آخر دائما "إن لم يكن فيهم مستحق نقل" واجبهم "إلى أقرب بلد" (١) إليهم "وإن استقروا" بموضع "لكن قد يظعنون (٢) عنه ويعودون" إليه "ولم يتميزوا" أي بعضهم عن بعض "في الحلل" جمع حلة بكسر الحاء فيهما "و" في "المرعى والماء صرف" إلى من هو "فيما دون مسافة القصر" من موضع الوجوب لكونه في حكم الحاضر ولهذا عد مثله في المسجد الحرام من حاضريه "و" الصرف إلى "الظاعنين معهم أولى" لشدة جوارهم "فلو تميزوا" أي بعضهم عن بعض بما ذكر "فالحلة كالقرية" في حكم النقل مع وجود المستحق فيها "فيحرم النقل" عنها
стр. 1227
فصل يشترط كون الساعي عدلا في الشهادات
كلها أي مسلما مكلفا عدلا حرا ذكرا سميعا بصيرا لأنه نوع ولاية وتصرف في مال الغير فاعتبار كون العامل ذكرا علم مما هنا وإن قدمه الأصل أوائل الباب "فقيها بأبواب الزكاة" (١) ليعلم ما يأخذ ومن يدفع إليه "لا المرسل لقبض" قدر "معين" فلا يعتبر فيه شيء من ذلك لأنها رسالة لا ولاية نعم يعتبر فيه التكليف والعدالة وكذا الإسلام (٢) كما اختاره في المجموع ومثله أعوان العامل من كتابه وحسابه وجباته ومستوفيه نبه عليه الماوردي في حاويه
"ولو استعمل" الإمام "هاشميا" أو مطلبيا "أو مرتزقا أعطاه من" مال "المصالح" لا من مال الزكاة لما مر أنها تحرم عليهم (٣)
стр. 1228
"ويقسم ساع قلد الأخذ والقسمة" أو القسمة وحدها "وكذا إن أطلق تقليده" بخلاف ما لو قلد الأخذ وحده ليس له أن يقسم "فإن كان" الساعي جائزا "في الأخذ" للزكاة عادلا في قسمتها "جاز كتمها" عنه ودفعها إليه "أو" كان جائزا "في القسمة" عادلا في الأخذ "وجب" كتمها عنه "فلو أعطيها" طوعا أو كرها "أجزأت" وإن لم يوصلها إلى المستحقين لأنه نائبهم كالإمام. "فصل يسن وسم نعم الزكاة" والفيء "لتتميز" عن غيرها وليردها واجدها لو شردت أو ضلت والأصل فيه خبر البخاري عن أنس غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته وبيده الميسم يسم إبل الصدقة. ويقاس بها غيرها أما نعم غير الزكاة والفيء فوسمه مباح لا مندوب ولا مكروه قاله في المجموع وكالنعم الخيل والبغال والحمير والفيلة
"و" الوسم "في أذن الغنم و" في "أفخاذ غيرها أولى لقلة الشعر فيها" فيظهر ولأنها صلبة "ويحرم" الوسم "في الوجه و" قد "لعن فاعله" كما جاء في خبر مسلم "وليكن ميسم البقر" ألطف من ميسم الإبل "ثم" ميسم "الغنم ألطف" من ميسم البقر والإبل والظاهر أن ميسم الحمر ألطف من ميسم الخيل وميسم الخيل ألطف من ميسم البغال والبقر وميسم البغال ألطف من ميسم الإبل وميسم الإبل ألطف من ميسم الفيلة "ويكتب على نعم الزكاة" ما يميزها عن غيرها فيكتب عليها "زكاة أو صدقة" أو طهرة "أو لله" وهو أبرك وأولى اقتداء بالسلف ولأنه أقل حروفا فهو أقل ضررا قاله الماوردي والروياني وحكاه في المجموع عن ابن الصباغ وأقره "وعلى" نعم "الجزية جزية أو صغار" بفتح الصاد أي ذل وهو أولى لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: من الآية ٢٩] قال الأذرعي والحرف الكبير ككاف الزكاة أو صاد الصدقة أو جيم الجزية أو فاء الفيء كاف وإنما جاز الوسم بالله مع إنها قد تتمعك بالنجاسة لأن الغرض التمييز لا الذكر قال في المجموع ويجوز الكي إذا دعت إليه حاجة بقول أهل الخبرة وإلا فلا سواء نفسه وغيره من آدمي أو غيره.
"فائدة" الوسم بالمهملة التأثير بكي أو غيره وجوز بعضهم الإعجام
стр. 1229
حكاه النووي في شرح مسلم وبعضهم فرق فجعل المهملة للوجه والمعجمة لسائر الجسد.
стр. 1230
فصل يجوز خصاء صغار المأكول
لطيب لحمه وقد صح أنه ﷺ ضحى بكبشين موجوءين (١). "لا غيره" الأولى لا غيرها أي لا كبار المأكول ولا غير المأكول مطلقا فلا يجوز خصاؤهما للنهي عن خصاء البهائم رواه البيهقي وهو محمول على ذلك.
"فرع" يكره إنزاء الحمر على الخيل لخبر صحيح رواه أبو داود وغيره (٢) قال العلماء وسبب النهي عنه أنه سبب لقلة الخيل وضعفها ذكره في المجموع وقال الحليمي هذا في عتاق الخيل أما البراذين فلا قال الأذرعي وهو حسن قال والظاهر تحريم إنزاء الخيل على البقر لضعفها وتضررها بكبر آلة الخيل وألحق الدميري بإنزاء الحمر على الخيل عكسه
стр. 1231
مسائل منثورة
"يستحب" للإمام أو نائبه في تفريق الزكاة "مع الفراغ من جمع الصدقة" أي الزكاة أو قبله "أن يعرف" عدد "المستحقين وقدر حاجتهم" أي أن يكون عارفا بذلك ليتعجل بذلك حقوقهم وليأمن هلاك المال عنده "و" يستحب له "أن يبدأ بإعطاء العاملين" لأن استحقاقهم أولى لكونهم يأخذون معاوضة وليتبين أن سهمهم يوافق أجرتهم أولا "فإن تلفت تحت أيديهم" أي العاملين بلا تفريط قبل وصولها إلى الإمام "فأجرتهم من بيت المال" لأنهم أجراء "ويحرم على الوالي" من الإمام أو نائبه "بيع شيء منها" أي من الزكاة بل يوصلها بأعيانها إلى المستحقين لأنهم أهل رشد لا ولاية عليهم غالبا فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم "ولا يصح" بيعها "إلا عند وقوعها في خطر" كأن أشرفت على هلاك "أو
стр. 1232
لحاجة" مؤنة "نقل أو" رد "جبران" أو نحوها فلا يحرم البيع ويصح للضرورة "فإن باع بلا عذر ضمن" المبيع إن سلمه فيسترده إن كان باقيا ويغرم بدله إن كان تالفا "فإن كانوا" أي المستحقون "جماعة وهي" أي الزكاة "بقرة" مثلا "أخذوها ولا يبيعها" المالك ولا الإمام "ليقسم ثمنها" عليهم
"وإن أعطى الإمام من ظنه مستحقا فبان غنيا لم يضمن" لأنه غير مقصر. "ويجزئ" عن المالك وإن لم يجز عن الزكاة كما نقله في المجموع عن الأصحاب ولهذا يسترد كما سيأتي والإجزاء ليس مرتبا على بيان كون المدفوع إليه غنيا بل هو حاصل بقبض الإمام لأنه نائب المستحقين "بخلاف" إعطاء "المالك" من ظنه مستحقا فبان غنيا لا يجزئه "وهكذا" لا يضمن الإمام ويجزئ ما دفعه دون ما دفعه المالك "إن بان" المدفوع إليه "هاشميا" أو مطلبيا "أو عبدا أو كافرا أو أعطاه من سهم الغزاة" أو العاملين ظانا أنه رجل "فبان امرأة" لما مر واعتبر في الروضة هنا كون المؤلف ذكرا (١) وهو مخالف لما قدمه فيها كأصلها أوائل الباب وذاك هو المعتمد ولهذا اقتصر عليه المصنف ثم وإذا بان المدفوع إليه واحدا ممن ذكر "فيسترد" الإمام منه "في الصور كلها أو إن لم يبين" حال الدفع "أنها زكاة" لأن ما يفرقه الإمام على المستحقين هو الواجب غالبا كالزكاة "بخلاف المالك" لا يسترد إلا إن بين أنها زكاة لأنه قد يتطوع فإن تلف المدفوع رجع الدافع ببدله ودفعه للمستحقين ويتعلق في مسألة العبد بذمته لا برقبته فإن تعذر على الإمام الاسترداد لم يضمن إلا أن يكون قد قصر فيه حتى تعذر فيضمن وكالزكاة فيما ذكر الكفارة كما صرح به الأصل
"ويستحقها" أي الزكاة "العامل بالعمل. والأصناف بالقسمة نعم إن انحصر المستحقون في ثلاثة فأقل استحقوها من وقت الوجوب (٢) فلا يضرهم
стр. 1233
حدوث غنى" أو غيبة لأحدهم بل حقه باق بحاله ولو مات واحد منهم دفع نصيبه إلى وارثه وقضيته أن المزكي لو كان وارثه أخذ نصيبه وعليه فتسقط عنه النية لسقوط الدفع لأنه لا يدفع عن نفسه لنفسه "ولا يشاركهم قادم" ولا غائب عنهم وقت الوجوب وقياس ما قدمته في وجوب الاستيعاب على المالك أن يزاد (١) هنا بعد قوله فأقل أو أكثر ووفى بهم المال ويحتمل أن لا يزاد ذلك ويجاب بأنه لا يلزم من وجوب الاستيعاب الملك. "والإمام إن أخر التفريق" لما جمعه من الزكاة "بلا عذر" فتلف "ضمن لا الوكيل" بتفريقها فلا يضمن بذلك إذ لا يجب عليه التفريق بخلاف الإمام "ولو أخرج" لفقير من الزكاة قدرا "مجهولا" كأن كان مشدودا في خرقة أو نحوها لا يعرف جنسه وقدره "أجزأه زكاة وإن تلف في يد الفقير" لأن معرفة القابض لا تشترط (٢) فكذا معرفة الدافع وقوله وإن تلف أولى من قول أصله وتلف لأن الحكم لا يتقيد بالتلف "وإن اتهم رب المال" فيما يمنع وجوب الزكاة كأن قال لم يحل عليه الحول "لم يجب تحليفه وإن خالف الظاهر بما يدعيه" كأن قال بعته في الحول واشتريته أو أخرجت زكاته أو هو وديعة لأن الزكاة مبنية على المسامحة ولأن الأصل براءته
"ويستحب" للمالك "إظهار إخراج الزكاة" كالصلاة المفروضة وليراه غيره فيعمل عمله ولئلا يساء الظن به وخصه الماوردي بالأموال الظاهرة قال أما الباطنة فالإخفاء فيها أولى لآية إن تبدوا الصدقات وأما الإمام فالإظهار له أفضل مطلقا "وإن ظن الآخذ" للزكاة "أنه أعطى ما يستحقه غيره من الأصناف" أو من آحاد صنفه "حرم" عليه "الأخذ و" إذا أراد الأخذ منها "لزمه البحث" عن قدرها فيأخذ بعض الثمن بحيث يبقى منه ما يدفعه إلى اثنين من صنفه "ولا أثر لما دون غلبة الظن" من شك أو وهم في تحريم
стр. 1234
أخذها.
"تتمة" قال في المجموع قال الدارمي إذا أخر تفريق الزكاة إلى العام الثاني فمن كان فقيرا أو مسكينا أو غارما أو مكاتبا من عامه إلى العام الثاني خصوا بزكاة الماضي وشاركوا غيرهم في العام الثاني فيعطون من زكاة العامين ومن كان غازيا أو ابن سبيل أو مؤلفا لم يخصوا بشيء انتهى ويوجه بأن هؤلاء يأخذون لما يستقبل بخلاف أولئك.
стр. 1235
باب صدقة التطوع (١)
"وهي مستحبة في كل يوم" (٢) لآية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: من الآية ٢٤٥] ولخبر "ما تصدق أحد من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون أعظم من الجبل" (٣) وخبر "ليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من صاع بره" (٤) رواهما مسلم وخبر "من أطعم جائعا أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم ومن كسا مؤمنا عاريا كساه الله تعالى من خضر الجنة" رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد (٥)،
стр. 1236
وخضر الجنة بإسكان الضاد أي ثيابها الخضر وقد يعرض ما تحرم به الصدقة كأن يعلم من آخذها أنه يصرفها في معصية وما تجب به في الجملة كأن وجد مضطرا ومعه ما يطعمه فاضلا عنه وذلك معلوم في محله.
"وتتأكد الصدقة في" شهر "رمضان" والصدقة فيه أفضل منها فيما يأتي لخبر الصحيحين أنه ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان. (١) ولأنه أفضل الشهور ولأن الناس فيه مشغولون بالطاعة فلا يتفرغون لمكاسبهم فتكون الحاجة فيه أشد "و" في سائر "الأوقات الفاضلة" كعشر ذي الحجة وأيام العيد لفضيلتها "و" في "الأماكن الشريفة" كمكة والمدينة وشمول كلامه لغيرهما من زيادته وليس المراد أن من قصد التصدق في غير الأوقات والأماكن المذكورة يستحب تأخيره إليها بل المراد أن التصدق فيها أعظم أجرا منه في غيرها غالبا قاله الأذرعي وتبعه الزركشي ثم قال وفي كلام الحليمي ما يخالفه فإنه قال وإذا تصدق في وقت دون وقت تحرى بصدقته من الأيام يوم الجمعة ومن الشهور رمضان "وعند المهمات" من الأمور كغزو وحج لأنها أرجى لقضائها ولآية ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: من الآية ١٢] "و" عند "المرض والكسوف والسفر" ونحوها "ويستحب" استحبابا مؤكدا "التوسيع على العيال والإحسان إلى الأقارب والجيران في شهر رمضان" لخبر الصحيحين أن امرأتين أتيا رسول الله ﷺ فقالتا لبلال سل لنا رسول الله ﷺ هل يجزئ أن نتصدق على أزواجنا ويتامى في حجورنا فقال: "نعم لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة" (٢) ولخبر "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" (٣) رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه ولخبر البخاري عن عائشة قلت يا رسول الله إن
стр. 1237
لي جارين فإلى أيهما أهدي فقال: "إلى أقربهما منك بابا" (١) "لا سيما" في "عشر آخره" لأن فيه ليلة القدر فهو أفضل مما عداه وإضافة عشر إلى آخره من إضافة العام إلى الخاص كشجر أراك
стр. 1238
"فصل وكانت" صدقة التطوع "حراما على النبي ﷺ "
تشريفا له ولخبر مسلم في الباب السابق
"ويحل لذوي القربى" لقول جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة فقيل له أتشرب من الصدقة فقال إنما حرم علينا الصدقة المفروضة رواه الشافعي والبيهقي ومثلهم مواليهم بل أولى "وللأغنياء" ففي الصحيحين "تصدق الليلة (١) على غني" (٢) وفيه لعله أن يعتبر فينفق مما آتاه الله "والكفار" لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الانسان: ٨] ولخبر الصحيحين "في كل كبد رطبة أجر" (٣)
"ويكره للغني التعرض لها". قال الإسنوي وأخذها أي وإن لم يتعرض لها لكن عبارة الروضة تقتضي خلافه فإنه قال ويستحب للغني التنزه عنها ويكره له التعرض لأخذها "ويحرم عليه" أخذها "إن أظهر الفاقة" وعليه حملوا خبر "الذي مات من أهل الصفة وترك دينارين فقال ﷺ كيتان من نار" (٤)
стр. 1239
ويعتبر في حلها له أن لا يظن الدافع فقره فإن أعطاه ظانا حاجته ففي الإحياء إن علم الآخذ ذلك لم تحل له وكذا إذا دفع إليه لعلمه (١) أو صلاحه أو نسبه لم تحل له إلا أن يكون بالوصف المظنون "أو سأل" سواء أكان غنيا بالمال أم بالكسب لخبر (٢) مسلم "من سأل أموال الناس تكثرا أي بلا حاجة بل لتكثير ماله إنما سأل جمرا" (٣) أي يعذب به يوم القيامة. "والأفضل أن تكون" الصدقة "سرا" (٤) لأية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٧١] ولما في الصحيحين في خبر السبعة الذي يظلهم الله تحت ظل عرشه من قوله ﷺ : "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تدري شماله ما أنفقت يمينه" (٥) نعم إن أظهرها ولم يقصد رياء ولا سمعة بل ليقتدي به وهو ممن يقتدى به فهو أفضل بشرط أن لا يتأذى الآخذ به فإن تأذى به فالإسرار أفضل قاله الغزالي وغيره "و" أن يكون "مما يحب" لقوله تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: من الآية ٩٢].
"و" أن تكون "ببشاشة" وطيب نفس لما فيه من تكثير الأجر وجبر القلب
стр. 1240
"وهي في الأقرب فالأقرب رحما" ولو كان ممن تجب نفقته على المتصدق أفضل منها في غير القريب وفي القريب غير الأقرب لخبر الترمذي السابق قبل الفصل "و" في "الأشد منهم" يعني من الأقارب وكذا من غيرهم فيما يظهر "عداوة أفضل" منها في غيره ليتألف قلبه ولما فيه من مجانبة الرياء وكسر النفس "كالزكاة" والكفارة والنذر فهي في الشيئين أفضل وهذا من زيادته بالنسبة لأشدهم عداوة "وألحق بهم الأزواج" من الذكور والإناث لخبر الصحيحين السابق قبل الفصل في الزوج ويقاس به الزوجة "ثم" هي بعد الأقرب فالأقرب من ذي الرحم المحرم ومن ألحق به في الأقرب من ذي "الرحم غير المحرم" كأولاد العم والخال "ثم" في الأقرب فالأقرب من المحرم "رضاعا ثم مصاهرة ثم" في الأقرب فالأقرب "ولاء من الجانبين" أي الأعلى والأسفل (١) "ثم جوارا" لخبر البخاري السابق قبل الفصل "وقدم الجار" الأجنبي "على قريب بعيد" عن دار المتصدق بل أو قريب منها بحيث "لا تنقل إليه الزكاة" فيهما "ولو" كان "ببادية" فإن كانت تنقل إليه بأن كان في محلها قدم على الجار الأجنبي وإن بعدت داره "وأهل الخير منهم" أي من جميع المذكورين "والمحتاجون" منهم "أولى" من غيرهم ولفظة منهم من زيادته ولا حاجة إليها بل ربما توهم خلاف المراد "وتكره الصدقة بالرديء" لقوله تعالى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٦٧] فإن لم يجد غيره فلا كراهة "والشبهة" أي وما فيه شبهة لخبر مسلم السابق أول الباب.
стр. 1241
فصل لو فضل عن كفايته وكفاية من تلزمه كفايته وعن دينه مال وهو يصبر على الإضافة استحب" له "التصدق بالجميع"
أي بجميع الفاضل وإلا فلا بل يكره وعليه تحمل الأخبار المختلفة الظاهر لخبر أن أبا بكر تصدق بجميع ماله رواه الترمذي وصححه وخبر جاء رجل إلى النبي ﷺ بمثل البيضة من الذهب وقال خذها فهي صدقة وما أملك غيرها فأعرض عنه إلى أن أعاد عليه القول ثلاث مرات ثم أخذها ورماه بها رمية لو أصابته لأوجعته ثم قال: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف
стр. 1242
وجوه الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" (١) رواه أبو داود وصححه الحاكم وقوله عن ظهر غنى أي غنى النفس وصبرها على الفقر أما التصدق ببعض الفاضل فمستحب مطلقا إلا أن يكون قدرا يقارب الجميع فالأوجه جريان التفصيل السابق فيه والظاهر أخذا من كلام الغزالي (٢) في الإحياء أن المراد بالكفاية هنا ما يكفيه ليومه وكسوة فصله لا ما يكفيه في الحال فقط ولا ما يكفيه في سنته.
"ولو تصدق بما يحتاجه لعياله لم يجز" لخبر "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" (٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح ورواه مسلم بمعناه ولأن كفايتهم فرض وهو أولى من النفل ولا يرد على ذلك خبر الأنصاري الذي نزل به الضيف فأطعمه قوته وقوت صبيانه لأن ذلك ليس بصدقة بل ضيافة والضيافة لا يشترط فيها الفضل عن عياله ونفسه لتأكدها وكثرة الحث عليها حتى أن جماعة من العلماء أوجبوها ولأنه محمول (٤) على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين حينئذ إلى الأكل وأما الرجل وامرأته فتبرعا بحقهما وكانا صابرين وإنما قال فيه لأمهم نوميهم خوفا من أن يطلبوا الأكل على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة
"وكذا" لا يجوز أن يتصدق بما يحتاجه "لدينه" أي لوفائه (٥) "إلا إن ظهر" له "حصوله" بغلبة ظنه "من جهة أخرى" ظاهرة فلا بأس بالتصدق به وقد يستحب نعم إن حصل بذلك تأخير وقد وجب وفاء الدين على الفور بمطالبة أو غيرها فالوجه كما قال الأذرعي وجوب المبادرة إلى إيفائه وتحريم الصدقة بما يتوجه
стр. 1243
عليه دفعه في دينه.
"أو" تصدق بما يحتاجه لنفسه "ولم يصبر" على الإضافة "كره" التصريح بالكراهة مع التقييد بعدم الصبر من زيادته والأوجه حمل الكراهة (١) على كراهة التحريم وهو مراد الروضة لأن ما صححه فيها من عدم التحريم محمول على من صبر كما أفاده كلامه في المجموع وحيث حرمنا عليه التصدق فتصدق بشيء فهل يملكه المتصدق عليه قال ابن الرفعة ينبغي تخرجه على الخلاف في هبة الماء في الوقت "ولا يأنف من التصدق بالقليل" فإن قليل الخير كثير عند الله تعالى وما قبله الله وبارك فيه فليس بقليل ولقوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ولخبر "اتقوا النار ولو بشق تمرة" ولخبر "يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" (٢) رواهما الشيخان.
"وتستحب الصدقة بالماء" لخبر أبي داود السابق أول الباب وروى أبو داود خبر "أي الصدقة أفضل قال الماء" "وإن بعث بشيء" مع غيره "إلى فقير" لم يزل ملكه عنه حتى يقبضه الفقير فإن ذهب إليه المبعوث "ولم يجده استحب" للباعث "أن لا يعود فيه بل يتصدق به" على غيره لأنه في معنى العائد في
стр. 1244
صدقته "وإن نذر صدقة لا صوما وصلاة في وقت" بعينه "جاز تعجيلها" كما لو عجل الزكاة بجامع أن كلا منهما عبادة مالية بخلاف الصوم والصلاة لأنهما عبادتان بدنيتان. "ويكره" للإنسان "أن يتملك" بمعاوضة أو هبة أو نحوها "صدقته أو زكاته" أو كفارته أو نذره أو نحوها "من الفقير" الذي أخذها لخبر الصحيحين "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (١) ولأنه قد يستحي منه فيحابيه وروى الشافعي أن عمر تصدق بفرس ثم وجده يباع في السوق فسأل النبي ﷺ أن يشتريه فقال لا تشتره ولا شيئا من نتاجه. أي لأن ولد الحيوان جزء منه. قال البغوي وليس من ذلك أن يشتري من غلة أرض كان قد تصدق بها لأنها غير العين المتصدق بها أي وغير جزئها "لا من غيره" أي لا يكره أن يتملكها من غيره "ولا أن يملكها بالإرث" لخبر مسلم عن بريد قال بينما أنا جالس عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة فقالت إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت فقال: "وجب أجرك وردها عليك الميراث" (٢). "والمن" بالصدقة "حرام محبط للأجر" لقوله تعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: من الآية ٢٦٤] ولخبر مسلم "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" (٣).
"وقبول الزكاة فرض كفاية وهو" أي قبول المحتاج إليها "أفضل من" قبول صدقة "التطوع" لأنه إعانة على واجب ولأن الزكاة لا منة فيها وعكس آخرون منهم الجنيد والخواص لئلا يضيق على الأصناف ولئلا يخل بشرط من شروط الأخذ ولا ترجيح في الروضة فالترجيح من زيادة المصنف قال في الروضة عقب ذلك قال الغزالي والصواب أنه يختلف بالأشخاص فإن عرض
стр. 1245
له شبهة في استحقاقه لم يأخذ الزكاة وإن قطع به فإن كان المتصدق إن لم يأخذ هذا منه لا يتصدق فليأخذها فإن إخراج الزكاة لا بد منه وإن كان لا بد من إخراجها ولم يضيق تخير وأخذها أشد في كسر النفس "وأخذ الصدقة في الملأ وتركه في الخلاء أفضل" لما في ذلك من كسر النفس.
"فروع" يكره للإنسان أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة وأن يمنع من سأل بالله وتشفع به لخبر "لا يسأل بوجه الله تعالى إلا الجنة" (١) وخبر "من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه" (٢) رواهما أبو داود وتستحب الصدقة عقب كل معصية قاله الجرجاني ومنه التصدق بدينار أو نصفه في وطء الحائض ويستحب للمتصدق أن يعطي الصدقة للفقير من يده قاله الحليمي قال الإمام الرازي وتستحب التسمية عند الدفع للفقير لأنها عبادة قال العلماء ولا يطمع المتصدق في الدعاء من الفقير قال تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الانسان: ٩] فإن دعا الفقير له استحب له أن يرد عليه مثلها لئلا ينقص أجر الصدقة وفي الحديث "من لبس ثوبا جديدا ثم عمد إلى ثوبه الذي كان عليه فتصدق به لم يزل في حفظ الله حيا وميتا" وليس هذا من التصدق بالرديء بل مما يحب وهذا كما جرت به العادة من التصدق بالفلوس دون الفضة ويستحب للراغب في الخير أن لا يخلي يوما من الأيام من الصدقة بشيء وإن قل لخبر البخاري "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا" (٣) ولخبر الحاكم في صحيحه "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس أو قال حتى يحكم بين الناس" (٤).
стр. 1246
كتاب الصيام
هو لغة الإمساك ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: ٢٦] أي إمساكا وسكوتا عن الكلام وشرعا إمساك عن المفطر (١) على وجه مخصوص والأصل في وجوبه قبل الإجماع مع ما يأتي آية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) [البقرة: ١٨٣] وخبر "بني الإسلام على خمس" (٣) وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة.
وأركانه ثلاثة صائم ونية وإمساك عن المفطرات "يجب صوم رمضان باستكمال شعبان" ثلاثين "يوما أو بالرؤية" (٤) لهلاله لخبر البخاري "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (٥) ولقول ابن عمر أخبرت النبي ﷺ أني رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود وصححه ابن حبان (٦) والمعنى في ثبوته بالواحد الاحتياط للصوم. قال
стр. 1247
الأكثرون ويكره أن يقال رمضان بدون شهر ورده في المجموع بأن الصواب خلافه كما ذهب إليه المحققون لعدم ثبوت نهي فيه بل ثبت ذكره بدون شهر في أخبار صحيحة كخبر "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) "فإذا شهد برمضان (٢) وكذا بشهر نذر صومه" ببناء نذر للمفعول "عدل عند القاضي (٣) كفى" في وجوب صومه فهو بطريق الشهادة (٤) "لا بطريق الرواية" فلا يكفي عبد ولا امرأة وقضيته اشتراط العدالة الباطنة وهي التي يرجع فيها إلى قول المزكين وفيه في الأصل وجهان صحح منهما المجموع (٥) المنع وهي شهادة حسبة قالت طائفة منهم البغوي ويجب الصوم أيضا (٦) على من أخبره موثوق به بالرؤية إذا اعتقد صدقه وإن لم يذكره عند القاضي.
стр. 1248
ويكفي في الشهادة أشهد (١) أني رأيت الهلال كما صرح به جماعة منهم الرافعي في صلاة العيد (٢) خلافا لابن أبي الدم قال لأنها شهادة على فعل نفسه ولا يكفي أن يقول غدا من رمضان (٣) لأنه قد يعتقد دخوله بسبب لا يوافقه عليه المشهود عنده بأن يكون أخذه من حساب أو يكون حنفيا يرى إيجاب الصوم ليلة الغيم أو غير ذلك وقول المصنف وكذا بشهر نذر صومه (٤) من زيادته ونقله الإسنوي وغيره عن تصحيح الروياني مقيدا بشهر معين وهو قضية ما في المجموع (٥) من أن فيه الخلاف في رمضان لكن المشهور خلافه والفرق بين حرمة الشهرين ظاهر على أن ثبوت رمضان (٦) بالواحد قال الإسنوي وغيره أنه خلاف مذهب الشافعي (٧) لرجوعه عنه ففي الأم قال الشافعي بعد لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان ونقل البلقيني مع هذا النص نصا آخر صيغته رجع الشافعي بعد فقال لا يصام إلا بشاهدين لكن قال الزركشي قال الصيمري إن صح أن النبي ﷺ قبل شهادة الأعرابي وحده أو شهادة ابن عمر قبل الواحد وإلا فلا يقبل
стр. 1249
أقل من اثنين وقد صح كل منهما وعندي أن مذهب الشافعي قبول الواحد وإنما رجع إلى الاثنين بالقياس لما لم يثبت عنده في المسألة سنة فإنه تمسك للواحد بأثر عن علي ولهذا قال في المختصر ولو شهد برؤيته عدل واحد رأيت أن أقبله للأثر فيه
"لو شهد اثنان عن" بمعنى على "شهادته" أي العدل "صح" بخلاف ما إذا شهد عليها واحد لما مر أن ذلك من باب الشهادة لا الرواية "ولكن لا تحل الديون المؤجلة به و" (١) لا يقع"نحوها" مما علق به (٢) من طلاق وعتق ونحوهما سواء أشهد به عدل أم شهد على شهادته به والمراد أنه لا يثبت ذلك في (٣) حق غير الرائي قال الرافعي ولو قيل هلا يثبت ضمنا كما يثبت شوال بثبوت رمضان بواحد والنسب والإرث بثبوت الولادة بالنساء لا حوج إلى الفرق وفرق هو في الشهادات بأن الضمني في هذه الأمور لازم للمشهود به بخلاف الطلاق ونحوه وفرق غيره بأن الشيء إنما يثبت ضمنا إذا كان التابع من جنس المتبوع كالصوم والفطر فإنهما من العبادات كالولادة والنسب والإرث فإنها من المال أو الآيل إليه بخلاف ما هنا فإن التابع من المال أو الآيل إليه والمتبوع من العبادات وبالجملة إذا ثبت رمضان بالواحد اختص بالصوم وتوابعه من صلاة التراويح والاعتكاف والإحرام بالعمرة المعلقين بدخول رمضان نبه عليه الزركشي وقال إنه واضح ولم يتعرضوا له (٤) واشتراط العدالة محله في حق غير الرائي
أما الرائي فيجب عليه الصوم وإن لم يكن عدلا كما سيأتي "ولو ضمنا بشهادة عدل" (٥) أو عدلين كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "ثلاثين" يوما "أو عيدنا بشهادة عدلين ولم نر الهلال" بعد ثلاثين في الصور الثلاث "أفطرنا" في الأوليين
стр. 1250
"ولم نقض" في الثالثة "ولو لم يكن غيم" لكمال العدة بحجة شرعية ولا يؤثر في الأولى عدم ثبوت شوال بعدل إذ الشيء يثبت ضمنا بما لا يثبت به أصلا بدليل ثبوت النسب والإرث ضمنا للولادة بشهادة النساء عليها كما مر.
"ولا عبرة بالمنجم" أي بقوله فلا يجب به الصوم ولا يجوز والمراد بآية ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] الاهتداء في أدلة القبلة وفي السفر "و" لكن "له أن يعمل بحسابه كالصلاة" ولظاهر هذه الآية وقيل ليس له ذلك والتصريح بالترجيح والتنظير بالصلاة من زيادته وصحح في المجموع أن له ذلك وإنه لا يجزئه عن فرضه وصح في الكفاية (١) أنه إذا جاز أجزأ ونقله عن الأصحاب وصوبه الزركشي تبعا للسبكي قال وصرح به في الروضة فيما يأتي في الكلام على أن شرط النية الجزم وهو كما (٢) قال والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني وقد صرح بهما معا في المجموع ولا عبرة أيضا بقول من قال أخبرني النبي ﷺ في النوم بأن الليلة أول رمضان فلا يصح الصوم به بالإجماع.
"فرع" لو "رأى" الهلال "في بلد لزم" حكمه "من في غيره" من سائر الأماكن "ما لم تختلف المطالع" (٣) كبغداد والكوفة والري وقزوين لأنه قريب
стр. 1251
من بلد الرؤية فهو بمنزلة من هو ببلدها كما في حاضري المسجد الحرام فإن اختلفت كالحجاز والعراق وخراسان لم يجب الصوم على من اختلف مطلعه لبعده ولما روى مسلم عن كريب رأيت الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس متى رأيتم الهلال قلت ليلة الجمعة قال أنت رأيته قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى تكمل العدة فقلت أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ وقياسا على طلوع الفجر والشمس وغروبهما وبما قاله المصنف علم أن القريب من بلد الرؤية ما اتحد معه في المطلع وقيل ما دون مسافة القصر وصححه الرافعي وتبعه النووي في شرح مسلم وصحح في غيره الأول لأنه لا تعلق للرؤية بمسافة القصر وقال الإمام اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين وقواعد الشرع تأبى ذلك بخلاف مسافة القصر التي علق بها الشرع كثيرا من الأحكام فإن قلت اعتبار اتحاد المطالع على ما مر يتعلق بالمنجم والحاسب وقد تقدم أنه لا يعتبر قولهما في إثبات رمضان قلت لا يلزم من عدم اعتباره في الأصول والأمور العامة عدم اعتباره في التوابع والأمور الخاصة
стр. 1252
"فإن شك في الاتفاق" (١) في المطالع "لم يجب" على الذين لم يروا صوم لأن الأصل عدم وجوبه ولأنه إنما يجب بالرؤية ولم تثبت في حق هؤلاء لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية "ولو صام بالرؤية وسافر" من بلدها "إلى بلد مطلعه مخالف" لمطلعه ولم ير أهله الهلال "وافقهم" وجوبا "يوم عيده في الصوم" لأنه بالانتقال إليهم صار منهم فإن لم يكن عيد صامه أو عيد أمسك بقية اليوم "أو بالعكس" بأن سافر من بلد غير الرؤية إلى بلدها "عيد معهم" لما مر وقضى يوما إذا لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما كما سيأتي "وكذا لو عيد في بلد وجرت به السفينة إليهم" أي إلى أهل بلد مطلعه مخالف لمطلع بلده "فوجدهم صائمين أمسك" بقية اليوم لما مر "أو بالعكس" بأن كان صائما فجرت به السفينة إليهم فوجدهم مفطرين "أفطر" لما مر وقوله وكذا إلى آخره يعلم مما قبله "وإن لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما قضى يوما" لأن الشهر لا يكون كذلك بخلاف ما إذا صام تسعة وعشرين لا قضاء عليه لأن الشهر يكون كذلك.
"فرع رؤية الهلال نهارا" (٢) يوم الثلاثين ولو قبل الزوال "لليلة المستقبلة" لا الماضية "فلا يفطر" إن كان في ثلاثي رمضان "ولا يمسك" إن كان في ثلاثي شعبان فعن شقيق بن سلمة جاءنا كتاب عمر بخانقين إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس (٣) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح وخانقين بخاء معجمة ونون ثم قاف مكسورة بلدة بالعراق قريبة من بغداد والمراد بما ذكر دفع ما قيل إن رؤيته يوم الثلاثين تكون لليلة الماضية وأما رؤيته يوم التاسع والعشرين فلم يقل أحد أنها للماضية لئلا يلزم أن يكون الشهر ثمانية وعشرين والتصريح بقوله فلا يفطر ولا يمسك من زيادته.
стр. 1253
فصل: ويجب في الصوم نية جازمة معينة
"فصل ويجب" في الصوم "نية جازمة (١) معينة" (٢) كالصلاة ولخبر "إنما الأعمال بالنيات" (٣) ومعينة بكسر الياء لأنها تعين الصوم وبفتحها لأن الناوي يعينها ويخرجها عن التعلق بمطلق الصوم وجميع ذلك يجب "قبل الفجر في الفرض" ولو نذرا أو قضاء أو كفارة أو كان الناوي (٤) صبيا لخبر "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الدارقطني وغيره وصححوه (٥) وهو محمول على الفرض بقريبة خبر عائشة الآتي "لكل يوم" لظاهر الخبر ولأن صوم كل يوم عبادة لتخلل اليومين ما يناقض الصوم كالصلاتين يتخللهما السلام وخرج بمعينة ما لو نوى الصوم عن فرضه أو عن فرض وقته فلا يكفي كما في الصلاة وسيأتي في الفرع الآتي ما خرج بجازمة "وإلا كمل" في نية صوم رمضان "أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى" بإضافة رمضان وذلك لتتميز عن أضدادها
стр. 1254
لكن فرض غير هذه السنة لا يكون إلا قضاء وقد خرج بقيد الأداء إلا أن يقال لفظ الأداء لا يغني عن السنة لأن الأداء يطلق ويراد به الفعل قال في الأصل ولفظ الغد اشتهر في كلامهم في تفسير التعيين وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين وإنما وقع ذلك من نظرهم إلى التبييت (١).
"ولو ترك ذكر السنة والأداء والإضافة إلى الله تعالى جاز" كما في الصلاة قال الرافعي ولأن ذكر الغد يغني عن ذكر السنة ورده الإسنوي بأن الفرق بين اليوم الذي يصومه واليوم الذي يصوم عنه معلوم فالتعرض للغد يفيد الذي يصومه والتعرض للسنة يفيد الذي يصوم عنه قال ويوضحه أن من نوى صوم الغد من هذه السنة عن فرض رمضان يصح أن يقال له صيامك اليوم المذكور هل هو عن فرض هذه السنة أو عن فرض سنة أخرى فالحاصل أن هذه السنة إنما ذكروها آخرا لتعود إلى المؤدى عنه لا إلى المؤدى به قال الأذرعي وجعلها من الكمال ظاهر إذا لم يكن عليه قضاء رمضان قبله وإلا فيشبه (٢) أن يتعرض لها أو للأداء وقضية كلام المصنف كأصله اشتراط نية الفرضية كما في الصلاة لكن صحح في المجموع تبعا للأكثرين عدم اشتراطها هنا بخلافه في الصلاة لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضا بخلاف الصلاة فإن المعادة نفل ورد باشتراط نيتها في المعادة على الأصح وأجيب بأنه صحح فيه أيضا عدم اشتراطها في المعادة فإن قلت الجمعة لا تقع من البالغ إلا فرضا مع أنه يشترط فيها نية الفرضية قلت ممنوع فإنه لو صلاها بمكان ثم أدرك جماعة في آخر يصلونها فإنها لا تقع منه فرضا.
"ولو نوى صوم الشهر كفاه لليوم الأول" أي لصومه لدخوله في صوم الشهر "ولو نوى صوم غد وهو يعتقده الاثنين وكان الثلاثاء أو" صوم "رمضان هذه السنة وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة أربع صح" صومه "بخلاف ما لو نوى صوم الثلاثاء (٣) ليلة الاثنين أو" صوم "رمضان سنة ثلاث فكانت سنة أربع
стр. 1255
ولم يخطر به" أي بباله في الأولى "الغدو" في الثانية "السنة الحاضرة" لأنه لم يعين الوقت أي الذي نوى في ليلته "وتصوير مثله بعيد" وقوله ولم يخطر إلى آخره من زيادته ولو كان عليه قضاء رمضانين فنوى صوم غد عن قضاء رمضان جاز وإن لم يعين أنه عن قضاء أيهما لأنه كله جنس واحد قاله القفال في فتاويه (١) قال وكذا إذا كان عليه صوم نذر من جهات مختلفة فنوى صوم النذر جاز وإن لم يعين نوعه وكذا الكفارات وجعل الزركشي ذلك مستثنى من وجوب التعيين.
"ولو تسحر ليصوم" أو شرب لدفع العطش نهارا "أو امتنع من الأكل" أو الشرب أو الجماع "خوف طلوع الفجر فهو نية إن خطر بباله صوم فرض رمضان" ليتضمن كل منها قصد الصوم وعبارة أصله إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها "لا إن تسحر ليقوى" على الصوم فلا يكفي في النية وهذا محذوف في بعض النسخ وثبوته في بقيتها يقتضي أن المصنف فهم من كلام أصله أنه لا يكفي مطلقا وهو ظاهر كلامه ببادئ الرأي لكن الحق أنه يكفي إن خطر بباله الصوم وكلام الأصل صالح لأخذه (٢) منه "ولو نوى قبل الغروب أو مع" طلوع "الفجر لم يجزه" لظاهر الخبر السابق" أو" نوى" قبل نصف الليل و" قبل "الأكل والجماع والنوم (٣) أجزأه" فلا حاجة لتجديد النية لظاهر الخبر ولأن كلا من الأكل وما بعده مباح إلى طلوع الفجر فلو أبطل النية (٤) لامتنع إلى طلوعه.
"وتكفي نية مطلقة في النفل المطلق" كما في نظيره من الصلاة "ولو قبل الزوال (٥) لا بعده" لأنه ﷺ قال لعائشة يوما "هل عندكم من غداء" قالت لا قال "فإني إذا أصوم" قالت وقال لي يوما آخر "أعندكم شيء" قلت نعم قال
стр. 1256
"إذا أفطر وإن كنت فرضت الصوم" رواه الدارقطني وصحح إسناده واختص بما قبل الزوال للخبر إذ الغداء بفتح الغين اسم لما يؤكل قبل الزوال والعشاء اسم لما يؤكل بعده ولأنه مضبوط بين ولإدراك معظم النهار به كما في ركعة المسبوق وهذا جرى على الغالب ممن يريد صوم النفل وإلا فلو نوى قبل الزوال وقد مضى معظم النهار صح صومه "ما لم يسبق" النية "مناقض" للصوم من أكل أو غيره فلا بد من اجتماع شرائط من أول النهار "ويحكم بالصوم" في ذلك "من أول النهار" حتى يثاب على جميعه إذ صوم اليوم لا يتبعض كما في الركعة بإدراك الركوع "وصوم ما" أي نفل "له سبب" كصوم الاستسقاء بغير أمر الإمام أو مؤقت كصوم الاثنين "يقاس على الصلاة" فيجب تعيينه في النية كما بحث الأول في المهمات والثاني في المجموع وأجيب عن الثاني بأن الصوم في الأيام المتأكد صومها منصرف إليها بل لو نوى به غيرها حصلت أيضا كتحية المسجد لأن المقصود وجود صوم فيها وقول المصنف وصوم إلى آخره من زيادته وهو مع ما زدته خارج بما زاده بقوله أولا المطلق ولعله ترك هنا ما زدته لأنه لا يعتمده نظرا للجواب المذكور أو غيره أما صوم الاستسقاء بأمر الإمام إذا قلنا بوجوبه كما أفتى به النووي (١) فيجب فيه التبييت كما شمله قولهم في الفرض (٢) وقال الزركشي إنه الظاهر.
"فرع لو لم يعتقد غدا أول رمضان أو اعتقده لا بسبب" وفي نسخة بلا سبب "ونوى الصوم جازما" بالنية صورة "أو" مترددا كأن "قال" ليلة ثلاثين شعبان "أصوم غدا إن دخل رمضان" سواء أقال معه وإلا فأنا مفطر أو متطوع أم لا "لم تجزه" وإن دخل رمضان لأن الأصل عدم دخوله ولأنه صام شاكا ولم يعتمد سببا والجزم في الأولى كلا جزم لأنه إذا لم يعتقده من رمضان بسبب لم
стр. 1257
يتأت منه الجزم حقيقة وإنما يحصل له حديث نفس لا اعتبار به "فإن اعتقده" أول رمضان بسبب كأن اعتقده "بخبر" من يثق به من نحو "امرأة أو عبيد أو صبيان ذوي رشد" يعني مختبرين بالصدق.
"وجزم" بنية الصوم "أجزأه" إن بان من رمضان لظن أنه منه حالة النية وللظن في مثل هذا حكم اليقين فتصح النية المبنية عليه وجمع العبيد والصبية ليس بمعتبر ففي المجموع لو أخبره بالرؤية من يثق به من حر أو عبد أو امرأة أو فاسق أو مراهق ونوى صوم رمضان فبان منه أجزأه لأنه نواه بظن وصادفه فأشبه البينة "ولو تردد" والحالة هذه والأنسب رده فقال أصوم غدا عن رمضان فإن لم يكن منه فهو تطوع وبان منه "لم يجزه" كذا نقله الإمام عن ظاهر النص وحكاه عنه الشيخان قال الإسنوي والمتجه الإجزاء لأن النية معنى قائم بالقلب والتردد حاصل في القلب قطعا ذكره أم لم يذكره وقصده للصوم إنما هو بتقدير كونه من رمضان فصار كالتردد في القلب (١) بعد حكم الحاكم وذكر نحوه الزركشي قال وهو الموافق لما حكاه الإمام عن طوائف وكلام الأم مصرح (٢) به ولا نقل يعارضه إلا دعوى الإمام أنه ظاهر النص وليس كما ادعى قال وتعبيره بالتردد ممنوع فإن هذا ترديد لا تردد والفرق بينهما أن التردد شك لا جزم فيه بأحد الطرفين بخلاف الترديد فإن فيه الجزم بأحدهما لكن مبهما انتهى والحق أن في ذلك ترددا وترديدا ولو عقب النية بمشيئة زيد ضر وكذا بمشيئة الله تعالى إلا أن يقصد التبرك أو وقوع الصوم وتمامه بها ذكره في المجموع.
"وإن شك" بالنهار "هل نوى" ليلا "ثم تذكر" ولو "بعد مضي أكثر النهار أجزأه" (٣) صومه وكذا لو نوى ثم شك أطلع الفجر أم لا بخلاف ما لو شك عند
стр. 1258
النية في أنها متقدمة على الفجر أم لا لأن الأصل عدم تقدمها أما إذا لم يتذكر بالنهار فلا يجزئه لأن الأصل عدم النية ليلا ولم تنجبر بالتذكر نهارا "فإن جهل سبب ما عليه" من الصوم من كونه قضاء عن رمضان أو نذرا أو كفارة "كفاه نية الصوم الواجب" للضرورة كمن نسي صلاة من الخمس لا يعرف عينها فإنه يصلي الخمس ويجزئه عما عليه ويعذر في عدم جزمه بالنية للضرورة وذكره في المجموع وقد يقال قياس الصلاة أن يصوم ثلاثة أيام ينوي يوما عن القضاء ويوما عن النذر ويوما عن الكفارة أو يقال يصلي ثلاث صلوات فقط الصبح والمغرب وإحدى رباعية ينوي فيها الصلاة الواجبة ويجاب بأن الذمة (١) هنا لم تشتغل بالثلاث والأصل بعد الإتيان بصوم يوم بنية الصوم الواجب براءة ذمته مما زاد بخلاف من نسي صلاة من خمس فإن ذمته اشتغلت بجميعها والأصل بقاء كل منها فإن فرض أن ذمته اشتغلت بصوم الثلاث وأتى باثنين منها ونسي الثالث التزم فيه ذلك (٢) وإنما لم يكتفوا ثم بنية الصلاة الواجبة كنظائرها هنا لأنهم توسعوا هنا ما لم يتوسعوا ثم بدليل عدم اشتراط المقارنة في نية الصوم وعدم الخروج منه بنية تركه بخلافهما في الصلاة وقول المصنف وإن شك إلى آخره من زيادته وصرح به في المجموع.
"فإن قال آخر رمضان" أي ليلة ثلاثيه "أصوم غدا إن كان من رمضان وإلا أفطرت أجزأه للاستصحاب" للأصل "لا إن قال أصوم غدا" من رمضان "أو أفطر أو أتطوع" فلا يجزئه لأنه لم يجزم وله أن يعتمد في نيته وصومه على حكم الحاكم كما علم مما مر ومما ذكره في قوله "ولا أثر لارتياب يبقى بعد حكم الحاكم" ولو بشهادة واحد للاستناد إلى ظن معتمد قال الزركشي وهذا ظاهر فيمن جهل حال الشاهد أما العالم بفسقه وكذبه فالظاهر أنه لا يلزمه الصوم (٣) إذ لا يتصور منه الجزم بالنية بل لا يجوز له صومه حيث حرم صومه كيوم الشك
стр. 1259
قال في المجموع ولو قال ليلة الثلاثين من شعبان أصوم غدا نفلا إن كان منه وإلا فمن رمضان ولم تكن أمارة فبان من شعبان صح صومه نفلا لأن الأصل بقاؤه صرح به المتولي وغيره وإن بان من رمضان لم يصح صومه فرضا ولا نفلا.
"والأسير" وفي معناه المحبوس وبه عبر أصله "يتحرى" (١) وجوبا إن اشتبه عليه رمضان فلا يجزئه الصوم بغير تحر كما في الصلاة والقبلة "فإن وافق" صومه بالتحري "الشهر" المطلوب منه صومه (٢) كرمضان "أو ما بعده أجزأه" كما في الصلاة ولأنه صام الشهر بنيته بعد وجوبه ويكون في الثانية قضاء لأنه وقع بعد خروج وقته ويجزئه أيضا فيما لو لم يعلم أنه وافقه أو لا لأن الظاهر من التحري الإصابة "لا" إن وافق "ما قبله" (٣) فلا يجزئه لوقوعه قبل وقته كما في الصلاة "ولو وافق شوالا وكان ناقصا ورمضان تاما قضى يومين" اليوم الناقص ويوم العيد لأنه لا يصح صومه "أو بالعكس" بأن كان شوال تاما ورمضان (٤) ناقصا "فلا قضاء" أو كانا تامين أو ناقصين قضى يوما كما صرح به الأصل "أو" وافق "الحجة" أي ذا الحجة "وهما" أي رمضان وذو الحجة "ناقصان أو كاملان قضى أربعة أيام" يوم العيد وأيام التشريق إذ لا يصح صومها" أو" التام ذو الحجة "والناقص رمضان قضى ثلاثة أيام أو" التام رمضان والناقص ذو "الحجة فخمسة أيام" يقضيها "ولو تحرى لشهر نذر فوافق رمضان لم يسقطا" أي لم يسقط
стр. 1260
شيء منهما لأنه إنما نوى النذر ورمضان لا يقبل غيره وهذا من زيادته ومثله لو كان عليه صوم قضاء فأتى به في رمضان فلو تحرى فلم يظهر له (١) شيء ففي المجموع أنه لا يلزمه أن يصوم وقيل يلزمه تخمينا ويقضي كنظيره في القبلة وأجاب الأول بأنه هنا لم يعلم دخول الوقت ولم يظنه فلم يؤمر بالصوم كمن شك في دخول وقت الصلاة بخلاف القبلة فإنه علم دخول وقت الصلاة وإنما عجز عن شرطها فأمر بالصلاة بحسب الإمكان لحرمة الوقت.
"فرع" لو "نوت الحائض" أو النفساء الصوم "قبل الانقطاع" للدم "ثقة بالعادة وانقطع الدم ليلا أجزأها" الصوم بهذه النية لأن الظاهر استمرار العادة سواء اتحدت أم اختلفت واتسقت ولم تنس اتساقها بخلاف ما إذا لم تكن لها عادة ولم يتم أكثر الحيض أو النفاس ليلا أو كان لها عادات مختلفة (٢) غير متسقة أو متسقة ونسيت اتساقها ولم يتم أكثر عاداتها ليلا لأنها لم تجزم ولا بنت على أصل ولا أمارة "كمن نوت" قبل انقطاع الدم "في ليلة يتم بها أكثر الحيض" أو النفاس وإن لم يكن عادتها فإنه يجزئها لأنها تقطع بأن نهارها كله طهر.
"ولو نوى الصائم ترك الصوم" منجزا أو معلقا كأن قال تركت صومي أو خرجت منه أو إذا جاء فلان تركت صومي أو خرجت منه "أو" نوى "قلبه نفلا" أو فرضا آخر "لم يضر كالحج" بجامع أن الوطء في كل منهما يوجب الكفارة بشرطه وإن لم يوجبها هنا إلا في صوم رمضان وتنظيره بالحج من زيادته أما لو نوى ثم رفض النية قبل الفجر فيجب تجديدها بلا خلاف قاله الزركشي وقد يمنع بأن الأكل والجماع ونحوهما بعد النية لا يوجب تجديدها كما مر وبأن الأذرعي قال أفهم كلام بعضهم أنه لو ارتد بعد النية ثم أسلم قبل الفجر كان كمن أكل أو جامع بعدها لكنه قال عقبه وفيه وقفة انتهى ويجاب بأن رفض النية ينافيها (٣) فأثر
стр. 1261
فيها قبل الفجر لضعفها حينئذ بخلاف تلك الأمور فإنها إنما تنافي الصوم لا النية وقضية هذا أن الردة مؤثرة وهو (١) ظاهر.
стр. 1262
فصل ويفطر الصائم بتعاطي المفطرات
"فصل ويفطر" الصائم بتعاطي المفطرات الآتي بيانها فيفطر "بالجماع" ولو بغير إنزال "عمدا" بالإجماع ولقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والرفث الجماع وقوله عمدا من زيادته وهو معلوم مما سيأتي "والاستمناء" وهو إخراج المني بغير جماع محرما كان كإخراجه بيده أو غير محرم كإخراجه بيد زوجته أو أمته أي ويفطر بالاستمناء عمدا "ولو بلمس وقبلة" بلا حائل (١) لأنه إذا أفطر بالجماع بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى بخلاف السهو فيه وفي الجماع كالأكل وسيأتي التصريح به في الجماع "لا" بالاستمناء بنحو "فكر و" لا "نظر (٢) ولا ضم" للمرأة أو نحوها إلى نفسه "بحائل" وإن تكررت الثلاثة بشهوة إذ لا مباشرة كالاحتلام مع أنه يحرم تكريرها وإن لم ينزل ولو لمس شعرها فأنزل قال في المجموع قال المتولي ففي فطره وجهان بناء على انتقاض الوضوء بلمسه.
قال ولو حك ذكره (٣) لعارض سوداء أو حكه فأنزل لم يفطر على الأصح لأنه متولد من مباشرة مباحة ولو قبلها وفارقها ساعة ثم أنزل فالأصح إن كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائما حتى أنزل أفطر وإلا فلا قاله في البحر قال ولو أنزل بلمس عضوها المبان (٤) لم يفطر انتهى والظاهر أن الحكم كذلك وإن
стр. 1263
اتصل بها عضوها المبان (١) لحرارة الدم هذا كله في الواضح أما المشكل فلا يضر وطؤه وإمناؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته جزم به في المجموع في باب ما ينقض الوضوء بالنسبة إلى الإمناء وهو لا ينافي ما تقدم من أن خروج المني من غير طريقه المعتاد كخروجه من طريقه المعتاد لأن ذلك محله إذا انسد الأصلي وذكر هنا عن العمراني (٢) ما يوافق ما جزم به ثم بالنسبة إلى المني والحيض مع زيادة بيان حكم ما إذا أمنى وحاض معا فراجعه.
"والتقبيل" في الفم أو غيره ولو من شاب "مباح إن (٣) لم يحرك شهوته" بأن ملك معه نفسه من الجماع أو الإنزال "وتركه أولى" حسما للباب إذ قد يظنه غير محرك وهو محرك ولأن الصائم يستحب له ترك الشهوات مطلقا "ولو لم يملك معه نفسه "مما ذكر "حرم" لأن فيه تعريضا لإفساد العبادة ولخبر الصحيحين "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (٤) وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة أنه ﷺ : "رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشباب وقال الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه" (٥) ففهمنا من التعليل أنه دائر مع تحريك الشهوة بالمعنى المذكور.
стр. 1264
ويفطر "باستدعاء القيء" (١) وإن لم يعد شيء منه إلى جوفه فإنه مفطر لعينه لا لعود شيء منه "لا إن ذرعه" القيء بالذال المعجمة أي غلبه فلا يفطر به لخبر "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض" رواه ابن حبان وغيره وصححوه (٢) "ولا قلع النخامة" من الباطن إلى الظاهر "مطلقا" أي سواء أقلعها من دماغه أم من باطنه لأن الحاجة إليه تتكرر فرخص فيه والنخامة هي الفضلة الغليظة التي يلفظها الشخص من فيه ويقال لها أيضا النخاعة بالعين.
"فرع يفطر" الصائم أيضا "بوصول عين" (٣) وإن قلت كسمسمة ولم تؤكل عادة كحصاة "من الظاهر في منفذ" بفتح الفاء "مفتوح عن قصد" لوصولها "مع ذكر الصوم إلى ما يسمى جوفا" لعموم مفهوم آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولخبر البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن ابن عباس قال إنما الفطر مما دخل وليس بما خرج (٤) أي الأصل ذلك وخرج بالعين الأثر كوصول الريح بالشم إلى دماغه والطعم بالذوق إلى حلقه وسيأتي بيانه مع ما يخرج ببقية القيود "ولو لم يحل" الجوف "الطعام" فإن الصائم يفطر به كما يفطر بالوصول إلى حلقه وإن لم يصل إلى معدته المحيلة للطعام.
"فيفطر بوصول الدواء من الجائفة والمأمومة الجوف" في الأول "وخريطة الدماغ" في الثاني وإن لم يصل باطن الأمعاء وباطن الخريطة "و" يفطر "بالحقنة "وهي الأدوية المعروفة أي بوصولها الجوف وفارق عدم الحرمة بحقنة الصبي باللبن
стр. 1265
بأن المقصود من الإرضاع إثبات اللحم واستثبات العظم وذلك مفقود في الحقنة والإفطار يتعلق بالوصول إلى الجوف وقد وصل، ذكره في المطلب "والسعوط" بفتح السين وهو ما يصب في الأنف من الأدوية أي بوصوله الجوف "ثم ألحق وما وراء الخياشيم" جمع خيشوم وهو أقصى الأنف "جوفان" فالواصل إليهما مفطر "وحدد الظاهر بمخرج الحاء المهملة" كالمعجمة المفهومة بالأولى وقال الرافعي نقلا عن الغزالي مخرجها من الباطن (١) بخلاف مخرج المعجمة فالحلق في قولهم الواصل إلى الحلق مفطر محمول على ما ضبطوا به الباطن منه "ثم داخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة" وهي بغين معجمة مفتوحة ولام ساكنة وصاد مهملة الموضع الناتئ في الحلق "و" منتهى "الخيشوم ظاهر" من حيث إن الصائم "يفطر باستخراج القيء إليه وابتلاع النخامة منه سواء استدعاها" أي استقلعها إلى الفم والأنف "أم لا" بل حصلت فيه بلا استدعاء "فإن جرت بنفسها" من الفم أو الأنف ونزلت إلى جوفه "عاجزا عن المج" لها "فلا" يفطر للعذر بخلاف ما إذا أجري ظاهرا وهو ظاهر أو جرت بنفسها قادرا على مجها (٢) لتقصيره مع أن نزولها منسوب إليه وبه فارق ما إذا طعنه غيره كما (٣) سيأتي "لا بدخول شيء إليه" أي إلى داخل الفم أو الأنف أي لا يفطر به وإن أمسكه.
"فإن تنجس وجب غسله" والحاصل أن له حكم الظاهر فيما ذكر "وله حكم الباطن في ابتلاع" أي في عدم الإفطار بابتلاع "الريق منه و" في "سقوط غسله عن الجنب" ويفارق وجوب غسل النجاسة عنه بأن تنجس البدن أندر من الجنابة فضيق فيه دونها.