← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30128

أحكام الطلاق (الطلاق السني والطلاق البدعي)

أحمد الزومان

Полный текст (770 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقال أبو داود: قول ابن عباس ﵄ هو أنَّ الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها وغير مدخول بها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره هذا مثل خبر الصرف قال فيه ثم إنَّه رجع عنه يعنى ابن عباس ﵄ (١). فابن عباس ﵄ كان يقول أولًا بجعل الطلاق الثلاث واحدة ثم رجع عنه وقال بوقوع الثلاث كما كان يقول أولًا في الصرف من أنَّه لا ربا إلا في النسيئة ثم رجع عنه وقال بربا الفضل (٢). الرد: رجوع ابن عباس ﵄ يحتاج إلى نقل صحيح عنه أنَّه رجع ولم يوجد (٣). ٧ - الجمع بين الروايتين: فما نقله الزهري، عن ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو ﵃ عن البكر تطلق ثلاثًا لا تحل له إذا جمع الطلاق فقال: أنت طالق ثلاثًا، وما نقله طاوس، عن ابن عباس ﵄ إذا فرق الطلاق فقال أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهي واحدة؛ لأنَّ الزوجة تبين في الطلقة الأولى وبذلك تتفق الروايتان (٤)، ويشكل على هذا الجمع رواية عكرمة «أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ» وتقدم توجيهها. وما رواه ابن شهاب، أنَّ ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَجْمَعْ كُنَّ ثَلَاثًا»، قال: فأخبرت ذلك طاوسًا قال: فأشهد ما كان ابن عباس ﵄ يَرَاهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةً (٥).

стр. 632

مفهوم قوله: «وَلَمْ يَجْمَعْ كُنَّ ثَلَاثًا» أنَّه إذا جمع فقال: هي طالق ثلاثًا فهي واحدة (١). وهذا استدلال بالمفهوم يخالف رواية الجماعة عن ابن عباس- ﵄ في كونها ثلاثًا فروايتهم مقدمة (٢) ومثل رواية الزهري رواية ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا طُلِّقَتِ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ تُجْمَعْ فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ» وهي رواية ضعيفة. الترجيح: هذا الوجه وهو الجمع بين روايتي ابن عباس ﵄ هو الأولى من الوجوه السابقة، والله أعلم. فعلى هذا رواية طاوس، عن ابن عباس ﵄ في المطلقة ثلاثًا قبل الدخول بلفظ طالق طالق طالق فتبين بالطلقة الأولى فتوافق رواية طاوس الأخرى التي يفهم منها وقوع الثلاث فتحمل على المدخول بها إذا قال: أنت طالق طالق طالق، والله أعلم. الثالث: رواية أبي عياض عمرو بن الأسود العنسي: رواها عن ابن عباس ﵄ قال: «الثَّلَاثُ وَالْوَاحِدَةُ فِي الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا سَوَاءٌ» (٣). وجه الاستدلال: في هذه الرواية يفتي ابن عباس ﵄ أنَّه لا فرق في طلاق غير المدخول بها ثلاثًا أو واحدة فهي طلقة واحدة.

стр. 633

الرد: هذه الرواية فيها اختصار أو سقط - والله أعلم غير المعنى فرواه إسحاق بن راهوية بلفظ «الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بها والتي قد دُخِلَ بِهَا فِي الثَّلَاثِ سَوَاءٌ» (١). فهذه الرواية كرواية الجمهور عن ابن عباس ﵄ في وقوع الثلاث وتحمل على المجموعة في غير المدخول بها؛ لأنَّه لم ينقل عن ابن عباس ﵄ ولا عن غيره من الصحابة ﵃ والتابعين في عدم وقوع الثلاث في المدخول بها، والله أعلم. الموقف من الروايات عن ابن عباس ﵄ في أنَّ الثلاث واحدة: من خلال ما تقدم الإشكال ينحصر في رواية طاوس، عن ابن عباس ﵄ «أنَّه يجعل الثلاث واحدة في غير المدخول بها» وتقدم توجيهها بالثلاث المفرقة في غير المدخول بها، أما رواية عكرمة ورواية أبي عياض عمرو بن الأسود فهي كرواية الجمهور في وقوع الثلاث المجموعة، والله أعلم. الروايات عن ابن عباس ﵄ في أنَّ طلاق الثلاث تقع ثلاثًا رواها عنه: الأولى: رواية طاوس: قال كان ابن عباس ﵄ إذا سئل عن رجل يطلق امرأته ثلاثًا قال: «لَوِ اتَّقَيْتَ اللهَ جَعَلَ لَكَ مَخْرَجًا»، ولا يزيده على ذلك (٢). وجه الاستدلال: ظاهره أنَّه لا مخرج له من ذلك فلا رجعة له على زوجته وأنَّها ثلاث لازمة (٣).

стр. 634

الثانية: رواية مجاهد وعمرو بن دينار: قالا: سئل ابن عباس ﵄ عن رجل طلق امرأته عدد النجوم قال: «إِنَّمَا يَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ رَأْسُ الْجَوْزَاءِ» (١). وجه الاستدلال: أَي يكفيك من التطليق عدد النجوم ثلاثُ تَطْليقات فابن عباس ﵄ أوقع الثلاث ثلاثا فرأس الجوزاء ثلاث كواكب (٢). الثالثة: رواية مجاهد: قال: كنت عند ابن عباس ﵄ فجاءه رجل فقال: إنَّه طلق امرأته ثلاثًا قال: فسكت حتى ظننت أنَّه رادها إليه ثم قال: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْحُمُوقَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَإِنَّ اللهَ قَالَ: [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] (الطلاق: ٢) وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ فَلَا أَجِدُ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، قَالَ اللهُ: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» (٣).

стр. 635

الرابعة: رواية سعيد بن جبير: قال: جاء ابن عباس ﵄ رجل فقال: طلقت امرأتي ألفًا، فقال ابن عباس ﵄: «ثَلَاثٌ تُحَرِّمُهَا عَلَيْكَ، وَبَقِيَّتُهَا عَلَيْكَ وِزْرًا. اتَّخَذْتَ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا» (١).

стр. 636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 637

الخامسة: رواية عبيدة، وسعيد بن جبير: عن ابن عباس ﵄ قالا: «إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (١). السادسة: رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵁: عن أبي هريرة، وابن عباس ﵃، في الذي يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٢). هذه الرواية والتي قبلها محمولة على إذا طلقها ثلاثًا مجموعة كروايتي محمد بن إياس ومعاوية بن أبي عياش، عن ابن عباس- ﵄ الآتيتين، والله أعلم. السابعة: رواية مالك بن الحارث السلمي: قال: جاء رجل إلى ابن عباس- ﵄، فقال: «إنَّ عمه طلق ثلاثًا، فندم. فقال: عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان

стр. 638

فلم يجعل له مخرجًا، قال: أرأيت إن أنا تزوجتها عن غير علم منه، أترجع إليه؟ فقال: «مَنْ يُخَادِعِ اللهَ يَخْدَعْهُ اللهُ» (١). وجه الاستدلال: كرواية طاوس. الثامنة: رواية عنترة بن عبد الرحمن: قال: كنت جالسًا عند ابن عباس ﵄ فأتاه رجل، فقال: يا ابن عباس، إنَّه طلق امرأته مائة مرة، وإنَّما قلتها مرة واحدة، فتبين مني بثلاث، أم هي واحدة؟ فقال: «بَانَتْ بِثَلَاثٍ، وَعَلَيْكَ وِزْرُ سَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ» (٢). التاسعة: رواية محمد بن إياس بن بكير: عن أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة ﵃؛ في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قالوا: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣).

стр. 639

العاشرة: رواية معاوية بن أبي عياش الأنصاري: أنَّه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير ﵄ وعاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، قال فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إنَّ رجلًا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير ﵄ إنَّ هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة ﵃ فإنَّي تركتهما عند عائشة ﵄، فسلهما ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة ﵄: أفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فقال أبو هريرة ﵁: «الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وقال ابن عباس ﵄ مِثْلَ ذَلِكَ (١).

стр. 640

الحادية عشرة: رواية الزهري: قال أيوب دخل الحكم بن عتيبة على الزهري بمكة فسألوه عن البكر تطلق ثلاثًا قال: سئل عن ذلك ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو ﵃، فكلهم قالوا: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»، قال فخرج الحكم بن عتيبة، وأنا معه فأتى طاوسا وهو في المسجد، فأكب عليه، فسأله عن قول ابن عباس ﵄ فيها فأخبره، وأخبره بقول الزهري قال: فرأيت طاووسا رفع يديه تعجبا من ذلك، وقال: والله ما كان ابن عباس ﵄ يجعلها إلا واحدة (١). الثانية عشرة: رواية عطاء بن أبي رباح: ورواها عنه: ١ - عبد الحميد بن رافع عن عطاء بن أبي رباح أنَّ رجلًا قال لابن عباس- ﵄: رجل طلق امرأته مئة، فقال ابن عباس- ﵄: «يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَيدَعُ سَبْعًا وَتِسْعِينَ» (٢). ٢ - ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: «إِذَا طُلِّقَتِ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ تُجْمَعْ فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ» (٣). ٣ - جابر بن يزيد الجعفي عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا طلقها

стр. 641

ثلاثا قبل أن يدخل بها، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ولو قالها تترى بانت بالأولى» (١). الأسانيد إلى عطاء لا تخلو من ضعف وأصحها رواية عبد الحميد بن رافع عن عطاء وهذه الروايات توافق رواية الجماعة عن ابن عباس ﵄ أنَّ الثلاث تقع. الثالثة عشرة: رواية الشعبي: عن ابن عباس ﵄ في رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فقال: «عُقْدَةٌ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَرْسَلَهَا جَمِيعًا إِذَا كَانَتْ تَتْرَى فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى، وَلَيْسَتِ الثِّنْتَانِ بِشَيْءٍ» (٢). الرابعة عشرة: رواية الضحاك بن مزاحم: عن ابن عباس، وابن مسعود ﵃ قالا: «لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣). فصح عن ابن عباس ﵄ أنَّ الثلاث تقع ثلاثًا من رواية طاوس ومجاهد بن جبر وعمرو بن دينار وعبيدة السلماني، وسعيد بن جبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵁، ومالك بن الحارث، وعنترة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إياس بن البكير،

стр. 642

ومعاوية بن أبي عياش، والزهري وعطاء بن أبي رباح وروي عنه بإسناد ضعيف في رواية الشعبي، والضحاك بن مزاحم. فروى وقوع الثلاث عن ابن عباس ﵄ أربعة عشر نفسًا صحت الرواية عن اثني عشر نفسًا منهم. وروى عن ابن عباس ﵄ أنَّ طلاق الثلاث في غير المدخول بها واحدة طاوس في رواية وعكرمة وعمرو بن الأسود. قال ابن رجب: لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أنَّ الطلاق الثلاث بعد الدخول واحدة إذا سيق بلفظ واحد (١). هل اختلف الصحابة في وقوع الثلاث في المدخول بها؟ تقدم أنَّ الخلاف الثابت هو عن ابن عباس ﵄ أما علي ﵁ فلم يصح عنه ونسب لابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير ﵃ ولم أقف على ذلك مسندًا حتى أنظر في صحته وضعفه فعلى هذا ينحصر الخلاف في خلاف ابن عباس ﵄ والجمهور رووا عنه ما يوافق الجماعة وإنَّما نقل عنه عدم وقوع الثلاث عكرمة وطاوس وأبو عياض عمرو بن الأسود. وروايتا عكرمة وأبي عياض لا تخالفان رواية الجمهور في وقوع الثلاث بل توافقها كما تقدم فانحصر الخلاف في رواية طاوس عنه فتحمل على طلاق الثلاث المفرقة في غير المدخول بها، والله أعلم. فالذي يترجح لي أنَّه لم ينقل عن الصحابة ﵃ بالسند الصحيح الصريح خلاف في أنَّ المدخول بها إذا طلقت ثلاثًا أنَّها تقع واحدة ولا غير المدخول بها إذا طلقت

стр. 643

ثلاثًا مجموعة أنَّها واحدة إنَّما المنقول في طلاق الثلاث المفرقة في غير المدخول بها، والله أعلم. وينقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة ﵃ على وقوع الثلاث (١). الرد على إجماع الصحابة ﵃: قال ابن القيم ﵀: توفي النبي ﷺ عن أكثر من مائة ألف فهل صح لكم عن هؤلاء كلهم أو عشرهم أو عشر عشرهم أو عشر عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحد؟ هذا ولو جهدتم كل الجهد لم تطيقوا نقله عن عشرين نفسًا منهم أبدًا مع اختلاف عنهم في ذلك فقد صح عن ابن عباس ﵄ القولان وصح عن ابن مسعود ﵁ القول باللزوم وصح عنه التوقف (٢). الجواب: الصحابة ﵃ بين من يفتي بوقوع الثلاث في المدخول بها وبين ساكت والعبرة في نقل الإجماع ما نقل عن المجتهدين من الصحابة ﵃ وبقية الصحابة ﵃ تبع لهم يرجعون إليهم ويستفتونهم (٣) وتقدم أنَّ رواية طاوس عن ابن عباس ﵃ محمولة على غير المدخول بها إذا طلقها ثلاثًا مفرقة وقول علقمة جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال إنَّه طلق امرأته البارحة ثمانيًا قال: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟ قال بكلام واحد قال: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قال: نعم قال وجاءه رجل فقال: إنَّه طلق امرأته مائة طلقة قال: بِكَلَامٍ وَاحِدٍ؟ قال: بكلام واحد قال: فَيُرِيدُونَ أَنْ يُبِينُوا مِنْكَ امْرَأَتَكَ؟ قال: نعم فقال: عبد الله ﵁: مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَ اللهُ، فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ الطَّلَاقَ، وَمَنْ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَّلْنَا بِهِ لَبْسَهُ وَاللهِ لَا تُلَبِّسُونَ

стр. 644

عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ نَحْنُ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ» (١) ليس فيه ما يدل على توقف ابن مسعود ﵁ في طلاق الثلاث المجموعة، والله أعلم. هل اختلف التابعون في وقوع الثلاث المجموعة في المدخول بها؟ لم أقف على خلاف عن التابعين في عدم وقوع الثلاث في المدخول بها فيرون وقوع الثلاث المجموعة: ١ - فعن ابن سيرين قال مكثت عشرين سنة يحدثنى من لا أتهم أنَّ ابن عمر ﵄ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلى وكان ذا ثبت فحدثنى أنَّه سأل ابن عمر ﵄ فحدثه «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يَرْجِعَهَا» (٢) فاستشكل محمد بن سيرين أمر النبي ﷺ ابن عمر ﵄ بمراجعة امرأته مع أنَّه طلقها ثلاثًا لأنَّه لا يعلم قائلًا بذلك فلما حدثه يونس بن جبير أنَّ ابن عمر ﵄ طلق امرأته طلقة واحدة زال هذا الإشكال. ٢ - عن سعيد بن أبي عروبة قال سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض فقال حدثني قتادة عن ابن المسيب وأبو معشر عن إبراهيم قالوا: «تَعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَقْرَائِهَا»، وقال مطر عن الحسن قال: «هُوَ قُرْءٌ مِنْ أَقْرَائِهَا» (٣). ٣ - وروي عن الشعبي عن شريح أنَّ رجلًا طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض أتعتد بعد هذه الحيضة ثلاث حيض ولا تحتسب بهذه الحيضة التي طلقها فيها؟ فقال: «هُوَ الَّذِي النَّاسُ عَلَيْهِ» (٤).

стр. 645

فالتابعون على وقوع طلاق الثلاث المجموعة. المنقول عن أتباع التابعين أنَّ الثلاث المجموعة واحدة: ما نسب لأتباع التابعين فنقل عن محمد بن إسحاق أنَّ طلاق الثلاث واحدة وابن إسحاق لم يعرف بالفقه إنَّما هو إخباري وصح عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين والحارث العلكي وقوع الثلاث أما الحجاج بن أرطأة فلم أقف على المنسوب له مسندًا. وقت ظهور الخلاف في طلاق المدخول بها ثلاثًا مجموعة: بعد أتباع التابعين نسب أنَّ الثلاث المجموعة واحدة للمدخول بها لداود بن علي الظاهري وأصحابه وقال به محمد بن مقاتل من فقهاء الأحناف، أما المالكية فقال به بعض المتأخرين منهم تخريجًا على بعض المسائل في المدونة (١) وابن عبد البر من أئمة المالكية المتقدمين نقل الإجماع على وقوع طلاق الثلاث فلو كان الخلاف موجودًا عند متقدمي المالكية لذكره، والله أعلم. قال أحمد الدردير: بعض الفسقة نسبه إلى الإمام أشهب، فيضل به الناس، وقد كذب وافترى على هذا الإمام، لما علمت من أنَّ ابن عبد البر - وهو الإمام المحيط - نقل الإجماع على لزوم الثلاث (٢) وأول من قال به من الحنابلة المجد ابن تيمية قال ابن القيم:

стр. 646

شيخنا حكى عن جده أبي البركات: أنَّه كان يفتى بذلك أحيانًا سرًّا، وقال في بعض مصنفاته: هذا قول بعض أصحاب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد … أما بعض أصحاب أحمد، فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانًا، وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم (١) وأمَّا الشافعية فطلاق الثلاث سنة عندهم وينقل بعض فقهائهم الإجماع على وقوع الثلاث ولم أقف لهم على قول بعدم وقوع الثلاث، ثم أظهر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه وعلى هذا القول الفتوى الرسمية في بعض البلاد العربية. وبعض أهل العلم ينقل الإجماع على وقوع الثلاث؛ لأنَّ الخلاف عنده شاذ لا يعتد به. قال ابن عبد البر: لم يختلف فقهاء الأمصار وأئمة الهدى فيمن طلق ثلاثًا في طهر مس فيه أو لم يمس فيه أو في حيض أنَّه يلزمه طلاقه (٢). وقال ابن العربي: انعقاد الإجماع من الأمة بأنَّ من طلق طلقتين أو ثلاثًا أنَّ ذلك لازم له، ولا احتفال بالحجاج وإخوانه من الرافضة، فالحق كائن قبلهم (٣). وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي: قال علماؤنا: اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أنَّ طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، ويروى هذا عن محمد ابن إسحاق والحجاج بن أرطاة (٤). وقال ابن رشد: وهو مذهب جميع الفقهاء وعامة العلماء لا يشذ في ذلك عنهم إلا من لا يعتد بخلافه منهم (٥).

стр. 647

وقال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي: فمذهب هذين الرجلين [محمد بن إسحاق وابن مقاتل] شاذ الشاذ، ولا سلف لهم فيه، ولا يبعد في أن يقال: إنَّ إجماع السلف على خلافه - على ما يتبين مما نذكره بعد عن السلف -، فإنَّهم كانوا منقسمين إلى من يراه ثلاثًا، أو إلى من يراه واحدة. والكل متفقون على وقوعه، والله - تعالى - أعلم وجمهور السلف والأئمة: أنَّه لازم واقع ثلاثًا، ولا فرق بين أن يوقع مجتمعًا في كلمة أو مفرقًا في كلمات، غير أنَّهم اختلفوا في جواز إيقاعه (١). وقال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع طلاق الثلاث في كلمة واحدة، فإنَّ ذلك عندهم مخالف للسنة، وهو قول جمهور السلف، والخلاف في ذلك شذوذ، وإنَّما تعلق به أهل البدع، ومن لا يلتفت إليه لشذوذه (٢). وقال ابن الملقن: اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع طلاق الثلاث في كلمة واحدة وهو قول جمهور السلف ومن خالف فهو شاذ مخالف لأهل السنة (٣). وقال العيني: قالوا: من خالف فيه فهو شاذ مخالف لأهل السنة، وإنَّما تعلق به أهل البدع ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة التي لا يجوز عليهم التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة (٤). وقال ابن حجر الهيثمي: وقوعهن معلقة كانت أو منجزة فلا خلاف فيه يعتد به (٥).

стр. 648

وقال الشريني: وقوع الثلاث عند جمعهن، وعليه اقتصر الأئمة، وحكى عن الحجاج بن أرطاة وطائفة من الشيعة والظاهرية أنَّه لا يقع منها إلا واحدة، واختاره من المتأخرين من لا يعبأ به فأفتى به واقتدى به من أضله الله - تعالى - (١) كذا قال ﵀ والكل مجتهد مأجور وإن لم يوفق للصواب. وقال الحافظ ابن حجر: الإجماع الذي انعقد في عهد عمر ﵁ على ذلك ولا يحفظ أنَّ أحدًا في عهد عمر ﵁ خالفه في واحدة منهما … فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، والله أعلم (٢). وقد أشار إلى الخلاف المتأخر بقوله: يتعجب من ابن التين حيث جزم بأنَّ لزوم الثلاث لا اختلاف فيه وإنَّما الاختلاف في التحريم مع ثبوت الاختلاف (٣). وقال زرُّوق - بعد أن نقل الخلاف عن بعض فقهاء المالكية - بعضهم أدعى الإجماع على لزومه وهو بعيد (٤). وقال ابن نجيم: لا حاجة إلى الاشتغال بالأدلة على رد قول من أنكر وقوع الثلاث جملة؛ لأنَّه مخالف للإجماع كما حكاه في المعراج ولذا قالوا: لو حكم حاكم بأنَّ الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه؛ لأنَّه لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ لأنَّه خلاف لا اختلاف (٥). ثم أشار إلى الخلاف الحادث بقوله: إذا أوقعها جملة أو متفرقة ولا اعتبار بخلاف من أنكر وقوع الجملة لكونه مخالفًا للقطعي كذا ذكر الشارحون وفيه نظر … فإن قيل إنَّ العلماء قد أجمعوا عليه قلنا قد خالف أهل الظاهر في ذلك (٦).

стр. 649

وقال ابن مازة: ولو طلق امرأته في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه أو طلقها بكلمة واحدة، وقضى قاض بإبطال كله، فهو باطل؛ لأنَّه يخالف السنة والإجماع فكان باطلًا (١). فمن ينقل الإجماع يقصد به وقوع الثلاث في غير المدخول بها، أو قبل وجود الخلاف، أو يرى أنَّ الخلاف شاذ لا يقدح في الإجماع، ومن ينقل الخلاف يقصد به الخلاف الحادث بعد الإجماع في المدخول بها وغير المدخول بها، والله أعلم. الدليل الخامس عشر: ملَّك الشرع الزوج الثلاث مفرقة فسحة له فإذا جمعها صحت منه كسائر الرخص كالترخص بترك الجماعة للعذر والفطر في السفر (٢). الرد: ملك الشارع الزوج طلاقًا يملك به الرجعة فكما أنَّ غير المدخول بها تبين بالطلاق بنص الشرع وليس لزوجها عليها رجعة فكذلك ليس للزوج أن يطلق طلاقًا لا رجعة فيه فإن فعل فهو لغو (٣). الجواب: هذا احتجاج في موطن الخلاف فالمخالف لا يرى ذلك. الدليل السادس عشر: النكاح ملك يصح إزالته متفرقًا، فصح مجتمعًا، كسائر الأملاك (٤). الرد: قياس مع الفارق فسائر الأملاك دل الدليل على جواز الجمع بخلاف الطلاق. الجواب: يجوز جمع الطلاق.

стр. 650

الرد: هذه من مسائل الخلاف. الدليل السابع عشر: كل ملك يزول بإزالته مفترقًا يزول بإزالته مجتمعًا كالعتق (١). الرد: لم يأذن الشارع بإيقاع الطلاق إلا مفرقًا بخلاف غيره. الجواب من وجهين: الأول: هذه من مسائل الخلاف. الثاني: على القول بأنَّ جمع الطلاق بدعي - وهو الصحيح - فقد دل الدليل على وقوعه كوقوع طلاق الحائض. الدليل الثامن عشر: يملك الزوج بعقد النكاح الطلاق ثلاثًا فلو كان لا يملكها إلا مفرقة لم يملك الثلاث في التي لم يدخل بها فدل على أنَّه يملكها مجتمعة ومفرقة (٢). الرد: يملك الزوج الثلاث بعقد النكاح ملكًا مطلقًا لكن لا يملك جمعها فإذا طلق غير المدخول بها وراجعها بقيت له طلقتان. الجواب: الصحيح أنَّ الشارع لم يأذن له بالثلاث إلا مفرقة لكن لو خالف وقع الطلاق مع الإثم. الدليل التاسع عشر: القياس على طلاق الحائض فلما أمضاه النبي ﷺ وهو بدعي فكذلك طلاق الثلاث (٣).

стр. 651

الرد: المسألة من مسائل الخلاف والمخالف لا يسلم بوقوع طلاق الحائض وتقدم الكلام على المسألة (١). الدليل العشرون: القياس على وقوع الطلاق مفرقًا فكلاهما طلاق أوقعه من يملكه فيلزمه وإنَّما ملك الثلاث مفرقة فسحة له فإذا جمعها لزمته (٢). الرد: قياس مع الفارق فتفريق الطلاق مباح وجمعه محرم على الصحيح. الدليل الحادي والعشرون: الطلاق ثلاثًا يقال: عليه طلاق بالاتفاق فتلزم أحكامه (٣). الرد: لا يلزم من تسميته طلاقًا أن تترتب عليه أحكام الطلاق فطلاق الحائض يسمى طلاقًا وتقدم الخلاف في وقوعه ونكاح الشغار يسمى نكاحًا وهو محل خلاف والبيع من غير ذكر الثمن يسمى بيعًا وهو محل خلاف (٤). الدليل الثاني والعشرون: يجوز العقد على أربع نساء بعقد واحد وعقود متفرقة فكذلك الثلاث تقع مجتمعة ومتفرقة (٥). الرد: قياس مع الفارق ففي النكاح جمع وفي الطلاق تفريق وفي النكاح لم يرد نهي عن الجمع بخلاف الطلاق وفي النكاح وقع العقد على أربع وفي الطلاق على واحدة. الدليل الثالث والعشرون: أصل الطلاق مشروع والحضر عائد لأمر خارج وهي الثلاث فيقع الطلاق مع الإثم كالبيع وقت الجمعة (٦).

стр. 652

الرد: صحة البيع وقت الجمعة ممن تلزمه الجمعة محل خلاف بين أهل العلم وتقدم الكلام على مسألة هل النهي يقتضي الفساد؟ (١). الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ طلاق المدخول بها ثلاثًا بلفظ واحد كقوله أنت طالق ثلاثًا ونحوه يقع ثلاثًا وتبين به المرأة للأدلة السابقة ولم ينقل عن الصحابة ﵃ شيء صحيح صريح خلاف ذلك وكذلك لم ينقل عن التابعين، والله أعلم. وفي نهاية الكلام على هذه المسألة أنبه على أمور: الأول: قال الشيخ أحمد شاكر: التطليق بلفظ (أنت طالق ثلاثًا) ونحوه إنَّما هو تطليق واحد قطعًا وأنَّه ليس ما اختلف في وقوعه ثلاثًا أو واحدة (٢). وقال: ليس داخلًا في الخلاف في وقوع الثلاث أو عدم وقوعه وإنَّه لم يعرفه الصحابة ﵃ ولم يعرفه عمر ﵁ ولم يمضه أحد منهم على الناس … الذي عرفوه وأمضوه هو النوع الثاني وحده وهو التطليق مرة ثانية ثم مرة ثالثة قبل انقضاء العدة في مجلس واحد أو مجالس (٣). وقال كلمة (أنت طالق ثلاثًا) ونحوها … ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة من التابعين ومن بعدهم ومن جعلها من العلماء موضع خلاف فقد سبق نظره وفاته المعنى الصحيح الدقيق (٤). الرد من وجوه: الرد الأول: موضع الخلاف جمع الثلاث بفم واحد أما تفريقها بقوله: أنت طالق طالق طالق عدها بعض أهل العلم من مسائل الإجماع ويأتي (٥).

стр. 653

الرد الثاني: أفتى الصحابة ﵃ بوقوع الثلاث مجموعة وكذلك التابعون. الثاني: هذه المسألة من المسائل المشكلة وسبب الإشكال حديث طاوس عن ابن عباس- ﵄ قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر ﵁، وسنين من خلافة عمر ﵁، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر- ﵁: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ» فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ فظاهر الحديث مشكل ومثل هذا الإشكال وارد عند السلف فعن ابن سيرين، قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أنَّ ابن عمر- ﵄ طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فأمر أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم، ولا أعرف الحديث، حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي، وكان ذا ثبت، فحدثني أنَّه سأل ابن عمر- ﵄، فحدثه «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يَرْجِعَهَا» (١) فأشكل الأمر على محمد بن سيرين كيف يطلق ابن عمر ﵄ زوجته ثلاثًا ويأمره النبي ﷺ بمراجعتها فالمخبر ثقة والخبر يعارض القرآن بأنَّ المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجًا غيره فوقع ابن سيرين بين إشكالين حتى تبين له خطأ الثقة وأنَّ طلاق ابن عمر- ﵄ لزوجته واحدة وليس ثلاثًا فبعض الأحيان يتبين للإنسان ما يرفع عنه الإشكال ويتبين له خطأ الثقة وفي بعض الأحيان يبقى الإشكال كما هو في حديث ابن عباس ﵄ وقد قال بأنَّ الثلاث واحدة علماء ربانيون من السلف والخلف فقال به من المتقدمين شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه ابن القيم ومن المتأخرين فقيها العصر ابن باز وشيخنا ابن عثيمين وقد تعلمنا منهم البحث عن الحق والقول به وتلمس العذر للمخالف وعدم التشنيع عليه فهو مأجور على اجتهاده ورحم الله ابن المبرد حينما نقل ما قيل في مسألة الطلاق الثلاث ثم ختم كتابه بقوله: فليختر العاقل

стр. 654

ما يوجب الإنصاف ويختار جوابًا يقدم به على رب العباد ولا يختار شيئًا حمية ورياءً فإنَّ الدنيا مفروغ منها وهي زائلة فيتخذ لنفسه ما يصلح لرمسه وليتخذ جوابا يقف به بين يدي الله حين يقف حاسرًا عريانًا مكشوف الرأس حيران فالدنيا جميعها لا تساوي فلس ولينصف حيث يحق الإنصاف ولا يقل بالمسائل باجتهاد نفسه فإنَّ العلماء رعاة الله على دينه والراعي مسؤول عن رعيته فإنه إذا أبصر يوم القيامة يوم الحسرة والندامة الأهوال والأمور وديوانه اتبع الحق وخلى الفجور (١). الثالث: قد يقال: إن الفتوى بوقوع طلاق الثلاث يؤدي إلى تشتت بعض الأسر ووقوع البعض في التحايل على ذلك بنكاح التحليل. والجواب إذا تبين لطالب العلم أنَّ هذا القول هو الصواب في هذه المسألة فلا يعارضه بمثل هذه الآراء والواجب على الجميع التسليم لحكم الله وترك الحيل التي يستبيحون بها المحرمات وهذا الإيراد يرد أيضًا إذا بانت المرأة من زوجها بالثلاث المفرقة فلا تعطل الأحكام الشريعة لتساهل الناس في الطلاق فمن ألزم نفسه بالثلاث لزمته، والله أعلم. الرابع: إن كنت قد أطلت في هذه المسألة وبعض مسائل الطلاق فلا تتضايق أيها القارئ من الإطالة فبعض المسائل خطيرة وتحتاج إلى تجلية تامة لا سيما إذا اختار القول المرجوح أئمة كبار يقتدى بهم. * * *

стр. 655

الفصل الثالث الحكم الوضعي لطلاق المدخول بها ثلاثًا بكلمات متفرقة تمهيد: تقدم الكلام على طلاق المدخول بها ثلاثًا بكلمة واحدة كقوله: أنت طالق ثلاثًا والكلام في هذا الفصل في طلاق المدخول بها ثلاثًا متفرقة، فإذا طلق الرجل امرأته التي دخل بها ثلاثًا مفرقة لا يخلو الأمر من أحوال: الأول: أن يقصد إنشاء الطلاق فينوي طلاقها ثلاثًا. الثاني: أن يقصد بالثانية والثالثة توكيد الطلاق أو إسماع المرأة لا الطلاق. الثالث: أن لا تكون له نية. * * *

стр. 656

طلاق المدخول بها في طهر واحد ثلاثًا بكلمات متفرقة ناويًا الطلاق إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها في طهر واحد ثلاثًا متفرقة كقوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق سواء قالها في مجلس واحد أو مجالس فهل وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة وهل بعضهم يرى الثلاث واحدة كطلاق المدخول بها ثلاثًا في كلمة واحدة؟ هذا ما أحاول الإجابة عليه. بعض أهل العلم ينقل الإجماع على وقوع الطلاق وأنَّ الخلاف بين أهل العلم في مسألة طلاق الثلاث المجموعة لا المفرقة: ١ - قال محمد بن نصر المروزي: اختلفوا في المدخول بها إذا طلقها الزوج ثلاثًا بلفظ واحد … لا اختلاف بين أهل العلم أنَّها إذا كانت مدخولًا بها فقال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق سكت أو لم يسكت فيما بينهما أنَّها طالق ثلاثًا إلا أن يريد تكرار الكلام بقوله الثانية الثالثة، والله أعلم (١). ٢ - قال القاضي عبد الوهاب: لا خلاف في أنَّ من فرق الثلاث فإنَّه يلزمه … فأمَّا إن أتى به في كلمة واحدة فإنَّه عاصٍ بذلك ويلزمه وإنَّما قلنا يلزمه إن وقع خلافًا لمن منع إيقاعه جملة (٢). ٣ - قال ابن حزم: اتفقوا أنَّ من طلق امرأته التي ذكرنا في الوقت الذي وصفنا طلقة واحدة رجعية لم يتبعها ولا شرطًا مفسدًا للطلاق أنَّ ذلك لازم واتفقوا أنَّه إن اتبع الطلقة

стр. 657

التي ذكرنا للتي وطئها طلقة ثانية بعد الأولى وقبل انقضاء عدتها أنَّها أيضًا لازمة له وأنَّه قد سقط مراجعتها وحرام عليه نكاحها إلا بعد زوج (١). فابن حزم ينقل الإجماع على أنَّه إذا اتبع الطلقة الأولى طلقتين متفرقتين بانت بها المرأة وهو ممن نقل الخلاف في وقوع طلاق الثلاث المجموعة (٢). ٤ - قال ابن المنير: لزوم الثلاث إذا وقعت مفترقات لا خلاف فيه، فإن وقعت في كلمة واحدة، فالمذاهب أيضًا كذلك للزوم، ونقل عدم اللزوم شاذا عند الحجاج بن أرطاة وابن إسحاق (٣). ٥ - قال ابن جزي: تنفذ الثلاث سواء طلقها واحدة بعد واحدة اتفاقًا أو جمع الثلاث في كلمة واحدة عند الجمهور خلافا للظاهرية (٤). ٦ - قال أبو الوليد ابن رشد: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقًا، فإنَّه يكون ثلاثًا عند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يقع واحدة، فمن شبه تكرار اللفظ بلفظه بالعدد - أعني: بقوله طلقتك ثلاثًا - قال: يقع الطلاق ثلاثًا، ومن رأى أنَّه باللفظة الواحدة قد بانت منه قال: لا يقع عليها الثاني والثالث، ولا خلاف بين المسلمين في ارتدافه في الطلاق الرجعي (٥). ٧ - قال ابن قدامة: إذا قال لامرأته المدخول بها أنت طالق مرتين ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية، وقعت بها طلقتان بلا خلاف (٦). وابن قدامة أشار إلى الخلاف في طلاق الثلاث بكلمة واحدة (٧).

стр. 658

٨ - قال ابن المبرد: الفصل التاسع فى ذكر الثلاث إذا أتت متفرقه هذه المسأله لا خلاف فيها أنَّه يقع ثلاثًا، لا لجمال الدين [يوسف بن أحمد] ولا للشيخ تقى الدين [شيخ الإسلام ابن تيمية] ولا لابن القيم ولا لأحد من الأئمة بل الإجماع منعقد على أنَّه يقع وتحرم عليه إلا أن تنكح زوجًا غيره بالكتاب [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ] (البقرة: ٢٣٠)، على ما ذكرناه والسنة أشياء كثيرة والإجماع منعقد، والله أعلم بالصواب (١). قال أبو عبد الرحمن: نسبته وقوع طلاق الثلاث المفرقة لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم محل نظر ويأتي رأيهما قريبًا. ٩ - قال محمد بن أحمد الفاسي: لا فرق بين أن يطلقها ثلاثًا في كلمة كقوله: أنت طالق ثلاثًا أو يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها إلى الثلاث الحكم واحد، إلا أنَّه في ثلاث مرات مجمع عليه، وفي كلمة فيه خلاف ضعيف (٢). ونفي الخلاف يحتمل أنه في المذهب ويحتمل أنه عام، والله أعلم. ١٠ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز: لم أجد عن أحد من السلف إلى وقتي هذا لفظًا صريحًا يدل على أنَّ الثلاث المفرقة لا تقع. وقال الخلاف فيما إذا قال الزوج: (أنت طالق بالثلاث) أو (هي طالق بالثلاث) ولم يكرر ذلك (٣).

стр. 659

ومن تكلم على الخلاف في مسألة الطلاق الثلاث أكثرهم ينص على الثلاث المجموعة (١) وبعضهم يطلق ولا يقيد (٢). ومن أدلة وقوع الطلاق: الدليل الأول: قوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ] (النور: ٦). الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (البقرة: ٢٢٦). الدليل الثالث: قوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] (المجادلة: ٣). الدليل الرابع: قوله - تعالى -: [وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ] (النساء: ١٢). وجه الاستدلال: لو قذف المطلقة طلاقًا رجعيًا في العدة يلاعن ولو آلى منها يلزمه الإيلاء ولو ظاهر منها يلزمه الظهار ولو مات أحدهما يرثه الآخر فدل على أنَّ المطلقة طلاقًا رجعيًا زوجة فيقع عليها طلاقه (٣).

стр. 660

وقت ظهور الخلاف: شيخ الإسلام ابن تيمية جعل الخلاف في وقوع الثلاث في المسألتين. فطلاق الثلاث عنده واحدة إذا كانت مجموعة أو مفرقة. قال ﵀: إن طلقها ثلاثًا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات؛ مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثًا أو أنت طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو يقول: أنت طالق ثم يقول: أنت طالق ثم يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو عشر طلقات أو مائة طلقة أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات: فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال (١). وقال البعلي: الرجعية لا يلحقها الطلاق وإن كانت في العدة بناءً على أنَّ إرسال طلاقه على الرجعية في عدتها قبل أن يراجعها محرم (٢). وقال محمد بن مفلح: لم يوقع شيخنا طلاق حائض وفي طهر وطئ فيه، وأوقع من ثلاث مجموعة أو مفرقة قبل رجعة واحدة، وقال: إنَّه لا يعلم أحدًا فرق بين الصورتين (٣). فاشتهر الخلاف عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثم تابعه عليه من أتى بعده فطلاق الثلاث المفرقة تقع به طلقة واحدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (٤)

стр. 661

والشوكاني (١) وصديق حسن خان (٢) وأحمد شاكر (٣) والشيخ عبد الرحمن السعدي (٤) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٥). تنبيه: الشيخ عبد العزيز بن باز يوافقهم في أنَّ طلاق الثلاث واحدة إذا كانت مجموعة أمَّا إذا كانت مفرقة فهي ثلاث تبين بها المرأة وبين سبب التفريق بقوله: لما كان الحديث في عدم وقوع الثلاث ليس بالصريح في عدم إيقاع الثلاث المفرقة، حملته على ما إذا وقعت بلفظ واحدة؛ لأنَّ ذلك أقل ما يدل عليه؛ ولأنَّ ابن عباس ﵄ أفتى بذلك في الرواية التي جاءت عنه في عدم إيقاع الثلاث، ولأنَّي لم أجد عن أحد من السلف إلى وقتي هذا لفظًا صريحًا يدل على أنَّ الثلاث المفرقة لا تقع (٦). * * *

стр. 662

طلاق الثلاث بكلمات متفرقة ناويًا واحدة إذا قال لزوجته المدخول بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق ينوى طلقة واحدة ولم ينو بالزائد عن الواحدة الطلاق فينوي مثلًا التوكيد أو إسماعها تقع طلقة واحدة وهو مذهب سفيان الثوري (١). وروي عن الحسن البصري وقتادة (٢) والأحناف ديانة لا قضاءً (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) وابن حزم (٧) والشيخ ابن باز (٨) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٩) ولم أقف على خلاف في هذه المسألة لأحد من أهل العلم في باب الفتوى.

стр. 663

الدليل الأول: قوله - تعالى -: [لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ] (البقرة: ٢٢٥). الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ] (المائدة: ٨٩). وجه الاستدلال: في الآيتين العبرة بنية القلب لا بما تلفظ به اللسان فإذا كرر الطلاق للتوكيد أو غيره تعلق الحكم بما نوى لا بما تلفظ به. الدليل الثالث: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: لا يقع من الطلاق إلا ما نواه من العدد فإذا نوى واحدة فقط وقعت (٢). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ ﵂ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ» (٣) وفي حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «قُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الأَمْرِ» (٤). وجه الاستدلال: جعل النبي ﷺ لفظ: «الْحَقِي بِأَهْلِكِ» طلاقًا بالنية، ولم يرد كعب بن مالك ﵁ بهذه اللفظة الطلاق فلم تطلق زوجته فإذا كانت النية لها أثر في وقوع أصل الطلاق فكذلك يكون لها أثر في عدده.

стр. 664

الدليل الخامس: عن معن بن يزيد ﵄ قال: كان أبي يزيد ﵁ أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فقال: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» (١). وجه الاستدلال: المطلق له ما نوى فإذا نوى في الطلقة الثانية والثالثة الإسماع أو غير ذلك فله ما نوى فلا تقع إلا واحدة. الدليل السادس: عن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ أحتضن زاهرًا ﵁ وَجَعَلَ يقول: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِذًا وَاللهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَكِنْ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ لَكِنْ عِنْدَ اللهِ أَنْتَ غَالٍ» (٢). وجه الاستدلال: كلام النبي ﷺ يحتمل عبودية الله وعبودية الرق فكان الحكم لنية النبي ﷺ لا لما يتبادر من لفظ: (مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ) فكذلك المطلق يرجع الحكم في عدد الطلاق إلى نيته لا إلى لفظ الطلاق. الدليل السابع: إنَّ ركانة بن عبد يزيد ﵁ طلق امرأته سهيمة المزنية ﵂ ألبتة ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنَّي طلقت امرأتي سهيمة ألبتة والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول ﷺ لركانة: «واللهِ ما أردتَ إلا واحدةً؟» فقال ركانة ﵁ والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله ﷺ . فطلقها الثانية في زمان عمر ﵁ والثالثة في زمان عثمان ﵁ (٣).

стр. 665

وجه الاستدلال: طلاق البتة طلاق ثلاث بائن وأحلفه النبي ﷺ أنَّه أراد بالبتة واحدة فكذلك من طلق ثلاثًا ناويًا واحدة فعلى ما نوى. الرد: الحديث ضعيف. الدليل الثامن: الإجماع قال القاضي أبو يعلى: لا خلاف أنه لو قال لمدخول بها: أنت طالق طالق وقال أردت بالثانية إفهامها إن قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك (١). وقال شيخنا الشيخ محمد العثيمين ﵀: إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وقال: أردت التوكيد فهي واحدة، ولا أعلم في هذا خلافًا بين العلماء (٢). الرد: تقدم الخلاف في القضاء دون الفتوى ويحتمل أنَّ أبا يعلى يقصد في المذهب، والله أعلم. * * *

стр. 666

الطلاق ثلاثًا بكلمات متفرقة وليس له نية تقدم أنَّه إذا طلق زوجته المدخول بها ثلاثًا متفرقة ناويًا الطلاق تقع الثلاث وبعض أهل العلم يرى أنَّ هذه من مسائل الإجماع وإذا طلقها ثلاثًا ناويًا طلقة واحدة والطلقة الثانية والثالثة يقصد بها إسماع الزوجة أو توكيد الطلقة الأولى تقع طلقة واحدة لكن إذا لم ينو ثلاثًا ولم ينو إسماع الزوجة ولا التوكيد فما الحكم: لأهل العلم في هذه المسألة قولان: القول الأول: تقع طلقة واحدة: وهو قول لبعض المالكية (١) وقول للشافعية (٢) واختاره ابن حزم (٣) والشيخ ابن باز (٤). الدليل الأول: قوله - تعالى -: [وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (البقرة: ٢٢٧). وجه الاستدلال: الطلاق لا يكون إلا عن عزم فلا يقع ما زاد على الواحدة لأنَّه لم يعزم عليها. الرد من وجهين: الأول: الآية واردة في المولي فتتربص المرأة أربعة أشهر وبعد مضي المدة إمَّا أن يطلق وإما أن يفئ. الثاني: دل الدليل الخاص على أن من نوى لفظ الطلاق وقع طلاقه.

стр. 667

الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ] (البقرة: ٢٢٥). الدليل الثالث: قوله - تعالى -: [لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ] (المائدة: ٨٩). وجه الاستدلال: إذا لم ينوِ لم يقع ما زاد على الواحدة. الرد: تقدم أنَّ من تلفظ بالطلاق وقع. الدليل الرابع: قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). وجه الاستدلال: إذا لم ينوِ لم يقع ما زاد على الواحدة. الرد: تقدم. الدليل الخامس: عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على عدم العمل بالشك فما زاد على الواحدة مشكوك فيه والأصل بقاء النكاح (٣). الرد: تقدم. الدليل السادس: التكرار يكون للتوكيد والإفهام، ويكون للإيقاع فيحمل الطلاق على المتيقن وهي الواحدة ويطرح الشك (٤).

стр. 668

الرد من وجهين: الأول: الأصل في التكرار التأسيس لا التوكيد فيحمل عليه ولا يصرف إلى غيره إلا بنية (١). الثاني: تقدم أنَّ من نوى لفظ الطلاق وقع طلاقه. القول الثاني: يقع ثلاثًا: وهو مذهب الأحناف (٢) والمالكية (٣) والأصح عند الشافعية (٤) ومذهب الحنابلة (٥). الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ، النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ». وجه الاستدلال: لو أنَّ الزوج طلق ثلاثًا هازلًا وقع طلاقه وفي نيته عدم وقوع الطلاق فمن لم يكن له نية يقع طلاقه من باب أولى، والله أعلم.

стр. 669

الرد: الحديث ضعيف. الجواب: الحديث جاء من حديث أبي هريرة ﵁ وهو حسن ومن مرسل الحسن ورواته ثقات ويشهد له أثر عمر وأثر ابن مسعود ﵄ (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» (٢). وجه الاستدلال: يدخل في عموم الحديث من طلق وليس له نية. الرد من وجهين: الأول: الحديث لا يصح. الجواب: صح موقوفًا على علي ﵁ (٣). الثاني: الحديث وارد في من يصح طلاقه ومن لا يصح ولم يرد في وقوع الثلاث من عدمها. الدليل الثالث: لا تشترط نية الطلاق في الصريح فيقع طلاق الواحدة وكذلك ما زاد عليها. الدليل الرابع: الأصل أنَّ من تلفظ بالطلاق قاصدًا اللفظ وقع وإخراج هذه المسألة يحتاج إلى دليل خاص. الدليل الخامس: مقتضى اللفظ وقوع الطلاق، وقصد الإفهام ونحوه صارف له ولم يوجد، فهو كالعام والمطلق، يعمل بهما ما لم يوجد مخصص أو مقيد (٤).

стр. 670

الدليل السادس: الطلقة الثانية والثالثة تقع لو لم يتقدمها طلقة فكذلك إذا تقدمها طلقة (١). الرد: فرق بين المسألتين فإذا قصد بالثانية والثالثة التوكيد لا يقع. الترجيح: الذي يترجح لي وقوع الثلاث المفرقة إذا لم ينو التوكيد ونحوه فالأصل أنَّ من تلفظ بالطلاق وقع فلذا يقع طلاق الهازل فإذا لم توجد نية تصرف الثلاث عن الوقوع وقعت، والله أعلم. تنبيه: إذا قال أنت طالق طالق طالق فأعاد الخبر فقط أو أنت طالق وطالق أو ثم طالق ونحوها من مسائل الخلاف ويأتي الكلام عليها، إن شاء الله. * * *
следующие страницы →