أنه ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت (١) والمعنى فيه أن الطواف تحية البيت فبدأ به "هذا إن لم تقم جماعة الفريضة، ولم يضق وقت سنة مؤكدة" أو راتبة أو فريضة فإن كان شيء من ذلك قدمه على الطواف أيضا، ولو كان في أثنائه; لأن ذلك يفوت والطواف لا يفوت، ولو كان عليه فائتة قدمها على الطواف أيضا، ولو دخل، وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد جزم به في المجموع وإنما قدم الطواف عليها فيما مر; لأن القصد من إتيان المسجد البيت وتحيته الطواف ولأنها تحصل بركعتيه غالبا (٢) وذكر ابتداء طواف العمرة من زيادة المصنف.
"فرع" قال في المجموع قد ذكرنا أنه يؤمر بطواف القدوم أول قدومه فلو أخره ففي فواته وجهان حكاهما الإمام; لأنه يشبه تحية المسجد انتهى. وقضيته أنه لا يفوت (٣) بالتأخير، ومعلوم أنه لا يفوت بالجلوس كما تفوت به تحية المسجد نعم يفوت بالوقوف بعرفة ويحتمل فواته بالخروج من مكة "ولا طواف للقدوم" على الحاج "بعد الوقوف"، ولا على المعتمر (٤) ; لأن الطواف المفروض عليهما (٥) قد دخل وقته وخوطبا به فلا يصح قبل أدائه أن يتطوعا بطواف قياسا على أصل الحج والعمرة، وبهذا فارق ما نحن فيه الصلاة حيث أمر
стр. 1437
بالتحية قبل الفرض فطواف القدوم مختص بحلال دخل مكة وبحاج دخلها قبل الوقوف (١) ويسمى طواف القادم وطواف الورود والوارد وطواف التحية وقول الأصل ويجزئ طواف العمرة عن طواف القدوم أي تحية البيت، وإلا فليس على المعتمر طواف قدوم كالحاج الذي دخل بعد الوقوف كما عرف "وذوات الهيئة" من النسوة لجمال أو شرف "يؤخرنه" أي الطواف "إلى الليل" (٢) لأنه أستر لهن وأسلم لهن ولغيرهن من الفتنة ومثلهن الخناثى.
"ويستحب لمن دخل الحرم أو مكة" أي لمن قصد دخول أحدهما لا لنسك "أن يحرم (٣) بنسك" من حج أو عمرة كتحية المسجد لداخله سواء أتكرر دخوله كحطاب وصياد أم لا كرسول وتاجر قال في المجموع ويكره تركه، وذكر استحبابه لمن يتكرر دخوله من زيادة المصنف.
стр. 1438
"فصل وواجبات الطواف" بأنواعه "خمسة: الأول الطهارتان" طهارتا الحدث والخبث في بدنه وثوبه ومطافه "والستر" (٤) للعورة كما في الصلاة ولخبر "الطواف بالبيت صلاة" (٥)(٦) وللاتباع رواه الشيخان مع خبر "خذوا عني
стр. 1439
مناسككم" (١) رواه مسلم وغيره وروى الشيخان أنه ﷺ قال لعائشة لما حاضت، وهي محرمة "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" (٢) "فلو أحدث أو تنجس" بدنه أو ثوبه أو مطافه بنجس غير معفو عنه "أو عري" مع القدرة على الستر في أثناء الطواف "تطهر وستر" عورته وبنى على (٣) طوافه ولو تعمد ذلك بخلاف الصلاة إذ يحتمل فيه ما لا يحتمل فيها ككثير الفعل والكلام سواء أطال الفصل أم قصر لعدم اشتراط الموالاة فيه كالوضوء لأن كلا منهما عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها بخلاف الصلاة "ويستحب أن يستأنف" الطواف خروجا من خلاف من أوجب الاستئناف قال في المجموع وغلبة النجاسة في المطاف مما عمت به البلوى، وقد اختار جماعة من محققي أصحابنا العفو عنها قال وينبغي تقييده بما يشق الاحتراز عنه من ذلك كما في دم القمل والبراغيث والبق وغيرهما مما مر وكما في كثرة الاستنجاء بالأحجار، وكما في طين الشارع المتيقن نجاسته. ا هـ.
أما العاري العاجز عن عن الستر فيطوف; لأنه لا يلزمه إعادة قال الإسنوي والقياس منع المتيمم (٤) والمتنجس عن الماء من طواف الركن لوجوب الإعادة فلا فائدة في فعله، وإنما فعلت الصلاة كذلك لحرمة الوقت والطواف.
لا آخر لوقته ويؤيده أن فاقد الطهورين إذا صلى، ثم قدر على التيمم بعد
стр. 1440
الوقت لا يعيد الصلاة في الحضر لعدم الفائدة الواجبة.
"الثاني الترتيب، وهو أن يبدأ بالحجر الأسود" للاتباع رواه مسلم مع خبر "خذوا عني مناسككم" (١) "فلا" وفي نسخة، ولا "يعتد بما بدأ به قبله" ولو سهوا فإذا انتهى إليه ابتدأ منه "وأن يحاذ به أو بعضه بجميع البدن" (٢) بحيث لا يتقدم جزء من بدنه على جزء من الحجر فلو لم يحاذه أو بعضه بجميع بدنه بأن جاوزه ببعض بدنه إلى جهة الباب لم تحسب طوفته والمراد بجميع البدن جميع الشق الأيسر واكتفي بمحاذاته بعض الحجر كما يكتفى بتوجهه بجميع بدنه بعض الكعبة في الصلاة قال في المجموع وصفة المحاذاة أن يستقبل البيت ويقف بجانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ومنكبه الأيمن عند طرفه، ثم ينوي الطواف، ثم يمشي مستقبلا الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوزه فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت، ولو فعل هذا من الأول، وترك استقبال الحجر جاز لكن فاتته الفضيلة قال في مناسكه وليس شيء من الطواف يجوز مع استقبال البيت إلا ما ذكرنا من مروره في ابتداء الطواف على الحجر الأسود وذلك مستحب في الطوفة الأولى لا غير، ولم يذكره جماعة من أصحابنا وهو غير الاستقبال المستحب عند لقاء الحجر قبل أن يبدأ بالطواف فإن ذلك مستحب لا خلاف فيه وسنة مستقلة. وإذا استقبل البيت لدعاء أو زحمة أو غيرهما فليحترز عن المرور في الطواف، ولو أدنى جزء قبل عوده إلى جعل البيت عن يساره "ويطوف" بالبيت أمامه "جاعلا له عن يساره" (٣) للاتباع
стр. 1441
رواه مسلم مع خبر "خذوا عني مناسككم" (١) "فإن عكس" بأن جعله على يمينه، ومشى أمامه "لم يصح وكذا لو استقبله" أو استدبره "وطاف معترضا أو جعله على يمينه ومشى القهقرى" لمنابذته لما ورد الشرع به.
الواجب "الثالث خروج جميعه عن جميع البيت" قال تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩] وإنما يكون طائفا به إذا كان خارجا عنه، وإلا فهو طائف فيه "وكذا عن جميع الحجر" بكسر الحاء وإسكان الجيم المحوط بين الركنين الشاميين بجدار قصير، بينه وبين كل من الركنين فتحة لأنه ﷺ إنما طاف خارجه وقال "خذوا عني مناسككم" ولخبر الصحيحين عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجدر وفي رواية لمسلم عن الحجر أمن البيت هو قال "نعم" قلت فما بالهم لم يدخلوه في البيت قال "إن قومك قصرت بهم النفقة" قلت فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهد في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض لفعلت" (٢) وظاهر الخبر أن الحجر جميعه من البيت قال في الأصل، وهو قضية كلام كثير من الأصحاب وظاهر نص المختصر لكن الصحيح أنه ليس كذلك بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع تتصل بالبيت
стр. 1442
وقيل ستة أو سبعة ولفظ المختصر محمول على هذا ومع ذلك يجب الطواف خارجه لما مر.
"فلو كان يطوف ويمس بيده الجدار" الكائن "في موازاته الشاذروان" بفتح الذال المعجمة الخارج عن عرض جدار البيت قدر ثلثي ذراع تركته قريش لضيق النفقة أو يدخل يده بأعلى الشاذروان وإن لم يمس الجدار أو يدخل من إحدى فتحتي الحجر ويخرج من الأخرى أو يخلف منه قدر الذي من البيت ويقتحم الجدار ويخرج من الجانب الآخر على السمت "لم يصح" طوافه لما مر وخرج بموازاته ما لو مس الجدار الذي في جهة الباب فلا يضر قال النووي في مناسكه وغيرها عن أصحابنا وغيرهم والشاذروان ظاهر في جوانب البيت لكن لا يظهر عند الحجر الأسود (١)، وقد أحدث في هذه الأزمان عنده شاذروان قال: وينبغي أن يتفطن لدقيقة، وهي أن من قبل الحجر الأسود فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت فيلزمه أن يقر قدميه في محلهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما.
الواجب "الرابع: كونه" أي الطواف "في المسجد وإن وسع وحال حائل" بين الطائف والبيت كالسقاية والسواري "و" طاف "على سطحه" أي سطح المسجد "المنخفض عن البيت" كما هو اليوم، نعم لو زيد فيه حتى بلغ الحل فطاف فيه في الحل فالقياس في المهمات عدم الصحة (٢) بقوله في المسجد ما لو طاف خارجه، ولو بالحرم فلا يصح; لأنه ﷺ لم يطف إلا داخله وقال "خذوا عني مناسككم" (٣) "فإن ارتفع" السطح "عنه" أي عن البيت "جاز" الطواف عليه أيضا كالصلاة على جبل أبي قبيس (٤) مع ارتفاعه عن البيت، ولو قال وعلى سطحه، ولو مرتفعا عن البيت كان أولى وأخصر.
"فائدة" المسجد في زمننا أوسع مما كان في زمنه ﷺ بزيادات زيدت فيه
стр. 1443
فأول من وسعه عمر بن الخطاب اشترى دورا فزادها فيه واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وهو أول من اتخذ له الجدار، ثم وسعه عثمان واتخذ له الأروقة، وهو أول من اتخذها، ثم وسعه عبد الله بن الزبير في خلافته، ثم وسعه الوليد بن عبد الملك، ثم المنصور، ثم المهدي وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا ذكر ذلك في الروضة وغيرها (١).
الواجب "الخامس: أن يطوف سبعا"، ولو في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ماشيا كان أو راكبا بعذر أو غيره فلو اقتصر على ستة أو ترك من السبع خطوة أو أقل لم يجز لما مر في اشتراط جعل البيت عن يساره.
"فرع" قال في المجموع كره الشافعي (٢) والأصحاب تسمية الطوافة شوطا ودورا; لأنه تعالى إنما سماها بالطواف لا بهما أي ولأن الشوط الهلاك، ثم قال والمختار أنه لا يكره ففي الصحيحين عن ابن عباس قال أمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم (٣) ورد بأن ذلك لا يدل على نفي الكراهة لأنه من قول الراوي، ولو ثبت أنه من قول النبي ﷺ جاز حمله على بيان الجواز كما حمل عليه قوله "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" (٤) ومع أن تسمية العشاء عتمة مكروه من غيره.
"وسننه" أي الطواف "ثمان: الأولى النية" في طواف النسك خروجا من خلاف من أوجبها فيه "ولا" الأولى فلا "تجب"; لأن نية النسك شملته كما تشمل الوقوف وغيره "فيصح طواف" محرم "نائم ممكن" مقعدته من محلها "اكتفاء بنية الحج" أو العمرة "فلو صرفها" الأوجه الموافق لأصله صرفه أي الطواف "لغيره" كطلب غريم "بطل"; لأنه لا يعد طائفا ويفارق فيما سيأتي في الوقوف بأنه قربة برأسها بخلاف الوقوف "وتجب" النية "في" طواف "النفل" الذي لم
стр. 1444
يشمله نسك "كطواف الوداع" على الأصل في وجوبها في العبادة المستقلة وهذان من زيادته وصرح النووي في المجموع بالأول وابن الرفعة بالثاني، قال الإسنوي وفيما قاله ابن الرفعة نظر والقياس تخريجه على الخلاف في أنه من المناسك أو لا والصحيح أنه منها كما سيأتي ورد بأن الوجه ما قاله ابن الرفعة لوقوعه بعد التحللين فلا يصح دخوله في نية العبادة، وهو منتقض بالتسليمة الثانية من الصلاة مع أنه سيأتي أن الصحيح عند الشيخين أنه ليس من المناسك، وكطواف النفل الطواف المنذور كما أفاده كلام الرافعي وغيره.
"فرع وإن حمل محرما صغيرا (١) أو كبيرا أو محرمين" صغيرين أو كبيرين أو أحدهما صغيرا والآخر كبيرا لعذر أو غيره "حلال أو محرم قد طاف عن نفسه" أو لم يدخل وقت طوافه وطاف كل منهما بمحمول "وقع للمحمول" (٢) بشرط لأنه كراكب دابة إذ لا طواف على الحامل نعم إن قصد الحامل نفسه وحدها أو مع المحمول وقع له أخذا مما يأتي "وكذا لو لم يطف" أي المحرم الحامل عن نفسه ودخل وقت طوافه وقع للمحمول "إن قصده للمحمول" لعدم وقوعه حينئذ; لأنه يعتبر عدم صرفه الطواف (٣) إلى غرض أخر، وقد صرفه عنه إليه "فإن قصد نفسه أو كليهما" أي نفسه ومحموله "أو لم يقصد شيئا وقع للحامل فقط"، وإن قصد محموله نفسه; لأنه الطائف، ولم يصرفه عن نفسه ومن هنا يؤخذ أنه لو حمل حلالا ونويا وقع للحامل وسواء في الصغير أحمله وليه والذي أحرم عنه أم
стр. 1445
غيره لكن ينبغي في حمل غير الولي أن يكون بإذن الولي لأن الصغير إذا طاف راكبا لا بد أن يكون وليه سائقا أو قائدا كما قاله الروياني وغيره (١) ومحله في غير المميز فلو لم يحمله بأن جعله في شيء موضوع على الأرض وجذبه فظاهر أنه لا تعلق لطواف كل منهما بطواف الآخر لانفصاله عنه ونظيره ما لو كان بسفينة وهو يجذبها وما ذكره كأصله في مسألة كليهما. قال الإسنوي نص الشافعي في الأم والإملاء على خلافه إلا أن نص الأم في وقوعه للمحمول ونص الإملاء في وقوعه لهما كذا نقله في البحر فالنصان متفقان على نفي ما ذكر، ونص الأم أقوى عند الأصحاب وهو هنا بخصوصه أظهر من نصي الإملاء فيجب الأخذ به واعترضه الأذرعي بأن نقله عن البحر من نقله عن الإملاء من وقوعه لهما غلط بل الذي فيه في عدة نسخ عن الإملاء وقوعه للحامل دون المحمول ورجحه الأصحاب لموافقته للقياس فإنه لو نوى الحج له ولغيره وقع فكذا ركنه.
"فائدة" قال الزركشي (٢) قضية كلام صاحب الكافي أنه لا فرق في أحكام المحمول بين الطواف والسعي، وفيه نظر (٣) قال ابن يونس وإن حمله في الوقوف أجزأ فيهما يعني مطلقا والفرق أن المعتبر ثم السكون، وقد وجد من كل منهما وهنا الفعل لم يوجد منهما "ولو طاف" محرم بالحج "معتقدا أن إحرامه عمرة فبان حجا وقع عنه" كما لو طاف عن غيره وعليه طواف.
"الثانية" من سنن الطواف "الموالاة" بين الطوافات السبع خروجا من خلاف من أوجبها، وقوله "وهي سنة لا واجبة" (٤) إيضاح "فيكره التفريق بلا عذر" فلا يبطل به الطواف، ولو فرق كثيرا قال الإمام والكثير ما يغلب على الظن تركه الطواف، وذكر الكراهة من زيادته، وهو نظير ما قدمه في كراهة التفريق في الوضوء، وتقدم ثم إن المعروف عدمها (٥)، وعليه يفرق بأن الوضوء وسيلة فاغتفر فيه ذلك بخلاف الطواف والأوجه حمل ما هنا على التفريق في طواف الفرق أخذا
стр. 1446
مما يأتي ما تفريقه بعذر فلا كراهة فيه، ولا هو خلاف الأولى "وإقامة المكتوبة" وعروض حاجة لا بد منها في أثناء الطواف "عذر" في قطعه "ويكره قطع الطواف المفروض (١) لجنازة أو راتبة"; لأنه فرض عين فلا يقطع لنافلة ولا لفرض كفاية (٢)، قال في المجموع عن الأصحاب وكذا حكم السعي.
"الثالثة: المشي فيه" ولو امرأة للاتباع رواه مسلم; ولأنه أشبه التواضع والأدب فلا يركب لئلا يؤذي غيره ويلوث المسجد "إلا لعذر" كمرض لما في الصحيحين أن أم سلمة قدمت مريضة فقال لها رسول الله ﷺ "طوفي وراء الناس وأنت راكبة" (٣) وفيهما أنه ﷺ طاف راكبا في حجة الوداع ليظهر فيستفتى (٤) فلمن احتيج إلى ظهوره للفتوى أن يتأسى به "لكن لو ركب" بلا عذر "لم يكره" لكنه خلاف الأولى نقله في المجموع عن الجمهور وصححه قال الإمام وفي القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها مكروه وقال الإسنوي وغيره ما ذكر من عدم كراهة الركوب مردود مخالف لما في كتب الأصحاب ولنص الشافعي وقد جزم الرافعي بكراهته في شرح مسند الشافعي والنووي في مجموعه في الفصل المعقود لأحكام المساجد وسيأتي في الشهادة أن إدخال الصبيان (٥) المسجد الحرام إن غلب تنجيسهم له، وإلا فمكروه (٦). انتهى.
ويرد ذلك بأن الشيخين نقلا عدم الكراهة عن الجمهور، ونقل النووي في مجموعه مع ذلك الكراهة عن جماعة، ثم قال والمشهور عدمها ومن حفظ حجة
стр. 1447
على من لم يحفظ، وبأن إدخال البهيمة هنا إنما هو لحاجة إقامة السنة كما فعله النبي ﷺ ولهذا لا يكره إدخال الصبيان المحرمين المسجد ليطوفوا قال الماوردي وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكر وإذا كان معذورا فطوافه محمولا أولى منه راكبا صيانة للمسجد من الدابة وركوب الإبل أيسر حالا من ركوب البغال والحمير ذكر ذلك في المجموع وفيه لو طاف زحفا مع قدرته على المشي صح مع الكراهة قال الإسنوي ويستحب أن يكون حافيا في طوافه كما نبه عليه بعضهم قال في الإملاء وأحب لو كان يطوف بالبيت حافيا أن يقصر في المشي لتكثر خطاه رجاء كثرة الأجر له.
"الرابعة أن يستلم الحجر" الأسود "بيده" أول طوافه "ثم يقبله" (١) عبارة الأصل ويقبله "ويضع" بعد ذلك "جبهته عليه" للاتباع رواه في الأولين الشيخان وفي الثالث البيهقي "وللزحمة" المانعة من تقبيله والسجود عليه "يستلم" بيده (٢) "وإن عجز" عن استلامه بها "فبعود" أو نحوه كيده يستلم "ثم يقبله" أي ما استلم به فيهما لخبر الصحيحين "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣) ولخبر مسلم أن ابن عمر استلمه، ثم قبل يده، وقال ما تركته منذ رأيت النبي ﷺ يفعله (٤) مع أن ظاهره مع أخبار أخر أنه يقبل يده بعد استلام الحجر بها مع تقبيل الحجر إذا لم يتعذر به وصرح ابن الصلاح في مناسكه، وهو قضية إطلاق الشافعي وجماعة لكن خصه الشيخان ومختصر كلامهما يتعذر تقبيله كما تقرر ونقله في المجموع عن الأصحاب "فإن عجز" عن استلامه "أشار" إليه "باليد" (٥)
стр. 1448
قال في المجموع وغيره أو بشيء فيها، ثم قبل ما أشار به لخبر البخاري أنه ﷺ طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه بشيء عنده وكبر "لا بالفم" لأنه لم ينقل، واعلم أن الاستلام والإشارة إنما يكونان باليد اليمنى فإن عجز فباليسرى على الأقرب كما قاله الزركشي (١) "ثم لا يقبل"، ولا يتسلم "غيره" أي غير الحجر لذلك ولخلوه عن الحجر "نعم يستلم الركن اليماني" بتخفيف الياء أكثر من تشديدها نسبة إلى اليمن والألف بدل من إحدى ياءي النسب على الأول وزائدة على الثاني "وحده" أي لا الركنين الشاميين وسائر ما عدا ما مر "ويقبل يده" بعد استلام الركن بها قياسا على تقبيلها بعد استلام الحجر بها "فقط" أي دون الركن فإن عجز عن استلامه أشار إليه (٢) كما قاله ابن عبد السلام والمحب الطبري خلافا لابن أبي الصيف اليمني قياسا على الأسود، ودليل استلامه دون الشاميين خبر الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ كان يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوافه، ولا يستلم الركنين الذين يليان الحجر، وأنه على قواعد إبراهيم ﷺ (٣) كالركن الأسود أيضا بخلافهما فللأسود فضيلتان كون الحجر الأسود فيه كونه على قواعد إبراهيم ولليماني الثانية. وليس للشاميين شيء منهما فلا يسن فيهما شيء مما ذكر فلو قبلهما أو غيرهما من البيت أو استلم ذلك لم يكره، ولا هو خلاف الأولى، بل هو حسن كما في الاستقصاء عن نص الشافعي أنه قال: وأي البيت قبل فحسن غير أنا نأمر بالاتباع قال الأذرعي، وهذا النص غريب مشكل "وهكذا" يفعل ما ذكر "كل مرة" من المرات السبع لخبر ابن عمر السابق مع قياس ما ليس فيه عليه وما عبر له أولى من عبارة أصله لإيهامها أنه لا يستحب السجود على الحجر إلا في الطوفة الأولى، وليس كذلك "و" فعل ذلك "في الأوتار" إن لم يفعله كل مرة "آكد" منه في غيرها; لأنها أفضل قال الصيمري وغيره ويستحب أن يكون استلامه وتقبيله والسجود عليه ثلاثا وأن يخفف القبلة بحيث لا يظهر لها صوت، "ولا يستحب للنساء فيه استلام، ولا تقبيل"، ولا سجود "إلا عند خلو المطاف" ليلا أو نهارا لضررهن وضرر الرجال
стр. 1449
بهن ومثلهن الخناثى وجميع ما تقرر للحجر الأسود في هذا الباب يأتي لموضعه لو قلع منه والعياذ بالله.
"الخامسة: الدعاء المأثور" أي المنقول عن النبي ﷺ أو عن أحد من أصحابه ﵃ "فيه" أي في الطواف قال الأصحاب فيقول عند استلام الحجر في كل طوفة والأولى آكد بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ وقبالة الباب: اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار ويشير إلى مقام إبراهيم (١). وعند الانتهاء إلى الركن العراقي: اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل المال والولد وعند الانتهاء إلى تحت الميزان اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك واسقني بكأس محمد ﷺ شرابا هنيئا لا أظمأ بعده أبدا يا ذا الجلال والإكرام وبين الركن الشامي واليماني اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا وعملا مقبولا وتجارة لن تبور أي، واجعل ذنبي ذنبا مغفورا وقيس به الباقي والمناسب للمعتمر أن يقول عمرة مبرورة، ويحتمل استحباب التعبير بالحج مراعاة للخبر ويقصد المعنى اللغوي. وهو القصد نبه عليه الإسنوي في الدعاء الآتي في الرمل محل الدعاء بهذا إذا كان الطواف في ضمن حج أو عمرة وبين اليمانيين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وليدع بما شاء من الخير في جميع طوافه فهو سنة، مأثورا كان أو غيره وإن كان المأثور أفضل "وهو" أي الدعاء المأثور "لا غيره أفضل فيه" أي في الطواف "من القراءة" للاتباع أما غير المأثور فالقراءة أفضل منه; لأن المحل محل ذكر، والقرآن أفضله ولأن الشرع شبه الطواف بالصلاة، والقراءة أخص بها ولخبر "يقول الرب من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه" (٢) رواه الترمذي وحسنه وأما خبر مسلم "أحب
стр. 1450
الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد الله، ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيها بدأت" (١) فمحمول على أن المراد أحبه من كلام الآدميين، أو لأن مفرداتها في القرآن من المأثور ما رواه الحاكم وصحح إسناده أنه ﷺ كان يقول بين الركنين اليمانيين: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف على كل غائبة لي بخير (٢). وما رواه الأزرقي عن علي ﵁ أنه كان يقول عند الركن اليماني بسم الله والله أكبر اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ويستحب له الإسرار بالذكر والقراءة; لأنه أجمع للخشوع.
"السادسة: الرمل" بفتح الراء والميم "للذكر"، ولو صبيا بخلاف الأنثى والخنثى (٣) حذرا من تكشفهما "ويسمى" الرمل "الخبب (٤)، وهو خطا متقاربة بسرعة لا عدو" فيه "و" لا "وثب" ويكون "في" الأطواف "الثلاثة الأول" مستوعبا به البيت وعطف على الرمل قوله "والمشي" أي على الهينة "في الأربعة" الباقية روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا (٥) وروى مسلم عنه قال رمل النبي ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعة (٦). لكنه روي أيضا عن ابن عباس ﵄ قال قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم الحمى حمى يثرب فقال المشركون: إنه يقدم عليكم
стр. 1451
غدا (١) قوم وهنتهم الحمى فلقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم فقال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أجلد من كذا وكذا قال ابن عباس، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم (٢).
وأجاب عنه الأصحاب كما في المجموع بأنه كان في عمرة القضاء سنة سبع والأول في حجة الوداع سنة عشر فكان العمل به أولى لتأخره وإنما شرع الرمل مع زوال سببه، وهو إظهار القوة للكفار; لأن فاعله يستحضر به سبب ذلك، وهو ظهور أمرهم فيتذكر نعمة الله تعالى على إعزاز الإسلام وأهله، ويكره تركه كما نقل عن النص والمبالغة في الإسراع كما نقله في المجموع عن المتولي وأقره وليدع بما شاء كما مر. وآكده في رمله بعد تكبيره عند محاذاة الحجر الأسود اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا، وفي مشيه: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
"وإنما يسن" الرمل "في طواف بعده سعي" (٣) مطلوب "في حج أو عمرة وإن كان مكيا" للاتباع ولانتهائه فيه إلى تواصل الحركات بين الجبلين فإن رمل في طواف القدوم وسعى بعده لا يرمل في طواف الركن; لأن السعي بعده حينئذ غير مطلوب ولا رمل في طواف الوداع لذلك "والرمل لا يقضى" فلو تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة الأخيرة; لأن هيئتها الهينة فلا تغير كالجهر لا يقضى في الأخيرتين بخلاف الجمعة مع المنافقين في الثانية لإمكان الجمع لو تركه في طواف القدوم والذي سعى بعده لا يقضيه في طواف الركن إذ السعي بعده حينئذ غير مطلوب.
"فرع: القرب من البيت مستحب" للطائف تبركا به; ولأنه المقصود ولأنه أيسر في الاستلام والتقبيل نعم إن تأذى بالزحام أو آذى غيره فالبعد أولى قال في
стр. 1452
المجموع كذا أطلقوه وقال البندنيجي قال الشافعي في الأم إلا في ابتداء الطواف أو أخره فأحب له الاستلام، ولو بالزحام. انتهى، وقد يوهم أنه يغتفر في الابتداء والأخير التأذي والإيذاء بالزحام، وهو ما فهمه الإسنوي وصرح به وليس مرادا كما نبه عليه الأذرعي وقال: إنه غلط قبيح وحاصل نص الأم (١) أنه يتوقى التأذي والإيذاء بالزحام مطلقا ويتوقى الزحام الخالي عنهما إلا في الابتداء والأخير وينبغي أن يراعي مع القرب الاحتياط فقد قال الماوردي: والاحتياط الإبعاد عن البيت بقدر ذراع والكرماني في مناسكه (٢) بقدر ثلاث خطوات ليأمن الطواف على الشاذروان هذا كله للذكر، أما الأنثى والخنثى فيستحب أن لا يقربا في حال طواف الذكور بل يكونان في حاشية المطاف بحيث لا يخالطان الذكور "فإن تعذر معه" أي مع القرب "الرمل" لزحمة، ولم يرج فرجة "تباعد" ورمل; لأن الرمل شعار مستقل ولأنه متعلق بنفس العبادة، والقرب متعلق بمكانها والمتعلق بنفسها أولى بدليل أن صلاة الجماعة في البيت أولى من الانفراد في المسجد قال الزركشي وفيه نظر والمتجه البعد الموجب للطواف من وراء زمزم، والمقام مكروه، وترك الرمل أولى من ارتكابه هذا "إن لم يخش ملامسة النساء" مع التباعد "فإن خشيها" "تركه" أي التباعد والرمل فالقرب حينئذ بلا رمل أولى تحرزا عن ملامستهن المؤدية إلى انتقاض الطهارة، وكذا لو كان بالقرب أيضا نساء، وتعذر الرمل في جميع المطاف لخوف الملامسة فترك الرمل أولى كما صرح به الأصل، أما إذا رجا فرجة فيستحب له أن يقف ليرمل إن لم يؤذ بوقوفه أحدا نقله في المجموع عن الأصحاب "ويتحرك" ندبا "في مشيه عند تعذر الرمل والسعي" الشديد بين الصفا والمروة ويرى من نفسه أنه لو أمكنه الرمل والسعي رمل وسعى تشبها بمن يرمل ويسعى "ويرمل الحامل" محموله ندبا "ويحرك المحمول دابته" ذلك لما قلنا.
"السابعة: الاضطباع" من الضبع بإسكان الموحدة، وهو العضد "وهو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويكشفه" كدأب أهل الشطارة "و" يجعل "طرفيه على عاتقه الأيسر وهو للذكر" لا للأنثى والخنثى "سنة في طواف فيه
стр. 1453
رمل وفي السعي" بين الصفا والمروة "أيضا"; لأنه ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى (١) رواه أبو داود بإسناد صحيح وقيس بالطواف السعي بجامع قطع مسافة مأمور بتكرارها سبعا ويكره تركه كما نقل عن النص وخرج بما قاله الطواف الذي لا رمل فيه وركعتا الطواف المصرح بهما في قوله "لا" في "ركعتي الطواف"; لأن ذلك لم يرد فيه اضطباع، ولا هو في معنى ما ورد فيه ولكراهة الاضطباع في الصلاة فيزيله عند إرادتهما ويعيده عند إرادة السعي.
"الثامنة: ركعتان عقب الطواف" يقرأ فيهما سورتي الكافرون والإخلاص للاتباع رواه في غير القراءة الشيخان وفيها مسلم ولما في قراءة السورتين من الإخلاص المناسب لما هنا; لأن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ثم "ولا تجبان" لخبر هل علي غيرها قال "لا إلا أن تطوع" (٢) "فتجزئ عنهما الفريضة" والراتبة (٣) كما في التحية "وفعلهما خلف المقام أفضل (٤)، ثم في الحجر" قال في المجموع تحت الميزاب "ثم في المسجد الحرام، ثم حيث شاء" من الأمكنة "متى شاء" من الأزمنة، ولا تفوتان إلا بموته واعترض الإسنوي ذلك بأن
стр. 1454
الصلاة في الحرم أفضل منها في غيره فالصواب أن يقال كما في تحرير الجرجاني، ثم في المسجد الحرام فيما شاء من غيره. انتهى. وعبارة المجموع توافقه قال أعني الإسنوي، ثم إن الصلاة إلى وجه البيت أفضل من سائر الجهات كما قاله ابن عبد السلام فينبغي مراعاة ذلك أيضا والترتيب المذكور سنة لا واجب فلو صلاهما في أي موضع شاء أجزأه ويندب أن يدعو عقب صلاته هذه هذه خلف المقام بما أحب من أمر الآخرة والدنيا قال الماوردي وأن يدعو بما دعا به النبي ﷺ هناك من قوله "اللهم هذا بلدك والمسجد الحرام وبيتك الحرام وأنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك أتيتك بذنوب كثيرة وخطايا جمة وأعمال سيئة، وهذا مقام العائذ بك من النار فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم اللهم إنك دعوت عبادك إلى بيتك الحرام، وقد جئت طالبا رحمتك مبتغيا رضوانك وأنت مننت علي بذلك فاغفر لي وارحمني إنك على كل شيء قدير" (١).
قال في المجموع ويكره له في طوافه الأكل والشراب وكراهة الشرب أخف ووضع اليد بفيه بلا حاجة وأن يشبك أصابعه أو يفرقعها وأن يطوف بما يشغله كالحقن وشدة توق الأكل كما في الصلاة ومقتضى مذهبنا أن المرأة لو طافت منتقبة، وهي غير محرمة كره، ولا يكره الكلام فيه وتركه أولى إلا بخير كتعليم وليكن بحضور قلب ولزوم أدب قال الزركشي، ولو قرأ فيه آية سجدة سجد كما في الصلاة، ولو قرأ آية سجدة "ص" فهل يسن له أن يقطع الطواف ويسجد أو لا فيه نظر الظاهر لا كصلاة الجنازة بل أولى.
"ويستحب لمن صلاهما في غير الحرم إراقة دم" لتأخيرهما إليه عن الحرم لم يقيد الأصل بصلاتها، ولا بغير الحرم بل قال إذا أخر يستحب له إراقة دم "ويجهر" ندبا بالقراءة "بهما" أي فيهما "ليلا (٢) لا نهارا" كالكسوف وغيره ولما فيه من إظهار شعائر النسك، ولا يشكل هذا بما ذكروه في صفة الصلاة من أن الأفضل في النافلة المفعولة ليلا أن يتوسط فيها بين الجهر والإسرار; لأن ذاك محله في النافلة المطلقة كما مر ثم واعلم أن ما بين طلوع الفجر والشمس كالليل وإن كان من النهار فيجهر فيه كما مر ذلك في صفة الصلاة "ويصليهما" الأجير "عن
стр. 1455
المستأجر" والولي عن غير المميز كما سيأتي قال الإسنوي وسيأتي أن المميز يصليهما وإن أحرم عنه وليه على الصحيح فما أطلقوه هنا محله إذا لم يكن المستأجر مغصوبا، وإلا فيصليهما المستأجر في بلده ويجاب بأن المحرم ثم في الحقيقة الصبي لا الولي كما سيأتي وهنا الأجير لا المستأجر "ولو والى بين أسابيع" طوافين أو أكثر "ثم" والى "بين ركعاتها" لكل طواف ركعتيه "جاز" بلا كراهة كما في المجموع عن الأصحاب قال ورووه عن عائشة والمسور بن مخرمة "والأفضل خلافه" بأن يصلي عقب كل طواف ركعتيه.
"فرع من عليه طواف إفاضة أو نذر، ولو لم يتعين" زمنه ودخل وقت ما عليه "فنوى غيره عن غيره أو عن نفسه" تطوعا أو قدوما أو وداعا "وقع عن" طواف "الإفاضة أو النذر" (١) كما في واجب الحج والعمرة.
"فصل، ثم يعود" ندبا "بعد" فراغ "ركعتي الطواف فيستلم الحجر" الأسود للاتباع رواه مسلم وليكون آخر عهده ما ابتدأ به ومنه يؤخذ أنه لا يسن حينئذ تقبيل الحجر، ولا السجود عليه الإسنوي فإن كان كذلك فلعل سببه المبادرة للسعي. انتهى.
والظاهر سن ذلك (٢) قال الزركشي وعبارة الشافعي تشير إليه ورواه الحاكم في صحيحه من فعله ﷺ وصرح به القاضي أبو الطيب في التقبيل (٣) قال في المجموع وما قاله الماوردي من أنه يأتي الملتزم والميزاب بعد استلامه ويدعو شاذ، "ثم يخرج للسعي من باب الصفا" ندبا للاتباع (٤) رواه مسلم - "فيرقى قدر قامة" لإنسان "على الصفا ويشاهد البيت" لخبر مسلم عن جابر ﵁ أنه ﷺ بدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت وأنه فعل على المروة كما فعل على
стр. 1456
الصفا (١) والرقي هنا وفي المروة محله في الذكر بخلاف الأنثى والخنثى قال في المهمات فصل فيهما بين أن يكونا بخلوة أو بحضرة محارم وأن لا يكونا كما قيل به في جهر الصلاة لم يبعد "ويكرر" بعد استقباله البيت "الذكر المأثور ثلاثا"، وهو الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون "ويدعو" بما أحب "بعد كل من" المرتين "الأولتين، وكذا بعد الثالثة" للاتباع رواه مسلم وكان عمر ﵁ يطيل الدعاء هناك واستحبوا من دعائه أن يقول اللهم إنك قلت ادعوني استجب لكم وأنت لا تخلف الميعاد وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم وليكن منه ما رواه البيهقي عن ابن عمر اللهم اعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك وجنبنا حدودك اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين.
"ثم ينزل من الصفا ويمشي" على هينته "حتى يدنو من الميل الأخضر المعلق بالمسجد" أي بجداره "قدر ستة أذرع فيسعى الذكر" لا الأنثى والخنثى ولو بخلوة وليل "جهده" بأن يسرع فوق الرمل "فإن عجز تشبه" بالمسرع، وهذا قدمه عند تعذر الرمل ويستمر كذلك "حتى يحاذي" أي يقابل "الميلين" الأخضرين اللذين أحدهما بجدار المسجد والآخر مقابله بدار العباس ﵁ وإلى هذا أشار بقوله "بين المسجد ودار العباس" أي حالة كونه بينهما لما في خبر جابر من قوله، ثم نزل يعني النبي ﷺ عن الصفا إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى إلى المروة (٢) "قائلا" في سعيه "الذكر" المناسب للأصل وغيره الدعاء "المأثور"، وهو رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة والآخرة حسنة وقنا
стр. 1457
عذاب النار والمناسب أيضا تأخير قائلا إلى آخره عما يأتي عقبه لئلا يوهم تقييده بالإسراع "ثم يمشي" على هينته "حتى يصعد قامة في المروة ويعيد الذكر والدعاء" مستقبلا البيت كما مر في الصفا "هذه" الفعلة وهي المرور من الصفا إلى المروة على الوجه المذكور "مرة" قال ابن عبد السلام والمروة أفضل من الصفا; لأنها مرور الحاج أربع مرات والصفا مروره ثلاثا، والبداءة بالصفا وسيلة إلى استقبالها قال والطواف أفضل أركان الحج (١) حتى الوقوف قال الزركشي وفيه نظر (٢) بل أفضلها الوقوف لخبر "الحج عرفة" (٣) ولهذا لا يفوت الحج إلا بفواته، ولم يرد غفران الذنوب في شيء ما ورد في الوقوف فالصواب القطع بأنه أفضل الأركان والأوجه ما قاله ابن عبد السلام لتصريح الأصحاب بأن الطواف قربة في نفسه بخلاف الوقوف.
"والرقي" على الصفا والمروة "والذكر" فيهما الدعاء "والإسراع" فيما مر "وعدمه" في غيره "سنة" فلا يضر تركها "وكذا الموالاة فيه" أي في السعي "وبينه وبين الطواف فيجوز بعد طواف القدوم" وإن تخلل بينهما فصل طويل "ما لم يقف" بعرفة فإن وقف بها لم يجز السعي إلا بعد طواف الإفاضة لدخول وقت طواف الفرض فلم يحز أن يسعى بعد طواف نفل مع إمكانه بعد طواف فرض قال في المجموع ويكره للساعي أن يقف في سعيه لحديث أو غيره.
"فرع يشترط أن يكون السعي بعد طواف القدوم" بشرطه السابق "أو" طواف "الإفاضة و" (٤) إذا سعى، ولو بعد طواف القدوم "تكره إعادته" (٥)
стр. 1458
ولو بعد طواف الإفاضة; لأنها بدعة نعم يجب على الصبي إذا بلغ (١) بعرفة إعادته كما سيأتي "فإن أخره إلى ما بعد" طواف "الوداع (٢) لم يعتد بوداعه"; لأنه إنما يؤتى به بعد الفراغ واذا بقي السعي لم يكن المأتي به طواف وداع نعم إن بلغ قبل سعيه مسافة القصر فقال من المتأخرين قائل اعتد به ندبا وقائل وجوبا بناء على أنه يؤمر به من يريد الخروج من مكة وإن كان محرما والأوجه الموافق للمنقول خلاف ذلك وأنه لا يعتد به المحرم لما ستعلمه عند أمر المتمتعين به.
"ويشترط أن يبدأ بالصفا" (٣) للاتباع رواه مسلم مع خبر "خذوا عني مناسككم" (٤) وخبر "ابدءوا بما بدأ الله به" (٥) "فإن عكس" بأن بدأ بالمروة "لم يحسب" مروره منها إلى الصفا "مرة وأن يبدأ في الثانية من المروة" فلو وصلها
стр. 1459
وترك العود في طريقه وعدل إلى المسجد وابتدأ المرة الثانية من الصفا أيضا لم يصح "ويستحب العود" منها إلى الصفا مرة "أخرى، وهو" أي السعي "سبع مرات يلصق" بضم الياء "عقبه بما يذهب عنه وأصابع قدميه بما يذهب إليه" من الصفا والمروة وإن كان راكبا سير دابته حتى تلصق حافرها بذلك "وليست الطهارة والستر شرطا فيه" أي في السعي بل سنة "والسعي راجلا في خلو المسعى" عن الناس "أفضل" منه راكبا وغير خال بلا عذر.
"فرع من شك" في عدد الطواف أو السعي قبل فراغه "أخذ بالأقل"; لأنه المتيقن "ويعمل في ذلك باعتقاده لا بخبر غيره" فلو اعتقد إتمامها فأخبره ثقة فأكثر ببقاء شيء لم يلزمه الإتيان به "و" لكن "الاحتياط أولى" ليخرج عن العهدة بيقين "والسعي ركن لا يتحلل بدونه"، ولا يجبر بدم.
"فصل ويستحب أن يحضر الإمام أو أمير الحجيج" الحج فيستحب له إذا لم يحضر أن ينصب أميرا عليهم يطيعونه فيما ينوبهم فقد أمر النبي ﷺ في السنة الثامنة عتاب بن أسيد وفي التاسعة أبا بكر وفي العاشرة حج رسول الله ﷺ بنفسه حجة الوداع وإذا حضر أحدهما خطب كما قال "فيخطب هو أو منصوبه" (١) بهم "يوم السابع" ويسمى يوم الزينة; لأنهم كانوا يزينون فيه حواملهم وهوادجهم للخروج "بعد صلاة الظهر أو الجمعة" إن كان يوم جمعة "بمكة" قال في المجموع عند الكعبة "خطبة واحدة" وأفردت عن خطبة الجمعة; لأن السنة فيها التأخير عن الصلاة; ولأن القصد بها التعليم لا الوعظ والتخويف فلم تشارك خطبة الجمعة بخلاف خطبة الكسوف "يأمرهم فيها بالعدو إلى منى" بالصرف وعدمه والتذكير والتأنيث سميت بذلك لكثرة ما يمنى فيهما من الدماء أي يراق، ويفتح الخطبة بالتلبية إن كان محرما وإلا فبالتكبير نقله في المجموع عن الماوردي وأقره "يعلمهم" فيها "المناسك" قال ابن عمر ﵄ كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم (٢) رواه البيهقي بإسناد جيد كما في المجموع.
стр. 1460
فإن كان فقيها قال هل من سائل وقدمت في صلاة العيدين أن خطب الحج أربع هذه وخطب يوم عرفة ويوم النحر ويوم النفر الأول، وكلها فرادى وبعد صلاة الظهر إلا يوم عرفة فثنتان وقبل صلاة الظهر، وكل ذلك معلوم من كلام المصنف هنا مع ما يأتي، وقضية كلامه أنه يخبرهم في كل خطبة بما بين أيديهم من المناسك، وهو ما اقتضاه الخبر السابق ونص عليه الشافعي في الإملاء لكن ذكر الأصل بعد أنه يخبرهم في كل خطبة بما بين أيديهم من المناسك إلى الخطبة الأخرى قال في المهمات، وهو خلاف مذهب الشافعي وساق نصه في الإملاء، والحق الذي اقتضاه كلام الشافعي (١) أنه لا منافاة إذ الإطلاق بيان للأكمل والتقييد بيان للأقل "ويأمر" فيهما "المتمتعين" قال في المجموع والمكيين "بطواف الوداع" قبل خروجهم وبعد إحرامهم كما اقتضاه نقل المجموع له عن البويطي والأصحاب، وبذلك علم أن المفرد القارن الآفاقيين لا يؤمران بطواف الوداع; لأنهما لم يتحللا من مناسكهما وليست مكة محل إقامتها.
"ثم يبكر بهم يوم التروية" للاتباع رواه مسلم وقدمت أنه يسمى أيضا يوم النقلة فيخرج بهم بعد صلاة الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى "فإن كان يوم جمعة خرج" بهم "قبل الفجر" ندبا; لأن السفر يوم الجمعة بعد الفجر وقبل الزوال إلى حيث لا يصلي الجمعة حرام فيمن تلزمه الجمعة، ولم يمكنه إقامتها بمنى كما يعلم مما يأتي "ويصلي بهم الظهر وسائر الخمس" أي باقيها "بمنى" للاتباع رواه مسلم "إلا إن حدث" ثم "قرية" واستوطنها أربعون كاملون "فيصلون" فيها "الجمعة" لتمكنهم من إقامتها وإن جرم البناء، ثم يجوز خروجهم بعد الفجر (٢)، ولم يصل النبي ﷺ الجمعة بعرفة مع أنه قد ثبت في الصحيحين أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي ﷺ كان يوم جمعة (٣) "ويبيتون" ندبا بمنى ليلة التاسع وقول القاضي أبي الطيب وغيره: المبيت بها ليس بنسك مراده أنه ليس بواجب
стр. 1461
"وحين تطلع الشمس" وتشرق "على ثبير" بفتح المثلثة جبل كبير بمزدلفة على يمين الذاهب من منى إلى عرفة "يسير" بهم متوجها "إلى عرفة" قائلا اللهم إليك توجهت ولوجهك الكريم أردت فاجعل ذنبي مغفورا وحجي مبرورا وارحمني، ولا تخيبني إنك على كل شيء قدير.
ويندب أن يكثر من التلبية وأن يسير بهم على طريق ضب، ويعود على طريق المأزمين اقتداء به ﷺ وأن يعود في طريق غير التي ذهب فيها فإذا وصل نمرة سن أن يضرب بها قبة الإمام، ومن كان له قبة ضربها اقتداء به ﷺ "فيقف" أي فيقيم بهم "بنمرة" بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكانها مع فتح النون وكسرها موضع بين طرفي الحل و عرفة ويستمر إلى أن تزول الشمس ويغتسل للوقوف للاتباع رواه مسلم "ووقت الزوال يسير" بهم "إلى مسجد إبراهيم" (١) ﷺ "وبعضه من عرفة". عبارة الأصل صدره من عرفة وآخره من عرفة ويميز بينهما صخرات كبار فرشت هناك "فيخطب بهم" بعد الزوال "خطبتين خفيفتين يعلمهم" في الأولى "المناسك ويحثهم على" إكثار "الذكر والدعاء" بالوقف ويجلس بعد فراغها بقدر سورة الإخلاص "وحين يقوم إلى" الخطبة "الثانية وهي أخف" من الأولى "يؤذن للظهر ويفرغان" أي الأذان والخطبة "معا" واستشكل هذا بأن الأذان يمنع سماع الخطبة أو أكثرها فيفوت مقصودها، وأجيب بأن المقصود بالخطبة من التعليم إنما هو في الأولى وأما الثانية فهي ذكر ودعاء فشرعت مع الأذان قصدا للمبادرة بالصلاة "ويجمع بهم" بعد فراغ الخطبتين "الظهر والعصر" تقديما للاتباع في ذلك رواه مسلم "ويقصرون"، والجمع والقصر هنا وفيما يأتي بالمزدلفة للسفر لا للنسك فيختصان بسفر القصر كما مر في باب الجمع بين الصلاتين وإليه أشار هنا بقوله "لا" وفي نسخة إلا "المكيون
стр. 1462
ونحوهم" ممن لم يبلغ سفره مسافة القصر "فيأمرهم بالإتمام" بأن يقول لهم بعد السلام يا أهل مكة - ومن سفره قصير -: أتموا فإنا قوم سفر، وكان الأولى أن يقول فيأمرهم بالإتمام وعدم الجمع.
"فرع" قال في المجموع قال الشافعي والأصحاب: وإذا دخل الحجاج مكة ونووا أن يقيموا بهما أربعا لزمهم الإتمام فإذا أخرجوا يوم التروية إلى منى ونووا الذهاب إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين خرجوا; لأنهم أنشئوا سفرا تقصر فيه الصلاة.
"فرع: ثم" بعد جمعهم الظهر والعصر "يذهبون إلى الموقف" ويجعلون السير إليه "وأفضله" للذكر موقفه ﷺ ، وهو "عند الصخرات" الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفة ويقال له الإلال بكسر الهمزة بوزن هلال وذكر الجوهري أنه بفتح الهمزة والمشهور الأول قاله في المجموع وقال نقلا عن الأصحاب فإن تعذر عليه الوصول إليها للزحمة قرب منها بحسب الإمكان وبين موقف النبي ﷺ ومسجد إبراهيم نحو ميل أما الأنثى فيندب لها الجلوس في حاشية الموقف كما تقف في آخر المسجد نقله في المجموع وغيره عن الماوردي وأقره، قال في المهمات: وقياسه ندب ذلك للخنثى (١) ويكون على ترتيب الصلاة قال: ثم يتعدى النظر (٢) إلى الصبيان عند اجتماعهم مع البالغين "و" أن يكون الوقف "بوضوء"; لأنه أكمل وعبر في الروضة بالتطهر، وهو أعم، ولا يشترط فيه ستر العورة "ويستقبلون" في وقوفهم القبلة للاتباع رواه مسلم ولأنها أشرف الجهات "والركوب" فيه "أفضل" من المشي اقتداء به
стр. 1463
ﷺ ولأنه أعون على الدعاء، وهو المهم في هذا الموضع.
"ويكثرون الذكر والتهليل والدعاء" والتلبية وقراءة القرآن "إلى الغروب" للاتباع رواه مسلم وروي "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة (١) وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري اللهم لك الحمد" كالذي نقول وخيرا مما نقول "اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي ولك تراثي اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة واكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك ونور قلبي وقبري وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" ويكون كل دعاء ثلاثا ويفتتحه بالتحميد والتمجيد والتسبيح ﵊ على النبي ﷺ ويختمه بمثل ذلك مع التأمين ويكثر البكاء مع ذلك فهناك تسكب العبرات وتقال العثرات.
وقال في البحر قال أصحابنا يستحب أن يكثر من قراءة سورة الحشر في عرفة فقد روي عن علي بن أبي طالب ذلك "يرفع اليد" أي يديه لخبر "ترفع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا والمروة
стр. 1464
والموقفين والجمرتين رواه البيهقي وقال إنه معلول "ولا يجاوزونها" أي اليد وفي نسخة، ولا يجاوز بها "الرأس، ولا يفرط في الجهر" بالدعاء أو غيره; لأنه مكروه لخبر الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال كنا مع النبي ﷺ فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبا إنه معكم إنه سميع بصير قريب" (١) والأفضل للواقف أن لا يستظل بل يبرز للشمس إلا لعذر بأن يتضرر أو ينقص دعاؤه واجتهاده في الأذكار، ولم ينقل أنه ﷺ استظل بعرفات مع أنه ثبت في مسلم وغيره أنه ظلل عليه بثوب، وهو يرمي الجمرة (٢) "وحيث تغرب" الشمس "يستحب له تأخير الصلاة" أي صلاة المغرب إن أراد المصير إلى مزدلفة ليجمعها فيها مع العشاء كما سيأتي.
"ويدفعون" من عرفة مكثرين لذكر الله والتلبية "طريق" أي في طريق "المأزمين" بهمزة بعد الميم وبتركها مع كسر الزاي فيهما وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة فالمراد في الطريق الذي بينهما "بسكينة" تحرزا من الإيذاء وللأمر به في خبر مسلم راكبا كان أو ماشيا "ومن وجد فرجة أسرع" فيها ندبا للاتباع رواه الشيخان "إلى المزدلفة" متعلق بيدفعون "فيجمع بهم" فيها "المغرب العشاء" تأخيرا للاتباع كما مر في باب الجمع بين الصلاتين وأطلق كأصله استحباب تأخير الصلاة إلى مزدلفة وقيده الدارمي والبندنيجي (٣) وغيرهما بما إذا لم يخش فوت وقت الاختيار للعشاء فإن خشيه صلى بهم في الطريق ونقله القاضي أبو الطيب وغيره عن النص قال في المجموع ولعل إطلاق الأكثرين محمول على هذا وفيه
стр. 1465
قال الشافعي والأصحاب والسنة أن يصلوا قبل حط رحالهم، ثم ينيخ كل إنسان جمله ويعقله، ثم يصلون لخبر الصحيحين أنه ﷺ لما جاء مزدلفة توضأ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئا "ويصلي" كل أحد "الرواتب" التي للصلوات المذكورة كما مر في باب الجمع "ولا يتنفلون" أي لا يسن لهم النفل المطلق لا بين الصلاتين، ولا على إثرهما لئلا ينقطعوا عن المناسك، اعلم إن المسافة من مكة إلى منى ومن مزدلفة إلى كل من عرفة ومنى فرسخ ذكره في الروضة.
"فرع من حصل في عرفة بنية الوقوف أو" نية "غيره من طلب غريم أو ضائع أو" صل فيها "مارا أو جاهلا" ها، ولو ظنها غيرها "أجزأه" خبر مسلم وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف (١) "ويجزئ النائم" حصوله فيهما ولو استغرق الوقت بالنوم كما في الصوم "لا المغمى عليه والسكران والمجنون" كما في الصوم; لأنهم ليسوا أهلا للعبادة "فيقع" حج المجنون "نفلا" (٢) كحج الصبي غير المميز واستشكل بقول الشافعي في المغمى عليه فاته الحج وأجيب بأن الجنون لا ينافي الوقوع نفلا فإنه إذا جاز للولي أن يحرم عن المجنون (٣) ابتداء ففي الدوام أولى أن يتم حجه فيقع نفلا بخلاف المغمى عليه إذا ليس للولي أن يحرم عنه ابتداء فليس له أن يتم حجه، وقد يجاب بأن المراد بقول الشافعي فاته الحج حجه الواجب فيكون كالمجنون ومثلها السكران وكلام المصنف شامل للثلاثة والتصريح بعدم صحة وقوف السكران من زيادته وبه صرح النووي في مجموعه ومناسكه وحد عرفة ما جاوز وادي عرفة إلى الجبال المقابلة مما يلي بساتين ابن عامر وليس منها وادي عرفة، ولا نمرة كما علم مما مر.
"فرع وقته" أي الوقوف "من زوال" شمس "يوم عرفة إلى" طلوع
стр. 1466
"فجر يوم النحر"; لأنه ﷺ وقف بعد الزوال رواه مسلم وروى أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة خبر "الحج عرفة ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر" (١) وفي رواية "من جاء عرفة ليلة جمع أي ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج" (٢) ورووا أيضا بأسانيد صحيحة عن عروة بن مضرس قال أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة أي صلاة الصبح فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال ﷺ "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا (٣) فقد تم حجه وقضى تفثه" (٤) والتفث ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة شعث ووسخ وحلق شعر وقلم ظفر.
"ولا دم على من دفع " من عرفة "قبل الغروب" وإن لم يعد إليها لقوله في خبر عروة "فقد تم حجه" (٥) فلو وجب الدم لكان حجه ناقصا محتاجا إلى الجبر ولأنه أدرك من الوقوف ما أجزأه فلم يجب الدم كما لو وقف ليلا "بل يستحب إن لم يعد" إليها "بعده" (٦) أي بعد الغروب خروجا من خلاف من أوجبه لتركه ما فعله النبي ﷺ من الجمع بين الليل والنهار فإن عاد فلا استحباب "ويجزئه الوقوف ليلا" لخبر عروة، وهذا يغني عنه ما مر.
стр. 1467
"فرع وإن غلط الجم الغفير" ضم الغفير إلى الجم سهوا، وإنما يضم إلى الجماء بالمد ففي الصحاح في باب الميم: الجم الكثير وفي باب الراء يقول جاءوا جماء غفيرا والجماء الغفير أي جاءوا بجماعتهم الشريف والوضيع، ولم يتخلف أحد وكانت فيهم كثرة الجماء الغفير ينصب كما تنصب المصادر التي في معناه كجاءوني جميعا وقاطبة وكافة وطرا وأدخلوا فيه أل كما أدخلوها في قولهم أوردها العراك أي عراكا فكان الوجه أن يقول: وإن غلط الجم أو جم أي كثيرون "لا قليلون" على خلاف العادة في الحجيج "فوقفوا يوم العاشر" (١) بأن ظنوه التاسع كأن غم عليهم هلال ذي الحجة فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين، ثم تبين أن الهلال أهل ليلة الثلاثين "ولو" كان وقوفهم "بعد التبين" أي تبين أنه العاشر "كما إذا ثبت" أنه العاشر "ليلا، ولم يتمكنوا" من الوقوف "صح" الوقوف للإجماع ولخبر أبي داود مرسلا "يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه" (٢) ولأنهم لو كلفوا بالقضاء لم يأمنوا وقوع مثله فيه ولأن فيه مشقة عامة بخلاف ما إذا قلوا وليس من الغلط المراد لهم ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب كما ذكره الرافعي قال الدارمي وإذا وقفوا العاشر (٣) غلطا (٤) حسبت أيام التشريق على الحقيقة لا على حساب وقوفهم وعليه فلا يقيمون بمنى إلا ثلاثة أيام خاصة "لا" إن وقفوا اليوم "الثامن" فلا يصح وفارق الغلط بالعاشرة بأن تأخير العبارة عن وقتها أقرب إلى الاحتساب
стр. 1468
من تقديمها عليه وبأن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه; لأنه إنما يقع لغلط في الحساب أو لخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال، والغلط بالتأخير قد يكون بالغيم المانع من رؤية الهلال، وهو لا يمكن الاحتراز عنه، ثم إن علموا قبل فوت الوقت وجب الوقوف فيه لتمكنهم منه أو بعده وجب القضاء كما يعلم مما يأتي "ولا" إن وقفوا "الحادي عشر، ولا إن غلطوا في المكان" (١) فوقفوا بغير عرفة فلا يصح لندرة ذلك "فيقضون للفوات" أي لأجله "ومن رأى الهلال وحده" أو مع غيره وردت شهادته "ووقف قبلهم لا معهم أجزأه" إذ العبرة في دخول وقت عرفة وخروجه باعتقاده، وهذا كمن شهد برؤية هلال رمضان فردت شهادته يلزمه الصوم.
"فصل المبيت بمزدلفة" وهي ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر مشتقة من الازدلاف وهو التقرب; لأن الحجاج يقربون منها "نسك" للاتباع المعلوم من الأخبار الصحيحة، وهو مندوب على ما صححه الرافعي وواجب على ما صححه النووي ومحله في غير المعذور كما سيأتي (٢) "ويكفي" في المبيت بها الحصول بها "ساعة" أي لحظة - كالوقوف بعرفة "ووقته بعد نصف الليل" كما نص عليه في الأم وبعد قطع جمهور العراقيين وأكثر الخراسانيين فالمعتبر الحصول فيها لحظة من النصف الثاني لا لكونه يسمى مبيتا إذ الأمر بالمبيت لم يرد هنا بل لما سيأتي في إشكال الرافعي بخلاف المبيت بمنى لا بد فيه من المعظم كذا قرره الإسنوي وقيل يشترط فيه معظم الليل كما لو حلف لا يبيت بمكان لا يحنث إلا بمعظم الليل، وهذا صححه الرافعي، ثم استشكله من جهة أنهم لا يصلونها حتى يمضي نحو ربع الليل مع جواز الدفع منها بعد النصف "فمتى" وفي نسخة ومتى لم يبت فيها أو بات
стр. 1469
لكن "دفع قبله" أي قبل النصف "ولم يعد إليه" الأولى إليها قبل طلوع الفجر "لزمه دم" لتركه الواجب.
"ويأخذون منها" ندبا "حصى الرمي" لما روى النسائي والبيهقي بإسناد صحيح جيد عن الفضل بن العباس أن رسول الله ﷺ قال له غداة يوم النحر التقط لي حصى قال فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف (١) ولأن بها جبلا في أحجاره رخاوة ولأن السنة أنه إذا أتى منى لا يعرج على غير الرمي فسن له أن يأخذ الحصى من مزدلفة حتى لا يشتغل عنه ويأخذونه "ليلا" لفراغهم فيه قاله الجمهور وقال البغوي نهارا بعد صلاة الصبح قال الإسنوي، وهو الصواب نقلا ودليلا لنص الشافعي عليه في الأم والإملاء ولظاهر الخبر السابق ويأخذون "ليومهم" أي لرمي يومهم، وهو يوم النحر فيأخذ كل واحد سبعا فقط قال في المجموع، والاحتياط أن يزيد فربما سقط منها شيء "ويجوز الأخذ من غيرهم" كوادي محسر أو غيره كما يجوز الأخذ منه لرمي أيام التشريق (٢).
"ويكره" أخذها "من حل" لعدوله عن الحرم المحترم "و" من "مسجد"; لأنها فرشه فمحله إذا لم يكن جزء منه وإلا حرم (٣) "و" من "حش" بفتح المهملة أشهر من ضمها المرحاض لنجاسته وكذا من كل موضع نجس كما نص عليه في الأم قال في المهمات ومقتضى إطلاقهم بقاء الكراهة (٤)، ولو غسل المأخوذ من الموضع النجس ويؤيده استحباب غسل الجمار قبل الرمي بها سواء أخذها من
стр. 1470
موضع نجس أم لا "و" من "مرمي به" لما روي أن المقبول يرفع (١) والمردود يترك ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين فإن رمى بشيء منها جاز قال في المجموع فإن قيل لم جاز الرمي بحجر به دون الوضوء بما توضأ به قلنا فرق القاضي أبو الطيب وغيره بأن الوضوء بالماء إتلاف له كالعتق فلا يتوضأ به مرتين كما لا يعتق العبد عن الكفارة مرتين والحجر كالثوب في ستر العورة فإنه يجوز أن يصلي فيه صلوات وذكر الحل من زيادة المصنف ونص عليه الشافعي وصرح به في المجموع. ويسن أن لا يكسر الحصى بل يلتقطه; لأنه ﷺ أمر بالتقاطه له ونهى عن كسره ولأنه قد يفضي إلى التأذي.
"والأولى تقديم النساء (٢) والضعفاء بعد النصف" من الليل إلى منى ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس ولما في الصحيحين عن عائشة أن سودة أفاضت في النصف الأخير من مزدلفة بإذن النبي ﷺ ولم يأمرهم بالدم، ولا النفر الذين كانوا معها (٣) وفيهما عن ابن عباس قال أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله (٤) "ويقف غيرهم" ندبا أي يمكثون بمزدلفة "فيصلون الصبح بغلس، ثم يركبون" أي يدفعون إلى منى للاتباع رواه الشيخان ويتأكد التغليس هنا على باقي الأيام للاتباع رواه الشيخان وليتسع الوقت لما بين أيديهم من أعمال يوم النحر "ويقفون" بمزدلفة في أي جزء شاءوا لخبر مسلم "وجمع كلها موقف" (٥) "مستقبلين القبلة" للاتباع ولأنها أشرف الجهات "والأفضل" وقوفهم "عند قزح" بضم القاف وبالزاي المعجمة، وهو المسمى، وهو بالمشعر الحرام قال ابن
стр. 1471
الصلاح والنووي، وهو جبل صغير بآخر المزدلفة، وهو منها قالا، وقد استبدل الناس الوقوف به على بناء محدث هناك يظنونه المشعر الحرام وليس كما يظنونه لكن يحصل بالوقوف عنده أصل السنة وقال المحب الطبري هو بأوسط المزدلفة، وقد بني عليه بناء، ثم حكى كلام ابن الصلاح.
ثم قال والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل والمشاهدة تشهد له قال، ولم أر ما ذكره لغيره ويحصل أصل السنة بالمرور وإن لم يقف في عرفة نقله في الكفاية عن القاضي وأقره وإذا وقفوا "فيذكرون" لله تعالى "ويدعون" ي وقوفهم "إلى الإسفار" لاتباع رواه مسلم ويقولون اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] ويكثرون من قولهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ويدعون بما أحبوا ويصعدون الجبل إن أمكن، وإلا فيقفون تحته ولو فاتت هذه السنة لم تجبر بدم كسائر الهيئات.
"فصل ثم" بعد الإسفار "يدفعون إلى منى بسكينة" وشعارهم التلبية والذكر ويكره تأخير الدفع حتى تطلع الشمس كما قاله في المجموع "ومن وجد فرجة بادر" أي أسرع كالدفع من عرفة "وببلوغ وادي محسر" بكسر السنين موضع فاصل بين مزدلفة ومنى سمي به; لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا قال في المجموع قال الأزرقي وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا. انتهى، والإضافة فيه للبيان كما في جبل أحد وشجر أراك وببلوغهم محسرا "يسرعون" وإن لم يجدوا فرجة مشاة كانوا أو ركبانا "قدر رمية حجر" حتى يقطعوا عرض الوادي للاتباع في الراكب رواه مسلم وقياسه عليه في الماشي ولنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل; ولأن النصارى كانت تقف فيه فأمرنا بمخالفتهم ويقول المار به ما روي عن عمر ﵁ إليك تعدوا قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها والوضين حبل كالحزام وبعد قطعهم وادي محسر يسيرون بسكينة.
"ويدخلونها" أي منى "بعد طلوع الشمس" وارتفاعها قدر رمح "ويرمي كل منهم" حينئذ "جمرة العقبة" وهي أسفل الجبل مرتفعة عن الجادة على يمين السائر
стр. 1472
إلى مكة "قبل نزول الركب" منهم "بسبع حصيات" "ويكبر "مكان التلبية "مع كل حصاة" للاتباع في ذلك رواه مسلم وحكمة رمي الراكب قبل نزوله أن الرمي تحية منى فلا يبدأ بغيره وكيفية التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد نقله الماوردي عن الشافعي "ثم" بعد الرمي ينصرفون فينزلون موضعا بمنى والأفضل منها منزل النبي ﷺ وما قاربه قال الأزرقي ومنزله ﷺ بمنى عن يسار مصلى الإمام، ثم "يحلقون" أو يقصرون "و" يحلق أو يقصر "المهدي بعد ذبح هديه" بإسكان الدال وتخفيف الياء وبكسرها مع تشديد الياء وذلك للاتباع رواه مسلم.
"ثم" بعد الحلق أو التقصير "يدخلون مكة فيطوفون طواف الإفاضة" للاتباع رواه مسلم "ويسمى الزيارة والركن" أي طواف الزيارة والركن والفرض والصدر بفتح الدال كما قاله في المجموع وذكر الأصل بعد هذا بقليل نحوه، لكنه قال وقد يسمى طواف الصدر والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع وسمي طواف الإفاضة لإتيانهم به عقب الإفاضة من منى والزيارة; لأنهم يأتون من منى زائرين البيت ويعودون في الحال والركن والفرض لتعينه والصدر; لأنهم يصدرون له من منى إلى مكة والأفضل أن يطوفوا يوم النحر وأن يكون ضحوة وإذا فرغ من طوافه استحب أن يشرب من سقاية العباس "ويسعى بعده إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم" بخلاف ما إذا سعى لما مر أنه تكره إعادته "ثم" بعد السعي "يعودون" قبل صلاتهم الظهر "منى للمبيت" بها والرمي أيام التشريق "فيصلون بها الظهر" للاتباع رواه مسلم عن ابن عمر قال في المجموع قال البيهقي: ولا يعارضه ما رواه مسلم أيضا عن جابر أنه ﷺ أفاض يوم النحر إلى البيت فصلى بمكة الظهر (١) ; لأن الظاهر أنه أفاض قبل الزوال فطاف وصلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى إماما لأصحابه كما صلى بهم في بطن نخل مرتين بطائفة، ومرة بأخرى فروى ابن عمر صلاته بمنى وجابر صلاته بمكة والجمع بهذا قد يؤثر في الاستدلال برواية ابن عمر وأما خبر أبي داود وغيره أنه ﷺ أخر طوافه يوم النحر إلى الليل (٢) فجوابه أن روايات غيره
стр. 1473
أصح وأشهر وأكثر رواة وأنه يتأول قوله "أخر طواف يوم النحر إلى الليل بطواف نسائه" فإن قيل هذا التأويل ترده رواية وزار ﷺ مع نسائه ليلا (١) قلنا لعله عاد للزيارة لا للطواف فزار مع نسائه، ثم عاد إلى منى فبات بها.
"فرع: الحلق" أي إزالة الشعر من الرأس "في الحج والعمرة ركن" فهو نسك "لا استباحة محظور" للدعاء لفاعله بالرحمة ولتفصليه على التقصير كما سيأتي، ولا تفصيل في المباحات فيثاب فاعله، وعلى القول بأنه استباحة محظور - لا يثاب، ذكره الشيخان "ولا تحلل" من الحج والعمرة "دونه" كسائر أركانهما "إلا لمن لا شعر برأسه" فيتحلل منهما بدونه فلا يؤمر به بعد نبات شعره كما سيأتي "ولا يفدي عاجز عن أخذه لجراحة" أو نحوها "بل يصبر إلى قدرته"، ولا يسقط عنه.
"ويستحب لمن لا شعر برأسه أن يمر الموسى عليه" (٢) تشبيها بالحالقين قال النووي وغيره والموسى يذكر ويؤنث قال الإسنوي وقضية كلامهم أنه لو كان ببعض رأسه شعر لا يستحب إمرار الموسى على الباقي وفيه نظر فإن كما يستحب الحلق في الجميع يستحب إمرار الموسى عليه (٣) للمعنى الذي قالوه. انتهى وإنما لم يجب الإمرار; لأن ذلك فرض تعلق بجزء آدمي فسقط بفواته كغسل اليد في الوضوء وأما خبر "المحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يمر الموسى على رأسه" (٤) فموقوف ضعيف، ولو صح حمل على الندب فإن قلت: قياس وجوب مسح الرأس في الوضوء عند فقد شعره الوجوب هنا قلنا: ممنوع; لأن الفرض تعلق ثم
стр. 1474
بالرأس وهنا بشعره; ولأن من مسح بشرة الرأس يسمى ماسحا ومن مر بالموسى عليه لا يسمى حالقا "وأن يأخذ" من لا شعر برأسه "من لحيته وشاربه" لئلا يخلو من أخذ الشعر قال في المجموع وألحق به المتولي سائر ما يزال للفطرة كالعانة لما ذكر والوجه أنه لا يقيد بما يزال للفطرة (١)، الواو في وشاربه بمعنى أو، ولو عبر بها كأصله كان أولى "ولا أثر لما نبت بعد "أي بعد دخول وقت الحلق فلا يؤمر بحلقه لعدم اشتمال الإحرام عليه (٢).
"ويجزئ التقصير" عن الحلق "وإن لبد رأسه" ولا عبرة بكون التلبيد لا يفعله إلا العازم على الحلق غالبا بخلاف نذره كما سيأتي الواجب الحلق والتقصير لقوله تعالى ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولأنه ﷺ حلق هو وبعض أصحابه وقصر بعضهم (٣) رواه الشيخان "وهو" أي التقصير "للمرأة أفضل" من الحلق (٤) روي عن أبو داود بإسناد حسن خبر "ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير" (٥) يكره لها الحلق لنهيها عن التشبه بالرجال ولخبر
стр. 1475
مسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) والخنثى كالمرأة ذكر ذلك في المجموع "كالحلق للرجل" فإنه أفضل من التقصير لظاهر الآية السابقة إذ العرب تبدأ بالأهم والأفضل وللاتباع رواه الشيخان، ورويا أنه ﷺ قال "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: يا رسول الله المقصرين فقال "اللهم ارحم المحلقين" قال في الرابعة "والمقصرين" (٢) نعم إن اعتمر قبل الحج في وقت لو حلق فيه جاء يوم النحر، ولم يسود رأسه من الشعر فالتقصير أفضل (٣) نقله الإسنوي عن نص الشافعي في الإملاء قال في، وقد تعرض النووي في شرح مسلم للمسألة لكنه أطلق أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج ليقع الحلق في أكمل العبادتين. قال الزركشي ويؤخذ مما قاله الشافعي أن مثله يأتي فيما لو قدم الحج على العمرة قال وإنما لم يؤمر في ذلك بحلق بعض رأسه في الحج وبحلق بعضه في العمرة; لأنه يكره القزع نعم لو خلق له رأسان فحلق أحدهما في العمرة والآخر في الحج لم يكره لانتفاء القزع ويكون ذلك مستثنى من كلام الشافعي (٤) وما مر من تخيير الرجل بين الحلق والتقصير محله إذا لم ينذر الحلق "فإن نذره وجب"; لأنه في حقه قربة بخلاف المرأة والخنثى "ولم يجزه" عنه "القص" ونحوه مما لا يسمى حلقا كنتف وإحراق كما صرح بهما الأصل إذ الحلق استئصال الشعر - بالموسى، وإذا استأصله بما لا يسمى حلقا هل يبقى الحلق في ذمته حتى يتعلق بالشعر المتخلف تداركا لما التزمه أولا; لأن النسك إنما هو إزالة شعر اشتمل عليه الإحرام المتجه الثاني (٥) لكن يلزمه لفوات الوصف دم كما لو نذر الحج والعمرة مفردين