← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الصلاح والنووي، وهو جبل صغير بآخر المزدلفة، وهو منها قالا، وقد استبدل الناس الوقوف به على بناء محدث هناك يظنونه المشعر الحرام وليس كما يظنونه لكن يحصل بالوقوف عنده أصل السنة وقال المحب الطبري هو بأوسط المزدلفة، وقد بني عليه بناء، ثم حكى كلام ابن الصلاح. ثم قال والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل والمشاهدة تشهد له قال، ولم أر ما ذكره لغيره ويحصل أصل السنة بالمرور وإن لم يقف في عرفة نقله في الكفاية عن القاضي وأقره وإذا وقفوا "فيذكرون" لله تعالى "ويدعون" ي وقوفهم "إلى الإسفار" لاتباع رواه مسلم ويقولون اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] ويكثرون من قولهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ويدعون بما أحبوا ويصعدون الجبل إن أمكن، وإلا فيقفون تحته ولو فاتت هذه السنة لم تجبر بدم كسائر الهيئات. "فصل ثم" بعد الإسفار "يدفعون إلى منى بسكينة" وشعارهم التلبية والذكر ويكره تأخير الدفع حتى تطلع الشمس كما قاله في المجموع "ومن وجد فرجة بادر" أي أسرع كالدفع من عرفة "وببلوغ وادي محسر" بكسر السنين موضع فاصل بين مزدلفة ومنى سمي به; لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا قال في المجموع قال الأزرقي وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا. انتهى، والإضافة فيه للبيان كما في جبل أحد وشجر أراك وببلوغهم محسرا "يسرعون" وإن لم يجدوا فرجة مشاة كانوا أو ركبانا "قدر رمية حجر" حتى يقطعوا عرض الوادي للاتباع في الراكب رواه مسلم وقياسه عليه في الماشي ولنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل; ولأن النصارى كانت تقف فيه فأمرنا بمخالفتهم ويقول المار به ما روي عن عمر ﵁ إليك تعدوا قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها والوضين حبل كالحزام وبعد قطعهم وادي محسر يسيرون بسكينة. "ويدخلونها" أي منى "بعد طلوع الشمس" وارتفاعها قدر رمح "ويرمي كل منهم" حينئذ "جمرة العقبة" وهي أسفل الجبل مرتفعة عن الجادة على يمين السائر

стр. 1472

إلى مكة "قبل نزول الركب" منهم "بسبع حصيات" "ويكبر "مكان التلبية "مع كل حصاة" للاتباع في ذلك رواه مسلم وحكمة رمي الراكب قبل نزوله أن الرمي تحية منى فلا يبدأ بغيره وكيفية التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد نقله الماوردي عن الشافعي "ثم" بعد الرمي ينصرفون فينزلون موضعا بمنى والأفضل منها منزل النبي ﷺ وما قاربه قال الأزرقي ومنزله ﷺ بمنى عن يسار مصلى الإمام، ثم "يحلقون" أو يقصرون "و" يحلق أو يقصر "المهدي بعد ذبح هديه" بإسكان الدال وتخفيف الياء وبكسرها مع تشديد الياء وذلك للاتباع رواه مسلم. "ثم" بعد الحلق أو التقصير "يدخلون مكة فيطوفون طواف الإفاضة" للاتباع رواه مسلم "ويسمى الزيارة والركن" أي طواف الزيارة والركن والفرض والصدر بفتح الدال كما قاله في المجموع وذكر الأصل بعد هذا بقليل نحوه، لكنه قال وقد يسمى طواف الصدر والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع وسمي طواف الإفاضة لإتيانهم به عقب الإفاضة من منى والزيارة; لأنهم يأتون من منى زائرين البيت ويعودون في الحال والركن والفرض لتعينه والصدر; لأنهم يصدرون له من منى إلى مكة والأفضل أن يطوفوا يوم النحر وأن يكون ضحوة وإذا فرغ من طوافه استحب أن يشرب من سقاية العباس "ويسعى بعده إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم" بخلاف ما إذا سعى لما مر أنه تكره إعادته "ثم" بعد السعي "يعودون" قبل صلاتهم الظهر "منى للمبيت" بها والرمي أيام التشريق "فيصلون بها الظهر" للاتباع رواه مسلم عن ابن عمر قال في المجموع قال البيهقي: ولا يعارضه ما رواه مسلم أيضا عن جابر أنه ﷺ أفاض يوم النحر إلى البيت فصلى بمكة الظهر (١) ; لأن الظاهر أنه أفاض قبل الزوال فطاف وصلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى إماما لأصحابه كما صلى بهم في بطن نخل مرتين بطائفة، ومرة بأخرى فروى ابن عمر صلاته بمنى وجابر صلاته بمكة والجمع بهذا قد يؤثر في الاستدلال برواية ابن عمر وأما خبر أبي داود وغيره أنه ﷺ أخر طوافه يوم النحر إلى الليل (٢) فجوابه أن روايات غيره

стр. 1473

أصح وأشهر وأكثر رواة وأنه يتأول قوله "أخر طواف يوم النحر إلى الليل بطواف نسائه" فإن قيل هذا التأويل ترده رواية وزار ﷺ مع نسائه ليلا (١) قلنا لعله عاد للزيارة لا للطواف فزار مع نسائه، ثم عاد إلى منى فبات بها. "فرع: الحلق" أي إزالة الشعر من الرأس "في الحج والعمرة ركن" فهو نسك "لا استباحة محظور" للدعاء لفاعله بالرحمة ولتفصليه على التقصير كما سيأتي، ولا تفصيل في المباحات فيثاب فاعله، وعلى القول بأنه استباحة محظور - لا يثاب، ذكره الشيخان "ولا تحلل" من الحج والعمرة "دونه" كسائر أركانهما "إلا لمن لا شعر برأسه" فيتحلل منهما بدونه فلا يؤمر به بعد نبات شعره كما سيأتي "ولا يفدي عاجز عن أخذه لجراحة" أو نحوها "بل يصبر إلى قدرته"، ولا يسقط عنه. "ويستحب لمن لا شعر برأسه أن يمر الموسى عليه" (٢) تشبيها بالحالقين قال النووي وغيره والموسى يذكر ويؤنث قال الإسنوي وقضية كلامهم أنه لو كان ببعض رأسه شعر لا يستحب إمرار الموسى على الباقي وفيه نظر فإن كما يستحب الحلق في الجميع يستحب إمرار الموسى عليه (٣) للمعنى الذي قالوه. انتهى وإنما لم يجب الإمرار; لأن ذلك فرض تعلق بجزء آدمي فسقط بفواته كغسل اليد في الوضوء وأما خبر "المحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يمر الموسى على رأسه" (٤) فموقوف ضعيف، ولو صح حمل على الندب فإن قلت: قياس وجوب مسح الرأس في الوضوء عند فقد شعره الوجوب هنا قلنا: ممنوع; لأن الفرض تعلق ثم

стр. 1474

بالرأس وهنا بشعره; ولأن من مسح بشرة الرأس يسمى ماسحا ومن مر بالموسى عليه لا يسمى حالقا "وأن يأخذ" من لا شعر برأسه "من لحيته وشاربه" لئلا يخلو من أخذ الشعر قال في المجموع وألحق به المتولي سائر ما يزال للفطرة كالعانة لما ذكر والوجه أنه لا يقيد بما يزال للفطرة (١)، الواو في وشاربه بمعنى أو، ولو عبر بها كأصله كان أولى "ولا أثر لما نبت بعد "أي بعد دخول وقت الحلق فلا يؤمر بحلقه لعدم اشتمال الإحرام عليه (٢). "ويجزئ التقصير" عن الحلق "وإن لبد رأسه" ولا عبرة بكون التلبيد لا يفعله إلا العازم على الحلق غالبا بخلاف نذره كما سيأتي الواجب الحلق والتقصير لقوله تعالى ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولأنه ﷺ حلق هو وبعض أصحابه وقصر بعضهم (٣) رواه الشيخان "وهو" أي التقصير "للمرأة أفضل" من الحلق (٤) روي عن أبو داود بإسناد حسن خبر "ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير" (٥) يكره لها الحلق لنهيها عن التشبه بالرجال ولخبر

стр. 1475

مسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) والخنثى كالمرأة ذكر ذلك في المجموع "كالحلق للرجل" فإنه أفضل من التقصير لظاهر الآية السابقة إذ العرب تبدأ بالأهم والأفضل وللاتباع رواه الشيخان، ورويا أنه ﷺ قال "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: يا رسول الله المقصرين فقال "اللهم ارحم المحلقين" قال في الرابعة "والمقصرين" (٢) نعم إن اعتمر قبل الحج في وقت لو حلق فيه جاء يوم النحر، ولم يسود رأسه من الشعر فالتقصير أفضل (٣) نقله الإسنوي عن نص الشافعي في الإملاء قال في، وقد تعرض النووي في شرح مسلم للمسألة لكنه أطلق أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج ليقع الحلق في أكمل العبادتين. قال الزركشي ويؤخذ مما قاله الشافعي أن مثله يأتي فيما لو قدم الحج على العمرة قال وإنما لم يؤمر في ذلك بحلق بعض رأسه في الحج وبحلق بعضه في العمرة; لأنه يكره القزع نعم لو خلق له رأسان فحلق أحدهما في العمرة والآخر في الحج لم يكره لانتفاء القزع ويكون ذلك مستثنى من كلام الشافعي (٤) وما مر من تخيير الرجل بين الحلق والتقصير محله إذا لم ينذر الحلق "فإن نذره وجب"; لأنه في حقه قربة بخلاف المرأة والخنثى "ولم يجزه" عنه "القص" ونحوه مما لا يسمى حلقا كنتف وإحراق كما صرح بهما الأصل إذ الحلق استئصال الشعر - بالموسى، وإذا استأصله بما لا يسمى حلقا هل يبقى الحلق في ذمته حتى يتعلق بالشعر المتخلف تداركا لما التزمه أولا; لأن النسك إنما هو إزالة شعر اشتمل عليه الإحرام المتجه الثاني (٥) لكن يلزمه لفوات الوصف دم كما لو نذر الحج والعمرة مفردين

стр. 1476

فقرن أو تمتع وكما لو نذر الحج ماشيا وقلنا بوجوب المشي فركب، ثم ناذر الحلق (١) قد يطلقه فيكفيه ثلاث شعرات، وقد صرح بالاستيعاب قال الرافعي ففيه تردد للقفال ولها أخوات تأتي في النذر وأشار به إلى ما نذر واستيعاب مسح الرأس في الوضوء ونحوه الأصح فيه اللزوم (٢)، وقد يعبر بالحلق مضافا فيقول: لله علي حلق رأسي. والمتجه أنه كتصريحه بالجميع (٣) للعرف ويحتمل إلحاقه بقوله علي الحلق أو أن أحلق ويدل عليه الآية ذكر ذلك في المهمات، ونذر المرأة والخنثى التقصير كنذر الرجل الحلق فيما ذكر. "ويستحب التيامن" أي الابتداء بالشق الأيمن "والاستقبال" أي استقبال المحلوق القبلة قال الرافعي والتكبير بعد الفراغ "في الحلق" وأن يبلغ بالحلق إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين; لأنهما منتهى نبات شعر الرأس، ولا يختص ما عدا التمييز منها بحلق النسك وفي نسخة في الحلق والتقصير، وتقييد الرافعي كالماوردي التكبير بفراغ الحلق محتمل والذي رأيته في شرح المنهاج للدميري (٤) تقييده بعنده إلى الفراغ فقال وأن يكبر عنده إلى أن يفرغ منه قال وفي مثير العزم الساكن عن بعض الأئمة قال: أخطأت في حلق رأسي في خمسة أحكام علمنيها حجام أتيته بمنى فقلت له بكم تحلق رأسي؟ فقال: أعراقي أنت؟ قلت نعم قال النسك لا يشارط عليه اجلس قال فجلست منحرفا عن القبلة فقال لي: حول وجهك إلى القبلة فحولته، وأردته أن يحلق من الجانب الأيسر فقال أدر الأيمن فأدرته فجعل يحلق وأنا ساكت فقال: كبر كبر فكبرت فلما فرغ قمت لأذهب فقال: صل ركعتين، ثم امض قلت له من أين لك ما أمرتني به قال رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله.

стр. 1477

"و" يستحب "التقصير" لمن يقصر "قدر أنملة من جميع الرأس" وحكم تقصير ما زاد عليها حكم الحلق "ويجزئ" في الحلق والتقصير "ثلاث شعرات دفعة من الرأس" لوجوب الدم بإزالتها المحرمة واكتفاء بمسمى الجمع ولقوله تعالى ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الحج: من الآية ٢٧] (١) أي شعرا من رءوسكم (٢) "لا دفعات" بناء على الأصح من عدم تكميل الدم بإزالتها المحرمة، وهذا وما اقتضاه كلام أصله من البناء المذكور لكن الذي صححه النووي في مجموعه ومناسكه (٣) الاكتفاء بها مع فوات الفضيلة ويجاب عن البناء بأنه لا يلزم منه الاتحاد في التصحيح وما صححه النووي فيما قلناه (٤) لا يأتي في الشعرة الواحدة المأخوذة بدفعات وإن سوى الأصل بينهما في البناء المذكور ويكتفي في أخذ الشعر "بقص أو نتف أو إحراق" أو غيره "من مسترسل وغيره"; لأن المقصود إزالة الشعر، وكل من هذه الأشياء طريق إليها علم مما تقرر أنه لا يكفي ما دون الثلاث، ولا ثلاث من غير الرأس أو منه ومن غيره وإن استويا في الفدية; لأن ما ورد من الحلق والتقصير مختص بالرأس "ويستحب دفن الشعر" احتراما له قال في الإملاء ودفن الشعر الحسن آكد لئلا يؤخذ للوصل قال في المجموع قال ابن المنذر ثبت أن النبي ﷺ لما حلق رأسه قلم أظفاره وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره إذا رمى الجمرة ويستحب أن يقول بعد الحلق اللهم آتي بكل

стр. 1478

شعرة حسنة وامح عني سيئة وارفع لي بها درجة واغفر لي وللمحلقين ولجميع المسلمين وأن يتطيب ويلبس.

стр. 1479

"فصل أعمال يوم النحر" في الحج "أربعة: رمي الجمرة" أي جمرة العقبة "والذبح للهدي والحلق" أو التقصير "والطواف" كما مر "وترتيبها" على ما ذكر "سنة" للاتباع "فلو حلق" أو قصر "أولا" أي قبل الثلاثة الأخر "فلا فدية" عليه وإنما لم يجب ترتيبها لخبر الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت النبي ﷺ يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألونه فقال رجل لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح، ولا حرج" فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال "ارم، ولا حرج" (١) وفي رواية لمسلم عن عمرو أيضا سمعت النبي ﷺ وأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة فقال يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي فقال "ارم، ولا حرج" وأتاه آخر فقال إني ذبحت قبل أن أرمي فقال "ارم، ولا حرج" وأتاه آخر فقال إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال "ارم، ولا حرج" قال فما سئل عن شيء يومئذ قدم ولا أخر إلا قال "افعل، ولا حرج" (٢). "ويدخل وقتها إلا الذبح" للهدي "بانتصاف ليلة النحر" لمن وقف قبله لخبر أبي داود بإسناد صحيح على شرط مسلم عن عائشة أنه ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم أفاضت وقيس بالرمي الآخران (٣) بجامع أن كلا من أسباب التحلل، ووجهت الدلالة من الخبر بأنه ﷺ علق الرمي بما قبل الفجر، وهو صالح لجميع الليل، ولا ضابط له فجعل النصف ضابطا; لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله; ولأنه وقت الدفع من مزدلفة ولأذان الصبح فكان وقتا للرمي كما بعد الفجر أما الذبح للهدي أي المسوق تقربا لله فيدخل وقته بدخول وقت الأضحية. "ويستحب تأخيرها" أي المذكورات غير الذبح "إلى بعد طلوع الشمس" للاتباع "وما بدأ به منها قطع التلبية" بالتكبير "معه" لأخذه في أسباب التحلل فلا معنى للتلبية; لأنها شرعت لإجابة الداعي إلى أداء النسك "ويقطعها" أي

стр. 1480

التلبية "في العمرة بالطواف"; لأنه من أسباب تحللها "ويبقى وقت الرمي إلى مغرب (١) يوم النحر" روى البخاري أن رجلا قال للنبي ﷺ إني رميت بعدما أمسيت قال "لا حرج" (٢) والمساء من بعد الزوال وخرج بالمغرب ما بعده فلا يكفي الرمي بعده لعدم وروده، كذا صرح به الأصل واعترض بأنه سيأتي أنه إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده من أيام الرمي يقع أداء وقضيته أن وقته لا يخرج بالغروب، وأجيب بحمل ما هنا على وقت الاختيار وما هناك على وقت الجواز، وقد صرح الرافعي بأن وقت الفضيلة لرمي يوم النحر ينتهي بالزوال فيكون لرميه ثلاثة أوقات: وقت فضيلة ووقت اختيار ووقت جواز. "و" يبقى وقت "الذبح للهدي (٣) إلى آخر أيام التشريق" كالأضحية "والآخران" أي الحلق أو التقصير والطواف المتبوع بالسعي إن لم يكن سعى "لا يتوقتان"; لأن الأصل عدم التوقيت نعم يكره تأخيرهما عن يوم النحر وتأخيرهما عن أيام التشريق أشد كراهة وعن خروجه من مكة أشد ذكره في المجموع، وهذا صريح في جواز تأخيرهما عن أيام (٤) الحج واستشكل بقولهم:

стр. 1481

ليس لصاحب الفوات أن يصبر على إحرامه للسنة القابلة; لأن استدامة الإحرام كابتدائه، وابتداؤه لا يجوز، وأجيب بأنه في تلك لا يستفيد ببقائه على إحرامه شيئا غير محض تعذيب نفسه لخروج وقت الوقوف فحرم بقاؤه على إحرامه وأمر بالتحلل، وأما هنا فوقت ما أخره باق فلا يحرم بقاؤه على (١) إحرامه، ولا يؤمر بالتحلل وهو بمثابة من أحرم بالصلاة وقتها ثم مدها بالقراءة حتى خرج الوقت "فمن نفر قبل الطواف، ولم يطف لوداع، ولا غيره لم يستبح النساء" وإن طال الزمان لبقائه محرما. "فرع: للحج تحللان" لطول زمنه وكثرة أفعاله كالحيض لما طال زمنه جعل له تحللان: انقطاع الدم، والغسل بخلاف العمرة ليس لها إلا تحلل واحد كما سيأتي لقصر زمنها كالجنابة "فيحصل" التحلل "الأول" من تحللي الحج "باثنين من ثلاثة: الرمي" أي رمي يوم النحر "والحلق"أو التقصير "والطواف" واحتجوا له بخبر "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء" (٢) رواه البيهقي وغيره وضعفوه والذي صح في ذلك ما رواه النسائي بإسناد جيد كما في المجموع أنه ﷺ قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" (٣) وقضية حصول التحلل الأول بالرمي وحده "فإن بقي السعي فهو كالجزء منه" أي من الطواف فيتوقف عليه التحلل "ويحل به" أي بالتحلل الأول "ما سوى الجماع، وكذا مقدماته وعقده" أي يحل به ما سوى هذه الثلاثة من لبس وقلم وصيد وطيب ودهن وستر رأس الرجل ووجه المرأة كما سيأتي بيانها بخلاف الثلاثة غير السابق فيهما ولخبر الصحيحين "لا ينكح المحرم، ولا ينكح" (٤) "ويستحب الطيب" أي استعماله "بينهما" أي بين التحللين

стр. 1482

لخبر الصحيحين عن عائشة قالت كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم وحله قبل أن يطوف بالبيت (١) والدهن ملحق بالطيب "ويحصل" التحلل "الثاني بالثالث" من أسباب التحلل فيحل به باقي المحرمات وهي الجماع ومقدماته وعقده. "ويستحب تأخير الوطء عن رمي باقي الأيام" أي أيام الرمي وهي أيام التشريق ليزول عنه أثر الإحرام كذا جزم به الشيخان ونقله ابن الرفعة عن الجمهور قال المحب الطبري، ولا معنى له ويشكل عليه خبر "أيام منى أيام أكل وشرب وبعال" (٢) وخبر أنه ﷺ بعث أم سلمة لتطوف قبل الفجر وكان يومها فأحب أن توفيه ليواقعها (٣) وعليه بوب سعيد بن منصور في سنة باب الرجل يزور البيت، ثم يواقع أهله قبل أن يرجع إلى منى فذكره "فلو فاته الرمي" أي رمي يوم النحر بأن أخره عن أيام التشريق ولزمه بدله "توقف التحلل على البدل"، ولو صوما لقيامه مقامه قال الإسنوي والمشهور عدم التوقف وهو الذي نص عليه الشافعي ونقل في الكفاية فيه عن بعضهم الإجماع، قال فإن قيل ما الفرق على الأول بين هذا وبين المحصر إذا عدم الهدي فإن الأصح عدم توقف التحلل على بدله، وهو الصوم قلنا: الفرق أن التحلل إنما أبيح للحصر تخفيفا عليه حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام فلو أمرناه بالصبر إلى أن يأتي بالبدل لتضرر، وفرق غيره بأن المحصر ليس له إلا تحلل واحد فلو توقف تحلله على البدل لشق عليه المقام على سائر محرمات الحج إلى الإتيان بالبدل والذي يفوته الرمي يمكنه الشروع في التحلل الأول فإذا أتى به حل له ما عدا النكاح ومقدماته وعقده فلا مشقة عليه في الإقامة على الإحرام حتى يأتي بالبدل. "فرع: يحل من العمرة" المحرم بها "بالطواف والسعي وكذا الحلق" أو التقصير وإنما لم يعدوا السعي في الحج مستقلا كما في العمرة; لأنه لا ضابط له فيه إذ يمكن وقوعه قبل الوقوف بخلافه في العمرة "فيفسدها الجماع قبله" أي قبل الحلق لوقوعه قبل التحلل بناء على أن الحلق نسك "ووقت الحلق" للمعتمر "بعد

стр. 1483

السعي" فلا يجوز تقديمه عليه. "فصل: مبيت ليالي منى" وهي ليالي أيام التشريق "واجب" للاتباع مع خبر "خذوا عني مناسككم" (١) ولأنه ﷺ رخص للعباس في ترك المبيت لأجل السقاية (٢) فدل على أنه لا يجوز لغيره ممن ليس في معناه تركه "معظم الليل" كما لو حلف لا يبيت بمكان لا يحنث بمبيته معظم الليل وإنما اكتفي بساعة في نصف الثاني بمزدلفة كما مر; لأن نص الشافعي وقع فيها بخصوصها إذ بقية المناسك يدخل وقتها بالنصف وهي كثيرة مشقة فسومح في التخفيف لأجلها "فيجب بتركه" أي مبيت ليالي منى "دم" لتركه المبيت الواجب كنظيره ترك مبيت مزدلفة "وفي" ترك مبيت "الليلة" الواحدة من ليالي منى "مد والليلتين مدان" من الطعام وفي ترك الثلاث مع ليلة مزدلفة دمان لاختلاف المبيتين زمانا ومكانا ويفارق ما يأتي في ترك الرميين بأن تركها يستلزم ترك مكانين وزمانين وترك الرميين لا يستلزم إلا ترك زمانين "فلو نفر مع ذلك" أي مع تركه مبيت ليلتين من أيام منى "في" اليوم "الثاني فدم" يلزمه "أو في" اليوم "الأول" وفي نسخة أو في الليل أي ليل الثالث "فدم" أيضا لتركه جنس المبيت بمنى فيهما، ولو قال في الثاني أو في الأول فدم (٣) لكان أوضح وأخصر. "ويسقط المبيت" بمزدلفة ومنى "والدم عن الرعاء" بكسر الراء وبالمد "إن خرجوا" منها "قبل الغروب"; لأنه ﷺ رخص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت بمنى رواه الترمذي وقال حسن صحيح (٤) وقيس بمنى مزدلفة فإن لم يخرجوا قبل الغروب بأن كانوا بهما بعده ولزمهم مبيت تلك الليلة والرمي من الغد، والتقييد بالخروج قبل الغروب في مبيت مزدلفة من زيادته وصورته أن يأتيها قبل الغروب، ثم يخرج منها حينئذ على خلاف العادة "وعن أهل السقاية" بكسر

стр. 1484

السين موضع بالمسجد الحرام يسقى فيه الماء ويجعل في حياض يسبل للشاربين "مطلقا "عن تقييد خروجهم بقبل الغروب "ولو كانت" أي السقاية "محدثة"; لأنه ﷺ رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى (١) لأجل السقاية رواه الشيخان وغير العباس ممن هو من أهل السقاية في معناه وإن لم يكن عباسيا، وإنما لم يقيد ذلك بخروجهم قبل الغروب; لأن عملهم بالليل بخلاف الرعي وما ذكره في السقاية الحادثة، وهو ما صححه النووي - وأما الرافعي فإنما نقله عن البغوي ونقل المنع عن ابن كج وغيره قال في المهمات والصحيح المنع فقد نقله صاحب الحاوي والبحر وغيرهما عن نص الشافعي، وهو المشهور كما أشعر به كلام الرافعي وذكر الأذرعي نحوه وما صححه النووي يؤيده كما قال الزركشي ما نص عليه الشافعي من إلحاق الخائف على نفس أو نحوها مما يأتي قريبا بهؤلاء "ولهؤلاء" أي الرعاء وأهل الساقية "تأخير الرمي يوما فقط ويقضونه" بمعنى يؤدونه في تاليه "أولا" أي قبل رميه لا رمي يومين متواليين كما أفهمه كلامه فلو نفروا بعد الرمي يوم النحر عادوا في ثاني التشريق أو اليوم الأول عادوا في الثالث ولهم أن ينفروا مع الناس، واعلم أن المنع من تأخير رمي يومين متواليين هو بالنسبة لوقت الاختيار وإلا فقد مر أن وقت الجواز يمتد إلى آخر أيام التشريق فقول المجموع قال الروياني وغيره لا يرخص للرعاء في ترك رمي يوم النحر أي في تأخيره محمول على أنه لا يرخص له في الخروج عن وقت الاختيار. "ويعذر في" ترك "المبيت" (٢) وعدم لزوم الدم "خائف على نفس أو مال أو فوت أمر"بطلبه كآبق" أو ضيعة "أو ضياع "مريض" بترك تعهده; لأنه ذو عذر فأشبه الرعاء وأهل السقاية وله أن ينفر بعد الغروب كما صرح به الأصل "و" يعذر فيما ذكر "مشغول بتدارك الحج" بأن انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف بها "عن مبيت مزدلفة" لاشتغاله بالأهم قال الزركشي

стр. 1485

وينبغي حمله (١) على من لم يمكنه الدفع إلى مزدلفة ليلا فإن أمكنه وجب جمعا بين الواجبين" وكذا "يعذر" من أفاض من عرفة "إلى مكة" ليطوف "للإفاضة بعد نصف الليل ففاته المبيت لاشتغاله بالطواف كاشتغاله بالوقوف قال الزركشي وظاهر (٢) أنه لا فرق بين أن يمر في طريقه بمزدلفة أم لا. "فصل ويخطب بهم الإمام" أو نائبه ندبا "بعد" صلاة "ظهر" يوم "النحر بمنى خطبة يعلمهم فيها حكم الطواف والرمي" والنحر "والمبيت ومن يعذر فيه" ليأتوا بما لم يفعلوا منهما على وجهه، ويتداركوا ما أخلوا به منها مما فعلوه وما ذكر من كون الخطبة بعد صلاة الظهر قال في المجموع كذا قاله الشافعي والأصحاب واتفقوا عليه، وهو مشكل; لأن المعتمد فيها الأحاديث وهي مصرحة بأنها كانت صخرة يوم النحر "ثم يخطب بهم كذلك" أي بعد صلاة الظهر بمنى خطبة "ثاني أيام التشريق" للاتباع رواه أبو داود بإسناد صحيح "ويعلمهم" فيها "جواز النفر" فيه وما بعده من طواف الوداع وغيره "ويودعهم" ويأمرهم بختم الحج بطاعة الله تعالى. "وحصى الرمي" جميعه "سبعون" حصاة لرمي يوم النحر سبع ولكل يوم من أيام التشريق إحدى وعشرون لكل جمرة سبع "فإن نفر في" اليوم "الثاني (٣) قبل الغروب سقط عنه المبيت" أي مبيب الليلة الثالثة "ورمى" اليوم "الثالث، وهو" أي ما يرمى به فيه "إحدى وعشرون حصاة"، ولا دم عليه، ولا إثم لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ولإتيانه بمعظم العبادة ويؤخذ من هذا التعليل أن محل ذلك (٤) إذا بات الليلتين الأوليين فإن لم يبتهما لم يسقط مبيت الثالثة، ولا رمي يومها، وهو كذلك فيمن لا عذر له نقله في المجموع عن الروياني عن الأصحاب قال الإسنوي ويتجه طرد ذلك في الرمي أيضا "فيتركها" أي الإحدى والعشرين أي يطرحها أو يدفعها لمن لم يرم "ولا ينفر بها" (٥) وما يفعله الناس من دفنها لا أصل له قال الأصحاب: والأفضل

стр. 1486

تأخير النفر إلى الثالث للأخبار الصحيحة أنه ﷺ نفر فيه والتأخير للإمام آكد منه لغيره ولأنه يقتدى به وشمل كلامه كالروضة ما لو نفر قبل رميه فيسقط عنه ما ذكر وبه صرح الإمام مع تقييده النفر بما بعد الزوال. ونقله عنه في المجموع واستحسنه فقال ما حاصله: إنه لو نفر النفر الأول فإن كان بعد الزوال، ولم يرم فإن غربت الشمس فاته الرمي، ولا استدراك لزمه الدم، ولا حكم لمبيته لو عاد بعد غروبها وبات حتى لو رمى في النفر الثاني لم يعتد برميه; لأنه بنفره أعرض عن منى والمناسك (١) وإن لم تغرب فأقوال: أحدها: أن الرمي انقطع، ولا ينفعه العود، وثانيها: يتعين عليه العود ويرمي (٢) ما لم تغرب الشمس فإن غربت تعين الدم، وثالثها: تخير بين الأمرين فإن نفر قبل الزوال وعاد وزالت، وهو بمنى فالوجه القطع بأن خروجه (٣) لا يؤثر أو بعد الغروب فقد انقطعت العلائق (٤) أو بينهما فظاهر المذهب أن يرمي (٥) لكن تقييد المنهاج كأصله والشرحين النفر بعد الرمي يقتضي أنه في سقوط المبيت والرمي وبه صرح العمراني عن الشريف العثماني قال; لأن هذا النفر غير جائز قال المحب الطبري، وهو صحيح متجه قال الزركشي وهو ظاهر فالشرط أن ينفر بعد الزوال والرمي وقول المصنف كغيره قبل الغروب إيضاح لما قبله وخرج بذلك ما صرح به الأصل من أنه لو لم ينفر حتى غربت الشمس لم يسقط عنه المبيت، ولا الرمي كما رواه مالك عن ابن عمر بإسناد صحيح موقوف عليه "فلو غربت الشمس، وهو في شغل الارتحال فله النفر"; لأن في تكليفه حل الرحل والمتاع مشقة عليه، وهذا تبع فيه

стр. 1487

أصل (١) الروضة وهو كما قال الأذرعي، وغيره غلط سببه سقوط شيء من بعض نسخ العزيز (٢). والمصحح فيه وفي الشرح الصغير (٣) ومناسك النووي أنه يمتنع عليه النفر بخلاف ما لو ارتحل وغربت الشمس قبل انفصاله من منى فإن له النفر "وكذا لو عاد" إلى منى بعد نفره قبل الغروب "لحاجة" كزيارة "فغربت" أو غربت فعاد كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فله النفر وسقط عنه المبيت والرمي "بل لو بات هذا" متبرعا "سقط عنه الرمي" لحصول الرخصة له بالنفر (٤). "ويدخل رمي" أي وقت رمي "كل يوم من أيام التشريق بزوال شمسه" للاتباع رواه مسلم ويندب تقديمه على صلاة الظهر كما في المجموع عن الأصحاب "ويمتد" وقته المختار "إلى غروبها"، وإذا كان ابتداء وقته من الزوال "فلا يجوز تقديمه" عليه; لأنه شعار هذه الأيام فلو قدم في يوم منها لخلت البقية عن الشعار وما اقتضاه ما تقرر من جواز ترك رمي يومين ووقوعه أداء بالتدارك لا يشكل بقولهم ليس للمعذورين أن يدعوا أكثر من يوم، وأنهم يقضون ما فاتهم; لأن الكلام هنا في ترك الرمي (٥) فقط وهناك في تاركه مع البيات بمنى والتعبير بالقضاء لا ينافي الأداء كما مر قال في الأصل واليوم الأول من أيام التشريق

стр. 1488

يسمى يوم القر بفتح القاف وتشديد الراء; لأنهم قارون بمنى واليوم الثاني النفر الأول، والثالث النفر الثاني "والمتروك"، ولو عمدا "منه" أي من الرمي "ولو رمى" وفي أكثر النسخ وترك رمي أي متروك رمي "يوم النحر (١) يتدارك" في أيام التشريق "أداء إلى انقضائها" (٢) بالنص في الرعاء وأهل الساقية وبالقياس في غيرهم وإنما وقع أداء; لأنه لو وقع قضاء لما دخله التدارك كالوقوف بعد فواته ولأن صحته موقتة بوقت محدود والقضاء ليس كذلك. "والترتيب فيه" أي في الرمي المتروك ورمي يوم التدارك "واجب" رعاية للترتيب في الزمان كرعايته في المكان بناء على (٣) أنه أداء "فإن خالف وقع عن القضاء"; لأن مبنى الحج على تقديم الأولى فالأولى، وبذلك علم ما صرح به الأصل من أنه لو رمى إلى كل جمرة أربع عشرة حصاة سبعا عن أمسه وسبعا عن يومه لم يجزئه عن يومه "ولا يجوز رمي المتدارك قبل الزوال"; لأنه لم يشرع فيه رمي فصار كالليل بالنسبة للصوم "ولا ليلا"; لأن الرمي عبادة النهار كالصوم وهذان الحكمان تبع فيهما كالإسنوي ترجيح الشرح (٤) الصغير والأصح فيهما (٥) الجواز كما جزم به في الأول (٦) الأصل، واقتضاه نص الشافعي والثاني ابن الصباغ في شامله وابن الصلاح والنووي في مناسكهما ونص عليه الشافعي وتعليلا للمنع بما ذكر ممنوعان في المتدارك فجملة أيام منى بلياليها كوقت (٧) واحد وكل يوم لرميه وقت اختيار لكن لا يجوز تقديم رمي كل يوم على زوال شمسه كما مر

стр. 1489

"فرع: يشترط" في رمي أيام التشريق "أن يبدأ بالجمرة الأولى" وهي التي تلي مسجد الخيف "ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة" للاتباع رواه البخاري مع خبر "خذوا عني مناسككم" (١) ولأنه نسك متكرر فيشترط فيه الترتيب كما في السعي فلا يعتد برمي الثانية قبل تمام الأولى ولا بالثالثة قبل تمام الأولين "و" يشترط "أن يرمي كلا" منها "بسبع" من الحصيات كما مر "وإن ترك حصاة وشك" في محلها من الثلاث "جعلها من الأولى" احتياطا "فيرمي بها" إليها "وبعد رمي الجمرتين" الأخريين "إذ الموالاة" بين الرمي في الجمرات "لا تجب" وإنما تسن كما في الطواف "وصرف النية في الرمي كصرفها في الطواف" يعني صرف الرمي بالنية لغير النسك كأن رمى إلى شخص أو دابة في الجمرة كصرف الطواف بها إلى غيره فينصرف إلى غيره وبحث في المهمات إلحاق الرمي بالوقوف أخذا مما قدمته من الفرق بينه وبين الطواف ورد بأنه أشبه بالطواف; لأنه يقصد في العادة وفي العبادة إلى رمي العدو فهو مما يتقرب به وحده كالطواف، وأما السعي فالظاهر أخذا من ذلك أنه كالوقوف. "فرع: السنة أن يرفع يده بالرمي" حتى يرى بياض إبطه; لأنه أعون عليه وأن يكون الرمي بيده اليمنى، والسنة للمرأة أن لا ترفع يدها (٢) كما صرح به النووي في تصحيحه والمحب الطبري ومثلها الخنثى "وأن يستقبل يوم النحر" في رميه "الجمرة والقبلة على يساره" وعرفة على يمينه "و" أن "يستقبل القبلة في رمي أيام التشريق" للاتباع فيهما رواه الشيخان "وأن يرمي راجلا في اليومين" الأولين، وعليه يحمل خبر الترمذي كان النبي ﷺ إذا رمى الجمرة مشى إليها ذاهبا وراجعا (٣) "وراكبا يوم نفره (٤) لينفر عقبه" كما أنه يوم النحر يرمي

стр. 1490

راكبا كما مر "وأن يدنو" من الجمرة في رمي أيام التشريق بحيث لا يبلغه حصى الرامين فيقف مستقبل القبلة "ويدعو ويذكر" الله تعالى ويهلل ويسبح "بعد رمي الجمرة الأولى بقدر" سورة "البقرة وكذا" بعد رمي "الثانية لا الثالثة" بل يمضي بعد رميها للاتباع في ذلك رواه البخاري "إلا بقدر سورة البقرة" (١) فرواه البيهقي من فعل ابن عمر. "فرع: وإذا ترك رمي يوم النحر و" رمي "أيام التشريق" ولو سهوا "لزمه دم وكذا" يلزمه دم "بترك" رمي "ثلاث حصيات" من ذلك لاتحاد جنس الرمي في الأولى كحلق الرأس ولمسمى الجمع في الثانية كحلق ثلاث شعرات وروى البيهقي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال من ترك نسكا فعليه دم والترجيح في الثانية من زيادة المصنف، وهو ما في المنهاج كأصله "أو" ترك "حصاة من غير آخر رمي" لأيام التشريق فيلزمه به دم "لبطلان ما بعده حتى يأتي به" لوجوب الترتيب بين الجمرات كما مر، والترجيح في هذا أيضا من زيادته "وفي ترك الحصاة والحصاتان منه" أي من آخر رمي أيام التشريق "مد" في الأولى "ومدان" في الثانية من الطعام كالشعرة والشعرتين لعسر تبعيض الدم

стр. 1491

والشرع قد عدل الحيوان بالطعام في جزاء الصيد وغيره، والشعرة الواحدة هي النهاية في القلة والمد أقل ما وجب في الكفارات فقوبلت به. "فرع وإن أضل حصاتين" بأن تركها، ولم يعلم محلها "جعلها واحدا من يوم النحر وواحدة من ثالثة"، وهو يوم النفر الأول ومن أي جمرة كانت أخذا بالأسوأ "وحصل رمي" يوم "النحر واحد أيام التشريق" وعدل إلى ما قاله عن تصوير الأصل له نقلا عن المتولي بترك ثلاث حصيات يجعل واحدة من يوم النحر وواحدة من الجمرة الأولى من ثانية وواحدة من الجمرة الثانية من ثالثه تنبيها على أن الزائد على ما قاله لا حاجة إليه بل هو تكلف موهم خلاف المراد. "ولا يجزئ الرمي إلا بالحجر، ولو ياقوتا (١) وحجر حديد" وبلور وعقيق وذهب وفضة لخبر مسلم "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة" (٢) ولأنه ﷺ رمى بالحصى وقال "بمثل هذا فارموا" رواه النسائي وغيره وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين (٣) وخرج بالحصى المذكور ما صرح به في قوله "لا اللؤلؤ" أي لا الرمي باللؤلؤ "والتبرين" أي تبري الذهب والفضة "والإثمد ونحوه" ومما لا يسمى حجرا كنورة وزرنيخ ومدر وجص وآجر وخزف وملح وجواهر منطبعة ذهب وفضة ونحاس ورصاص وحديد "ويجزئ حجر نورة لم يطبخ" بخلاف ما طبخ منه; لأنه حينئذ لا يسمى حجرا بل نورة، وقد مر آنفا. "والسنة الرمي بطاهر مثل حصى الخذف" بالخاء والذال المعجمين وهو قدر الباقلا وذلك لخبر مسلم السابق "ودونه وفوقه مكروه" ولمخالفته السنة المؤكدة وللنهي عن الرمي بما فوقه في خبر النسائي وغيره "و" لكنه "يجزئ" لوجود الرمي بحجر

стр. 1492

"فرع: يشترط قصد الجمرة" بالرمي فلو رمى إلى غيرها كأن رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يكف، وقضية كلامهم أنه لو رمى إلى العلم المنصوب في الجمرة أو الحائط التي بجمرة العقبة كما يفعله كثير من الناس فأصابه، ثم وقع في المرمى لا يجزئ قال المحب الطبري، وهو الأظهر عندي ويحتمل أن يجزئه (١) ; لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمي الواجب عليه قال الزركشي والثاني من احتماليه أقرب قال الطبري، ولم يذكر في المرمى حدا معلوما غير أن كل جمرة عليها علم فينبغي أن يرمي تحته على الأرض، ولا يبعد عنه احتياطا، وقد قال الشافعي الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن أصاب مجتمعه أجزأه ومن أصاب سائله لم يجزه "ولا يضر كونه" أي الرامي "فيها" فلو وقف بطريق منها ورمى إلى طرف آخر كفى لحصول اسم الرمي "و" يشترط "إصابة المرمى يقينا" فلو شك فيها لم يكف; لأن الأصل عدم الوقوع فيها، وبقاء الرمي عليه "لا بقاؤه" أي الحجر وفي نسخة بقاؤها أي الحصاة "فيه" أي في المرمى فلا يضر تدحرجه وخروجه بعد الوقوع فيه لوجود الرمي وحصول الحجر فيه. ويشترط كون الرمي "بهيئة الرمي باليد" للاتباع "لا بالقوس والرجل" قال في المجموع لعدم انطلاق اسم الرمي على ذلك، ولا بالرمي بالمقلاع (٢) على ما هو ظاهر كلامهم، ولا يسن أن يرمي بهيئة الخذف بأن يضع الحصى على بطن إبهامه ويرميه برأس السبابة، قال النووي وفي وجه جزم به الرافعي أنه يرمي، وهو ضعيف والصحيح الأول; لأنه ﷺ نهى عن الخذف وقال "إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو إنه يفقأ العين ويكسر السن" (٣) رواه الشيخان، وهو عام يتناول الخذف في رمي الجمار وغيره، ولم يصح في الوجه الآخر شيء; لأنه نبه في الحديث على العلة في كراهة الخذف، وهي موجودة هنا قال الإسنوي، وهو استدلال ضعيف; لأن التعليل بعدم القتل والنكاية يدل على أن الحج غير مراد وأنه إنما سبق لعدم الاشتغال به لانتفاء فائدته في الحرب وفي آخر خبر

стр. 1493

مسلم السابق والنبي ﷺ يشير بيده كما يخذف الإنسان، وهذا في الدلالة على الخذف أظهر مما استدل هو به على عكسه قال الزركشي ولأن النهي عنه مخصوص بالرمي إلى الحيوان لا مطلقا، ولا شك أن مثل هذا الرمي للبناء ونحوه لا يمنع فدل على عدم عموم الحديث "ولا يوضع الحجر" في المرمى; لأن المأمور به الرمي فلا بد من صدق الاسم عليه واستشكل هذا بالاكتفاء في مسح الرأس بوضع اليد مبلولة عليه وفرق بأن مبنى الحج على التعبد وبأن الواضع هنا لم يأت بشيء (١) من أجزاء المرمى بخلاف ما هناك فيهما. "وإن رمى" الحجر "فأصاب شيئا" كأرض أو محمل أو عنق بعير "فارتد إلى المرمى لا بحركة ما أصابه أجزأه" لحصوله في المرمى بفعله بلا معاونة بخلاف ما لو ارتد بحركة إصابة بأن حرك المحمل صاحبه فنقضه أو تحرك البعير فدفعه فوقع في المرمى "وكذا" يجزئ رمي الحصاة "لو ردتها الريح" إليه "أو تدحرجت" إليه "من الأرض" لحصولها فيه لا بفعل غيره ولا أثر لرد الريح; لأن الجو لا يخلو عنها "لا" إن تدحرجت "من ظهر بعير ونحوه" كعنقه ومحمل فلا يكفي "لإمكان" أي لاحتمال "تأثرها به". "و" يشترط "أن يرمي الجمرة سبع مرات" للاتباع مع خبر "خذوا عني مناسككم" (٢) "ولو بتكرير حصاة" كما لو دفع مدا إلى فقير عن كفارته، ثم اشتراه ودفعه إلى آخر وعلى هذا تتأدى الرميات كلها بحصاة واحدة "فإن رمى حصاتين معا"، ولو برمي أحدهما باليمنى والأخرى باليسرى "وترتبا" الأولى وترتبتا "في الوقوع" أو وقعتا معها كما فهم بالأولى "فواحدة" بالاتفاق "أو عكس" بأن رماهما مرتبتين فوقعا معا أو مرتين كما فهم بالأولى "فاثنتان" اعتبارا بالرمي وكذا إن وقعت الثانية قبل الأولى. "فرع: يجوز للعاجز" عن الرمي بل يجب عليه "إن يئس من (٣) البرء في

стр. 1494

الوقت أن يستنيب للرمي" عند خشية فواته كالحج (١) وقوله للعاجز أي لمرض ونحوه كحبس قال في المجموع، ولو بحق بالاتفاق (٢) لكن شرط ابن الرفعة أن يحبس بغير (٣) حق، وذكر أن البندنيجي حكاه عن النص قال الزركشي، وهو الذي في الحاوي والتتمة والبيان وغيرهما وسيأتي في المحصر أنه إذا حبس بحق (٤) لا يباح له التحلل، ثم إن استناب "من قد رمى" (٥) عن نفسه أو حلالا فرمى عنه وقع عنه كما في طواف الحامل لغيره - "وإلا" بأن استناب من لم يرم (٦) فرمى "وقع عن نفسه"; لأن رميه يقع عنه دون المستنيب (٧) كالحج وإذا

стр. 1495

استناب عنه من رمى أو حلالا "فيناوله الحصى ندبا ويكبر" كذلك "إن أمكن" ذلك فإن لم يمكن تناولها النائب وكبر بنفسه لو أخر ندبا عن قوله ويكبر كان أولى، أما إذا لم ييأس من البرء في الوقت فلا يستنيب كما في الحج "ولا ينعزل نائبه" عن الرمي عنه "بإغمائه" (١) أي إغماء المستنيب كما لا ينعزل عنه وعن الحج بموته ولأن الإغماء زيادة في العجز المبيح للإنابة فلا يكون مفسدا لها فارق سائر الوكالات بوجوب الإذن هنا "فيجزئه رميه" عنه "ولو برئ" من عذره "في الوقت" بعد الرمي فلا يلزمه إعادته لكنها تسن ويفارق نظيره في الحج بأن الرمي تابع ويجبر تركه بدم بخلاف الحج فيهما (٢) أما إغماء النائب فظاهر

стр. 1496

كلامهم أنه ينعزل (١) وهو القياس. "فصل يستحب" للحاج "بعد رمي أيام التشريق أن يأتي المحصب" بميم مضمومة، ثم جاء وصاد ومهملتين مفتوحتين، ثم موحدة اسم لمكان متسع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب ويقال له: الأبطح والبطحاء وخيف بني كنانة وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة "من الظهر" يعني في وقته فينزل به "ويصلي" فيه العصرين والمغربين "ويبيت فيه" ليلة الرابع عشر للاتباع رواه البخاري فلو ترك النزول به لم يؤثر في نسكه; لأنه سنة مستقلة ليست من مناسك الحج لقول ابن عباس المحصب ليس بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ (٢) ولقول عائشة نزول المحصب ليس من النسك إنما نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه (٣) رواهما الشيخان، وقضية كلام المصنف كأصله وغيره أن المتعجل في ثاني أيام التشريق لا يستحب له نزول المحصب (٤) قال الزركشي، وهو ظاهر. انتهى، ويحتمل أنه يستحب وأن كلامهم جروا فيه على الغالب "فصل: طواف الوداع" المسمى أيضا بطواف الصدر "واجب" على من أراد السفر كما سيأتي روى البخاري عن أنس أنه ﷺ لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع (٥) وروى مسلم عن ابن عباس خبر لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت أي الطواف به (٦) كما رواه أبو داود فلا وداع على مريد الإقامة وإن أراد السفر بعده قاله الإمام، ولا على مريد السفر قبل فراغ الأعمال، ولا على المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم ونحوه; لأنه ﷺ أمر أخا عائشة

стр. 1497

بأن يعمرها من التنعيم، ولم يأمرها بوداع، وهذا فيمن خرج لحاجة (١)، ثم يعود، وما سيأتي عن المجموع فيمن أراد دون مسافة القصر فيمن خرج إلى منزله أو محل يقيم فيه كما يقتضيه كلام العمراني وغيره فلا تنافي بينهما. "وإن نفر من منى"، ولم يطف الوداع "جبر بالدم" (٢) لتركه نسكا واجبا فعلم أنه لو أراد الرجوع إلى بلده من منى لزمه طواف الوداع وإن كان قد طافه قبل عوده من مكة إلى منى كما صرح به في المجموع "فإن عاد" بعد خروجه من مكة أو منى بلا وداع "قبل مسافة القصر وطاف" للوداع "سقط" عنه "الدم"; لأنه في حكم المقيم وكما لو جاوز الميقات غير محرم، ثم عاد إليه "لا" إن عاد "بعدها" فلا يسقط عنه الدم لاستقراره بالسفر الطويل، وما قيل فيما إذا عاد قبلها من أن في تعليل سقوط الدم عنه بأنه في حكم المقيم نظر إذا سوينا بين السفر الطويل والقصير في وجوب الوداع قد يدفع بأن سفره هنا لم يتم لعوده بخلافه ثم وبأن في استقرار الدم إشغال الذمة والأصل براءتها فلا يلزم من جعله كالمقيم في دفع إشغالها جعله كذلك في دفع وجوب طواف الوداع المناسب لمفارقة مكة "لكن لا" وفي نسخة وهي الأولى، ولا "يجب" على من وصل مسافة القصر "العود" للمشقة بخلاف من لم يصلها يجب عليه العود إن خرج ناسيا أو جاهلا لطواف الوداع. "ولا يلزم" الطواف "حائضا طهرت خارج مكة، ولو في الحرم" لما روى الشيخان عن ابن عباس أمر الناس أن يكون أخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض وعن عائشة أن صفية حاضت فأمرها النبي ﷺ أن تنصرف بلا وداع (٣) بخلاف ما لو طهرت قبل خروجها وكالحائض النفساء (٤) ذكره في

стр. 1498

المجموع وتقدم في باب الحيض أن للمتحيرة أن تطوف قال الروياني فإن لم تطف (١) طواف الوداع فلا دم عليها للأصل. "ومن مكث"، ولو ناسيا أو جاهلا (٢) أو لعيادة مريض أو زيارة صديق "بعده" أي بعد طواف الوداع المتبوع بركعتيه وبما يأتي في الفرع الآتي "أعادة" وجوبا لخبر مسلم السابق ولخروجه بذلك عن كونه وداعا "لا" إن مكث "لشراء (٣) زاد وشد رحل" ونحوهما من أشغال السفر "وصلاة جماعة أقيمت"; لأن المشغول بذلك غير مقيم قال في المهمات وتقدم في الاعتكاف أن عيادة المريض إذا لم يعرج لها لا تقطع الولاء بل يغتفر صرف قدرها في سائر الأغراض، وكذا صلاة الجنازة فيجزئ ذلك هنا بالأولى (٤)، وقد نص عليه الشافعي في الإملاء. انتهى. "وليس" طواف الوداع "من المناسك" أي مناسك الحج والعمرة بل هو عبادة مستقلة "فمن أراد الخروج" من مكة "إلى مسافة القصر" قال في المجموع أو دونها على الصحيح "ودع" مكيا كان أو آفاقيا تعظيما للحرم وتشبيها لاقتضاء خروجه الوداع باقتضاء دخوله الإحرام، ولاتفاقهم على أن قاصد الإقامة بمكة لا يؤمر، ولو كان منها لأمر (٥) به هذا ما صححه الشيخان ونقلا عن صاحبي التتمة والتهذيب وغيرهما ونقلا عن الإمام والغزالي وأنه منها ويختص بمن يريد الخروج من ذوي النسك قال السبكي، وهذا هو الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي والأصحاب، ولم أر من قال إنه ليس منها إلا المتولي فجعله تحية للبقعة

стр. 1499

مع أنه يمكن تأويل كلامه بأنه ليس منها ركنا كما قال غيره: إنه ليس بركن ولا شرط قال: وأما استدلال الشيخين بأنه لو كان منها لأمر به قاصد الإقامة بمكة فممنوع; لأنه إنما شرع للمفارقة، ولم تحصل كما أن طواف القدوم لا يشرع للمحرم من مكة يلزمهما القول بأنه لا يجبر بدم (١)، ولا قائل به، وذكر زيادة على ذلك ذكرتها في شرح البهجة وذكر نحوه الإسنوي وغيره، وهو ما جرى عليه النووي في مناسكه وفي مجموعه في كلامه على أعمال الحج واقتضاء كلام الأصل آخر الباب، وهو المعتمد وما نقل عن التهذيب من أنه ليس منها لم أر التصريح به فيه أنه نسك حيث قال والفرق بينه وبين طواف القدوم حيث لا يجب أن طواف القدوم تحية البيت، وهو يسقط بطواف العمرة وطواف الوداع نسك لا يسقط بطواف آخر واجب (٢). انتهى. وتظهر فائدة الخلاف في أنه يفتقر إلى نية (٣) أو لا وفي أنه يلزم الأجير فعله أو لا وفي أنه يحط شيء من أجرة الأجير (٤) عند تركه أو لا وتقدم بيانه. "فرع ويستحب" لمن أتى بطواف الوداع المتبوع بركعتيه "أن يدعو بعده عند الملتزم" بضم الميم وفتح الزاي سمي به; لأنهم يلتزمونه بالدعاء ويسمى بالمدعى والمتعوذ بفتح الواو، وهو ما بين الركن وباب الكعبة "وبالمأثور" أي المنقول وبغيره لكن المأثور أفضل فيقول اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك وبلغتني بنعمتك

стр. 1500

وحتى أعنتني على قضاء مناسكك فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري ويبعد عنه مزاري هذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك، ولا بيتك ولا راغب عنك، ولا عن بيتك اللهم فاصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني العمل بطاعتك ما أبقيتني وما زاد فحسن، وقد زيد فيه واجمع لي خيري الدنيا والآخرة إنك قادر على ذلك، ولفظ فمن الآن يجوز فيه ضم الميم وتشديد النون، وهو الأجود وكسر الميم وتخفيف النون ومع فتحها وكسرها قاله في المجموع وفيه قال القاضي أبو الطيب قال الشافعي استحب لمن فرغ من طواف الوداع أن يأتي الملتزم فيلصق بطنه وصدره بحائط البيت ويبسط يديه على الجدار فيجعل اليمنى مما يلي الباب واليسرى مما يلي الحجر الأسود ويدعو بما أحب. "ثم يصلي على النبي ﷺ " وإن كانت حائضا أو نفساء استحب أن تأتي بجميع ذلك على باب المسجد وتمضي "و" أن "ينصرف ملتفتا إلى البيت" (١) بوجهه "ما أمكنه" وصحح النووي في مناسكه أنه يمشي تلقاء وجهه مستدبر البيت وصوبه في مجموعه (٢) "وأن يتضلع" بعد فراغه من الدعاء وقبل انصرافه، عبارة الأصل وأن يشرب "من ماء زمزم"، ثم يعود إلى الحجر فيستلمه ويقبله، ثم ينصرف تلقاء وجهه كما قلنا ويسن لمن يشرب من ماء زمزم أن يشربه لما يطلبه فإذا قصده استقبل القبلة، ثم ذكر الله تعالى قال اللهم إنه بلغني أن رسولك ﷺ قال "ماء زمزم لما شرب له" (٣) اللهم إني أشربه لكذا اللهم فافعل

стр. 1501

ثم يسمي الله ويشرب ويتنفس ثلاثا قال الحاكم وكان ابن عباس إذا شربه قال اللهم إني أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وأن يشرب من نبيذ سقاية العباس ما لم يسكر ويقول عند خروجه من مكة الله أكبر ثلاثا، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير آيبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده "و" أن "يدخل" الشخص قبل دعائه عند الملتزم "البيت حافيا ما لم يؤذ أو يتأذ" بزحام أو غيره قال الحليمي وأن لا يرفع بصره إلى سقفه، ولا ينظر إلى أرضه تعظيما لله وحياء منه. "و" أن "يصلي" فيه ولو ركعتين، والأفضل أن يقصد مصلى النبي ﷺ بأن يمشي بعد دخوله الباب حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع ثبت ذلك في البخاري "و" أن "يدعو في جوانبه ويكثر الاعتمار والطواف" تطوعا "والصلاة أفضل منه" أي من الطواف وأن يزور المواضع المشهورة بالفضل بمكة وهي ثمانية عشر منها بيت المولد وبيت خديجة ومسجد دار الأرقم والغار الذي في ثور والغار الذي في حراء، وقد أوضحها النووي في مناسكه (١)، "ثم يزور قبر النبي ﷺ " (٢) ويسلم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة الشريفة لخبر "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي" (٣) وخبر "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" رواهما الشيخان (٤) وخبر "ما من أحد يسلم

стр. 1502

علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه¬ السلام" (١) رواه أبو داود بإسناد صحيح وروي البيهقي أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه وليكثر المتوجه إليها في طريقه من الصلاة والتسليم عليه ويزيد منهما إذا أبصر أشجارها مثلا. ويستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه فإذا دخل المسجد قصد الروضة فيصلي فيها تحية المسجد بجنب المنبر، ثم يأتي القبر فيستقبل رأسه ويستدبر القبلة ويبعد منه نحو أربع (٢) أذرع ويقف ناظرا إلى أسفل ما يستقبله في مقام الهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا ويسلم، ولا يرفع صوته، ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر ﵁ فإن رأسه عند منكب رسول الله ﷺ ثم - يتأخر قدر ذراع آخر فيسلم على عمر ﵁، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله ﷺ ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه، ثم يستقبل القبلة ويدعو لنفسه ومن شاء والمسلمين ويستحب أن يأتي سائر المشاهد بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعا يعرفها أهل المدينة وكذا يأتي الآبار التي كان النبي ﷺ يتوضأ منها أو يغتسل فيشرب منها ويتوضأ وهي سبع آبار ذكر ذلك في المجموع وأراد بقولهم، ثم يزور أن الزيارة تتأكد في هذه الحالة، وإلا فهي مطلوبة لكل أحد قبل الحج وبعده لا سيما المار بالمدينة ذهابا وإيابا. "فصل وأركان الحج ستة الإحرام" (٣) أي نية الإحرام فيه لخبر

стр. 1503

"إنما الأعمال بالنيات" "والوقوف" بعرفة لخبر "الحج عرفة" "والطواف" (١) لقوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] "والسعي" لما روى الدارقطني وغيره بإسناد حسن أنه ﷺ استقبل القبلة في السعي وقال "يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم" (٢) "والحلق" أو التقصير لتوقف التحلل عليه مع عدم جبر تركه بدم كالطواف "والترتيب في المعظم" بأن يقدم الإحرام على الجميع ويؤخر السعي عن طواف ويقدم الوقوف على طواف الركن والحلق أو التقصير للاتباع مع خبر "خذوا عني مناسككم" (٣). "وهي" أي الستة "أركان للعمرة إلا الوقوف" لشمول الأدلة السابقة لها واعتبار الترتيب فيها بما مر مع تقديم السعي على الحلق وعد في المجموع الترتيب شرطا "ولا تجبر الأركان بالدم" إذ الماهية لا تحصل إلا بجميع أركانها "والواجبات" هي "المجبورة" من حيث تركها "بالدم" وتسمى أبعاضا وهي خمسة "الإحرام من الميقات" لمريد النسك "والرمي وكذا المبيت بمزدلفة ومنى وطواف الوداع"، والتصريح بالترجيح هنا في هذه الثلاثة من زيادته وما ذكر من جبر ترك الأخير منها إنما يلائم القول بأنه من المناسك كما نبه عليه الزركشي وغيره "والباقي هيئات لا تجبر".

стр. 1504

باب حج الصبي ونحوه "يصح إحرام الصبي (١) المميز" لصحة مباشرته "بإذن الولي" لافتقاره إلى المال، وهو محجور عليه فيه وبه فارق الصوم ونحوه، وقضية التعليل أنه إذا لم يحتج إلى مال زائد على ما يحتاجه في الحضر يصح إحرامه بلا إذن، وإنه لا يصح إحرام السفيه بلا إذن لكن الذي تقدم أوائل الحج أنه يصح وللولي تحليله "و" يصح "إحرامه عنه" بنفسه أو مأذونه; لأن السائب بن يزيد قال حج بي أبي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين رواه مسلم "ولا يستقل" الصبي بالإحرام هذا تصريح بما فهم من قوله بإذن الولي "وهو الأب ثم الجد" أبوه وإن علا "ثم الوصي" إن كان "أو القيم" إن لم يكن وصي والمراد الحاكم أو قيمه وإنما لم يعطف هذا على ما قبله لعدم اجتماعهما "لا غيرهم من أم وأخ" وغيرهما ممن لا ولاية له في التصرف في مال الصبي، وليس فيما رواه مسلم من أن امرأة رفعت للنبي ﷺ صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٢) أنها أحرمت عنه وبتقديره يحتمل كونها وصية أو قيمة أو أن الأجر الحاصل لها إنما هو أجر الحمل والنفقة وعلم من ترتيب المذكورين أنه لا يصح إحرام المؤخر منهم مع وجود المقدم حتى الجد حيث لا مانع في الأب وفارق التبعية في الإسلام بأنه عقد الإسلام لنفسه فتبعه فرعه بحكم البعضية والإحرام عقده لغيرة، ولا ولاية له عليه مع وجود الأب. "ويحرم الولي أو مأذونه عن" الصبي "غير المميز وعن المجنون" كما يتصرف عنهما في مالهما "لا" عن "المغمى عليه" كالمريض الذي يرجى برؤه; لأنه وإن كان غير مكلف ليس لأحد التصرف في ماله بسبب الإغماء بخلاف غير المميز والمجنون فصح إحرامه عنهما "ولو في غيبتهما" لكنه يكره في غيبتهما لاحتمال ارتكابهما شيئا من محظورات الإحرام لعدم علمهما به "حلالا كان" الولي "أو

стр. 1505

محرما" عن نفسه أو غيره ثم بين كيفية إحرامه عنه من زيادته بقوله "بأن يقول: أحرمت عنه أو جعلته محرما ويلبي عنه"، ذكر التلبية ليس بشرط وما ذكره من كيفية إحرامه عنه نقله في المجموع عن الدارمي (١) بعد نقله عن الأصحاب أن كيفيته أن ينوي جعله محرما فيصير محرما بمجرد ذلك قال الإمام: وليس للسيد أن يحرم عن عبده البالغ قال الإسنوي: ومفهوم كلامه يقتضي الجواز في الصغير لكن رأيت في (٢) الأم الجزم بالصحة من غير تقييد بالصغير فقال: وإذا أذن للمملوك بالحج أو أحجه سيده كان حجه تطوعا وأحجه بالهمز معناه سيره حاجا انتهى والأوجه ليتفق الكلامان (٣) حمل قول الأم وأحجه على غير المكلف بجعل "أو" للتنويع. "فصل: يفعل عنه" يعني به كما عبر به الأصل أي بالصبي مميزا أو غير مميز "الولي ما عجز عنه" من غسل وتجرد عن مخيط ولبس إزار ورداء وغيرها "ويطوف" ويسعى "بغير المميز ويركع عنه" ركعتي الإحرام والطواف فعبارته أعم من قول أصله ويصلي عنه ركعتي الطواف "فإن أركبه" الولي "في الطواف" أو السعي "فليكن" بنفسه أو نائبه "سائقا أو قائدا" للدابة فإن لم يفعل لم يصح طوافه قال الإسنوي والمتجه الجزم (٤) بوجوب طهارة الخبث وستر العورة في الطواف وقضيته أنه لا يشترط طهارة الحدث (٥)، وهو الموافق لما مر

стр. 1506

في صفة الوضوء لكن قال الماوردي ينبغي أن يكون الولي والصبي متوضئين فيه فإن كان الصبي متوضئا دون الولي لم يجزه أو بالعكس فوجهان وكأنه اغتفر صحة (١) وضوء غير المميز هنا للضرورة كما اغتفر صحة طهر المجنونة التي انقطع حيضها لتحل لحليلها "ويشترط أن يحضره" أي الصبي مميزا أو غير مميز "المواقف" فيحضره وجوبا في الواجبة وندبا في المندوبة كعرفة ومزدلفة والمشعر الحرام لإمكان فعلها منه، ولا يغني حضوره عنه. "وإن قدر" الصبي على الرمي "رمى" وجوبا فإن عجز عن تناول الأحجار ناولها له وليه "وإلا" بأن عجز عن الرمي "استحب للولي أن يضع الحجر في يده ويأخذها" أي يده "ويرمي" بها "عنه" قال في المجموع، وإلا فيأخذ الحجر من يده، ثم يرمي به وعبارة الأصل محتملة للكيفيتين، وهي إلى الثانية أقرب "بعد رميه عن نفسه" فإن لم يكن رمى عن نفسه وقع الرمي عن نفسه، وإن نوى به الصبي; لأن مبنى الحج على أن لا يتبرع به مع قيام الفرض، ولو تبرع وقع فرضا لا تبرعا. "فصل الزائد" من النفقة "على نفقة الحضر والفدية" التي تجب (٢) في النسك "والكفارة" بجماع "على الولي"; لأنه المورط له في ذلك بخلاف ما إذا قبل للمميز نكاحا، إذ المنكوحة قد تفوت والنسك يمكن تأخيره إلى البلوغ وفارق ذلك أجرة تعليمه ما ليس بواجب حيث وجبت في مال الصبي بأن مصلحة التعليم كالضرورة وإذا لم يفعلها الولي في الصغر احتاج الصبي إلى استدراكها بعد بلوغه بخلاف الحج وبأن مؤنة التعليم يسيرة غالبا "وإذا جامع" الصبي في حجه "فسد" حجه "وقضي"، ولو "في الصبا كالبالغ" المتطوع بجامع

стр. 1507

صحة إحرام كل منهما فيعتبر فيه لفساد حجه ما يعتبر في البالغ من كونه: عامدا عالما بالتحريم مجامعا قبل التحللين، وإذا قضى "فإن كان قد بلغ في الفاسد قبل" فوات "الوقوف أجزأه قضاؤه عن حجة الإسلام أو بعده انصرف القضاء إليها" أيضا "وبقي القضاء" في هذه "كما قدمناه" في فصل العبد المفسد للحج يلزمه القضاء وفي نسخة بدل قوله أجزأه إلى آخره انصرف أي قضاؤه إلى حجة الإسلام وعليه القضاء وقضيتها أنه لو بلغ في الفاسد بعد فوات الوقوف لم ينصرف قضاؤه إلى حجة الإسلام، وليس كذلك نعم لو عبر فيها بدل الفاسد بالقضاء أو قال في قضاء الفاسد صح. "فرع، وإن خرج بمجنون استقر عليه الفرض" قبل جنونه "نظرت فإن أفاق وأحرم وأتى بالأركان (١) مفيقا أجزأه" ما أتى به عن حجة الإسلام "وسقط عن الولي زيادة النفقة" الحاصلة بالسفر; لأنه أدى ما عليه "وإلا فلا" يجزئه ذلك عن حجة الإسلام لنقصه فيه، ولا تسقط عن الولي زيادة النفقة قال في المجموع نقلا عن المتولي له المسافرة به قال، وأما من يجن ويفيق فقال أصحابنا إن كانت مدة إفاقته يتمكن فيها من الحج ووجدت الشروط الباقية لزمه الحج، وإلا فلا انتهى. واشتراط الإفاقة عند الإحرام في الشق الأول من مسألة الكتاب شرط لسقوط زيادة النفقة عن (٢) الولي لا لوقوع المأتي به عن حجة الإسلام، فلو أحرم عنه الولي فأفاق وأتى ببقية الأركان مفيقا وقع عن حجة الإسلام (٣) كنظيره في الصبي. "فصل: وإن بلغ" الصبي (٤) في أثناء الحج، ولو بعد وقوفه "فأدرك الوقوف أجزأه عن فرضه"; لأنه أدرك معظم العبادة فصار كما لو أدرك الركوع بخلاف ما إذا لم يدرك الوقوف "و" لكن "يعيد السعي" وجوبا "بعد الطواف"

стр. 1508

إن كان سعى بعد طواف القدوم قبل بلوغه ليوقعه حال البلوغ بخلاف الإحرام; لأنه مستدام بعد البلوغ وقد يؤخذ من ذلك أنه يجزئه عن فرضه أيضا إذا تقدم الطواف أو الحلق وأعاده بعد إعادة الوقوف وظاهر أنه تجب إعادته لتبين وقوعه في غير محله "ولا دم عليه" بإتيانه بالإحرام قبل البلوغ "وإن لم يعد إلى الميقات بالغا"; لأنه أتى بما في وسعه، ولا إساءة "والطواف في العمرة كالوقوف في الحج" قال في الأصل فإذا بلغ قبله أجزأته عن عمرة الإسلام زاد في المجموع وكذا لو بلغ فيه، وإن كان بعده فلا ووقع للبلقيني لعدم وقوفه على هذه الزيادة - ما يخالف ذلك حيث قال لكن لو بلغ فيه لا يكون كبلوغه في الوقوف; لأن مسمى الوقوف حاصل بما وجد بعد بلوغه بخلاف الطواف، وحيث أجزأه ما أتى به عن حجة الإسلام وعمرته وقع إحرامه أولا تطوعا وانقلب عقب البلوغ فرضا على الأصح في المجموع. وفيه عن الدارمي لو فات الصبي الحج وبلغ فإن بلغ قبل الفوات فعليه حجة واحدة تجزئه عن حجة الإسلام والقضاء أو بعده فعليه حجتان حجة للفوات وحجة للإسلام ويبدأ بحجة الإسلام ولو أفسد الحر البالغ حجه قبل الوقوف، ثم فاته أجزأته حجة واحدة عن حجة الإسلام والفوات والقضاء، وعليه فديتان إحداهما للإفساد والأخرى للفوات "والعتق" للرقيق في أثناء النسك "كالبلوغ" للصبي فيه فيأتي فيه ما مر وقضيته أنه لا دم عليه قال الزركشي: وينبغي وجوبه إذا كان قضاء عن واجب من نذر أو قضاء أفسده بل ينبغي وجوبه إذا كان قادرا على الحرية بأن علق عتقه بصفة هو قادر على فعلها تنزيلا للمتوقع منزلة الواقع قلت الانبغاء الثاني ظاهر دون الأول قال وسكت الرافعي عن إفاقة المجنون بعد الإحرام عنه وقال ابن أبي الدم ينبغي أن (١) يكون كالصبي في حكمه. "ولو أحرم ذمي" الأولى كافر كما عبر به في المجموع "من الميقات أو جاوزه مريدا للنسك، ثم أسلم وأحرم، ولم يعد" إلى الميقات في المسألتين "لزمه دم"، وإن عاد فلا كمسلم جاوزه بقصد النسك نعم إن حج من سنة أخرى فلا دم عليه مطلقا وإنما أعاد إحرامه في الأولى; لأن إحرامه الأول لم ينعقد

стр. 1509

والتصريح بالثانية من زيادته وصرح بها في المجموع، وكالكافر فيما ذكر الصبي والعبد (١) كما نقل عن النص. "ومن طيب أو حلق صبيا" أو مجنونا. ولو لحاجته "لزمته الفدية" وليا كان أو أجنبيا لإساءته وكالتطييب والحلق ما يشبههما من محظورات الإحرام كاللبس والدهن وقول الزركشي ينبغي تقييد المسألة بما إذا كان الولي والأجنبي حلالين فإن كانا محرمين لزمهما فديتان لا ينبغي (٢) قال في المجموع قال الدارمي وغيره لو ألجأه الولي إلى التطيب أو فوته الحج فالفدية على الولي بلا خلاف ومثله الأجنبي.

стр. 1510

باب محرمات الإحرام (٣) أي المحرمات به، والأصل فيها أخبار كخبر الصحيحين عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب فقال "لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس" (٤) زاد البخاري، "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين" (٥) وكخبر نهى النبي ﷺ عن لبس القميص والأقبية والسراويلات والخفين إلا أن لا يجد النعلين (٦) رواه البيهقي بإسناد صحيح كما في المجموع، والسؤال وقع في الخبر
следующие страницы →