← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي. أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة، فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (١).

стр. 632

قال المصنف-﵀: ولا تشاور أحداً من أهل البدع في دينك ولا ترافقه في سفرك. اشتد تحذير أهل السنة من أهل البدع أكثر من تحذيرهم ونكيرهم على أصحاب الكبائر. ومن الآثار الواردة في ذلك: قال يوسف ابن أسباط: "ما أبالي سألتُ صاحب بدعة عن ديني، أو زنيت" (١). وقال أبو إدريس الخولاني: "لإن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها" (٢) وعَنْ هِشَامٍ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: "لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ" (٣).

стр. 633

قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَكُونُ مَجْلِسُكَ مَعَ الْمَسَاكِينِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ" (١). وعن سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي أَسْمَاءَ تُحَدِّثُ قَالَتْ: دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ قَالَ: لا، قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: لَا، لِتَقُومَانِ عَنِّي، أَوْ لَأَقُومَنَّ" (٢). وعن سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لِأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، قَالَ أَيُّوبُ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ: وَلَا نِصْفَ كَلِمَة، وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ" (٣). قَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: لَا تُمَكِّنُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مِنْ سَمْعِكَ فَيَصُبُّ، فِيهَا مَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ قَلْبِكَ" (٤).

стр. 634

وقال سفيان الثوري ﵀: "من سمع مبتدعاً لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروةً عروةً" (١). قال الإمام مالك: "وكان يقال لا تُمكن زائغ القلب من أذنيك فإنك ما تدري ما يعلمك من ذلك" (٢). ولتأصيل هذه المسألة يمكن استقراء جملة من الأسباب لذلك منها: أولًا: أن لهذا التفريق بين المعصية له ما يدل عليه من السنة فقد أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، ونهى عن الخروج على أئمة الظلم وأمر بالصبر عليهم. وكان يجلد رجلا يشرب الخمر فلعنه رجل، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله. ثانيًا: مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد من المعاصي ولذلك كانت أعظم المحرمات التي حرمها الله. قال ابن القيم: "قال الله تعالى في المحرم لذاته (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال (والإثم والبغي بغير الحق) ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا فإنه يتضمن الكذب على الله،

стр. 635

ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم، ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين حتى قيل لأحمد بن حنبل الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب اليك أو يتكلم في أهل البدع فقال إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغى هؤلاء وعدوانهم على ذلك

стр. 636

واجب على الكفاية باتفاق المسلمين ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعا وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء .. " (١) ثالثًا: أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقد أُثِر عن سفيان الثوري قال: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها والبدعة لا يُتاب منها" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا كان السلف يقولون: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. " (٣) ومعلوم أن مرتكب الكبيرة والمعصية يعلم أنه يفعل الحرام ويخشى أن ينزل به العذاب بسبب ما ارتكب في حق الله ، مع ما يعقب ذلك من الندم والشعور بالذنب الذي يلازمه بقية حياته مع رجاء التوبة والاستغفار من تلك المعصية، بخلاف المبتدع فإنه لا يشعر بذلك كله بل إنه يتعبد ببدعته التي يدعو إليها فتعتقد أنها تقربه إلى الله وتزيد من حسناته في حين أنها تغضب الله منه وتزيد من ذنوبه وهو لا يعلم ذلك؛ بل إنها عمل حابط وباطل ومردد

стр. 637

وفي الحديث قال الرسول ﷺ : "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (١) وقال ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". (٢) رابعًا: أن البدعة لا يتاب منها بخلاف المعصية فإنه قد يتاب منها. وسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ-﵀-عَنْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ اللَّهَ احْتَجَرَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» (٣) وَحَجْرُ التَّوْبَةِ إيش مَعْنَاهُ؟ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُوَفَّقُ، وَلَا يُيَسَّرُ صَاحِبُ بِدْعَةٍ (٤). قال ابن القيم: "فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت قوله تعالى﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴿فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ويحض

стр. 638

عليها فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدًا، فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله بالاستعانة والإخلاص وصدق اللجوء إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة والله المستعان" (١) خامسًا: أن المبتدع يرى الحق باطلًا ويرى الباطل حقًا قال شيخ الإسلام معقبًا على قصة ذو الخويصرة التميمي (٢): "فهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل كان ظنه كاذبا وكان

стр. 639

في إنكاره ظالما، وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى أو أثبت ما نفاه الله أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله أو قبح ما لم يكرهه الله فاعتقادهم خطأ وكلامهم كذب وإرادتهم هوى، فهم أهل شبهات في آرائهم وأهواء في إرادتهم .. » (١). سادسًا: أن البدعة ضررها متعد للغير إذا كان المبتدع داعيًا لبدعته بخلاف المعصية فإن ضررها على صاحبها. ولذلك فإن من العلماء من اشترط في توبة المبتدع أن يتوب من بدعته أن يعترف بأن ما عليه بدعة، قال السفاريني: "وتوبة المبتدع أن يعترف بأن ما عليه بدعة. قال في الشرح: فأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها، والرجوع عنها، واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها. وفي الرعاية: من كفر ببدعة قبلت توبته على الأصح، وقيل إن اعترف بها وإلا فلا. قال الإمام أحمد في رواية المروذي في الرجل يشهد عليه بالبدعة فيجحد: ليست له توبة إنما التوبة لمن أعترف فأما من جحد فلا توبة له. وفي إرشاد ابن عقيل الرجل إذا دعا إلى بدعة ثم ندم على ما كان، وقد ضل به خلق كثير وتفرقوا في البلاد وماتوا فإن توبته صحيحة إذا وجدت

стр. 640

الشرائط، ويجوز أن يغفر الله له ويقبل توبته ويسقط ذنب من ضل به بأن يرحمه ويرحمهم، وبه قال أكثر العلماء خلافا لبعض أصحاب الإمام أحمد وهو أبو إسحاق بن شاقلا، وهو مذهب الربيع بن نافع، وأنها لا تقبل، ثم احتج بالأثر الاسرائيلي الذي فيه: «فكف من أضللت، وبحديث «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى بوم القيامة» (١) " (٢) من المتقرر في النصوص الشرعية أن المرءُ يشابِهُ صَديقَه وصاحِبَه في سِيرتِه وعادتِه؛ فهوَ مؤثِّرٌ في الأخلاقِ والسلوكِ والتصرُّفاتِ، ونظرةِ الناسِ إلى كلٍّ مِنهما من خلالِ مَعرفتِهم بأحوالِ الصَّاحبِ، كما جاء في الحديث: «الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ» (٣) وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري: «لا تُصاحِبْ إلَّا مُؤمِنًا، ولا يأكُلْ طعامَكَ إلَّا تَقِيٌّ» (٤) ومن هذا الأصل جاء تحذير المصنف من مصاحبة من يصاحب المبتدع ويجالسه، فهو داخل في حكمه.

стр. 641

والآثار الواردة في التحذير من مجالسة أهل البدع والأهواء كثيرة جدًا في كتب أهل السنة، من حيث الأصل، قال الإمام البغوي: "وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم" (١). قال الشاطبي: "فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه" (٢). والتحذير يشمل أمورًا منها: ١ - مجالستهم. ٢ - مجادلتهم. ٣ - الاستماع إليهم. ٤ - مصاهرتهم (٣).

стр. 642

٥ - مؤاخاتهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: "فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله" (١) "والهجر الشرعي نوعان: أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات. والثاني: بمعنى العقوبة عليها. فالنوع الأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك … النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر" (٢).

стр. 643

والتحذير من المجالسة والاستماع لأهل البدع والأهواء فجاء لأسباب منها: أولًا: أن المجالسة قد تكون سببًا للدخول في بدع أهل الأهواء وضلالاتهم. لأنه في مقابل كل بدعة تهدم سنة، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام أيضاً: "من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشِّرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان، فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (١). ثانيًا: وأنها سبب لدخول الشبه والشكوك. فعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: "لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ" (٢). وعَنْ عَمْرِو ابْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: "لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ زَيْغٍ، فَيُزِيغَ قَلْبَكَ" (٣).

стр. 644

ثالثًا: أنها ممرضة للقلوب. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ" (١). وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ" (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث" (٣). رابعًا: أن في ذلك مساواة بين الحق والباطل. قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا أُجَالِسُ أَهْلَ السُّنَّةِ، وَأُجَالِسُ أَهْلَ الْبِدَع، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: "هَذَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ" (٤). خامسًا: أن المجالسة تدل على المجانسة.

стр. 645

قَالَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب» (١). وقال رسول الله ﷺ : «المرء على دين خليله» (٢). وعن يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، يَقُولُ لَمَّا قَدِمَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْبَصْرَةَ: جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى أَمْرِ الرَّبِيعِ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ، وَقَدْرَهُ عِنْدَ النَّاسِ، سَأَلَ: أَيُّ شَيْءٍ مَذْهَبُهُ؟ قَالُوا: مَا مَذْهَبُهُ إِلَّا السُّنَّةُ قَالَ: مَنْ بِطَانَتُهُ؟ قَالُوا: أَهْلُ الْقَدَرِ قَالَ: هُوَ قَدَرِيٌّ" (٣). وقال الْفُضَيْلَ ابْنَ عِيَاضٍ: "الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَف، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ سُنَّةٍ يُمَالِي صَاحِبَ بِدْعَةٍ إِلَّا مِنَ النِّفَاقِ" (٤). قال الخطابي ﵀ في شرح سنن أبي داود عند شرحه لقوله ﷺ

стр. 646

«لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي» (١) وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب يقول: لا تؤالف من ليس من أهل التقوى والورع ولا تتخذه جليساً تطاعمه وتنادمه". اه (٢) وقال في شرح حديث «الأرواح جنود مجندة» (٣): يقول ﷺ : "إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل أو التنافر في بدء الخلقة ولذلك ترى البَر الخير يحب شكله ويحن إلى قربه وينفر عن ضده، وكذلك الرَّهِق الفاجر يألف شِكله ويستحسن فعله وينحرف عن ضده". اه (٤) وهذا هو الأصل في التعامل مع أهل البدع ولكن الهجر له ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.

стр. 647

فمن الأمور التي يجب مراعاتها في أمر الهجر: الأمر الأول: مراعاة حال الهاجرين ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به-يعني الهجر-زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف … وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه" (١) الأمر الثاني: التفريق بين من يدعو لبدعته وبين من لا يدعو لبدعته. فيستثنى في أمر المجالسة والاستماع عند بعض العلماء ما لو كان ذلك الشخص لديه بعض العلم الصحيح ولم يكن في ذات الوقت داعيًا لبدعته.

стр. 648

قال الذهبي: "وعن الحسن بن الربيع قال: كنا نسمع من عبد الوارث، فإذا أقيمت الصلاة ذهبنا، فلم نصل خلفه. قال: وقيل لعبد الله بن المبارك: كيف رويت عن عبد الوارث، وتركت عمرو بن عبيد؟ قال: إن عمرًا كان داعيا. ومع هذا، فحديثه في الكتب الستة" (١) وأما إذا كان داعيا لبدعته فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم" (٢) الأمر الثالث: أن بعض أهل البدع قد يحمد من وجه ويذم من وجه. فلكل أحد حسناته وسيئاته كما قرره شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في قوله: "إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية، سنة وبدعة، استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة بقدر ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا ومن هذا، كاللص الفقير نقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفي حاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنّة والجماعة. (٣) " وقال ابن تيمية ﵀: "ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب،

стр. 649

ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم". (١) وقال شارح الطحاوية: "والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبا من وجه مبغوضا من وجه، والحكم للغالب. (٢) " الأمر الرابع: أن أنواع الهجر ثلاثة: الأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا. وهذا النوع من الهجر على قسمين: القسم الأول: هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]،

стр. 650

وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» [أخرجه البخاري في الإيمان.]. القسم الثاني: هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء. وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها. النوع الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة ﵃ بأسانيد في الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا. النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. (١)

стр. 651

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "و لا نكاح إلا بولي وخاطب وشاهدي عدل". أشار المصنف هنا إلى حديث: «لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ» (١). وقد تضمن الحديث بعض شروط عقد النكاح وهي: ١ - الولي. ٢ - وشاهدين عدل. ٣ - والصداق الذي هو المهر. ولعقد النكاح مجموعةٌ من الأركان التي لا يُنعقد إلا بها، وقد اختلف الفقهاء في عدد تلك الأركان، فمنهم من جعلها ركناً واحداً، ومنهم من جعلها أكثر من ذلك. ومن تلك الأركان: صِيغَة العقد: وهو الرُّكنُ الوحيد المُجمَع عليه بين فقهاء المذاهب بما

стр. 652

فيهم: أبو حنيفة، وتَتَكوَّنُ الصّيغة من الإيجاب والقَبول، فالإيجاب: هو ما يَصدر من العاقد الأول سواء كان الزوج أو الزوجة أو وليّيهما أو وكيليهما. والقَبول: هو ما يصدر من العاقد الثّاني كذلك وهما فيهما سواء، ويتحقّق الإيجاب والقبول باللّفظ، أي الكلام الذي به يَدلّ ويُعبّر فيه العاقد عن رغبته من إجراء العقد (١). المَهر أو الصَّداق: وهو رُكنٌ من أركان عقد النّكاح عند الجمهور وشرطٌ له عند الحنفيّة، والدّليل عليه القرآن والسُّنة النبوية والإجماع. ودليله من القرآن: قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ)، [النساء، آية: ٤]. وأما السُنّة: فقول الرّسول ﵊: (الْتمسْ ولَو خاتماً مِنْ حديدٍ) (٢)، وذلك يَدُلُّ على اشتراطه، كما قال الرّسول ﵊: (لا يحلُّ نكاحٌ إلا بوليٍّ وصداقٍ وشاهدَي عدلٍ) (٣).

стр. 653

وأما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على ذلك، فلا يَجوز التَّراضي على إسقاط المهر من العقد. (١) العاقِدان: وهما الزَّوج والزّوجة، وكلٌ منهما ركنٌ مُستقلّ بذاته، فلا ينعقد الزّواج بأحدهما فقط إلا إن وُجِد الآخر، ويُشتَرَطُ في الزّوجة أن تكون خاليةً من مَوانِع الزواج الشرعيّة، ومنها مثلاً أن تَكون مُتَزَوِّجَة بغيره، أو مُعْتَدَّة من طلاق لغيره، أو مُطلَّقة منه ثلاث طلقات ما لم تُحَلَّل، أو مُرتَدة، أو مَجوسية، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَماً له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجاً بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، أو تكون مُحْرِمَةً بحجّ أو عمرة. (٢) الشُّهود: فلا يَنْعَقِدُ النِّكاح إلا بِحُضُور شاهدين من الرجال أو بحضور رجلٍ وامرأتين، ويشترط فيهما أن يكونا مُسلمين بالِغَين عاقِلين حُرَّيْن عَدلَين سَميعَيْن بَصيرَين عارِفَين لِسان المُتَعاقِدَيْن (٣). الوَلِيّ: فَلَا يَصح النِّكاح إِلَّا بولِي، لقَوْله تَعَالَى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)، [البقرة، آية: ٢٣٢] وقيل إن هذه الآية سبب نزولها: (أن أختَ مَعقِلِ بنِ يَسارٍ طلَّقَها زوجُها، فتَركها حتى انقَضَتْ عِدَّتُها فخطَبها، فأبَى مَعقِلٌ، فنزَلَتْ: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ

стр. 654

يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة، آية: ٢٣٢]). (١) وَعَنْ عَائِشَة ﵂ أَنْ النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَيّمَا امْرَأَة نَكَحَت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثاً). (٢) فَلَا تَصِحُّ عبارَة الْمَرْأَة فِي عقد الزواج سواءً كان ذلك إِيجَاباً أم قبولاً، فَلا يجوز للمرأة البكر أن تزوّج نَفسهَا بنفسها حتى إن أذن لها الولي بذلك، وَلَا يجوز أن يزوّجها أحد غير وليها لَا بِولَايَة وَلَا بوكالة. (٣) والوَليُّ لُغةً: هو القَريبُ، مِنَ الوَلْيِ، وهو القُربُ، ووَلِيَ الأمرَ: إذا قام به، وتولَّى الأمرَ، أي: تقَلَّدَه، وتولَّى فُلانًا: اتَّخَذه وليًّا. (٤) والوَليُّ اصْطِلاحًا: مَنْ له ولايةُ التصَرُّفِ في المالِ والنَّفسِ جَميعًا (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀: "وإذا رضيت رجلًا، وكان كفئا لها، وجب علي وليها-كالأب ثم الأخ ثم العم-أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا

стр. 655

كان كفئًا باتفاق الأئمة وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك أو يخجلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفئا لها العداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله ﷺ ، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحتهن، لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره، فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التي أمر الله أن تؤدي إلى أهلها فقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)،] النساء: ٥٨ [". (١)

стр. 656

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "والمتعة حرام إلى يوم القيامة. " المتعة المقصود بها هنا هي متعة النساء لأن لفظ المتعة يطلق كذلك على متعة الحج باعتبار أن الحج له ثلاث صيغ إما الإفراد، وإما القران، وإما التمتع. والأصل في الزواج الاستمرار والدوام، وقد جعل الله تعالى الزواج من آياته التي تدعو إلى التفكر والتأمل، وجعل تعالى بين الزوجين المودة والرحمة، وجعل الزوجة سكناً للزوج، ورغَّب في إنجاب الذرية، وجعل للمرأة عدة وميراثاً، وكل ذلك منتفٍ في هذا النكاح المحرَّم. والزواج المؤقت - وهو زواج المتعة - كان مباحًا في أول الإسلام ثم نُسخت الإباحة، وصار محرَّماً إلى يوم الدين. فعن علي ﵁: "أن رسول الله صلى الله وسلم نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر". وفي رواية: "نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. (١) "

стр. 657

وعن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً. (١) " والمرأة المتمتع بها عند الرافضة -الشيعة وهم الذين يقولون بجوازه- ليست زوجة ولا أمَة، وقد قال تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)] المؤمنون: ٥ - ٧ [ وقد استدل الرافضة لإباحة المتعة بما لا يصلح دليلاً ومنه: أ. قول الله تعالى:) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة)] النساء: ٢٤. [ فقالوا: إن في الآية دليلاً على إباحة المتعة، وقد جعلوا قوله تعالى أجورهن قرينة على أن المراد بقوله استمتعتم هو المتعة. والرد على هذا: أن الله تعالى ذكر قبلها ما يحرم على الرجل نكاحه من النساء، ثم ذكر ما يحل له في هذه الآية، وأمر بإعطاء المرأة المزوَّجة مهرها. وقد عبَّر عن لذة الزواج هنا بالاستمتاع، ومثله ما جاء في السنَّة من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "المرأة كالضِّلَع إن أقمتَها

стр. 658

كسرتَها، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عوج" (١) وقد عبَّر عن المهر هنا بالأجر، وليس المراد به المال الذي يُدفع للمتمتَّع بها في عقد المتعة، وقد جاء في كتاب الله تعالى تسمية المهر أجراً في موضع آخر وهو قوله:) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)، فتبيَّن أنه ليس في الآية دليل ولا قرينة على إباحة المتعة. ولو قلنا تنزلاًّ بدلالة الآية على إباحة المتعة فإننا نقول إنها منسوخة بما ثبت في السنة الصحيحة من تحريم المتعة إلى يوم القيامة. ب. ما روي عن بعض الصحابة من تجويزها وخاصة ابن عباس. والرد: هذا من اتباع الرافضة لأهوائهم فإنهم يكفرون أصحاب النبي ﵃ ثم تراهم يستدلون بفعلهم هنا، وفي غيره من المواضع. فأما من ثبت عنه القول بالجواز فهم ممن لم يبلغهم نص التحريم، وقد رد الصحابة ﵃ (ومنهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير) على ابن عباس في قوله بإباحة المتعة. فعن علي أنه سمع ابن عباس يليِّن في متعة النساء فقال: "مهلا يا ابن عباس فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية" (٢).

стр. 659

فالمتعة حرام، بحيث إن الإنسان يستحل المرأة في مدة محدودة معلومة، من يوم أو يومين أو شهر أو شهرين يحدد بداية ونهاية لهذا الأمر. قال ابن بطة: "ومن السنة أن يعلم أن المتعة حرام إلى يوم القيامة" (١). وقال قوام السنة الأصفهاني: "ومتعة النساء حرام إلى يوم القيامة" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها» (٣). وجاء تقرير حرمة نكاح المتعة خلافًا للروافض الذين يزعمون أن متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويوردون في فضائلها أخبارا كثيرة موضوعة ومفتراة. (٤) وقد حكي الإجماع على تحريم نكاح المتعة غير واحد من الأئمة، كما بينه الحافظ ابن حجر بقوله: "قال ابن المنذر: لا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الروافض، ولا معتمد لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض.

стр. 660

وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته؛ فقد صح عن علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض" (١). ولا تتوقف مخازي الرافضة عند حد فهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ومن بعض صور حالهم: قال ابن تيمية عن أولئك الروافض: "وهؤلاء يحرمون نكاح نسائهم-أي نساء أهل الكتاب-وأكل ذبائحهم، وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا، ولا من أقوال أتباعهم، وهو خطا مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم" (٢). وأباح جمهور السلف الصالح نكاح المحصنات من أهل الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) [المائدة: ٥] وحرم الرافضة ما أحل الله فمنعوا نكاح الكتابيات.

стр. 661

ومع أن الرافضة حرموا نكاح الكتابيات، إلا أنهم غلب عليهم الإباحية والفجور، فقارنوا عارية الفرج والزنا باسم المتعة، وأباحوا وطء الناس النساء في أدبارهن كما هو مقرر في كتبهم. (١) وعندهم ما يسمى كذلك نكاح الاستبضاع: وهي أن يأذن الرجل لزوجه أن تُمكِّن من نفسها رجلاً معينًا، ويسمى كذلك إعارة الفرج: وهو مزيج من أنكحة الجاهلية وأنكحة مجوسية وبوذية، وهو نكاح ابتدعه الشيعة بغرض عفة المرأة في حال سفر زوجها، وهو أن الرجل إذا أراد السفر أودع زوجته عند أحد أقاربه أو أصدقائه تقيم معه يستمتع بها، ويحدد له الزوج حدود الاستمتاع، إما استمتاع كامل ومعاشرة كمعاشرة الأزواج، وإما استمتاع دون الفرج، ولا يحل له تعدى الحدود التي حددها الزوج، وإذا ما تعدى الصديق أو القريب تلك الحدود يكون خائنا للأمانة ويدخل في دائرة الحرام حيث المبرر لهذا النكاح أنه حصن للزوجة وضمان للرجل أن زوجته لم تخنه!! وهذا الحرام بعينه والعياذ بالله فأهل السنة-بحمد الله تعالى-من الله عليهم بحفظ أعراضهم وبحفظ أنسابهم وهذا كله حرام. وهذا أحد الأنكحة التي كانت موجودة قبل الإسلام، وجاء الإسلام فحرمها، وقد ذكرت السيدة عائشة أمُّ المؤمنين-﵂-أربعةً منها، فعن عروة بن الزبير أن عائشة زوجَ النبي ﷺ أخبرته «أَنَّ النِّكَاحَ

стр. 662

فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا. وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ. وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ. وَنِكَاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ" (١).

стр. 663

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "ومن طلق ثلاثاً في لفظ واحد فقد جهل وحرمت عليه زوجته ولا تحل له أبداً حتى تنكح زوجًا غيره" (١). ذكر المصنف قول جمهور العلماء في مسألة الطلاق أن من طلق امرأته ثلاثاً حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. و تعريف الطلاق يُعرّف الطلاق لغةً بما يأتي: • التحرّر من الشيء والتحلّل منه: وجمعه: أطلاق، والفعل منه: طَلَقَ، فيُقال: طلق المسجون؛ أي تحرّر من القيد، وطُلّقت المرأة من زوجها؛ أي تحلّلت منه، وخرجت عن عصمته. • الانشراح والبسط والعطاء: وذلك حين يُقال: طلق يده بالخير؛ أي بسطها وبذلها للعطاء، وطلقه مالاً؛ أي أعطاه إياه. ويُعرّف الطلاق اصطلاحاً بأنّه: إزالة عقد النكاح بلفظٍ مخصوصٍ، أو بكلّ لفظٍ يدل عليه. والنكاح الذي يُعتبر به الطلاق هو النكاح الذي وقع صحيحاً بكلّ شروطه

стр. 664

وأركانه، والأصل فيه أن يكون بيد الزوج وحده، ولذلك جاء في بعض تعاريف الطلاق أنّه قطع النكاح بإرادة الزوج، ويصحّ أن يُنيب ويوكّل غيره بالطلاق، ويصحّ دون إنابةٍ، وذلك للقاضي وحده، (١) وتحصل الفُرقة بين الزوجين بالخلع أيضاً بناءً على طلب الزوجة أو وليّها إن لم تستطع الاستمرار في علاقتها مع زوجها بالنظر إلى الضوابط المحدّدة والمقرّرة، (٢) كما قد يقع التفريق بين الزوجين من قِبل القاضي بناءً على عدّة شروطٍ واعتباراتٍ. (٣) أنواع الطلاق: قسّم الفقهاء الطلاق إلى عدة أنواع؛ وذلك بعدّة اعتباراتٍ، وتفصيل ذلك فيما يأتي: (٤) باعتبار الحِلّ والحُرمة يُقسم الطلاق من حيث موافقته للسنة وعدم موافقته إلى طلاقٌ سني وطلاقٌ بدعيّ، وفيما يأتي تفصيل كلّ واحدٍ منهما: (٥) الطلاق السنيّ: وهو الطلاق الذي يقع وفق الضوابط والشروط التي وضعها الإسلام، وهذه الشروط هي: أن يقع بطلقةٍ واحدةٍ،

стр. 665

وفي طُهرٍ لم يُجامع الرجل فيه زوجته، وتكمُن الحكمة من هذه الشروط بإعطاء الزوج فرصةً لمراجعة زوجته؛ فيطلّقها مرةً يعقبها رجعة. وأمّا الحكمة من عدم طلاقها حين الحيض؛ لئلا تطول مدة العدة عليها، إذ إنّ مدة الحيض لا تُحسب من العدة، فيكون الطلاق إضراراً بالزوجة. والدليل على طلاق السنة قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، [الطلاق، آية: ١] كما حُرّم طلاق الرجل لزوجته في الطهر الذي جامعها فيه؛ إذ إنّها لا تعلم إن كانت حاملاً أم لا، وبالتالي فإنّها لا تعلم إن كانت ستعتدّ بالأقراء أم بوضع الحمل. الطلاق البدعي: وهو الطلاق المُخالف للضوابط والشروط التي وضعها الشارع للطلاق، كأن يطلق الرجل زوجته ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ، أو مُتفرقات ولكن في مجلسٍ واحدٍ، أو كأن يُطلّقها حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه، وقد أجمع العلماء على تحريم هذا النوع من الطلاق، وأنّ صاحبه آثم، وقد اختلف الفقهاء في وقوعه، وذهبوا في ذلك إلى قولين: القول الأول: ذهب الجمهور من العلماء إلى وقوع الطلاق البدعي، واستدلّوا بعموم الآيات التي تتحدّث عن الطلاق، وقالوا بأنّ العموم يشمل الطلاق البدعي، واستدلوا أيضاً بأمر النبي-﵇-لابن عمر أن يراجع

стр. 666

زوجته التي طلّقها وهي حائض. القول الثاني: ذهب كلٌّ من عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وطاووس وابن تيمية وابن القيم والظاهرية إلى عدم وقوع الطلاق البدعي، واستدلّوا بأن عموم الآيات التي تتحدث عن الطلاق لا يشملها الطلاق البدعي؛ لأنّه ليس من الطلاق الذي أذن الله به بل أمر بخلافه. باعتبار الرجعة وعدمها يحرص الإسلام على حفظ العلاقة الزوجية واستمرارها، وفي حال الطلاق فقد أذن الله للرجل بأن يُراجع امرأته ويردّها إلى عصمته في بعض الحالات، وفيما يأتي تفصيل أنواع الطلاق باعتبار الرجعة وعدمها: (١) الطلاق الرجعي: وهو الطلاق الذي يجوز معه الزوج أن يُرجع زوجته إلى عصمته خلال فترة العدة بعد الطلقة الأولى والثانية دون عقدٍ جديدٍ. (٢) الطلاق البائن: وهو الطلاق الذي يرفع قيد النكاح على الفور، وتترتب عليه آثار الطلاق في الحال، ويُقسم إلى: طلاق بائن بينونة صغرى: وهو الطلاق الذي يقع بعد انتهاء عدة الطلقة الأولى أو الطلقة الثانية، ويكون الرجوع بعد الطلاق البائن بينونة صغرى بعقدٍ جديدٍ.

стр. 667

طلاق بائن بينونة كبرى: وهو الطلاق الذي يقع بعد الطلقة الثالثة، ولا يحلّ للزوج مُراجعة زوجته إلّا بعد مُضي العدة، وزواجها برجلٍ غيره وانفصالها عنه بموتٍ أو طلاقٍ، ثُم انقضاء عدّتها، فإذا حصل ذلك جاز للزوج الأول الرجوع إليها بعقدٍ جديدٍ، لقول الله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [البقرة، آية: ٢٣٠]. وممّا يترتب على المرأة بسبب الفُرقة بينها وبين زوجها العدة الواجبة بأدلة الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، [البقرة، آية: ٢٢٨] وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، [البقرة، آية: ٢٣٤]. وأمّا من السنة فقول النبي ﵊: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ علَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا علَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا». (١)

стр. 668

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "و التكبير على الجنائز أربع، فإن كبر خمسا فكبر معه [كفعل علي بن أبي طالب] (١)، قال: ابن مسعود: "كبر ما كبر إمامك" (٢). قال: أحمد خالفني الشافعي وقال إن زاد على أربع تكبيرات أعاد الصلاة واحتج علي بأن النبي ﷺ -صلى على النجاشي فكبر عليه أربع تكبيرات". ثبت في صحيح البخاري: «أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات» (٣) وهذا هو قول جمهور العلماء وهم مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء كلهم، فهم يرون أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات، ومن العلماء من أجاز خمس تكبيرات أو ستاً أو سبعاً، وقد ثبت أن النبي ﷺ كبر على بعض الجنائز خمس تكبيرات، ولكن الجمهور على أربع،

стр. 669

قال النووي ﵀: استقرت الشريعة على أربع، وأن هذا كان أولاً، ثم استقرت الشريعة الاقتصار على أربع تكبيرات، والصواب أن المسألة فيها خلاف، لكن الأرجح الذي عليه الجمهور هو الاقتصار على أربع تكبيرات. والمصنف هنا يرجّح أن مسألة التكبير أربع، وهو قول الجمهور، لكن لا يعني أنه هو الصورة الوحيدة للتكبير، فللتكبير صور عديدة فعلها النبي ﷺ لا ينبغي لأحد أن يُنكر على فاعلها، وكل ما ثبت عن النبي ﷺ من صور الأفعال إذا لم يرد له فيها خصوصية أو يرد النسخ فإنها تبقى من صور الفعل الجائزة، مثل صلاة الخوف فلها عدة صور كلها جائزة، وصلاة الكسوف والخسوف لها عدة صور كلها جائزة، وصلاة الاستسقاء لها عدة صور كلها جائزة، وكذلك صلاة الجنازة في تكبيراتها، فالذي عليه جمهور السلف أنها أربع؛ لكن النبي ﷺ فعل غير ذلك فمن زاد فلا حرج عليه.

стр. 670

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "و المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة". ذكر المصنف المسح على الخفين إشارة إلى الأحكام التي علمت بالقواطع الشرعية أو بالنصوص القطعية ثم أنكرها، من أنكرها، فكل حكم من الأحكام الشرعية-وإن لم يدخل في العقيدة-تواترت به النصوص أو أجمع عليه السلف أو كان دليله صحيحاً ولو لم يتواتر فإن جحده يعتبر من مخالفة العقيدة، فلذلك ذكر السلف المسح على الخفين. وقد خالفت فيه الرافضة، كما خالفت في تجويز مسح الرجل بدل الغسل، فردوا السنة وعملوا بعكسها في مقام واحد، وهذا دليل انتكاس عندهم في العقول والأصول، ففي الوقت الذي أنكروا فيه المسح على الخفين أجازوا المسح بدون خفين. وهناك طوائف من الخوارج وطوائف من الجهمية وغيرهم أنكروا المسح على الخفين. وقال الإمام النووي: "أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها … وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم" (١)
следующие страницы →