الذي نص عليه الشافعي وقطع به الأصحاب وما وقع في الأنوار من أنه يجزئ خلاف المنقول تبع فيه مقتضى نقل الإمام عن العراقيين وقد قال في المجموع ما نقله الإمام عنهم باطل ليس موجودا في كتبهم بل الموجود فيها القطع بعدم الإجزاء.
"فرع لا يجزئ" حب "مسوس" بكسر الواو وفي نسخة مغشوش "ومعيب ودقيق" ونحوها كسويق وخبز لما مر وقوله ومعيب يغني عما قبله "ولا أقط بملح يعيبه" هذا أولى من قول أصله ولا أقط أفسد كثرة الملح جوهره "فإن كان" الملح "ظاهرا" عليه "لا يعيبه فالملح غير محسوب في الكيل" فيجب بلوغ خالص الأقط صاعا (١) والتصريح بلا يعيبه من زيادته "ويجزئ قديم غير متغير" طعمه أو لونه أو ريحه وإن قلت قيمته بسبب قدمه لأن القدم ليس بعيب وإطلاقه التغير أولى من تقييد أصله له بالطعم واللون فقد صرح في المجموع بالريح أيضا.
"ولا تجزئ الأقوات النادرة" التي لا زكاة فيها كحب الحنظل والغاسول "ثم لو وجدت" في بلد مثلا "أقوات فالواجب غالب قوت بلده المؤدى عنه" (٢) لا غالب قوت المؤدى عنه أو المؤدي أو بلده كثمن المبيع ولتشوف النفوس إليه وما نقل عن النص من أنه يعتبر قوت المؤدى عنه حمل على ما إذا كان قوته قوت البلد كما هو الغالب ويختلف الغالب باختلاف النواحي فأوفى خبر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لبيان الأنواع لا للتخيير كما في آية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: من الآية ٣٣] وإنما اعتبر بلد المؤدى عنه بناء على أنها تجب عليه ابتداء ثم يتحملها المؤدي كما مر فإن لم يعرف بلده كعبد آبق فيحتمل كما قال جماعة استثناء هذه (٣) أو يخرج من قوت آخر بلد عهد وصوله إليه لأن الأصل أنه فيه أو يخرج فطرته للحاكم لأن له نقل الزكاة.
стр. 1192
"وله العدول عن الغالب إلى الأصلح للاقتيات" (١) بل هو أفضل لأنه زاد خيرا فأشبه ما لو دفع بنت لبون أو حقة أو جذعة عن بنت مخاض ويخالف زكاة المال حيث لا يجزئ فيها جنس أعلى لأن الزكاة ثم متعلقة بعين المال فأمر بمواساة المستحقين مما واساه الله والفطرة زكاة البدن فوقع النظر فيها إلى ما هو غذاؤه وبه قوامه والأعلى يحصل به هذا الغرض وزيادة فأجزأ "ولو كان الواجب أعلى قيمة فالشعير خير من التمر والتمر خير من الزبيب" فالشعير خير من الزبيب نظرا للاقتيات (٢).
"ولا يجزئ صاع من جنسين" وإن كان أحدهما أعلى من الواجب كأن وجب التمر فأخرج نصف صاع منه ونصفا من البر لظاهر خبر صاعا من تمر أو صاعا من شعير كما لا يجزئ في كفارة اليمين أن يكسو خمسة ويطعم خمسة.
"ولو أخرج عن اثنين" كعبد به أو قريبيه "صاعين أحدهما من قوت البلد والآخر من أعلى جاز" كما يجوز أن يخرج لأحد جبرانين شاتين وللآخر عشرين درهما "وكذا إن ملك نصفين من عبدين جاز تبعيض الصاع" لتعدد المخرج عنه "لا إن ملكا عبدا" فلا يجوز تبعيض الصاع المخرج عنه ويخرج من غالب قوت بلد العبد بناء على أن الفطرة تجب ابتداء على المؤدى عنه "والمبعض ومن في نفقة والديه كالعبد مع السيدين" فلا يجوز التبعيض في فطرتهما ويخرج من غالب قوت بلديهما وما ذكره في هاتين والتي قبلهما من عدم جواز التبعيض عكس المصحح في الأصل وفي المنهاج في صورة العبد والخلاف كما قال الرافعي وغيره مبني على أن الفطرة تجب ابتداء على المؤدى عنه أو على المؤدي والأصح الأول.
وقضيته أن الأصح ما قاله المصنف وصححه السبكي والإسنوي وغيرهما قال السبكي وغيره وقال المحاملي إنه مذهب الشافعي على أن كلام الأصل يمكن
стр. 1193
حمله (١) على أنه مفرع على أن الفطرة تجب على المؤدي ابتداء بقرينة ذكره ذلك قبل التصحيح المذكور.
"ولو ملكا عبدا وأحدهما معسر أخرج الموسر نصف صاع" هذا علم من قوله فيما مر وتسقط حصة معسر "فإن كان للبلد أقوات بلا غالب أخرج منها ما شاء" إذ ليس تعين البعض للوجوب أولى من تعين الآخر وخالف تعين الأصلح في اجتماع الحقاق وبنات اللبون لتعلق الزكاة ثم بالعين وقد علم من هذه ومن عدم جواز تبعيض المخرج أنهم لو كانوا يقتاتون برا مخلوطا بشعير أو نحوه تخير إن كان الخليطان على السواء وإن كان أحدهما أكثر وجب منه نبه عليه الإسنوي "والأعلى أفضل" لقوله تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: من الآية ٩٢] فإن لم يكن قوت البلد مجزئا اعتبر أقرب البلاد إليه وإن كان بقربه بلدان متساويان قربا أخرج من أيهما شاء "والمعتبر" في غالب القوت "غالب قوت السنة لا" غالب قوت "وقت الوجوب" خلافا للغزالي في وسيطه ولم ينقل الأصل سوى كلام الغزالي ثم قال ولم أظفر به في كلام غيره قال في المجموع وهو غريب كما قال الرافعي والصواب اعتبار غالب قوت السنة ويوضحه قول السرخسي لو اختلف القوت بالأوقات فأصح القولين إجزاء أدناها لدفع الضرر عنه ولأنه يسمى مخرجا من قوت البلد قال ابن كعب وما قاله الغزالي هو القياس على تقويم مال التجارة بالنقد الغالب حال حولان الحول وعلى الثمن الغالب حين الشراء في الذمة قال الأذرعي وقد تابعه عليه صاحب الذخائر وابن يونس وابن الرفعة وغيرهم انتهى وتبعهم ابن الوردي في بهجته (٢).
стр. 1194
فصل لو اشترى عبدا فغربت الشمس ليلة الفطر
"وهما في خيار
стр. 1195
المجلس أو الشرط ففطرته على من له الملك" بأن يكون الخيار لأحدهما "وإن لم يتم" له الملك "وإن قلنا بالوقف" للملك بأن كان الخيار لهما "فعلى من يئول إليه الملك" فطرته "ومن مات قبل الغروب" عن رقيق "ففطرة رقيقه على الورثة" كل بقسطه لأنه ملكهم وقت الوجوب "ولو" كان عليه دين و "استغرق الدين التركة" فإن عليهم فطرته وإن بيع في الدين بناء على أن الدين لا يمنع الإرث قال الرافعي ولا يؤثر في وجوبها كون الملك غير مستقر لأنها تجب مع انتفاء الملك فمع ضعفه أولى "وإن مات بعده" أي بعد الغروب عن أرقاء "فالفطرة عنه وعنهم في التركة مقدمة على الدين" فعلى الميراث والوصايا بالأولى وذلك لما مر في فرع في الشرط الخامس لزكاة المواشي.
"فإن مات بعد وجوب فطرة عبد أوصى به" لغيره قبل وجوبها "وجبت في تركته" لبقائه وقت الوجوب على ملكه "أو" مات "قبله" أي قبل وجوبها "وقبل الموصى له" الوصية "ولو بعد وجوبها فالفطرة عليه" أي على الموصى له بناء على أنه بقبوله يتبين ملكه من حين موت الصبي "وإن رد" الوصية "فعلى الوارث" فطرته لبقائه وقت الوجوب على ملكه "فلو مات الموصى له قبل القبول وبعد الوجوب فوارثه قائم مقامه" في القبول والرد "و" بعد القبول "يقع الملك للميت وفطرته" أي الرقيق "في التركة" إن كان للميت تركة سوى الرقيق "أو يباع جزء منه إن لم يكن" له "تركة" سواه كما مر نظيره "وإن مات قبل الوجوب أو معه فالفطرة على ورثته" عن الرقيق "إن قبلوا" الوصية لأنه وقت الوجوب كان في ملكهم.
стр. 1196
باب قسم الصدقات (١)
أي الزكوات على مستحقيها وسميت بذلك لأشعارها بصدق باذلها والأصل في الباب ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: من الآية ٦٠] وأضاف فيها الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى فاللام الملك وإلى الأربعة الأخيرة بفي الظرفية للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى وتقييده في الأخيرة حتى إذا لم يحصل الصرف في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى على ما يأتي.
"أهل الزكاة" أي مستحقوها أصناف "ثمانية (٢) الأول الفقير وهو الذي لا مال له ولا كسب يقع موقعا من كفايته" مطعما وملبسا ومسكنا وغيرهما مما لا بد له منه على ما يليق به وبمن في نفقته لخبر "لا حظ فيها لغني (٣) ولا لذي قوة يكتسب" (٤) رواه أبو داود وصححه الإمام أحمد وغيره "فمن يحتاج عشرة (٥) ولا يجد" بملكه أو كسبه "إلا درهمين أو ثلاثة فقير وإن كان له مسكن وثوب يتجمل (٦) به وعبد يخدمه" وحينئذ "فيعطى" من سهم الفقراء "وإن كان صحيحا أو يسأل الناس" ولا يسلبه ذلك اسم الفقر قال السبكي فلو
стр. 1197
اعتاد السكنى بالأجرة أو في المدرسة فالظاهر خروجه (١) عن اسم الفقير بثمن المسكن "ومن ماله غائب" بمسافة القصر "أو مؤجل أعطي كفايته إلى حضوره أو حلوله" لأنه الآن فقير "ومن دينه كماله" أي قدره أو أكثر منه كما فهم بالأولى أو أقل بقدر لا يخرجه عن الفقر "لا يعطى" (٢) من الزكاة "حتى يصرفه" في الدين.
"فرع يخرج" الشخص "عن الفقر بالقدرة على كسب" (٣) حلال "لائق بمروءته يقع موقعا من حاجته" بخلاف ما إذا لم يقدر على كسب حلال كأن لا يجد من يستعمله أو قدر عليه لكن لا يليق به أو يليق به لكن لا يقع موقعا من حاجته كما مر "فإن اشتغل عنه" أي عن المكسب "بعلم شرعي (٤) يتأتى منه" تحصيله وكان الكسب يمنعه منه "لا نوافل العبادات وملازمة الخلوات" في المدارس ونحوها "حلت الزكاة" لأن تحصيله فرض كفاية فيعطى ليتفرغ لتحصيله بخلاف ما إذا لم يمنعه منه أو منعه منه ولا يتأتى منه تحصيله أو منعه من نوافل العبادات أو اعتكافه بمدرسة أو نحوها وأفتى الغزالي بأن لأرباب البيوت (٥) الذين لم تجري عادتهم بالكسب (٦) أخذا منه الزكاة.
"فرع لو اكتفى" إنسان "بنفقة من تلزمه نفقته (٧) لم يعط من سهم
стр. 1198
الفقراء والمساكين" لغناء حينئذ كالمكتسب كل يوم قدر كفايته بخلاف المكفي بنفقة متبرع "وله الأخذ من باقي السهام إن كان من أهلها حتى" يجوز له الأخذ "ممن تلزمه نفقته لكن لا يعطيه قريبه" الذي تلزمه نفقته "وهو فقير" بدونها "من سهم المؤلفة" لأنه يسقط النفقة عن نفسه "ويعطيه من سهم ابن السبيل ما زاد على نفقته الواجبة لحاجة" أي ما زاد عليها بسبب حاجة "السفر" فقط لأن نفقته الواجبة مستحقة عليه سفرا أو حضرا "ويعطي" الزوج "الزوجة من سهم المكاتب والغارم وكذا" من سهم "المؤلفة" وهذه الثلاثة علمت من قوله وله الأخذ من باقي السهام إن كان من أهلها "و" يعطيها أيضا "من سهم ابن السبيل" كما علم أيضا من ذلك "لا إن سافرت معه" بإذن أو بدونه "أو وحدها بلا إذن" فلا يعطيها منه لأنها في الأولى مكفية بالنفقة وإن انتفى الإذن لأنها في قبضة وفي الثانية عاصية "إلا في الرجوع إليه" أي الزوج فتعطى لرجوعها عن المعصية وهذا من زيادته وهو معلوم من قوله بعد فإن تركت إلى آخره "وإن سافرت وحدها بإذنه وأوجبنا نفقتها" كأن سافرت لحاجته "أعطيت من سهم ابن السبيل باقي كفايتها" لحاجة السفر "وإلا" أي وإن لم نوجب نفقتها كأن سافرت لحاجتها "أعطيت كفايتها منه ومن سافرت وحدها بلا إذن تعطى هي والعاصي بالسفر من سهم الفقراء" وفي نسخة الفقير "بخلاف الناشزة المقيمة فإنها قادرة على الغنى بالطاعة" فأشبهت القادر على الكسب والمسافرة لا تقدر على العود في الحال وقضيته أنها لو قدرت عليه لم تعط والتصريح بذكر المقيمة من زيادته "فإن تركت السفر وعزمت على العود إليه أعطيت من سهم ابن السبيل" مؤنة الإياب لرجوعها عن المعصية وفي نسخة فإن كانت ببعد أعطيت مؤنة الإياب.
الصنف "الثاني المسكين وهو من يملك أو يكتسب ما يقع موقعا" من كفايته "ولا يكفيه كمن يحتاج عشرة وعنده ثمانية لا تكفيه الكفاية اللائقة بالحال من المسكن والملبس والإنفاق من غير تقتير ولا إسراف" له ولمن في نفقته وسواء أكان ما يملكه من المال نصابا أم أقل أم أكثر وبذلك علم أن المسكين أحسن حالا من الفقير خلافا لمن عكس واحتجوا له بقوله تعالى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: من الآية ٧٩] حيث سمى مالكيها مساكين فدل على أن
стр. 1199
المسكين من يملك شيئا وبما روي من قوله ﷺ "اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا" (١) مع أنه كان يتعوذ من الفقر والعبرة عند الجمهور في عدم كفايته بالعمر الغالب بناء على أنه يعطى كفاية ذلك (٢) وقد بسطت ذلك في شرح البهجة وما جزم به البغوي وصححه ابن الصلاح في فتاويه والنووي في فتاويه الغير المشهورة واستنبطه الإسنوي من كلامهم من أن العبرة في عدم كفايته بالسنة إنما يأتي على قول من قال كالبغوي والغزالي أنه إنما يعطى كفاية سنة ومنه اعتبارها فيما يأتي في الإثاث والكتب إذ لم ينقله النووي إلا عن الغزالي تفقها "ولا يخرجه عن المسكنة القدرة على كسب لا يليق" به ككونه من أرباب البيوت الذين لم تجر عادتهم بالكسب "و" لا "ملك أثاث يحتاجه في سنته" وفي نسخة سنة "و" لا ملك "ثياب شتاء" يحتاجها "في صيف" ولا عكسه كما صرح به الأصل "ولا" ملك "كتب وهو فقيه يحتاجها للتكسب" كالمؤدب والمدرس بأجرة أو للقيام بفرض لأن كلا منهما حاجة مهمة وإن كان احتياجه لها "في السنة مرة" بخلاف ما لا يحتاجه في السنة على ما مر "فتبقى" له "النسخة الصحيحة من" النسخ "المتكررة" عنده فلا يبقيان معا لاغتنائه بالصحيحة وإن كانت إحداهما أصح والأخرى أحسن يبقى الأصح كما صرح به في الروضة.
"فإن كان" له كتابان من علم واحد وكان "أحدهما أبسط" أي مبسوطا والآخر وجيزا "باع الوجيز" وبقي المبسوط إن كان غير مدرس بأن كان قصده
стр. 1200
الاستفادة "والمدرس يبقهما" لأنه يحتاج لكل منهما في التدريس "أو" ملك كتب وهو "كطبيب يكتسب بها أو لعلاج نفسه أو غيره" لفظة أو غيره من زيادته وكذا الكاف ليدخل المحدث والمفسر ونحوهما وعلاج معطوف على يكتسب فكان الأولى أن يقول أو يعالج بها نفسه أو غيره "والمعالج معدوم" من البلد "أو" ملك كتب وعظ وهو "يتعظ بها" وإن كان ثم واعظ إذ ليس كل أحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه في خلوته وعلى حسب إرادته "لا" ملك "ما" أي كتاب "يتفرج فيه" والحاصل أن الكتاب يطلب للتعليم وللاستفادة فلا يمنع المسكنة كما تقرر ويطلب للتفرج فيه بالمطالعة "ككتب التواريخ والشعر" فيمنع "ومن له عقار" مثلا "قليل" أي ينقص "دخله" عن كفايته "فهو إما فقير أو مسكين" فيعطى من الزكاة تمامها ولا يكلف بيعه
الصنف "الثالث العامل" وإن كان غنيا "وبعثه" لأخذ الزكوات "واجب" على الإمام كما مر بيانه في باب أداء الزكاة "ويدخل في اسمه الساعي" وهو الذي يبعثه الإمام لأخذ الزكوات "والكاتب" وهو من يكتب ما يؤخذ ويدفع "والقاسم والحاشر" وهو الذي يجمع أرباب الأموال "والعريف" وهو الذي يعرف أرباب الاستحقاق وهو كالنقيب للقبيلة "والحاسب والحافظ" للأموال والجندي والجابي "لا الإمام والوالي والقاضي" (١) فلا حق لهم في الزكاة بل رزقهم في خمس الخمس المرصد للمصالح العامة إن لم يتطوعوا بالعمل لأن عملهم عام ولأن عمر ﵁ عنه شرب لبنا فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فأدخل أصبعه واستقاءه (٢) رواه البيهقي بإسناد صحيح "ويزاد فيهم" أي العمال "بقدر الحاجة والكيال والوزان والعداد عمال إن ميزوا بين" أنصباء "الأصناف" فأجرتهم من سهم العامل ولو ألزمناها المالك لزدنا في قدر الواجب "لا المميزون الزكاة من المال وجامعوه" أي المال "فإن أجرتهم على المالك" لا من سهم العامل (٣) لأنها لتوفية الواجب كأجرة الكيال في البيع فإنها على
стр. 1201
البائع "و" أجرة "الراعي والحافظ" بعد قبضها "والمخزن" بفتح الزاي "والناقل على" بمعنى في جملة "السهمان" لا في سهم العامل.
"الرابع المؤلفة فإذا كانوا كفارا" يتألفون لخوف شرهم أو لترغيبهم في الإسلام لميلهم إليه "لم يعطوا" (١) من زكاة ولا غيرها للإجماع ولأن الله تعالى أعز الإسلام وأهله وأغنى عن التأليف ولخبر الصحيحين أنه ﷺ قال لمعاذ: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٢) لكن يجوز أن يكون الكيال والحمال والحافظ ونحوهم كفارا مستأجرين من سهم العامل لأن ذلك أجرة لا زكاة وذكره الأذرعي وغيره وكأن الاستئجار أخرج ذلك عن كونه زكاة أو ذلك مبني على أن ما يأخذه العامل أجرة وسيأتي ما فيه "وإذا كانوا مسلمين أعطوا منها وهم إما ضعيف النية" في الإسلام "فيعطى ليقوى إسلامه (٣) أو شريف" (٤) في قومه "يتوقع بإعطائه إسلام نظائره أو كاف" لنا "شر جيرانه" أي من يليه "من الكفار (٥) ومانعي" أي أو من مانعي "الزكاة" فيعطى "حيث إعطاؤهم" الأولى إعطاؤه "أهون" علينا "من جيش يبعث" لبعد المشقة أو كثرة المؤنة أو غيرهما فمؤلفة المسلمين ثلاثة أصناف أو أربعة والتقييد بكون الإعطاء أهون من بعث جيش من زيادته ويعتبر في إعطائهم احتياجنا إليهم قاله
стр. 1202
الماوردي وغيره ونقله في الكفاية عن المختصر.
"الخامس الرقاب" فيعطون كما سيأتي لأن قوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: من الآية ٦٠] كقوله ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: من الآية ٦٠] وهناك يعطى المال للمجاهدين فيعطى للرقاب فلا يشترى به رقاب للعتق كما قيل به "وهم المكاتبون كتابة صحيحة" (١) لا فاسدة لأنها غير لازمة من جهة السيد "فيعطون" ولو بغير إذن سيدهم "ما يؤدون" من النجوم "إن" عجزوا عن الوفاء "ولو لم يحل النجم" لأن التعجيل متيسر في الحال وربما يتعذر عليه الإعطاء عند المحل بخلاف غير العاجزين لعدم حاجتهم وقوله ولو لم يحل النجم يخالف نظيره من الغارم فإنه يشترط فيه حلول دينه ليكون محتاجا إلى وفائه ويفرق بينهما بالاعتناء بالحرص (٢) على تعجيل العتق وربما يعجز السيد مكاتبه عند الحلول ثم رأيت الزركشي فرق بأن الحاجة إلى الخلاص من الرق أهم والغارم ينتظر اليسار فإن لم يوسر فلا حبس ولا ملازمة "والتسليم" لما يستحقه المكاتب أو الغارم الآتي بيانه "إلى السيد أو الغريم بإذن المكاتب أو الغارم أحوط" وأفضل "إلا إن كان" ما يستحقه "أقل" مما عليه "وأراد أن يتجرا فيه" وينمياه فلا يستحب تسليمه إلى من ذكر لأن الاتجار فيه أقرب إلى العتق وبراءة الذمة والأولى وأراد أن يتجر كما في نسخة لكن فيها بعد يتجر ألف وكأنها داخلة على كلامه الآتي وإن كان فيه حينئذ ركاكة "و" تسليمه إلى من ذكر "بغير الإذن" من المكاتب أو الغارم "لا يقع زكاة" فلا يسلم له إلا بإذنهما لأنهما المستحقان "و" لكن "ينقضي دينهما" لأن من أدى
стр. 1203
دين غيره بغير إذنه برئت ذمته والمراد أنه يسقط عنهما بقدر المصروف كما عبر به الأصل.
"فرع لو أعتق المكاتب" بإعتاق سيده له تبرعا أو بإبرائه أو بأداء غيره عنه أو بأدائه هو من مال آخر "أو أبرأ الغارم أو استغنى" وبقي مال الزكاة في يديهما "استرد منهما" بزيادته المتصلة لعدم حصول المقصود به نعم قال الماوردي إن أدى الغارم الدين من قرض لم يسترد منه ما أخذه إذ لم يسقط عنه دينه وإنما صار لآخر كالحوالة قال فلو قرى منه أو أداه من غير قرض فلم يسترد منه ما أخذه حتى لزمه دين صار به غارما فهل يسترد منه لأنه صار كالمستسلف له قبل غرمه أم لا لأنه يجوز دفعه إليه (١)؟ انتهى. والأوجه منهما الأول ولو اقتصر المصنف كأصله على قوله أو استغنى الغارم لا غنى عما قبله
"ولو أتلفاه" أو تلف ولو بانتقاله إلى غيرهما "قبل الإعتاق والبراءة لم يغرما" (٢) لتلفه على ملكهما مع حصول المقصود "أو بعدهما غرما" لعدم حصول المقصود به وكالإعتاق والبراءة نحوهما مما ذكر "فإن عجز" المكاتب ورق "استرد" (٣) منه إن كان باقيا لعدم حصول العتق فلم ينصرف المأخوذ فيه "وتعلق" بدله "بذمته" لا برقبته "لو كان تالفا" لحصول المال عنده برضا صاحبه "فلو قبضه السيد" وعجز المكاتب عن بقية النجوم "رده" إن كان باقيا "ولو تلف معه" أي في يده "قبل العجز أو بعده غرم" بدله "وإن كان التلف ببيع" أو نحوه لما مر "ولا يفسخ" عبارة الأصل ولو ملكه السيد شخصا لم يسترد منه بل يغرم السيد قال في البيان ولو سلم بعض (٤) المال لسيده فأعتقه فمقتضى المذهب أنه لا يسترد منه لاحتمال أنه إنما أعتقه للمقبوض قال في المجموع وما قاله
стр. 1204
متعين.
"فرع: للمكاتب والغارم أن يتجرا في المأخوذ ليربحا" فيه ويوفيا ما عليهما "ولو أراد أحدهما أن ينفق ما أخذه ويؤدي" ما عليه "من كسبه منع" من ذلك "المكاتب لا الغارم" ويفرق بينهما بأن المكاتب محجور عليه وملكه ضعيف فضعيف تصرفه على أنه نقل عن الإمام أن المكاتب لا يمنع (١) لكن قال الزركشي أخذا من كلام غيره لا خلاف بينهما في المعنى (٢) لأن الثاني محمول على ما إذا كان يتوقع له كسب يفي بما عليه والأول على ما إذا كان عنده كسب حاصل فإن قلت كيف يصح الثاني مع أنه لا يجوز أن يعطى من الزكاة ومعه ما يفي بما عليه قلت يمكن تصويره بما إذا كان بيده قدر ما يحتاجه للنفقة وهو بقدر ما يحصل به العتق لو أداه "ولو أعطى" السيد من زكاته "مكاتبه لم يجزه" لعود الفائدة إليه بخلاف الغارم فإن لرب الدين أن يعطيه من زكاته ويفرق بأن المكاتب ملك للسيد فكأنه أعطى مملوكه بخلاف الغارم "ولا يعطى من عجزت الوصية بكتابته عن كله" بأن أوصى بكتابته عبد فعجز عنه الثلث فلا يعطى لأن ما يأخذه ينقسم على القدر الرقيق وغيره ذكره الأصل في باب الكتابة واستحسن وجها أنه كان بينهما مهايأة أعطى في نوبته وإلا فلا.
стр. 1205
"فرع" لو "قال لعبده أنت حر على ألف فقبل أو افترض المكاتب نجومه وعتق أعطي من سهم الغارمين فقط" أي لا من سهم الرقاب لأنه حينئذ ليس منهم الصنف.
"السادس الغارمون وهم أرباب الديون" يعني من لزمتهم الديون وهي ثلاثة أضرب دين لزمه لمصلحة نفسه ودين لزمه لضمان لا لتسكين فتنة ودين لزمه لتسكينها وهو إصلاح ذات البين "فمن ادان" أصله ادتان استثقلت التاء بعد الدال فأبدلت دالا وأدغمت الأولى فيها أي فمن استدان "لمصلحة نفسه" (١) أعطي "لا" إن استدان "في معصية" كثمن خمر (٢) وإسراف في نفقته فلا يعطى "إلا إن تاب" عنها (٣) فيعطى كالمسافر لمعصية إذا تاب فإنه يعطى من سهم ابن السبيل قال في الأصل ولم يتعرضوا هنا لاستبراء حاله بمضي مدة يظهر فيها حاله إلا أن الروياني قال يعطى على أحد الوجهين إذا غلب على الظن صدقه في توبته فيمكن حمل إطلاقهم عليه وقال في المجموع بعد كلام الروياني وهو الظاهر قال الإمام ولو استدان لمعصية ثم صرفه في مباح أعطي وفي عكسه يعطى أيضا إن عرف قصد الإباحة أولا ولكنا لا نصدقه فيه. والأولى واردة على كلام المصنف وأصله وجواب من قوله "أعطي إذا احتاج" إلى قضاء دينه من الزكاة "و" ذلك بأن "كان بحيث لو قضى دينه" ما معه "تمكن فيترك له ما يكفيه ويتم له الباقي" يعني إذا احتاج إلى ذلك بالحيثية المذكورة ترك له مما معه ما يكفيه وأعطي ما يقضي به باقي دينه فإن انتفى ذلك لم يعط لأن يأخذ لحاجته إلينا فاعتبر عجزه كالمكاتب وابن السبيل بخلاف الغارم للإصلاح فإنه يأخذ لحاجتنا إليه كما سيأتي
"ويعطى" الغارم "ولو قدر" على قضاء دينه "بالكسب" لأنه لا يؤمر به
стр. 1206
لذلك (١) ولأنه لا يقدر على قضائه غالبا إلا بالتدريج وبذلك فارق الفقير والمسكين "وكذا المكاتب" يعطى ولو قدر على قضاء النجوم بالكسب "ويشترط الحلول" للدين "في" إعطاء "الغارم" وإنما لم يعط قبل الحلول لعدم حاجته إليه الآن وذكره كأصله هذا الشرط عقب هذا الضرب قد يقتضي أنه ليس بشرط في الضربين الآخرين ويمكن توجهه في الضرب الثاني بأنه كما يجوز الإعطاء فيه مع الغني يجوز مع التأجيل لكن الظاهر أنه لا فرق (٢) إذ لا طلب للدين الآن. وهو قضية كلام جماعة منهم المصنف في الإرشاد وشرحه له ولعل في عدوله عن الضمير إلى الظاهر في قوله: الغارم إشارة إليه "وإن ضمن لا لتسكين فتنة" ووجد حالة وجوب الزكاة "وهو معسر" ملتزم "بمعسر" أي بما عليه "أعطي" ما يقضي به دينه "و" إذا قضى به دينه "لم يرجع" على الأصيل وإن ضمن بإذنه وإنما يرجع إذا غرم من عنده "كبموسر" أي كمعسر ملتزم بموسر أي بما عليه "بلا إذن" من الأصيل فإنه يعطى لأنه إذا غرم لا يرجع عليه بخلاف ما إذا ضمن بإذنه "وصرفه إلى الأصيل المعسر أولى" لأن الضامن فرعه بخلاف الأصيل الموسر إذ لا حق له في الزكاة "أو" وهو "موسر" ملتزم "بموسر" أي بما عليه "فلا" يعطى لأنه إذا غرم رجع، وشمل كلامه الضمان بالإذن وبدونه وفي الثاني وجهان في الأصل بلا ترجيح. وقضية التعليل المذكور أنه يعطى (٣)، وقضية كلام الرافعي أنه لا يعطي (٤) وهو الأوجه نظير ما ذكره بقوله "أو" موسر ملتزم "بمعسر" أي بما عليه "أعطي الأصيل" دون الضامن.
"والغارم لإصلاح ذات البين" أي الحال بين القوم كأن يخاف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله فتحمل الدية تسكينا للفتنة "يعطي مع الغني ولو في غير دم" كتحمل قيمة مال متلف لعموم الآية ولأنا لو اعتبرنا الفقر فيه
стр. 1207
لقلت الرغبة في هذه المكرمة "فإن قضى الغارم دينه أو سلمه" يعني دين غيره "ابتداء" أي من غير لزوم الدين ذمته "من ماله" فيهما "لم يستحق" شيئا من الزكاة لأنه لم يبق غارما في الأولى وليس غارما في الثانية فإطلاق الغارم عليه فيها مجاز وبذلك علم أن الغارم إنما يعطى عند بقاء الدين وبه صرح أصله. نعم إن قضاه بقرض أعطي أخذا من كلام الماوردي السابق "وكذا لو مات" (١) لا يستحق شيئا وإن لم يخلف وفاء لدينه وهو ظاهر إن مات ولم يتعين للزكاة بالبلد (٢) وإلا فينبغي أن يقضى دينه منه لاستحقاقه له قبل موته مع بقاء حاجته وبهذا فارق نظيره في المكاتب والغازي وابن السبيل حيث ينقطع حقهم "وفي إقراء" الوجه قول أصله وفي قرى (٣) "الضيف وعمارة المسجد" وبناء القنطرة وفك الأسير ونحوها من المصالح العامة "يعطى" المستدين لها "من الزكاة عند العجز عن النقد" لا عن غيره كالعقار وعلى هذا جرى الماوردي والروياني وغيرهما وقال السرخسي حكمه حكم ما استدانه لمصلحة نفسه وحكى في الأصل المقالتين بلا ترجيح وقدم الثانية ولتقديمها فهم شيخنا أبو عبد الله الحجازي في مختصر الروضة أنها المعتمدة فرجحها عكس ما فعل المصنف وبه جزم صاحب الأنوار وقال الأذرعي الذي يقتضيه كلام الأكثرين ما قاله السرخسي. قال والحاصل من كلامهم في ذلك طريقان أشهرهما أنه كما لو استدانه لنفسه وثانيهما طريقة الماوردي وهي طريقة مترددة بين استدانته لنفسه واستدانته لإصلاح ذات البين.
"فرع وإن بان القابض" للزكاة "من المالك غنيا أو غير غارم" أو غيره ممن لا يستحقها "لم يجزه وإن أعطاه" إياها "ببينة" شهدت بالوصف الذي أعطاه به لانتفاء شرطه وخرج بالمالك الإمام وسيأتي أواخر الباب وفي معنى المالك وليه ووكيله "وإن دفعها لمديونه وشرط أن يعطيه إياها عن دينه لم يجزه" ولا يصح قضاء الدين بها كما صرح به أصله "لا إن نويا" ذلك ولم يشترطاه فإنه يجزئ ويصح القضاء بها "وإن وعده الفقير بلا شرط من المالك" بأن قال له أعطني
стр. 1208
من زكاتك حتى أقضيك دينك "وأعطاه" المالك "أجزأه" عنها "ولا يلزمه الوفاء" بالوعد والتعبير بالفقير من تصرفه والمناسب التعبير بالمديون كما عبر به أصله.
"ولو قال الغريم" لمديونه "اقضني ديني" الذي عليك "وأرده لك زكاة فأعطاه برئ" من الدين "ولا يلزمه إعطاؤه ولو قال" لفقير له عنده حنطة وديعة "اكتل" لنفسك "مما أودعتك" إياه "صاعا" مثلا "وخذه لك ونوى به الزكاة" ففعل "أو قال جعلت ديني" الذي "عليك زكاة لم يجزه". أما في الأولى فلانتفاء كيله له وكيله لنفسه غير معتبر والترجيح فيها من زيادته (١). وأما في الثانية فلأن ما ذكر فيها إبراء لا تمليك وإقامته مقامه إبدال وهو ممتنع في الزكاة ذكره الرافعي في باب الهبة عن صاحب التقريب وطريق الأجزاء فيها أن يقبض الدين ثم يرده إليه إن شاء ذكره في الروضة "بخلاف قوله" للفقير "خذ ما اكتلت لي" بأن وكله بقبض صاع حنطة مثلا فقبضه أو بشرائه فاشتراه وقبضه فقال له الموكل خذه لنفسك ونواه زكاة فإنه يجزئ لأنه لا يحتاج إلى كيله لنفسه (٢) "وإن ضمن" دية قتيل "عن قاتل يعرف لم يعط مع الغنى" بشرط زاده بقوله "إن كان هناك حاكم يسكن الفتنة" وإلا أعطي مع الغنى لحاجتنا إليه وينبغي أنه إذا كان هناك كبير يصلح بين الناس يغني عن الحاكم عند فقده وخرج بقوله يعرف ما إذا لم يعرف فيعطى من ضمن عنه مع الغنى كما مر هذا والتفصيل بين معرفته وعدمها قال في الروضة فيه نظر وفي المجموع أنه ضعيف لأنه لا أثر لمعرفته وعدمها أي فيعطى مع الغنى مطلقا (٣) الصنف
стр. 1209
"السابع في سبيل الله" وفي نسخة سبيل الله بترك في "وهم الغزاة المتطوعون" أي الذين لا رزق لهم في الفيء فيعطون "وإن أيسروا" وفي نسخة ولو أغنياء لعموم الآية وإعانة لهم على الغزو "وتحرم" الزكاة "على" الغازي "المرتزق ولو كان عاملا" كما يحرم صرف شيء من الفيء للمتطوع "فإذا عدم الفيء واضطررنا إلى المرتزق" ليكفينا شر الكفار "أعانهم" الأولى أعانه أي المرتزق "الأغنياء" أي أغنياؤنا من أموالهم "لا من الزكاة" كما لا يصرف الفيء إلى مصارف الزكاة
"الثامن: ابن السبيل" أي الطريق "وهو من ينشئ سفرا مباحا" من محل الزكاة فيعطى "ولو" كسوبا أو كان سفره "لنزهة" لعموم الآية بخلاف سفر المعصية لا يعطى فيه قبل التوبة كما مر أوائل الباب (١) وألحق به الإمام السفر لا لقصد صحيح كسفر الهائم "وكذا" يعطى أيضا "المسافر الغريب" المجتاز بمحل الزكاة وإنما يعطيان "إن لم يجدا" معهما "شيئا" يكفيهما في سفرهما كما سيأتي بيانه فيعطى من لا مال له ومن له مال غائب نعم إن وجد الثاني من يقرضه لم يعط نص عليه في البويطي (٢) بخلاف الأول ووقع لابن كج ما يخالف النص ونقله في المجموع (٣) وأقره قال الزركشي وغيره وهو ضعيف للنص المذكور.
стр. 1210
فصل تحرم الزكاة على الهاشمي (١) والمطلبي ولو انقطع عنهما خمس
стр. 1211
الخمس
لخلو بيت المال عن الفيء والغنيمة أو لاستيلاء الظلمة عليهما "أو كان" من يعطاها "مولى لهما" أي الهاشمي والمطلبي "أو عاملا" في الزكاة قال ﷺ : "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" (١) رواه مسلم وقال "لا أحل لكم أهل البيت من الصدقات شيئا ولا غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم أي بل يغنيكم" رواه الطبراني (٢) وقال: "مولى القوم منهم" (٣) رواه الترمذي وغيره وصححوه نعم لو استعملهم الإمام في الحفظ أو النقل فلهم أجرته كذا في المجموع عن صاحب البيان وجزم به ابن الصباغ وغيره وهذا إما ضعيف أو مبني على أن ما يعطاه العامل أجرة لا زكاة لكن الصحيح كما قال ابن الرفعة أنه زكاة به جزم الماوردي وحكاه عن الشافعي مستدلا بآية ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: من الآية ٦٠] ويحتمل أن يكون ذلك محله إذا استؤجروا للنقل ونحوه (٤) فيجوز كما في العبد والكافر يعملان فيها بالأجرة وفي قول المصنف أو كان مولى لهما تسمح سلم منه عطف الأصل له عليهما.
стр. 1212
"فصل له" أي للمزكي من إمام وغيره "إعطاء من علم استحقاقه"
للزكاة وإن لم يطلبها منه بخلاف من علم عدم استحقاقه لها فتعبيره بما قاله أولى من تقييد أصله بالإمام وبالطلب "و" له إن لم يعلم شيئا من ذلك "تصديق" أولى منه وأخصر ويصدق "من ادعى فقرا أو مسكنة أو عجزا عن كسب بلا يمين ولو
стр. 1213
اتهم" لأن الزكاة مبنية على المسامحة والرفق (١) ولأنه ﷺ أعطى من سأله منها بغير تحليف وعلم من كلامه أنه لا يكلف بينة لعسرها (٢) وبه صرح أصله "فلو عرف له مال وادعى تلفه (٣) لم يصدق" بل يكلف البينة لسهولتها ولأن الأصل بقاؤه قال في الأصل ولم يفرقوا بين دعواه التلف بسبب ظاهر كالحريق أو خفي كالسرقة كما في الوديعة ونحوها قال المحب الطبري والظاهر التفريق كالوديعة (٤) وفرق ابن الرفعة (٥) بأن الأصل ثم عدم الضمان وهنا عدم الاستحقاق "وكذا" لا يصدق "من ادعى عيالا" له لا يفي كسبه بكفايتهم لأن الأصل عدمهم وظاهر أن المراد بهم (٦) من تلزمه نفقتهم وقول السبكي تفقها وكذا من لم تلزمه ممن تقضي المروءة بقيامه بنفقتهم ممن يمكن صرف الزكاة إليه من قريب وغيره بعيد "ويصدق" بلا بينة ولا يمين "في" دعوى "العزم على السفر والغزو" مدعيا هما لأنه لا يعرف إلا منهما "فإن تخلفا عن الرفقة ولو بعد التأهب" (٧) للسفر والغزو "استرد" منهما ما أخذاه لأن صفة الاستحقاق لم تحصل.
"ولا يصدق العامل (٨) والمكاتب والغارم" في دعوى العمل والكتابة ولزوم الدين الذمة "إلا ببينة" لسهولتها ولأن الأصل عدم ذلك "فلو صدقهما" أي المكاتب والغارم "المولى" أي السيد "والغريم" أي رب الدين "كفى" للإعطاء لظهور الحق بالتصديق ولأن الإعطاء فيهما مراعى فإن عتق العبد أو أدى
стр. 1214
الدين فذاك وإلا استرد وإن كذباهما لغا الإقرار (١) "والمؤلف يصدق" بلا يمين "في ضعف النية" بأن قال نيتي في الإسلام ضعيفة لأن كلامه يصدقه "ويثبت" أي يقيم بينة "بالشرف" الذي ادعاه بأن قال أنا شريف مطاع في قومي "والكفاية" التي ادعاها بأن قال إنما أكفيكم شر من يليني من الكفار أو مانعي الزكاة وهذا من زيادته "والمراد بالإثبات" في المسائل المذكورة "إخبار عدلين" بصفات الشهود ولو بلا قاض ودعوى وإشهاد "والاستفاضة" وهي اشتهار الحال بين الناس "كافية" عن البينة لحصول العلم أو غلبة الظن قال في الأصل ويشهد لما ذكرناه من اعتبار غلبة الظن ما قاله بعض الأصحاب (٢) من أنه لو أخبر عن الحال واحد يعتمد قوله كفى وما قاله الإمام من أنه رأي للأصحاب رمزا إلى تردد في أنه لو حصل الوثوق بقوله من يدعي الغرم وغلب على الظن صدقه هل يجوز اعتماده انتهى والأقرب الجواز ويكون داخلا في قوله أولا له إعطاء من علم استحقاقة لأن المراد بالعلم فيما يظهر ما يشمل الظن
стр. 1215
فصل يعطى المكاتب والغارم ما عجزا عن أدائه
من كل الدين أو بعضه لأنهما إنما يعطيان للحاجة إلى وفائه نعم لإصلاح ذات البين يعطى الكل ولو مع القدرة على أدائه كما مر "ومن كان فقيرا أو مسكينا" وقد "تعود التجارة أعطي كفايته من رأس المال" الأولى والأخصر وإلا وفق بعبارة أصله أعطي رأس مال "يكفيه ربحه غالبا" ويختلف ذلك باختلاف الناس والنواحي "فيعطى البقلي خمسة دراهم (٣) والباقلاني عشرة والفاكهي عشرين والخباز خمسين والبقال مائة والعطار ألفا والبزاز ألفين والصيرفي خمسة آلاف والجوهري عشرة آلاف" وظاهر أن كل ذلك على التقريب فلو زاد على كفايتهم أو نقص عنها نقص أو زيد ما يليق بالحال "ومن له حرفة" لا يجد آلتها "أعطي ما يشتري به آلتها" قلت قيمتها أو كثرت قال الزركشي تفقها ولو اجتمع في واحد حرف أعطي بأقلها فإن لم يف بحالة تمم له ما يكفيه. ا هـ. والأوجه أنه يعطى بالحرفة التي تكفيه "ولو لم يحسن شيئا" من حرفة أو تجارة "أعطي كفاية العمر
стр. 1216
الغالب بأن يشترى له" به "عقار تكفيه غلته" (١) ويستغنى بها عن الزكاة
"فرع يعطى ابن السبيل ما يكفيه" في سفره "ذهابا و" كذا "إيابا لقاصد الرجوع" إن لم يكن له في طريقه أو مقصده مال "أو ما يبلغه ماله" إن كان له فيه مال فيعطى "نفقة وكسوة إن احتاج" إليها بحسب الحال شتاء وصيفا "لا نفقة إقامة تخرجه عن السفر" بخلاف نفقة إقامة لا تخرجه عنه فيعطاها وبما تقرر علم ما صرح به الأصل من أنه يعطى جميع كفايته لا ما زاد بسبب السفر فقط وعبارة المصنف قد تقتضي أنه (٢) ولو أقام لحاجة يتوقع زوالها أعطي
стр. 1217
وهو وجه والأصح خلافه وعبارة الأصل ولا يعطى لمدة الإقامة إلا مدة إقامة المسافرين وهي سالمة من ذلك "ويعار أو يستأجر" أو يملك "له ما يحمله" في سفره "إن عجز عن المشي أو طال السفر" دفعا للضرر بخلاف ما إذا لم يعجز وقصر سفره "و" يعطى بإعارة أو إجارة أو تمليك "ما يحمل زاده ومتاعه (١) إن لم يطق" وفي نسخة يلق "حمله" أي كل منهما بخلاف ما إذا أطاقه بأن كان قدرا يعتاد مثله حمله بنفسه لانتفاء الحاجة وما زدته من التمليك فيما ذكر أخذته من إطلاق الأصل قوله ويهيأ له المركوب ومما يأتي في الغازي وإن فرق بأن الغازي يعطى لحاجتنا مع الغنى، وابن السبيل يعطى لحاجته لأن ذلك لا يؤثر فيما قلنا لأنه إذا رجع استرد منه كما يعلم مما يأتي على أنه نقل عن السرخسي وأقره أنه إن قل المال أعطي كراء المركوب وإلا اشتري له ذلك وقياس ما يأتي في المغازي أنه إن قل المال تعين الاستئجار أو الإعارة له
"فرع والغازي يعطى النفقة والكسوة ذهابا وإيابا وإقامة في الثغر" إلى الفتح "وإن طالت" بخلاف ابن السبيل لا يعطى لمدة إقامته الزائدة على إقامة المسافرين كما مر لزوال الاسم عنه واسم الغازي لا يزول بذلك بل يتأكد به ولأنه قد يحتاج إلى ذلك لتوقع فتح الحصن "و" يعطى "نفقة عياله" وكسوتهم لذلك "وقيمة الفرس" (٢) إن كان ممن يقابل فارسا وإلا فلا "و" قيمة "آلة الحرب" للحاجة إلى ذلك "ويصير" جميع ذلك "ملكه" وليس للمالك أن يعطيه الفرس والآلة لامتناع الإبدال في الزكاة وللإمام ذلك لأن له ولاية عليه فيشتري له ذلك ويعطاه "أو يستأجر له (٣) أو يعار" له مما اشتراه ووقفه كما
стр. 1218
سيأتي أو لم يقفه لكن يتعين الاستئجار أو الإعارة "إن قل المال" عبارة الأصل ويختلف الحال بحسب كثرة المال وقلته "وللإمام" لا للمالك "أن يشتري من هذا السهم (١) خيلا ويقفها في سبيل الله" ويعيره إياها عند الحاجة وفي نسخة ويوقفها من أوقفه وهي لغة شاذة "وحمل زاده و" حمل "نفسه" في الطريق "كابن السبيل" فيعطى ما يحمله بشرطه السابق
"فرع إنما يعطى" الغازي ذلك "وقت الخروج" ليهيئ به أسباب السفر "فإن مات في الطريق" أو في المقصد أو امتنع فيها من الغزو "استرد" منه "ما بقي وإن غزا ورجع وبقي معه شيء فإن قتر" أي ضيق على نفسه "أو كان" الباقي قدرا "يسيرا لم يسترد وإلا" أي وإن لم يقتر وكان الباقي قدرا كثيرا "استرد" لأنه تبين أن المعطى له فوق الحاجة وإن المعطي أخطأ في الاجتهاد "ويسترد فاضل ابن السبيل مطلقا" عن التقييد بما ذكر لأنا دفعنا إلى الغازي لحاجتنا وقد تحصلنا على الغرض لما غزا، وابن السبيل إليه لحاجته وقد زالت. "فرع المؤلف" بأنواعه "يعطى ما يراه الإمام" أو المالك إن فرق على قياس ما سيأتي من أنه يعطى المؤلف أو يقال ما يراه الإمام سواء أفرق هو أو المالك "والعامل يستحق" من الزكاة "أجرة" مثل "ما عمله" (٢) فإن شاء الإمام بعثه بلا شرط ثم أعطاه إياها وإن شاء سماها له إجارة كما سيأتي أو جعالة ثم أداه من الزكاة وبما قاله علم أنه إنما يستحق بالعمل وبه صرح أواخر الباب فلو أداها المالك قبل قدوم العامل أو حملها إلى الإمام أو نائبه فلا شيء له
стр. 1219
"وللإمام استئجاره لا بأكثر من أجرة مثله (١) فإن زاد" عليها "بطلت" أي الإجارة لتصرفه بغير المصلحة "والزائد" من سهم العامل "على أجرته" يرجع للأصناف ومتى نقص سهمه عنها كمل "قدرها" من الزكاة ثم قسم الباقي "وإن رأى الإمام أن يجعل أجرة العامل من بيت المال" إجارة أو جعالة "جاز وبطل سهمه" فتقسم الزكاة على بقية الأصناف كما لو لم يكن عامل.
"فرع" قال الدارمي وإنما يجوز أن يعطى العامل إذا لم يوجد متطوع نقله الأذرعي عنه وأقره وهو يقتضي أن من عمل متبرعا لا يستحق شيئا على القاعدة وهو ما جزم به ابن الرفعة لكن رده السبكي بأن هذا فرضه الله تعالى (٢) لمن عمل كالغنيمة يستحقها المجاهد وإن لم يقصد إلا إعلاء كلمة الله تعالى فإذا عمل على أن لا يأخذ شيئا استحق وإسقاطه بعد العمل لما ملكه به لا يصح إلا بما ينقل الملك من هبة أو نحوها وليس كمن عمل لغيره عملا بقصد التبرع حتى يقال إن القاعدة أنه لا يستحق لأن ذاك فيما يحتاج إلى شرط من المخلوق وهذا من الله تعالى كالميراث والغنيمة والفيء.
"فرع متى اجتمع في رجل" مثلا "صفتان" كفقير غاز "ولو" كان "عاملا فقيرا (٣) أخذنا بأيتهما شاء" لا بهما لأن العطف في الآية يقتضي التغاير والترجيح في العامل من زيادته وعلى هذا "فإن أخذ فقير" غارم "مع الغارمين" نصيبه من سهمهم "فأعطاه غريمه أعطي مع الفقراء" نصيبه من سهمهم لأنه الآن محتاج نقله في الروضة عن الشيخ نصر وأقره قال الزركشي: فالمراد امتناع أخذه بهما دفعة قلت بل أو مرتبا ولم يتصرف فيما أخذه أولا
стр. 1220
فصل ويجب استيعاب الأصناف الثمانية (١) بالزكاة إن أمكن
بأن
стр. 1221
فرقها الإمام (١) ووجدوا كلهم لظاهر الآية سواء زكاة الفطر وغيرها "واختار جماعة" من أصحابنا منهم الإصطخري "جواز صرف الفطرة إلى ثلاثة مساكين" أو غيرهم من المستحقين
"فإن شقت القسمة جمع جماعة فطرتهم وفرقوا وإن فرقها المالك فلا عامل" (٢) قال الأذرعي والزركشي ولا مؤلف كما نقله الماوردي وغيره عن النص والرافعي عن رواية الحناطي له قالا وما في الروضة من أن المشهور خلافه مردود نقلا ودليلا وأطالا في بيان ذلك والمعتمد ما في الروضة كأصلها وجرى عليه المصنف وغايته أن المسألة فيها كما دل عليه كلام الأصل نصان رجح منهما كثيرون هذا
"وعلى الإمام استيعاب الآحاد" (٣) من كل صنف لعدم تعذره عليه نعم إن قل المال بأن كان قدرا لو وزعه عليهم لم يسد لم يلزمه الاستيعاب للضرورة بل يقدم الأحوج فالأحوج أخذا من نظيره في الفيء. ونبه عليه الزركشي ولا يجب عليه ذلك من زكاة واحدة "وله أن يخص بعضهم بنوع" من المال وآخرين بنوع وأن يعطي زكاة واحد لواحد لأن الزكوات كلها في يده كالزكاة الواحدة "وإن فرق المالك (٤) وأمكن الاستيعاب" (٥) لكونهم محصورين ولم يزيدوا على ثلاثة من كل صنف أو زادوا عليها ووفى بهم المال (٦) "لزمه" الاستيعاب "ولا
стр. 1222
يكفي صرف إلى أقل من ثلاثة من كل صنف" عملا بأقل الجمع في غير الأخيرين في الآية وبالقياس عليه فيهما ولا عدد بعد ذلك أولى من عدد وهذا علم مما مر وكأنه ذكره توطئة لقوله "إلا العامل فقد يكون واحدا" إذا حصل به الغرض "ولو أعطى" المالك "اثنين" من صنف "والثالث موجود غرم له أقل متمول" (١) لأنه لو أعطاه ابتداء خرج عن العهدة فهو القدر الذي فرط فيه سواء أكان الثلاثة متعينين أم لا لما سيأتي أنه لا تجب عليه التسوية في الآحاد ولو أعطى واحدا والاثنان موجودان غرم لهما أقل ما يعطيانه ابتداء كما صرح به الأصل "ولو وجد المالك من صنف دون الثلاثة أعطاه الكل إن احتاجه" فليس له نقل باقي السهم إلى غيره لانحصار الاستحقاق فيه "وإلا" أي وإن لم يحتجه "رد على الباقين" إن احتاجوه وإلا نقل إلى غيرهم.
"فرع يجب" على من يفرق الزكاة "التسوية بين الأصناف" (٢) وإن كانت حاجة بعضهم أشد لانحصارهم ولاقتضاء العطف (٣) التسوية إلا العامل فلا يزاد على أجرته كما مر وإلا الفاضل نصيبه عن كفايته كما سيأتي قال الماوردي فلو أخل الإمام بصنف ضمن من مال الصدقات (٤) قدر سهمه من تلك الصدقة وإن أخل به المالك ضمن من مال نفسه "وهي" أي التسوية "مستحبة في آحادهم إن تساوت حاجتهم" (٥) فإن تفاوتت استحب التفاوت بقدرها بخلاف الوصية لفقراء بلد (٦) فإنه تجب التسوية بينهم لأن الحق فيها لهم على التعيين
стр. 1223
حتى لو لم يكن ثم فقير بطلت الوصية وهنا لم يثبت الحق لهم على التعيين وإنما تعينوا لفقد غيرهم ولهذا لو لم يكن في البلد مستحق لا تسقط الزكاة بل تنقل إلى بلد آخر "وقيل تجب" التسوية "إن فرق الإمام" لأن عليه الاستيعاب فلزمه التسوية ولأنه نائبهم فلا يفاوت بينهم عند تساوي حاجاتهم بخلاف المالك فيهما وهذا جزم به المنهاج كأصله (١) ونقله الرافعي في شرحيه عن التتمة لكن زاد في الروضة قلت ما في التتمة وإن كان قويا في الدليل فهو خلاف مقتضى إطلاق الجمهور (٢) استحباب التسوية وعليه اختصر المصنف وإذا لم يجب الاستيعاب يجوز الدفع للمستوطنين وللغرباء "و" لكن "المستوطنون أولى من الغرباء" لأنهم جيران
стр. 1224
فصل نقل الزكاة وإن قربت المسافة مع وجود الأصناف أو بعضهم
"لا يجوز ولا تجزئ" الزكاة "معه" أي مع نقلها قالوا لخبر معاذ ولأن نقلها يوحش (١) أصناف البلد بعد امتداد أطماعهم إليها "بخلاف" نقل "الوصية والكفارة والنذر" من محالها فإنه يجوز ويجزئ إذ الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة، ومثلها الأوقاف على صنف نعم إن عين الموصي والناذر والواقف بلدا تعين "فإن عدمت الأصناف" من البلد (٢) "أو فضل عنهم" شيء "نقل
стр. 1225
كل" (١) مما لهم في الأولى ومما فضل عنهم في الثانية "إلى جنسه" أي جنس مستحقه "بأقرب بلد" إلى بلد الزكاة قال القاضي بخلاف دماء الحرم إذا فقد مساكينه لا يجوز نقلها لأنها وجبت لهم كمن نذر التصدق على مساكين بلد فعدموا ويفارق الزكاة إذ ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد "وعليه" أي المالك "المؤنة" (٢) للنقل "فإن جاوزه" أي الأقرب إلى أبعد منه "فهو كما لو نقل" إليه "ابتداء" فلا يجوز ولا يجزئ "ومتى عدم بعضهم أو فضل" شيء "عنهم" أي عن كفاية بعضهم "رد" نصيبهم في الأولى والفاضل في الثانية "على الباقين" منهم "كما تصرف الزكاة" فلا ينتقلان إلى غيرهم لانحصار الاستحقاق فيهم ومحله إذا نقص نصيبهم عن كفايتهم وإلا نقل إلى ذلك الصنف على أن النووي صحح في تصحيح التنبيه أن الفاضل ينقل إليه مطلقا أما لو عدموا من البلد وغيره فإنها تحفظ حتى يوجدوا أو بعضهم ثم محل ما تقرر إذا لم يأمر الإمام بنقلها ولم يأذن للساعي في أخذها من المالك "فإن أمر الإمام بنقلها أو أذن للساعي في الأخذ فقط دون التفرقة وجب نقلها إليه وفرق حيث شاء" ولا حاجة إلى الجمع بين فقط ودون التفرقة
"فرع العبرة في" نقل "الزكاة" المالية "ببلد المال حال الوجوب وفي" زكاة "الفطرة ببلد المؤدى عنه" اعتبارا بسبب الوجوب فيهما ولأن نظر المستحقين يمتد إلى ذلك فيصرف العشر إلى مستحق بلد الأرض التي حصل منها العشر وزكاة النقدين والمواشي والتجارة إلى مستحقي البلد الذي تم فيه حولها "فإن وجبت" عليه زكاة مال "وهو" أي المال "ببادية" ولا مستحق فيها "نقل" إلى مستحقي "أقرب بلد" إليه "ولو ملك غنما ببلدين ووجبت فيهما" أي في غنميهما "شاة أخرجها في أحدهما" حذرا من التشقيص "ولو وجب" عليه "في كل" من غنميهما "شاة لم ينقل" لانتفاء التشقيص
"فرع أهل الخيام غير المستقرين" بموضع بأن كانوا ينتقلون من موضع إلى
стр. 1226
آخر دائما "إن لم يكن فيهم مستحق نقل" واجبهم "إلى أقرب بلد" (١) إليهم "وإن استقروا" بموضع "لكن قد يظعنون (٢) عنه ويعودون" إليه "ولم يتميزوا" أي بعضهم عن بعض "في الحلل" جمع حلة بكسر الحاء فيهما "و" في "المرعى والماء صرف" إلى من هو "فيما دون مسافة القصر" من موضع الوجوب لكونه في حكم الحاضر ولهذا عد مثله في المسجد الحرام من حاضريه "و" الصرف إلى "الظاعنين معهم أولى" لشدة جوارهم "فلو تميزوا" أي بعضهم عن بعض بما ذكر "فالحلة كالقرية" في حكم النقل مع وجود المستحق فيها "فيحرم النقل" عنها
стр. 1227
فصل يشترط كون الساعي عدلا في الشهادات
كلها أي مسلما مكلفا عدلا حرا ذكرا سميعا بصيرا لأنه نوع ولاية وتصرف في مال الغير فاعتبار كون العامل ذكرا علم مما هنا وإن قدمه الأصل أوائل الباب "فقيها بأبواب الزكاة" (١) ليعلم ما يأخذ ومن يدفع إليه "لا المرسل لقبض" قدر "معين" فلا يعتبر فيه شيء من ذلك لأنها رسالة لا ولاية نعم يعتبر فيه التكليف والعدالة وكذا الإسلام (٢) كما اختاره في المجموع ومثله أعوان العامل من كتابه وحسابه وجباته ومستوفيه نبه عليه الماوردي في حاويه
"ولو استعمل" الإمام "هاشميا" أو مطلبيا "أو مرتزقا أعطاه من" مال "المصالح" لا من مال الزكاة لما مر أنها تحرم عليهم (٣)
стр. 1228
"ويقسم ساع قلد الأخذ والقسمة" أو القسمة وحدها "وكذا إن أطلق تقليده" بخلاف ما لو قلد الأخذ وحده ليس له أن يقسم "فإن كان" الساعي جائزا "في الأخذ" للزكاة عادلا في قسمتها "جاز كتمها" عنه ودفعها إليه "أو" كان جائزا "في القسمة" عادلا في الأخذ "وجب" كتمها عنه "فلو أعطيها" طوعا أو كرها "أجزأت" وإن لم يوصلها إلى المستحقين لأنه نائبهم كالإمام. "فصل يسن وسم نعم الزكاة" والفيء "لتتميز" عن غيرها وليردها واجدها لو شردت أو ضلت والأصل فيه خبر البخاري عن أنس غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته وبيده الميسم يسم إبل الصدقة. ويقاس بها غيرها أما نعم غير الزكاة والفيء فوسمه مباح لا مندوب ولا مكروه قاله في المجموع وكالنعم الخيل والبغال والحمير والفيلة
"و" الوسم "في أذن الغنم و" في "أفخاذ غيرها أولى لقلة الشعر فيها" فيظهر ولأنها صلبة "ويحرم" الوسم "في الوجه و" قد "لعن فاعله" كما جاء في خبر مسلم "وليكن ميسم البقر" ألطف من ميسم الإبل "ثم" ميسم "الغنم ألطف" من ميسم البقر والإبل والظاهر أن ميسم الحمر ألطف من ميسم الخيل وميسم الخيل ألطف من ميسم البغال والبقر وميسم البغال ألطف من ميسم الإبل وميسم الإبل ألطف من ميسم الفيلة "ويكتب على نعم الزكاة" ما يميزها عن غيرها فيكتب عليها "زكاة أو صدقة" أو طهرة "أو لله" وهو أبرك وأولى اقتداء بالسلف ولأنه أقل حروفا فهو أقل ضررا قاله الماوردي والروياني وحكاه في المجموع عن ابن الصباغ وأقره "وعلى" نعم "الجزية جزية أو صغار" بفتح الصاد أي ذل وهو أولى لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: من الآية ٢٩] قال الأذرعي والحرف الكبير ككاف الزكاة أو صاد الصدقة أو جيم الجزية أو فاء الفيء كاف وإنما جاز الوسم بالله مع إنها قد تتمعك بالنجاسة لأن الغرض التمييز لا الذكر قال في المجموع ويجوز الكي إذا دعت إليه حاجة بقول أهل الخبرة وإلا فلا سواء نفسه وغيره من آدمي أو غيره.
"فائدة" الوسم بالمهملة التأثير بكي أو غيره وجوز بعضهم الإعجام
стр. 1229
حكاه النووي في شرح مسلم وبعضهم فرق فجعل المهملة للوجه والمعجمة لسائر الجسد.
стр. 1230
فصل يجوز خصاء صغار المأكول
لطيب لحمه وقد صح أنه ﷺ ضحى بكبشين موجوءين (١). "لا غيره" الأولى لا غيرها أي لا كبار المأكول ولا غير المأكول مطلقا فلا يجوز خصاؤهما للنهي عن خصاء البهائم رواه البيهقي وهو محمول على ذلك.
"فرع" يكره إنزاء الحمر على الخيل لخبر صحيح رواه أبو داود وغيره (٢) قال العلماء وسبب النهي عنه أنه سبب لقلة الخيل وضعفها ذكره في المجموع وقال الحليمي هذا في عتاق الخيل أما البراذين فلا قال الأذرعي وهو حسن قال والظاهر تحريم إنزاء الخيل على البقر لضعفها وتضررها بكبر آلة الخيل وألحق الدميري بإنزاء الحمر على الخيل عكسه