← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ظاهر الخبر من أن الإهداء يمنع الاعتمار غير مراد إجماعا قال في المجموع. والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة وخص بجوازه في تلك السنة للحاجة وأمر به في قوله "لبيك عمرة في حجة" وبهذا يسهل الجمع بين الروايات فعمدة رواة الإفراد وهم الأكثر أول الإحرام وعمدة رواة القران آخره، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع، وقد انتفع بالاكتفاء بفعل واحد ويؤيد ذلك أنه ﷺ لم يعتمر في تلك السنة عمرة مفردة ولو جعلت حجة مفردة لكان غير معتمر في تلك السنة، ولم يقل أحد إن الحج وحده أفضل من القران فانتظمت الروايات في حجته في نفسه، وأما الصحابة فكانوا ثلاثة أقسام قسم أحرموا بحج وعمرة أو بحج ومعهم هدي وقسم بعمرة ففرغوا منها، ثم أحرموا بحج وقسم بحج، ولا هدي معهم فأمرهم ﷺ أن يقلبوه عمرة، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة، وهو خاص بالصحابة أمرهم به ﷺ لبيان مخالفة ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج واعتقادهم أن إيقاعها فيه من أفجر الفجور كما أنه ﷺ أدخل العمرة على الحج لذلك ودليل التخصيص خبر أبي داود عن الحارث بن بلال عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال: "بل لكم خاصة" (١) فانتظمت الراويات في إحرامهم أيضا فمن روى أنهم كانوا قارنين أو متمتعين أو مفردين أراد بعضهم وهم الذين علم ذلك منهم، وظن أن البقية مثلهم. وأما تفضيل التمتع على القران فلأنه أكثر عملا وقول المصنف، ثم القران أي أفضل فهو أفضل من الحج، ثم الحج أفضل من العمرة. "فالإفراد أن يحرم بالحج وحده (٢) ويفرغ منه، ثم يحرم بالعمرة" ومحل أفضليته على التمتع والقران أن يعتمر "من سنته فإن لم يعتمر فيها فهما أفضل

стр. 1402

منه" لأنه يكره تأخير الاعتمار عنها كما مر. "وأما القران فهو أن يحرم بهما أو بالعمرة، ولو قبل أشهر الحج، ثم يدخله" أي الحج "عليها في أشهره قبل" الشروع في "الطواف" (١) دليل الصورة الأولى الإجماع وخبر الصحيحين عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بحج ومنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بهما (٢) ودليل الثانية خبر مسلم أن عائشة أحرمت بعمرة فدخل عليها رسول الله ﷺ فوجدها تبكي فقال ما شأنك قالت حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت فقال لها "أهلي بالحج" ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة فقال لها: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" (٣). "ولا يجوز" إدخال الحج على العمرة "بعده" بعد الشروع في الطواف ولو بخطوة لاتصال إحرامها بمقصوده، وهو أعظم أفعالها فيقع عنها ولا ينصرف بعد ذلك إلى غيرها; ولأنه أخذ في التحلل المقتضي لنقصان الإحرام فلا يليق به إدخال الإحرام المقتضي لقوته فلو استلم الحجر بنية الطواف ففي صحة الإدخال وجهان قال في المجموع ينبغي تصحيح الجواز; لأنه مقدمته لا بعضه قال ولو شك هل أحرم بالحج قبل الشروع في الطواف أو بعده قال الماوردي قال أصحابنا: صح إحرامه; لأن الأصل جواز إدخال الحج على العمرة حتى يتقين المنع فصار كمن أحرم وتزوج، ولم يدر هل كان إحرامه قبل تزوجه أو بعده فإنه يصح تزوجه وإذا أحرم بهما أو بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج قبل الشروع في الطواف "فتندرج فيه" فيكفيه عمل الحج لما روى الشيخان عن عائشة أن الذين قرنوا مع النبي ﷺ إنما طافوا طوافا واحدا وسعوا سعيا واحدا (٤). "ولا يجوز دخول" يعني إدخال "العمرة على الحج"; لأنه لا يستفيد به

стр. 1403

شيئا بخلاف إدخاله الحج على العمرة يستفيد به الوقوف والرمي والمبيت; ولأنه يمتنع إدخال الضعيف على القوي كفراش النكاح مع فراش الملك لقوته عليه جاز إدخاله عليه دون العكس حتى لو نكح أخت أمته جاز وطؤها بخلاف العكس "ولو قرن بمكة جاز وإن لم يخرج إلى الحل" تغليبا للحج لاندراج العمرة فيه فلا يحتاج إلى الإحرام بها من الحل مع أنه يجمع بين الحل والحرم بوقوفه بعرفة. "وعلى القارن" إذا كان من "غير حاضري المسجد الحرام دم كالتمتع" أي كالدم اللازم في صفته وبدله عن العجز عنه لترفهه بترك أحد العملين فهو أشد ترفها من المتمتع التارك لأحد الميقاتين ولما روى الشيخان عن عائشة أنه ﷺ ذبح عن نسائه البقر يوم النحر قالت وكن قارنات (١) أما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لأن دم القران فرع دم التمتع; لأنه وجب بالقياس عليه ودم التمتع لا يجب على الحاضر ففرعه أولى. "فرع" لو أحرم آفاقي بالعمرة في وقت الحج وأتمها، ثم قرن من عامه لزمه دمان دم لتمتعه ودم لقرانه قال البغوي في تهذيبه، ولم يطلع عليه السبكي فأجاب بأن الصواب لزوم دم واحد للتمتع، ولا شيء للقران من جهة أن من دخل مكة فقرن أو تمتع فحكمه حكم حاضري المسجد الحرام قال وبتقدير أن لا يلحق بهم فقد اجتمع في ذلك التمتع والقران، ودمهما متجانس فيتداخلان وما قالاه يتلقى مأخذه، وتحريره مما يأتي فيما لو جاوز الميقات غير مريد للنسك، ثم أحرم. "فصل والتمتع" المطلق "وهو أن يحرم" الشخص "بالعمرة" ويتمها، ثم يحج (٢) وأما التمتع الموجب للدم فهو أن يحرم بها ومن لم يكن من حاضري المسجد الحرام "من الميقات في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من مكة في عامه، ولو كان أجيرا فيهما لشخصين" لما نقله ابن المنذر من الإجماع على أنه (٣) إذا فعل ذلك كان متمتعا وسمي تمتعا لتمتع صاحبه بمحظورات الإحرام

стр. 1404

بينهما أو لتمتعه لسقوط العود إلى الميقات للحج وإنما لزمه لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، التقدير تمتع بالإحلال من العمرة والمعنى فيه كونه ربح ميقاتا فإنه لو كان قد أحرم بالحج أولا من ميقاته لاحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة وإذا تمتع استغنى عن ذلك لأنه يحرم بالحج من مكة وخرج بالقيود المذكورة عن أن يسمى تمتعا موجبا للدم أشياء ستأتي في كلامه. "أما حاضرو المسجد الحرام فلا دم عليهم وهم من دون مسافة القصر من الحرم" وذلك لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقريب من الشيء يقال: إنه حاضره قال تعالى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [لأعراف: ١٦٣] أي قريبة منه والمعنى في ذلك أنهم لم يربحوا ميقاتا أي عاما لأهله، ومن مر به فلا يشكل بمن بينه وبين مكة أو الحرم دون مسافة القصر إذا عن له النسك، ثم فاته، وإن ربح ميقاتا بتمتعه لكنه ليس ميقاتا عاما، ولا يشكل أيضا بأنهم جعلوا ما دون مسافة القصر كالموضع الواحد في هذا، ولم يجعلوه في مسألة الإساءة، وهو إذا كان مسكنه دون مسافة القصر من الحرم وجاوزه وأحرم كالموضوع الواحد حتى لا يلزمه الدم كالمكي إذا أحرم من سائر بقاع مكة بل ألزموه الدم وجعلوه مسيئا كالآفاقي; لأن ما خرج عن مكة مما ذكر تابع لها والتابع لا يعطى حكم المتبوع من كل وجه، ولأنهم عملوا بمقتضى الدليل في الموضعين فهنا لا يلزم دم لعدم إساءته بعدم عوده; لأنه من الحاضرين بمقتضى الآية. وهناك يلزمه دم لإساءته بمجاوزته ما عين له بقوله في الخبر "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (١) وعلى أن المسكن المذكورة كالقرية بمنزلة مكة في جواز الإحرام من سائر بقاعه وعدم جواز مجاوزته بلا إحرام لمريد النسك واعتبروا المسافة من الحرم; لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم إلا قوله ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهو نفس الكعبة واعتبرها في المحرر من مكة، وهو قضية كلام الأصل فيما سيأتي قبيل فصل دم التمتع كدم الأضحية ونبه عليه

стр. 1405

المصنف قال في المهمات وبه الفتوى فقد نقله في التقريب عن نص الإملاء وأن الشافعي أيده بأن اعتبارها من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب لاختلاف المواقيت يعني حدود الحرم قلت وإلى أن من بذات عرق من الحاضرين; لأنها دون مسافة القصر من الحرم، ولم يستثنها أحد من حكم المواقيت. "فإن كان له" أي للمتمتع "مسكنان أحدهما بعيد" والآخر قريب "اعتبر" في كونه من الحاضرين أو غيرهم "كثرة إقامته" بأحدهما. "ثم" إن استوت إقامته بهما اعتبر "بالأهل والمال" أي بوجودهما دائما أو أكثر في أحدهما فإن كان أهله بأحدهما وماله بالآخر اعتبر بمكان الأهل، ذكره المحب الطبري قال: والمراد بالأهل الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والإخوة "ثم" إن استويا في ذلك اعتبر "بعزم الرجوع "إلى أحدهما للإقامة فيه "ثم" إن لم يكن له عزم اعتبر "بإنشاء الخروج" أي بما خرج منه قال في الذخائر فإن لم يكن عزم أو استوى عزمه واستويا في كل شيء قال صاحب التقريب وغيره اعتبر بموضع إحرامه. "وللغريب المستوطن" في الحرم أو فيما بينه وبين الحرم دون مسافة القصر "حكم أهل البلد" الذي فيه "ويلزم الدم آفاقيا تمتع ناويا الاستيطان بها" أي بمكة، ولو "بعد العمرة"; لأن الاستيطان لا يحصل بمجرد النية وعلله في الذخائر بأنه بمجاوزة الميقات أما العود أو الدم في إحرام سنته فلا يسقط بنية الإقامة وتبع في تعبيره بالآفاقي الغزالي وغيره قال النووي: وهو منكر; لأن الجمع إذا لم يسم به لا ينسب إليه بل إلى واحده بأن يقال هنا أفقي واقتصاره على إذا لم يسم به غير كاف في الاحتجاج بل حقه أن يقول معه، ولم يغلب كالأنصار، ولم يهمل واحده كعباديد فإن صح جعل الآفاق كالأنصار في الغلبة اندفع الأنكار "وكذا لو جاوزه" أي الميقات "غير مريد للنسك، ثم اعتمر" حين عن له بمكة أو بقربها لزمه دم على المختار في الروضة والمجموع في الأولى، وعلى الأصح فيهما تبعا للرافعي في الثانية; لأنه ليس من الحاضرين لعدم الاستيطان ونقل فيهما كالرافعي عن الغزالي عدم لزومه في الأولى واستغرباه قال الزركشي تبعا للأذرعي وما قاله الغزالي صرح به الماوردي والمتولي والإمام ونقله في الذخائر عن الأصحاب، وهو قضية كلام ابن كج والدارمي فما قاله الغزالي هو الراجح; لأنه حاضر أو في

стр. 1406

معناه; لأنه لا يستفيد بتمتعه ربح سفر، وأما الثانية فقد جزم ابن كج والدارمي فيها بعدم لزوم الدم أيضا، وهو أقرب ويؤيده ما ذكروه فيما إذا جاوز مريدا للنسك، ثم أحرم. ا هـ وسيأتي قريبا وما أيد به، وقد يحمل ما هنا في الصورتين أخذا من التعليل السابق على ما إذا لم يستوطن وفيما سيأتي على ما إذا استوطن، وعليه فقد يحمل على بعد كلام الغزالي في الأولى على الثاني، وما اختاره النووي على الأول فيرتفع الخلاف. "وإذا جاوزه محرما بها في غير أشهره وأتمها" ولو "في أشهره"، ثم حج "لم يلزمه" الدم; لأنه لم يجمع بينهما في وقت الحج فأشبه المفرد وذكر الأئمة أن دم التمتع منوط بربح الميقات وبوقع العمرة بتمامها في أشهر الحج لأن العرب كانوا قبل الإسلام لا يزحمون بها الحج في وقت إمكانه ويستنكرون ذلك فورد التمتع رخصة للآفاقي إذا قد يشق عليه استدامة الإحرام من ميقاته، ولا سبيل إلى مجاوزته بغير إحرام فجوز له أن يعتمر ويتحلل مع الدم. "ومن لم يحج من عامه" الذي اعتمر فيه "لا شيء عليه" لانتفاء ما ذكرناه من المزاحمة وإن كان متمتعا وروى البيهقي بإسناد حسن عن سعيد بن المسيب قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا (١) "ولا على من" حج من عامه لكن "عاد إلى ميقات عمرته أو" إلى "مثل مسافته وكذا إلى ميقات دونها" أي دون مسافة ميقاته كأن كان ميقاته الجحفة فعاد إلى ذات عرق "وأحرم" بالحج مما عاد إليه في الكل "وكذا لو عاد إليه محرما" به "قبل تلبسه بنسك"; لأن المقصود قطع تلك المسافة محرما ولأن المقتضي لإيجاب الدم، وهو ربح الميقات - كما مر - قد زال وبعوده إليه واكتفي هنا بالميقات الأقرب بخلافه فيما مر في عوده إلى الميقات بعد مجاوزته على ما هو ظاهر كلامهم، ثم; لأنه هناك قضاء لما فوته بإساءته لأنه دم إساءة بخلافه هنا. "فرع عود القارن من مكة إلى الميقات قبل الوقوف" بعرفة وقبل التلبس بنسك آخر "يسقط الدم" عنه كما في المتمتع وتقدم أنه لا دم عليه إذا كان من الحاضرين.

стр. 1407

"فرع وإن استأجره شخص لحج وآخر لعمرة" فتمتع عنهما "أو اعتمر" أجير حج "عن نفسه"، ثم حج عن المستأجر "فتمتع" يعني فإن كان قد تمتع "بالإذن" من المستأجرين أو أحدهما في الأولى، ومن المستأجر في الثانية "فعلى كل" من الآذنين أو الآذن والأجير "نصف الدم" إن أيسرا "وإن أعسرا" أو أحدهما فيما يظهر "فالصوم على الأجير"; لأن بعضه في الحج، وتقدم نظيره "أو" تمتع "بلا إذن" ممن ذكر "لزمه دمان" دم "للتمتع و" دم لأجل "الإساءة" بمجاوزته الميقات، وترك من الأصل ما لو حج أجير عمرة عن نفسه بعد اعتماره عن المستأجر; لأن لزوم الإساءة لا يأتي فيه وإن أتى فيه ما مر في حاله الإذن كما أشار إليه الأصل.

стр. 1408

"ولا يشترط" في وجوب الدم "نية التمتع "كما لا يشترط فيه نية القران "فلو جاوز ميقاتا" وفي نسخة الميقات "مريدا للنسك، ثم أحرم بالعمرة متمتعا وبينه وبين مكة مرحلتان لزمه دمان"دم للتمتع ودم للإساءة، وإن لم ينو التمتع "أو "بينهما "دونهما فدم "يلزمه للإساءة لا للتمتع "لفقد التمتع "الموجب للدم لأنه حينئذ من حاضري المسجد الحرام "هكذا ذكره في الروضة "كأصلها (١)

стр. 1409

والمجموع "وفيه إشكال" (١) لما مر من أن العبرة فيما ذكر بالقرب من الحرم لا من مكة وقدمت التنبيه عليه ثم ومن أنه إذا جاوز الميقات غير مريد للنسك فاعتمر بقرب مكة لزمه دم التمتع على الأصح في الروضة والمجموع ومع عدم عصيانه فكيف يجعل من الحاضرين مع عصيانه ولا يجعل كذلك مع عدم عصيانه وقدمت جوابه ثم "فإن خرج" المتمتع الذي لزمه دمان فيما مر آنفا "للإحرام بالحج من مكة" وأحرم بالحج خارجها "ولم يعد إلى الميقات" ولا إلى مثل مسافته" ولا إليها" أي إلى مكة "لزمه دم ثالث" للإساءة الحاصلة بخروجه من مكة بلا إحرام مع عدم عوده.

стр. 1410

"فصل دم التمتع كدم الأضحية" (٢) في صفته والاكتفاء بسبع بدنة أو بقرة "ويجب" دمه "بالإحرام بالحج"; لأنه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج الذي جعله الله غاية للوجوب في آية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وما جعل غاية لحكم يتعلق الحكم بأوله كما لو أجل إلى رمضان "وإذا أراقه بعد" الفراغ من "العمرة قبل الإحرام بالحج جاز"; لأنه حق مالي تعلق بسببين فراغ العمرة، والشروع في الحج فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة "لا قبل الفراغ من العمرة" لنقص السبب كالنصاب في تعجيل الزكاة، ولا تتأقت إراقته بوقت كسائر دماء الجبرانات "و" لكن "الأفضل" إراقته "يوم النحر" للاتباع وخروجا من خلاف، ومن أوجبها فيه، ولولا هذان لكان القياس أن لا يجوز تأخيرها عن وقت الوجوب والإمكان كالزكاة. "فرع وإن عدم" المتمتع الدم بموضعه كأن لم يجده أو وجده بأكثر من ثمن مثله "أو غاب" عنه "ماله" ببلده أو غيره "صام" وجوبا "ثلاثة أيام في الحج" (٣) وسبعة إذا رجع كما سيأتي قال تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي

стр. 1411

الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وروى الشيخان أنه ﷺ قال للمتمتعين: "من كان معه هدي فليهد، ومن لم يجد فليصم ثلاث أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" (١) وما ذكر من أن العبرة بالعدم في موضوع الذبح يفارق الكفارة حيث يعتبر فيها العدم مطلقا بأن في بدل الدم تأقيتا بكونه في الحج، ولا تأقيت في الكفارة، وبأن - الهدي يختص ذبحه بالحرم بخلاف الكفارة، ولو علم أنه يجده قبل فراغ الصوم لم يجب انتظاره وإذا لم يجده لم يجز تأخير الصوم; لأنه مضيق كمن عدم الماء يصلي بالتيمم، ولا يجوز له التأخير بخلاف جزاء الصيد; لأنه يقبل التأخير ككفارة القتل والجماع "ووقتها" أي الثلاثة أي صومها "من الإحرام" بالحج فلا يجوز تقديمه عليه للآية السابقة ولأنه عبادة بدنية فلا يقدم على وقته كالصلاة "إلى" يوم "النحر" فلا يجوز تأخيره عنه كما لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها "لا إلى آخر التشريق" لأنه لا يجوز صومها يوم النحر كما مر في بابه "ثم" إن أخره عن وقته المذكور "يكون" فعله "قضاء" كما في الصلاة "وإن تأخر الطواف" عنه وصدق عليه أنه في الحج لأن تأخره بعيد عادة فلا يراد من قوله تعالى ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. "ويستحب له الإحرام" بالحج "قبل السادس" من ذي الحجة "ليتمه" أي صوم الثلاثة "قبل يوم عرفة"; لأنه يستحب للحاج فطره كما مر في صوم التطوع، ولا يجب عليه تقديم الإحرام بزمن يتمكن من صوم الثلاثة فيه قبل يوم النحر إذ لا يجب تحصيل سبب الوجوب، ويجوز أن لا يحج في هذا العام "والموسر بالدم" يستحب له أن يحرم بالحج "يوم التروية"، وهو ثامن ذي الحجة للاتباع، وللأمر به كما في الصحيحين وسمي يوم التروية لترويهم فيه الماء ويسمى يوم النقلة لانتقالهم فيه من مكة إلى منى، وترك قول الأصل: ويتوجه (٢) بعد

стр. 1412

الزوال إلى منى لكونه خلاف المشهور فيه في باب دخول مكة من أنه إنما يتوجه بعد صلاة الصبح كما سيأتي بيانه ثم. "فصل ويصوم سبعة أيام إذا رجع إلى وطنه" وفي نسخة إلى موطنه "لا في الطريق" لما مر "فإن توطن مكة" أي أقام بها (١)، ولو بعد فراغه من الحج "صام بها، وإلا فلا". "فرع: ومن لم يصم الثلاثة في الحج لزمه صوم العشرة" الثلاثة قضاء كما مر والسبعة أداء "و" لزمه "التفريق بين الثلاثة والسبعة بقدر أربعة أيام" يوم النحر وأيام التشريق "ومدة إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة" كما في الأداء، وإنما وجب التفريق هنا بخلافه في الصلوات; لأن الصلاة تعلقت بالوقت، وقد فات، وهذا بالفعل، وهو الإحرام والجوع فكان كترتيب أفعال الصلاة "فلو صام عشرة ولاء (٢) حصلت الثلاثة"، ولا يعتد بالبقية لعدم التفريق "ويستحب التتابع" في كل من الثلاثة والسبعة "أداء وقضاء" (٣) ; لأن فيه مبادرة لأداء الواجب وخروجا من خلاف من أوجبه نعم إن أحرم بالحج سادس ذي الحجة لزمه صوم الثلاثة متتابعة لضيق الوقت لا للتتابع نفسه. "فرع لو وجد" المتمتع العادم للهدي "الهدي بين الإحرام" بالحج "والصوم لزمه" الهدي بناء على أن المعتبر في الكفارة حالة الأداء "لا" إن وجده

стр. 1413

"بعد الشروع في الصوم" فلا يلزمه "بل يستحب" كما في الكفارة وخروجا من خلاف من أوجبه "وإذا مات المتمتع"، ولو "قبل فراغ الحج، والواجب" عليه "هدي" لكونه موسرا به "لم يسقط" عنه بل يخرج من تركته لوجوب سبب وجوبه كسائر الديون المستقرة "أو صوم" لكونه معسرا بذلك "سقط" عنه "إن لم يتمكن" من فعله كما في صور رمضان "وإلا فكرمضان فيصام عنه أو يطعم" عنه من تركته لكل يوم مد فإن كان تمكن من الأيام العشرة فعشرة أمداد، وإلا فبالقسط، وعبارته تشمل ما إذا خلف تركة وما إذا لم يخلفها، وهو صحيح لكن الصوم أو الإطعام عنه لازم فيهما إذا خلف دون ما إذا لم يخلف، وعبارة الأصل قاصرة على ما إذا خلف، ولو قال المصنف أو صوم فكرمضان لوفى بما قاله مع الاختصار "ولا يتعين" صرفه "لفقراء الحرم" الشاملين لمساكينه بل يستحب وذلك; لأن هذا الأطعام بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم فكذا بدله. "ولو أحرم بالحج ليلة السابع" من ذي الحجة "وليس به عارض" من مرض ونحوه "فقد تمكن من" صوم "الثلاثة" في الحج، ولا يتمكن من صومها بدون ذلك "وليس السفر عذرا" في تأخير صومها; لأن صومها يتعين إيقاعه في الحج بالنص، وإن كان مسافرا فلا يكون السفر عذرا فيه بخلاف رمضان "إلا في" صوم "السبعة إن أوجبناها بعد الفراغ" من الحج بناء على أن المراد بالرجوع في الآية الفراغ منه لا العود إلى الوطن، وهو ضعيف فلو ترك هذا كان أولى، ومع أن الاستثناء على ما قررت منقطع بل ظاهره وإن جعل متصلا أن السفر ليس عذرا في تأخير السبعة وإن لم نوجبها بعد الفراغ، وليس مرادا بل لا معنى له.

стр. 1414

باب الإحرام بمعنى الدخول في النسك (١) وسمي بذلك لاقتضائه دخول الحرم من قولهم أحرم إذا دخل الحرم كأنجد إذا دخل نجدا أو لاقتضائه تحريم الأنواع الآتية "ولينو" مريد النسك "الإحرام بما يريد" من حج أو عمرة أو كليهما أو ما يصلح لشيء منها، وهو الإحرام المطلق أما غير المطلق فلما روى مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال "من أراد أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليفعل ومن أراد أن يهل بعمرة فليفعل" (٢) وأما المطلق فلما روى الشافعي أنه ﷺ خرج هو وأصحابه مهلين ينتظرون القضاء أي نزول الوحي فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجا (٣) ويفارق الصلاة حيث لا يجوز الإحرام بها مطلقا بأن التعيين ليس شرطا في انعقاد النسك ولهذا لو أحرم بنسك نفل وعليه نسك فرض انصرف إلى الفرض وبأن الإحرام يحافظ عليه ما أمكن ولهذا لو أحرم بالحج في غير أشهره انعقد عمرة كما مر ذلك، ولو أحرم بنصف حجة أو عمرة انعقد حجة أو عمرة كما سيأتي، وتعبير المصنف بما قاله أعم من قول الروضة ينوي الدخول في الحج أو العمرة أو فيهما "والتلفظ به" أي بما يريده من ذلك "مستحب" ليؤكد ما في القلب كما في سائر العبادات "ويلبي" ندبا فيقول بقلبه ولسانه: نويت الحج وأحرمت به لله تعالى لبيك اللهم لبيك إلخ لخبر مسلم "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" (٤)، والإهلال رفع الصوت بالتلبية قال المحب الطبري وغيره: ويستحب أن يقول اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وإنما لم تجب التلبية في الإحرام; لأنه عبادة لا يجب في أثنائها وآخرها نطق فكذا في أولها كالطهر والصوم "وينعقد"

стр. 1415

الإحرام "بالنية لا بالتلبية" لخبر "إنما الأعمال بالنيات" (١) وكسائر العبادات "وإن نوى حجا ولبى بعمرة انعقد حجا" أو بالعكس انعقد عمرة ولو تلفظ بأحدهما ونوى القران فقارن أو بالقران ونوى أحدهما فهو لما نوى صرح بذلك الأصل. "فرع، وإن أحرم بحجة أو حجتين أو عمرة أو عمرتين أو نصف حجة أو" نصف "عمرة انعقد حجة" في صور الحج "أو عمرة" في صور العمرة عملا بما نواه فيما إذا أحرم بحجة أو عمرة وهما معلومتان مما مر وقياسا على الطلاق في مسألتي النصف وإلغاء للإضافة إلى اثنتين فيما إذا أحرم بحجتين أو عمرتين لتعذر الجمع بينهما بإحرام واحد فصح في واحدة كما لو نوى بتيمم فرضين لا يستبيح به إلا واحدا كما مر وفارق عدم الانعقاد في نظيرهما من الصلاة بما مر في الإحرام المطلق "أو" أحرم "بهما" أي بحجة وعمرة أو بنصفيهما مثلا "انعقدتا، وإن وقت" الإحرام "يومين مثلا انعقد أبدا" عبارة الروضة وغيرها مطلقا كما في الطلاق وقياس هذه ومسألتي النصف على الطلاق نقله الروياني عن الأصحاب قال في الروضة والمجموع وفيما نقله نظر، زاد في المجموع وينبغي أن لا ينعقد; لأنه من باب العبادات، والنية الجازمة شرط فيها بخلاف الطلاق فإنه مبني على الغلبة والسراية، ويقبل الأخطار ويدخله التعليق. "وإن أحرم مطلقا في أشهر الحج صرفه" قبل العمل "بالنية "لا باللفظ "إلى ما شاء" من حج وعمرة وقران; لأن الاعتبار بالنية لا باللفظ لكن لو فات وقت الحج قال الروياني صرفه إلى العمرة (٢) والقاضي يحتمل أن يتعين عمرة وأن يبقى مبهما فإن عينه لعمرة فذاك أو لحج فكمن فاته الحج، وهذا الاحتمال هو ظاهر كلام الأصحاب، قال الزركشي والاحتمال الأول أقرب قلت قال الإسنوي وكلام الروياني يوافقه لكنه يوهم الاحتياج إلى الصرف، ولو ضاق وقته فالمتجه كما في المهمات، وهو مقتضى كلام الأصحاب أن له صرفه (٣) إلى ما شاء ويكون كمن أحرم بالحج في تلك الحالة "ولا يجزئه العمل قبل النية" الصارفة لكن في البيان أنه لو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عن القدوم وذكر مثله الحضرمي في شرح

стр. 1416

المهذب ومع أنه من سنن الحج، وقد فعل قبل الصرف ذكره في المهمات وعليه لو سعى بعده يحتمل الإجزاء لوقوعه تبعا ويحتمل خلافه (١) ; لأنه من الأركان أما إذا أحرم مطلقا في غير أشهر الحج فقد مر بيانه قال القاضي، ولو أحرم مطلقا، ثم أفسده قبل التعيين فأيهما عينه كان مفسدا له "والتعيين" لما يحرم به "أفضل منه" أي من الإطلاق للاتباع رواه الشيخان وليعرف ما يدخل عليه; ولأنه أقرب إلى الإخلاص. "ولا يستحب ذكر ما أحرم به في التلبية"; لأن إخفاء العبادة أفضل ولما روى البيهقي بإسناد صحيح عن نافع - قال سئل ابن عمر أيسمي أحدنا حجا أو عمرة فقال: أتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم قال ابن الصلاح هذا في غير التلبية الأولى أما الأولى فيستحب فيها ذلك قطعا (٢) ونقل النووي في أذكاره مثله ونقله في مناسكه ومجموعه عن الشيخ أبي محمد لكن في التقريب عن الشافعي في الإملاء وغيره أنه لا يستحب في الأولى قال في المهمات فهو الصواب قال ونقل النووي عن الشيخ أبي محمد أيضا أنه لا يجهر بهذه التلبية بل يسمعها نفسه بخلاف ما بعدها فإنه يجهر بها وخرج بالتلبية النية فيستحب ذكر ما أحرم به فيها كما مر. "فصل" "وإن أحرم عمرو بما أحرم به زيد جاز" وإن لم يكن زيد محرما أو بان موته لجزمه بالإحرام، ولما روى الشيخان عن أبي موسى أنه ﷺ قال لي: بم أهللت؟ فقلت لبيت بإهلال كإهلال النبي ﷺ فقال "قد أحسنت طف بالبيت وبالصفا والمروة وأحل" (٣) "وكان مثله" في أول إحرامه إن كان محرما، إن حاجا فحاج وإن معتمرا فمعتمر وإن قارنا فقارن وإن مطلقا فمطلق. "فلو أحرم زيد مطلقا وصرفه لحج، ثم أحرم عمرو" كإحرامه "انعقد له مطلقا" نظرا إلى أول الإحرام "والخيرة إليه" فيما يصرفه له فلا يلزمه صرفه لما صرفه له، ولو أحرم بعمرة بنية التمتع كان عمرو محرما بعمرة، ولا يلزمه التمتع كما صرح

стр. 1417

به في الروضة "وكذا لو أحرم زيد بعمرة، ثم أدخل" عليها "الحج انعقد لعمرو عمرة لا قرانا" فلا يلزمه إدخال الحج على العمرة "إلا أن يقصد التشبيه به في الحال" في الصورتين فيكون في الأولى حاجا وفي الثانية قارنا، ولو أحرم كإحرامه قبل صرفه في الأولى وقبل إدخاله الحج في الثانية وقصد التشبيه به حال تلبسه بإحرامه الحاضر والآتي ففي الروضة عن البغوي ما يقتضي أنه يصح (١) قال الأذرعي وفيه نظر لأنه في معنى التعليق بمستقبل إلا أن يقال إنه جازم في الحال أو يغتفر ذلك في الكيفية لا في الأصل. "فإن أخبره" زيد "أنه أحرم بعمرة عمل به ولو ظن خلافه"; لأنه لا يعلم إلا من جهته "فإن بان محرما بحج فإحرام عمرو بحج" تبعا له. "فإن كان قد فات الوقت" أي وقت الحج "تحلل" من إحرامه للفوات "وأراق دما لم يرجع به على زيد"; لأن الحج له، ولا نظر لتغرير زيد، قال ابن العماد وغيره ولو أخبره بنسك، ثم ذكر خلافه فإن تعمد لم يعمل بخبره (٢) الثاني لعدم الثقة بقوله وإلا فيعمل به فإن كان بعد الفوات وجب القضاء "وإن كان زيد لم يحرم أو أحرم بفاسد" كما سيأتي تصويره في الفرع الآتي "أو كافرا" بأن أتى بصورة الإحرام، ولو مفصلا "انعقد لعمرو" إحرامه "مطلقا، وإن علم" حال زيد; لأنه قيد الإحرام بصفة فإذا بطلت بقي أصل الإحرام كما لو استأجره اثنان ليحج عنهما فأحرم عنهما أو استأجره واحد ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه لغت الإضافتان ووقع الإحرام له كما مر ولأن أصل إحرامه مجزوم وبه بخلافه فيما لو قال إن كان زيد محرما فقد أحرمت، ولم يكن محرما كما سيأتي. "ومتى تعذر سؤال زيد" (٣) عن كيفية إحرامه "بموت أو جنون" أو غيرهما كغيبة بعيدة "لم يتحر، وكذا لو نسي المحرم ما أحرم به" لأن كلا منهما تلبس

стр. 1418

بالإحرام يقينا فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه كما لو شك في عدد الركعات لا يتحرى، والفرق بينه وبين الأواني والقبلة أن أداء العبادة ثم لا يحصل بيقين إلا بعد فعل محظور، وهو أن يصلي لغير القبلة أو يستعمل نجسا فلذلك جاز التحري وهنا يحصل الأداء بيقين من غير فعل محظور "بل إن عرض ذلك" أي ما ذكر من التعذر والنسيان "قبل" الإتيان بشيء من "العمل فالأولى أن ينوي القران" ليخرج عن العهدة "فتبرأ ذمته من الحج" بعد إتيانه بأعماله لأنه إما محرم به أو مدخل له على العمرة "ولا تبرأ " ذمته "من العمرة" لاحتمال أنه أحرم بالحج ويمتنع إدخالها عليه "ولا دم عليه" إذا الحاصل به الحج فقط واحتمال حصول العمرة لا يوجبه إذا لا وجوب بالشك نعم يستحب لاحتمال أنه أحرم بعمرة فيكون قارنا ذكره المتولي. "وإن اقتصر على نية الحج"، وأتى بأعماله "أجزأه عن الحج" فقط، ولا دم عليه "أيضا" فالواجب لتحصيل الحج نيته أو نية القران وهو أولى كما صرح به فيما مر لتحصل البراءة من العمرة أيضا على وجه "أو" اقتصر "على أعماله" أي الحج "من غير نية العمرة" وغيرها "حصل التحلل لا البراءة من شيء منهما" لشكه فيما أتى به "أو" اقتصر "على" عمل "العمرة لم يحصل التحلل أيضا" وإن نواها لاحتمال أنه أحرم بحج، ولم يتم أعماله مع أن وقته باق "وإن عرض ما ذكر بعد" الإتيان بشيء من "العمل - فإن كان بعد الوقوف وقبل الطواف نظرت فإن كان الوقت" أي وقت الوقوف "باقيا فقرن ووقف" ثانيا وأتى ببقية أعمال الحج "أجزأه عن الحج" لأنه إما محرم أو مدخل له على العمرة قبل الطواف "لا" عن "العمرة" لاحتمال أنه أحرم بحج ويمتنع إدخالها عليه، ولا دم عليه لما مر "وإلا" أي، وإن فات الوقت أو لم يفت وقرن، ولم يقف أو وقف، ولم يقرن "فلا يجزئه" ذلك عن الحج كما لا يجزئه عن العمرة لاحتمال أنه أحرم بعمرة فلا يجزئه ذلك الوقوف عن الحج، وكالقران نية الحج كما علم مما مر. "أو" كان ذلك "بعد الطواف وقبل الوقف" فنوى الحج أو قرن ووقف "ولم يجزه" ذلك "عن الحج" لاحتمال أنه أحرم بعمرة، ويمتنع إدخاله عليها بعد الطواف "ولا عن العمرة" لاحتمال أنه أحرم بحج ويمتنع إدخالها عليه "فإن أتم أفعال العمرة" من غير تجديد نية "وأحرم" بعد ذلك"بالحج" أو بهما، وأتى

стр. 1419

بأعماله "أجزأه الحج" لأنه حاج أو ممتنع ولا تجزئه العمرة لما مر "لكن لا نفتيه بفعله" لاحتمال أنه أحرم بحج فيقع الحلق في غير أوانه، وهذا كما لا نفتي صاحب جوهرة ابتلعتها دجاجة غيره بذبحها، ولا صاحب دابة تقابلت هي ودابة آخر على شاهق، وتعذر مرورهما بإتلاف دابة الآخر لكنهما إن فعلا ذلك لزم الأول ما بين قيمتي الدجاجة حية ومذبوحة والثاني قيمة دابة الآخر، وهذا ما نقله الأصل عن الأكثرين ونقل عن ابن الحداد، واختيار الغزالي أنا نفتيه بذلك ترخيصا; لأن الحلق يباح بالعذر وضرر الاشتباه أكثر إذ يفوت به الحج ونقله في المجموع عمن ذكر وعن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ وآخرين، ثم قال، وهو الأصح المختار (١) قال البلقيني والصواب أنا نقول له: إن فعلت كذا لزمك كذا وإن لم تفعل كان الأمر في حقك كذا أخذا من نص الشافعي على أنه إذا انقضت مدة الإيلاء وكان المولي محرما نقول له: إن وطئت فسد إحرامك وإن لم تطأ فطلق وإلا طلق عليك قال، ولا يستفيد بهذا الحلق (٢) شيئا من المحرمات المتوقفة على التحلل. ولو جامع، ثم أحرم بالحج لم يصح حجه لجواز كون إحرامه السابق حجا، وقد جامع فيه قبل التحلل الأول فسد نسكه وما أتى به لا يقتضي صحته، ولا نسلم لابن الحداد ما ذكره من جواز الحلق بل يتعين التقصير بأقل ما يمكن لأن به تزول الضرورة. "فإن كان آفاقيا لزمه دم إما للتمتع" لاحتمال أنه أحرم بعمرة "أو" وفي نسخة وإما "للحلق" لاحتمال أنه أحرم بحج فوقع الحلق في غير أوانه "فلا يعينه" عن جهة بل يريقه عن الواجب عليه كما لو كان عليه كفارة قتل أو ظهار فنوى بالعتق ما عليه; لأنه لا يشترط التعيين في الكفارات "فإن كان معسرا" بالدم، ولو مع وجود الطعام "صام عشرة أيام" ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع كما مر للاحتياط فإن كان متمتعا أجزأته، وإلا فثلاثة للحلق والباقي نفل "ولا يعين الثلاثة منها" لجهة "احتياطا "ويجوز تعيين التمتع في السبعة "وإن أطعم أو اقتصر على" صوم "ثلاثة "وفي نسخة على الثلاثة "ففي البراءة تردد" فقيل لا يبرأ; لأن شغل الذمة بالدم معلوم فلا بد من يقين البراءة، وقيل يبرأ; لأن الأصل براءة

стр. 1420

الذمة والشغل غير معلوم وعبارة الأصل فمقتضى كلام الشيخ أبي علي أنه لا يبرأ قال الإمام ويحتمل أن يبرأ وعبر الغزالي في الوسيط عنهما بوجهين. انتهت. والأوجه الأول (١) وظاهر أنه لو عجز عن الصوم فأطعم ستة مساكين برئ لأنه إن وجب عليه دم خلق فذاك أو دم تمتع فقد زاد خيرا بزيادة مدين من ثلاثة آصع، وهي الواجبة في الحلق ويجزئه الصوم مع وجود الطعام كما أشرت إليه قريبا وصرح به الأصل وعلله بأنه لا مدخل للطعام في التمتع، وفدية الحلق على التخيير. "والمكي" ونحوه "لا دم عليه" لفقد دم التمتع والأصل عدم دم الحلق "وإن أمكن" أي جواز الآفاقي "أن يكون قارنا" بإحرامه الأول "لزمه الدم المذكور فقط" أي لا دم آخر للشك في لزومه وقيل يلزمه دم آخر، والترجيح من زيادته "وإن كان الشك" الحاصل بالتعذر أو النسيان "بعد الطواف والوقوف وأتى ببقية أعمال الحج لم يبرأ من الحج" لجواز أنه أحرم بعمرة فلا ينفعه الوقوف "ولا من العمرة، ولو قرن" لما مر "فإن أتم أعمال العمرة وأحرم" بعد ذلك "بالحج كما سبق أو عكسه" أي أتم أعمال الحج، ثم أحرم بالعمرة "أجزأه" ما أحرم به آخرا أو يلزمه في الأول كما صرح به أصله وقوله كما سبق محله بعد أجزأه مع أنه لا حاجة إليه. "فرع" لو "أتم المتمتع حجه، ثم ذكر أنه طاف للعمرة محدثا بان قارنا" بإحرامه بالحج لتبين عدم صحة طوافه وما ترتب عليه "وعليه دمان" دم "للقران و" دم - لأجل "الحلق" قبل أوانه "وإن تذكره" أي تذكر أنه كان محدثا "في طواف الزيارة" أي طواف الحج "أعاد" وجوبا - بعد تطهره - "الطواف والسعي، وبرئ منهما" أي من الحج والعمرة، وليس عليه إلا دم التمتع بشرطه كما صرح به الأصل "وكذا إن أشكل" عليه في أي الطوافين كان حدثه لزمه أعادة الطواف والسعي وبرئ من النسكين; لأنه إن كان في طواف العمرة صار قارنا فيجزئه طوافه وسعيه المعادان عن النسكين أو في طواف الحج فعمرته صحيحة، وكذا عمل الحج سوى الطواف والسعي، وقد أعادهما، وعليه دم لأنه قارن أو متمتع ويريقه عن واجبه ولا يعين جهة كما ذكره بقوله "لكن

стр. 1421

الدم هنا لا ينوي تعيينه، ولا تعيين بدله"، وهو الصوم قال في الأصل: والاحتياط أن يريق دما آخر لاحتمال أنه حلق قبل الوقت. "وإن جامع بعد" عمل "العمرة"، ثم أحرم بالحج "وذكر أن حدثه" كان "في طوافها فهو كجماع الناسي" على وجه حتى "لا يفسدها فيصير قارنا" بإحرامه بالحج "ويلزمه دمان" دم "للقران و" دم لأجل "الحلق" قبل أوانه "وإن تذكره" أي تذكر أنه كان محدثا "في طواف الزيارة لزمه دم التمتع" فقط "وإعادة الطواف والسعي" وبرئ من النسكين "كما سبق وإن أشكل" عليه في أي الطوافين كان حدثه "احتاط" بأن يأخذ في كل حكم باليقين "ولم يتحلل" الأولى قول أصله فلا يتحلل "حتى يطوف ويسعى" الاحتمال أن حدثه كان في طواف الزيادة "ولا يبرأ من الحج والعمرة" إن كانا واجبين عليه لاحتمال كونه محدثا في طواف العمرة وتأثير الجماع في إفساد النسكين فلا تبرأ ذمته بالشك، وهذا لا يأتي على ما قدمه (١) من أن الجماع المذكور كجماع الناسي وإنما يأتي على مقابله (٢) القائل بأن الخلاف فيه كالخلاف فيما إذا جامع ظانا بقاء الليل فبان خلافه، وهو الأوجه "ولا قضاء" عليه "إن كان متطوعا" لاحتمال أن لا فساد "ويلزمه" في الصورتين "دم تمتع" أو حلق، وعبارة الأصل وعليه دم إما للتمتع إن كان الحدث في طواف الحج وإما للحلق إن كان في طواف العمرة "والاحتياط بدنة" أي ذبحها لاحتمال الفساد وذبح شاة أخرى لاحتمال القران بإدخال الحج، وإنما لم تجب البدنة لاحتمال أنه لم يفسد العمرة صرح بذلك الأصل. "ومن جامع معتمرا، ثم قرن" بأن نوى الحج "انعقد حجه" لإحرامه به قبل فعل شيء من أعمال العمرة فأشبه الصحيحة لكنه ينعقد فاسدا لإدخاله على عمرة فاسدة وفارق ما مر فيما لو قال أحرمت كإحرام زيد وكان محرما بفاسد بما أشار إليه الرافعي من أن الإحرام الواحد لا يؤدى به نسك صحيح ونسك فاسد "وعليه بدنة" للإفساد "ودم قران" بشرطه وعليه القضاء كما يعلم مما سيأتي وصرح به الأصل هنا.

стр. 1422

"فرع: لو قال: إذا" أو نحوها كمتى أو إن "أحرم زيد فأنا محرم لم ينعقد" إحرامه مطلقا كما لو قال إذا جاء رأس الشهر فأنا محرم لا يصح إحرامه مطلقا لأن العبادة لا تعلق بالأخطار قال في الأصل وقياس تجويز تعليق أصل الإحرام (١) بإحرام الغير تجويز هذا; لأن التعليق موجود فيهما إلا أن هذا تعليق بمستقبل وذاك تعليق بحاضر وما يقبل التعليق من العقود يقبلهما جميعا ويجاب بأن المعلق (٢) بحاضر أقل غررا لوجوده في الواقع فكان قريبا من أحرمت كإحرام زيد في الجملة بخلاف المعلق بمستقبل وأجاب بعضهم بما فيه نظر، وقد ذكرته في شرح البهجة هذا مع أن المتولي قال لو قال أنا محرم غدا أو رأس الشهر أو إذا دخل فلان جاز كما يجوز فيما لو أحرم بما أحرم به فلان كنظيره في الطلاق وإذا وجد الشرط يصير محرما كما يقع الطلاق بوجود الشرط وكما إذا قال أنا صائم غدا يصير شارعا فيه بطلوع الفجر. ا هـ. قال الأذرعي ونقله الروياني عن الأصحاب "أو" قال "إن كان زيد محرما فأنا محرم وكان" زيد "محرما انعقد" إحرامه "وإلا فلا" تبعا له، ولو قال أنا محرم إن شاء الله تعالى فقال القاضي أبو حامد والدارمي ينعقد إحرامه قال في المجموع والصواب أنه كالصوم "وإن أحرم كإحرام زيد وعمرو صار مثلهما" في إحرامهما "إن اتفقا" فيما أحرما به "وإلا صار قارنا" ليأتي بما يأتيان به نعم إن كان إحرامهما فاسدا انعقد إحرامه مطلقا كما علم مما مر أو إحرام أحدهما فقط فالقياس أن إحرامه ينعقد صحيحا في الصحيح ومطلقا في الفاسد. "فصل: يسن الغسل للإحرام" للاتباع رواه الترمذي وحسنه سواء أحرم

стр. 1423

بحج أم بعمرة أم بهما أم مطلقا وإنما لم يجب لأنه غسل لمستقبل كغسل الجمعة والعيد ويكره تركه وإحرامه جنبا ونقل في الروضة الأولى - عن نص الأم ويسن ذلك لكل أحد "حتى الحائض" والنفساء; لأن القصد التنظيف وفي مسلم أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة فقال لها النبي ﷺ "اغتسلي واستثفري وأحرمي" (١) وروى أبو داود والترمذي خبر "أن النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير أن لا تطوف بالبيت" (٢) قال في الأصل وإذا اغتسلتا نوتا "و" حتى "غير المميز" فيغسله وليه (٣) "والأولى أن تؤخره" أي الإحرام "الحائض" (٤) والنفساء حتى تطهرا "إن أمكن" تأخيره بأن أمكنهما المقام بالميقات حتى تطهرا ليقع إحرامهما في أكمل أحوالهما قال الزركشي وفي كلام الأم أشعار بأنهما إذا أحرمتا من وراء الميقات لا يسن لهما تقديم الغسل قبل الميقات. "والعاجز عنه" لفقد الماء أو غيره "يتيمم" ندبا; لأنه يخلف الواجب فالمسنون أولى; ولأن الغسل يراد للقربة والنظافة فإذا تعذر أحدهما بقي الآخر "مع الوضوء أو" مع "بعضه إن قدر عليه" وفي نسخة مع الوضوء إن وجد ماء لا يكفيه فالأولى أكثر فائدة لكن الثانية هي الموافقة لقول الروضة بعد نقلها كالرافعي عن البغوي أنه إذا وجد ماء لا يكفيه للغسل توضأ قلت إن أراد أنه يتوضأ، ثم يتيمم أي عن الغسل فحسن، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بحيد; لأن المطلوب الغسل، والتيمم يقوم مقامه دون الوضوء. ا هـ. والأقرب الأول (٥) ولعل البغوي إنما اقتصر على الوضوء كالشافعي في قوله فإن لم يجد ماء يكفي غسله توضأ، فإن لم يجد ماء بحال تيمم فيقوم ذلك مقام الغسل والوضوء تنبيها على أن أعضاء الوضوء أولى بالغسل لما فيه من تحصيل الوضوء الذي هو

стр. 1424

عبادة كاملة وسنة قبل الغسل القائم مقامه التيمم وقاس المصنف على الوضوء بعضه إذا عجز عن تمامه، وعليه يحتمل أنه يتيمم عن بقية الوضوء، ثم يتيمم ثانيا عن الغسل ويحتمل أنه يتيمم تيمما واحدا عن الغسل والأوجه الأول إن لم ينو بما استعمله من الماء الغسل، وإلا فالثاني، ولو ذكر حكم الحائض وغير المميز والعاجز بعد بقية الأغسال كان أولى، وقد خلص منه الأصل بإعادته بعدها لكنه لم يعد حكم غير المميز. "و" يسن الغسل "لدخول مكة" (١)، ولو غير حاج للاتباع رواه الشيخان، وشمول كلامه لغير الحاج من زيادته ويستثنى من خرج من مكة فأحرم بالعمرة من مكان قريب كالتنعيم واغتسل للإحرام فلا يسن له الغسل لدخولها لحصول النظافة بالغسل السابق بخلاف ما إذا أحرم من مكان بعيد كالجعرانة والحديبية قال ابن الرفعة ويظهر أن يقال بمثله في الحج إذا أحرم به من التنعيم ونحوه لكونه لم يخطر له إلا ذلك الوقت وظاهر أن الحكم كذلك وإن خطر له قبل ذلك الوقت إلا أنه يكون آثما ويلزمه دم ويسن الغسل أيضا لدخول الحرم ولدخول المدينة "وللوقوف بعرفة" (٢) سميت عرفة قيل لأن آدم وحواء تعارفا، ثم وقيل; لأن جبريل عرف فيها إبراهيم عليهما الصلاة والسلام مناسكه وقيل لغير ذلك "ومزدلفة" أي وللوقوف بها على المشعر الحرام "صح يوم النحر وللرمي" للجمار "في كل يوم" من أيام التشريق كما قيد بها الأصل لآثار وردت في ذلك ولأن هذه مواضع يجتمع لها الناس فأشبه غسل الجمعة ونحوها قال الزركشي: والتعبير بالأيام يقتضي جوازه قبل الزوال وينبغي تقييده بالزوال كالرمي لأنه تابع له والأوجه خلاف ما قاله كما في الغسل للعيد والجمعة، ولا يسن الغسل لرمي جمرة العقبة يوم النحر، ولا المبيت بمزدلفة، ولا لطواف القدوم اكتفاء بما قبله في الثلاثة ولاتساع وقت الأول وعدم الاجتماع في الثاني، ولا لطواف الإفاضة والوداع والحلق لاتساع أوقاتها فتقل الزحمة خلافا لما في القديم في الثلاثة كما نبه عليه بقوله "وزاد في القديم طوافي الإفاضة والوداع والحلق" أي الغسل لها

стр. 1425

وجزم به النووي في مناسكه; لأن الناس يجتمعون لها. "تنبيه" كلام الرافعي يشعر هنا بأنه يسن للحجيج صلاة العيد قال الزركشي، وهو محمول على فعلها فرادى صرح به القاضي فقال والحجيج وإن كانوا لا يصلون العيد جماعة فعندنا يستحب لهم أن يصلوها فرادى فيغتسلون لها. "فرع يستحب" لمريد الإحرام "أن يغسل" قبل الغسل "رأسه للإحرام بسدر" أو نحوه لخبر الدارقطني بإسناد حسن أنه ﷺ كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بأشنان وخطمي (١) "وأن يلبده" بعد الغسل بأن يعقصه ويضرب عليه الخطمي أو الصمغ أو غيرهما "لدفع القمل" وغيره مدة الإحرام للاتباع رواه الشيخان، وهذا ذكره في الروضة في باب محرمات الإحرام قال الأذرعي ويشبه اختصاص ذلك بمن لا يجنب إلا نادرا أو تقصر مدة إحرامه وإلا ففي الاستحباب بل الجواز نظر; لأنه يحتاج إلى الغسل، ولا يمكنه إلا بحلق رأسه وكذا المرأة إذا اعتادت الحيض في إحرامها قال الزركشي وكأنهم نظروا لقصر مدة الإحرام غالبا، وعند حصول العارض يمكن نقضه، والقول بأنه لا يمكن إلا بحلق رأسه ممنوع; لأنهم قد يضيفون إليه ما يسهل به نزعه قال: وهذا يتأتى أيضا في غسل الجمعة إذا دخل يومها وكذا غيره من الأغسال المسنونة. "و" يستحب "أن يقص الشارب و" أن "يأخذ شعر الإبط والعانة والظفر" قبل الغسل; لأن ذلك تنظيف فسن كالغسل إلا في العشر لمريد التضحية كما سيأتي في بابه "و" أن "يتطيب" بعد الغسل في بدنه للاتباع رواه الشيخان رجلا كان أو غيره، وإنما كره للنساء التطيب عند خروجهن للجمعة لضيق مكانها وزمانها فلا يمكنهن اجتناب الرجال بخلاف ذلك في النسك "وجاز" أن يتطيب "في ثوبه" من إزار الإحرام وردائه كما في بدنه، وهذا ما صححه الأصل ونقل في المجموع اتفاق الأصحاب عليه (٢) قال وأغرب المتولي فحكى فيه الخلاف في الاستحباب وجرى في المنهاج كأصله على استحبابه وقال الزركشي ليس بغريب كما زعمه النووي فقد حكاه القاضي وصححه الإمام والبارزي وجزم به الشيخ أبو حامد والبندنيجي والغزالي والجيلي وعلى القول

стр. 1426

بجوازه يكره قاله القاضي أبو الطيب وغيره ويتطيب فيما ذكر "و" لو "بما تبقى عينه" بعد الإحرام قالت عائشة كأني أنظر إلى وبيص الطيب أي بريقه من مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم (١) رواه الشيخان "وله استدامته" بعد إحرامه للخبر المذكور وسواء استدامه في بدنه أم ثوبه "لا شده في ثوبه" التصريح بهذا من زيادته وصرح به ابن الرفعة في المطلب ونقل فيه الاتفاق "ولو أخذه" قبل الإحرام أو بعده "من بدنه" أو ثوبه المفهوم بالأولى "ثم أعاده" إليه "بعد الإحرام أو نزع ثوبه" المطيب "ثم لبسه فدى" أي لزمته الفدية كما لو ابتدأ لبس ثوب مطيب، ولو مسه بيده عمدا فعليه الفدية ويكون مستعملا للطيب ابتداء، جزم به في المجموع. "ولو انتقل بالعرق" من موضع من بدنه أو ثوبه إليه أو من أحدهما إلى الآخر "لم يلزمه شيء" لتولده من مباح من غير قصد منه ولعسر الاحتراز عنه ولخبر أبي داود بإسناد حسن عن عائشة قالت كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فرآه النبي ﷺ فلا ينهانا (٢) قال الزركشي ولم يصرحوا باستحباب الجماع إن أمكنه، ولا يبعد استحبابه; لأن الطيب من دواعيه. "فرع يستحب للمزوجة وغيرها" عجوزا أو شابة "مسح وجهها بالحناء" بالمد "للإحرام وخضب كفيهما به" له لتستر به ما يبرز منها; لأنها تؤمر بكشف الوجه، وقد ينكشف الكفان; ولأن الحناء من زينتها فندب قبل الإحرام كالطيب وروى الدارقطني عن ابن عمر أن ذلك من السنة "تعميما" للكفين "لا نقشا وتسويدا أو تطريفا" فلا يستحب شيء منها لما فيه من الزينة وإزالة الشعث المأمور به في الإحرام بل إن كانت خلية، أو لم يأذن حليلها حرم وإلا فلا كما مر في شروط الصلاة "ويكره" لها الخضب "بعد الإحرام" لما مر آنفا "وفي باقي الأحوال" أي في غير الإحرام "يستحب للمزوجة"; لأنه زينة وهي مطلوبة منها لزوجها كل وقت كما مر في شروط الصلاة "ويكره لغيرها" بلا عذر لخوف الفتنة

стр. 1427

"ولا يختضب الخنثى" أي يحرم عليه ذلك بلا عذر للاحتياط "كالرجل" للنهي عن تشبيهه بالمرأة كما مر في شروط الصلاة. "فرع وينزع الرجل المخيط" قبل الإحرام وجوبا كما صرح به النووي في مجموعه (١) كالرافعي (٢) لينتفي عنه لبسه في الإحرام الذي هو محرم عليه كما سيأتي قال الإسنوي والمتجه استحبابه كما اقتضاه كلام المنهاج (٣) كالمحرر; لأن سبب وجوبه، وهو الإحرام لم يوجد; ولهذا لو قال وإن وطئتك فأنت طالق لم يمتنع عليه وطؤها وإنما يجب النزع عقبه، ثم إن الشيخين ذكرا في الصيد عدم وجوب إزالة ملكه عنه قبل الإحرام مع أن المدرك فيهما واحد، وأجيب بأن الوطء يقع في النكاح فلا يحرم، وإنما يجب النزع عقبه; لأنه خروج عن المعصية، ولأن موجبه ليس الوطء بل الطلاق المعلق عليه فلا يصح إلحاق الإحرام بالوطء، وأما الصيد فيزول ملكه عنه بالإحرام كما سيأتي بخلاف نزع الثوب لا يحصل به فيجب قبله كما يجب السعي إلى الجمعة قبل وقتها على بعيد الدار قد يقال بعدم وجوبه أخذا مما لو حلف لا يلبس ثوبا، وهو لابسه فنزع في الحال لم يحنث ومما لو وطئ أو أكل ليلا من أراد الصوم، ولم يلزمه تركهما قبل طلوع الفجر ويجاب بأن الإحرام عبادة طلب فيها أن يكون المحرم أشعث أغبر، ولا يكون كذلك إذا نزع قبله بخلاف الحلف وترك المفطر بطلوع الفجر فاحتيط له ما لم يحتط لهما، ويسن أن يكون النزع بعد التطيب. "ويلبس" الرجل ندبا قبل الإحرام "إزارا ورداء" للاتباع رواه الشيخان

стр. 1428

"أبيضين" لخبر "البسوا من ثيابكم البياض" (١) "جديدين أو نظيفين" كذا عبر البويطي والتنبيه وعبارة الأصل وغيره جديدين، وإلا فمغسولين واعترض في المجموع على عبارة التنبيه، ثم قال ويحمل كلامه على موافقة كلام الأصحاب، وتقدير كلامه جديدين، وإلا فنظيفين قال الأذرعي والأحوط أن يغسل الجديد المقصور لنشر القصارين له على الأرض، وقد استحب الشافعي غسل حصى الجمار احتياطا، وهذا أولى به وقضية تعليله أن غير المقصور كذلك "ونعلين" (٢) لخبر "ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" رواه أبو عوانة في صحيحه وخرج بالرجل المرأة والخنثى إذ لا نزع عليهما في غير الوجه. "ويكره" لمريد الإحرام "المصبوغ" ولو بنيلة أو مغرة كراهة تنزيه كما صرح به في المجموع للنهي عنه رواه مالك موقوفا على عمر بإسناد صحيح ومحله فيما صبغ بغير زعفران أو عصفرة لما مر في باب ما يجوز لبسه أنه يحرم لبس المصبوغ بهما (٣)، وإنما كره هنا المصبوغ بغيرهما خلاف ما قالوه ثم; لأن المحرم أشعث أغبر فلا يناسبه المصبوغ مطلقا لكن قيده الماوردي والروياني بما صبغ بعد النسج ويوافقه ما مر في الجمعة "ثم يصلي" ندبا "الركعتين" أي ركعتي الإحرام قبله وروى الشيخان أنه ﷺ صلي بذي الحليفة ركعتين، ثم أحرم (٤) "إلا في وقت الكراهة" فلا يصليهما فيه بل يحرمان كما مر في كتاب الصلاة ومحمله كما مر ثم في غير حرم مكة "ويجزئ الفريضة" وكذا النافلة كما يأتي في كلام الشافعي "عنهما" كالتحية قال في المجموع وفيه نظر لأنها مقصودة فلا تندرج كسنة الظهر قال الزركشي، وهذا (٥) إنما يتم إذا أثبتنا أنه ﷺ صلى ركعتين للإحرام خاصة وبم يثبت، بل الذي ثبت ودل عليه كلام الشافعي وقوع الإحرام إثر صلاة فقد روى النسائي عن

стр. 1429

أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر، ثم ركب (١) وفي البخاري عن أنس أنه صلى الصبح، ثم ركب (٢) وقال الشافعي في البويطي وأحب لهما يعني للرجل والمرأة أن يهلا خلف صلاة مكتوبة أو نافلة "ويقرأ فيهما" ندبا بعد الفاتحة "سورتي الكافرون والإخلاص، وصلى" ندبا "في مسجد الميقات إن كان" ثم "مسجد"; لأنه أشرف البقاع. "فرع ثم" إذا صلى "ينوي الإحرام ويلبي" لما مر "مستقبلا" القبلة عند الإحرام ندبا لخبر في ذلك رواه البخاري; ولأنها أشرف الجهات "والأفضل" أن يحرم "إذا انبعثت به راحلته" يعني دابته بأن استوت قائمة لطريق مكة "أو توجه الماشي للطريق" أي طريق مكة للاتباع في الأول رواه الشيخان وقياسا عليه في الثاني وروى مسلم خبرا "إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج" (٣) وسيأتي أن الإمام يستحب له أن يخطب في اليوم السابع بمكة وأن يحرم قبل الخطبة فتستثنى هذه مما ذكره; لأن سيره للنسك إنما يكون في اليوم الثامن. "ويكثر" ندبا "المحرم من التلبية كل حين الحائض والطاهر" قائمين وقاعدين وراكبين وماشيين في ذلك "سواء" للاتباع رواه مسلم ولأنها شعار النسك "و" الإكثار منها "عند تغاير الأحوال من صعود وهبوط واجتماع" برفقة أو نحوهم "وافتراق ونحوه" كركوب ونزول وفراغ من صلاة وإقبال ليل أو نهار "آكد" من غيره اقتداء بالسلف في ذلك والصعود والهبوط بفتح أولهما اسم لمكان الفعل منهما وبضمه مصدر وكل منهما صحيح هنا ذكره في المجموع وتكره التلبية في مواضع النجاسات "وتستحب في المسجد الحرام ومسجد الخيف" بمنى "ومسجد إبراهيم" ﷺ "بعرفة" على ما يأتي بيانه فإنها مواضع نسك "وكذا سائر المساجد" اقتداء بالسلف في ذلك "لا في الطواف"، ولو طواف القدوم "والسعي" بعده فلا يستحب فيهما التلبية; لأن فيهما أذكارا خاصة "تنبيه" كلام الشيخين وغيرهما يقتضي أن المراد بإبراهيم المنسوب إليه المسجد المذكور إبراهيم الخليل ﷺ قيل: وهو خطأ وإنما هو إبراهيم القبيسي وخطئ قائله بأن المسجد

стр. 1430

المنسوب إلى القبيسي على جبل أبي قبيس وأما المسجد المذكور فهو مسجد النبي إبراهيم ﷺ كما قاله جماعة منهم الأزرقي في تاريخ مكة وبتقدير أن القبيسي بناه فلا يمتنع نسبته إلى إبراهيم الخليل إما لأنه بناه قبل ذلك، ثم تهدم أو; لأنه صلى فيه أو لأنه اتخذه مصلى للناس. "ويرفع" ندبا الرجل "صوته" (١) بالتلبية في دوام الإحرام "بحيث لا يتعبه" الرفع قال ﷺ : "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" (٢) ورواه الترمذي وصححه وقال ﷺ "أفضل الحج: العج والثج" (٣) رواه الحاكم وصحح إسناده والعج رفع الصوت بالتلبية والثج نحر البدن أما رفع صوته بها في ابتداء الإحرام فلا يندب بل يسمع نفسه فقط كما نقله في المجموع عن الجويني وأقره واقتضاه كلام المنهاج كالمحرم "والمرأة" ومثلها الخنثى "تسمع نفسها" فقط ندبا كما في قراءة الصلاة "فإن جهرت" بها "كره" (٤) وفرق بينه وبين أذانها حيث حرم فيه ذلك بالإصغاء إلى الأذان واشتغال كل أحد بتلبيته عن سماع تلبية غيره "وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" للاتباع، رواه الشيخان (٥) قال الرافعي ويجوز كسر همزة إن استئنافا وفتحها تقليلا، قال النووي والكسر أصح وأشهر ويستحب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله والملك وأن يكرر التلبية ثلاثا إذا لبى والقصد بلبيك، وهو مثنى مضاف - الإجابة لدعوة الحج في قوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] مأخوذ من لب بالمكان لبا أو ألب به إلبابا إذا أقام به ومعناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة "فإن

стр. 1431

زاد على ذلك لم يكره" لما في الصحيحين أن ابن عمر كان يزيد في تلبية رسول الله ﷺ لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل زاد الترمذي بعد بيديك لبيك (١)، وهو ما أورده الرافعي "ثم يصلي" ويسلم ندبا بعد فراغه من تلبيته "على النبي ﷺ " قال تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أي لا أذكر إلا وتذكر معي "بصوت أخفض" من صوت التلبية ليتميز عنها قال الزعفراني ويصلي على آله أيضا كما في التشهد "و" بعد ذلك "يسأل رضوان الله والجنة ويستعيذه" تعالى "من النار" ندبا كما رواه الشافعي وغيره عن فعله ﷺ لكن قال في المجموع والجمهور ضعفوه "ويدعو" بعد ذلك ندبا "بما أحب" دينا ودنيا قال الزعفراني فيقول: اللهم اجعلني من الذين استجابوا لرسولك وآمنوا بك ووثقوا بوعدك ووفوا بعهدك واتبعوا أمرك اللهم اجعلني من وفدك الذين رضيت وارتضيت وقبلت اللهم يسر لي أداء ما نويت وتقبل مني يا كريم. "ولا يتكلم فيها" أي في التلبية بأمر أو نهي أو غيرهما "إلا برد السلام" فإنه مندوب وتأخيره عنها أحب، وقد يجب الكلام في أثنائها للضرورة كما لا يخفى "ويكره التسليم عليه" في أثنائها لأنه يكره له قطعها "وإن رأى ما يعجبه قال" ندبا "لبيك إن العيش عيش الآخرة" قاله ﷺ حين وقف بعرفات (٢) ورأى جمع المسلمين رواه الشافعي وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد مرسلا، ومعناه أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة وقيل معناه العمل بالطاعة ويستحب أن يقول ذلك إذا رأى ما يهمه لما روى الشافعي في الأم أنه ﷺ قاله في أسر أحواله وفي أشد أحواله فالأول في وقوفه بعرفة، والثاني في حفر الخندق "ويترجم" بما ذكر من التلبية وما بعدها "العاجز" عنه لا القادر كما في تسبيح الصلاة.

стр. 1432

"باب دخول مكة" (١) وما يتعلق به يقال مكة بالميم وبكة بالباء لغتان وقيل بالميم اسم للحرم كله، وبالباء اسم للمسجد، وقيل بالميم للبلد وبالباء للبيت مع المطاف وقيل بدونه "يستحب للمحرم" بالحج "أن يدخل مكة قبل الوقوف" بعرفة كما فعل ﷺ وأصحابه ولكثرة ما يحصل له من السنن الآتية وأن يدخلها "من ثنية كداء" بفتح الكاف والمد والتنوين، والثنية الطريق الضيق بين الجبلين "من أعلى مكة" يعني ثنية كداء موضع بأعلى مكة ويستحب أن يدخل منها "ولو لم تكن في طريقه" لما قاله الجويني أنه ﷺ عرج إليها قصدا، وهذا ما صححه النووي وصوبه (٢) وحكى الرافعي عن الأصحاب تخصيصه بالآتي من طريق المدينة للمشقة وأن دخوله ﷺ منها كان اتفاقا، وهو الموافق لما سيأتي في الغسل بذي طوى. قال الإسنوي: ولعل الفرق على الأول أن ما ذكر في كداء

стр. 1433

من الحكمة أي الآتية غير حاصل بسلوك غيرها وفي الغسل من أن القصد النظافة حاصل في كل موضع نعم في التفرقة نظر من وجه آخر، وهو أن المعرج للدخول ينتهي إلى ما يدخل منه الآتي من المدينة وربما يمر بذي طوى أو يقاربه جدا كالآتي من اليمن فإذا أمر المدني بذهابه إلى قبل وجهه ليغتسل بذي طوى، ثم يرجع إلى خلف فأمر اليمني، وقد مر به أو قاربه بالأولى وأقول لا تردد في أنه يؤمر به حينئذ، وإنما الكلام قبل تعريجه فلا يؤمر به ليغتسل بل ليدخل من ثنية كداء، وهو قبل ذلك مأمور بالغسل من نحو تلك المسافة إن لم يقصد التعريج ليدخل من ثنية كداء. "ويستحب أن يغتسل بذي طوى" بفتح الطاء أفصح من ضمها وكسرها (١)، واد بمكة بين الثنيتين، وأقرب إلى السفلى للاتباع رواه الشيخان هذا إن كانت بطريقه بأن أتى من طريق المدينة وإلا اغتسل من نحو تلك المسافة قال المحب الطبري، ولو قيل يستحب له التعريج إليها والاغتسال بها اقتداء وتركا لم يبعد قال الأذرعي وبه جزم الزعفراني وسميت بذلك لاشتمالها على بئر مطوية بالحجارة أي مبنية، والطي البناء "و" أن "يخرج من ثنية كدى" بأسفلها أي مكة بضم الكاف والقصر والتنوين عند جبل قعيقعان للاتباع، رواه الشيخان والمعنى فيه، وفي دخوله من ثنية كداء بالفتح الذهاب من طريق والإياب من أخرى كالعيد وغيره لتشهد له الطريقان وخصت العليا بالدخول لقصد الداخل موضعا عالي المقدار، والخارج عكسه ولأن إبراهيم ﵊ حين قال ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [ابراهيم: ٣٧] كان على العليا كما روي عن ابن عباس قاله السهيلي قال الإسنوي: وقضيته استحباب ذلك (٢) لغير المحرم أيضا كاستحباب تقديم اليمين لداخل المسجد، واليسار للخارج منه، وإن لم يقصد عبادة فينبغي القول به إلا أن يرد نقل بدفعه قال في المجموع ويستحب إذا وصل الحرم أن يستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع بظاهره وباطنه ويتذكر جلالة الحرم ومزيته على غيره، وأن يقول اللهم هذا حرمك وأمنك فحرمني على النار وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك واجعلني من أوليائك وأهل

стр. 1434

طاعتك. "ودخوله" مكة "نهارا وماشيا" وحافيا، ولم تلحقه مشقة، ولم يخف تنجس رجليه كما قاله في المجموع (١) "أفضل" من دخوله ليلا وراكبا ومتنعلا أما في الأول فللاتباع رواه الشيخان ولأنه أعون له وأرفق به وأقرب إلى مراعاته الوظائف المشروعة، ودخوله أول النهار بعد صلاة الفجر أفضل اقتداء به ﷺ ذكره المتولي وغيره وأما في الباقي فلأنه أشبه بالتواضع والأدب وليس فيه مشقة، ولا فوات مهم بخلاف الركوب في الطريق فإنه أفضل كما مر لما تقدم، ثم; ولأن الراكب في الدخول متعرض لإيذاء الناس بدابته في الزحمة قال الأذرعي وينبغي تقييد أفضلية (٢) المشي بمن لا يشق عليه، ولا يضعفه عن الوظائف ويشبه أن دخول المرأة (٣) في هودجها ونحوه أولى، لا سيما عند الزحمة قال في المجموع قال الماوردي وغيره يستحب دخوله مكة بخشوع قلبه وخضوع جوارحه دائما متضرعا قال الماوردي ويكون من دعائه ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يقول عند دخوله: "اللهم البلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك متبعا لأمرك وراضيا بقدرك مسلما لأمرك أسألك مسألة المضطر إليك المشفق من عذابك أن تستقبلني بعفوك وأن تتجاوز عني برحمتك وأن تدخلني جنتك" (٤) قال الزعفراني ويقول آيبون - تائبون لربنا حامدون الحمد لله الذي أقدمنيها سالما معافى الحمد لله رب العالمين كثيرا على تيسيره وحسن بلاغه اللهم هذا حرمك وأمنك فحرم لحمي ودمي وشعري وبشري على النار وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك واجعلني من أوليائك وأحبابك وأهل طاعتك اللهم أنت ربي وأنا عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك والأمن أمنك جئت هاربا عن الذنوب مقلعا ولفضلك راجيا ولرحمتك طالبا ولفرائضك مؤديا ولرضاك مبتغيا ولعفوك سائلا فلا تردني خائبا وأدخلني في رحمتك الواسعة وأعذني من الشيطان وجنده وشر أوليائه وحزبه وصلى الله على سيدنا محمد وآله. "فرع ويستحب حين يرى البيت" أي الكعبة أو يصل محل رؤيته، ولم

стр. 1435

يره (١) لعمى أو ظلمة أو نحوهما فيما يظهر "أن يدعو بالدعاء المأثور" أي المنقول عن النبي ﷺ بإسناد منقطع، وهو "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا" (٢) والمنقول عن عمر ﵁ بإسناد ليس بالقوي وهو اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام "رافعا يديه" للاتباع رواه الشافعي "و" أن يدعو "بما أحب" من المهمات وأهمها المغفرة وأن يدعو واقفا "والداخل من الثنية" العليا "يراه" أي البيت "من" رأس "الردم" قبل دخول المسجد فيقف ويدعو كما قلنا "ثم" بعد فراغه من الدعاء "يدخل المسجد من باب بني شيبة" وإن لم يكن في طريقه للاتباع (٣) رواه البيهقي بإسناد صحيح وروي أيضا أنه ﷺ دخل منه وخرج من باب بني مخزوم إلى الصفا (٤) وفي رواية من باب بني سهم إلى المدينة، وهذا بخلاف الدخول من ثنية كداء على ما نقله الرافعي لترددهم في أن دخوله ﷺ منها كان قصدا أو اتفاقا; ولأن الدوران حول المسجد لا يشق بخلافه حول البلد، ولأن باب بني شيبة من جهة باب الكعبة والحجر الأسود، ويستحب أن يخرج من باب بني سهم إذا خرج إلى بلده للراوية السابقة ويسمى اليوم باب العمرة. "ويبدأ" ندبا عند دخوله المسجد "قبل تغيير ثيابه واكتراء منزله" ونحوهما "بطواف القدوم" إن لم يعتمر "أو" بطواف "العمرة إن اعتمر" روى الشيخان

стр. 1436

أنه ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت (١) والمعنى فيه أن الطواف تحية البيت فبدأ به "هذا إن لم تقم جماعة الفريضة، ولم يضق وقت سنة مؤكدة" أو راتبة أو فريضة فإن كان شيء من ذلك قدمه على الطواف أيضا، ولو كان في أثنائه; لأن ذلك يفوت والطواف لا يفوت، ولو كان عليه فائتة قدمها على الطواف أيضا، ولو دخل، وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد جزم به في المجموع وإنما قدم الطواف عليها فيما مر; لأن القصد من إتيان المسجد البيت وتحيته الطواف ولأنها تحصل بركعتيه غالبا (٢) وذكر ابتداء طواف العمرة من زيادة المصنف. "فرع" قال في المجموع قد ذكرنا أنه يؤمر بطواف القدوم أول قدومه فلو أخره ففي فواته وجهان حكاهما الإمام; لأنه يشبه تحية المسجد انتهى. وقضيته أنه لا يفوت (٣) بالتأخير، ومعلوم أنه لا يفوت بالجلوس كما تفوت به تحية المسجد نعم يفوت بالوقوف بعرفة ويحتمل فواته بالخروج من مكة "ولا طواف للقدوم" على الحاج "بعد الوقوف"، ولا على المعتمر (٤) ; لأن الطواف المفروض عليهما (٥) قد دخل وقته وخوطبا به فلا يصح قبل أدائه أن يتطوعا بطواف قياسا على أصل الحج والعمرة، وبهذا فارق ما نحن فيه الصلاة حيث أمر

стр. 1437

بالتحية قبل الفرض فطواف القدوم مختص بحلال دخل مكة وبحاج دخلها قبل الوقوف (١) ويسمى طواف القادم وطواف الورود والوارد وطواف التحية وقول الأصل ويجزئ طواف العمرة عن طواف القدوم أي تحية البيت، وإلا فليس على المعتمر طواف قدوم كالحاج الذي دخل بعد الوقوف كما عرف "وذوات الهيئة" من النسوة لجمال أو شرف "يؤخرنه" أي الطواف "إلى الليل" (٢) لأنه أستر لهن وأسلم لهن ولغيرهن من الفتنة ومثلهن الخناثى. "ويستحب لمن دخل الحرم أو مكة" أي لمن قصد دخول أحدهما لا لنسك "أن يحرم (٣) بنسك" من حج أو عمرة كتحية المسجد لداخله سواء أتكرر دخوله كحطاب وصياد أم لا كرسول وتاجر قال في المجموع ويكره تركه، وذكر استحبابه لمن يتكرر دخوله من زيادة المصنف.

стр. 1438

"فصل وواجبات الطواف" بأنواعه "خمسة: الأول الطهارتان" طهارتا الحدث والخبث في بدنه وثوبه ومطافه "والستر" (٤) للعورة كما في الصلاة ولخبر "الطواف بالبيت صلاة" (٥) (٦) وللاتباع رواه الشيخان مع خبر "خذوا عني

стр. 1439

مناسككم" (١) رواه مسلم وغيره وروى الشيخان أنه ﷺ قال لعائشة لما حاضت، وهي محرمة "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" (٢) "فلو أحدث أو تنجس" بدنه أو ثوبه أو مطافه بنجس غير معفو عنه "أو عري" مع القدرة على الستر في أثناء الطواف "تطهر وستر" عورته وبنى على (٣) طوافه ولو تعمد ذلك بخلاف الصلاة إذ يحتمل فيه ما لا يحتمل فيها ككثير الفعل والكلام سواء أطال الفصل أم قصر لعدم اشتراط الموالاة فيه كالوضوء لأن كلا منهما عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها بخلاف الصلاة "ويستحب أن يستأنف" الطواف خروجا من خلاف من أوجب الاستئناف قال في المجموع وغلبة النجاسة في المطاف مما عمت به البلوى، وقد اختار جماعة من محققي أصحابنا العفو عنها قال وينبغي تقييده بما يشق الاحتراز عنه من ذلك كما في دم القمل والبراغيث والبق وغيرهما مما مر وكما في كثرة الاستنجاء بالأحجار، وكما في طين الشارع المتيقن نجاسته. ا هـ. أما العاري العاجز عن عن الستر فيطوف; لأنه لا يلزمه إعادة قال الإسنوي والقياس منع المتيمم (٤) والمتنجس عن الماء من طواف الركن لوجوب الإعادة فلا فائدة في فعله، وإنما فعلت الصلاة كذلك لحرمة الوقت والطواف. لا آخر لوقته ويؤيده أن فاقد الطهورين إذا صلى، ثم قدر على التيمم بعد

стр. 1440

الوقت لا يعيد الصلاة في الحضر لعدم الفائدة الواجبة. "الثاني الترتيب، وهو أن يبدأ بالحجر الأسود" للاتباع رواه مسلم مع خبر "خذوا عني مناسككم" (١) "فلا" وفي نسخة، ولا "يعتد بما بدأ به قبله" ولو سهوا فإذا انتهى إليه ابتدأ منه "وأن يحاذ به أو بعضه بجميع البدن" (٢) بحيث لا يتقدم جزء من بدنه على جزء من الحجر فلو لم يحاذه أو بعضه بجميع بدنه بأن جاوزه ببعض بدنه إلى جهة الباب لم تحسب طوفته والمراد بجميع البدن جميع الشق الأيسر واكتفي بمحاذاته بعض الحجر كما يكتفى بتوجهه بجميع بدنه بعض الكعبة في الصلاة قال في المجموع وصفة المحاذاة أن يستقبل البيت ويقف بجانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ومنكبه الأيمن عند طرفه، ثم ينوي الطواف، ثم يمشي مستقبلا الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوزه فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت، ولو فعل هذا من الأول، وترك استقبال الحجر جاز لكن فاتته الفضيلة قال في مناسكه وليس شيء من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرنا من مروره في ابتداء الطواف على الحجر الأسود وذلك مستحب في الطوفة الأولى لا غير، ولم يذكره جماعة من أصحابنا وهو غير الاستقبال المستحب عند لقاء الحجر قبل أن يبدأ بالطواف فإن ذلك مستحب لا خلاف فيه وسنة مستقلة. وإذا استقبل البيت لدعاء أو زحمة أو غيرهما فليحترز عن المرور في الطواف، ولو أدنى جزء قبل عوده إلى جعل البيت عن يساره "ويطوف" بالبيت أمامه "جاعلا له عن يساره" (٣) للاتباع
следующие страницы →