← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30128

أحكام الطلاق (الطلاق السني والطلاق البدعي)

أحمد الزومان

Полный текст (770 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الدليل السابع: قال عمر بن الخطاب ﵁: «قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي الطَّلَاقِ أَنَاةٌ، فَاسْتَعْجَلْتُمْ أَنَاتَكُمْ، وَقَدْ أَجَزْنَا عَلَيْكُمْ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ» (١). وجه الاستدلال: طلاق الثلاث واحدة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر ﵁ ثم تساهل الناس في إيقاع الثلاث فجعلها عمر- ﵁ ثلاثًا تعزيرًا منه عند الحاجة.

стр. 562

والإلزام بالفرقة فسخ أو طلاق لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الاجتهاد سواء كان لحق المرأة كما في العنة والإيلاء أو لحق الزوج كالعيوب المانعة له من استيفاء المعقود عليه أو كماله، أو كان حقًا لله - تعالى - كما في تفريق الحكمين (١). وروي عن عمر ﵁ ندمه على اجتهاده، عن يزيد بن أبي مالك قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرَّمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح (٢). الرد على الاستدلال بالحديث: حديث ابن عباس ﵄ من الأحاديث المشكلة فجمهور أهل العلم لا يقولون بظاهره، قال النووي: هو معدود من الأحاديث المشكلة (٣)، وأهل العلم في الجملة في رد الحديث طوائف:

стр. 563

الطائفة الأولى: تضعيف الحديث واختلفوا في سبب ضعفه: الوجه الأول: الشذوذ: فالحديث شاذ وذلك: ١ - تفرد طاوس بن كيسان عن ابن عباس- ﵄ بهذا اللفظ المشكل، قال ابن رجب: الإمام أحمد ومن وافقه يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث بشذوذه وانفراد طاوس به، وأنَّه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذًا ومنكرًا إذا لم يُرو معناه من وجه يصح وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين، كالإمام أحمد ويحيى القطان ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم، وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عباس- ﵄ غير طاوس، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس- ﵄ يعني رووا عنه خلاف ما روى طاوس .... ضم إليها علة الشذوذ والإنكار … وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل (١)، وقال: حديث طاوس عن ابن عباس- ﵄ في الطلاق الثلاث … شاذ مطَّرح (٢). وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله، عن حديث ابن عباس- ﵄، بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس ﵄ من وجوه خلافه (٣)، فهذا إشارة من الإمام أحمد أنَّ الحديث شاذ، والله أعلم. وقال الجوزجاني: حديث شاذ، وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلًا (٤).

стр. 564

وقال القاضي إسماعيل في كتابه أحكام القرآن: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث (١). وتفرَّد طاوس بهذا الحديث هل يسمى شذوذًا أو نكارة هذا خلاف لا يتغير به الحكم وهو رد الحديث. وقال البيهقي: تركه البخاري فلم يخرجه، وأظنه لما فيه من الخلاف لسائر الروايات، عن ابن عباس- ﵄ وغيره (٢) وهذا إشارة من البيهقي إلى شذوذ الحديث - والله أعلم- قال الحافظ ابن حجر: دعوى شذوذ رواية طاوس وهي طريقة البيهقي (٣). وقال ابن عبد البر: حديث طاوس عن ابن عباس- ﵄ في قصة أبي الصهباء لم يتابع عليه طاوس وأنَّ سائر أصحاب ابن عباس ﵄ يروون عنه خلاف ذلك (٤). وقال: لطاوس مع جلالته روايتان شاذتان عن ابن عباس- ﵄ هذه إحداهما في الخلع والأخرى في الطلاق الثلاث المجتمعات أنَّها واحدة وروى عن ابن عباس- ﵄ جماعة من أصحابه خلاف ما روى طاوس في طلاق الثلاث أنَّها لازمة في المدخول بها وغير المدخول بها أنَّها ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره (٥). وقال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: رواية طاوس وهم وغلط لم يُعَرَّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، والمشرق، والمغرب (٦). وقال: ظاهر ذلك الحديث خبرٌ عن جميعهم أو عن معظمهم، والعادة تقتضي

стр. 565

- فيما كان هذا سبيله - أن يفشو، وينتشر، ويتواتر نقله، وتحيل أن ينفرد به الواحد، ولم ينقله عنهم إلا ابن عباس- ﵄، ولا عنه إلا أبو الصهباء (١). وقال أبو بكر بن العربي: الحديث ليس له أصل … حديث مختلف في صحته … الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس ﵄ ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة ﵃ إلا واحد وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد! وكيف خفي على جميع الصحابة ﵃ وسكتوا عنه إلا ابن عباس- ﵄! وكيف خفي على أصحاب ابن عباس- ﵄ إلا طاوس! (٢). فطاوس أخطأ فتفرد بالرواية المرفوعة عنه وكذلك الموقوفة دون بقية أصحاب ابن عباس- ﵄ وله أخطأ لا يوافق عليها. الرد الأول: عدم تخريج البخاري له في صحيحه لا يضعفه فلم يستوف البخاري كل الصحيح ولم يقل أحد من أهل العلم أنَّ ما لم يخرجه البخاري ضعيف (٣). الجواب: تضعيف الحديث ليس بسبب عدم تخريج البخاري له فقط إنَّما لما كان الحديث على شرطه ولم يخرجه فإعراضه عن إخراجه لأجل شذوذه كما أشار البيهقي، والله أعلم. الرد الثاني: لم ينفرد به طاوس فتابعه أبو الجوزاء في المرفوع وتابعه في الموقوف عكرمة وعمرو بن الأسود وعطاء في رواية ابن جريج عنه، وكذلك يدل على ذلك

стр. 566

حديث عكرمة عن ابن عباس- ﵄ في طلاق أبي ركانة عبد يزيد ﵁ زوجته ثلاثًا، فقال له النبي ﷺ : «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ؟» قَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا … ». الجواب: تقدم أنَّ رواية أبي الجوزاء منكرة تفرد بها عبد الله بن المؤمل فجعلها من رواية أبي الجوزاء والصواب عن طاوس، ورواية عكرمة صحيحة لكنها مؤولة - كما سيأتي - عند بعض أهل العلم - بما يوافق رواية الجمهور عن ابن عباس ﵄ وهي في غير المدخول بها، ورواية ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ ضعيفة وحديث طلاق عبد بن يزيد ﵁ أم ركانة ﵂ لا يصح (١). الرد الثالث: ليس الحديث شاذًا، وإنَّما الشاذ أن يخالف الثقة الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأمَّا إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به، لم يرو الثقات خلافه، فإنَّ ذلك لا يسمى شاذًا، وإن اصطلح على تسميته شاذًا بهذا المعنى، لم يكن الاصطلاح موجبًا لرده ولا مسوغا له. قال الشافعي ﵀: وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروى خلاف ما رواه الثقات (٢). الجواب: قال الشافعي: الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث أنَّ الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة، فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به.

стр. 567

وقال الحاكم أبو عبد الله الشاذ هو: الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة. فمعنى مقولة الشافعي أنَّه إذا روى الثقة شيئًا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ المردود وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروه غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلًا ضابطًا حافظًا. فإذا تفرد الثقة بحديث وله شواهد يقبل تفرده، وإذا لم يكن له شواهد أو يخالف نصوص أخرى فيرد وهو أحد نوعي الشاذ والنوع الثاني مخالفة المقبول لمن هو أولى منه (١) وهو الذي أشار إليه ابن القيم. وحديث طاوس عن ابن عباس- ﵄ من النوع الأول، فتفرد به طاوس ولم يتابعه أحد على معناه بل النصوص على خلافه، والله أعلم. فالحديث شاذ كما أشار إلى ذلك الإمام أحمد والبيهقي وحكم عليه بالشذوذ الجوزجاني والقاضي إسماعيل وابن عبد البر وأحمد بن عمر القرطبي وابن رجب وابن العربي. الوجه الثاني: نكارة متنه: وذلك لأنَّه: ١ - يخالف ظاهر القرآن والسنة منها حديث عائشة ﵂ في طلاق رفاعة بن رافع ﵁ زوجه ثلاثًا، ومثله طلاق فاطمة بنت قيس- ﵂، وما صح عن ابن عباس- ﵄ وغيره بأنَّ طلاق الثلاث تقع ثلاثًا. قال الطحاوي: حديث منكر وخالفه ما هو أولى منه (٢).

стр. 568

وقال ابن عبد البر: سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم يروون عن ابن عباس- ﵄ في طلاق الثلاث المجتمعات أنَّهن لازمات واقعات وكذلك روى عنه محمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبي عياش الأنصاري في التي لم يدخل بها أنَّ الثلاث المجتمعات تحرمها والواحدة تبينها … وذلك دليل واضح على وهي رواية طاوس عنه وضعفها حين روى عنه في طلاق الثلاث المجتمعات أنَّها كانت تعد واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ وصدر من خلافة عمر- ﵁ (١). وقال أبو بكر بن العربي: يعارضه حديث محمود بن لبيد ﵁ … وكما في حديث عويمر العجلاني ﵁ في اللعان حيث أمضى طلاقه الثلاث ولم يرده (٢). فمتن الحديث منكر لمخالفته ظاهر القرآن بوقوع الثلاث وحكم النبي ﷺ وفتوى الصحابة ﵃ ومنهم ابن عباس ﵄ ولو كان محفوظًا لما خالفه ابن عباس ﵄، والله أعلم. الرد من وجهين: الأول: تقدم أنَّ طلاق رفاعة بن رافع ﵁ (٣) وطلاق زوج فاطمة بنت قيس ﵄ (٤) الطلقة الثالثة ولم يطلقا ثلاثًا مجموعة وكذلك طلاق عويمر العجلاني زوجته ﵄ ثلاثًا (٥) لغو لأنَّه وقع على أجنبية بائن بالخلع قبل الطلاق وحديث محمود بن لبيد ﵁ فيه غضب النبي ﷺ لمن طلق ثلاثًا (٦) ويدل ذلك على حرمته وليس في الحديث التعرض لإمضاء الطلاق أو رده.

стр. 569

الثاني: رد الحديث راجع إلى مسألة هل العبرة برواية الراوي أو برأيه؟ قولان لأهل العلم وبعض من رده لا يقول بذلك فلا بد من طرد القول (١). الجواب من وجهين: الأول: ليس سبب رد الحديث هل العبرة بما روى الراوي أو بما رأى وإنَّما هو لمخالفة الحديث النصوص الدالة على وقوع الثلاث. الثاني: على القول بأنَّ الخلاف راجع لهذه المسألة فالرواية عن ابن عباس- ﵄ بوقوع الثلاث توافق رأي الجمهور فتكون مرجحة. وتقدم روايته لو كانت صريحة في المعنى، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالًا قويًا فإنَّ مخالفة الراوي لما روى يدل على أنَّ ذلك المحتمل الذي تركه ليس هو معنى ما روى، وحديث طاوس عن ابن عباس- ﵄ يحتمل احتمالًا قويًّا أن تكون الطلقات مفرقة في غير المدخول بها أو للتوكيد، فترك ابن عباس- ﵄ لجعل الثلاث بفم واحد واحدة؛ يدل على أنَّ معنى الحديث الذي روى ليست بلفظ واحد (٢). الرد: طلاق غير المدخول بها ثلاثًا مفرقة لم يختلف حكمها في زمن النبي ﷺ وعمر ﵁ (٣). الجواب: هذه من مسائل الخلاف، وتأتي إن شاء الله - تعالى - (٤). ٢ - قال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: ظاهره أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كان يقع الطلاق الثلاث كثيرًا منهم في عصر النبي ﷺ ، وعصر أبي بكر ﵁، وسنتين

стр. 570

من خلافة عمر- ﵁، أو ثلاث، ويستفتون علماءهم فيفتونهم بأنَّه واحدة، ولا ينكرون عليهم، مع أنَّ الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة محرم فكيف يكثر فيهم العمل بمثل هذا، ولا ينكرونه؟! هذا محال على قوم وصفهم الله - تعالى - بقوله: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ] (آل عمران: ١١٠) (١). فعلى هذا طلاق الثلاث كان فاشيًا في عهد النبي ﷺ وأبي بكر- ﵁ وبعض خلافة عمر- ﵁ من غير نقل الإنكار لهذا الطلاق البدعي وما كان فاشيًا يكثر نقله. الرد: ليس في الحديث ما يدل على كثرة طلاق الثلاث إنَّما فيه حكمه إذا وقع، وأنكر النبي ﷺ طلاق الثلاث وكذلك الصحابة ﵃ (٢). ففي متن الحديث نكارة، وحكم عليه بالنكارة الطحاوي وابن عبد البر والبيهقي وأبو العباس أحمد بن عمر القرطبي. ٣ - أفتى ابن عباس- ﵄ بخلاف الحديث أنَّ الثلاث للمدخول بها ولغير المدخول بها إذا كانت بلفظ واحد فهي ثلاث بائنة وحاشاه أن يفتي بخلاف ما حفظه عن النبي ﷺ وعلل بهذا أحمد والشافعي وابن قدامة وغيرهم (٣). الرد: لما رأى عمر ﵁ الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث، ورأى أنَّهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، رأى إلزامهم بها عقوبة لهم، ليكفوا عنها فالإلزام بالفرقة فسخًا أو طلاقًا لمن لم يقم بالواجب مما يسوغ فيه الاجتهاد (٤).

стр. 571

الجواب: التعزير السائغ الجلد وأخذ المال ونحوه، أما تحريم المرأة على زوجها وإباحتها لغيره فهذا تحريم الحلال وإباحة الحرام وليس تعزيرًا، وفرق بين التفريق العام بين الأزواج وبين التفريق بين الزوجين في قضايا خاصة لإزالة الضرر (١). الوجه الثالث: الاضطراب: قال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي الاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه؛ وذلك: أنَّ أبا الصهباء رواه عن ابن عباس- ﵄ بتلك الألفاظ المختلفة؛ التي وقعت في كتاب مسلم كما ذكرناها، وقد روى أبو داود من حديث أيوب، عن غير واحد، عن طاوس: أنَّ رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس ﵄، قال: أما علمت أنَّ الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها … فقد اضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس ﵄ في لفظه كما ترى، وقد اضطرب فيه طاوس، فمرَّة رواه عن أبي الصهباء، ومرَّة عن ابن عباس- ﵄ نفسه، ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة، لا سيما عند المعارضة (٢). ففي لفظ الحديث اضطراب جاء تارة بلفظ قبل أن يدخل بها وتارة مطلقًا من غير تقييد بالدخول. الرد: تقدم أنَّ رواية «إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا … » ضعيفة فزيادة «قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا» منكرة والمحفوظ الرواية المطلقة (٣). الوجه الرابع الانقطاع: قال الطحاوي: طاوس إنَّما قال: إنَّ أبا الصهباء سأل ابن عباس ﵄ ولم يذكر أنَّه حضره (٤). وقال حبيب أحمد الكيرانوي: طاوس يقول إنَّ أبا الصهباء قال لابن عباس- ﵄ فلا يعلم منه أنَّه يروي عن أبي الصهباء، عن ابن عباس- ﵄ أو كان حاضرًا

стр. 572

في المجلس فإن كان الأول فأبو الصهباء قال النسائي: بصري ضعيف، وقال أبو زرعة: ثقة، فاختلف في توثيقه، وإن كان الثاني فهو حجة فلما دار الأمر بين أن يكون محتجًا به وغير محتج به رجح كونه غير محتج به على قاعدة المحدثين فإنَّ الجرح مقدم على التوثيق (١) فيكون منقطعًا. الرد: لم يروه طاوس عن أبي الصهباء إنَّما يرويه عن ابن عباس- ﵄ لكنه تارة يذكر سؤال أبي الصهباء، وتارة يذكر الحديث من غير ذكره وهذا لا يعل الحديث، وفي رواية عبد الرزاق (١١٣٣٨) قال طاوس: دخلت على ابن عباس ﵄ ومعه مولاه أبو الصهباء، فسأله أبو الصهباء .... ففي هذه الرواية حضور طاوس القصة، وعلى فرض عدم ثبوت هذه الرواية فرواية طاوس محمولة على السماع، وجعل المزي الحديث من رواية طاوس عن ابن عباس ﵄ (٢). الوجه الخامس: ضعف بعض رواته: أبو الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس- ﵄ (٣) وتقدم ذكر الخلاف في توثيقه فأبو الصهباء مجهول ضعيف. الرد: تقدم (٤) أنَّ الحديث من رواية طاوس عن ابن عباس ﵄ وليس من رواية طاوس عن أبي الصهباء، وأبو الصهباء صهيب مولى ابن عباس ﵄ وثقه أبو زرعة الرازي، وذكره ابن حبان في ثقاته وقال الحافظ ابن حجر: مقبول، وضعفه النسائي. فَرُدَّ الحديثُ بالوجوه السابقة وأقواها في نظري الوجه الأول والثاني.

стр. 573

الرد على تضعيف الحديث: قال ابن القيم: لا يعرف أحد من الحفاظ قدح في هذا الحديث، ولا ضعًّفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأي شيء ترده؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس- ﵄ خلافه، ولم يرده بتضعيف، ولا قدح في صحته، وكيف يتهيأ القدح في صحته ورواته كلهم أئمة حفاظ؟! … وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن … فالحديث من أصح الأحاديث (١). الرد: تقدمت إشارة الإمام أحمد والبيهقي إلى شذوذ الحديث وحكم عليه بالشذوذ الجوزجاني والقاضي إسماعيل وابن عبد البر وأحمد بن عمر القرطبي وابن رجب وقال الطحاوي: منكر، وضعفه ابن العربي، ومن لم يضعفه من الحفاظ يرون أنَّ ظاهره مشكل فأولوا الحديث وردوا الاستدلال بظاهره - ويأتي قريبًا - منهم الإمام الشافعي (٢) وأبو داود فجعله في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (٣) وبوب عليه النسائي: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة (٤)، وبوب عليه البيهقي في سننه باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد خلاف ذلك (٥). وقال: محمول على النسخ أو على أنَّ الثلاث وما دونهن واحدة في أن يقضي بها أو أراد طلاق ألبتة فعبر بالثلاث عن ألبتة أو أراد إذا قال بغير مدخول بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق فتقع الأولي دون ما بعدها فقد (٦). وقال ابن عبد البر: جمهور العلماء إن حديث طاوس في قصة أبي الصهباء لا يصح معناه (٧).

стр. 574

وكون رواته أئمة حفاظ وسنده صحيح لا يقتضي صحة المتن فمن شروط الصحة أن يخلو من الشذوذ وهذا لم يتوفر في الحديث، والله أعلم. الطائفة الثانية: ترد الاستدلال بالحديث عند من يصحح الحديث وعلى فرض ثبوته عند من يضعفه، واختلفوا في وجوه رده: الوجه الأول: ١ - لا دلالة في الحديث على المراد: قال الشنقيطي: ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنَّها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلًا ولا شرعًا أن تكون بلفظ واحد … وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع، ومما يدل على أنَّه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أنَّ الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه ما فهم من هذا الحديث إلا أنَّ المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، … ولذا ترجم في سننه … «باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة (١). الرد: تقدم في رواية عبد الرزاق، فسأله أبو الصهباء عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا جميعها، فقال ابن عباس- ﵄: «كَانُوا يَجْعَلُونَهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ ﵁، وَوِلَايَةِ عُمَرَ ﵁ إِلَّا أَقَلَّهَا، حَتَّى خَطَبَ عُمَرُ ﵁ النَّاسَ، فَقَالَ: «قَدْ أَكْثَرْتُمْ فِي هَذَا الطَّلَاقِ، فَمَنْ قَالَ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ» وعلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تابعه لا يرد عليهم هذا الوجه لأنَّهم يرون الثلاث واحدة مجموعة أو مفرقة (٢).

стр. 575

الجواب: تقدم أنَّها زيادة منكرة، والله أعلم. ٢ - الحديث منسوخ فمخالفة عمر ﵁ لفعل النبي ﷺ وإقرار الصحابة ﵃ له يدل على أنَّ هذا هو الحكم المتقرر فدل على وجود ناسخ (١). الرد من وجوه: الأول: نقل عن ابن عباس- ﵄ القولان. الجواب: مخالفة ابن عباس ﵄ متأخرة ويأتي أنَّ المحفوظ عن ابن عباس- ﵄ وقوع الثلاث. الثاني: النسخ يكون في زمان النبي ﷺ لوجود الوحي أما في زمن عمر- ﵁ فلا نسخ (٢). الجواب: عرف الناسخ بعد مضي مدة من وفاته ﷺ في عهد عمر ﵁ ولا مانع أن يجهل بعض الصحابة ﵃ النسخ كنسخ نكاح المتعة (٣) فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ- ﵁ حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ- ﵁ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ (٤). قال الحافظ ابن حجر: الذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء … وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر ﵁ (٥).

стр. 576

الرد: هذه دعوى تحتاج إلى دليل فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا يترك الحديث الصحيح لمخالفة راويه له فإنَّ مخالفته ليست معصومة (١)، وكان بعض الصحابة ﵃ يجهل نسخ المتعة وليس كلهم. الجواب: الناسخ الإجماع، وجوَّز بعض أهل العلم النسخ بالإجماع؛ لأنَّه موجب للعلم كالنص بل هو أقوى منه في إفادة العلم فإذا جاز النسخ بخبر الآحاد جاز بالإجماع، وقيل الإجماع يدل على وجود نص ناسخ (٢). الرد من وجهين: الأول: على أنَّ الناسخ ظهر في عهد عمر- ﵁ يكونون في عهد أبي بكر- ﵁ أجمعوا على الخطأ (٣). الثاني: علل عمر ﵁ بقوله: «إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة» ولو كان وقف على نص ناسخ لعلل به لا باستعجالهم (٤). ٣ - ليس فيه حجة فليس من قول النبي ﷺ وليس في الحديث أنَّ النبي ﷺ علمه أو أقره (٥). الرد من وجهين: الرد الأول: عدم الإنكار زمن التشريع إقرار وقد استدل الصحابة ﵃ بالإقرار

стр. 577

زمن التشريع على الجواز عن جابر- ﵁ قال: «كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ» (١). الرد الثاني: قال ابن القيم: هذا المسلك ضعيف جدًّا لوجوه: أحدها: أن حديث عكرمة، عن ابن عباس- ﵄ في رد النبي ﷺ امرأة ركانة ﵁ عليه بعد الطلاق الثلاث، يبطل هذا التأويل رأسًا. [الجواب: الحديث ضعيف (٢). الثاني: أنَّ هذا لو كان صحيحًا لقال ابن عباس- ﵄ لأبي الصهباء: ما أدرى، أبلغ ذلك رسول الله ﷺ أو لم يبلغه؟ فلما أقره على ذلك كان إقراره دليلًا على أنَّه مما بلغه. الثالث: أنَّه لو كان ذلك صحيحًا، لم يقل عمر- ﵁: «إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة»، بل كان الواجب أن يبين السنة عن رسول الله ﷺ في خلاف ذلك، وأنَّ هذا العمل من الناس خلاف دين الإسلام، وشرع محمد ﷺ ، ولا يقول: «فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ» فإنَّ هذا إنَّما يكون إمضاء من الله - تعالى - ورسوله ﷺ ، لا من عمر- ﵁. الرابع: من الممتنع والمستحيل أن يكون خيار الخلق يطلقون في عهد رسول الله ﷺ وعهد خليفته من بعده، ويراجعون على خلاف دينه، فيطلقون طلاقًا محرمًا، ويراجعون رجعة محرمة، ولا يعلمون بذلك رسول الله ﷺ ، وهو بين أظهرهم (٣).

стр. 578

الوجه الثاني: الحديث وارد في غير المدخول بها فإذا قال: أنت طالق طالق طالق فهي واحدة كما في رواية أبي داود (١). قال ابن رجب: مسلك ابن راهويه ومن تابعه … يحمل على غير المدخول بها، نقله ابن منصور عن إسحاق، وأشار إليه إسحاق في كتاب الجامع، وبوب عليه أبو بكر بن الأثرم في سننه وأبو بكر الخلال (٢). الرد من وجوه: الرد الأول: الرواية التي تدل على ذلك إسنادها ضعيف ولفظ «قبل أن يدخل بها» (٣) منكر والروايات الصحيحة مطلقة لم تفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها. الرد الثاني: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طالق طالق هذا الحكم لم يتغير، والخلاف مشهور من لدن التابعين - ويأتي إن شاء الله (٤) - فلا يصح حمل الحديث عليه (٥). الرد الثالث: لو صح لفظ «قبل أن يدخل بها» لم يقتض تخصيصًا فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء وذكر بعض أفراد العام بلفظ يوافق العام لا يقتضي تخصيصًا (٦). الجواب: إعمال القاعدة لو كان عندنا نصان لكن عندنا نص واحد فحديث ابن عباس- ﵄ مخرجه واحد فلا يحتمل تعدد القصة فلا بد من الترجيح.

стр. 579

الرد الرابع: عامة ما يقدر أنَّها زيادة من ثقة، فيكون الأخذ بها أولى، وحينئذ فيدل أحد حديثي ابن عباس- ﵄ على أنَّ هذا الحكم ثابت فى حق البكر، وحديثه الآخر على أنَّه ثابت في حكم الثيب أيضًا، فأحد الحديثين يقوى الآخر، ويشهد بصحته (١). الجواب: كالذي قبله. الوجه الثالث: المراد بذلك الحديث من كررَّ الطلاق منه، فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق فإنَّها كانت عندهم محمولة على التوكيد فكانت واحدة، وصار الناس بعد ذلك يحملونها على التجديد، فأُلْزِمُوا ذلك لَمَّا ظهر قصدهم إليه ويشهد لصحة هذا التأويل قول عمر- ﵁: «إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاة» (٢). الرد: الحكم لا يتغير من وقت لآخر إنَّما يختلف باختلاف النيات فمن نوى التوكيد فهي واحدة ومن نوى الإنشاء فهي ثلاث عند من يرى وقوع الثلاث المفرقة (٣). الوجه الرابع: معنى «كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً» أي كانت الثلاث الموقعة الآن تجعل واحدة بمعنى توقع واحدة في عهد النبي ﷺ ومعنى «كَانَ الطَّلاقُ … » و «أَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، طَلاقُ الثَّلاثِ: وَاحِدَةً … » أي كان طلاق الناس في عهد عمر- ﵁ ثلاثًا وكان في عهد النبي ﷺ واحدة، فالحديث إخبار عن اختلاف عادة الناس لا عن تغير الحكم وقوله: «أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ» أي: بإيقاع الطلاق (٤).

стр. 580

الرد: بعض ألفاظ الحديث تحتمل التأويل لكن بعضها لا يحتمل مثل رواية النسائي (٣٤٠٦) «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الثَّلَاثَ … تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟» ورواية ابن أبي شيبة (٥/ ٢٦) «إِنَّ الثَّلَاثَ كَانَ يُحْسَبْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ ﵁، وَصَدْرِ إِمَارَةِ عُمَرَ ﵁، وَاحِدَةً … » ورواية أبي داود (٢١٩٩) - وهي ضعيفة كما تقدم - «إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، جَعَلُوهَا وَاحِدَةً … » (١). الوجه الخامس: المقصود بالحديث طلاق البتة ففي حديث ركانة ﵁ جعل البتة واحدة فلما أكثر الناس منها جعلها عمر- ﵁ ثلاثًا وهو رأي بعض الصحابة ﵃ (٢). الرد: يبقى هذا ظن يحتاج إلى دليل والأصل عدم توهيم الراوي (٣). هذه أهم الأجوبة الواردة على حديث ابن عباس- ﵄ وأوجهها - في نظري- الحكم بشذوذ الحديث ونكارته، والله أعلم. الدليل الثامن: عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثنى من لا أتهم «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا … ». وجه الاستدلال: طلق ابن عمر- ﵄ زوجته ثلاثًا وأمره النبي ﷺ أن يراجعها فدل على أنَّ الثلاث واحدة، فلو كانت الثلاث تقع ثلاثًا لم يكن لابن عمر- ﵄ رجعة على زوجته.

стр. 581

الرد من وجهين: الرد الأول: الصحيح أنَّ طلاق ابن عمر واحدة وذكر الثلاث ليس محفوظًا (١). الرد الثاني: لو صح لكان محمولًا على أنَّه طلقها ثلاثًا في ثلاثة أوقات فأمره بالرجعة في إحداهن (٢). الدليل التاسع: عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ (٣). وجه الاستدلال: لم يقل إنَّه أجازه عليه بل الظاهر برسول الله ﷺ الذي يقرب من القطع أنَّ رسول الله ﷺ لا يجيز حكمًا تلاعب موقعه بكتاب الله بل هو أشد ردا له وإبطالًا (٤). الرد من وجهين: الرد الأول: ليس في الحديث التعرض لوقوع الطلاق من عدمه. الرد الثاني: الأصل أنَّ من أوقع الطلاق وقع، والتفريق بين الواحدة والثلاث، وإذا كانت بفم واحد أو متفرقة فيوقع بعضه دون بعض هذا يحتاج إلى دليل صحيح صريح ولم يوجد ويأتي هذا الحديث من أدلة من يرى وقوع الثلاث. الدليل العاشر: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (٥).

стр. 582

وجه الاستدلال: نفى النبي ﷺ الطلاق في الإغلاق فلا يقع والإغلاق: طلاق الثلاث؛ لأنَّه أغلق على نفسه باب الرجعة (١). الرد من وجهين: الأول: اختلف في المراد بالإغلاق فقيل: الإكراه، وقيل: الغضب، وقيل: الجنون (٢). الثاني: طلاق المغلق لا يقع مطلقًا فهذا الحديث يصلح حجة لمن يرى عدم وقوع الطلاق مطلقًا وتقدم أنَّه قول شاذ مخالف للإجماع فالصحيح في معنى الحديث أنَّه من أغلق عليه قصده بإكراه أو شدة غضب أو سكر. الدليل الحادي عشر: عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي ﷺ حمية فدعا بركانة وإخوته ﵃ ثم قال لجلسائه: «أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟، مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟» قالوا: نعم، قال النبي ﷺ : لعبد يزيد «طَلِّقْهَا» ففعل، ثم قال: «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ؟» قال: إنَّي طلقتها ثلاثًا يا رسول الله قال: «قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا» وَتَلَا: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (٣) (الطلاق: ١). وجه الاستدلال: أمره النبي ﷺ أن يراجعها وقد طلقها ثلاثًا فدل على أنَّ الثلاث المجموعة واحدة (٤).

стр. 583

الرد من وجوه: الرد الأول: الحديث ضعيف فلا حجة فيه. الرد الثاني: على فرض صحته فالمقصود به عند بعض أهل العلم طلاق البتة قال الخطابي: يحتمل أن يكون حديث ابن جريج إنَّما رواه الراوي على المعنى دون اللفظ وذلك أنَّ الناس قد اختلفوا في البتة، فقال بعضهم: هي ثلاثة، وقال بعضهم: هي واحدة وكأنَّ الراوي له ممن يذهب مذهب الثلاث فحكي أنَّه قال: إنَّي طلقتها ثلاثًا يريد البتة التي حكمها عنده حكم الثلاث، والله أعلم (١). وقال الحافظ ابن حجر: أبو داود رجح أنَّ ركانة ﵁ إنَّما طلق امرأته ألبتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل ألبتة على الثلاث فقال: طلقها ثلاثًا فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس ﵄ (٢). الجواب: يبقى هذا ظن يحتاج إلى دليل. الرد الثالث: يفرق بين طلاق وطلاق فيحمل حديث ركانة ﵁ على رغبة كل واحد من الزوجين بالآخر لوجود ولد (٣)، فعلى هذا يكون هذا قول رابع في المسألة فيكون الطلاق واحدة إذا وجدت رغبة بين الزوجين في العودة ويكون ثلاثًا مع عدمها (٤). الجواب: الشريعة لا تفرق بين المتماثلين والمكلفون متساوون في الأحكام فإمَّا يقع الطلاق ثلاثًا أو واحدة على المكلفين.

стр. 584

الدليل الثاني عشر: عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). وجه الاستدلال: كل عقد يباح تارة ويحرم تارة - كالبيع والنكاح - إذا فعل على الوجه المحرم لم يكن لازمًا نافذًا كما يلزم الحلال الذي أباحه الله ورسوله ﷺ والطلاق الذي شرعه الله الطلاق الرجعي (٢). الرد من وجوه: الرد الأول: هذا الدليل عام وثبت وقوع طلاق الثلاث بالدليل الخاص والخاص مقدم على العام. الرد الثاني: ليس كل عقد خالف أمر الشارع مردود وتقدم التفصيل في قاعدة النهي يقتضى الفساد (٣). الرد الثالث: كونه ممنوعًا ابتداءً لا ينافي وقوعه ومن خالف الأمر يناسبه التشديد لا التخفيف بعدم الوقوع (٤). الدليل الثالث عشر: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة؛ بل إنَّما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله ﷺ (٥). وقال: لم ينقل أحد عنه ﷺ بإسناد مقبول أنَّ أحدًا طلق امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة فألزمه الثلاث؛ بل روي في ذلك أحاديث كلها كذب باتفاق أهل العلم؛ ولكن جاء في أحاديث صحيحة: «أنَّ فلانًا طلق امرأته ثلاثًا» (٦).

стр. 585

وقال: كل حديث فيه: … أو أنَّ أحدًا في زمنه أوقعها جملة فألزمه بذلك مثل حديث يروى عن علي ﵁ وآخر عن عبادة بن الصامت ﵁ وآخر عن الحسن عن ابن عمر- ﵄ وغير ذلك فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة ويعرف أهل العلم بنقد الحديث أنَّها موضوعة (١). الرد من وجوه: الرد الأول: ورد الطلاق ثلاثًا بين يدي النبي ﷺ في أحاديث صحيحة ففي حديث سهل بن سعد ﵁ في قصة لعان عويمر ﵁ «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا» وهو في الصحيحين، وفرق بينهما، وهل الفرقة بالطلاق أو اللعان؟ من مسائل الخلاف. وفي حديث محمود بن لبيد ﵁ «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» وإسناده صحيح (٢) وردهم لهذا الحديث لأنَّه لا يعلم هل عدها النبي ﷺ ثلاثًا أم واحدة والأصل أنَّ الطلاق يقع فمن نفى فعليه الدليل، وقول ابن عمر- ﵄ في الصحيحين «أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ» وتفسير ابن عمر- ﵄ له حكم الرفع فهو يبين المراد من قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (الطلاق: ١) وأنَّ من طلق خلاف العدة وقع طلاقه. الرد الثاني: ورد طلاق الثلاث في طلاق فاطمة بنت قيس- ﵂ ورفاعة بن رافع ﵁ وكلاهما في الصحيحين لكن لفظ «طلقها ثلاثًا» لا يدل على أنها بفم واحد ولا أنَّ بعضها يتلو بعضًا (٣).

стр. 586

الرد الثالث: ورد وقوع طلاق الثلاث صريحة في أحاديث لكنها ضعيفة: الحديث الأول: حديث ركانة بن عبد يزيد ﵁ طلق امرأته سهيمة المزنية ﵂ ألبتة، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إنَّي طلقت امرأتي سهيمة ﵂ ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله ﷺ لركانة ﵁: «واللهِ ما أردتَ إلا واحدةً؟» فقال: ركانة ﵁: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله ﷺ (١). ومفهومه لو أراد ثلاثًا لبانت منه، والله أعلم. الحديث الثاني: حديث الحسن، عن عبد الله بن عمر- ﵄ «لو طلقتها ثلاثًا أكان لي أن أراجعها؟» قال: «إِذَا بَانَتْ مِنْكَ، وَكَانَتْ مَعْصِيَةً» وذكر الثلاث زيادة منكرة (٢). الحديث الثالث: حديث عبادة بن الصامت ﵁ في طلاق جده «أَمَا اتَّقَى اللهَ جَدُّكَ، أَمَّا ثَلَاثٌ فَلَهُ، وَأَمَّا تِسْعُ مِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَعُدْوَانٌ وَظُلْمٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ - تعالى - عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» وضعفه شديد (٣). الحديث الرابع: حديث معاذ بن جبل ﵁ «يَا مُعَاذُ مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ» وضعفه شديد (٤). الحديث الخامس: حديث علي ﵁ «مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّةَ أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» وضعفه شديد (٥). قال الشنقيطي: هذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإنَّ كثرتها واختلاف طرقها، وتباين مخارجها يدل على أنَّ لها أصلًا، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها بعضًا فصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيما أنَّ منها ما صححه بعض

стр. 587

العلماء كحديث طلاق ركانة ﵁ البتة، وحسنه ابن كثير، ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه ﷺ طلاق عويمر- ﵁ ثلاثًا (١). الرد الرابع: ظاهر القرآن على وقوع الثلاث وإجماع الصحابة ﵃ على ذلك فلم ينقل عنهم أثر صحيح صريح في أنَّ طلاق الثلاث بكلمة واحدة في المدخول بها يقع واحدة، والله أعلم. الدليل الرابع عشر: الإجماع: فالصحابة ﵃ مجمعون على أنَّ طلاق الثلاث واحدة، قال ابن القيم: الصديق ﵁، ومعه جميع الصحابة ﵃، لم يختلف عليه منهم أحد، ولا حكي في زمانه القولان، حتى قال بعض أهل العلم: إنَّ ذلك إجماع قديم … فإن كان إجماع فهو من جانبنا أظهر ممن يدعيه من نصف خلافة عمر ﵁ (٢). وقال: هذا كان إجماعًا قديمًا لم يختلف فيه على عهد الصديق ﵁ اثنان ولكن لا ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف فلم يستقر الإجماع الأول حتى صار الصحابة ﵃ على قولين (٣). وقال: كل صحابي من لدن خلافة الصديق ﵁ إلى ثلاث سنين من خلافة عمر ﵁ كان على أنَّ الثلاث واحدة فتوى أو إقرارًا أو سكوتًا، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أنَّ هذا إجماع قديم ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنًا بعد قرن وإلى يومنا هذا … دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ولم يأت بعده إجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين عمر- ﵁ أنَّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم (٤). وقال جمال الدين يوسف بن أحمد: الطلاق الثلاث واحدة كما صحت به السنة

стр. 588

واجتمعت عليه الصحابة ﵃ في زمن رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر ﵁ وبعض خلافة عمر ﵁ … الإجماع في زمن النبوة وخلافة النبوة وبعض زمن عمر ﵁ ولا تشريع بعد رسول الله ﷺ وليس في الإجماعات أصح من هذا الإجماع (١). وقال شيخنا الشيخ محمد العثيمين كون الطلاق الثلاث واحدة: لو أدعى مدع أنَّه إجماع قديم لكان قوله صحيحًا متوجهًا (٢). الرد على الإجماع من وجوه: الرد الأول: دعوى الإجماع بأنَّ طلاق الثلاث واحدة في عهد الصديق ﵁ وبعض خلافة عمر ﵁ بناء على أنَّ المتبادر من ظاهر حديث ابن عباس- ﵄ هو المراد، وأنَّ الحديث صحيح وتقدم (٣) أنَّ بعض أهل العلم يضعف الحديث وبعضهم يوجهه، فعلى هذا لا إجماع في هذه المسألة. الرد الثاني: قال ابن رجب: لا يعلم من الأمة أحد خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة ولا حكمًا ولا قضاءً ولا علمًا ولا إفتاءً ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جدًّا وقد أنكر عليهم من عاصرهم غاية الإنكار وكان أكثرهم يستخفي بذلك ولا يظهره، فكيف يكون إجماع الأمة على إخفاء دين الله الذي شرعه على لسان رسوله ﷺ واتباعهم اجتهاد من خالفه برأيه في ذلك؟!! هذا لا يحل اعتقاده، وهذه الأمة كما أنَّها معصومة من الاجتماع على ضلالة فهي معصومة من أن يظهر أهل الباطل منهم على أهل الحق ولو كان ما قاله عمر- ﵁ في هذا ليس حقًّا للزم في هذه المسألة ظهور أهل الباطل على أهل الحق في كل زمان ومكان وهذا باطل قطعًا (٤). الرد الثالث: تأتي حكاية الإجماع على خلافه.

стр. 589

مناقشة الآثار الواردة عن الصحابة ﵃ والتابعين وأتباعهم في جعل الثلاث واحدة: ١ - يأتي الكلام على آثار الصحابة ﵃ في وقوع طلاق الثلاث وعدم الوقوع (١). ٢ - آثار التابعين في عدم وقوع طلاق الثلاث: تقدمت نسبة طلاق الثلاث واحدة لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد وطاوس وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد وعطاء بن يسار وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير والحسن البصري وخلاس بن عمرو (٢) فهل هذه النسبة تصح؟ هذا ما أحاول الإجابة عليه، ومن ثم هل اختلف التابعون في وقوع الثلاث في المدخول بها؟. أولاً: المروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وابنه جعفر الصادق: الصحيح عنهما وقوع الطلاق فعن مسلمة بن جعفر الأعور الأحمسي، قال: قلت لجعفر بن محمد: إنَّ قومًا يزعمون أنَّ من طلق ثلاثة بجهالة رد إلى سنة يجعلونها واحدة، يروونه عنكم؟ قال: «مَعَاذَ اللهِ مَا هَذَا مِنْ قَوْلِنَا، مَنْ طَلَّقَ ثَلاثًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» (٣).

стр. 590

وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قوله: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يُرَدُّ إِلَى وَاحِدَةٍ» ولا يصح وصح عنه وقوع الثلاث ويأتي (١). ثانيًا: المروي عن عطاء بن أبي رباح وأبي الشعثاء جابر بن زيد وطاوس وعكرمة مولى ابن عباس ﵄ -: ١ - قال عطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد وطاوس: «إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ» (٢).

стр. 591

٢ - عن طاوس وعطاء أنَّهما قالا: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ» (١). وجه الاستدلال: أفتى عطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد وطاوس بأنَّ طلاق الثلاث واحدة. الرد: تحمل على إذا طلقها بثلاث متفرقة فقال أنت طالق أنت طالق أنت طالق فتبين بالأولى فتقع الطلقة الثانية والثالثة على أجنبية فتكون لغوًا (٢). ويأتي - قريبًا - هذا التوجيه في كلام البغوي. وعطاء يرى أنَّ البتة ولا تحلين لي تبين بها المرأة (٣) فكناية الطلاق تكون ثلاثًا بالنية وتبين بها الزوجة عنده فالثلاث الصريحة تبين بها الزوجة من باب أولى، والله أعلم. ٣ - عن ابن طاوس قال: سُئل عكرمة عن رجل طلق امرأته بكرًا ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فقال: «إِنْ كَانَ جَمَعَهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّقَهَا فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، فَقَدْ بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَيْسَتِ الثِّنْتَانِ بِشَيْءٍ» قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَقَالَ: «سَوَاءٌ، هِيَ وَاحِدَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٤).

стр. 592

طاوس يرى أنَّه لا فرق بين طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة في غير المدخول بها وعكرمة يفرق لكن يشكل على رواية طاوس أنَّه يرى أنَّ طلاق الحرج والخلية والبرية ما نوى (١)، فلو نوى ثلاثًا وقعت عنده، والله أعلم، فكيف يوقع الثلاث بالكناية ولا يوقعها بالصريح. ٤ - عن أيوب، عن عكرمة إذا قال: «أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ» (٢). هذه الرواية معلقة وإن صحت فيكون لعكرمة في طلاق غير المدخول بها روايتان. ٥ - عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا مَا خَالَفَ وَجْهَ الطَّلَاقِ وَوَجْهَ الْعِدَّةِ» (٣). وجه الاستدلال: طاوس بن كيسان يرى عدم وقوع الطلاق البدعي. الرد من وجوه: الرد الأول: الأثر ضعيف. الرد الثاني: على فرض صحته فجمع الثلاث هل هو من الطلاق البدعي أو السني من مسائل الخلاف.

стр. 593

الرد الثالث: قوله: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا … » يحتمل أنَّه لا يراه واقعًا فعلى هذا لا يقع طلاق الثلاث مطلقًا - وقد استدل بهذا الأثر من لا يرى وقوع طلاق الحائض - وهذا لا يقول به طاوس ويحتمل أنَّه لا يراه جائزًا فصرفه للاحتمال الثاني أولى. ثالثًا: المروي عن عطاء بن يسار: عن عطاء بن يسار أنَّه قال: جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: «إِنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ الوَاحِدَة تبينها»، فقال لي عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄: «إِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ، الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١). رأي عطاء بن يسار كرأي طاوس في عدم التفريق بين الثلاث مجموعة أو مفرقة في طلاق غير المدخول بها.

стр. 594

رابعًا: المروي عن سعيد بن جبير وعمرو بن دينار: قال ابن القيم ﵀: الوجه السابع: أنَّ هذا مذهب عمرو بن دينار في الطلاق قبل الدخول، قال ابن المنذر في كتابه الأوسط [(٩/ ١٥٥)]: وكان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار يقولون: «من طلق الْبكر ثَلَاثًا، فَهِيَ وَاحِدَة». الوجه الثامن: أنَّه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه، وحكاه الثعلبي عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه، وإنَّما هو مذهب سعيد بن جبير (١). قال أبو عبد الرحمن قال ابن المنذر: ذكر طلاق الثلاث قبل الدخول في المرأة (٢) ثم ذكر ما تقدم، وقال البغوي: منهم من تأوله [حديث ابن عباس ﵄ كان طلاق الثلاث … ] على غير المدخول بها … وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب عبد الله بن عباس- ﵄، منهم: سعيد بن جبير، وطاووس، وأبو الشعثاء، وعمرو بن دينار، وقالوا: من طلق البكر ثلاثًا، فهي واحدة (٣). فما نسبه ابن القيم لهم ليس داخلًا في مسألة طلاق المدخول بها ثلاثًا إنَّما هو في طلاق غير المدخول بها، ويأتي الكلام على هذه المسألة (٤). والمروي عن سعيد بن جبير وقوع الطلاق فعن سعيد بن جبير، قال: إذا قال: «أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٥).

стр. 595

فسعيد بن جبير يوقع طلاق الثلاث في غير المدخول بها فالمدخول بها من باب أولى، والله أعلم. وسعيد ممن روى وقوع الثلاث عن ابن عباس- ﵄ ولم أقف على ما نسب له مِنْ عدم وقوع الثلاث مسندًا، والله أعلم. أمَّا رأي عمرو بن دينار فلم أقف عليه مسندًا للنظر فيه، وحتى لو صح فهو في طلاق غير المدخول بها. خامسًا: المروي عن الحسن البصري وقتادة بن دعامة: المروي عن الحسن البصري في طلاق المدخول بها وغير المدخول بها. ١ - طلاق غير المدخول بها: عن قتادة قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثًا، فقالت أم الحسن: وَمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ؟ فقال: «صَدَقْتِ، وَمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ؟» فأفتى الحسن بذلك زمانًا ثم رجع، فقال: «وَاحِدَةٌ تُبِينُهَا، وَيَخْطُبُهَا»، فقال به حياته (١). فرأي الحسن الذي استقر عليه أنَّ طلاق الثلاث في غير المدخول بها واحدة. المراد بالبكر: غير المدخول بها. ٢ - طلاق المدخول بها: عن الفضل بن دلهم، قال: جاء رجل إلى الحسن فقال: إنَّي طلقت امرأتي ألفًا قال: «بَانَتْ مِنْكَ الْعَجُوزُ» (٢).

стр. 596

وسأله رجل فقال: «يا أبا سعيد، رجل طلق امرأته البارحة ثلاثًا وهو شارب؟ فقال: «يُجْلَدُ ثَمَانِينَ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ» (١). وعن الحسن وقتادة أنَّهما قالا: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: اعْتَدِّي ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ». وعن الحسن، في رجل قال لامرأته: اذهبي فلا حاجة لي فيك، قال: «هِيَ ثَلَاثُ» (٢)، فالحسن يوقع الثلاث المجموعة في المدخول بها سواء كانت بلفظ صريح أو كناية وتبين به المرأة وقتادة يوقع الثلاث بالكناية فالصريح من باب أولى، والله أعلم. سادسًا: المروي عن خلاس بن عمرو: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فيه ثلاثة أقوال سواء كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها، ومن السلف من فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها … محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم: مثل طاوس وخلاس بن عمرو (٣). وقال ابن القيم ﵀: مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف عنه (٤). والذي وقفت عليه مسندًا عن خلاس في غير المدخول بها فعن خلاس قال: «بَانَتْ بِالْأُولَى» (٥) فإذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فيرى خلاس أنَّها تبين بالأولى ويفهم منه أنَّه لو جمعها لبانت بالثلاث، والله أعلم.

стр. 597

سابعًا: المروي عن إبراهيم بن يزيد النخعي: ١ - عن إبراهيم في الرجل يقول لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق قال: «بَانَتْ بِالْأُولَى، وَالثِّنْتَانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١). ٢ - عن إبراهيم أنه سئل عن رجل طلق امرأته ألفا قبل أن يدخل بها قال: «بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَسَائِرُهُنَّ مَعْصِيَةٌ» (٢)، فيرى إبراهيم أنَّ الثلاث تبين بها الزوجة إلا إذا كانت مفرقة في غير المدخول بها فطلاق الثلاث واحدة. ٣ - آثار التابعين في وقوع طلاق الثلاث: أولًا: المروي عن عبد الله بن معقل المزني: عن عبد الله بن معقل المزني أنَّه قال: «إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣)، فعبد الله بن معقل يرى أنَّ غير المدخول بها تبين إذا طلقت ثلاثًا متصلة. ثانيًا: المروي عن مسروق بن الأجدع: عن مسروق، فيمن طلق امرأته ثلاثًا، ولم يدخل بها قال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَكُنِ الْأُخْرَيَانِ بِشَيْءٍ» (٤).

стр. 598

ثالثًا: المروي عن سعيد بن المسيب: ١ - عن ابن المسيب قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١). ٢ - عن سعيد بن المسيب قال: «الْبَتَّةُ ثَلَاثٌ» (٢). رابعًا: المروي عن عامر بن شراحيل الشعبي: عن الشعبي، في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣). خامسًا: المروي عن محمد بن مسلم الزهري: ١ - عن الزهري: «فِي الْبَائِنَةِ ثَلَاثٌ» (٤). ٢ - عن الزهري: «فِي طَلَاقِ الْحَرَجِ ثَلَاثٌ» (٥). سادسًا: المروي عن مكحول الشامي: عن مكحول، في البائن قال: «هِيَ ثَلَاثٌ» (٦).

стр. 599

التحقيق في وجود الخلاف بين التابعين في عدم وقوع الثلاث في المدخول بها: المروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق بأنَّ طلاق الثلاث واحدة لا يصح وصح عنهما وقوع الثلاث من غير تفريق بين مدخول بها وغير مدخول، والمروي عن عطاء بن أبي رباح وأبي الشعثاء جابر بن زيد وطاوس وعكرمة وعطاء بن يسار في طلاق غير المدخول بها وتحتمل الرواية عن عطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد التفريق بين إذا قال الثلاث بفم واحد وبين إذا فرقها ونص عكرمة - في رواية صحيحة- وإبراهيم النخعي على التفريق فتقع الثلاث مجموعة لامفرقة، أما طاوس وعطاء بن يسار فهي واحدة عندهما على كل حال في غير المدخول بها وهي رواية عن عكرمة في رواية معلقة، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي يوقعان الثلاث مجموعة في غير المدخول بها. وعند الحسن البصري طلاق الثلاث في غير المدخول بها واحدة، وتقع الثلاث عند الحسن وقتادة على المدخول بها، وخلاس بن عمرو يفهم منه التفريق في طلاق غير المدخول بها بين إذا جمعها أو فرقها، والوارد عن عمرو بن دينار إن ثبت فهو في غير المدخول بها. هذه هي الآثار التي ذكرها من يرى عدم وقوع الثلاث ليس فيها ما يدل على عدم وقوع الثلاث في المدخول بها. ونُقِل عن غير مَنْ ذكروا فعبد الله بن معقل المزني وسعيد بن المسيب والشعبي يروون وقوع طلاق الثلاث في غير المدخول بها، وروي عن مسروق مثله ولا يصح، وسعيد بن المسيب والزهري ومكحول يرون وقع الثلاث في الكناية. التحقيق في وقوع الخلاف عند التابعين: من خلال ما وقفت عليه تبين لي أنَّه لم ينقل عن أحد من التابعين أنَّه أفتى بأنَّ طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة في المدخول بها

стр. 600

أنَّها واحدة وإنَّما اختلفوا في غير المدخول بها وهذه مسألة أخرى يأتي الكلام (١) عليها إن شاء الله، والله أعلم. قال أبو بكر بن العربي: اتفق علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أنَّ الطلاق الثلاث في كلمة … لازم … وإجماع الأمة ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدًا (٢). وتقدم قول ابن رجب: لم يثبت عن أحد من الصحابة- ﵃ ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أنَّ الطلاق الثلاث بعد الدخول واحدة إذا سيق بلفظ واحد. وقول حبيب أحمد الكيرانوي: لم يثبت عن واحد من الصحابة ﵃ والتابعين أنَّه جعل الثلاث واحدًا على الإطلاق. المنقول عن أتباع التابعين: أولًا: محمد بن إسحاق: قال الإمام أحمد: كان هذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة (٣).
следующие страницы →