدئون، ولهذا هم حزبُ الله المُفلحون وعباده المؤمنون» (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
والمراد ب ﴿المؤمنين﴾ في الآية: أصحاب النبي ﷺ ؛ فتوعد الله مَنْ اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد مُتبعهم بإحسان بالرِّضوان في قوله جل وعلا:
стр. 622
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
وقد شهد لهم النبي ﷺ بأنهم في أعلى درجات الإيمان والفضل والمنزلة، فقال: «لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنَّ أحدَكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نصيفَه» (١).
وهم في الفضل متفاوتون؛ فمن أنفق قبل الفتح (صُلح الحديبية) لا يستوي مع مَنْ أنفق بعده، وكذلك المهاجرون مُقَدَّمون على الأنصار، ويأتون في الفضل على مراتب؛ فأهل بدر، ثم أهل بيعة الرِّضوان، ثم من جاء بعدُ.
وقد جاء في فضل أهل بدر؛ قوله ﷺ : «لعلَّ اللهَ اطَّلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شِئتم، فقد وَجَبت لكم الجنة-أو-فقد غفرتُ لكم» (٢)، وقال الله-جل وعلا-عن أهل بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ونشهد بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ منهم؛ فقد شهد ﷺ للعشرة؛ فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في
стр. 623
الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» (١).
وشهد ﷺ لثابت بن قيس بالحنة؛ فعن أنس بن مالك ? أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا مِنْ أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ اشتكى؟». قال سعد: إنه لجاري، وما علمتُ له بشكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله ﷺ ، فقال ثابت: أُنْزِلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني مِنْ أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ ، فأنا مِنْ أهل النار، فذكر ذلك سعدٌ للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «بل هو مِنْ أهلِ الجَنَّة» (٢).
وشهد ﷺ لعُكَّاشة بن محصن ﵁ أنه من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ (٣).
وشهد ﷺ لبلالٍ بالجنة؛ فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال، حَدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام؛ فإني سمعتُ دَفَّ نَعليك (٤) بين يدي في الجنَّة!». قال: ما عملت
стр. 624
عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورًا-في ساعة ليل أو نهار-إلَّا صَلَّيت بذلك الطهور ما كُتِب لي أن أُصَلِّي» (١).
وبشَّر ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة مِنْ قَصب؛ لا صخب، فيه ولا نصب (٢).
وقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (٣).
وشهد ﷺ لغيرهم من الصحابة.
فكلُّ مَنْ ثبت أنَّ النبي ﷺ قد شهد لهم بالجنة-فإننا نشهد لهم كذلك.
فلا شك أن الصحابة لهم قدم سبقٍ في الإسلام، وكما قال النبي ﷺ في شأنهم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه» (٤)، فلو جاء أحد ممن بعدهم بمثل أحد ذهباً وأن لك هذا وأنفقته ما بلغت هذا المقدار من فضلهم، لم تبلغه لا المد ولا حتى النصيف مما أعطاهم الله .
стр. 625
ولذلك قال النبي ﷺ : «خير الناس قرني» (١)، فأعطاهم الخيرية، ونحن من جاء بعدهم ليس لنا إلا أن نترضى عليهم.
ربنا ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، فهؤلاء الذين سبقونا بالإيمان وسبقونا بالفضل، وسبقونا بالنصرة، وسبقونا الذود عن حياض الإسلام، وكذلك هم نقلة لكتاب الله، وذلك كونهم دلونا لهذا الخير فلهم أُجورنا وأجر من عمل بهذا العمل إلى يوم القيامة، وكما قال بعض السلف: "من طعن في أصحاب النبي ﷺ فمراده ليس أعيانهم" (٢) أعيانهم عند الله قدرهم ومكانتهم ومنزلتهم.
لكن أراد هذا الطاعن أن يطعن في النقلة ليطعن في هذا الدين، هؤلاء هم النقلة هؤلاء هم الحفظة الذين نقلوا لك كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فإذا أنت طعنت في الناقل فإنما تقصد الطعن في المنقول، والمنقول ما هو؟ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فإذا شُككت في الناقل فهذا التشكيك القصد منه التشكيك في المنقول، والمنقول هو كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
من جمع هذا القرآن؟ من حفظه وقدمه لهذه الأمة؟ أليسوا هم أصحاب النبي ﷺ ، فإذا شككت في عدالتهم وشككت في أمانتهم فعند ذلك ما
стр. 626
بقي قيمة لكتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، وبالتالي فإن صاحب السنة ليس لديه مشكلة مع القرآن، ولا مع السنة، فهو يؤمن بأن القرآن محفوظ، وأن القرآن كامل وليس فيه نقص وليس فيه تحريف، ويعرف أن الذين نقلوا وحفظوه عدول.
لكن عند أولئك الذين طعنوا في أصحاب النبي ﷺ كل المشكلة، فعندهم مشكلة مع القرآن فهم يرون أن فيه حذفاً، ويرون أن فيه تحريفاً، ويرون أن وفيه زيادة إلى غير ذلك، فالمشكلة مشكلتهم هم.
فكما قال قائل لما سئل، لماذا أنت تحولت من عقيدة الرافضة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة؟ قال: لماذا لا أتحول وقد أصبحت والحمد لله مرتاحاً للقرآن أؤمن وأعتقد به، ومطمئن بأنه كامل؛ وأن نقلته عدول، وأصبحت والحمد لله آمن على ديني، لأنه إذا كان أولئك لا يستحقون الجنة فعقلاً كيف أستحقها، فإذا كان أبو بكر وعمر لا يستحقون الجنة فكيف أنا أستحق الجنة.
فلماذا لا أكون على عقيدة أهل السنة، والحمد لله أهل السنة إذ ليس عندهم أي إشكال مع أحد من الصحابة فكلهم عدول، وكلهم على فضل، وكلهم على خير، وكلهم على منزلة وعلى مكانة، يترضون عليهم جميعاً، وتجد أن أسماءهم، وأسماء آبائهم، وأسماء أبنائهم، وأسماء إخوانهم، وأبناء عمومتهم تشمل جميع أسماء أصحاب النبي ﷺ دون تفريق.
فيتسمون بجميع أسماء الصحابة، لا نستثني منهم أحداً، فكل أسمائهم
стр. 627
مقبولة لديهم ويفتخرون بذلك، فصاحب السنة بحمد الله تعالى ليس عنده أي غلٍ أو حقدٍ أو تحاملٍ على أي أحد منهم بل الإقرار بالفضل والترضي والاعتراف بالقيمة والمنزلة والمكانة التي أعطاهم الله إياها، وكيف لا يكون ذلك والله تعالى قد زكاهم، ونبيه ﷺ قد زكاهم، ألم يقل : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فالله رضي عنهم، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
قال الإمام الشعبي: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (١).
فهذا والله من الخذلان، ولكن حقيقة طعن هؤلاء إنما هو الطعن في الدين، فأرادوا الطعن في الدين من خلال الطعن في النقلة الذين نقلوا لك هذا الدين.
فاعرف لأصحاب النبي ﷺ حقهم، وقدرهم، وهذا الذي عمل به أهل السنة، ودونوه جملة وتفصيلا، ولذلك ذكروا من فضائل أصحاب النبي ﷺ جملة، وذكروا من فضائل أعيانهم واحداً واحدا، فكيف ينقم من ينقم على
стр. 628
أبي بكر، هل لأنه من صدق النبي ﷺ ، أو لأنه هاجر معه، أو لأنه وقف تلك المواقف في خدمة الإسلام، وكيف من ينقم من ينقم على عمر ﵁ وهو الذي-بعد فضل الله -انتشر الإسلام على يديه شرقاً وغرباً وبلغت الفتوحات في عهده ما لم تبلغه في زمنٍ من الأزمان.
فقلوب أهل السنة سليمة سالمة لأصحاب النبي ﷺ نحفظ لهم الحق ونحفظ لهم الفضل، ونحفظ لهم القدر، ونترضى عليهم ونترحم عليهم، ونعرف أن فضلهم على هذه الأمة لا يمكن أن يوازيه شيء.
هذه العقيدة السليمة الصافية ليست العقيدة التي تصب حقداً وغلاً على أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ .
وعن عبد الله بن نافع: سمعت مالك بن أنس يقول: "لو أن العبد ارتكب الكبائر بعد أن لا يشرك بالله شيئا ثم نجا من هذه الأهواء والبدع والتناول لأصحاب رسول الله أرجو أن يكون في أعلا درجة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وذلك أن كل كبيرة فيما بين العبد وبين الله فهو منه على رجاء وكل هوى ليس منه على رجاء إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم من مات على السنة فليبشر من مات على السنة فليبشر من مات على السنة فليبشر" (١)
وقال مالك بن أنس: "لو لقي الله رجل بملء الأرض ذنوبا ثم لقي الله
стр. 629
بالسنة لكان في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" (١).
الآثار الواردة عن الإمام مالك في توقير الصحابة، وذم من أبغضهم وخالفهم من الروافض والخوارج كثيرة ومن ذلك على سبيل المثال:
قال مالك بن أنس ﵀: "من شتم النبي ﷺ قتل، ومن شتم أصحابه أُدِّب. " (٢)
قال مالك ﵁: "إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء كان له أصحاب سوء ولو كان رجلا صالحا كان أصحابه صالحين" (٣)
قَال مالك ﵀: "من شَتَم أَحَدًا من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ أَبَا بَكْر أَوْ عُمَر أَوْ عُثْمَان أَوْ مُعَاوِيَة أَوْ عَمْرَو بن الْعَاص فَإِنْ قَال كَانُوا عَلَى ضَلال وَكُفْر قُتِل وَإِنْ شَتَمَهُم بِغَيْر هَذَا من مُشَاتَمَة النَّاس نُكِّل نَكَالًا شَدِيدًا. " (٤)
قال مالك: "مَنْ غَاظَهُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَهُوَ كَافِرٌ قَال اللَّه تَعَالَى (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) ". وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ «مَنِ انْتَقَصَ أَحَدًا مِنْ
стр. 630
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ». " (١)
وموقفُ أهل السنَّة مما وقع بين أصحابِ النبي ﷺ ؛ هو الكَف وعدم الخوض في هذه المسألة.
ونعرفُ أن لهؤلاءِ-رضوان الله عليهم أجمعين-السبقِ والفضلِ والمكانة والمنزلة ما يكون-بحمد الله تعالى-أضعاف ما قد يقع منهم من خطأ أو زلل، فإذا الله منَّ عليك أن لا تكون في تلك الأمور في حينها فكُفَّ عن ذكرِ هذه الأمور بلسانك.
ولهذا نترحم على جميع الصحابة والآل ونترضى عنهم، كما أثنى الله جل وعلا عليهم، ونتولاهم جميعًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل السنة وسط في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ».
فالرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا.
وأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
стр. 631
والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.
أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (١).
стр. 632
قال المصنف-﵀:
ولا تشاور أحداً من أهل البدع في دينك ولا ترافقه في سفرك.
اشتد تحذير أهل السنة من أهل البدع أكثر من تحذيرهم ونكيرهم على أصحاب الكبائر.
ومن الآثار الواردة في ذلك:
قال يوسف ابن أسباط: "ما أبالي سألتُ صاحب بدعة عن ديني، أو زنيت" (١).
وقال أبو إدريس الخولاني: "لإن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها" (٢)
وعَنْ هِشَامٍ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: "لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ" (٣).
وقال سفيان الثوري ﵀: "من سمع مبتدعاً لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروةً عروةً" (١).
قال الإمام مالك: "وكان يقال لا تُمكن زائغ القلب من أذنيك فإنك ما تدري ما يعلمك من ذلك" (٢).
ولتأصيل هذه المسألة يمكن استقراء جملة من الأسباب لذلك منها:
أولًا: أن لهذا التفريق بين المعصية له ما يدل عليه من السنة فقد أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، ونهى عن الخروج على أئمة الظلم وأمر بالصبر عليهم.
وكان يجلد رجلا يشرب الخمر فلعنه رجل، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.
ثانيًا: مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد من المعاصي ولذلك كانت أعظم المحرمات التي حرمها الله.
قال ابن القيم: "قال الله تعالى في المحرم لذاته (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال (والإثم والبغي بغير الحق) ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا فإنه يتضمن الكذب على الله،
стр. 635
ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم، ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب اليك أو يتكلم في أهل البدع فقال إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغى هؤلاء وعدوانهم على ذلك