وسأله رجل فقال: «يا أبا سعيد، رجل طلق امرأته البارحة ثلاثًا وهو شارب؟ فقال: «يُجْلَدُ ثَمَانِينَ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ» (١).
وعن الحسن وقتادة أنَّهما قالا: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: اعْتَدِّي ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ».
وعن الحسن، في رجل قال لامرأته: اذهبي فلا حاجة لي فيك، قال: «هِيَ ثَلَاثُ» (٢)، فالحسن يوقع الثلاث المجموعة في المدخول بها سواء كانت بلفظ صريح أو كناية وتبين به المرأة وقتادة يوقع الثلاث بالكناية فالصريح من باب أولى، والله أعلم.
سادسًا: المروي عن خلاس بن عمرو:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فيه ثلاثة أقوال سواء كانت مدخولًا بها أو غير مدخول بها، ومن السلف من فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها … محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم: مثل طاوس وخلاس بن عمرو (٣).
وقال ابن القيم ﵀: مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد عن
أبي يوسف عنه (٤).
والذي وقفت عليه مسندًا عن خلاس في غير المدخول بها فعن خلاس قال: «بَانَتْ بِالْأُولَى» (٥) فإذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فيرى خلاس أنَّها تبين بالأولى ويفهم منه أنَّه لو جمعها لبانت بالثلاث، والله أعلم.
стр. 597
سابعًا: المروي عن إبراهيم بن يزيد النخعي:
١ - عن إبراهيم في الرجل يقول لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق قال: «بَانَتْ بِالْأُولَى، وَالثِّنْتَانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
٢ - عن إبراهيم أنه سئل عن رجل طلق امرأته ألفا قبل أن يدخل بها قال: «بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ وَسَائِرُهُنَّ مَعْصِيَةٌ» (٢)، فيرى إبراهيم أنَّ الثلاث تبين بها الزوجة إلا إذا كانت مفرقة في غير المدخول بها فطلاق الثلاث واحدة.
٣ - آثار التابعين في وقوع طلاق الثلاث:
أولًا: المروي عن عبد الله بن معقل المزني: عن عبد الله بن معقل المزني أنَّه قال: «إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣)، فعبد الله بن معقل يرى أنَّ غير المدخول بها تبين إذا طلقت ثلاثًا متصلة.
ثانيًا: المروي عن مسروق بن الأجدع: عن مسروق، فيمن طلق امرأته ثلاثًا،
ولم يدخل بها قال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ يَكُنِ الْأُخْرَيَانِ بِشَيْءٍ» (٤).
стр. 598
ثالثًا: المروي عن سعيد بن المسيب:
١ - عن ابن المسيب قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
٢ - عن سعيد بن المسيب قال: «الْبَتَّةُ ثَلَاثٌ» (٢).
رابعًا: المروي عن عامر بن شراحيل الشعبي: عن الشعبي، في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣).
خامسًا: المروي عن محمد بن مسلم الزهري:
١ - عن الزهري: «فِي الْبَائِنَةِ ثَلَاثٌ» (٤).
٢ - عن الزهري: «فِي طَلَاقِ الْحَرَجِ ثَلَاثٌ» (٥).
سادسًا: المروي عن مكحول الشامي: عن مكحول، في البائن قال: «هِيَ ثَلَاثٌ» (٦).
стр. 599
التحقيق في وجود الخلاف بين التابعين في عدم وقوع الثلاث في المدخول بها: المروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق بأنَّ طلاق الثلاث واحدة لا يصح وصح عنهما وقوع الثلاث من غير تفريق بين مدخول بها وغير مدخول، والمروي عن عطاء بن أبي رباح وأبي الشعثاء جابر بن زيد وطاوس وعكرمة وعطاء بن يسار في طلاق غير المدخول بها وتحتمل الرواية عن عطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد التفريق بين إذا قال الثلاث بفم واحد وبين إذا فرقها ونص عكرمة - في رواية صحيحة- وإبراهيم النخعي على التفريق فتقع الثلاث مجموعة لامفرقة، أما طاوس وعطاء بن يسار فهي واحدة عندهما على كل حال في غير المدخول بها وهي رواية عن عكرمة في رواية معلقة، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي يوقعان الثلاث مجموعة في غير المدخول بها.
وعند الحسن البصري طلاق الثلاث في غير المدخول بها واحدة، وتقع الثلاث عند الحسن وقتادة على المدخول بها، وخلاس بن عمرو يفهم منه التفريق في طلاق غير المدخول بها بين إذا جمعها أو فرقها، والوارد عن عمرو بن دينار إن ثبت فهو في غير المدخول بها.
هذه هي الآثار التي ذكرها من يرى عدم وقوع الثلاث ليس فيها ما يدل على عدم وقوع الثلاث في المدخول بها.
ونُقِل عن غير مَنْ ذكروا فعبد الله بن معقل المزني وسعيد بن المسيب والشعبي يروون وقوع طلاق الثلاث في غير المدخول بها، وروي عن مسروق مثله ولا يصح، وسعيد بن المسيب والزهري ومكحول يرون وقع الثلاث في الكناية.
التحقيق في وقوع الخلاف عند التابعين: من خلال ما وقفت عليه تبين لي أنَّه
لم ينقل عن أحد من التابعين أنَّه أفتى بأنَّ طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة في المدخول بها
стр. 600
أنَّها واحدة وإنَّما اختلفوا في غير المدخول بها وهذه مسألة أخرى يأتي الكلام (١) عليها إن شاء الله، والله أعلم.
قال أبو بكر بن العربي: اتفق علماء الإسلام وأرباب الحل والعقد في الأحكام على أنَّ الطلاق الثلاث في كلمة … لازم … وإجماع الأمة ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدًا (٢).
وتقدم قول ابن رجب: لم يثبت عن أحد من الصحابة- ﵃ ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أنَّ الطلاق الثلاث بعد الدخول واحدة إذا سيق بلفظ واحد.
وقول حبيب أحمد الكيرانوي: لم يثبت عن واحد من الصحابة ﵃ والتابعين أنَّه جعل الثلاث واحدًا على الإطلاق.
المنقول عن أتباع التابعين:
أولًا: محمد بن إسحاق: قال الإمام أحمد: كان هذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة (٣).
стр. 601
ولم أقف على نسبة القول لابن إسحاق مسندة إلا في هذه الرواية التي نقلها ابن القيم فهل يرى ابن إسحاق عدم وقوع الثلاث مطلقًا مجموعة أو مفرقة في المدخول بها وغير المدخول بها هذا يحتاج إلى نقل صحيح عنه والرواية المنقولة عنه في سياق طلاق المدخول بها فقد يقال: هذا يقوي أنَّه يرى طلاق المدخول بها ثلاثًا واحدة - والله أعلم- أو أنَّ رأيه في غير المدخول بها إذا طلقت ثلاثًا مجموعة وهذه من مسائل الخلاف كما سيأتي.
ومحمد بن إسحاق ذكروا أنَّ له رؤية لأنس ﵁ ولم يسمع منه وعلمه نقله عنه أتباع التابعين فخلافه حاصل في زمن أتباع التابعين، والله أعلم.
ثانيًا: الحارث بن يزيد العكلي: لم أقف على ما نسب له أنَّ طلاق الثلاث واحدة ووقفت على رأيه بوقوع الثلاث المجموعة.
فعن الحارث العكلي: في رجل قال لأربع نسوة له بينكن ثلاث تطليقات، قال: «تَبِينُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِثَلَاثٍ، وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ رُبُعًا، أَوْ ثُلُثًا، أَوْ نِصْفًا فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ تَامَّةٌ» (١).
وظاهر هذه الرواية في طلاق المدخول بها فإن ثبت عنه عدم وقوع طلاق الثلاث فيحمل على غير المدخول بها إذا فرقها، والله أعلم، ويأتي زيادة بيان عند الكلام على وقت ظهور الخلاف في طلاق المدخول بها ثلاثا (٢).
стр. 602
ثالثًا: الحجاج بن أرطاة: نقل عنه عدم وقوع طلاق الثلاث ونقل عنه أنَّ الثلاث واحدة ولم أقف على رواية مسندة عنه للنظر هل النقل عنه صحيح أم لا؟ وإن كان صحيحًا فأي القولين أصح؟ أو هما روايتان عنه؟ الله أعلم.
الدليل الخامس عشر: الوكيل في الطلاق لو خالف فأوقعه في الوقت أو الصفة التي لم يؤذن له لم يقع طلاقه فكذلك إذا خالف المطلق أمر الله في عدد الطلاق لم يقع (١).
الرد من وجهين:
الرد الأول: دل الدليل من السنة ومن فتاوى الصحابة ﵃ على وقوع الطلاق البدعي في الوقت والعدد فهو قياس مقابل النص.
الرد الثاني: هذا قياس مع الفارق فالوكيل يفعل للموكل، فيحل في أفعاله محله فإن فعل كما أمر لزم فعله وإن فعل على غير ما أمر به لم يلزم، والمطلق لا يحل عن غيره فيطلق لنفسه (٢).
الدليل السادس عشر: القياس على النكاح فلا يصح إذا تخلف شرط من شروطه فكذلك طلاق الثلاث (٣).
الرد من وجهين:
الرد الأول: قياس مقابل النص.
الرد الثاني: قياس مع الفارق فالنكاح لا ينعقد إلا بشاهدين مع توفر بقية شروطه بخلاف الطلاق فالأمر بيد الزوج.
стр. 603
الدليل السابع عشر: نكاح المطلق ثلاثًا ثابت بيقين وامرأته محرمة على غيره بيقين فلا يرتفع هذا اليقين إلا بيقين مثله ولا يوجد (١).
الرد: وجد هذا اليقين وهو ما يأتي أدلة من يوقع الثلاث.
الدليل الثامن عشر: في إلزام المطلق بالثلاث بالبينونة الكبرى ذريعة إلى نكاح التحليل (٢).
الرد: هذا الإيراد يرد على كل بينونة كبرى.
الدليل التاسع عشر: الله - سبحانه - شرع الرجعة في كل طلاق، إلا طلاق غير المدخول بها، والمطلقة طلقة ثالثة بعد الثانية، وليس في القرآن طلاق بائن قط، إلا في هذين الموضعين (٣).
الرد: دل عموم القرآن والسنة وإجماع الصحابة ﵃ على البينونة بالثلاث المجموعة ولم ينقل خلاف عن التابعين في المدخول بها أنَّها تبين بالثلاث إنَّما خلافهم في غير المدخول بها ويأتي (٤).
الدليل العشرون: جعل الله الطلاق مرة بعد مرة وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاعه جملة واحدة كاللعان فإنَّه لو قال أشهد بالله أربع شهادات إنَّي لمن الصادقين كان مرة واحدة (٥).
الرد من وجهين:
الرد الأول: قياس مقابل النص.
стр. 604
الرد الثاني: جعل الطلاق مرة بعد مرة رحمة بالمكلفين فإذا خالف الأمر وقعت الثلاث فيملك الزوج إيقاع الثلاث مجموعة مع الإثم على الصحيح.
الدليل الحادي والعشرون: القياس، فإن الله - سبحانه - قال: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ] (النور: ٦)، ثم قال: [وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ] (النور: ٨)، فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إنَّي صادق، أو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إنَّه كاذب، كانت شهادة واحدة، ولم تكن أربعًا، فكيف يكون قوله: أنت طالق ثلاثًا ثلاث تطليقات؟ وأي قياس أصح من هذا؟ (١).
الرد من وجوه:
الرد الأول: الشهادات قائمات مقام الشهود فكما يجب أربعة شهود فكذلك الشهادات.
الرد الثاني: الموطن موطن تغليظ فتكرار اللفظ مظنة التوبة والرجوع عن الكذب بخلاف الطلاق.
الرد الثالث: في الطلاق يكتفى بواحدة وتطلق بها المرأة بخلاف اللعان (٢).
الدليل الثاني والعشرون: قوله: أنت طالق ثلاثًا: كذب؛ لأنَّه لم يطلق ثلاثًا ولم يطلق إلا واحدة (٣).
الرد من وجوه:
الرد الأول: الكذب الإخبار بخلاف الواقع وهو أخبر بواقع الحال حيث طلقها ثلاثًا مع النية فهو قاصد اللفظ.
стр. 605
الرد الثاني: المراد من قوله: طالق ثلاثًا أي طلقتك ثلاث طلقات (١).
الرد الثالث: العبرة بالمقصود والمعاني لا بالألفاظ والمباني والقائلون بعدم وقوع الثلاث ليست العلة عندهم الجمع فهم لا يوقعون طلاق الثلاث ولو مفرقة كقوله: أنت طالق طالق طالق.
الدليل الثالث والعشرون: القياس على الحلف ثلاثًا فلو قال: أحلف بالله ثلاثًا تكون يمينًا واحدة (٢).
الرد: الحلف بالله يقصد به ذكر المعظم وإذا قال: أحلف بالله ثلاثًا لم يذكر المعظم إلا مرة واحدة، ولو قال: أحلف بالله أحلف بالله أحلف بالله فهي ثلاثة أيمان، ولو كرر الطلاق ثلاثًا فهي واحدة عندهم فليست علة عدم الوقوع الجمع كما تقدم.
الدليل الرابع والعشرون: القياس على رمي الجمار فلو رمى سبع حصيات كانت واحدة فكذلك طلاق الثلاث واحدة (٣).
الرد من وجوه:
الرد الأول: الأصل في العبادات الحضر فلا عبادة إلا بنص والأصل في العقود الحل.
الرد الثاني: الرمي عبادة فشرع تكثيرة بخلاف الطلاق.
الرد الثالث: دلت السنة أنَّ الرمي سبع مرات كل مرة بحجر بخلاف الطلاق.
الرد الرابع: في الطلاق يكتفى بواحدة وتطلق بها المرأة بخلاف رمي الجمار (٤).
стр. 606
القول الثالث: تقع الثلاث المجموعة ثلاثًا: وهو قول الجمهور ويعده بعضهم إجماعًا:
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ …
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠).
وجه الاستدلال:
الأول: قال - تعالى -: [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ] ثم قال: [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ]: فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار فإذا وقعت الطلقتان فكذلك الثلاث (١).
الرد من وجهين:
الرد الأول: المراد بالآية الطلاق الرجعي مرتان.
الرد الثاني: على فرض أنَّ الآية تدل على وقوع الطلقتين لا يصح القياس؛ فجمع الثنتين لا يستلزم البينونة الكبرى بخلاف جمع الثلاث.
الثاني: [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ] دلت على جواز جمع طلقتين وإذا جاز جمع طلقتين جاز جمع الثلاث (٢).
الرد: كالذي قبله.
الثالث: قوله - تعالى -: [أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ] التسريح بإحسان عام يتناول وقوع الثلاث (٣).
стр. 607
الرد: خير الزوج في هذه الآية إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا أن يراجعها مع الإحسان إليها أو يتركها حتى تبين محسنًا لها غير ظالم (١).
الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا] (الطلاق: ١).
وجه الاستدلال:
الأول: قوله - تعالى -: [وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ] فيه زجر عن الفعل فلولا أنَّه واقع لم يوصف بأنَّه ظالم لنفسه؛ لأنَّه يكون لغوًا واللاغي لا يقال له ذلك (٢).
الرد من وجهين:
الرد الأول: الآية واردة في بيان الطلاق السني ولم ترد لبيان حكم طلاق الثلاث.
الرد الثاني: المطلق طلاقًا بدعيًا ظالم لنفسه بمخالفة الشرع.
الثاني: قوله - تعالى -: [لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا] أمر المطلق أن يطلق ما يملك معه الرجعة لئلا يلحقه الندم فلولا أنَّه يقع إذا أوقع على الوجه البدعي
لم يكن للكلام معنى؛ لأنَّه تمكن الرجعة على القول بأنَّ الثلاث واحدة وعلى القول بعدم الاعتداد بطلاق الثلاث (٣).
стр. 608
الدليل الثالث: عن فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ- ﵄ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّ ﵁ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا … فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ … » (١).
وجه الاستدلال: طلقها زوجها ثلاثًا مجموعة فبانت منه بذلك الطلاق.
الرد: أصح ألفاظ حديث فاطمة بنت قيس- ﵄ أنَّ زوجها طلقها ثلاثًا وهذا اللفظ يصدق على المجموعة والمفرقة تخللتها رجعة أم لم تتخللها رجعة (٢)، لكن لو صحت رواية «طلقها ثلاثًا جميعًا» لكانت نصًّا في المسألة لا تقبل التأويل لكنها لا تصح.
الدليل الرابع: عن عَائِشَةَ ﵂ جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ ﵄ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (٣).
وجه الاستدلال: الراجح من روايات حديث عائشة ﵂ لفظ «ثلاثًا» وظاهره أنَّها مجموعة فبانت منه فدل على أنَّ الثلاث المجموعة تقع.
الرد: ليس في الحديث أنَّه طلق الثلاث بفم واحد بل الحديث حجة لعدم وقوع الثلاث فإنَّه لا يقال فعل ذلك ثلاثًا وقال ثلاثًا إلا من فعل وقال مرة بعد مرة يقال قذفه ثلاثًا وشتمه ثلاثًا وسلم عليه ثلاثًا (٤).
стр. 609
الجواب: ليست العلة عند من لا يوقع الثلاث جمع الثلاث فحتى لو فرقها فقال: أنت طالق طالق طالق فهي واحدة عندهم.
الدليل الخامس: عن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فَتَزَوَّجَتْ فَطَلَّقَ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَتَحِلُّ لِلأوَّلِ قَالَ: «لا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأوَّلُ» (١).
وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ الثلاث بائنة فدل على وقوع الثلاث.
الرد والجواب: كالذي قبله والظاهر أن هذا الحديث مختصر من قصة رفاعة- ﵁ (٢).
والأدلة السابقة لم ترد لبيان أحكام طلاق الثلاث إنَّما هي لبيان أحكام أخرى وقد دل الدليل الخاص من السنة ومن أقوال الصحابة ﵃ وقوع الثلاث المجموعة في المدخول بها فتقدم.
قال ابن رجب: قاعدة مطردة وهي: أنَّا إذا وجدنا حديثًا صحيحًا صريحًا في حكم من الأحكام، فإنَّه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية (٣).
الدليل السادس: عن سهل بن سعد ﵁ قال: … أَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ ﵁ حتى أَتَى رَسُولَ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا» قَالَ سَهْلٌ ﵁: فَتَلاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ ﵁: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٤).
стр. 610
وجه الاستدلال: لم ينكر عليه النبي ﷺ فدل على وقوع الطلاق ثلاثًا (١).
الرد: تقدمت مناقشة الحديث (٢).
الدليل السابع: عن محمود بن لبيد ﵁ قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ (٣).
وجه الاستدلال: المطلق يظن الثلاث المجموعة واقعة، فلو كانت لا تقع لبين النبي ﷺ أنَّها لا تقع؛ لأنَّه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه (٤).
الرد: حديث محمود ﵁ ليس فيه بيان هل أمضى عليه النبي ﷺ الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعها مجموعة أو لا وعلى أحسن الأحوال يدل الحديث على تحريم الثلاث (٥) وتقدم الحديث في أدلة من لم يوقع الثلاث.
الجواب: لو كانت الثلاث لا تقع لبين له النبي ﷺ فالأصل أنَّ الثلاث تبين المرأة.
الدليل الثامن: عن الحسن عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عن القرءين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «يَا ابْنَ عُمَرَ مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللهُ ، قَدْ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» قَالَ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 611
فَرَاجَعْتُهَا، ثم قال: «إِذَا هِيَ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ فَطَلِّقْ عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ أَمْسِكْ» فقلت يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكان لي أن أراجعها؟ قال: «إِذَا بَانَتْ مِنْكَ، وَكَانَتْ مَعْصِيَةً» (١).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث أنَّ طلاق الثلاث تقع به البينونة (٢).
الرد من وجهين:
الرد الأول: الحديث ضعيف.
الرد الثاني: لو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنَّ قوله لو طلقتها ثلاثًا بمنزلة قوله: لو سلمت ثلاثًا أو أقررت ثلاثًا أو نحوه مما لا يعقل جمعه (٣).
الجواب: تقدم.
الدليل التاسع: أنَّ ركانة بن عبد يزيد ﵁ طلق امرأته سهيمة المزنية ﵂ ألبتة ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنَّي طلقت امرأتي سهيمة ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول ﷺ لركانة: «واللهِ ما أردتَ إلا واحدةً؟» فقال ركانة ﵁: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله ﷺ . فطلقها الثانية في زمان عمر ﵁ والثالثة في زمان عثمان ﵁ (٤).
وجه الاستدلال: أحلفه النبي ﷺ أنَّه أراد بالبتة واحدة فدل على أنَّه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه (٥).
стр. 612
الرد: الحديث ضعيف.
الدليل العاشر: عن الحسن بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَيُّمَا رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً أَوْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ تَطْلِيقَةً أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا جَمِيعًا لَمْ تَحِلَّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
وجه الاستدلال: في الحديث وقوع الثلاث مجموعة أو مفرقة.
الرد: الحديث ضعيف.
الدليل الحادي عشر: عن داود بن عبادة بن الصامت- ﵁ قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ :
«أَمَا اتَّقَى اللهَ جَدُّكَ، أَمَّا ثَلَاثٌ فَلَهُ، وَأَمَّا تِسْعُ مِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَعُدْوَانٌ وَظُلْمٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ - تعالى - عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (٢).
وجه الاستدلال: دل الحديث على وقوع الثلاث فلم يتق الله فلم يكن له مخرجًا في مراجعة زوجته.
الرد: الحديث ضعيف.
الدليل الثاني عشر: عن أنس ﵁، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يَا مُعَاذُ مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ» (٣).
وجه الاستدلال: طلاق الثلاث لازم.
الرد: الحديث ضعيف.
стр. 613
الدليل الثالث عشر: عن علي ﵁، قال: سمع النبي ﷺ رجلًا طلق البتة فغضب، وقال: «تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا، أَوْ دِينَ اللهِ هُزُوًا وَلَعِبًا، مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّةَ أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
وجه الاستدلال: يقع طلاق البتة ثلاثًا وهو بلفظ واحد فكذلك يقع من طلاق ثلاثًا بلفظ واحد.
الرد: الحديث ضعيف.
الدليل الرابع عشر: إجماع الصحابة ﵃ على أنَّ طلاق المدخول بها ثلاثًا يقع وتبين به المرأة، ويؤخذ الإجماع من إقرارهم أنَّ الثلاث تبين بها المرأة ومن فتاويهم.
стр. 614
أولاً: إجماع الصحابة ﵃ بوقوع طلاق الثلاث:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁، وسنين من خلافة عمر- ﵁، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر- ﵁: «إِنَّ النَّاسَ اسْتَعْجَلُوا أَمْرًا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» (١).
وجه الاستدلال: أمضى عمر ﵁ طلاق الثلاث ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃ فكان إجماعًا (٢).
الرد من وجهين:
الرد الأول: الجمهور يرون أنَّ ظاهر الحديث غير مراد فمنهم من يضعفه، ومنهم من يوجهه وتقدم (٣).
الرد الثاني: على فرض صحته فعمر- ﵁ كان الخليفة فرأى هذه عقوبة تعزيرية فسوغ الصحابة ﵃ اجتهاده ولا يلزم من ذلك موافقتهم له على رأيه. فقد يرى المخالف هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد فيسكت.
الرد الثالث: على فرض إقرار الصحابة ﵃ له فالأمر يتعلق بمجتهدي المدينة من الصحابة ﵃ والصحابة ﵃ تفرقوا في البلاد للجهاد ولتعليم الناس.
٢ - عن علقمة بن قيس، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فقال: إنَّي طلقت امرأتي تسعًا وتسعين قال عبد الله ﵁: «فَمَا قَالُوا لَكَ؟» قال: قالوا: حرمت
стр. 615
عليك، قال عبد الله ﵁: «لَقَدْ أَرَادُوا أَنْ يَشُقُّوا عَلَيْكَ، بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَائِرُهُنَّ عُدْوَانٌ» (١).
وجه الاستدلال: ظاهره إجماع الصحابة ﵃ على وقوع الثلاث (٢).
الرد من وجوه:
الرد الأول: غلبة ظنَّي أنَّ هذا القصة كانت في الكوفة فعلقمة بن قيس كوفي وابن مسعود ﵁ أقام في الكوفة معلمًا في عهد عمر ﵁ وقيل: بقى بعد مقتل عمر ﵁ فهذا رأي فقهاء الكوفة.
الرد الثاني: على فرض أنَّها في المدينة ليس فيها أنَّه استفتى كل المجتهدين من الصحابة ﵃ في المدينة.
الرد الثالث: على فرض ذلك فقد تفرق الصحابة ﵃ بعد وفاة النبي ﷺ فلا دليل في هذه على إجماع الصحابة ﵃ ولا غيرهم.
ثانيًا: فتاوى الصحابة ﵃ بأنَّ الثلاث تقع بائنة:
الأول: المروي عن عمر ﵁:
١ - عن زيد بن وهب، أنَّ رجلًا بطالًا كان بالمدينة طلق امرأته ألفًا، فرجع إلى عمر- ﵁ فقال: إنَّما كنت ألعب، «فَعَلَا عُمَرُ ﵁ رَأْسَهُ بِالدِّرَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» (٣).
٢ - عن عطاء الخراساني، أنَّ العلاء بن جعونة، طلق امرأته مائة تطليقة، فأرسل إليه عمر بن الخطاب ﵁: «أَنِ اعْتَزِلِ امْرَأَتَكَ» (٤).
стр. 616
٣ - عن ابن عمر ﵄: أنَّ رجلًا أتى عمر ﵁ فقال إنَّي طلقت امرأتي البتة وهي حائض فقال عمر ﵁: عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَفَارَقْتَ امْرَأَتَكَ … » (١).
الثاني: المروي عن عثمان ﵁: عن معاوية بن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان ﵁ فقال: إنَّي طلقت امرأتي مائة قال: «ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ، وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ» (٢).
الثالث: المروي عن علي بن أبي طالب ﵁:
١ - عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ قالوا: «إِذَا طَلَّقَ الْبِكْرَ ثَلَاثًا فَجَمَعَهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِنْ فَرَّقَهَا بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ تَكُنِ الْأُخْرَيَيْنِ شَيْئًا» (٣).
стр. 617
٢ - عن شريك بن أبي نمر قال: جاء رجل إلى علي ﵁، فقال: إنَّي طلقت امرأتي عدد العرفج قال: «تَأْخُذُ مِنَ الْعَرْفَجِ ثَلَاثًا، وَتَدَعُ سَائِرَهُ» (١).
٣ - عن رجل من أهل مكة قال: جاء رجل إلى علي ﵁ فقال: إنَّي طلقت امرأتي ألفًا، قال: «الثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ، وَاقْسِمْ سَائِرَهُنَّ بَيْنَ أَهْلِكَ» (٢).
٤ - عن علي ﵁ قال: «إِذَا طَلَّقَ الْبِكْرَ وَاحِدَةً فَقَدْ بَتَّهَا، وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣).
стр. 618
٥ - عن علي ﵁ قال: «مَا طَلَّقَ رَجُلٌ طَلَاقَ السُّنَّةِ فَنَدِمَ» (١).
٦ - روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: أُتي علي بن أبي طالب ﵁ برجل طلق امرأته بعدد نخيل الفرات فجلده بالدِّرَّة بيده وقال: إنَّما يجزيك من ذلك ثلاث ثم فرق بينهما.
الرد: ذكره العكبري (٢) ولم أقف عليه مسندًا لينظر في بقية السند، ومحمد بن علي بن الحسين لم يسمع من جد أبيه علي بن أبي طالب ﵁ فهو منقطع.
٧ - عن علي ﵁ أنَّه قال: «فِي الْحَرَامِ وَالْبَتَّةِ وَالْبَائِنَةِ وَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» (٣).
стр. 619
فهذه الآثار بمجموعها تدل على أنَّ عليًّا ﵁ يوقع طلاق الثلاث المجموعة دخل بالمرأة أو لم يدخل، والله أعلم.
الرابع: المروي عن عبد الله بن مسعود ﵁:
١ - عن ابن مسعود ﵁ فيمن طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها قال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
стр. 620
٢ - تقدم قول ابن مسعود ﵁: «بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَائِرُهُنَّ عُدْوَانٌ» (١).
الخامس: المروي عن زيد بن ثابت ﵁: تقدم قريبًا قوله: «إِذَا طَلَّقَ الْبِكْرَ ثَلَاثًا فَجَمَعَهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِنْ فَرَّقَهَا بَانَتْ بِالْأُولَى، وَلَمْ تَكُنِ الْأُخْرَيَيْنِ شَيْئًا».
السادس: المروي عن أبي هريرة وابن عباس ﵃: عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري أنَّه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير- ﵄ وعاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، قال فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إنَّ رجلًا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير ﵄ إنَّ هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵄ فإني تركتهما عند عائشة ﵄، فسلهما ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة ﵄:
стр. 621
أفته يا أبا هريرة ﵁ فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة ﵁: «الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مثل ذلك» (١).
تنبيه: بعض أهل العلم يعزو القول بوقوع الثلاث لابن الزبير ﵄؛ لأنه لم ينكر على أبي هريرة وابن عباس ﵄ (٢).
السابع: المروي عن عمران بن حصين ﵁: عن وَاقِع بْن سَحْبَانَ، قال: سئل عمران بن حصين ﵁، عن رجل طلق امرأته ثلاثًا في مجلس، قال: «أَثِمَ بِرَبِّهِ وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ» (٣).
الثامن: المروي عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنَّه سئل عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: «ثَلَاثٌ تُحَرِّمْنَهَا عَلَيْهِ، وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَضْلٌ» (٤).
التاسع: المروي عن ابن عمر ﵄:
١ - عن نافع كان ابن عمر ﵄ إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهى حائض يقول: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا
стр. 622
حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ» (١).
وتفسير الصحابي له حكم الرفع (٢).
٢ - عن ابن عمر ﵄ قال لمن طلق مائة «يُؤْخَذُ مِنْكَ ثَلَاثَةٌ، وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ يُحَاسِبُكَ اللهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
٣ - عن ابن عمر ﵄، قال: «مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ثَلَاثًا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ وَعَصَى رَبَّهُ وَخَالَفَ السُّنَّةَ» (٤).
٤ - عن ابن عمر ﵄ قال: «مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا طُلِّقَتْ، وَعَصَى رَبَّهُ» (٥).
٥ - عن أبي قلابة قال: سئل ابن عمر ﵄ عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها قال: «مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا قَدْ حَرِجَ» (٦).
العاشر: المروي عن عبد الله بن عمرو ﵄: قال: «الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٧). وهذا في طلاق غير المدخول بها.
الحادي عشر: المروي عن أنس بن مالك ﵁: في من طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها قال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٨).
стр. 623
الثاني عشر: المروي عن أبي سعيد ﵁: في الذي يطلق امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
الثالث عشر: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: لو أنَّ الناس طلقوا نساءهم كما أمروا لما فارق الرجل امرأته وله إليها حاجة، إنَّ أحدكم يذهب فيطلق امرأته ثلاثًا، ثم يقعد فيعصر عينيه مهلًا مهلًا بارك الله عليكم، فيكم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فماذا بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلا الضلال ورب الكعبة.
الرد: ذكره السرخسي في «المبسوط» (٦/ ٧)، ولم أقف عليه مسندًا للنظر في إسناده.
стр. 624
الرابع عشر: المروي عن عائشة ﵂: في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قالت: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١).
الخامس عشر: عن أم سلمة ﵄، أنَّها سئلت عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، قبل أن يدخل بها، فقالت: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجُهَا» (٢).
وجه الاستدلال من هذه الآثار: صح عن الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلي ﵃ وقوع الطلاق بالثلاث المجموعة وأنَّ المرأة تبين بها وسنتهم متبعة بأمر النبي ﷺ وكذلك صح عن ابن مسعود وأبي هريرة وعمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وأنس وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس ﵃ ويأتي وبعض أهل العلم ينسبه لابن الزبير- ﵄ لإقراره ابن عباس وأبي هريرة ﵃ وروي عن أبي قتادة الأنصاري وأم سلمة ﵄.
تنبيه: بعض الآثار السابقة في غير المدخول بها فإذا وقعت الثلاث على غير المدخول بها فالمدخول بها من باب أولى، والله أعلم.
المروي عن الصحابة ﵃ خلاف ذلك: روي عن الصحابة ﵃ آثار أنَّ طلاق الثلاث واحدة:
الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁: روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يُرَدُّ إِلَى وَاحِدَةٍ» (٣).
стр. 625
الرد: لا يصح عنه، قال السرخسي: هو افتراء منهم على علي ﵁ (١).
الثاني: عن ابن مسعود ﵁.
الثالث: عن الزبير بن العوام ﵁.
الرابع: عبد الرحمن بن عوف ﵁.
قال ابن القيم: حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن علي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس ﵃ ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وعلى وابن عباس ﵃: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس ﵄ أنَّه جعلها واحدة ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة ﵃ بذلك، فلذلك لم نعد ما حكى عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنَّما نعد ما وقفنا عليه فى مواضعه ونعزوه إليها (٢).
стр. 626
وقال أبو بكر بن العربي: ما نسبوه إلى الصحابة ﵃ كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد (١).
فلما لم ينقل عن ابن مسعود والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ﵃ بإسناد لينظر فيه يبقى النظر في المنقول عن ابن عباس ﵄ فقط فعلي ﵁ لم يصح عنه وصح عنه وقوع الثلاث.
الروايات عن ابن عباس ﵄ في أنَّ الثلاث المجموعة تقع واحدة رواها عنه عكرمة وطاوس وعمرو بن الأسود العنسي:
الأول: رواية عكرمة: عن ابن عباس ﵄، إذا قال: «أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ» (٢).
وجه الاستدلال: في هذه الرواية ابن عباس ﵄ يوقع الثلاث بفم واحدة طلقة واحدة.
الرد: من أهل العلم من يوجه هذه الرواية ومنهم من يردها.
стр. 627
أولًا: توجيه الرواية: فتوجه الرواية من وجهين:
الأول: الرواية فيها إجمال فروى يوسف بن يعقوب القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أنَّه قال: شهدت ابن عباس ﵄ جمع بين رجل وامرأته طلقها ثلاثًا، أتي برجل قال لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق فجعلها واحدة، وأتي برجل قال: لامرأته أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ففرق بينهما» (١).
فالمرأة الأولى غير مدخول بها فبالطلقة الأولى تبين والباقي لغو والثانية مدخول بها فتبين بالثلاث لأنَّ الطلقة الثانية والثالثة وقعت على زوجة وهذه الرواية التي بينت المراد من رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ توافق رواية محمد بن إياس ومعاوية بن أبي عياش، عن ابن عباس ﵄ وهما روايتان صحيحتان وكذلك في رواية الشعبي، عن ابن عباس ﵄ وجابر بن يزيد الجعفي عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ وهما ضعيفتان ففي هذه الروايات أنَّ غير المدخول بها إذا طلقها ثلاثًا جميعًا بفم واحد لا تحل حتى تنكح زوجا غيره وإذا طلقها ثلاثًا متفرقة بانت منه بواحدة.
стр. 628
قال البيهقي: هذا إنَّما يختلف باختلاف حال المرأة، بأن تكون التي جعلها فيها واحدة غير مدخول بها فبانت بالأولى فلم يلحقها ما بعدها، والتي جعلها فيها ثلاثًا مدخولًا بها فلحقها الثلاث (١).
فالمراد بفم واحد طلاق الثلاث متفرقة، والله أعلم.
الثاني: بفم واحد أي طلاقها ثلاثًا بكلمة واحدة بقوله أنت طالق ثلاثًا والمرأة غير مدخول بها فحتى على هذا التقدير لا يصح الاستدلال بهذا الأثر في مسألتنا؛ لأنَّه في غير المدخول بها وهي من مسائل الخلاف ويأتي الكلام عليها إن شاء الله.
ثانيًا: رد الرواية: أشار أبو داود إلى إعلال الرواية المختصرة فقال: رواه إسماعيل
ابن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، هذا قوله لم يذكر ابن عباس ﵄، وجعله قول عكرمة (٢).
فأعل أبو داود هذه الرواية برواية ابن علية إسماعيل بن إبراهيم التي جعله من قول عكرمة مولى ابن عباس ﵄ وليس من كلام ابن عباس ﵄.
الرد: ابن علية ثقة لكن رواية حماد بن زيد عن أيوب مقدمة على رواية ابن علية عن أيوب السختياني وقد جعله من قول ابن عباس ﵄ لا من قول عكرمة وروايته مقدمة، ولا مانع أن يفتي عكرمة بذلك تارة وتارة أخرى يخبر عن ابن عباس ﵄.
الثاني: رواية طاوس: قال أيوب دخل الحكم بن عتيبة على الزهري بمكة وأنا معه فسألوه عن البكر تطلق ثلاثًا قال: سئل عن ذلك ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله
ابن عمرو ﵃، فكلهم قالوا: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» قال فخرج الحكم بن عتيبة، وأنا معه فأتى طاوسًا وهو في المسجد، فأكب عليه، فسأله عن قول ابن عباس
стр. 629
﵄ فيها فأخبره، وأخبره بقول الزهري قال: فرأيت طاوسًا رفع يديه تعجبًا من ذلك، وقال: والله ما كان ابن عباس ﵄ يجعلها إلا واحدة.
وجه الاستدلال: نقل طاوس أنَّ ابن عباس ﵄ يجعل طلاق الثلاث في غير المدخول بها واحدة
الرد: روى طاوس عن ابن عباس ﵄ في رواية أصح من هذه الرواية أنَّ ابن عباس ﵄ إذا سئل عن رجل يطلق امرأته ثلاثًا قال: «لَوِ اتَّقَيْتَ اللهَ جَعَلَ لَكَ مَخْرَجًا»، ولا يزيده على ذلك.
فلا بد من رفع ما يظهر من تعارض بين هاتين الروايتين وذلك:
١ - الترجيح: فيقال رواية طاوس التي يؤخذ منها وقوع الثلاث أرجح من رواية أنَّها تقع واحدة؛ لأنَّها رواية الجماعة عن ابن عباس- ﵄ والرواية التي توافق رواية الجماعة أرجح من التي تخالفها.
٢ - تعدد الروايات: فيقال لابن عباس ﵄ في طلاق غير المدخول بها ثلاثًا ثلاث روايات:
الرواية الأولى: أنَّها واحدة وهذه رواية طاوس وظاهرها جمع الطلاق أو فرقه وهذا رأي طاوس وتقدم وفي رواية عكرمة السابقة الطلاق المجموع واحدة إذا أخذ بظاهر الرواية المختصرة ولم توجه لتوافق رواية يوسف بن يعقوب.
الرواية الثانية: إنَّ طلاق غير المدخول بها ثلاثًا يقع ثلاثًا كما في رواية عبيدة السلماني وسعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومعاوية بن أبي عياش وفي رواية محمد بن إياس بن بكير إذا قالها بفم واحد.
стр. 630
الرواية الثالثة: التفريق فإذا جمع الثلاث حرمت عليه وإذا فرق الطلاق كان واحدة وهذه الرواية ضعفها شديد من رواية الجعفي، عن الشعبي.
قال ابن القيم: لا نشك أنَّ ابن عباس ﵄ صح عنه خلاف ذلك، وأنَّها ثلاث، فهما روايتان ثابتتان عن ابن عباس ﵄ بلا شك (١).
٣ - عدم الاحتجاج: فيقال: تعارضت روايتا طاوس عن ابن عباس ﵄ فتساقطتا.
٤ - اختلاف المرأة المطلقة: فرواية طاوس في أنَّ الثلاث واحدة في غير المدخول بها وروايته الأخرى في وقوع الثلاث في المدخول بها.
٥ - تضعيف الرواية: قال الجصاص: طاوس كان كثير الخطأ مع جلالته وفضله وصلاحه يروى أشياء منكرة منها أنَّه روى عن ابن عباس- ﵄ أنَّه قال من طلق ثلاثًا كانت واحدة … وكان أيوب يتعجب من كثرة خطأ طاوس (٢).
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي: ما رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس ﵄ مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره، وما كان ابن عباس ﵄ ليخالف الصحابة ﵃ إلى رأى نفسه (٣).
٦ - رجوع ابن عباس ﵄ عنها: قال الباجي: رجع ابن عباس ﵄ إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع (٤).
стр. 631
وقال أبو داود: قول ابن عباس ﵄ هو أنَّ الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره هذا مثل خبر الصرف قال فيه ثم إنَّه رجع عنه يعنى ابن عباس ﵄ (١).
فابن عباس ﵄ كان يقول أولًا بجعل الطلاق الثلاث واحدة ثم رجع عنه وقال بوقوع الثلاث كما كان يقول أولًا في الصرف من أنَّه لا ربا إلا في النسيئة ثم رجع عنه وقال بربا الفضل (٢).
الرد: رجوع ابن عباس ﵄ يحتاج إلى نقل صحيح عنه أنَّه رجع ولم يوجد (٣).
٧ - الجمع بين الروايتين: فما نقله الزهري، عن ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو ﵃ عن البكر تطلق ثلاثًا لا تحل له إذا جمع الطلاق فقال: أنت طالق ثلاثًا، وما نقله طاوس، عن ابن عباس ﵄ إذا فرق الطلاق فقال أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهي واحدة؛ لأنَّ الزوجة تبين في الطلقة الأولى وبذلك تتفق الروايتان (٤)، ويشكل على هذا الجمع رواية عكرمة «أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ» وتقدم توجيهها.
وما رواه ابن شهاب، أنَّ ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَجْمَعْ كُنَّ ثَلَاثًا»، قال: فأخبرت ذلك طاوسًا قال: فأشهد ما كان ابن عباس ﵄ يَرَاهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةً (٥).
стр. 632
مفهوم قوله: «وَلَمْ يَجْمَعْ كُنَّ ثَلَاثًا» أنَّه إذا جمع فقال: هي طالق ثلاثًا فهي واحدة (١).
وهذا استدلال بالمفهوم يخالف رواية الجماعة عن ابن عباس- ﵄ في كونها ثلاثًا فروايتهم مقدمة (٢) ومثل رواية الزهري رواية ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا طُلِّقَتِ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ تُجْمَعْ فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ» وهي رواية ضعيفة.
الترجيح: هذا الوجه وهو الجمع بين روايتي ابن عباس ﵄ هو الأولى من الوجوه السابقة، والله أعلم.
فعلى هذا رواية طاوس، عن ابن عباس ﵄ في المطلقة ثلاثًا قبل الدخول بلفظ طالق طالق طالق فتبين بالطلقة الأولى فتوافق رواية طاوس الأخرى التي يفهم منها وقوع الثلاث فتحمل على المدخول بها إذا قال: أنت طالق طالق طالق، والله أعلم.
الثالث: رواية أبي عياض عمرو بن الأسود العنسي: رواها عن ابن عباس ﵄ قال: «الثَّلَاثُ وَالْوَاحِدَةُ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا سَوَاءٌ» (٣).
وجه الاستدلال: في هذه الرواية يفتي ابن عباس ﵄ أنَّه لا فرق في طلاق غير المدخول بها ثلاثًا أو واحدة فهي طلقة واحدة.
стр. 633
الرد: هذه الرواية فيها اختصار أو سقط - والله أعلم غير المعنى فرواه إسحاق بن راهوية بلفظ «الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بها والتي قد دُخِلَ بِهَا فِي الثَّلَاثِ سَوَاءٌ» (١).
فهذه الرواية كرواية الجمهور عن ابن عباس ﵄ في وقوع الثلاث وتحمل على المجموعة في غير المدخول بها؛ لأنَّه لم ينقل عن ابن عباس ﵄ ولا عن غيره من الصحابة ﵃ والتابعين في عدم وقوع الثلاث في المدخول بها، والله أعلم.
الموقف من الروايات عن ابن عباس ﵄ في أنَّ الثلاث واحدة: من خلال ما تقدم الإشكال ينحصر في رواية طاوس، عن ابن عباس ﵄ «أنَّه يجعل الثلاث واحدة في غير المدخول بها» وتقدم توجيهها بالثلاث المفرقة في غير المدخول بها، أما رواية عكرمة ورواية أبي عياض عمرو بن الأسود فهي كرواية الجمهور في وقوع الثلاث المجموعة، والله أعلم.
الروايات عن ابن عباس ﵄ في أنَّ طلاق الثلاث تقع ثلاثًا رواها عنه:
الأولى: رواية طاوس: قال كان ابن عباس ﵄ إذا سئل عن رجل يطلق امرأته ثلاثًا قال: «لَوِ اتَّقَيْتَ اللهَ جَعَلَ لَكَ مَخْرَجًا»، ولا يزيده على ذلك (٢).
وجه الاستدلال: ظاهره أنَّه لا مخرج له من ذلك فلا رجعة له على زوجته وأنَّها ثلاث لازمة (٣).
стр. 634
الثانية: رواية مجاهد وعمرو بن دينار: قالا: سئل ابن عباس ﵄ عن رجل طلق امرأته عدد النجوم قال: «إِنَّمَا يَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ رَأْسُ الْجَوْزَاءِ» (١).
وجه الاستدلال: أَي يكفيك من التطليق عدد النجوم ثلاثُ تَطْليقات فابن عباس ﵄ أوقع الثلاث ثلاثا فرأس الجوزاء ثلاث كواكب (٢).
الثالثة: رواية مجاهد: قال: كنت عند ابن عباس ﵄ فجاءه رجل فقال: إنَّه طلق امرأته ثلاثًا قال: فسكت حتى ظننت أنَّه رادها إليه ثم قال: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْحُمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَإِنَّ اللهَ قَالَ: [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] (الطلاق: ٢) وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ فَلَا أَجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، قَالَ اللهُ: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» (٣).
стр. 635
الرابعة: رواية سعيد بن جبير: قال: جاء ابن عباس ﵄ رجل فقال: طلقت امرأتي ألفًا، فقال ابن عباس ﵄: «ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ، وَبَقِيَّتُهَا عَلَيْكَ وِزْرًا. اتَّخَذْتَ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا» (١).