← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

متعرضين لمسألة الإمام ويحتمل أنهم أرادوا الصورتين فيكون خلاف ما قاله لكن الاحتمال الأول أصح وأظهر في الدليل فيكون الأصح على الجملة وجوب الحج وقد صححه الرافعي وابن الصلاح مع اطلاعهما على عبارة الأصحاب التي ذكرتها وقال السبكي إنه: ظاهر في الدليل (١) وإن أشعرت عبارة الأكثرين بخلافه وقال في المهمات: الفتوى على عدم الوجوب فقد أجاب به العراقيون والقاضي وجزم به في التنبيه وأقره النووي في التصحيح ونقله في الكفاية عن النص. "فرع: وليس غلاء الأسعار في الطريق عذرا" في عدم الوجوب "إن باعوا بثمن المثل اللائق بالزمان والمكان" بخلاف ما إذا طلبوا زيادة على ذلك لعظم المؤنة "ويجب حمل الماء والزاد في المفازة المعتادة" أي المعتاد حملها فيها "لا" حمل "علف الدابة" فلا يجب بل يشترط وجوده في كل مرحلة لعظم تحمل المؤنة قال في المجموع (٢): وينبغي اعتبار العادة فيه كالماء وسبقه إليه سليم وغيره "فإن عدم "ذلك "في "بعض "المراحل" التي يعتاد حمله منها "رجع" إلى وطنه لتبين عدم وجوب النسك فيشترط في وجوبه وجود ذلك في المواضع المعتاد حمله منها كما صرح به الأصل "وإن جهل المانع" للوجوب من وجود عدو أو عدم زاد أو نحوهما "وثم أصل استصحب" فيعمل به "وإلا" أي وإن لم يكن ثم أصل "وجب الخروج" لأن الأصل عدم المانع "ويتبين اللزوم" للخروج "بتبين عدم المانع" فلو ظن كون الطريق فيه مانع فترك الخروج ثم بان أن لا مانع لزمه الخروج. "فرع: يشترط" للوجوب "خروج رفقة" معه "وقت العادة" أي عادة خروج أهل بلده "لا" إن خرجت "قبلها" أي قبل وقت العادة فلا يلزمه الخروج معها; لأن المؤنة تعظم وكذا إن خرجت بعده بأن أخرت الخروج بحيث لا تبلغ مكة إلا بأن تقطع في كل يوم أو في بعض الأيام أكثر من مرحلة لتضرره، وهذا وما قبله مفهومان من قوله وقت العادة يعتبر في اللزوم أن يكون خروجها معه "بالسير المعتاد "فلو كانت تسير فوق العادة لم يلزمه لتضرره، والتصريح بهذا

стр. 1367

هنا من زيادته وإنما يشترط خروجها معه "إن احتيجت" أي إن احتيج إليها لدفع الخوف، وإلا بأن كان الطريق لا يخاف الواحد فيها لزمه، ولا حاجة إلى الرفقة ولا نظر إلى الوحشة بخلافها فيما مر في التميم (١) وغيره; لأنه لا بدل لما هنا بخلاف ما هناك وكلامه يقتضي (٢) اعتبار النظر إليها هنا أيضا كما اعتبره الإسنوي بخلاف كلام أصله. الأمر "الرابع: البدن فيشترط أن يثبت على المركوب"، ولو في محمل أو كنيسة "بلا مشقة شديدة" فلو لم يثبت عليه أصلا أو ثبت عليه في محمل أو كنيسة على ما مر بمشقة شديدة لمرض أو غيره لم يجب عليه النسك بنفسه لعدم استطاعته بخلاف من انتفت عنه المشقة فيما ذكر فيجب عليه النسك كما مر. "ثم القائد للأعمى (٣) وحافظ النفقة للسفيه" (٤) في الطريق "كالمحرم للمرأة" فيشترط في وجوب النسك القدرة على أجرتهما إن طلبت وقوله للسفيه أي المحجور عليه وذكر حكم حافظ نفقته من زيادته وذكره الإسنوي تفقها. "ولا يحلل الولي السفيه من الفرض" حجا أو عمرة; لأنه لا يمنعه من الإحرام به فعليه أن ينفق عليه من ماله إلى فراغه "ولا" يحلله "من تطوع أحرم به أو" من "نذر" أي نسك منذور "نذره قبل الحجر" عليه فيهما وإن أحرم في الثانية بعده لوجوبه عليه فيها وكونه في حكم الرشيد حال الإحرام في الأولى "لا" إن أحرم

стр. 1368

في الأولى أو نذر في الثانية "بعده" أي بعد الحجر فله تحليله بأن يمنعه من الإتمام لأن له أن يمنعه من الإحرام "إلا إن كفته نفقة الحضر أو تممها بكسبه" في طريقه; لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن قال في المطالب وفيه في مسألة كسبه نظر إذا كان عمله مقصودا بالأجرة بحيث لا يجوز له التبرع به; لأن في ذلك إتلافا لمنافعه ورده الزركشي بأن هذا لا يعد حاصلا، ولا يلزمه تحصيله مع غناه بخلاف المال الذي في يد الولي، وقد أشار إليه ابن الرفعة (١) بعد فقال إلا أن يلاحظ أنه لا يلزمه العمل فلا يعد من الأموال كما لو أصدق الأب عن ابنه من مال نفسه أكثر من صداق المثل، والاستثناء المذكور في كلام المصنف لم يذكره الأصل، ولا غيره إلا في مسألة التطوع فذكره في مسألة النذر من زيادته قياسا على تلك "وإلا" أي وإن لم تكفه نفقة الحضر، ولا تممها بكسبه "منعه" صيانة لماله، وهذا مكرر لدخوله في قوله لا بعده "وتحلل" السفيه جوازا "بالصوم" إذا منعه الولي; لأنه ممنوع من المال، وقضية كلامه صحة إحرامه بغير إذن وليه، وهو كذلك; لأنه مكلف بخلاف الصبي المميز كما سيأتي. "فإن أفسد فرضه فهل ينفق عليه" الولي "في القضاء" أو لا "قولان" عبارة الروضة في باب الحجر وجهان: وجه الأول أن القضاء فرض ووجه الثاني أنه لا يؤمن فيه إفساده ورجح الأذرعي (٢) وغيره الأول لما مر مع كون القضاء على الفور. الأمر "الخامس: إمكان السير فيشترط أن يبقى" من الزمان بعد وجود الزاد والراحلة وسائر ما مر "زمان يسع المعتاد إلى الحج" فلو احتاج إلى أن يقطع في كل يوم أو في بعض الأيام أكثر من مرحلة لم يلزمه الحج فإمكان السير شرط لوجوبه كما نقله الرافعي عن الأئمة وصوبه النووي - لاستقراره في ذمته ليجب قضاؤه من تركته لو مات قبل الحج كما قاله ابن الصلاح. ويشترط أمر سادس صرح به البلقيني، وهو أن يوجد المعتبر في الإيجاب في الوقت فلو استطاع في رمضان ثم افتقر قبل شوال فلا استطاعة وكذا لو افتقر بعد

стр. 1369

حجهم وقبل الرجوع لمن يعتبر في حقه الذهاب والإياب كما سيأتي. "وأما الاستطاعة بالغير فالعاجز عن الحج" أو العمرة، ولو قضاء أو نذرا أو تطوعا "بالموت أو عن الركوب إلا بمشقة شديدة لكبر أو زمانة يحج عنه"; لأنه مستطيع بغيره; لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال; ولهذا يقال لمن لا يحسن البناء إنك مستطيع لبناء دارك وروى مسلم عن يزيد أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت، ولم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها" (١) وروى الشيخان أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال "نعم" (٢) وذلك في حجة الوداع وروى الترمذي وقال حسن صحيح أن أبا رزين العقيلي أتى النبي ﷺ فقال إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن قال: "حج عن أبيك واعتمر" (٣) "وإن برئ الزمن" (٤) من علته بعد حج النائب عنه "لم يجزه" اعتبارا بما في نفس الأمر "ويقع" الحج "للأجير" تطوعا والتصريح بهذا من زيادته "ولا أجرة له"; لأن المستأجر لم ينتفع به. "ولا تصح استنابة عمن لزمه" الحج "ثم جن"; لأنه قد يفيق فيحج بنفسه فلو استناب عنه وليه، ولم يكن به عضب فمات قبل الإفاقة لم يجزه "ولا عن مريض "يرجى زوال مرضه "وإن اتصل مرضه بالموت"; لأنه يتوقع مباشرته له "ويصح كون الأجير" فيما ذكر "عبدا أو صبيا لا في الفرض، ولو نذرا"; لأنه من أهله في ذاك دون هذا. "فرع: لا يحج عن المعضوب" أي المأيوس من قدرته على الحج بنفسه وهو بالضاد المعجمة من العضب، وهو القطع كأنه قطع عن كمال الحركة ويقال بالمهملة كأنه قطع عصبه أو ضرب "بغير إذنه" بخلاف قضاء الدين عن غيره; لأن

стр. 1370

الحج يفتقر إلى النية، وهو أهل لها وللإذن، ويصح الاستنابة عن الميت من الوارث والأجنبي كقضاء الدين وللأخبار السابقة "لا في تطوع لم يوص به" إذ لا اضطرار إلى الاستنابة فيه بخلاف ما إذا أوصى (١) به وقيل تصح من الوارث (٢) وإن لم يوص به نقله الأصل في الوصية عن السرخسي بعد نقله المنع عن العراقيين. "ويجب على من عليه قضاء دينه" من وارث ووصي وحاكم إذا خلف الميت تركة "أن يستنيب عنه" في الحج "عند استقراره عليه" وإن لم يوص به لخبر مسلم السابق ولخبر الصحيحين أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ فقال: "لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم قال "فاقضوا حق الله فهو أحق القضاء" (٣). فإن لم يخلف تركة استحب للوارث أن يحج عنه فإن حج هو أو أجنبي عنه بنفسه أو باستئجار سقط الحج عنه كما سيأتي في الوصية ويستثنى من الميت المرتد فلا يناب عنه كما جزم به ابن الرفعة وذكر فيه في البحر احتمالين: أحدهما: يناب عنه من تركته كما تخرج منها الزكاة والكفارة. والثاني: لا; لأنه عبادة بدنية لو صحت لوقعت عن المنوب عنه، وهو مستحيل هنا. "وعلى المعضوب أن يستأجر" من يحج عنه لما مر نعم إن كان (٤) بمكة أو

стр. 1371

بينه وبينها دون مسافة القصر لزمه أن يحج بنفسه لقلة المشقة عليه نقله في المجموع عن المتولي وأقره "ولو" كان من يحج عنه بالإجارة "أجيرا ماشيا بأجرة المثل"; لأنه لا مشقة عليه في مشي الأجير "فاضلة عن الدين والمسكن والخادم وكذا الكسوة والنفقة" له ولمن تلزمه كسوتهم ونفقتهم "لكن يوم الاستئجار فقط" لا ذهابا وإيابا كما في الفطرة بخلاف من يحج بنفسه كما مر; لأنه إذا لم يفارق أهله أمكنه تحصيل نفقتهم وكسوتهم "ولو وجد دون الأجرة ورضي به" الأجير "لزمه" الاستئجار; لأنه مستطيع، والمنة فيه ليست كالمنة في المال ألا ترى أن الإنسان يستنكف عن الاستعانة بمال الغير ولا يستنكف عن الاستعانة ببدنه في اشتغاله "ولو لم يجد" أجرة "ووهبت له لم يلزمه" (١) قبولها "ولو من ولد" لعظم المنة لكن في الكفاية عن البندنيجي وجماعة أنه لو كان الولد المطيع عاجزا عن الحج أيضا وقدر على أن يستأجر له من يحج عنه وبذل له ذلك وجب الحج على المبذول له (٢) وجها واحدا. وفي المجموع عن المتولي لو استأجر المطيع إنسانا ليحج عن المعضوب فالمذهب لزومه إن كان ولدا لتمكنه فإن كان أجنبيا فوجهان. ا هـ. ومقتضى كلام الشيخ أبي حامد لزومه وكلام البغوي (٣) عدم لزومه واعتمد الأذرعي وكالولد في هذا الوالد "وإن أطاعه" في الحج عنه "فرعه وكذا أصله والأجنبي ووثق بهم"، ولم يكن عليهم (٤) حج وكانوا ممن يصح منهم فرض حجة الإسلام (٥)، ولم

стр. 1372

يكونوا معضوبين (١) "لزمه" القبول بالإذن لهم فيه لحصول الاستطاعة "وعليه أمر ولد توسم" منه "طاعته" بأن يحج عنه لذلك وظاهر كلامه كأصله أن الولد والأجنبي ليسا كذلك والأوجه أنهما كذلك كما يقتضيه كلام الأنوار وغيره "فلو كان الابن" وإن سفل "أو الأب" وإن علا "ماشيا أو معولا على الكسب أو السؤال"، ولو راكبا "أو" كان "الأجنبي" ولو راكبا "مغررا بنفسه" بأن كان يركب مفازة وليس بها كسب، ولا سؤال "لم يلزمه القبول" لمشقة مشي من ذكر عليه بخلاف مشي الأجنبي، والكسب قد ينقطع والسائل قد يرد والتغرير بالنفس حرام وشمول المعول والمغرر بنفسه للراكب والترجيح بحكم التعويل من زيادته وتخصيص حكم التعويل بالابن (٢) والأب والتقرير بالأجنبي من تصرفه. والمتجه خلافه كما هو ظاهر كلام أصله وكالابن والأب البنت والأم كما فهم بالأولى ومثلهما موليته وإن لم تكن من الأبعاض كما اقتضاه نص الأم على أن المرأة القادرة على المشي لو أرادت الحج ماشية كان لوليها منعها من المشي فيما لا يلزمها وتقدم أن القادر على المشي والكسب في يوم كفاية أيام لا يعذر في السفر القصير فينبغي كما قال الأذرعي وجوب القبول في المكي ونحوه "ولو رجع المطيع" عن طاعته "قبل الإحرام" أي إحرامه "جاز"، ولو بعد الإذن; لأنه متبرع بشيء لم يتصل به الشروع "لا بعده" لانتفاء ذلك وإذا كان رجوعه الجائز قبل أن يحج أهل بلده تبينا أنه لم يجب على المطاع كما صرح به الأصل. "ولو امتنع" المعضوب "من الاستئجار" لمن يحج عنه "أو" من "استنابة

стр. 1373

المطيع لم يلزمه الحاكم" بذلك، ولم ينب عنه فيه كما صرح به الأصل وإن كان الاستئجار والاستنابة واجبين على الفور في حق من عضب مطلقا في الإنابة وبعد يساره في الاستئجار; لأن مبنى الحج على التراخي ولأنه لا حق فيه للغير بخلاف الزكاة ووقع في المجموع في الإنابة أن الحاكم يلزمه بها قال الإسنوي: وهو لا (١) يستقيم، ولم أر من قال به والمدرك في الإنابة والاستئجار واحد. "وإن مات المطيع" أو المطاع "أو رجع" المطيع "عن الطاعة" فإن كان "بعد إمكان الحج" سواء أذن له المطاع أم لا كما أفاده كلام المجموع "استقر الوجوب" في ذمة المطاع، وإلا فلا فتقييد الأصل الاستقرار بقبل الإذن ليس بجيد ووجه الاستقرار أن الموت والرجوع بعد التمكن كتلف المال بعده وفي كلام المجموع ما يقتضي أن الاستقرار إنما هو في ذمة المطيع وليس مرادا إذ كيف يستقر في ذمته مع جواز الرجوع كما مر وذكر مسألة الرجوع من زيادة المصنف وصرح بها في المجموع "ولو كان له مال أو مطيع لم يعلم به" عبارة الأصل في الثانية، ولو كان له من يطيع، ولم يعلم بطاعته "وجب" عليه الحج اعتبارا بما في نفس الأمر قال في الأصل ولك أن تقول لا يجب بحال فإنه متعلق بالاستطاعة، ولا استطاعة مع عدم العلم بالمال والطاعة وترك المصنف قول الروضة قال الدارمي لو بذل لأبويه فقبلا لزمه (٢) ويبدأ بأيهما شاء; لأنه مبني على أنه لا يجوز للمطيع الرجوع قبل إحرامه، وقد مر خلافه وفرع الدارمي على ما قاله فقال وإذا حج الابن عن أحدهما ثم مات ففي وجوب حجه عن الآخر

стр. 1374

وجهان حكاهما ابن المرزبان وعندي أنه يحج عنه وجها واحدا. "فرع" قال في المجموع قال أصحابنا إذا طلب الوالد من ولده إن يحج عنه استحب له إجابته ولا تلزمه بخلاف إعفافه; لأنه لا ضرر هنا على الوالد بامتناع ولده من الحج; لأنه حق للشرع فإذا عجز عنه لا يأثم، ولا يجب عليه بخلافه ثم فإنه لحق الولد وضرره عليه فهو كالنفقة. "فصل يجوز أن يحج عنه بالنفقة" وهي قدر الكفاية كما يجوز بالإجارة والجعالة وذلك بأن يقول حج عني وأعطيك النفقة أو وأنا أنفق عليك واغتفر فيه جهالتها; لأنه ليس إجارة، ولا جعالة وإنما هو إرزاق على ذلك كما يرزق الإمام وغيره على الأذان ونحوه من القرب فهو تبرع من الجانبين ذاك بالعمل، وهذا بالرزق بخلاف الإجارة والجعالة. "فإن استأجره بها" أي بالنفقة كأن قال: استأجرتك للحج بنفقتك أو حج عني بها (١) "لم يصح" لجهالة العوض "والاستئجار" فيما ذكر "ضربان استئجار عين (٢) واستئجار ذمة فالأول كاستأجرتك لتحج عني أو عن ميتي هذه السنة"، ولو قال لتحج بنفسك كان تأكيدا "فإن عين غيرها" أي غير السنة الأولى "لم يصح" العقد كاستئجار الدار للشهر القابل "وإن أطلق" العقد عن تقييده بالسنة الأولى صح و "حمل على" السنة "الحاضرة" فهي المعتبرة للتعيين والحمل إذا كان يصل إلى مكة فيها "فإن كان لا يصل مكة إلا لسنتين" فأكثر وفي نسخة لسنين بالجمع "فمن الأولى" يعني فالأولى من سني إمكان الوصول هي المعتبرة لذلك. "ويشترط لصحته قدرة الأجير على الشروع" في العمل فلا يصح استئجار من لم يمكنه الخروج لمرض أو خوف أو نحوهما للعجز عن المنفعة "ويشترط" لها "اتساع المدة" للعمل فلا يصح الاستئجار إذا بقي من المدة ما لا يسع إدراك الحج لذلك "ولو انتظروا خروج القافلة" التي يخرجون معها من بلد الإجارة بعد

стр. 1375

الاستئجار حال الخروج المعتاد "لم يضر" لضرورة السفر معها، والتصريح بهذا من زيادته ولا يتوهم أنه جرى هنا على مقتضى كلام الإمام والغزالي المذكور في الأصل; لأنه صرح بعد بأنه يشترط الاستئجار حالة الخروج "والمكي" ونحوه ممن يمكنه إدراك الحج في سنته إذا أحرم في أشهره "يستأجر في أشهر الحج"، ولو في أول شوال لتمكنه من الإحرام في الحال (١) بخلافه قبلها إذا لا حاجة به إلى ذلك فيكون في معنى شرط تأخير التسليم "والثاني كقوله ألزمت ذمتك تحصيل حجة ويجوز" الاستئجار في الذمة "على المستقبل" من الأعوام كسائر إجارات الذمة "فلو عجله" عن السنة المعينة "زاد خيرا" بتعجيله براءة ذمة المحجوج عنه. "وإن أطلق الاستئجار حمل على" السنة "الحاضرة" كما مر في إجارة العين "فيبطل إن ضاق الوقت ولا يشترط قدرته على السفر" فلا يقدح عجزه لمرض أو خوف "لإمكان الاستنابة في إجارة الذمة وإن قال ألزمت ذمتك لتحج بنفسك ففي الصحة" للإجارة "تردد" والمعتمد ما في الأصل هنا عن البغوي وغيره أنها تصح وأنه لا يستنيب فتكون إجارة عين، وقال الإمام ببطلانها (٢) وتبعه الأصل (٣) في باب الإجارة; لأن الدينية مع الرابط بمعين يتناقضان كمن أسلم في ثمرة بستان بعينه، وأجيب بأن الحج قربة وأغراض الناس في عين من يحصلها متفاوتة ولأنه قد يستأجر فاسقا ويخرج به عن العهدة شرعا والسلم إذا أطلق حمل على الجيد وفي الجواب نظر. "فرع: يشترط معرفة العاقدين أعمال الحج" فلو جهلها أحدهما لم يصح العقد كسائر الإجارات، وأعماله أركانه وواجباته وسننه فيحتمل اشتراط معرفة الجميع (٤) ; لأنه معقود عليه حتى يحط التفاوت لما فوته من السنن كما صرح به الماوردي وغيره ويحتمل الاكتفاء بمعرفة ما عدا السنن لكونها تابعة كما نقول في بيع الحامل: الولد معقود عليه مع أنه لم يعرف عند العقد لدخوله تبعا "ولا يجب"في العقد "ذكر الميقات" الذي يحرم منه الأجير "فيحمل عند الإطلاق

стр. 1376

على" الميقات "الشرعي" للمحجوج عنه; لأن الإجارة تقع على حج شرعي، والحج الشرعي له ميقات معهود شرعا وعرفا فانصرف الإطلاق إليه فعلم أنه لا يشترط تعيين الميقات وإن كان في الطريق ميقات، وبه صرح الأصل وسيأتي أنه إذا عدل عن الميقات المتعين إلى غيره جاز إن كان مثله أو أطول منه "وليبين" وجوبا في الإجارة للنسك "أنه إفراد (١) أو تمتع أو قران" لاختلاف الغرض بها. "فرع: لو قال المعضوب: من حج عني" أو: أول من يحج عني "فله مائة درهم فمن حج عنه" ممن سمعه أو سمع من أخبره عنه "استحقها"; لأنه جعالة لا إجارة، والجعالة تجوز على العمل المجهول فعلى المعلوم أولى "فإن أحرم عنه اثنان" مرتبا "استحق الأول" المائة "فإن أحرما معا أو جهل السابق" منهما مع جهل سبقه أو بدونه "وقع" حجهما "عنهما، ولا شيء لهما" على القائل إذا ليس أحدهما بأولى من الآخر فصار كمن عقد نكاح أختين بعقد واحد وسكتوا عما لو علم سبق أحدهما، ثم نسي قال الزركشي فيحتمل الوقف (٢) حتى يتذكر ويحتمل أن تكون كاللتين قبلها. انتهى وقياس نظائر ترجيح الأول، ولو كان العوض مجهولا كأن قال: من حج عني فله عبد أو ثوب أو درهم وقع الحج عنه بأجرة المثل. "فرع: يشترط في إجارة العين أن تكون" أي توجد "حال الخروج"; لأن عليه الاشتغال بعمل الحج عقب العقد، والاشتغال بشراء الزاد ونحوه ينزل منزلة الخروج "فإن لم يشرع" أي الأجير في الحج "من عامه" لعذر أو غيره "انفسخت" أي الإجارة لفوات المقصود فلو حج عنه في العام الثاني قال القاضي مرة لا يقع عنه وقال أخرى يقع عنه (٣) ; لأنه أمره أن يحج عنه وقد حج عنه أي، ولكنه أساء وذكر نحو الثاني الشيخ أبو حامد والدارمي "ومتى أخر أجير ذمة" الشروع في الحج عن العام الذي تعين له (٤) "أثم" لارتكابه محرما

стр. 1377

والتصريح بالإثم من زيادته "وثبت الخيار" في الفسخ على التراخي "للمعضوب وللمتطوع بالاستئجار عن الميت" تأخر المقصود فإن شاءا فسخا الإجارة، وإن شاءا أخرا ليحج الأجير في العام الثاني أو غيره. "أما من استأجر بمال الميت" أخر الأجير الحج عن العام "فيعمل في الفسخ" وعدمه "بالمصلحة" فإن كانت المصلحة في الفسخ لخوف إفلاس الأجير أو هربه فلم يفعل ضمن "ولو استأجر المعضوب" من يحج عنه "ومات أو أوصى الميت باستئجار رجل (١) واستؤجر" عنه الرجل "في الذمة فأخر" الأجير الحج فيهما "عن عامه لم يفسخ" عقد الإجارة إذ لا ميراث للوارث في الأجرة في الأولى وبه فارق ثبوت الرد بالعيب ونحوه له، والوصية مستحقة الصرف إلى الأجير في الثانية، وقد قدم أنه إذا أخر أجير الذمة يأثم نبه هنا على أن البغوي قائل بخلافه فيما إذا أطلق فقال "نعم لو أطلق أجير الذمة" بأن لم يعين عام حجه "وقلنا بتعين السنة" الأولى كما مر "قال البغوي لا يأثم بالتأخير" عنها لكن يثبت للمستأجر الخيار، ولو ترك هذا كان أولى; لأنه يوهم أنه المعتمد وليس كذلك بل المعتمد ما قدمه (٢)، وهو قول الجمهور وكما أفاده كلام الأصل

стр. 1378

وصرح به غيره. "فرع إذا انتهى الأجير" للحج "إلى الميقات" المتعين "فأحرم عن نفسه بعمرة وأتمها، ثم أحرم للمستأجر" بالحج "ولم يعد" إلى الميقات صح حجه عنه للإذن و "لزمه دم" لإساءته بترك الإحرام به من الميقات "ولا ينجبر" الحط لما فوته "به" أي بالدم "بل عليه أن يحط تفاوت ما بين حجتين أنشئتا من بلد الإجارة أحرم بأحديهما من الميقات والأخرى من مكة"; لأن الدم حق الله تعالى فلا ينجبر به الحط الذي هو حق الآدمي كما في التعرض للصيد المملوك فلو كانت أجرة الحجة الأولى مائة والثانية تسعين حط عشر المسمى; لأن التفاوت بالعشر وما ذكر في ذلك من وقوع الحج عن المستأجر فيه إشكال سأذكره مع جوابه بما فيه في فرع، وإن استؤجر للإفراد فقرن "ومتى عاد إلى الميقات" محرما أو حلالا وأحرم منه "لم يحط من الأجرة شيئا" إذا لا يلزمه دم لقطعه المسافة من الميقات محرما وأدائه المناسك بعده، وشمول كلامه مسألة عوده محرما من زيادته. "فرع". لو "جاوز" الأجير "الميقات" المتعين غير محرم "ثم أحرم" للمستأجر "ولم يعد إليه يلزمه دم ويحط التفاوت كما سبق" في الفرع قبله وإن عاد إليه لم يلزمه دم، ولم يحط شيء كما سبق أيضا ثم "ويعتبر" في قدر التفاوت مع الفراسخ وأعمال النسك المعلومين مما يأتي ومما مر في قوله أنشئتا من بلد الإجارة "تفاوت الفراسخ في الحزونة" أي الخشونة "والسهولة" لتفاوت السير بهما فالأجرة في مقابلة الجميع، ولا يمنع اعتبار الفراسخ صرف العمل فيها لغرضه كان جاوز الميقات بعمرة كما مر; لأنه يريد تحصيل نسك المستأجر إلا أنه أراد ربح عمرة في أثناء سفره "ولو عدل عن" الميقات المتعين "إلى ميقات مثله في المسافة" أو أبعد منه فيها كما فهم بالأولى "جاز" فلا يلزمه دم، ولا حط بخلاف ما إذا كان أقرب منه كما أفهمه كلامه كأصله وصرح به البغوي (١) والغزالي

стр. 1379

لكن في المهذب والتتمة والشامل والبيان وغيرها القطع بالجواز وعدم لزوم شيء لأن الشرع أقام بعض المواقيت مقام بعض قال في المهمات وما ذكره هؤلاء مناف للتعيين الذي نحن نفرع عليه، ثم فرع على ذلك كلاما نقله عن الطبري شارح التنبيه. "وإن استأجر" شخص "الآفاقي" (١) منسوب إلى الآفاق وهي النواحي ويقال الأفقي بضم الهمزة والفاء وفتحهما، وهو من مسكنه فوق الميقات الشرعي أي أو فيه "ليحرم من مكة" أو من مكان أقرب إليها من الميقات الشرعي "لم يصح العقد لحرمة مجاوزة الميقات" بلا إحرام على مريد النسك لكن لو أحرم عنه من ذلك صح بأجرة المثل، وتخصيصه الأجير بالآفاقي من تصرفه وقضيته أنه لا يجزئ في المكي وليس كذلك بناء على ما مر أن العبرة بميقات المستأجر ولهذا لو استأجر آفاقي مكيا للتمتع لزمه دم، ولا نظر إلى كون الآتي مكيا نقله في المهمات عن المحب الطبري "أو" استأجره "ليحرم من دويرة أهله أو من شوال أو ماشيا فأحرم من الميقات" في الأولى "أو في" ذي "الحجة" في الثانية "أو ركب" في إحرامه منه والأولى أو راكبا في الثالثة "أو" استأجره ليأتي عنه بنسك فأتى به لكن "ترك مأمورا يوجب دما" كترك الرمي أو المبيت أو طواف الوداع "لزمه دم وحط التفاوت" لتركه ما أمر به وما ذكره كأصله في مسألة المشي صحح في المجموع خلافه، ولو ترك مأمورا لا يوجب دما كطواف القدوم حط بقسطه من الأجرة نقله الماوردي عن أصحابنا، والحجة بكسر الحاء أفصح من فتحها "ولا يحط" الأجير تفاوتا "إن ارتكب محظورا" كلبس وقلم; لأنه لم ينقص شيئا من العمل قال الدارمي فلو قال له: حج عني وتطيب والبس ففعل فالدم على الأجير، وإن شرطه على المستأجر، ولا تفسد به الإجارة، وقياس ما مر أنه إن شرط ذلك فيها فسدت ويحتمل خلافه. "فرع لو استأجره للقران" فامتثل "فالدم الواجب به على المستأجر" كما لو حج بنفسه; لأنه الذي شرط القران "فلو شرطه على الأجير بطلت" أي:

стр. 1380

الإجارة; لأنه جمع بين إجارة وبيع مجهول; لأن الدم مجهول الصفة "ولو كان المستأجر" للقران "معسرا فالصوم" الذي هو بدل الدم "على الأجير"; لأن بعضه، وهو الأيام الثلاثة في الحج والذي في الحج منهما هو الأجير قال في الأصل كذا في التهذيب وفي التتمة هو كالعاجز عن الصوم والهدي أي فيبقى الواجب في ذمته "ولا يحط شيء" من الأجرة; لأنه لم ينقص شيئا من عمله. "فإن خالف" من استأجره للقران "فأفرد وهي إجارة عين انفسخت في العمرة" إذ لا يجوز تأخير العمل فيها عن الوقت المعين فيحط ما يخص العمرة من الأجرة "أو" وهي "إجارة ذمة فلا" تفسخ في شيء، ولا شيء عليه; لأنه زاد خير أولا على مستأجره; لأنه لم يقرن "لكن إن لم يعد للعمرة إلى الميقات لزمة دم والحط كما سبق وإن تمتع" بدل القران "وهي إجارة عين انفسخ" العقد "في الحج" لوقوعه في غير الوقت المعين فيحط ما يخصه من الأجرة "ولو كانت في الذمة، ولم يعد" للحج "إلى الميقات فالدم" الواجب بترك الإحرام بالحج من الميقات "والحط كما سبق" فيجبان عليه وأما دم التمتع فعلى المستأجر لتضمن أمره بالقران الدم، نقله الأصل عن أصحاب الشيخ أبي حامد، ثم قال: واستبعده ابن الصباغ وغيره انتهى ويجاب عن الاستبعاد بأن سبب وجوب الدم الثاني غير سبب وجوب الأول كما عرفت أما إذا أعاد فلا يجب شيء من ذلك وما ذكره في إجارة العين من انفساخها في الحج هو ما نقله الأصل عن إشارة المتولي وقال: إنه قياس ما تقدم ومنع الزركشي القياس وفرق بأنه لما أفرد انقضى وقت العمرة بخلاف ما إذا تمتع فإن وقت الحج باق وإنما مضى بعضه وسبقه إلى نحو ذلك الأذرعي ونقل عن ابن كج والماوردي والروياني عدم الانفساخ به وأنه زاد خيرا; لأنه أفرد العملين، لكن عليه دم المجاوزة وعلى المستأجر دم التمتع بدل دم القران كما لو قرن، قال: وهذا هو الوجه. "فرع لو استأجره للتمتع" فامتثل "فالدم" الواجب بالتمتع "على المستأجر" لما مر في استئجاره للقران ويأتي فيه ما مر ثم "وإن أفرد" بدل التمتع "وهي" أي الإجارة "إجارة عين انفسخت في العمرة" لفوات وقتهما المعين "أو" وهي إجارة "ذمة فكما سبق" أي فلا تنفسخ الإجارة، لكن إن لم يعد للعمرة إلى الميقات لزمه الدم والحط "وإن قرن وعدد أفعال النسكين فقد زاد خيرا"; لأنه أحرم

стр. 1381

بالنسكين من الميقات وكان مأمورا بأن يحرم بالحج من مكة فلا شيء عليه "ولو اقتصر على أفعال الحج حط" التفاوت "وعليه دم" لنقصان الأفعال وقيل لا حط، ولا دم عليه، والترجيح من زيادته وهو مقتضى كلام الرافعي وظاهر كلام المصنف كأصله أن المراد بتعدد الأفعال أن يأتي بطوافين وسعيين، وهو ما نص عليه الشافعي وغيره كما قاله الأذرعي وغيره فما زعمه الإسنوي من أن ذلك ليس مرادا بل المراد تجديد العود إلى الميقات; لأنه يسقط الدم عن القارن على الصحيح مردود; لذلك ولأن في سقوط الدم بعود القارن خلافا، والمذهب سقوطه عنه وما هنا لا خلاف في سقوطه عن الأجير فالوجه ما تقدم ولكن إن لم يعد إلى الميقات لزم المستأجر دم; لأن ما شرطه يقتضيه. "فرع وإن استأجره للإفراد فقرن (١)، وهي إجارة عين وقعا" أي الحج والعمرة "له" أي للأجير "وانفسخت فيهما" معا; لأنهما لا يفترقان لاتحاد الإحرام، ولا يمكن صرف ما لم يأمر به المستأجر إليه قال في المجموع ومحل وقوعهما للأجير ما إذا كان المحجوج عنه حيا فإن كان ميتا وقعا له بلا خلاف نص عليه الشافعي والأصحاب وقالوا: لأنه يجوز أن يحج عنه الأجنبي فيعتمر من غير وصية، ولا إذن وارث بلا خلاف كما يقضي دينه "ولو كانت" أي الإجارة "في الذمة فللمستأجر" يقعان لبقاء الإجارة "والدم والحط كما سبق" فيجبان على الأجير إلا أن يعدد الأفعال فلا يجب عليه شيء منهما. "وإن تمتع" بدل الإفراد "في إجارة العين، وقد أمر بتأخير العمرة انفسخت" أي الإجارة "فيهما" الموافق للأصل وغيره فيها أي العمرة لوقوعها في غير وقتها فيحط ما يخصها من الأجرة، نعم أن أتى بها عنه بعد فراغ الحج فلا انفساخ فليحمل الانفساخ فيها على الانفساخ ظاهرا أو على الانفساخ في العمرة التي قدمها وما قاله قيده في المجموع بما قيد به مسألة القران السابقة "وإن أمر بتقديمها أو كانت" أي الإجارة "في الذمة لم تنفسخ و" لكن "إن لم يعد إلى الميقات فالدم والحط كما سبق" فيجبان عليه وتسمحوا في قولهم وأمر بتقديمها; لأن تقديمها لا يأتي في الإفراد، وقد نبه عليه الزركشي، ثم قال فليؤل أمره

стр. 1382

بتقديمها على تقديمها على أشهر الحج أي ليكون ذلك إفرادا على وجه، وتكون صورتها أن يأتي بها الأجير في أشهر الحج ليتصور لزوم الدم، وبما تقرر هنا وفيما مر علم أن العدول عن الجهة المأمور بها إلى غيرها لا يقدح في وقوع النسك عن المستأجر على ما مر وأورد أنه يجوز أن يقال إذا خالف لم يقع المأتي به عن المستأجر لعدم تناول الإذن له كما في مخالفة الوكيل موكله، وأجاب الإمام بأن مخالفة المستأجر في ذلك كمخالفة الشرع فيما لا يفسد بها; لأنه لا يحصل النسك لنفسه بل لله تعالى قال الرافعي ولك أن تقول: لا نسلم أنه لا يحصله لنفسه بل يحصله ليخرج نفسه عن عهدة الواجب والمخرج مختلف الفضائل فليراع غرضه فيه. ثم الفرق أن مخالفة الشرع فيما لا يفسد بها يستحيل وقوعه معها لغير المباشرة وقد أتى به لنفسه بخلاف مخالفة المستأجر إذ لا ضرورة فيها إلى وقوعه عنه معها بل يمكن صرفه للمباشرة على المعهود في نظائره، وأجيب بأن تحصيله لغرض أن يخرج نفسه عن العهدة إنما يعد من الانتفاعات الأخروية، وإن كان فيه امتثال أمر الشارع عاجلا بدليل أن الله تعالى جعل مثل هذه الانتفاعات قسيما للانتفاعات العاجلة في نحو قوله ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ وبأن الرافعي نفسه قدم أنه لو عين الكوفة لإحرام الأجير فجاوزها غير محرم لزمه دم إلحاقا للميقات الشرطي بالميقات الشرعي. "فرع: جماع الأجير" قبل التحلل الأول "مفسد للحج وتنفسخ به إجارة العين لا إجارة الذمة"; لأنها لا تختص بزمان بخلاف إجارة العين كما مر "لكن ينقلب" فيهما الحج "للأجير"; لأن الحج المطلوب لا يحصل بالحج الفاسد فانقلب له كما لو أمره بشراء شيء بصفة فاشتراه بغيرها يقع للمأمور بخلاف من ارتكب محظورا غير مفسد "كمطيع المعضوب" إذا جامع فسد حجه وانقلب له والتصريح بهذا من زيادته وذكره في المجموع "وكذا قضاؤه" أي الحج الذي أفسده يلزمه ويقع له كحجه الفاسد "وعليه أن يمضي في فاسده و" عليه "الكفارة" وعليه في إجارة الذمة أن يأتي بعد القضاء عن نفسه بحج آخر للمستأجر في عام آخر أو يستنيب من يحج عنه في ذلك العام أو غيره لتبرأ ذمته عن حج المستأجر "وللمستأجر فيها الخيار" في الفسخ على التراخي لتأخر المقصود هذا إن كانت الإجارة من معضوب أو من متطوع بالاستئجار عن ميت "فإن كانت" من مستأجر "عن ميت"

стр. 1383

من ماله "روعيت المصلحة" في الفسخ وعدمه "كما سبق" نظيره. "فرع: إذا صرف الأجير بعد الإحرام" عن المستأجر "الحج إلى نفسه وظن انصرافه" إليه "لم ينصرف"; لأن الإحرام من العقود اللازمة فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره "ويستحق المسمى" لبقاء العقد "وإذا مات الحاج" عن نفسه أو غيره "أو تحلل لإحصار في أثناء الأركان" فيهما "لم يبطل ثوابه" إذ لا تقصير منه بخلاف ما لو أفسده بجماع "لكن لا يبني عليه" كالصوم والصلاة بل يجب الإحجاج من مال المحجوج عنه إن كان قد استقر في ذمته، والتصريح بعدم بطلان الثواب بموت الحاج عن غيره وبحكم التحلل المذكور من زيادته على الروضة "فإن كان" الحاج عن غيره "أجير عين انفسخت" أي الإجارة "أو أجير ذمة فلا" تنفسخ "بل لورثته" أي الأجير الميت "و" للأجير "المحصور أن يستأجروا من يستأنف" الحج "من عامهم" عن المستأجر له "إن أمكن" في ذلك العام لبقاء الوقت "وإلا ثبت الخيار للمستأجر" كما مر والتصريح بحكم الأجير المحصور من زيادته. "ومتى انفسخت" أي الإجارة "بموته أو إحصاره فإن كان" ذلك "بعد الإحرام لا قبله استحق القسط" من المسمى "من ابتداء السير"; لأنه عمل بعض ما استؤجر عليه مع تحصيله بعض المقصود بخلاف ما قبل الإحرام; لأنه لم يحصل شيئا من المقصود فأشبه ما لو قرب الأجير على البناء الآلات من موضع البناء، ولم يبن "ووقع ما أتى به" الأجير "للمستأجر" إذا لا تقصير منه "وإن مات بعد الفراغ من الأركان وقبل تمام الأعمال لم تبطل" أي الإجارة "بل يحط قسطها" أي بقية الأعمال أي يحطه الأجير كما لو أحصر بعد تمام الأركان وقبل تمام الأعمال، وتعذر عليه الإتيان به كما علم ذلك مما مر "وتجبر" البقية "بدم على الأجير" كذا نقله الأصل عن التتمة والذي قاله البغوي أنه على المستأجر ونقله عنه الزركشي وصوبه وهو الموافق لما ذكره المصنف كأصله في قوله: "ودم" التحلل من "الإحصار" الواقع بعد تمام الأركان "على المستأجر" لوقوع النسك له مع عدم إساءة الأجير "وإن حصل الفوات" للحج "مع الإحصار أو بلا إحصار" كأن تأخر عن القافلة "انقلب" الحج "للأجير" كما في الإفساد بجامع أنه مقصر "ولا شيء له" على المستأجر; لأنه لم ينتفع بما فعله.

стр. 1384

"فرع" قال في المجموع قال الماوردي لو استأجره لزيارة قبر النبي ﷺ لم يصح، وأما الجعالة عليها فإن كانت على مجرد الوقوف عند قبره ومشاهدته لم يصح; لأنه لا تدخله النيابة أو على الدعاء عنده صحت; لأن الدعاء تدخله النيابة، ولا تضر الجهالة به. "فصل". "وجوب الحج والعمرة" ومن حيث الأداء "على التراخي" فلمن وجب عليه الحج بنفسه أو بغيره أن يؤخره بعد سنة الإمكان، لأنه فرض سنة خمس كما جزم به الرافعي هنا أو سنة ست كما صححه في السير (١) وتبعه عليه في الروضة ونقله في المجموع عن الأصحاب وأخره ﷺ إلى سنة عشر بلا مانع وقيس به العمرة وتضييقهما بنذر أو خوف عضب أو قضاء كما سيأتي عارض، ثم التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة "فلو خشي" من وجب عليه الحج أو العمرة "العضب حرم" عليه "التأخير"; لأن الواجب الموسع إنما يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله قال في المجموع قال المتولي ومثله. ومن خشي هلاك ماله (٢) "ولو مات من وجب عليه" الحج "بعد انتصاف ليلة النحر و" مضي "إمكان الرمي والطواف" (٣) والسعي إن دخل الحاج بعد الوقوف "صار" يعني مات "عاصيا"، ولو شابا، وإن لم ترجع القافلة "لاستقرار الوجوب" عليه; ولأنه إنما جوز له التأخير لا التفويت فيلزم الإحجاج عنه من تركته، ويخالف ذلك نظيره في الصلاة فإن آخر وقتها معلوم فلا تقصير ما لم يؤخر عنه، والإباحة في الحج بشرط المبادرة قبل الموت فإذا مات قبله أشعر الحال بالتقصير، واعتبار إمكان الرمي

стр. 1385

نقله الأصل عن التهذيب وأقره، ورده في المهمات بأنه ليس ركنا ويجاب بأنه لما كان واجبا، وله دخل في التحلل اعتبر إمكان فعله وإن لم يكن ركنا لبعد العصيان بدونه قال: ولا بد من زمن يسع الحلق (١) أو التقصير بناء على أنه ركن، ويعتبر الأمن في السير إلى مكة للطواف ليلا انتهى. أما إذا مات قبل ذلك فلا عصيان لتبين عدم الوجوب لأنه بان أن لا إمكان. "ولو تلف مال الحي قبل إمكان الرجوع" أي رجوع القافلة "لم يستقر" الوجوب; لأن مؤنه الرجوع لا بد منها بخلاف تلفه بعد ذلك وبخلاف نظيره في الموت كما مر لتبين استغنائه عن مؤنة الرجوع "وإن حصرت القافلة" التي أمكنه الخروج معها فتحللت أو صابرت الإحرام وفات الوقت "لم يستقر" الوجوب عليه; لأنا تبينا عدم استطاعته هذه السنة "فإن" سلكوا طريقا آخر أو "أطلقوا" ومن حصرهم "في السنة الثانية" أو غيرها "وحجوا"، وهو حي "وماله باق استقر" الوجوب عليه لتمكنه "ولو تمكن" من الحج "سنين" فلم يحج "ثم مات أو عضب فعصيانه من السنة الأخيرة" من سني الإمكان لجواز التأخير إليها "فتبين بعد موته أو عضبه فسقه فيها" أي في السنة الأخيرة بل، وفيما بعدها في المغصوب إلى أن يحج عنه "فلا يحكم بشهادته بعد ذلك وبنقض ما شهد به في السنة الأخيرة" بل وفيما بعد بعدها في المعضوب إلى ما ذكر "كما في نقض الحكم بشهود بان فسقهم وعليه" أي كل من الميت أي وارثه والمعضوب "أن يستنيب فورا" للتقصير، والتصريح بحكم الاستنابة عن الميت من زيادته وخرج بقوله أو عضب ما لو بلغ معضوبا فإن له تأخير الاستنابة كما صرح به الأصل. "فصل". "العبد المفسد للحج يلزمه القضاء"; لأنه مكلف "فإن أعتق"بعد الإفساد "ثم نذر حجا قدم حجة الإسلام" لأصالتها ولأهميتها المفهومة من خبر أبي داود (٢) بإسناد صحيح أنه ﷺ قال لرجل لبى عن شبرمة أخ أو قريب له: "حج

стр. 1386

عن نفسك، ثم عن شبرمة" (١) "ثم القضاء" لوجوبه بأصل الشرع، ولا يجزئ القضاء عن حجة الإسلام لكونه تداركا لغيرها "ثم النذر" (٢) ; لأنه أهم من النفل "فإن أحرم بغيرها" أي بغير حجة الإسلام "من هي عليه أو على من استنابه فيها (٣) انصرف إليها"; لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا يغني عنه قوله "وإن قدم مؤخرا لغا ووقع المقدم" ولمن حج حجة الإسلام، ولم يعتمر أن يقدم حجة التطوع على العمرة، ولمن اعتمر عمرة الإسلام، ولم يحج أن يقدم عمرة التطوع على الحج "وإن نذر من لم يحج أن يحج هذه السنة فحج خرج عن فرضه ونذره" إذ ليس فيه إلا تعجيل ما كان له تأخيره فيقع أصل الفعل عن فرضه وتعجيله عن نذره. "ويصح استئجار من لم يحج للحج في الذمة" فيحج عن نفسه، ثم عن المستأجر في سنة أخرى (٤) "لا" في إجارة "العين"; لأنها تتعين للسنة الأولى فمن عليه فرض الحج لا يجوز أن يحج عن غيره كما صرح به الأصل "والعمرة كالحج"

стр. 1387

فيما ذكر "وإن استؤجر للحج من عليه عمرة أو بالعكس" أي استؤجر للعمرة من عليه حج "جاز" إذ لا مانع، والتصريح بالجواز من زيادته "فإن قرن هذا" أي الأجير في الصورتين "للمستأجر وقع عن الأجير"; لأن نسكي القران لا يفترقان لاتحاد الإحرام، ولا يمكن صرف ما لم يأمر به المستأجر إليه وقيده في المجموع بما قيد به ما مر فيما لو استأجره للإفراد فقرن أو تمتع "ومن" الأولى وإن "قرن" أي هذا "للمستأجر ولنفسه" بأن أحرم بما استؤجر له للمستأجر وبالآخر لنفسه "أو أحرم" بما استؤجر له "عن المستأجر وعن نفسه وقعا" أي ما أتى به في الأولى وما أتى به في الثانية "جميعا عن نفسه" لما مر آنفا; ولأن الإحرام لا ينعقد عن اثنين، وهو أولى من غيره فانعقد لنفسه، والتصريح بالثانية من زيادته وكذا بقوله "ولا أجرة له" على المستأجر; لأنه لم ينتفع بما فعله "وكذا ومن أحرم" بالنسكان أو بأحدهما "عن اثنين" استأجراه لذلك أو أمراه به يقع ذلك له، ولا أجرة له وتعبيره بذلك أعم، ومن تعبير أصله برجلين استأجراه ليحج عن أحدهما ويعتمر عن الآخر، ولو استأجره اثنان في الذمة للحج عنهما أو أمراه به بلا إجارة وأحرم عن أحدهما مبهما صرفه لمن شاء منهما قبل التلبس بشيء من أفعال الحج ذكر ذلك في المجموع. "ولو استأجر المعضوب لفرضه" أداء أو قضاء "ونذره رجلين" بأن استأجرهما ليحجا عنه "في سنة" واحدة: أحدهما حجة الإسلام أو حجة قضاء والآخر حجة نذر، أو أحدهما حجة الإسلام والآخر حجة قضاء "جاز" لما - فيه من تعجيل الحج; ولأن غير حجة الإسلام لم يتقدمها وحجة النذر لم تتقدم حجة القضاء. "فرع" وفي نسخة فصل "لو أحرم المتطوع" بأن أحرم شخص بحج تطوع "أو" أحرم "الأجير عن المستأجر" بحج فرض أو تطوع "ثم نذر حجا قبل الوقوف لا بعده انصرف الحج إلى النذر" لتقدم الفرض على النفل وفرض الشخص على غيره بخلاف نذره له بعد الوقوف لإتيانه بمعظم أركان ما نواه نعم إن أمكنه العود إليه وعاد فالظاهر انصرافه إلى النذر كما ينصرف إلى الفرض فيما لو كمل المحرم بعد الوقوف، والوقت باق فعاد إليه. "ولو أحرم" عن نفسه "أجير العين" أو أجير الذمة المفهوم بالأولى "بتطوع لم

стр. 1388

ينصرف إلى المستأجر" لأنا إنما نقدم واجب الحج على نفله لوجوبه، وأما استحقاقه على الأجير فليس لوجوبه. "ويسقط فرض من حج بمال حرام" كمغصوب وإن كان عاصيا كما في الصلاة في مغصوب أو ثوب حرير.

стр. 1389

"باب مواقيت الحج والعمرة" زمانا ومكانا "الميقات الزماني للحج (١) من شوال إلى فجر ليلة النحر" (٢) كما فسر به ابن عباس وغيره قوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣) أي وقت الإحرام به أشهر معلومات إذا فعله لا يحتاج إلى أشهر وأطلق الأشهر على شهرين وبعض شهر تنزيلا للبعض منزلة الكل أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد كما في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان وظاهر كلامه كأصله أنه يصح إحرامه بالحج إذا ضاق زمن

стр. 1390

الوقوف عن إدراكه (١)، وبه صرح الروياني قال: وهذا بخلاف نظيره في الجمعة لبقاء الحج حجا بفوت الوقوف بخلاف الجمعة. "و" الميقات الزماني "للعمرة جميع السنة" ففي الصحيحين أنه ﷺ اعتمر ثلاث مرات متفرقات في ذي القعدة أو في ثلاثة أعوام وأنه اعتمر عمرة في رجب (٢) كما رواه ابن عمر وإن أنكرته عليه عائشة وأنه قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" (٣) وفي رواية لهما "حجة معي" (٤) وروى البيهقي أنه ﷺ اعتمر في رمضان وروى أبو داود بإسناد صحيح أنه ﷺ اعتمر في شوال (٥) "لا لحاج" فيمتنع إحرامه بالعمرة "قبل نفره" (٦) أما قبل تحلله فلامتناع إدخالها على الحج وأما بعده فلاشتغاله بالرمي والمبيت فهو عاجز عن التشاغل بعلمها; ولأن بقاء حكم الإحرام كبقائه وفي التعليل الأول نظر ويؤخذ من ذلك امتناع حجتين في عام واحد وهو ما نص عليه في الأم وجزم به الأصحاب ونقل القاضي أبو الطيب فيه الإجماع، وقد يؤخذ منه أيضا صحة إحرامه بالعمرة إذا قصد ترك الرمي والمبيت، وليس كذلك أما إحرامه بها بعد نفره فصحيح، وإن كان وقت الرمي بعد النفر الأول باقيا; لأنه بالنفر خرج من الحج وصار كما لو مضى وقت الرمي نقله القاضي أبو الطيب عن نص الأم وقال في المجموع لا خلاف فيه. "ويستحب الإكثار منها" أي العمرة، ولو في العام الواحد فلا تكره في وقت، ولا يكره تكريرها (٧) فقد "أعمر ﷺ عائشة في عام مرتين واعتمرت في عام

стр. 1391

مرتين" (١) أي بعد وفاته وفي رواية ثلاث عمر واعتمر ابن عمر أعواما مرتين في كل عام رواها الشافعي والبيهقي قال في المجموع قال أصحابنا: ويندب الاعتمار في أشهر الحج وفي رمضان. قال المتولي وغيره والعمرة في رمضان أفضل منها في باقي السنة لخبر "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (٢) قال في الكفاية وفعلها في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق ليس بفاضل كفضله في غيرها; لأن الأفضل فعل الحج فيها. "فرع متى أحرم بالحج أو مطلقا في غير أشهره" فيهما "انعقد عمرة مجزئة (٣) عن الفرض" أي فرضها وإن كان عالما لشدة لزوم الإحرام لانعقاده مع الجماع المفسد على ما صححه الرافعي كما سيأتي فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله; ولأنه إذا بطل قصد الحج بقي مطلق الإحرام، والعمرة تنعقد بمجرد الإحرام هذا في الحلال فلو أحرم بعمرة، ثم بحج في غير أشهره لم تنعقد عمرة; لأنها لا تدخل على العمرة ذكره القاضي أبو الطيب، ولو أحرم قبل أشهر الحج، ثم شك هل أحرم بحج أو عمرة فهو عمرة، ولو أحرم بحج، ثم شك هل كان إحرامه في أشهره أو قبلها قال الصيمري كان حجا; لأنه يتيقن إحرامه الآن ويشك في تقدمه قاله في المجموع قال الأذرعي قيل: والأولى الاحتياط كما لو أحرم بأحد النسكين، ثم نسيه "ويكره تأخيرها" أي العمرة "عن سنته" أي الحج لما فيه من الخطر. "فصل الميقات المكاني للمكي" (٤) أي لمن كان بمكة، ولو من غير أهلها "مكة لا سائر الحرم" لقوله ﷺ في الخبر الآتي "حتى أهل مكة من مكة" (٥)

стр. 1392

وقيس بأهلها غيرهم ممن هو بها "فإن فارق بنيانها وأحرم" خارجها، ولم يعد إليها قبل الوقوف "أساء ولزمه دم" كمجاوز سائر المواقيت نعم إن أحرم من محاذاتها فالظاهر أنه لا إساءة، ولا دم كما لو أحرم من محاذاة سائر المواقيت، ثم رأيت المحب الطبري نبه عليه (١) بحثا قال البلقيني ومحل الإساءة فيما ذكر إذا لم يصل إلى ميقات، وإلا فلا إساءة صرح به القاضي أبو الطيب كما في شرح المهذب وهو مقتضى كلام الأصحاب في سقوط دم التمتع بذلك "فإن عاد إليها" قبل الوقوف "سقط" الدم نعم إن وصل في خروجه مسافة القصر لم يسقط الدم بذلك بل بوصوله إلى الميقات الذي للآفاقي كما صرح به البغوي "وإحرامه" أي المكي "من باب داره أفضل" منه من غيره لعموم قوله في الخبر الآتي "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (٢) "فيدخل المسجد" الحرام "محرما" وإحرامه من بابه يكون بعد مجيئه من صلاة ركعتي الإحرام في المسجد الحرام إذ الإحرام لا يسن عقب الصلاة بل عند الخروج إلى عرفات، ثم يأتي المسجد محرما لطواف الوداع لا للصلاة فاندفع ما قيل: إنه إذا استحب له فعل الركعتين في المسجد أشكل ذلك بتصحيح أنه يحرم من باب داره، ثم يأتي المسجد لركعتين قبل الإحرام قيل: وقياس ما يأتي من أن المستحب لمن ميقاته قريته أو حلته أن يحرم من الطرف الأبعد من مكة ليقطع الباقي محرما إن المكي يحرم من طرفها الأبعد (٣) عن مقصده، وأجيب بأن ذاك قاصد لمكان أشرف مما هو فيه، وهذا بعكسه (٤) "والمتمتع الآفاقي إن أحرم" بالحج "خارج مكة، ولم يعد إلى الميقات" أو إلى مثله مسافة "أو إلى مكة لزمه دمان": دم الإساءة ودم التمتع، ولو قال: ولم يعد إليها أو إلى الميقات كان أخصر وخرج بالآفاقي المكي فلا يلزمه إلا دم الإساءة

стр. 1393

"ومن كان" مسكنه "بينهما" أي بين مكة "وبين الميقات فميقاته قريته أو حلته" (١) أو منزله المنفرد لقوله في الخبر الآتي "فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (٢) "وأما الآفاقي" فله مواقيت مختلفة بحسب النواحي "فلأهل المدينة ذو الحليفة" وهي موضع معروف بقرب المدينة، وهو الذي يقال له: أبيار علي قال الرافعي، وهو على ميل من المدينة والغزالي في بسيطه على ستة أميال وصححه في المجموع وغيره وقيل على سبعة قال في المهمات والصواب المعروف المشاهد أنها على ثلاثة أميال أو تزيد قليلا. قال الشيخان وهي على نحو عشرة مراحل من مكة فهي أبعد المواقيت من مكة. "وللشام ومصر والمغرب" أي لأهلها "الجحفة" ويقال لها مهيعة بوزن مرتبة ومهيعة بوزن معيشة، وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة، وقد خربت قال الرافعي: وهي على نحو خمسين فرسخا من مكة وقال في المجموع وغيره على نحو ثلاثة مراحل من مكة وبينهما تفاوت بعيد; لأن المرحلة ثمانية فراسخ فيكون جملة المراحل على ما في المجموع أربعة وعشرين فرسخا، والمعروف المشاهد وما قاله الرافعي وسميت جحفة; لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها. "ولليمن" أي لأهل تهامة "يلملم" ويقال ألملم، وهو أصله قلبت الهمزة ياء ويرمرم براءين، وهو موضع على مرحلتين من مكة "ولنجدي الحجاز واليمن"

стр. 1394

أي لأهلهما "قرن" بسكون الراء ويقال له قرن المنازل وقرن الثعالب، وهو جبل على مرحلتين من مكة ووهم الجوهري في تحريك الراء وفي قوله: إن أويسا القرني منسوب إليه وإنما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد كما ثبت في مسلم "وللعراق وخراسان" أي لأهلهما "ذات عرق" وهي قرية على مرحلتين من مكة، وقد خربت. "والعقيق"، وهو واد فوق ذات عرق "لهم" أي لأهل العراق وخراسان "أفضل" من ذات عرق; لأنه أحوط ولما روى ابن عباس أنه ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق (١) رواه الترمذي وحسنه لكن رده في المجموع والأصل في المواقيت خبر الصحيحين أنه ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (٢) خبر الشافعي أنه ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة (٣) وخبر النسائي وغيره بإسناد صحيح كما في المجموع أنه ﷺ وقت لأهل الشام ومصر الجحفة ولأهل العراق ذات عرق (٤). "والطرف الأبعد عن مكة من كل ميقات" أي الإحرام منه "أفضل" من الإحرام من وسطه وآخره ليقطع الباقي محرما قال السبكي إلا ذا الحليفة فينبغي أن يكون إحرامه من المسجد الذي أحرم منه النبي ﷺ أفضل. "وهي" أي المواقيت المذكورة "لأهلهما ولمن سلكها" للخبر السابق إلا النائب فيحرم كما مر من ميقات بلد منيبه "والعبرة" في هذه المواقيت "بالبقعة لا ما

стр. 1395

بني"، ولو "قريبا منها"، ولو بنقضها وإن سمي باسمها. "ومن سلك" طريقا "غير" طريق "الميقات أحرم بمحاذاته" بالذال المعجمة أي مسامتته يمنة أو يسرة سواء أكان في البر أم في البحر لخبر البخاري عن ابن عمر أن أهل العراق أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا قال: فانظروا حذوها من طريقكم فحد لهم عمر ذات عرق (١)، ولم ينكر عليه أحد "فإن أشكل" عليه الميقات أو موضوع محاذاته "احتاط"، الذي في الأصل تحرى، وطريق الاحتياط لا يخفى، وعبارة المجموع نقلا عن الأصحاب اجتهد (٢) ويستحب له أن يستظهر خلافا للقاضي أبي الطيب حيث أوجب الاستظهار قال الأذرعي والظاهر أنه إن تحير في اجتهاده تعين الاستظهار جزما إن خاف فوت الحج أو كان قد تضيق عليه. "ولو حاذى ميقاتين (٣) أحرم من أقربهما إليه" وإن كان الآخر أبعد إلى مكة إذ لو كان أمامه ميقات فإنه ميقاته وإن حاذى ميقاتا أبعد فكذا ما هو بقربه "فإن استويا في القرب" إليه "فأبعدهما من مكة" يحرم منه وإن حاذى الأقرب إليها أولا كأن كان الأبعد منحرفا أو وعرا "فإن قيل فإذا استويا في القرب" إليه "فكلاهما ميقاته قلنا: لا بل ميقاته الأبعد إلى مكة وتظهر فائدته فيما لو جاوزهما مريدا للنسك، ولم يعرف موضع المحاذاة، ثم رجع إلى الأبعد أو إلى" مثل "مسافته سقط عنه الدم لا" إن رجع "إلى الآخر" فإن استويا في القرب إليهما وإليه أحرم من محاذاتهما إن لم يحاذ أحدهما قبل الآخر، وإلا فمن محاذاة الأول ينتظر محاذاة الآخر كما ليس للمار على ذي الحليفة أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة. "فإن لم يحاذ شيئا" من المواقيت "أحرم على مرحلتين من مكة"; لأنه لا شيء من المواقيت أقل مسافة من هذا القدر.

стр. 1396

"فرع: ومن جاوز الميقات" (١) إلى جهة الحرم "غير مريد للنسك، ثم عن" أي عرض "له" قصد النسك "فذلك" أي محل عروض ذلك له "ميقاته"، ولا يلزمه العود إلى الميقات كما شمل ذلك قوله في الخبر السابق "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (٢) وأشار إليه أيضا بقوله ممن أراد الحج والعمرة. "فصل ومن جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم"، ولم ينو العود إليه أو إلى مثل مسافته (٣) من ميقات آخر "أساء" للإجماع للخبر السابق "ولزمه العود" إليه محرما أو ليحرم منه تداركا لما فوته "وأثم بتركه" أي العود "إلا لعذر" كضيق الوقت وخوف الطريق أو الانقطاع عن الرفقة (٤) وسهوه وجهله فلا عود عليه، ولا إثم لعذره وقضية كلامهم أنه يلزمه العود إذا كان ماشيا، ولم يتضرر بالمشي قال الإسنوي وفيه نظر ويتجه أن يقال إن كان على دون مسافة القصر لزمه، وإلا فلا كما قلنا في الحج ماشيا قال ابن العماد: ولوجه لزوم العود مطلقا; لأنه قضاء لما تعدى فيه فأشبه وجوب قضاء الحج الفاسد، وإن بعدت المسافة. "فإن أحرم قبل العود"، الأولى ولم يعد "وإن كان معذورا" في ذلك "لزمه دم" (٥) لإساءته بترك الإحرام من الميقات قال ابن عباس "من

стр. 1397

نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما" (١) رواه مالك وغيره بإسناده صحيح وشرط لزومه أن يحرم بعد المجاوزة كما علم من كلامه وأن يحرم في تلك السنة بخلاف ما إذا لم يحرم أصلا; لأن لزومه إنما هو لنقصان النسك لا بدل منه وبخلاف ما إذا أحرم في سنة أخرى (٢) ; لأن إحرام هذه السنة لا يصلح لإحرام غيرها، وقضية كلامه كأصله أن الكافر إذا جاوز الميقات مريدا للنسك، ثم أسلم وأحرم دونه يكن كالمسلم فيما ذكر، وهو كذلك كما سيأتي بيانه في باب حج الصبي "ويسقط" عنه الدم "متى عاد" (٣) ; لأنه قطع المسافة من الميقات محرما وأدى المناسك كلها بعده فكان كما لو أحرم منه سواء أكان دخل مكة أم لا "لا" إن عاد "بعد التلبس بنسك ولو طواف القدوم" فلا يسقط عنه الدم لتأدي النسك بإحرام ناقص. "والإحرام من الميقات أفضل منه من دويرة أهله" (٤) خلافا للرافعي في تصحيحه عكسه لأنه ﷺ أحرم بحجته وبعمرة الحديبية من ذي الحليفة روى الأول الشيخان (٥) والثاني

стр. 1398

البخاري (١) ; ولأن في مصابرة الإحرام بالتقديم عسرا، وتغريرا بالعبادة وإن كان جائزا، وإنما جاز قبل الميقات المكاني لا قبل الزماني; لأن تعلق العبادة بالوقت أشد منه بالمكان، ولأن المكاني يختلف باختلاف البلاد بخلاف الزماني. "فصل ميقات العمرة ميقات الحج" لقوله في الخبر السابق "ممن أراد الحج والعمرة" (٢) "إلا لمن في الحرم" مكيا كان أو غيره "فميقاته الواجب أدنى الحل" (٣) فيلزمه الخروج، ولو بقليل من أي جانب شاء للجمع فيها بين الحل والحرم كالجمع في الحج بينهما بوقوفه بعرفة ولأنه ﷺ أمر عائشة بالخروج إلى الحل للإحرام بالعمرة رواه الشيخان (٤) فلو لم يجب الخروج لأحرمت من مكانها لضيق الوقت; لأنه كان عند رحيل الحاج وخرج بقوله "الواجب"ما ذكره بقوله. "والأفضل"من بقاع الحل لإحرامه بالعمرة "الجعرانة" (٥) لاتباع رواه الشيخان وهي بإسكان العين وتخفيف الراء أفصح من كسر العين وتثقيل الراء وإن كان أكثر المحدثين على الثاني ذكره في المجموع وهي في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكة "ثم التنعيم" لأمره ﷺ عائشة بالاعتمار منه، وهو الموضع الذي

стр. 1399

عند المساجد المعروفة بمساجد عائشة بينه وبين مكة فرسخ وسمي بذلك; لأن على يمينه جبلا يقال له نعيم وعلى شماله جبلا يقال له ناعم والوادي نعمان "ثم الحديبية" بتخفيف الياء أفصح من تثقيلها وهي اسم لبئر هناك بين طريق جدة وطريق المدينة بين جبلين على ستة فراسخ من مكة وذلك لأنه ﷺ هم بالاعتمار منها فصده الكفار فقدم فعله، ثم أمره، ثم همه كذا قال الغزالي: إنه هم بالاعتمار من الحديبية قال في المجموع، والصواب (١) أنه كان أحرم من ذي الحليفة إلا أنه هم بالدخول إلى مكة من الحديبية كما رواه البخاري "وإنما أعمر عائشة من التنعيم" ومع أن الإحرام من الجعرانة أفضل لضيق الوقت، أو لبيان الجواز من أدنى الحل وليس التفضيل لبعد المسافة فإن الجعرانة والحديبية مسافتهما إلى مكة واحدة: ستة فراسخ والتنعيم مسافته إليها فرسخ كما مر فهو أقرب إليها منهما فإن لم يحرم من أحد الثلاثة ندب أن يجعل بينه وبين الحرم بطن واد، ثم يحرم كما في التتمة وغيرها وحكاه في الإبانة عن الشافعي. "وإذا أحرم بها من مكة وتمم" أفعالها "ولم يخرج" إلى الحل قبل تلبسه بفرض منها "أجزأه" ما أحرم به "ولزمه الدم" لأن الإساءة بترك الإحرام من الميقات إنما تقتضي لزوم الدم لا عدم الإجزاء "ومتى عاد" يعني خرج إلى الحل "قبل التلبس بفرض سقط" عنه الدم لما مر.

стр. 1400

باب بيان وجوه الإحرام وما يتعلق به عبارة الأصل بها "الإفراد، ثم التمتع، ثم القران أفضل" (١) على الأصح منشأ الخلاف اختلاف الرواة في إحرامه ﷺ روى الشيخان عن جابر وعائشة أنه ﷺ أفرد الحج (٢) ورواه مسلم عن ابن عباس أيضا ورويا عن أنس قال سمعت النبي ﷺ يقول: "لبيك عمرة وحجا" (٣) ورويا عن ابن عمر أنه أحرم متمتعا ورجح الأول بأن رواته أكثر وبأن جابرا منهم أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك وبأنه ﷺ اختاره أولا كما سيأتي وبالإجماع على أنه لا كراهة فيه وبأن المفرد لم يربح ما ربحه المتمتع من استباحة المحظورات، ولا ما ربحه من اندراج أفعال العمرة تحت الحج فهو أشق عملا، وبأن التمتع والقران يجب فيهما الدم بخلاف الإفراد، والجبر دليل النقصان وأما تمنيه ﷺ التمتع بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولجعلتها عمرة" (٤) فلتطييب قلوب الصحابة حيث حزنوا على عدم الموافقة لما أمرهم بالاعتمار لعدم الهدي قال القاضي; ولأن

стр. 1401

ظاهر الخبر من أن الإهداء يمنع الاعتمار غير مراد إجماعا قال في المجموع. والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة وخص بجوازه في تلك السنة للحاجة وأمر به في قوله "لبيك عمرة في حجة" وبهذا يسهل الجمع بين الروايات فعمدة رواة الإفراد وهم الأكثر أول الإحرام وعمدة رواة القران آخره، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع، وقد انتفع بالاكتفاء بفعل واحد ويؤيد ذلك أنه ﷺ لم يعتمر في تلك السنة عمرة مفردة ولو جعلت حجة مفردة لكان غير معتمر في تلك السنة، ولم يقل أحد إن الحج وحده أفضل من القران فانتظمت الروايات في حجته في نفسه، وأما الصحابة فكانوا ثلاثة أقسام قسم أحرموا بحج وعمرة أو بحج ومعهم هدي وقسم بعمرة ففرغوا منها، ثم أحرموا بحج وقسم بحج، ولا هدي معهم فأمرهم ﷺ أن يقلبوه عمرة، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة، وهو خاص بالصحابة أمرهم به ﷺ لبيان مخالفة ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج واعتقادهم أن إيقاعها فيه من أفجر الفجور كما أنه ﷺ أدخل العمرة على الحج لذلك ودليل التخصيص خبر أبي داود عن الحارث بن بلال عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال: "بل لكم خاصة" (١) فانتظمت الراويات في إحرامهم أيضا فمن روى أنهم كانوا قارنين أو متمتعين أو مفردين أراد بعضهم وهم الذين علم ذلك منهم، وظن أن البقية مثلهم. وأما تفضيل التمتع على القران فلأنه أكثر عملا وقول المصنف، ثم القران أي أفضل فهو أفضل من الحج، ثم الحج أفضل من العمرة. "فالإفراد أن يحرم بالحج وحده (٢) ويفرغ منه، ثم يحرم بالعمرة" ومحل أفضليته على التمتع والقران أن يعتمر "من سنته فإن لم يعتمر فيها فهما أفضل

стр. 1402

منه" لأنه يكره تأخير الاعتمار عنها كما مر. "وأما القران فهو أن يحرم بهما أو بالعمرة، ولو قبل أشهر الحج، ثم يدخله" أي الحج "عليها في أشهره قبل" الشروع في "الطواف" (١) دليل الصورة الأولى الإجماع وخبر الصحيحين عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بحج ومنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بهما (٢) ودليل الثانية خبر مسلم أن عائشة أحرمت بعمرة فدخل عليها رسول الله ﷺ فوجدها تبكي فقال ما شأنك قالت حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت فقال لها "أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة فقال لها: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" (٣). "ولا يجوز" إدخال الحج على العمرة "بعده" بعد الشروع في الطواف ولو بخطوة لاتصال إحرامها بمقصوده، وهو أعظم أفعالها فيقع عنها ولا ينصرف بعد ذلك إلى غيرها; ولأنه أخذ في التحلل المقتضي لنقصان الإحرام فلا يليق به إدخال الإحرام المقتضي لقوته فلو استلم الحجر بنية الطواف ففي صحة الإدخال وجهان قال في المجموع ينبغي تصحيح الجواز; لأنه مقدمته لا بعضه قال ولو شك هل أحرم بالحج قبل الشروع في الطواف أو بعده قال الماوردي قال أصحابنا: صح إحرامه; لأن الأصل جواز إدخال الحج على العمرة حتى يتقين المنع فصار كمن أحرم وتزوج، ولم يدر هل كان إحرامه قبل تزوجه أو بعده فإنه يصح تزوجه وإذا أحرم بهما أو بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج قبل الشروع في الطواف "فتندرج فيه" فيكفيه عمل الحج لما روى الشيخان عن عائشة أن الذين قرنوا مع النبي ﷺ إنما طافوا طوافا واحدا وسعوا سعيا واحدا (٤). "ولا يجوز دخول" يعني إدخال "العمرة على الحج"; لأنه لا يستفيد به

стр. 1403

شيئا بخلاف إدخاله الحج على العمرة يستفيد به الوقوف والرمي والمبيت; ولأنه يمتنع إدخال الضعيف على القوي كفراش النكاح مع فراش الملك لقوته عليه جاز إدخاله عليه دون العكس حتى لو نكح أخت أمته جاز وطؤها بخلاف العكس "ولو قرن بمكة جاز وإن لم يخرج إلى الحل" تغليبا للحج لاندراج العمرة فيه فلا يحتاج إلى الإحرام بها من الحل مع أنه يجمع بين الحل والحرم بوقوفه بعرفة. "وعلى القارن" إذا كان من "غير حاضري المسجد الحرام دم كالتمتع" أي كالدم اللازم في صفته وبدله عن العجز عنه لترفهه بترك أحد العملين فهو أشد ترفها من المتمتع التارك لأحد الميقاتين ولما روى الشيخان عن عائشة أنه ﷺ ذبح عن نسائه البقر يوم النحر قالت وكن قارنات (١) أما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لأن دم القران فرع دم التمتع; لأنه وجب بالقياس عليه ودم التمتع لا يجب على الحاضر ففرعه أولى. "فرع" لو أحرم آفاقي بالعمرة في وقت الحج وأتمها، ثم قرن من عامه لزمه دمان دم لتمتعه ودم لقرانه قال البغوي في تهذيبه، ولم يطلع عليه السبكي فأجاب بأن الصواب لزوم دم واحد للتمتع، ولا شيء للقران من جهة أن من دخل مكة فقرن أو تمتع فحكمه حكم حاضري المسجد الحرام قال وبتقدير أن لا يلحق بهم فقد اجتمع في ذلك التمتع والقران، ودمهما متجانس فيتداخلان وما قالاه يتلقى مأخذه، وتحريره مما يأتي فيما لو جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم أحرم. "فصل والتمتع" المطلق "وهو أن يحرم" الشخص "بالعمرة" ويتمها، ثم يحج (٢) وأما التمتع الموجب للدم فهو أن يحرم بها ومن لم يكن من حاضري المسجد الحرام "من الميقات في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من مكة في عامه، ولو كان أجيرا فيهما لشخصين" لما نقله ابن المنذر من الإجماع على أنه (٣) إذا فعل ذلك كان متمتعا وسمي تمتعا لتمتع صاحبه بمحظورات الإحرام

стр. 1404

بينهما أو لتمتعه لسقوط العود إلى الميقات للحج وإنما لزمه لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، التقدير تمتع بالإحلال من العمرة والمعنى فيه كونه ربح ميقاتا فإنه لو كان قد أحرم بالحج أولا من ميقاته لاحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة وإذا تمتع استغنى عن ذلك لأنه يحرم بالحج من مكة وخرج بالقيود المذكورة عن أن يسمى تمتعا موجبا للدم أشياء ستأتي في كلامه. "أما حاضرو المسجد الحرام فلا دم عليهم وهم من دون مسافة القصر من الحرم" وذلك لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقريب من الشيء يقال: إنه حاضره قال تعالى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [لأعراف: ١٦٣] أي قريبة منه والمعنى في ذلك أنهم لم يربحوا ميقاتا أي عاما لأهله، ومن مر به فلا يشكل بمن بينه وبين مكة أو الحرم دون مسافة القصر إذا عن له النسك، ثم فاته، وإن ربح ميقاتا بتمتعه لكنه ليس ميقاتا عاما، ولا يشكل أيضا بأنهم جعلوا ما دون مسافة القصر كالموضع الواحد في هذا، ولم يجعلوه في مسألة الإساءة، وهو إذا كان مسكنه دون مسافة القصر من الحرم وجاوزه وأحرم كالموضوع الواحد حتى لا يلزمه الدم كالمكي إذا أحرم من سائر بقاع مكة بل ألزموه الدم وجعلوه مسيئا كالآفاقي; لأن ما خرج عن مكة مما ذكر تابع لها والتابع لا يعطى حكم المتبوع من كل وجه، ولأنهم عملوا بمقتضى الدليل في الموضعين فهنا لا يلزم دم لعدم إساءته بعدم عوده; لأنه من الحاضرين بمقتضى الآية. وهناك يلزمه دم لإساءته بمجاوزته ما عين له بقوله في الخبر "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (١) وعلى أن المسكن المذكورة كالقرية بمنزلة مكة في جواز الإحرام من سائر بقاعه وعدم جواز مجاوزته بلا إحرام لمريد النسك واعتبروا المسافة من الحرم; لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم إلا قوله ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهو نفس الكعبة واعتبرها في المحرر من مكة، وهو قضية كلام الأصل فيما سيأتي قبيل فصل دم التمتع كدم الأضحية ونبه عليه

стр. 1405

المصنف قال في المهمات وبه الفتوى فقد نقله في التقريب عن نص الإملاء وأن الشافعي أيده بأن اعتبارها من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب لاختلاف المواقيت يعني حدود الحرم قلت وإلى أن من بذات عرق من الحاضرين; لأنها دون مسافة القصر من الحرم، ولم يستثنها أحد من حكم المواقيت. "فإن كان له" أي للمتمتع "مسكنان أحدهما بعيد" والآخر قريب "اعتبر" في كونه من الحاضرين أو غيرهم "كثرة إقامته" بأحدهما. "ثم" إن استوت إقامته بهما اعتبر "بالأهل والمال" أي بوجودهما دائما أو أكثر في أحدهما فإن كان أهله بأحدهما وماله بالآخر اعتبر بمكان الأهل، ذكره المحب الطبري قال: والمراد بالأهل الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والإخوة "ثم" إن استويا في ذلك اعتبر "بعزم الرجوع "إلى أحدهما للإقامة فيه "ثم" إن لم يكن له عزم اعتبر "بإنشاء الخروج" أي بما خرج منه قال في الذخائر فإن لم يكن عزم أو استوى عزمه واستويا في كل شيء قال صاحب التقريب وغيره اعتبر بموضع إحرامه. "وللغريب المستوطن" في الحرم أو فيما بينه وبين الحرم دون مسافة القصر "حكم أهل البلد" الذي فيه "ويلزم الدم آفاقيا تمتع ناويا الاستيطان بها" أي بمكة، ولو "بعد العمرة"; لأن الاستيطان لا يحصل بمجرد النية وعلله في الذخائر بأنه بمجاوزة الميقات أما العود أو الدم في إحرام سنته فلا يسقط بنية الإقامة وتبع في تعبيره بالآفاقي الغزالي وغيره قال النووي: وهو منكر; لأن الجمع إذا لم يسم به لا ينسب إليه بل إلى واحده بأن يقال هنا أفقي واقتصاره على إذا لم يسم به غير كاف في الاحتجاج بل حقه أن يقول معه، ولم يغلب كالأنصار، ولم يهمل واحده كعباديد فإن صح جعل الآفاق كالأنصار في الغلبة اندفع الأنكار "وكذا لو جاوزه" أي الميقات "غير مريد للنسك، ثم اعتمر" حين عن له بمكة أو بقربها لزمه دم على المختار في الروضة والمجموع في الأولى، وعلى الأصح فيهما تبعا للرافعي في الثانية; لأنه ليس من الحاضرين لعدم الاستيطان ونقل فيهما كالرافعي عن الغزالي عدم لزومه في الأولى واستغرباه قال الزركشي تبعا للأذرعي وما قاله الغزالي صرح به الماوردي والمتولي والإمام ونقله في الذخائر عن الأصحاب، وهو قضية كلام ابن كج والدارمي فما قاله الغزالي هو الراجح; لأنه حاضر أو في
следующие страницы →