← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30128

أحكام الطلاق (الطلاق السني والطلاق البدعي)

أحمد الزومان

Полный текст (770 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الثالث: قال الألباني: دعوى أبي داود أنَّ الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير فيرده طريق سعيد بن جبير … فإنَّه موافق لرواية أبي الزبير هذه فإنَّه قال: «فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلَى حَتَّى طَلَّقْتُهَا وَهِيَ طَاهِرٌ» وإسناده صحيح غاية فهي شاهد قوي جدًّا لحديث أبي الزبير ترد قول أبي داود المتقدم ومن نحا نحوه مثل ابن عبد البر والخطابي وغيرهم ومن العجب أنَّ هذا الشاهد لم يتعرض لذكره أحد من الفريقين لأهميته (١). الرد من وجهين: الوجه الأول: قوله: «فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلَي» ليس فيه إلا رد الطلاق عليه وهذا اتفقت الروايات عليه لكن ليس فيه أنَّه لم يحتسبها عليه طلقة.

стр. 317

فرواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر ﵄ قال: «حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ» (١) ورواه أبو بشر جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير «فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلَى حَتَّى طَلَّقْتُهَا وَهِيَ طَاهِرٌ» (٢) وليس بين الروايتين تعارض فرواية أبي بشر فيها الرد والمراد به المراجعة كما بينته الروايات الأخرى ورواية أيوب فيها أنَّها حسبت طلقة فليس في هذه الرواية شاهد لرواية أبي الزبير، والله أعلم. الوجه الثاني: على فرض أنَّ بينهما تعارض فلابد من تأويل إحدى الروايتين لتوافق الأخرى فمخرجهما واحد ورواية أيوب توافق رواية الجماعة فتأول رواية أبي بشر. والألباني نفسه ﵀ يرى وجوب تأويل هذه الرواية فقال ذكر [الحافظ ابن حجر] عن العلماء أنَّ معنى: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا … أي: مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنة، وليس معناه أنَّ الطلاق لم يقع؛ بدليل الرواية المتقدمة المصرحة بأنَّ ابن عمر ﵄ اعتدَّ بها، وصح مرفوعًا: أنَّها (واحدة) … لا بد من تأويل الرد المذكور فيه بما لا يعارض الحديث الذي قبله وما في معناه، لا سيما ما كان صريحًا في الرفع … (٣). الرابع: عن عبد الله بن مالك عن ابن عمر ﵄ «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (٤).

стр. 318

وجه الاستدلال: هذه الرواية شاهد لرواية أبي الزبير عن ابن عمر ﵄ في عدم وقوع طلاق امرأته. الرد من وجهين: الأول: هذه الرواية ضعيفة عبد الله بن مالك الهمداني ذكره ابن حبان في ثقاته وقال الحافظ مقبول فلا يقارن بخاصة ابن عمر ﵄ كنافع وسالم. الثاني: على فرض صحتها فهي مؤولة كما تقدم. فيسلم بعدم تفرد أبي الزبير لكن لا يسلم بصحة هذه الروايات أو دلالاتها على أنَّها تشهد لرواية أبي الزبير فتبقى زيادة «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» في رواية أبي الزبير عن ابن عمر ﵄ شاذة، والله أعلم. الخامس: قال ابن القيم: ليس في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير فهل فيها حديث واحد أنَّ رسول الله ﷺ احتسب عليه تلك الطلقة، وأمره أن يعتد بها،؟ فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبى الزبير، ولا تجدون إلى ذلك سبيلاً (١). الرد: احتسبها النبي ﷺ واحدة فعن نافع، عن ابن عمر ﵄ «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً» ويأتي الكلام (٢) عليها. السادس: قال الشوكاني: ليس في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير

стр. 319

حتى يصار إلى الترجيح ويقال قد خالفه الأكثر بل غاية ما هناك الأمر بالمراجعة على فرض استلزامها لوقوع الطلاق وقد عرفت اندفاع ذلك على أنَّه لو سلم ذلك الاستلزام لم يصلح لمعارضة النص الصريح أعني «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» (١). الرد: الأحاديث الصحيحة المرفوعة والموقوفة والمقطوعة تنص على أنَّها حسبت عليه طلقة فتخالف رواية أبي الزبير عن ابن عمر ﵄ «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا». السابع: ليس مع المخالف سوى تقليد أبي داود (٢). الرد: لم ينفرد أبو داود بالحكم بشذوذ زيادة «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» فسبقه الشافعي وأشار إلى شذوذها مسلم وحكم عليها بالشذوذ ابن عبد البر والخطابي والمنذري وابن رجب والعراقي وغيرهم فحفاظ السنة العالمون بالعلل يكادون يجمعون على شذوذها وتقدم كلامهم (٣). الثامن: ابن عمر ﵄ يفتي بعدم وقوع طلاق الحائض فوافق حديثه المرفوع فتواه فاجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد بطلاق الحائض وخالف فى ذلك ألفاظ مجملة مضطربة (٤). الرد من وجوه: الأول: رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي نا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ أنَّه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال ابن عمر ﵄: «لَا يُعْتَدُّ لِذَلِكَ» الصواب أنَّ اسم الإشارة يعود إلى عدم الاعتداد بالحيضة من العدة ولا يعود على عدم الاعتداد بالطلاق - ويأتي - (٥). الثاني: فتوى ابن عمر ﵄ بوقوع طلاق الحائض في الصحيحين وتأتي (٦).

стр. 320

الثالث: دعوى اضطراب الروايات عن ابن عمر ﵄ تقدمت مناقشتها قريبًا. الدليل السابع: عن أبي الزبير قال سألت جابرًا ﵁ عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض فقال طلق عبد الله بن عمر امرأته ﵃ وهي حائض فأتى عمر رسول الله ﷺ فأخبره ذلك فقال رسول الله ﷺ : «لِيُرَاجِعْهَا فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ» (١). وجه الاستدلال: «فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ» تدل على عدم وقوع الطلاق. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الثاني: على فرض صحته فلفظ «فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ» لا يدل على عدم وقوع الطلاق فالمطلقة طلاقًا رجعيًا امرأة المطلق ما لم تخرج من العدة قال الله - تعالى - في المطلقات طلاقًا رجعيًا: [وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا] (البقرة: ٢٢٨) فسمى المطلق بعلًا فلا يدل «فَإِنَّهَا امْرَأَتُهُ» على عدم وقوع الطلاق إلا على القول بأنَّ ابن عمر ﵄ طلقها ثلاثًا والصحيح أنَّه طلقها طلقة واحدة. الدليل الثامن: قال ابن عبد البر: احتج بعض من ذهب إلى أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع وأنَّ المطلق لا يعتد بتلك التطليقة بما روي عن الشعبي أنَّه قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » (٢).

стр. 321

الرد من وجهين: الأول: لم أقف على الأثر مسندًا للنظر في صحته مع أنَّه يخالف الثابت عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا وموقوفًا في وقوع طلاق الحائض الثاني: على فرض صحته أوله ابن عبد البر فقال: هذا من الشعبي إنَّما معناه لا يعتد بتلك الحيضة في العدة ولم يرد لا يعتد بتلك التطليقة وقد روي عنه ذلك منصوصًا رواه شريك عن جابر عن عامر في رجل طلق امرأته وهي حائض قال: «يَقَعُ عَلَيْها الطلاق ولا يَعْتَدُّ بتلك الْحَيْضَة» (١). وقد صح التأويل الذي ذكره ابن عبد البر عن ابن عمر ﵄ من غير طريق الشعبي (٢). الدليل التاسع: في بعض روايات حديث ابن عمر ﵄ «أنَّه طلقها ثلاثًا» وفي بعضها من غير بيان العدد فلو كان الطلاق في الحيض يقع لاستفصل منه النبي ﷺ ليعرف هل له الرجوع أم لا فلما لم يستفصل دل ذلك على عدم وقوع طلاق الحائض (٣). الرد من وجهين: الأول: الصحيح أنَّ ابن عمر ﵄ طلق طلقة واحدة فعن نافع أنَّ ابن عمر بن الخطاب ﵄ «طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً» (٤) ويأتي أنَّ النبي ﷺ حسبها عليه واحدة (٥).

стр. 322

الثاني: هذه قضية عين فلعل النبي ﷺ يعلم أنَّه لم يسبق أن طلق فلم يستفصل منه وحسبها واحدة. الدليل العاشر: عن أبي سعيد ﵁ قال: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا» فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا» (١). وجه الاستدلال: الربا عقد محرم فأمر النبي ﷺ برده ولم يعتبره فدل على عدم انعقاد العقود المحرمة ومن ذلك طلاق الحائض فلا يقع (٢). الرد من وجهين: الأول: هل الربا منعقد ثم يفسخ العقد أو لم ينعقد أصلًا محل خلاف (٣). الثاني: لا يصح عقد الربا لأنَّه منهي عنه لوصفه بخلاف طلاق الحائض (٤). الدليل الحادي عشر: لا تصح صلاة الفرض ولا صوم رمضان ولا الحج قبل الوقت فكذلك طلاق الحائض لأنَّه قبل وقته المأذون فيه شرعًا. الرد من وجوه: الأول: فرق الشارع بين العبادات والعقود فالأصل في العبادات الحضر والأصل في العقود الإباحة.

стр. 323

الثاني: لا قياس مع النص. الثالث: تأتي قاعدة جواز تقديم الشيء على سببه لا شرطه (١). ثالثًا: الأدلة النظرية: الدليل الثاني عشر: مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعًا، لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنمَّا يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح، وترقع خرقه أمَّا رجعة يعقبها طلاق، فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول، لو كان واقعًا (٢). الرد من وجهين: الأول: الطلاق في الحيض منكر والمراجعة تغيير للمنكر (٣). الثاني: في مراجعتها وبقائها عنده حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر مظنة إمساكها وعدم الطلاق. الدليل الثالث عشر: هذا طلاق منع منه صاحب الشرع، وحجر على العبد في اتباعه، فكما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع أفاد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للحجر فائدة، وإنَّما فائدة الحجر عدم صحة ما حجر على المكلف فيه (٤). الرد من وجوه: الأول: دل الدليل الخاص على اعتباره.

стр. 324

الثاني: فتوى الصحابة ﵃ على وقوع الطلاق وإن خالف السنة في وقته أو عدده. الثالث: ليس كل نهي من الشارع إبطالًا للتصرف (١). الرابع: من فوائد الحجر اختبار العباد وتبين المطيع من العاصي. الدليل الرابع عشر: لا خلاف بين أحد من أهل العلم أنَّ الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة نهى عنها رسول الله ﷺ فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرون أنَّها بدعة وضلالة أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفًا لإجماع القائلين بأنَّها بدعة (٢). الرد من وجوه: الأول: يقع الطلاق البدعي لدلالة السنة وفتوى الصحابة ﵃. الثاني: ليس كل ما نهي عنه لا ينفذ وتقدم الكلام على أنَّ النهي لا يقتضي الفساد دائمًا (٣). الثالث: الحكم بوقوع طلاق البدعة ليس تجويزًا له فيقع مع الإثم. الرابع: أكثر من لا يوقعون طلاق الحائض لأنَّه بدعة يرون أنَّ طلاق الثلاث بدعة ويوقعونه واحدة (٤). الدليل الخامس عشر: ما حرمه الله - سبحانه - من العقود، فهو مطلوب الإعدام بكل طريق حتى يجعل وجوده كعدمه في حكم الشرع، ولهذا كان ممنوعًا من فعله، باطلًا في

стр. 325

حكم الشرع والباطل شرعًا كالمعدوم. ومعلوم أنَّ هذا هو مقصود الشارع مما حرمه ونهى عنه، فالحكم ببطلان ما حرمه ومنع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب، بخلاف ما إذا صحح، فإنَّه يثبت له حكم الوجود (١). الرد: ما كان في أصله مباحًا ونهي عنه لأمر خارج يصح مع الإثم بخلاف إذا كان النهي عائدًا لذات الشيء أو شرطه أو وصفه اللازم له. الدليل السادس عشر: إذا صحح طلاق الحائض استوى هو والحلال في الحكم الشرعي، وهو الصحة وإنَّما يفترقان في موجب ذلك من الإثم والذم ومعلوم أنَّ الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرم الممنوع منه (٢). الرد من وجهين: الأول: تقدم أنَّ المنهي عنه تارة يساوي الحلال في الصحة وتارة لا يساويه (٣). الثاني: إذا سواه في الصحة فلا يساويه في الإثم والتعرض للعقوبة الشرعية. الثالث: إذا دل الدليل على صحته فليس لنا إلا التسليم ولا نعارض النصوص بالرأي. الدليل السابع عشر: العقد الصحيح هو الذي يترتب عليه أثره، ويحصل منه مقصوده وهذا إنَّما يكون في العقود التي أذن فيها الشارع، وجعلها أسبابًا لترتب آثارها عليها، وما لم يأذن فيه ولم يشرعه كيف يكون سببًا لترتب آثاره عليه، ويجعل كالمشروع المأذون فيه (٤).

стр. 326

الرد من وجهين: الأول: تقدم أنَّ المنهي عنه تارة يترتب عليه الأثر. الثاني: ترتب الأثر وعدمه يؤخذ من النصوص الخاصة والقواعد العامة وقد دل الدليل الخاص على ترتب أثر الطلاق في الحيض. الدليل الثامن عشر: حرم الطلاق في الحيض لئلا ينفذ ولا يصح، فإذا نفذ وصح، وترتب عليه حكم الصحيح، كان ذلك عائدًا على مقتضى النهي بالإبطال (١). الرد من وجوه: الأول: كون الطلاق في الحيض حرم لئلا ينفذ ولا يصح يحتاج إلى دليل. الثاني: الدليل الخاص دل على خلافه. الثالث: تصحيح طلاق الحائض لا يعود على النهي بالبطلان بل يبقى النهي ليفيد التحريم كبعض العقود المنهي عنها كتلقي الجلب وبيع المصراة ثبت في النص صحتها مع النهي عنها. الدليل التاسع عشر: حرمه الشرع ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه، فإنَّ ما نهى عنه الشرع وحرمه لا يكون قط إلا مشتملًا على مفسدة خالصة أو راجحة، فنهى عنه قصدًا لإعدام تلك المفسدة. فلو حكم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلًا للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها، وإثباتًا لها (٢). الرد من وجوه: الأول: ما نهي عنه إذا كان مشتملًا على مفسدة خالصة أو راجحة لا يصح وإذا

стр. 327

كانت المفسدة غير راجحة يصح العقد ويؤمر بتصحيح الخطأ كطلاق الحائض أو يجعل له الخيار كبيع المصراة. الثاني: أصل الطلاق ليست مفسدته راجحة فيكون أحيانًا واجبًا كطلاق الحكمين (١). الثالث: المطلق في الحيض أو في طهر جامعها فيه ولم يستبن حملها أوقعه في وقت يحرم إيقاعه فيه والأصل إباحته لولا الوقت كتلقي الجلب فيصح مع الإثم. الدليل العشرون: وصف العقد المحرم بالصحة، مع كونه منشئًا للمفسدة ومشتملًا على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده، جمع بين النقيضين فإنَّ الصحة إنَّما تنشأ عن المصلحة، والعقد المحرم لا مصلحة فيه بل هو منشئ لمفسدة خالصة أو راجحة فكيف تنشأ الصحة من شيء هو منشئ المفسدة؟ (٢). الرد من وجهين: الأول: المحرم نوعان محرم مطلقًا فهذا الذي لا مصلحة فيه أو مصلحته مرجوحة أمَّا المحرم لسبب فليس كذلك. الثاني: يمكن رفع المفسدة في طلاق الحائض بالرجعة. الدليل الحادي والعشرون: جعل الشارع للمكلف مباشرة الأسباب فقط، وأما أحكامها المترتبة عليها فليست إلى المكلف، وإنَّما هي إلى الشارع، فهو قد نصب الأسباب وجعلها مقتضيات لأحكامها، وجعل السبب مقدورًا للعبد، فإذا باشره رتب عليه الشارع أحكامه. فإذا كان السبب محرمًا كان ممنوعًا منه ولم ينصبه الشارع مقتضيًا لآثار

стр. 328

السبب المأذون فيه، والحكم ليس إلى المكلف حتى يكون إيقاعه إليه غير مأذون فيه، ولا نصبه الشارع لترتب الآثار عليه، فترتيبها عليه إنَّما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه! وهو قياس في غاية الفساد، إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم، ولا يخفى فساده (١). الرد من وجهين: الأول: تقدم أنَّه ليس كل سبب محرم لا يترتب عليه أثره فالنهي لا يقتضي الفساد دائمًا (٢). الثاني: وقوع طلاق الحائض ثابت بالدليل الخاص وليس بالقياس على طلاق الطاهر. الدليل الثاني والعشرون: صحة العقد هو عبارة عن ترتب أثره المقصود للمكلف عليه، وهذا الترتب نعمة من الشارع، أنعم بها على العبد، وجعل له طريقًا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها، فإذا كان السبب محرمًا منهيًا عنه كانت مباشرته معصية، فكيف تكون المعصية سببًا لترتب النعمة التي قصد المكلف حصولها (٣). الرد: دل الدليل على ترتب الأثر في بعض العقود وإن كان السبب الذي حصل به الأثر محرمًا ومن ذلك طلاق الحائض. الدليل الثالث والعشرون: علل من أوقع الطلاق بأنَّه معاملة له بنقيض قصده، فإنَّه ارتكب أمرًا محرمًا، يقصد به الخلاص من الزوجة، فعومل بنقيض قصده، فأمر برجعتها. وهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قصده المكلف بارتكابه ما حرم الله عليه (٤).

стр. 329

الرد من وجهين: الأول: إيقاع طلاق الحائض بالنص وليس بالاجتهاد. الثاني: كون بعض أهل العلم علل بذلك فاجتهاده لا يلزم غيره. الدليل الرابع والعشرون: لله - تعالى - في الطلاق المباح حكمان: أحدهما: إباحته والإذن فيه، والثاني: جعله سببًا للتخلص من الزوجة. فإذا لم يكن الطلاق مأذونًا فيه انتفى الحكم الأول، وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني، وقد ارتفع سببه. ومعلوم أنَّ بقاء الحكم بدون سببه ممتنع ولا تصح دعوى أنَّ الطلاق المحرم سبب لما تقدم (١). الرد: الموجب لبقاء الحكم الثاني الدليل من كلام النبي ﷺ ومن فتاوى الصحابة ﵃ وليس مجرد دعوى. الدليل الخامس والعشرون: ليس في لفظ الشارع «يصح كذا ولا يصح»، وإنَّما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه، فما أطلقه وأباحه فباشره المكلف حكم بصحته لأنَّه وافق أمر الشارع وما لم يأذن فيه ولم يطلقه فباشره المكلف حكم بعدم صحته لأنَّه خالف أمر الشارع وحكمه. وليس معنا ما يستدل به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن، وعدم موافقتهما. فإن حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته، لم يبق طريق إلى معرفة الصحيح من الفاسد (٢). الرد من وجوه: الأول: تعلم الصحة من عدمها بغير الإباحة والنهي مثل النفي كقول النبي ﷺ :

стр. 330

«لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بفاتحة الكتاب» (١) ونفي القبول كقول النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ» (٢). الثاني: يحكم بالصحة بالنص الخاص كطلاق الحائض. الثالث: ليس كل نهي يدل على الفساد. الدليل السادس والعشرون: الشارع أباح للمكلف من الطلاق قدرًا معلومًا في زمن مخصوص ولم يملكه أن يتعدى القدر الذي حد له، ولا الزمن الذي عين له، فإذا تعدى ما حد له من العدد كان لغوًا باطلًا، فكذلك إذا تعدى ما حد له من الزمان يكون لغوًا باطلًا، فكيف يكون عدوانه في الوقت صحيحًا معتبرًا لازمًا، وعدوانه في العدد لغوًا باطلًا؟ (٣). الرد من وجوه: الأول: إذا تعدى المكلف ما حد له من العدد في الطلاق كان الزائد لغوًا باطلًا وأمَّا ما حد له فيقع وإن كان محرمًا فعن زيد بن وهب، أَنَّ رَجُلًا بَطَّالًا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْفًا، فَرَجَعَ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: إِنَّمَا كُنْتُ أَلْعَبُ، «فَعَلَا عُمَرُ ﵁ رَأْسَهُ بِالدِّرَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» (٤) وعن معاوية بن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان ﵁ فقال: إنَّي طلقت امرأتي مائة قال: «ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ، وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ» (٥) فأوقع الصحابة ﵃ الطلاق البدعي في العدد وألغو ما زاد على الثلاث.

стр. 331

الثاني: عدوانه في الوقت والعدد صحيح إلا ما زاد على الثلاث. الثالث: تجاوزه العدد لا يصح مطلقًا لا في الحيض ولا في غيره لأنَّه لا يملكه بخلاف عدوانه في الوقت فهو يملكه إلا أنَّه ينهى عنه حال البدعة. الدليل السابع والعشرون: الشارع حد له عددًا معينًا من النساء في وقت معين، فلو تعدى ما حد له من العدد كان لغوًا وباطلًا. وكذلك لو تعدى ما حد له من الوقت، بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلًا، أو في وقت الإحرام، فإنَّه يكون لغوًا باطلًا. فقد شمل البطلان نوعي التعدي عددًا أو وقتًا (١). الرد من وجوه: الأول: ما زاد على الأربع غير مباح مطلقًا مثل ما زاد على الثلاث في الطلاق بخلاف أصل الطلاق فهو مباح إنَّما نهي عنه في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها. الثاني: نكاح المطلقة في العدة لا يصح لأنَّها ليست محلًا للنكاح فهي ذات زوج إن كان الطلاق رجعيًا وإن لم يكن رجعيًا فلتعلق حق الزوج صاحب العدة بها فلم تنفك عن النكاح السابق فالعدة حق للمطلق لمفهوم قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا] (الأحزاب: ٤٩) فالمدخول بها له عليها العدة. الثالث: نكاح المُحْرِم محرم لوصفه قال العلائي: إن قيل يرد عليه أيضًا بطلان نكاح المحرم فإنَّ المنهي عنه لكونه وسيلة إلى الوطء المحرم حالة الإحرام قلنا ليس كذلك

стр. 332

بل هو من المنهي عنه لوصفه اللازم بدليل النهي له أيضًا عن أن ينكح غيره أو أن يخطب فهو كالنهي عن الصلاة بغير وضوء والإحرام بالنسبة إلى العقد كالحدث بالنسبة إلى الصلاة (١) وبعض من يرى صحة طلاق الحائض يرى أيضًا صحة نكاح المحرم. الرابع: فرق بين النكاح والطلاق فالطلاق أوسع حكمًا وأقوى نفوذًا من النكاح لوقوع الطلاق معجلًا ومؤجلًا بخلاف النكاح ويشترط في النكاح ما لا يشترط في الطلاق (٢). الدليل الثامن والعشرون: الصحة إمَّا أن تفسر بموافقة أمر الشارع، وإما أن تفسر بترتب أثر الفعل عليه، فإن فسرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنًا، وإن فسرت بالثاني وجب أيضًا أن لا يكون العقد المحرم صحيحًا، لأنَّ ترتب الثمرة على العقد إنَّما هو بجعل الشارع العقد كذلك، ومعلوم أنَّه لم يعتبر العقد المحرم، ولم يجعله مثمرًا لمقصوده (٣). الرد: اعتبر الشارع بعض العقود المحرمة ورتب عليها أحكامًا ومن ذلك طلاق الحائض. الدليل التاسع والعشرون: وصف العقد المحرم بالصحة إما أن يعلم بنص من الشارع، أو من قياسه، أو من توارد عرفه في مجال حكمه بالصحة، أو من إجماع الأمة. ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محل النزاع، بل نصوص الشرع تقتضي رده وبطلانه، وكذلك قياس الشريعة وكذلك استقراء موارد عرف الشرع في مجال الحكم بالصحة، إنَّما يقتضي البطلان في العقد المحرم لا الصحة، وكذلك الإجماع، فإنَّ الأمة لم تجمع قط،

стр. 333

ولله الحمد، على صحة شيء حرمه الله ورسوله، لا في هذه المسألة ولا في غيرها، فالحكم بالصحة فيها إلى أي دليل يستند (١). الرد: صح وقوع طلاق الحائض بالأدلة الآتية ومنها إجماع الصحابة ﵄ فلم يحفظ عنهم خلاف. الدليل الثلاثون: الشارع إنَّما نهى عنه وحرمه، لأنَّه يبغضه، ولا يحب وقوعه، بل وقوعه مكروه إليه، فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه، وفى تصحيحه وتنفيذه ضد هذا المقصود (٢). الرد من وجهين: الأول: دل الدليل على صحة بعض العقود المحرمة. الثاني: الطلاق من غير حاجة محرم على الصحيح (٣) ويصح فليس كل ما ينهى عنه الشارع من الطلاق لا يقع. الدليل الحادي والثلاثون: إذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه وبين الطلاق، وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرمه ونهى عنه من الطلاق، والنهى يقتضى البطلان فى الموضعين؟ (٤). الرد من وجوه: الأول: ليس كل نكاح منهي عنه لا يصح فالنكاح من غير رضا المرأة منهي عنه ويصح العقد ولها فسخه (٥).

стр. 334

الثاني: دل الدليل المرفوع والموقوف على صحة الطلاق البدعي. الثالث: ليس كل نهي يقتضي البطلان. الرابع: لا يصح قياس الطلاق على النكاح فيشترط في النكاح ما لا يشترط في الطلاق. الدليل الثاني والثلاثون: طلاق لم يشرعه الله أبدًا، وكان مردودًا باطلًا كطلاق الأجنبية، ولا ينفعكم الفرق بأنَّ الأجنبية ليست محلًا للطلاق بخلاف الزوجة، فإنَّ هذه الزوجة ليست محلًا للطلاق المحرم، ولا هو مما ملكه الشارع إياه (١). الرد من وجهين: الأول: الطلاق مشروع في الجملة لكنَّه محرم في وقت الحيض وفي طهر جامعها فيه ولم يستبن حملها لكن يترتب عليه أثره للدليل الخاص. الثاني: طلاق الأجنبية لا يصح مطلقًا حائضًا أو طاهرًا لأنَّها ليست محلًا لطلاق الأجنبي بخلاف الزوجة الحائض. الثالث: لو طلق الأجنبية وأقرَّه الزوج صح الطلاق - على الصحيح - كسائر تصرفات الفضولي (٢) فإذا صح طلاق الأجنبي لإقرار الزوج فإقرار الشارع أولى بالصحة. الدليل الثالث والثلاثون: لم يؤمر ابن عمر ﵄ بالإشهاد على الرجعة كما أمر الله ورسوله ﷺ ولو كان الطلاق قد وقع وهو يرتجعها لأمر بالإشهاد (٣). الرد: الإشهاد على الرجعة مستحب وليس بواجب وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (٤) ومالك (٥) ورواية عن الإمام الشافعي (٦) وأحمد (٧) فالرجعة لا تفتقر إلى قبول فلم تفتقر

стр. 335

إلى شهادة كسائر حقوق الزوج وما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد كالبيع ويحمل الأمر في الآية على الاستحباب فلذا لم يأمر النبي ﷺ ابن عمر ﵄ بالإشهاد، والله أعلم. الدليل الرابع والثلاثون: لو وكل وكيلًا في طلاق زوجته في الطهر وطلقها في الحيض لم تطلق: لأجل مخالفته، وإيقاع الطلاق في غير وقته مخالفة للشرع في وقت الطلاق فأولى ألا يقع به طلاق (١). الرد من وجهين: الأول: الوكيل إذا خالف الإذن زالت وكالته وليس يرجع بعد زوالها إلى ملك فيرد تصرفه والزوج إذا خالف رجع بعد المخالفة إلى ملك فجاز تصرفه (٢). الثاني: نفوذ تصرف الوكيل بأمر الموكل فإذا خالف المأمور به لا ينفذ وهنا تصرف الزوج بحكم ملكه فبعقد النكاح صار مالكًا للتطليقات الثلاث والملك علة تامة لنفوذ التصرف ممن هو أهل للتصرف وإن لم يكن مأمورًا ولا مأذونًا فيه (٣). الدليل الخامس والثلاثون: لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع متيقن ولم يوجد بل الأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه (٤). الرد من وجوه: الأول: دلت السنة على وقوع طلاق الحائض وأوقع الصحابة ﵃ الطلاق البدعي ولا يعرف لهم مخالف.

стр. 336

الثاني: يرتفع النكاح وغيره بالدليل الظني فلا يلزم أن لا يرتفع الحاكم الثابت إلا بدليل يقيني. الثالث: من يرى وقوع طلاق الحائض يستدل بأنَّ الأصل أن من تلفظ بالطلاق وقع ومن أخرج طلاق الحائض يحتاج إلى دليل سالم من المعارضة. الدليل السادس والثلاثون: نفوذ تصرفه بالإذن شرعًا والمنهي عنه غير مأذون فيه فلا يكون نافذًا كطلاق الصبي والمعتوه (١). الرد من وجوه: الأول: ينفذ الطلاق بملك الزوج. الثاني: الصبي والمعتوه لا يصح الطلاق منهما لأنَّهما فاقدان الأهلية. الثالث: لا يصح من الصبي والمعتوه الطلاق مطلقًا فلا يصح تعليق الطلاق بالشرط ولا الإضافة إلى ما بعد البلوغ والعقل ولا تمليك الأمر منهما ويصح ذلك من الرجل في حيض المرأة (٢). الدليل السابع والثلاثون: الحكمة من النهي عن الطلاق في الحيض حتى لا تطول العدة على المرأة فإذا أمر بمراجعتها طالت عليها مدة الانتظار أكثر. الرد من وجهين: الأول: كون الحكمة من النهي عن طلاق الحائض تطويل العدة ليس محل اتفاق (٣).

стр. 337

الثاني: على القول بأنَّ الحكمة حتى لا تطول عليها العدة فإذا راجعها زوجها لم تكن معتدة فهي زوجة كسائر الزوجات. هذا الرد الخاص على الأدلة النظرية السابقة أما الرد العام فيقال ما ذكر من أقيسة وآراء فهي فاسدة لأنَّها مقابل النص الصحيح الصريح في وقوع طلاق الحائض. قال الحافظ ابن حجر: احتج بن القيم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة ترجع إلى مسألة أنَّ النهي يقتضي الفساد … وأطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة فإنَّها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصة بأنَّها حسبت عليه تطليقة والقياس في معارضة النص فاسد الاعتبار والله أعلم وقد عورض بقياس أحسن من قياسه فقال ابن عبد البر (١) ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها وإنَّما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي فكيفما أوقعه وقع سواء أجر في ذلك أم أثم ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالًا من المطيع (٢). القول الثاني: لا يقع إلا إذا كان ثلاثًا أو الثالثة: فلا يقع الطلاق في الحيض إلا إذا كان الطلاق ثلاثًا أو الطلقة الثالثة وهذا مذهب ابن حزم (٣). الأدلة: أولًا: أدلة عدم وقوع الطلاق في الحيض: هي أدلة القول الأول. ثانيًا: أدلة وقوع الطلاق إذا كانت الطلقة الثالثة أو ثلاثًا: الدليل الأول: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ

стр. 338

حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] (الطلاق: ١ - ٢). وجه الاستدلال: طلاق الحائض الرجعي لا يقع لأنّه ليس للعدة ويقع طلاق الحائض إذا كان ثلاثًا أو الطلقة الثالثة لأنَّه لا يدخل في الآية فلا رجعة للزوج قال ابن حزم: الله - تعالى - إنَّما أمر بذلك في المدخول بها فيما كان من الطلاق دون الثلاث وفي هذين الوجهين أفتى رسول الله ﷺ ابن عمر ﵄ ولم يأمر قط بذلك في غير مدخول بها ولا فيمن طلق ثالثة أو ثلاثة مجموعة … وقوله - تعالى -: [لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ] وليس هذا في طلاق الثلاث (١). الرد من وجوه: الأول: هذا بناء على مذهب ابن حزم في التمسك بظاهر النصوص وترك القياس وهذا مما لم يوافقه الجمهور عليه. الثاني: قوله: «ولم يأمر قط بذلك … ولا فيمن طلق ثالثة أو ثلاثة مجموعة» فالآية عامة في الرجعية وغيرها فلا تطلق إلا مستقبلة العدة لكن إذا طلق وقع الطلاق كما سيأتي فيوافق ابن حزم في النتيجة وهي صحة طلاق الثلاث والثالثة للحائض. الثالثة: الاستدلال بقوله - تعالى -: [لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا] استدلال بدلالة مفهوم المخالفة وهو محل خلاف. الدليل الثاني: عن نافع أنَّ ابن عمر بن الخطاب ﵄ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ

стр. 339

تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا: «فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (١). وجه الاستدلال: حديث ابن عمر ﵄ في من طلق طلقة واحدة فأمره النبي ﷺ بالمراجعة بخلاف من طلق ثلاثًا أو الثالثة فيقع الطلاق لأنَّ المرأة تبين منه. الرد: كالذي قبله. القول الثالث: يقع طلاق الحائض: وهذا قول جمهور أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم ولم يثبت خلاف في القرون الثلاثة الفاضلة. الأدلة: أولاً: دلالة الكتاب: الدليل الأول: قوله - تعالى -: [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ] (البقرة: ٢٢٨). الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ] (البقرة: ٢٢٩). الدليل الثالث: قوله - تعالى -: [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ] (البقرة: ٢٣٠). الدليل الرابع: قوله - تعالى -: [وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ] (البقرة: ٢٤١). وجه الاستدلال: هذه الآيات عامة في الطلاق والمطلقات ولم يفرق ربنا ﵎ بين الطلاق في الحيض وفي طهر جامعها فيه أو في غيرهما فالطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه داخل في العموم ولا يخرج من هذا العموم شيء إلا بنص أو إجماع (٢).

стр. 340

الرد من وجهين: الأول: هذا هو موطن النزاع فهل الطلاق البدعي يدخل في عموم النصوص أم لا. الثاني: لا يلزم من تسمية الشيء باسم شرعي أن يعطى حكمه فمثلًا يقول ربنا - تعالى -: [وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ] (النساء: ٢٢) فلا تدخل زوجة الأب في النكاح المباح. وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» (١) فلا تدخل هذه المحرمات في البيع المباح وإن سميت بيعًا في الحديث (٢). الدليل الخامس: قوله - تعالى -: [وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ] (الطلاق: ١). وجه الاستدلال: من لم يطلق للسنة فهو متعد قد عصى ربه وفارق امرأته (٣). الرد: دلت الآية أنَّ من طلق طلاقًا بدعيًا عاصٍ لكن ليس في الآية ما يدل على وقوع الطلاق أو عدمه. الدليل السادس: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ] (الجمعة: ٩). وجه الاستدلال: البيع بعد النداء - لمن تجب عليه الجمعة - بيع في غير وقته ويصح مع الإثم وطلاق الحائض طلاق في غير وقته فيصح مع الإثم. الرد: هل يصح البيع بعد النداء أو لا يصح من مسائل الخلاف؟.

стр. 341

الجواب: الصواب الصحة لأنَّ سبب النهي أمر خارجي وليس على البيع (١). ثانيًا: دلالة السنة: الدليل السابع: عن سالم أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أنَّه طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ » (٢). وجه الاستدلال: أمر النبي ﷺ ابن عمر ﵄ بمراجعة زوجته حينما طلقها حائضًا والمراجعة لا تكون إلا بعد الطلاق فدل ذلك على لزوم الطلقة لأنَّه لا يقال لرجل زوجته في عصمته راجعها ولو كانت غير لازمة لقال دعه فليس هذا بشيء أو مره فليمسكها ونحو ذلك (٣). الرد من وجوه: الوجه الأول: أمْرُ النبي ﷺ لابن عمر ﵄ بالرجعة المراد منه ردها إليه وليس مراجعتها بعد الطلاق فالرجعة تأتي أحيانًا في غير رجعة المطلق في العدة كما في قوله - تعالى -: [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ] فسمى نكاح الرجل مطلقته بعد زوج رجعة فالمراد بالمراجعة في حديث ابن عمر ﵄ المراجعة اللغوية أي رد المرأة فالعادة من الرجل إذا طلق امرأته اعتزلها ببدنه واعتزلته ببدنها (٤).

стр. 342

الجواب هذا التأويل لا يصح لوجوه: الأول: الرجعة بعد ذكر الطلاق تنصرف إلى رجعة الطلاق فيحمل اللفظ على الحقيقة الشرعية لا اللغوية. الثاني: فرق بين المراجعة والتراجع فالمراجعة من الزوج فقط ولو لم ترض المرأة والتراجع لا يكون إلا من الاثنين فهو مفاعلة. الثالث: لم يذكر في الحديث أنَّه أبعدها أو أخرجها فيؤمر بردها، وإنَّما ذكر الطلاق فكان منصرفًا إلى رجعتها منه. الرابع: المسلمون جعلوا طلاق ابن عمر ﵄ أصلًا في طلاق الرجعية وحكم العدة ووقوع الطلاق في الحيض ولم يتأولوا هذا التأويل. الخامس: ابن عمر ﵄ ذكر أنَّ النبي ﷺ عدها عليه طلقة ويفتي بوقوع طلاق الحائض - يأتي (١) - فجعل الرجعة لغوية يخالف فهم صاحب القصة (٢). السادس: ما يروى عن ابن عمر ﵄ أنَّ رجلًا أتى عمر ﵁ فقال إنَّي طلقت امرأتي البتة وهي حائض فقال عمر ﵁ عَصَيْتَ رَبِّكَ، وَفَارَقْتَ امْرَأَتَكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: «فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ حِينَ فَارَقَ امْرَأَتَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَ بِطَلَاقٍ بَقِيَ

стр. 343

لَهُ»، وَإِنَّهُ لَمْ يَبْقِ لَكَ مَا تَرْجِعُ بِهِ امْرَأَتُكَ» (١). ففيه بيان أنَّ المقصود بالرجعة الشرعية لا اللغوية (٢). الجواب: الحديث لا يصح. الوجه الثاني: الأمر بالمراجعة على فرض أنَّه يلزم منه وقوع الطلاق لا يصلح لمعارضة النص الصريح «ولم يَرَها شيئًا» (٣).

стр. 344

الجواب: تقدم (١) أنَّ رواية «ولم يَرَها شيئًا» لا تصح والثابت أنَّ النبي ﷺ عدها واحدة ويأتي قريبًا. الوجه الثالث: استخدام الرجعة في مراجعة المطلقة طلاقًا رجعيًا اصطلاح مستحدث بعد عصر النبوة ولم تستعمل بهذا المعنى في القرآن أصلًا بل استعمل الرد والإمساك فقط (٢). الجواب: الرجعة اسم مرة من الرجوع والمصدر رجوعًا وقد جاء في السنة لفظ الرجعة في رد المطلقة طلاقًا رجعيًا فعن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ فقلت أنا بنت آل خالد وإنَّ زوجي فلانًا أرسل إلي بطلاقي وإنَّي سألت أهله النفقة والسكنى فأبوا علي قالوا يا رسول الله إنَّه قد أرسل إليها بثلاث تطليقات قالت فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ» (٣). وإطلاق الرجعة على مراجعة المطلقة طلاقًا رجعيًا كثير في كلام الصحابة ﵃ (٤). الدليل الثامن: عن نافع، عن ابن عمر ﵄، «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً» (٥).

стр. 345

وجه الاستدلال: هذا نص في موضع الخلاف فيجب المصير إليه (١). الرد من وجوه: الوجه الأول: قال ابن القيم: لعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله ﷺ ما قدمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندرى أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبى ذئب، أم نافع، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله ﷺ ما لا يتيقن أنَّه من كلامه، ويشهد به عليه، وترتب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال، والظاهر أنَّها من قول من دون ابن عمر ﵄ ومراده بها أنَّ ابن عمر ﵄ إنَّما طلقها واحدة، ولم يكن ذلك منه ثلاثًا؛ أى طلق ابن عمر ﵄ امرأته واحدة على عهد رسول الله ﷺ فذكره (٢). الجواب من وجهين: الأول: تابع ابن وهب أبو داود الطيالسي وتابع ابن أبي ذئب ابن جريج وتابع نافعًا الشعبي - ويأتي - فلفظة «فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً» من كلام النبي ﷺ .

стр. 346

الثاني: الأصل قبول خبر الثقة ولو فتح باب الاحتمالات ردت أكثر النصوص فيتمسك بالأصل وهو قبول خبر الثقة حتى يثبت خلافه (١). قال الألباني: هذه الروايات مما لم يقف عليها ابن القيم ﵀ وظني أنَّه لو وقف عليها لتبدد الشك الذي أبداه في رواية ابن وهب ولصار إلى القول بما دل عليه الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض (٢). قال أبو عبد الرحمن: رحمكما الله جميعًا - هذا ما نعرفه عن ابن القيم أنَّه مع الدليل متجردًا لطلب الحق هذا ما نحسبه ولا نزكي على الله أحدًا. الوجه الثاني: «وَاحِدَةً» يراد بها الطلقة التي ستكون في الطهر الثاني في قبل العدة لأنَّها أقرب مذكور إلى الضمير بل إنَّه لم يذكر غيرها في اللفظ النبوي الكريم وطلقة الحيض أشير إليها فيه فقط وفهمت من سياق الكلام فلا يمكن أن يعود الضمير إليها ويكون معنى قوله: «وَاحِدَةً» إن طلق كما أمر كانت طلقة واحدة ولا تكون طلقة ثانية لعدم الاعتداد بالأولى التي كانت لغير العدة فتكون هذه الرواية مؤيدة لرواية أبي الزبير ودليلًا على بطلان الطلاق في الحيض (٣). الجواب: الروايات الأخرى ترد هذا التوجيه منها رواية الشعبي عن ابن عمر ﵄ نص على أنَّها حسبت عليه واحدة وكذلك رواية نافع. الدليل التاسع: عن الشعبي قال طلق ابن عمر ﵄ امرأته واحدة وهي حائض فانطلق عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فأخبره «فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الطَّلَاقَ فِي عِدَّتِهَا وَتُحْتَسَبُ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ» (٤).

стр. 347

وجه الاستدلال: فيه احتساب الطلقة التي وقعت في الحيض بأمر النبي ﷺ . الدليل العاشر: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: اَلنِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ» (١). الاستدلال من وجهين: الأول: من تلفظ بالطلاق وقع طلاقه ومن ذلك طلاق الحائض ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل السالم من المعارض. الثاني: طلاق الهازل محرم ويقع فكذلك طلاق الحائض محرم ويقع (٢). الرد: طلاق الهازل، يقع، لأنَّه صادف محلًا، وهو طهر لم يجامع فيه فنفذ وكونه أراد أن لا يترتب أثره عليه، فذلك للشارع وليس إليه، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألا يترتب أثره فلم ينفعه ذلك، بخلاف من طلق فى غير زمن الطلاق، فإنَّه لم يأت بالسبب الذى نصبه الله - سبحانه - مفضيًا إلى وقوع الطلاق، وإنَّما أتي بسبب من عنده، وجعله هو مفضيًا إلى حكمه، وذلك ليس إليه (٣).

стр. 348

الجواب: لا يوافق على أنَّه لم يأت بالسبب الذى نصبه الله - سبحانه - مفضيًا إلى وقوع الطلاق فالدليل دل على أنَّ الطلاق سبب للفرقة وإن كان بدعيًا في الوقت أو العدد. الدليل الحادي عشر: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» (١). وجه الاستدلال: طلب المرأة طلاق غيرها لتستأثر بالزوج طلاق محرم ولو طلق الزوج لطلبها وقع الطلاق وكذلك طلاق الحائض طلاق محرم ويقع. الدليل الثاني عشر: عن خنساء بنت خِذَام الأنصارية ﵂: «أَنَّ أَبَاهَا ﵁ زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهُ» (٢). وجه الاستدلال: من شروط النكاح رضا الزوجين وعقد خنساء ﵂ فات فيه الرضا وسماه نكاحًا، وظاهره أنَّها لو رضيت لم يحتج إلى تجديد العقد فيصح. الرد من وجهين: الأول: إذا كان النهي خاصًا بالمخلوق يصح العقد إذا أمضاه من له الحق (٣). الثاني: تقدم أنَّ تسمية العقد نكاحًا لا يدل على صحته. الدليل الثالث عشر: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٤). وجه الاستدلال: تلقي الجلب بيع قبل وقته المباح وصححه النبي ﷺ وجعل للبائع الخيار وكذلك طلاق الحائض طلاق قبل وقته لكن لما لم يعتبر الشارع رضا المرأة في الطلاق أوجب الرجعة على الزوج.

стр. 349

الرد: النهي عن تلقي الجلب لعدم الإضرار بالمشتري. الجواب من وجهين: الأول: بعض أهل العلم يرى أنَّ الحكمة من النهي هي عدم الإضرار بالتجار. الثاني: من الأقوال في الحكمة من نهي عن طلاق الحائض عدم الإضرار بها بإطالة العدة (١). الدليل الرابع عشر: عن ابن عمر ﵄ قال طلقت امرأتي وهي حائض فأتى عمر ﵁ النبي ﷺ فسأله فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ»، قال فقال عمر ﵁ يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: «نَعَمْ» (٢).

стр. 350

وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: هذه الرواية شاذة والمحفوظ أنَّ الاستفهام من أنس بن سيرين والقائل ابن عمر ﵄. الدليل الخامس عشر: عن الحسن عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عن القرءين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «يَا ابْنَ عُمَرَ مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللهُ ، قَدْ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» قَالَ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَاجَعْتُهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا هِيَ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ أَمْسِكْ» فقلت

стр. 351

يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكان لي أن أراجعها؟ قال «إِذَا بَانَتْ مِنْكَ، وَكَانَتْ مَعْصِيَةً» (١).

стр. 352

وجه الاستدلال: هذا الحديث نص في وقوع طلاق الحائض ووقوع طلاق الثلاث. الرد: الحديث ضعيف وفي آخره نكارة. الدليل السادس عشر: عن أنس عن معاذ بن جبل ﵄ قال قال لي رسول الله ﷺ : «يَا مُعَاذُ مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ» (١).

стр. 353

وجه الاستدلال: يلزم الطلاق البدعي ومن الطلاق البدعي طلاق الحائض. الرد: الحديث ضعيف. الدليل السابع عشر: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: «إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» (١). وجه الاستدلال: طلاق الزوج يقع على كل حال. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الثاني: الحديث وارد في من يملك الطلاق ولم يرد لبيان هل يقع الطلاق البدعي أم لا؟ ثالثًا: الأدلة من آثار الصحابة ﵃ -: الدليل الثامن عشر: عن نافع كان ابن عمر ﵄ إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهى حائض يقول أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ» (٢). وجه الاستدلال من وجهين: الأول: ابن عمر ﵄ صاحب القصة يفتي بوقوع طلاق الحائض فأفتى من طلق ثلاثًا في الحيض أنَّها لا تحل له ولو جاز أن تكون الطلقة الواحدة في الحيض لا يعتد

стр. 354

بها لكانت الثلاث أيضًا لا يعتد بها فلو أنَّ النبي ﷺ لم يحسبها عليه طلقة لم يفت بوقوع طلاق الحائض (١). الرد: العبرة بما روى الراوي لا بما رآه وفهمه وقد ترك جمهور العلماء قول: ابن عمر ﵄ الذى فسر به قول النبي ﷺ : «فَاقْدُرُوا لَهُ» (٢) في رؤية الهلال (٣). الجواب: رأي ابن عمر ﵄ موافق للثابت عن النبي ﷺ في احتساب الطلقة في الحيض وليس مخالفًا له ومما يقوي عدم المخالفة تغيض رسول الله عليه فكيف يعلم أنَّ النبي ﷺ غضب عليه بسبب الطلاق في الحيض ولم يحتسبها عليه ثم يفتى بخلافه، والله أعلم. الثاني: طلاق الثلاث طلاق بدعي وأوقعه ابن عمر ﵄ ثلاثًا وطلاق الحائض طلاق بدعي فيقع. الجواب: هل طلاق الثلاث بدعي؟ محل خلاف بين من يرون عدم وقوع طلاق الحائض. الرد: من يراه منهم بدعيًا يوقعه واحدة فهم يوقعون الطلاق البدعي (٤). الدليل التاسع عشر: عن عن نافع، عن ابن عمر ﵄ في الذي يطلق امرأته وهي حائض، قال: «لَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ» يأتي (٥). وجه الاستدلال: افتى ابن عمر ﵄ أنَّ المطلقة في الحيض لا تحسب الحيضة التي طلقت فيها من عدتها والعدة تكون من الطلاق فأوقع ابن عمر ﵄ طلاق الحائض.

стр. 355

الدليل العشرون: عن ابن أبي ليلى عن نافع أنَّ رجلًا طلق امرأته وهي حائض ثلاثًا فسأل ابن عمر ﵄ فقال: «عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ، لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ» (١). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: الأثر ضعيف لأجل ابن أبي ليلى. الجواب: لم يتفرد به فتوبع في الرواية السابقة. الدليل الحادي والعشرون: عن ابن عمر ﵄، قال: «مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ثَلَاثًا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَعَصَى رَبَّهُ وَخَالَفَ السُّنَّةَ» (٢). وجه الاستدلال: كالذي قبله. الرد: الأثر ضعيف. الدليل الثاني والعشرون: قال عبيد الله قلت لنافع ما صنعت التطليقة قال: «وَاحِدَةٌ اعْتَدَّ بِهَا» (٣). الدليل الثالث والعشرون: عن ابن جريج قال أرسلنا إلى نافع وهو يترجل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة ونحن جلوس مع عطاء أَمْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ عَبْدِ اللهِ امْرَأَتَهُ ﵄ حَائِضًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٤). وجه الاستدلال: نافع من خاصة ابن عمر ﵄ وأخبر أنَّها حسبت عليه طلقة واحدة.
следующие страницы →