فيها قبل الفجر لضعفها حينئذ بخلاف تلك الأمور فإنها إنما تنافي الصوم لا النية وقضية هذا أن الردة مؤثرة وهو (١) ظاهر.
стр. 1262
فصل ويفطر الصائم بتعاطي المفطرات
"فصل ويفطر" الصائم بتعاطي المفطرات الآتي بيانها فيفطر "بالجماع" ولو بغير إنزال "عمدا" بالإجماع ولقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والرفث الجماع وقوله عمدا من زيادته وهو معلوم مما سيأتي "والاستمناء" وهو إخراج المني بغير جماع محرما كان كإخراجه بيده أو غير محرم كإخراجه بيد زوجته أو أمته أي ويفطر بالاستمناء عمدا "ولو بلمس وقبلة" بلا حائل (١) لأنه إذا أفطر بالجماع بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى بخلاف السهو فيه وفي الجماع كالأكل وسيأتي التصريح به في الجماع "لا" بالاستمناء بنحو "فكر و" لا "نظر (٢) ولا ضم" للمرأة أو نحوها إلى نفسه "بحائل" وإن تكررت الثلاثة بشهوة إذ لا مباشرة كالاحتلام مع أنه يحرم تكريرها وإن لم ينزل ولو لمس شعرها فأنزل قال في المجموع قال المتولي ففي فطره وجهان بناء على انتقاض الوضوء بلمسه.
قال ولو حك ذكره (٣) لعارض سوداء أو حكه فأنزل لم يفطر على الأصح لأنه متولد من مباشرة مباحة ولو قبلها وفارقها ساعة ثم أنزل فالأصح إن كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائما حتى أنزل أفطر وإلا فلا قاله في البحر قال ولو أنزل بلمس عضوها المبان (٤) لم يفطر انتهى والظاهر أن الحكم كذلك وإن
стр. 1263
اتصل بها عضوها المبان (١) لحرارة الدم هذا كله في الواضح أما المشكل فلا يضر وطؤه وإمناؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته جزم به في المجموع في باب ما ينقض الوضوء بالنسبة إلى الإمناء وهو لا ينافي ما تقدم من أن خروج المني من غير طريقه المعتاد كخروجه من طريقه المعتاد لأن ذلك محله إذا انسد الأصلي وذكر هنا عن العمراني (٢) ما يوافق ما جزم به ثم بالنسبة إلى المني والحيض مع زيادة بيان حكم ما إذا أمنى وحاض معا فراجعه.
"والتقبيل" في الفم أو غيره ولو من شاب "مباح إن (٣) لم يحرك شهوته" بأن ملك معه نفسه من الجماع أو الإنزال "وتركه أولى" حسما للباب إذ قد يظنه غير محرك وهو محرك ولأن الصائم يستحب له ترك الشهوات مطلقا "ولو لم يملك معه نفسه "مما ذكر "حرم" لأن فيه تعريضا لإفساد العبادة ولخبر الصحيحين "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (٤) وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة أنه ﷺ : "رخص في القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشباب وقال الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه" (٥) ففهمنا من التعليل أنه دائر مع تحريك الشهوة بالمعنى المذكور.
стр. 1264
ويفطر "باستدعاء القيء" (١) وإن لم يعد شيء منه إلى جوفه فإنه مفطر لعينه لا لعود شيء منه "لا إن ذرعه" القيء بالذال المعجمة أي غلبه فلا يفطر به لخبر "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض" رواه ابن حبان وغيره وصححوه (٢) "ولا قلع النخامة" من الباطن إلى الظاهر "مطلقا" أي سواء أقلعها من دماغه أم من باطنه لأن الحاجة إليه تتكرر فرخص فيه والنخامة هي الفضلة الغليظة التي يلفظها الشخص من فيه ويقال لها أيضا النخاعة بالعين.
"فرع يفطر" الصائم أيضا "بوصول عين" (٣) وإن قلت كسمسمة ولم تؤكل عادة كحصاة "من الظاهر في منفذ" بفتح الفاء "مفتوح عن قصد" لوصولها "مع ذكر الصوم إلى ما يسمى جوفا" لعموم مفهوم آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولخبر البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن ابن عباس قال إنما الفطر مما دخل وليس بما خرج (٤) أي الأصل ذلك وخرج بالعين الأثر كوصول الريح بالشم إلى دماغه والطعم بالذوق إلى حلقه وسيأتي بيانه مع ما يخرج ببقية القيود "ولو لم يحل" الجوف "الطعام" فإن الصائم يفطر به كما يفطر بالوصول إلى حلقه وإن لم يصل إلى معدته المحيلة للطعام.
"فيفطر بوصول الدواء من الجائفة والمأمومة الجوف" في الأول "وخريطة الدماغ" في الثاني وإن لم يصل باطن الأمعاء وباطن الخريطة "و" يفطر "بالحقنة "وهي الأدوية المعروفة أي بوصولها الجوف وفارق عدم الحرمة بحقنة الصبي باللبن
стр. 1265
بأن المقصود من الإرضاع إثبات اللحم واستثبات العظم وذلك مفقود في الحقنة والإفطار يتعلق بالوصول إلى الجوف وقد وصل، ذكره في المطلب "والسعوط" بفتح السين وهو ما يصب في الأنف من الأدوية أي بوصوله الجوف "ثم ألحق وما وراء الخياشيم" جمع خيشوم وهو أقصى الأنف "جوفان" فالواصل إليهما مفطر "وحدد الظاهر بمخرج الحاء المهملة" كالمعجمة المفهومة بالأولى وقال الرافعي نقلا عن الغزالي مخرجها من الباطن (١) بخلاف مخرج المعجمة فالحلق في قولهم الواصل إلى الحلق مفطر محمول على ما ضبطوا به الباطن منه "ثم داخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة" وهي بغين معجمة مفتوحة ولام ساكنة وصاد مهملة الموضع الناتئ في الحلق "و" منتهى "الخيشوم ظاهر" من حيث إن الصائم "يفطر باستخراج القيء إليه وابتلاع النخامة منه سواء استدعاها" أي استقلعها إلى الفم والأنف "أم لا" بل حصلت فيه بلا استدعاء "فإن جرت بنفسها" من الفم أو الأنف ونزلت إلى جوفه "عاجزا عن المج" لها "فلا" يفطر للعذر بخلاف ما إذا أجري ظاهرا وهو ظاهر أو جرت بنفسها قادرا على مجها (٢) لتقصيره مع أن نزولها منسوب إليه وبه فارق ما إذا طعنه غيره كما (٣) سيأتي "لا بدخول شيء إليه" أي إلى داخل الفم أو الأنف أي لا يفطر به وإن أمسكه.
"فإن تنجس وجب غسله" والحاصل أن له حكم الظاهر فيما ذكر "وله حكم الباطن في ابتلاع" أي في عدم الإفطار بابتلاع "الريق منه و" في "سقوط غسله عن الجنب" ويفارق وجوب غسل النجاسة عنه بأن تنجس البدن أندر من الجنابة فضيق فيه دونها.
стр. 1266
"فرع لو أدخل" الصائم "في أذنه أو إحليله" (١) وهو مخرج البول من الذكر واللبن من ثدي "شيئا فوصل إلى الباطن أفطر" وإن كان لا منفذ منه إلى الدماغ في الأولى لأنه نافذ إلى داخل قحف الرأس وهو جوف أو لم يجاوز الداخل فيه الحشفة أو الحلمة في الثانية لوصوله إلى جوف "ولا يفطر بالفصد والحجامة" لخبر البخاري أنه ﷺ "احتجم وهو صائم" (٢) وقيس بالحجامة الفصد وأما خبر أبي داود "أفطر الحاجم والمحجوم" (٣) فأجابوا عنه بأنه منسوخ بخبر البخاري وبأن خبر البخاري أصح ويعضده أيضا القياس وبأن المعنى أنهما تعرضا للإفطار المحجوم للضعف والحاجم لأنه لا يأمن أن يصل شيء إلى جوفه بمص المحجمة وبأنهما كانا يغتابان في صومهما كما رواه البيهقي في بعض طرقه والمعنى أنه ذهب أجرهما "ويكرهان له" لأنهما يضعفانه وهذا ما جزم به الأصل وجزم في المجموع بأن ذلك خلاف الأولى قال الإسنوي وهو المنصوص (٤) وقول الأكثرين فلتكن الفتوى عليه وهو مقتضى كلام المنهاج وأصله وجزم المحاملي بأنه يكره أن يحجم غيره أيضا.
"ولو طعن نفسه" أو طعنه غيره بإذنه كما في الأصل بحديدة أو نحوها "فوصلت جوفه لا مخ ساقه أفطر" لتقصيره بخلاف ما إذا لم يأذن وإن تمكن من دفعه إذ لا فعل له وبخلاف ما إذا وصلت مخ ساقه أو نحوها لأنه لا يعد عضوا مجوفا قاله في الأصل واستشكل عدم إفطاره بطعن غيره بغير إذنه إذا تمكن من دفعه بما لو حلق شعر المحرم بغير إذنه وتمكن من الدفع فإنه كما لو حلق بإذنه ويجاب بأن الشعر في يد المحرم كالوديعة وترك الدفع عنها مضمن بخلاف ما هنا فإن
стр. 1267
الإفطار به منوط بما ينسب فعله إلى الصائم.
"ولا" يفطر "بالكحل" أي بوصوله العين وإن وجد بحلقه منه طعما لأن العين ليست جوفا ولا منفذ منها للحلق ولما روى البيهقي والحاكم أنه ﷺ "كان يكتحل بالإثمد وهو صائم" (١) لكن قال في المجموع أنه ضعيف قال ولا كراهة في ذلك وفي حلية الروياني أنه خلاف الأولى "وما" أي ولا بما "تشربته المسام" بتشديد الميم ثقب البدن جمع سم بتثليث السين والفتح أفصح وذلك فيما إذا دهن بدهن فلا يفطر به "وإن وصل إلى الجوف" لأنه لم يصل في منفذ مفتوح فأشبه الانغماس في الماء وإن وجدا أثره في باطنه.
"فرع لو ابتلع" بالليل "طرف خيط فأصبح صائما فإن ابتلع باقيه أو نزعه أفطر وإن تركه بطلت صلاته وطريقه" في صحة صومه وصلاته "أن ينزع منه وهو غافل" قال الزركشي وقد لا يطلع عليه عارف بهذا الطريق ويريد هو الخلاص فطريقه أن يجبره الحاكم على نزعه ولا يفطر لأنه كالمكره بل لو قيل أنه لا يفطر بالنزع باختياره لم يبعد تنزيلا لإيجاب الشرع منزلة الإكراه كما إذا حلف ليطأها في هذه الليلة فوجدها (٢) حائضا لا يحنث بترك الوطء انتهى أما إذا لم يكن غافلا وتمكن من دفع النازع فإنه يفطر لأن النزع موافق لغرض النفس فهو منسوب إليه عند تمكنه من الدفع وبهذا فارق من طعنه بغير إذنه وتمكن من دفعه "و" إذا لم يتفق شيء مما ذكر "يجب نزعه أو ابتلاعه (٣) محافظة على الصلوات" لأن حكمها أغلظ (٤) من حكم الصوم لقتل تاركها دون تاركه "ولا يفطر بغبار الطريق وغربلة الدقيق" لعدم قصده لهما ولعسر تجنبهما "ولو فتح فاه عمدا" حتى دخل التراب جوفه فإنه لا يفطر به لأنه معفو عن جنسه قال في المجموع تبعا للرافعي وشبهوه بالخلاف في العفو عن دم البراغيث المقتولة عمدا
стр. 1268
وقضيته تصحيح أن محل (١) عدم الإفطار به إذا كان قليلا ولو خرجت مقعدة المبسور ثم عادت لم يفطر وكذا إن أعادها على الأصح (٢) لاضطراره إليه كما لا يبطل طهر المستحاضة بخروج الدم ذكره البغوي والخوارزمي ويوجه أيضا بأنه كالريق إذا ابتلعه بعد انفصاله عن الفم على اللسان وبه يفارق ما لو أكل جوعا.
"فرع" لو "ابتلع ريقه الصرف" بكسر الصاد أي الخالص "لم يفطر" لعسر التحرز عنه "ولو بعد جمعه" ولو بنحو مصطكى فإنه لا يفطر به لأنه لم يخرج من معدنه وابتلاعه متفرقا جائز "ويفطر به إن تنجس" كمن دميت لثته (٣) أو أكل شيئا نجسا (٤) ولم يغسل فمه حتى أصبح وإن ابيض ريقه وكذا لو اختلط بطاهر آخر كما أفهمه قوله الصرف كمن فتل خيطا مصبوغا تغير به ريقه "أو زايل" ريقه "فمه" أي خرج منه ولو إلى ظاهر الشفة "ولو في خيط" الخياط أو امرأة في غزلها لإمكانه التحرز عن ذلك ولمفارقة الريق معدنه في الأخيرة "لا" إن زايل ريقه فمه "في لسانه" فلا يفطر ببلعه إذ اللسان كيفما تقلب معدود من داخل الفم فلم يفارق ما عليه معدنه.
"فرع لا يفطره ولا يمنعه من إنشاء صوم نفل" بالنهار "سبق ماء المضمضة والاستنشاق المشروعين" إلى باطنه أو دماغه "إن لم يبالغ فيه" أي في كل منهما لأنه حسا من مأمور به بغير اختياره "بخلاف" ما إذا بالغ فيه لأنه منهي عن المبالغة (٥) وبخلاف سبق ماءيهما غير المشروعين كأن جعل الماء في فمه أو أنفه لا لغرض وبخلاف سبق ماء "غسل التبرد و" (٦) المرة "الرابعة" من المضمضة أو
стр. 1269
الاستنشاق لأنه غير مأمور بذلك بل منهي عنه في المرة الرابعة "ولا" يفطره ولا يمنعه من إنشاء صوم نفل سبق ماء "تطهير الفم" من نجاسة "وإن بالغ فيه" عند الحاجة لوجوب إزالتها "ولا" يفطره ولا يمنعه مما ذكر "جري الريق ببقايا طعام بين أسنانه لم يمكن تمييزه حسا" لأنه معذور فيه بخلاف ما إذا أمكنه ذلك "ولا "جريه "بأثر ماء المضمضة" وإن أمكنه مجه لعسر التحرز عنه.
"فرع وإن أوجر" بأن صب الماء في حلقه "مكرها أو مغمى عليه أو ضبطت" امرأة "فجومعت" أو جومعت مكرهة كما ذكره الأصل "لم يفطر" واحد منهما لانتفاء الفعل والقصد "وكذا" لا يفطر "إذا أكل أو وطئ مكرها" (١) كما في الحنث ولأن أكله ووطأه ليس منهيا عنهما فأشبه الناسي بل أولى لأنه مخاطب بالأكل والوطء لدفع ضرر الإكراه عن نفسه بخلاف الناسي وفارق الأكل لدفع الجوع بأن الإكراه قادح في اختياره بخلاف الجوع لا يقدح فيه بل يزيده تأثيرا.
"ولا يفطر الناسي" للصوم "و" لا "الجاهل" بتحريم ما فعله وبكونه مفطرا "المعذور" بأن قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء "بالأكل ولو كثر" لعموم خبر الصحيحين من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه (٢) فإنما أطعمه الله وسقاه (٣) في رواية صححها ابن حبان وغيره "ولا قضاء عليه" (٤) وفارق الصلاة بأن لها هيئة تذكر المصلي أنه فيها فيندر ذلك فيها بخلاف الصوم "ولا
стр. 1270
بالجماع" قياسا على الأكل "ويحرم أكل الشاك هجوما آخر النهار لا آخر الليل" لأن الأصل بقاء النهار في الأولى وبقاء الليل في الثانية ولا حاجة إلى الجمع بين الشك والهجوم "حتى يجتهد" (١) ويظن انقضاء النهار فيجوز له الأكل لكن الأحوط أن لا يأكل إلا بيقين كما ذكره الأصل "فإن غلط فيهما" أي في الطرفين أي مجموعهما "قضى" سواء أكل شاكا في البقاء أم ظانا له "وإن أشكل على الهاجم" الحال بأن لم يتبين له أنه أكل نهارا أو ليلا "قضى في الأولة" أي فيما إذا أكل آخر النهار "فقط" أي دون الثانية للأصل فيهما.
"فرع لو طلع الفجر وفي فيه" وفي نسخة فمه "طعام فلفظه صح صومه ولو سبق منه شيء إلى الجوف" لانتفاء الفعل والقصد بخلاف ما لو ابتلع منه شيئا باختياره فإنه يفطر وخرج بقوله فلفظه ما لو أمسكه من فيه فإنه وإن صح صومه لكنه لا يصح مع سبق شيء منه إلى جوفه كما لو وضعه في فيه نهارا فسبق منه شيء إلى جوفه كما علم مما مر "وكذا مجامع علم بالفجر حين طلع فنزع" في الحال وقصد بالنزع ترك الجماع (٢) فإنه يصح صومه وإن أنزل لتولده من مباشرة مباحة ولأن النزع ترك للجماع فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه فنزعه في الحال وأولى من ذلك بالصحة ما صرح به الأصل من أن يحس وهو مجامع بتباشير الصبح فينزع بحيث يوافق آخر النزع ابتداء الطلوع.
"فإن استدام" الجماع بعد علمه بالطلوع "أفطر وعليه الكفارة "كالمجامع بعد الطلوع بجامع منع الصحة بجماع آثم به بسبب الصوم بخلاف استمرار معلق الطلاق بالوطء لا يجب به المهر والفرق أن ابتداء فعله هنا لا كفارة فيه فتعلق بآخر لئلا
стр. 1271
يخلو جماع نهار رمضان عنها والوطء ثم غير خال عن مقابلة المهر إذ المهر في النكاح يقابل جميع الوطآت نعم إن استدام (١) لظن أن صومه بطل وإن نزع فلا كفارة (٢) عليه لأنه لم يقصد هتك الحرمة كما اقتضاه كلامهم وصرح به الماوردي والروياني "وإن لم يعلم" بطلوعه "حتى طلع أفطر" لأن بعض النهار مضى وهو مجامع فأشبه الغالط بالأكل "ولا كفارة" عليه "وإن استدام عالما" بطلوع الفجر لأن استدامته مسبوقة بالإفطار وقضية كلامه كأصله أن صومه في هذه والتي قبلها انعقد ثم بطل والمشهور أنه لم ينعقد أصلا (٣) ونظيره ما لو أحرم مجامعا وسيأتي أنه لا ينعقد لكن لم ينزلوا منع الانعقاد منزلة الإفساد بخلافه هنا ويفرق بأن النية هنا متقدمة على طلوع الفجر فكأن الصوم انعقد ثم أفسد بخلافها ثم "بخلاف من جامع ناسيا ثم تذكر فاستدام فإنها تلزمه" لبطلان صومه بجماع أثم به بسبب الصوم "ولا معول على ما يعلم بالعقل بل بالرؤية" نظرا للظاهر أشار إلى جواب سؤال ذكره الأصل مع السؤال ومع جواب آخر بقوله فإن قيل كيف يعلم الفجر بمجرد طلوعه وطلوعه الحقيقي يتقدم على علمنا به فأجاب الشيخ أبو محمد بجوابين أحدهما أنها مسألة وضعت على التقدير ولا يلزم وقوعها والثاني أنا تعبدنا بما نطلع عليه ولا معنى للصبح إلا ظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له فالعارف بالأوقات ومنازل القمر يدرك أول الصبح المعتبر زاد في الروضة قلت هذا الثاني هو الصحيح.
стр. 1272
فصل: شروط الصوم
"فصل وشروطه "أي الصوم من حيث الفاعل والوقت "أربعة الإسلام" (١)
стр. 1273
فلا يصح صوم الكافر أصليا (١) كان أو مرتدا ولو ناسيا للصوم (٢) "والطهر من حيض ونفاس" (٣) فلا يصح صوم الحائض والنفساء "والعقل" أي التمييز فلا يصح صوم غير المميز كمن زال عقله ولو بشرب دواء ليلا كالصلاة في الثلاثة "والوقت القابل" للصوم لما سيأتي وعده كأصله لهذا شرطا أولى من عد بعضهم له ركنا وإن كنت تبعته في موضع "فالأولان" من الأربعة "يشترطان في جميع النهار" فلو ارتد أو حاضت أو نفست في بعضه بطل صومه وكذا لو ولدت ولم تر دما كما صححه في المجموع "وأما الثالث" فيفصل فيه بين زواله بجنون وغيره "فتشترط السلامة من الجنون في جميع النهار" فلو جن في بعضه بطل صومه ومثله عدم التمييز للصغير "و" تشترط السلامة "من الإغماء والسكر في جزء منه" (٤) فيكفي انتفاؤهما لحظة منه لأنهما ما في الاستيلاء (٥) على العقل فوق النوم ودون الجنون فلو قلنا إن المستغرق منهما لا يضر كالنوم لألحقنا الأقوى بالأضعف ولو قلنا إن اللحظة منهما تضر كالجنون لألحقنا الأضعف بالأقوى فتوسطنا وقلنا إن الإفاقة في اللحظة كافية.
"ولا يضر استغراق النهار بالنوم" لبقاء أهلية الخطاب معه إذ النائم يتنبه إذا نبه ولهذا يجب قضاء الصلاة الفائتة بالنوم دون الفائتة بالإغماء "والرابع لوقت فيصح "الصوم في أيام السنة كلها "إلا في" يومي "العيدين فحرام" فلا يصح
стр. 1274
صومهما ولو عن واجب للنهي عنه في خبر الصحيحين "وكذا أيام التشريق" (١) وهي ثلاثة أيام بعد يوم الأضحى للنهي عن صيامها في خبر أبي داود بإسناد صحيح (٢) وفي خبر مسلم أنها أيام أكل وشرب وذكر الله (٣).
"ولو" كان صومها "للمتمتع" العادم للهدي لعموم النهي عنه هذا هو الجديد وفي القديم يجوز له صومها عن الثلاثة الواجبة في الحج لما روى البخاري عن عائشة وابن عمر قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي قال في الروضة وهو الراجح دليلا أي نظرا إلى أن المراد لم يرخص النبي ﷺ .
"وكذا يوم الشك" صومه حرام فلا يصح لقول عمار بن ياسر من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه الترمذي وغيره وصححوه وعلقه البخاري (٤) قيل والمعنى فيه القوة على صوم رمضان وضعفه السبكي بعدم كراهة صوم شعبان على أن الإسنوي قال إن المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون الكراهة لا التحريم "إلا ما" أي صوما "له سبب" كورد (٥) ونذر وقضاء فيصح إيقاعه يوم الشك كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة لخبر الصحيحين لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه (٦)
стр. 1275
بأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو يوم معين كالاثنين فصادفه وقيس بالورد الباقي بجامع السبب ولا يشكل الخبر بخبر "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"١ لتقدم النص على الظاهر. وسواء في القضاء الفرض والنفل ٢ ولا كراهة في صومه لورد وكذا لفرض ٣ كما في المجموع عن مقتضى كلام الجمهور ونقله الأصل عن ابن الصباغ ونقل الكراهة عن القاضي أبي الطيب ونقلها الإسنوي عن جمع ورجحها ومنع قياس الفرض على النفل بأن ذمته لا تبرأ منه بتقدير كونه من رمضان قال فلو أخر صوما ليوقعه يوم الشك فقياس كلامهم في الأوقات ٤ المنهي عنها تحريمه ولا خلاف أنه لا يجوز صومه احتياطا لرمضان وهذا وارد على جواز ما له سبب لأنه تطوع له سبب وهو الاحتياط لكنه خرج بقولهم قبل لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد عن رمضان إن كان منه فكان منه لم يقع عنه أي لأنه إذا لم يقع عنه لا يكون احتياطا فإن قلت هلا استحب صومه إن أطبق الغيم خروجا من خلاف الإمام أحمد حيث قال بوجوبه حينئذ قلنا نحن لا نراعي الخلاف إذا خالف سنة صريحة وهي هنا خبر "فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"٥.
"فلو نذر صومه لم يصح" لخبر مسلم لا نذر في معصية الله ٦ "وهو" أي يوم الشك "يوم الثلاثين من شعبان الذي يتحدث فيه بالرؤية من يظن
١ صحيح: رواه أبو داود "١/ ٣٠٠" كتناب الصوم حديث "٢٣٣٧". والترمذي "٣/ ١١٥" حديث "٧٣٨". وابن ماجة "١/ ٥٢٨" حديث "١٦٥١" قال الحافظ ابن الحجر: قال جمهور العلماء: يجوز الصوم نطوعا بعد نصف من شعبان، وضعفوا هذا الحديث. قال أحمد وابن معين: إنه منكر.
٢ "قوله: وسواء في القضاء الفرض والنفل" من صور قضاء النفل أن يشرع في صوم ثم يفسده.
٣ "قوله: وكذا الفرض" أشار إلى تصحيحه.
٤ "قوله: فقياس قولهم في الأوقات إلخ" أشار إلى تصحيحه.
٥ سبق تخريجه.
٦ "قوله: من يظن صدقه" قال شيخنا علم من قوله من يظن صدقه أي في الجملة ولم يقع ذلك بالفعل ليخرج ما إذا ظن كذبه فليس بشك وأما إذا وقع ذلك بالفعل ولم يتبين خلافه فهو رمضان وليس بشك.
٧ - (قوله: من يضن صدقه) قال شيخنا علم من قوله: من يظن صدقه اي في جمله ولم يقع ذلك بالفعل ليخرج ما اذا ظن كذبه فليس بشك وأما اذا وقع ذلك بالفعل ولم يتبين خلافه فهو رمضان وليس بشك.
стр. 1276
صدقه ولم يثبت" بأن لم يشهد بها أحد أو شهد بها صبيان أو عبيد أو فسقة أو نساء وظن صدقهم أو عدل ولم يكتف به وإنما لم يصح صومه عن رمضان لأنه لم يتبين كونه منه نعم من اعتقد صدق من قال إنه رآه ممن ذكر يصح منه صومه بل يجب عليه كما تقدم عن البغوي في طائفة أول الباب وتقدم في أثنائه صحة نية معتقد ذلك ووقوع الصوم عن رمضان إذا تبين كونه منه فلا تنافي بين ما ذكر في المواضع الثلاثة على ما زعمه بعضهم وأجيب عما زعمه أيضا بأجوبة أخرى فيها نظر وذكرت بعضها في شرح (١) البهجة وقضية كلامه كأصله أن يوم الشك يحصل بما ذكر سواء أطبق الغيم أم لا لكن قيده صاحب البهجة تبعا للطاوسي والبارزي (٢) بعدم إطباقه فمع إطباقه لا يورث شيء مما ذكر الشك والأول أوجه إذ الفرض ظن صدق من ذكر واعتبروا هنا العدد فيمن يشهد بخلافه فيما مر في صحة النية احتياطا للعبادة فيهما أما إذا لم يتحدث أحد بالرؤية فليس اليوم يوم شك بل هو من شعبان وإن أطبق الغيم لخبر "فإن غم عليكم" (٣).
"فرع "إذا انتصف شعبان حرم الصوم بلا سبب إن لم يصله بما قبله على الصحيح في المجموع وغيره لخبر "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح لكن ظاهره أنه يحرم وإن وصله بما قبله وليس مرادا حفظا لأصل مطلوبية الصوم.
стр. 1277
فصل: ببين الصومين واجب إذ الوصال
"فصل: ببين الصومين واجب إذ الوصال" في الصوم نفلا كان أو
стр. 1278
فرضا "حرام" (١) لنهي عنه في الصحيحين وهو أن يصوم يومين فأكثر (٢) ولا يتناول بالليل مطعوما عمدا بلا عذر ذكره في المجموع وقضيته أن الجماع ونحوه لا يمنع الوصال قال في المهمات وهو ظاهر المعنى لأن تحريم الوصال للضعف أي عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات وترك الجماع ونحوه لا يضعف بل يقوي لكن قال في البحر هو أن يستديم جميع أوصاف الصائمين وذكر الجرجاني وابن الصلاح نحوه قال وتعبير الرافعي أي وغيره بأن يصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كتارك النية لا يكون امتناعه ليلا من تعاطي المفطر وصالا لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أنه جرى (٣) على الغالب.
"ويسن تعجيله" ي الفطر "بتحقق الغروب" ي عنده لخبر الصحيحين"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (٤) زاد الإمام أحمد "وأخروا السحور" (٥) وفي ثقات ابن حبان بإسناد صحيح "كان رسول الله ﷺ إذا كان صائما لم يصل حتى نأتيه برطب وماء فيأكل" (٦) ولما في ذلك من مخالفة اليهود والنصارى ويكره أن يؤخره إن قصد ذلك ورأى أن فيه فضيلة وإلا فلا بأس به نقله في المجموع عن نص الأم وفيه عن صاحب البيان أنه يكره أن يتمضمض بماء ويمجه وأن يشربه ويتقيأه إلا لضرورة قال وكأنه شبيه بالسواك للصائم بعد الزوال لكونه يزيل الخلوف قال الزركشي وهذا إنما يأتي (٧) إذا قلنا إن كراهة السواك لا تزول
стр. 1279
بالغروب والأكثرون على خلافه (١) وسيأتي وخرج بتحقق الغروب ظنه باجتهاد فلا يسن تعجيل الفطر به وظنه بلا اجتهاد وشكه فيحرم بهما كما مر ذلك.
"و"يسن "كونه على تمر ثم حلو (٢) وإلا" أي وإن لم يجد ذلك "فماء" وفي نسخة على تمر وإلا فماء ثم حلو وهو غريب والأول نقله الأصل عن (٣) الروياني ونقل عن القاضي أن الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة قال في المجموع وهذان شاذان والمذهب الأول وهو الصواب يعني فطره على تمر ثم ماء لخبر "إذا كان أحدكم صائما فليفطر على التمر فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور" (٤) رواه الترمذي وغيره وصححوه ولخبر "كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء" (٥) رواه الترمذي وحسنه وقضيته تقديم الرطب (٦) على التمر وهو كذلك وإن السنة تثليث ما يفطر عليه وهو قضية نص الشافعي في حرملة وجماعة من الأصحاب ويجمع بينه وبين تعبير جماعة بتمرة بحمل ذاك على أصل السنة (٧) وهذا على كمالها قال المحب الطبري والقصد بذلك أن لا يدخل أولا جوفه ما مسته النار ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة تفاؤلا قال
стр. 1280
ومن كان بمكة سن له أن يفطر على ماء زمزم لبركته ولو جمع بينه وبين التمر فحسن. ا هـ. ورد هذا بأنه مخالف للأخبار وللمعنى الذي شرع الفطر على التمر لأجله وهو حفظ البصر أو أن التمر إذا نزل إلى المعدة فإن وجدها خالية حصل الغذاء وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام وهذا لا يوجد في ماء زمزم.
"و" يسن "أن يتسحر" (١) لخبر الصحيحين "تسحروا فإن في السحور بركة" (٢) ولخبر الحاكم في صحيحه "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار وبقيلولة النهار على قيام الليل" (٣)، والسحور بفتح السين المأكول في السحر وبضمها الأكل حينئذ ويحصل بقليل المطعوم وكثيره لخبر ابن حبان في صحيحه "تسحروا ولو بجرعة ماء" (٤) "و" أن "يؤخره ما لم يشك" في طلوع الفجر لخبر "لا يزال الناس بخير" (٥) ولأنه أقرب إلى التقوي على العبادة فإن شك في ذلك لم يسن التأخير بل الأفضل تركه للخبر الصحيح "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٦).
"ويستحب" استحبابا مؤكدا "في رمضان مدارسة القرآن" وهي أن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه لخبر الصحيحين "كان جبريل يلقى النبي ﷺ في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن" (٧)، وذكر الأصل استحباب كثرة تلاوته والمصنف قدمه
стр. 1281
في باب الأحداث لكنه لم يقيد برمضان فالمراد منه أنها تستحب مطلقا لكنها في رمضان آكد "وكثرة الجود "لخبر الصحيحين "أنه ﷺ كان أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل" (١).
"و" كثرة "الاعتكاف" للاتباع رواه الشيخان ولأنه أقرب لصون النفس عن ارتكاب ما لا يليق وذكر الكثرة في هذه من زيادته إن عطف مدخولها على الجود كما قررته فإن عطف على ما قبله فلا زيادة "لا سيما" في "العشر الأواخر" منه فهو أولى بذلك من غيره للاتباع رواه الشيخان ورويا خبر أنه ﷺ كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر (٢) وفي رواية لمسلم "كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" (٣) "فيعتكف قبل دخولها لطلب ليلة القدر" وقوله "وأن يقف" أي يمكث معتكفا "إلى صلاة العيد" معترض بين المعلل والتعليل بقوله "فإنها" أي ليلة القدر "فيها" أي في العشر الأواخر "لا تنتقل" منه إلى غيره على الأصح وإن كانت تنتقل من ليلة منه إلى أخرى منه على ما اختاره النووي وغيره جمعا بين الأخبار وحثا على إحياء جميع ليالي العشر.
وقال الشافعي وجماعة بلزومها ليلة بعينها (٤) فقال في موضع إنها ليلة الحادي والعشرين وفي آخر إنها ليلة الثالث والعشرين ودليل قوله الأول في الصحيحين والثاني في مسلم وجمع في المختصر بينهما فقال ويشبه أن يكون في ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين. ا هـ. وقيل إنها ليلة ثلاث وعشرين وقيل أربع وعشرين وقيل خمس وعشرين أو سبع وعشرين وقيل تسع وعشرين وقيل آخر ليلة من الشهر وقيل إنها في غير العشر الأخيرة وقيل إنها في ليلة سبع عشرة وقيل تسع عشرة وقيل ليلة النصف وقيل غير ذلك (٥) وليلة القدر "خصت بها هذه الأمة"
стр. 1282
"فلم تكن لمن قبلهم وهي التي يفرق فيها كل أمر (١) حكيم وسميت ليلة القدر لأنها ليلة الحكم والفصل وقيل لعظم قدرها "وهي أفضل ليلة" في العام قال تعالى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾ [القدر: ٣]
أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر "وباقية إلى يوم القيامة" بالإجماع فيستحب طلبها والاجتهاد في إدراكها كل عام وأما قوله ﷺ في خبر البخاري "فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في السبع والتسع" (٢) فالمراد رفع علم عينها ولو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها ومعنى عسى أن يكون خيرا لكم أي لترغبوا في طلبها والاجتهاد في كل الليالي "وأرجاها ليلة الحادي والعشرين (٣) أو الثالث والعشرين " ثم سائر أوتاره لأخبار منها غير ما أشرت إليه فيما مر خبر الصحيحين "التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر (٤) " "فليكثر فيها وفي يومها من الدعاء" بما أحب من دين ودنيا مع الصلاة وغيرها مما يتأتى من سائر العبادات بإخلاص وصحة يقين لخبر الصحيحين "من قام ليلة القدر إيمانا أي تصديقا بأنها حق وطاعة واحتسابا أي طلبا لرضا الله وثوابه لا للرياء ونحوه غفر له ما تقدم من ذنبه" (٥) وقيس بها يومها.
"و" من "قوله اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفوا عني" "لقول عائشة رضي
стр. 1283
الله عنها يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول قال تقولين اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني (١) رواه الترمذي وقال حسن صحيح "وعلامتها عدم الحر والبرد" فيها "و" أن "تطلع الشمس صبيحتها" بيضاء "بلا كثير شعاع" لخبر في مسلم ورد بهذه الصفة وفي حكمته قولان أحدهما أنها علامة جعلها الله لها ثانيهما أن ذلك لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به فسترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها قال في المجموع فإن قيل أي فائدة لمعرفة صفتها بعد فواتها فإنها تنقضي بطلوع الفجر فالجواب من وجهين:
أحدهما أنه يستحب أن يكون اجتهاده في يومها الذي بعدها كاجتهاده فيها، ثانيهما المشهور في المذهب أنها لا تنتقل (٢) فإذا عرفت ليلتها في سنة انتفع بذلك في الاجتهاد فيها في السنة الثانية وما بعدها ويسن لمن رآها كتمها قال النووي في شرح مسلم لا ينال فضلها (٣) إلا من أطلعه الله عليها فلو قامها إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها وقد ينازعه فيه قول المتولي (٤) يستحب أن يقصد إلى التعبد في هذه الليالي كلها حتى يحوز الفضيلة.
"ولو علق قبل دخول العشر" الأواخر في رمضان أو قبله "طلاقا" مثلا "بليلة القدر" كقوله أنت طالق ليلة القدر "طلقت بأول آخر ليلة منه" لأنه قد مرت به ليلة القدر في إحدى ليالي العشر "أو" علقه "في أثناء العشر طلقت بأول
стр. 1284
آخر ليلة من سنة تمضي" عليه لأنه قد مرت به ليلة القدر وعدل إلى ما قاله الموافق لقول المجموع طلقت في السنة الثانية في أول جزء من الليلة التي قبل كلامه عن قول الرافعي لم تطلق إلى مضي سنة لقول النووي فيه تجوز لأنه قد يعلق في آخر اليوم الحادي والعشرين فتطلق في أول ليلة من رمضان الثاني وإن لم يمض سنة قلت بل ليس لنا صورة يعتبر فيها مضي سنة وما قالوه مبني على ما قاله النووي من أن مذهب الشافعي أن ليلة القدر تلزم ليلة بعينها وأما على ما اختاره من أنها تنتقل فلا تطلق إلا في أول ليلة آخر رمضان الثاني وقضية كلام المصنف كأصله والمجموع أنه لو علق في ليلة الحادي والعشرين لم تطلق إلا في ليلتها من السنة الثانية وليس كذلك بل حكمه حكم ما (١) لو علق قبل دخول العشر فإن قلت هلا وقع الطلاق بأول ليلة الثالث والعشرين فيما إذا علقه قبل طلوع فجر الحادي والعشرين على قول الشافعي أن ليلة القدر تلزم ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين قلت ليس ذلك مقطوعا به ولا مظنونا ظنا قويا لمعارضته ما صحت فيه الأخبار من أنها لا تلزم مع أن الطلاق لا يقع بالشك.
"وينبغي له" أي للصائم أي يسن له من حيث الصوم "كف اللسان عن الفحش" (٢) كالكذب والغيبة والمشاتمة المحرمات فلا يبطل صومه بارتكابها بخلاف ارتكاب ما يجب اجتنابه من حيث الصوم كالاستقاءة وإنما طلب الكف عن ذلك لخبر البخاري "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (٣) ولخبر الحاكم في صحيحه "ليس الصيام من الأكل والشرب فقط
стр. 1285
الصيام من اللغو والرفث" (١) ولأنه يحبط الثواب فالمراد أن كمال الصوم إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء لا أن الصوم لا يبطل بهما فإن شتمه أحد فليقل إني صائم لخبر الصحيحين "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم" مرتين يقوله بقلبه لنفسه لتصبر ولا تشاتم فتذهب بركة صومها كما نقله الرافعي عن الأئمة أو بلسانه بنية وعظ الشاتم (٢) ودفعه بالتي هي أحسن كما نقله النووي عن جمع وصححه ثم قال فإن جمعهما فحسن وقال إنه يسن تكراره مرتين أو أكثر لأنه أقرب إلى إمساك صاحبه عنه وقول الزركشي ولا أظن أحدا يقوله مردود بالخبر السابق.
"و" ينبغي له كف "النفس عن الشهوات" (٣) التي لا تبطل الصوم كشم الرياحين والنظر إليها ولمسها لما في ذلك من الترفه الذي لا يكاسب حكمة الصوم ويكره ذلك وتقدم أنه يكره له دخول الحمام (٤) "و" ينبغي له "ترك السواك بعد الزوال" ويكره فعله كما مر بيانه في باب صفة الوضوء.
"و" ينبغي له "تقديم غسل الجنابة والحيض" والنفاس على طلوع الفجر ليؤدي العبادة على الطهارة وليخرج من خلاف أبي هريرة القائل بوجوبه لظاهر خبر البخاري الآتي وخشية من وصول الماء إلى باطن الأذن أو الدبر أو غيرهما وينبغي أن يغسل هذه المواضع إن لم يتهيأ له الغسل الكامل قال الإسنوي وقياس المعنى الأول استحباب المبادرة (٥) إلى الاغتسال عقب الاحتلام نهارا "فإن طهرت" أي انقطع حيضها أو نفاسها "وصامت" أو صام الجنب "بلا غسل صح" الصوم لقوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولخبر الصحيحين "كان
стр. 1286
النبي ﷺ يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم (١) وقيس بالجنب الحائض والنفساء وأما خبر البخاري "من أصبح جنبا فلا صوم له" (٢) فحملوه على من أصبح مجامعا واستدام الجماع وحمله بعضهم على النسخ واستحسنه ابن المنذر.
"و "ينبغي له "أن يقول بعد" وفي نسخة عند "الإفطار اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" للاتباع رواه أبو داود بإسناد حسن لكنه مرسل وروي أيضا أنه ﷺ كان يقول حينئذ "اللهم ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" (٣) "وأن يفطر الصائمين" بأن يعشيهم لخبر "من فطر صائما فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء" (٤) رواه الترمذي وصححه "فإن عجز" عن عشائهم "فطرهم على تمر أو ماء" عبارة الأصل شربة أو تمرة أو غيرهما قال المتولي لما روي أن بعض الصحابة قال يا رسول الله ليس كلنا نجد ما يفطر به الصائم فقال يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن.
"و" أن "يحترز عن العلك" (٥) بفتح العين المضغ وبكسرها المعلوك لأنه يجمع الريق فإن ابتلعه أفطر في وجه (٦) وإن ألقاه عطشه وهو مكروه قاله في المجموع "و" عن "ذوق الطعام" خوف الوصول إلى حلقه أو تعاطيه لغلبة شهوته.
стр. 1287
فصل: ويباح الفطر لخوف الهلاك
"فصل ويباح الفطر" من الصوم الواجب "لخوف الهلاك" على نفسه أو عضوه أو منفعته (١) "من جوع وعطش" وإن كان مقيما صحيحا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ
стр. 1288
اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] وقوله ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولا ينافي التعبير بالإباحة ما صرح به الغزالي وغيره من وجوب الفطر بذلك لأنها تجامعه (١) "و" يباح "بالسفر الطويل المباح" (٢) لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي فأفطر فعدة من أيام أخر وقياسا على القصر بخلاف السفر القصير والطويل المحرم "وبمرض يجهده" أي يشق عليه الصوم معه "أو يزيده الصوم في مرضه" كنظيره في التيمم وللآية السابقة سواء أتعدى بسبب المرض أم لا قوله أو يزيده إلى آخره من زيادته ولو قال أو بزيادة في مرضه كان أوضح وأخصر.
"وعليه" أي المريض "أن ينوي إن خف مرضه قبيل الفجر" (٣) بحيث لا يباح معه ترك الصوم وإلا فله ترك النية "وله الفطر بحدوث المرض" لوجود المحوج له بلا اختيار "لا" بحدوث "السفر" تغليبا للحضر "فإن نوى" المقيم ليلا "ثم سافر قبل الفجر (٤) ترخص" بالفطر وغيره لدوام العذر وقد "أفطر
стр. 1289
النبي ﷺ بعد العصر بكراع الغميم بقدح ماء لما قيل له إن الناس يشق عليهم الصيام. رواه مسلم وله تتمة ستأتي وتعبيره بما قاله أولى من قول أصله (١) فإن فارق العمران قبل الفجر فله الفطر "وكذا لو أصبح المسافر صائما" (٢) يترخص بخلاف من نوى إتمام الصلاة لا يجوز له القصر لئلا يترك ما التزمه لا إلى بدل وأما الصائم إذا أفطر فلم يتركه إلا إلى بدل وهو القضاء "ولم يكره" له الترخص في ذلك وترجيح عدم الكراهة من زيادته وهو ما في المجموع ويشترط في جواز الترخص نيته (٣) كالمحصر يريد التحلل كما ذكره البغوي (٤) وغيره.
"ولو أقام" المسافر "أو شفي" المريض وهو صائم "لم يفطر" لانتفاء المبيح "والصوم للمسافر أفضل" من فطره ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولبراءة الذمة وفضيلة الوقت (٥) وفارق ذلك أفضلية القصر بأن في القصر براءة للذمة ومحافظة على فضيلة الوقت بخلاف الفطر وبأن فيه خروجا من الخلاف وليس هنا خلاف يعتد به في إيجاب الفطر فكان الصوم أفضل "إلا إن خاف" منه "ضررا في الحال أو الاستقبال" (٦) فالفطر أفضل وعليه حمل خبر الصحيحين أنه ﷺ "مر برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال ما هذا قالوا صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر" (٧) ولا يحرم وأما قوله بعد أن أفطر
стр. 1290
في كراع الغميم وقد بلغه أن ناسا صاموا أولئك العصاة فلمخالفة أمره لهم بالفطر ليتقووا لعدوهم.
"فرع كل" شخص "مفطر بعذر أو غيره يقضي ما فاته" (١) لآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً﴾ [البقرة: ١٨٥] وقيس بمن فيها غيره "لا صبي ومجنون" كما لا يجب عليهما الأداء ولرفع القلم عنهما "و" لا "كافرا صلى" لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [لأنفال: ٣٨] وللإجماع وترغيبا له في الإسلام "فيقضي المسافر والمريض" للآية "والحائض والنفساء" كما مر في باب الحيض "وذو إغماء وسكر استغرقا" اليوم بالإغماء والسكر أما الإغماء فلأنه نوع مرض ولهذا يجوز على الأنبياء بخلاف الجنون فاندرج في الآية ويخالف الصلاة لتكررها وأما السكر فلأن من قام به في معنى المكلف "ولو جن" السكران "في سكره" فإنه يقضي ما فاته هذا إن أراد ظاهر العبارة (٢) من بيان حكم السكر الذي تخلله جنون وإن لم يصرح به أصله فإن أراد بيان حكم الجنون المتصل بالسكر وإن قصرت عنه عبارته فما ذكره عكس ما ذكره الأصل وشبهه بالصلاة وصححه في المجموع "ويقضي المرتد" ما فاته "حتى زمن جنونه" كما في الصلاة.
"ويستحب التتابع في القضاء" لرمضان وغيره تعجيلا لبراءة الذمة ولم يجب لإطلاق قوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقيس بما فيه غيره قال في المهمات وقد يجب بطريق العرض (٣) وذلك في صورتين (٤) ضيق الوقت وتعمد الترك قال غيره والنذر وتعبير المصنف بما قاله أولى من تعبير
стр. 1291
أصله بقضاء رمضان.
стр. 1292
فصل: ومن تعدى بالفطرأو نسي النية في رمضان لزمه إمساك بقية النهار
"فصل من تعدى بالفطر (١) أو نسي النية في رمضان خاصة" أي بخلاف النذر والقضاء "لزمه إمساك بقية النهار" لحرمة الوقت (٢) وتشبيها بالصائمين مع عدم العذر فيهما ولأنه بعض ما كان يجب عليه ونسيانه النية يشعر بعدم الاهتمام بأمر العبادة فهو نوع تقصير وليس الممسك في صوم شرعي (٣) وإن أثيب عليه (٤) كما في المجموع وهو مراد الرافعي بقوله ليس في عبادة بخلاف المحرم إذا أفسد إحرامه ويظهر أثره في أنه لو ارتكب محظورا لزمته الفدية بخلاف الممسك هنا ليس عليه في ذلك إلا الإثم وإنما كان الإمساك من خواص رمضان لأن وجوب الصوم فيه بطريق الأصالة ولهذا لا يقبل غيره كما سيأتي بخلاف غيره "فإن خالف" فلم يمسك "أثم" لمخالفته الواجب.
"ويستحب الإمساك لمريض شفي" من مرضه في أثناء النهار "ولمسافر قدم" من سفره كذلك حالة كونهما "مفطرين أو لم ينويا" لحرمة الوقت وإنما لم يلزمهما لأن الفطر مباح لهما مع العلم بحال اليوم، وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر كما لو أقام في الوقت بعد القصر ولو قال مفطرين ولو بترك النية كان أولى لأن من أصبح تاركا للنية فقد أصبح مفطرا "ويستحب لهما إخفاؤه" أي الإفطار إن أفطرا لئلا يتعرضا إلى التهمة والعقوبة، والتصريح باستحباب الإمساك في ترك النية واستحباب الإخفاء من زيادته "ولا جناح عليهما في جماع" مفطرة نحو "صغيرة" مفطرة ومجنونة وكافرة "وحائض طهرت" من حيضها واغتسلت لأنهما مفطران فأشبها المسافرين والمريضين وهذا علم من استحباب الإمساك.
стр. 1293
"فرع إذا ثبت يوم الشك" (١) من رمضان "لزمهم" أي أهل الوجوب المفطرين ولو شرعا "القضاء" كسائر أيامه "والإمساك" (٢) لأن صومه كان واجبا عليهم إلا أنهم جهلوه بخلاف المسافر إذا قدم بعد الإفطار لأنه يباح له الأكل مع العلم بأنه من رمضان كما مر "ثم لو بلغ الصبي مفطرا أو أفاق مجنون أو أسلم كافر لم يلزم الإمساك" لعدم التزامهم بالصوم والإمساك تبع له ولأنهم أفطروا بعذر فأشبهوا المريض والمسافر "و" لا "القضاء" لأنهم لم يدركوا زمنا يسع الأداء وإتمامه خارج الوقت غير ممكن فأشبهوا من أدرك زمنا لا يسع الصلاة أول وقتها ثم طرأ عليه مانع وبهذا فارق إدراك ذلك آخر وقتها "بل يستحبان" أي الإمساك والقضاء خروجا من الخلاف وقوله بل يستحبان بنون الرفع استئناف أو عطف بناء على ما قاله ابن مالك من أن بل تعطف الجمل وهي هنا للانتقال من غرض إلى آخر لا للإبطال.
"ولو بلغ" الصبي بالنهار "صائما" بأن نوى ليلا "لزمه الإتمام" (٣) بلا قضاء "والكفارة لو جامع فيه" بعد بلوغه لأنه صار من أهل الوجوب "ولا يلزمها" أي الحائض "الإمساك لانقطاع الحيض" في أثناء النهار لما مر فيما إذا أفاق المجنون ومثلها النفساء كما صرح بها الأصل "ومن أبيح له الفطر في رمضان" كمريض ومسافر "فصام غيره فيه لم يصح ولو نفلا" بنية "قبل الزوال" لتعينه لصومه.
стр. 1294
فصل ومن أفسد صومه في يوم من رمضان بجماع لزمته كفارة
"فصل ومن أفسد صومه في يوم من رمضان (١) بجماع تام أثم (٢) به
стр. 1295
لأجل الصوم لزمته الكفارة" لخبر الصحيحين عن أبي هريرة "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال هلكت قال وما أهلكك قال واقعت امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة" قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا ثم جلس فأتى النبي ﷺ بعرق فيه تمر فقال تصدق بهذا فقال على أفقر منا يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا فضحك ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال "اذهب فأطعمه أهلك" (١) وفي رواية للبخاري "فأعتق رقبة فصم شهرين فأطعم ستين بالأمر" (٢) وفي رواية لأبي داود "فأتى بعرق تمر قدر خمسة عشر صاعا" (٣) قال البيهقي وهي أصح من رواية فيه عشرون صاعا والعرق بفتح
стр. 1296
العين والراء مكتل ينسخ من خوص النخل.
"فمن أفسده بغير الجماع" كأكل واستمناء "لم تلزمه الكفارة" لورود النص في الجماع وهو أغلظ من غيره وهذا يغني عنه قوله فيما يأتي وقولنا بجماع إلى آخره "ولا تلزم من جامع ناسيا" أو جاهلا أو مكرها "أو" جماعا "ثانيا إذ لا إفساد" تقدم إنها تلزم فيما لو طلع الفجر وهو مجامع فاستدام مع أنه لا إفساد لأنه فرع الانعقاد ولم ينعقد كما مر مع توجيهه "أو" جامع "مسافرا إذ لا إثم" هذا مع إيهامه القصور على المسافر يغني عنه قوله فيما يأتي وقولنا أثم به إلى آخره "وقولنا صومه احترازا من مسافر" أو مريض "أفسد صوم امرأة" فلا كفارة عليه لأنها لا تلزم بإفسادها صومها بالجماع كما سيأتي فبالأولى إفساد غيرها له "وقولنا في يوم يدل" على "أنها تجب لكل يوم" وإن لم يكفر عن الأول إذ كل يوم عبادة برأسها وقد تكرر الإفساد فأشبه ما لو تكرر في حجتين.
"وقولنا من رمضان احترازا من القضاء والنذر وغيره" فلا كفارة في إفسادها لورود النص في رمضان وهو مختص بفضائل لا يشركه فيها غيره "وقولنا بجماع احترازا ممن أفطر أولا بغيره ثم جامع فإنه لا كفارة في ذلك" كما مر بيانه.
"وقولنا تام (١) احترازا من المرأة فإنها تفطر بدخول شيء" من الذكر فرجها ولو دون الحشفة وهذا القيد تبع فيه المصنف كأصله الغزالي وزيفوه بخروج ذلك بالجماع إذ الفساد فيه بغيره وبأنه يتصور فساد صومها بالجماع بأن يولج فيها نائمة أو ناسية أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تقدر على الدفع وتستديم ففساده فيها بالجماع لأن استدامة الجماع جماع مع أنه لا كفارة عليها لأنه لم يؤمر بها في الخبر إلا الرجل المواقع مع الحاجة إلى البيان ولنقصان صومها بتعرضه للبطلان بعروض الحيض أو نحوه فلم تكمل حرمته حتى تتعلق به الكفارة ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع فيختص بالرجل الواطئ كالمهر فلا يجب على الموطوءة ولا على الرجل
стр. 1297
الموطوء كما نقله ابن الرفعة (١).
"و" الجماع "التام" يحصل "بالتقاء الختانين فإذا مكنته" منه "فالكفارة عليه دونها" لذلك والتصريح بأن التام بالتقاء الختانين من زيادته "قولنا أثم به احترازا ممن ظن غالطا بقاء الليل" أو دخوله على ما يأتي "فجامع" ومن جماع الصبي وجماع المسافر والمريض بنية الترخص فلا كفارة عليهم لعدم إثمهم "ومقتضى الضابط" المذكور "وجوبها على من شك في دخول الليل" فجامع ثم تبين أنه جامع نهارا وهذا من زيادته ويؤيده قول الأصل في مسألة ظن الدخول السابقة بعد نقلها عن التهذيب وغيره وهذا ينبغي أن يكون مفرعا على تجويز (٢) الإفطار بالظن وإلا فتجب الكفارة وفاء بالضابط لكن صرح القاضي (٣) بعدم وجوبها وإن قلنا لا يجوز الإفطار بالظن بل صرح البغوي بخلاف المقتضى المذكور في مسألة الشك وبالتسوية بين شكه في دخول الليل وخروجه وعلل عدم وجوب الكفارة بإنها تسقط بالشبهة واعلم أنه لم يصرح في التهذيب بمسألة الظن لكنها مفهومة بالأولى من مسألة الشك.
"ولو أكل ناسيا وظن أنه أفطر" بالأكل "فجامع أفطر" كما لو جامع ظانا بقاء الليل فبان خلافه "ولا كفارة عليه" لأنه جامع معتقدا أنه غير صائم وهذا خارج بقوله لأجل الصوم إن علم وجوب الإمساك عن الجماع وإلا فبقوله أثم به.
стр. 1298
"وقولنا لأجل الصوم احترازا من مسافر" أو مريض "زنى" أو جامع حليلته بغير نية الترخص فلا كفارة عليه "فإنه أثم لأجل الزنا" أو لأجل الصوم مع عدم نية الترخص "لا لأجل الصوم" ولأن الإفطار مباح فيصير شبهة في درء الكفارة وحذف من أصله قوله بعد زنى مترخصا لإيهامه أنه إذا لم ينو الترخص تجب الكفارة وليس كذلك "وللواط وإتيان البهيمة (١) حكم الجماع هنا" فيما ذكر من وجوب كفارة الصوم بالإفساد لأن الجميع وطء.
"فرع من رأى الهلال" أي هلال رمضان "وحده صام" وجوبا "وإن ردت شهادته" لخبر "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (٢) "فإن جامع" في صومه بذلك "لزمته الكفارة" لأنه هتك حرمة يوم من رمضان عنده بإفساد صومه بالجماع فأشبه سائر الأيام "ومتى رأى شوالا" أي هلاله "وحده" لزمه الفطر عملا بمقتضى رؤيته وللخبر المذكور "فإن شهد" برؤيته "ثم أفطر لم يعزر" وإن ردت شهادته لعدم التهمة حال الشهادة "وإلا" بأن أفطر ثم شهد برؤيته "سقطت شهادته" لتهمة دفع التعزير عنه "وعزر" لإفطاره في رمضان في الظاهر قال الأذرعي وهو مشكل لأن صدقه محتمل والعقوبة تدرأ بدون هذا وقد يخفى هذا على كثير ولم لا يفرق بين من يعلم (٣) دينه وأمانته ومن يعلم منه ضد ذلك "وحقه" إذا أفطر "أن يخفيه" أي الإفطار لئلا يتهم والظاهر أنه على جهة الندب (٤).
"فرع متى" وفي نسخة من "جامع" جماعا مفسدا "ثم سافر لم تسقط" عنه "الكفارة" لأن السفر لا ينافي الصوم فيتحقق هتك حرمته ولأن طروه لا يبيح الفطر فلا يؤثر فيما وجب من الكفارة "وتسقط إذا جن أو مات يوم (٥)
стр. 1299
الجماع "لأنه بان بطرو ذلك أنه لم يكن في صوم لمنافاته له "لا إن مرض "فيه فلا تسقط للتعليل الأول في طرو السفر ولو ذكره معه كان أنسب ومثلهما طرو الردة وحذف من أصله ما لو طرأ الحيض لأن المرأة إذا أفطرت بالجماع لا يلزمها الكفارة إلا على وجه مرجوح.
"فرع وهي" أي هذه الكفارة مرتبة "ككفارة الظهار" (١) فهي "عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع ولو لغلمة فإطعام ستين مسكينا غير أهله" لخبر أبي هريرة السابق والكلام على صفة الكفارة مستوفى في بابها ومنها كون الرقبة مؤمنة وإن كلا من المساكين الشاملين للفقراء يعطى مدا مما يكون فطرة والغلمة بضم المعجمة وسكون اللام الحاجة إلى النكاح ووجه جواز عدوله بها إلى الإطعام أن حرارة الصوم معها قد تقضي به إلى الوطء ولو في يوم واحد من الشهرين وذلك يقتضي استئنافهما وهو حرج شديد وورد في خبر "سلمة بن صخر المظاهر أنه ﷺ لما أمره بالصوم بعد وطئه المعلق به ظهارة قال له سلمة وهل أتيت إلا من الصوم" والحكم واحد في البابين وعبر في الأصل والمنهاج وغيرهما بشدة الغلمة فلو قال المصنف ولو لشدة غلمة لوافق ذلك أما أهله فلا يصرف المكفر من كفارته شيئا له "ولو كان فقيرا "كالزكوات وسائر الكفارات وأما قوله ﷺ في الخبر "أطعمه (٢) أهلك" ففي الأم كما في الرافعي يحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة أو أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به فلما أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم للإعلام بأنها إنما تجب بعد الكفاية أو أنه تطوع بالتكفير عنه.
стр. 1300
وسوغ له صرفها لأهله للإعلام بأن لغير المكفر التطوع بالتكفير عنه بإذنه وأن له صرفها لأهل المكفر عنه أي وله فيأكل هو وهم منها كما صرح به الشيخ أبو علي السنجي (١) والقاضي نقلا عن الأصحاب وحاصل الاحتمالين الأولين أنه صرف له ذلك تطوعا قال ابن دقيق العيد وهو الأقرب.
"ويجب" إفساد الصوم بالجماع "القضاء مع الكفارة" لو بالصوم لأنه إذا وجب على المعذور فعلى غيره أولى وللأمر به في الخبر السابق في رواية لأبي داود ويجب معها التعزير أيضا كما يعلم من محله ونقل عن نص الشافعي والبغوي وابن الصلاح وابن عبد السلام (٢).
"وإذا عجز"عن جميع خصال الكفارة "ثبتت في ذمته وكذا كفارة اليمين والقتل والظهار" لأنه " ﷺ أمر الأعرابي بأن يدار مما دفعه إليه مع إخباره بعجزه" فدل على أنها ثابتة في الذمة حينئذ ولأن حقوق الله المالية إذا عجز عنها العبد وقت وجوبها فإن كانت لا بسبب منه كزكاة الفطر لم تستقر في ذمته وإن كانت بسبب منه استقرت في ذمته سواء أكانت على وجه البدل كجزاء الصيد وفدية الحلق أم لا ككفارة الظهار والقتل واليمين والجماع ودم التمتع والقران لا يقال لو استقرت في ذمته لأمر ﷺ المواقع بإخراجها بعد لأنا لا نسلم أن ما دفعه إليه لم يقع كفارة على ما مر ولو سلم فتأخير البيان لوقت الحاجة جائز وهو وقت القدرة ومتى قدر على إحدى الخصال فعلها كما لو كان قادرا عليها حال الوجوب وكلام التنبيه يقتضي أن الثابت في ذمته هو الخصلة الأخيرة وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي أنه إحدى الخصال الثلاث وأنها مخبرة وكلام الجمهور يقتضي أنه الكفارة (٣) وأنها مرتبة في الذمة وبه صرح ابن دقيق العيد وهو المعتمد ثم إن قدر على خصلة فعلها أو أكثر رتب.