موجبيهما في ترك مأمور إذ الموجب لدم التمتع ترك الإحرام من الميقات كما مر، وهو مأمور به في الجملة فيصوم إذا عجز كالمتمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ووقع في المنهاج كأصله تصحيح كونه دم ترتيب وتعديل.
"الخامس دم الاستمتاع كالطيب" الأولى قوله أصله كالتطيب "والدهن" بفتح الدال "واللبس ومقدمات الجماع، وهو دم تخيير وتقدير كالحلق" أي دمه لاشتراك موجبيهما في الترفه والاستهلاك.
"السادس دم الجماع" المفسد "وهو دم ترتيب وتعديل فيجب بدنة" أي بعير "ثم بقرة، ثم سبع شياه فإن عجز قوم البدنة دراهم والدراهم طعاما وتصدق به" على الوجه الآتي في آخر الفصل الآتي "فإن عجز صام عن كل مد يوما" ويكمل المنكسر وقدم الطعام على الصيام كما في جميع المناسك وأقيما مقام البدنة تشبيها بجزاء الصيد إلا أن الأمر هناك على التخيير كما مر، وهنا على الترتيب لشبهه بالفوات في إيجاب (١) القضاء وقدمت البدنة على البقرة، وإن قامت مقامها في الأضحية لنص الصحابة عليها وبينهما بعض تفاوت لخبر "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة" (٢).
"السابع شاة الجماع" غير المفسد (٣) "وهي كشاة مقدماته" في كونها دم تخيير وتقدير لاشتراك موجبيهما في التمتع بغير إفساده وعبر هنا بشاة الجماع وفيما مر بدم الجماع لدفع اللبس.
стр. 1577
"الثامن دم الإحصار (١)، وهو دم ترتيب وتعديل" كدم الجماع المفسد لاشتراك موجبيهما في الخروج بهما من النسك الصحيح في وقته فعليه شاة، ثم طعام بالتعديل "فإن عجز عن الطعام صام عن كل مد يوما" لا حاجة لهذا وإذ قد ذكره فليذكر ما ذكرته قبله.
"فصل" في بيان زمن إراقة الدماء ومكانها "هذه الدماء لا تختص بوقت" بل تفعل في أيام التضحية وغيرها؛ لأن الأصل عدم التخصيص، ولم يرد ما يخالفه لكن تندب إراقته أيام التضحية قال السبكي وغيره وينبغي وجوب المبادرة إليها (٢) إذا حرم السبب كما في الكفارة فيحمل ما أطلقوه هنا على الإجزاء، أما الجواز فأحالوه على ما قرروه في الكفارة "وكلها تراق في النسك" الذي وجبت فيه "إلا دم الفوات فإنه لا يجب" أداؤه "ولا يجزئ إلا بعد الإحرام بالقضاء" لظاهر خبر هبار السابق وكما أن دم التمتع لا يجب إلا بالإحرام بالحج بجامع أن المحرم فيهما يتحلل من نسك ويحرم بآخر، ولهذا لو ذبح في الفائت قبل تحلله منه لم يجزه كما لو ذبح المتمتع قبل الفراغ من العمرة ذكره الأصل، وقضية التشبيه إجزاء إخراج دم الفوات (٣) بين التحلل والإحرام بالحج، وهو ظاهر لكن بعد دخول وقت الإحرام بالقضاء (٤) وذلك في قابل كما أن المتمتع كذلك إلا أنه لا يحتاج إلى تقييد; لأنه إذا أحل من عمرته دخل وقت إحرامه بالحج وكلام الأصل تبعا للعراقيين دال على ذلك وقد نبه على ذلك الأذرعي فقول المصنف، ولا يجزئه إلا بعد الإحرام بالقضاء تصرف منه
стр. 1578
هكذا أفهم، ولا تغتر بما يخالفه.
"فإن كفر بالصوم صام ثلاثة أيام بعد الإحرام بالقضاء وسبعة إذا رجع" إلى أهله لا حاجة إلى هذا وإنما ذكره أصله ليفرعه على الخلاف في وقت وجوب الدم "وكل هذه الدماء وبدلها" من الطعام "تختص" تفرقته "بالحرم" على مساكينه "وكذا" يختص به "الذبح" للدم لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقيس بها بقية الحرم ولما روى مسلم أنه ﷺ أشار إلى موضع النحر من منى وقال: "هذا منحر ومنى كلها منحر" (١)، ولفظ أبي داود "وكل فجاج مكة منحر"; ولأن الذبح حق متعلق بالهدي فيختص بالحرم كالتصدق، فلو ذبح خارجه لم يكف "إلا المحصر" فيذبح ويفرق حيث أحصر "كما سبق" وإنما وجبت التفرقة مع الذبح بالحرم أو غيره; لأنها المقصودة لا تلويثه بالدم والفرث، ولا تختص التفرقة بلحم المذبوح كما توهمه عبارة الأصل بل سائر أجزائه من جلد وشعر وغيرهما كذلك.
"فإن عدم المساكين في الحرم أخره" أي الواجب المالي "حتى يجدهم كمن نذر" التصدق "على فقراء بلد" فلم يجدهم فيه فإنه يصبر حتى يجدهم، ولا يجوز النقل ويخالف الزكاة إذ ليس فيها نص صريح بتخصيص البلد بها بخلاف هذا وما ذكره من الصبر نقله في الروضة عن القاضي في فتاويه قال في المهمات وقد جزم في نظيره من الوصية بأنه يصبر بل تبطل الوصية وقد ذكر القفال في فتاويه ما ذكره القاضي لكنه تردد في النذر فقال أما أن يبطل أو يصبر حتى يجد الفقراء، وزاد فائدة أخرى فقال: لو نذر لأصناف فعدم بعضها جاز النقل كنظيره من الزكاة. ا هـ.
وقضيته جواز نقل الزكاة حينئذ، وليس كذلك على تفصيل قدمته في باب قسم الصدقات وقدم المصنف كأصله ثم جواز نقل النذر والوصية والكفارة مطلقا وقدمت ثم أن محله إذا لم يعين البلد "ويصوم حيث شاء"; لأنه لا غرض
стр. 1579
للمساكين فيه لكنه في الحرم أولى لشرفه.
"فرع أفضل" بقعة من "الحرم لذبحه" يعني لذبح الحاج، ولو متمتعا "منى و" لذبح "المعتمر المروة"; لأنهما محل تحللهما "وكذا الهدي" الذي ساقه تقربا من منذور وغيره أفضل بقعة لذبح الحاج له منى ولذبح المعتمر له المروة لكن إن لم يكن على المتمتع دم فالأفضل له ذبح هديه بالمروة (١) نقله في المجموع عن الأصحاب وفيه عنهم أنه يستحب له أن يذبحه بعد السعي وقبل الحلق كما أنه يستحب في الحج أن يذبح قبل الحلق "والواجب دفعه" أي الواجب المالي جملة أو مفرقا "إلى ثلاثة" فأكثر من مساكين الحرم; لأن الثلاثة أقل الجمع "كالزكاة"، فلو دفع إلى اثنين مع قدرته على ثالث ضمن له أقل متمول كنظيره من الزكاة وذكر فيه في الروضة وجهين بلا ترجيح أحدهما هذا والثاني يضمن الثلث، وهو قضية ما نقل عن النص الآتي وعلم من وجوب دفع ذلك (٢) حرمة الأكل منه على من لزمه، فلو أكله ضمنه بالقيمة على الأصح قال الأذرعي وكلام المتولي يقتضي أن الخلاف مفرع على قولنا اللحم متقوم لكن الصحيح أنه مثلي فينبغي تصحيح ضمانه بالمثل، وعلم من تشبيهه بالزكاة وجوب نية الدفع (٣) مقترنة به أو متقدمة عليه، وبه صرح في الروضة نقلا عن الروياني في المقترنة وسواء في المساكين الغرباء والمستوطنون "و" لكن "المستوطنون أولى" بالدفع إليهم، وظاهر أن محله إذا لم تكن حاجة الغرباء أشد، ولا يجب استيعابهم، وإن انحصروا كما هو ظاهر كلامهم بخلاف الزكاة قال السبكي: وقد يفرق بأن القصد هنا حرمة البلد وثم سد الخلة.
"وفي" دفع "الطعام" لمساكين الحرم "لا يتعين لكل" منهم "مد" بل تجوز الزيادة عليه والنقص منه وقيل يمتنعان كالكفارة ونقل في الروضة تصحيح الأول عن الروياني وأقره قال البلقيني، وهو مخالف لنص الأم ومحل الخلاف في دم التمتع ونحوه مما ليس دمه دم تخيير وتقدير أما دم الاستمتاعات ونحوها مما دمه دم تخيير وتقدير فلكل واحد من ستة مساكين نصف صاع من ثلاثة آصع
стр. 1580
كما مر "فإن ذبح" الدم الواجب في الحرم مثلا "فسرق" منه أو غصب قبل التفرقة "لم يجزه" فعليه إعادة ذبح دم، وهي أولى "وله أن يشتري بدله لحما ويتصدق به"; لأن الذبح قد وجد قال الأذرعي وينبغي أن يشتري اللحم وغيره من بقية الأجزاء ومثل كلامهم ما لو سرقه مساكين الحرم، وهو ظاهر سواء أوجدت نية الدفع أم لا; لأن له ولاية الدفع إليهم، وهم إنما يملكون به وما قيل من أنه ينبغي تقييد ذلك بما إذا قصر في تأخير التفرقة، وإلا فلا يضمن كما لو سرق المال المتعلق به الزكاة ممنوع; لأن الدم متعلق بالذمة والزكاة بعين المال.
"فصل والأيام المعلومات" المذكورة في القرآن "عشر ذي الحجة (١) الأول و" الأيام "المعدودات" المذكورة في القرآن "أيام التشريق" رواهما البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن ابن عباس وذكرهما الأصحاب هنا لاختصاص غالب المناسك بهما أصولهما بالمعلومات وتوابعها بالمعدودات وفي المعلومات خلاف بينته في شرح البهجة قال البغوي وسميت الأولى معلومات للحرص على عملها بحسابها لأجل أن وقت الحج في آخرها والثانية معدودات لقلتها كقوله تعالى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠].
стр. 1581
باب الهدي
هو بإسكان الدال مع تخفيف الياء وبكسر الدال مع تشديد الياء ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره والمراد هنا ما يهدى إليه من النعم ويجزئ في الأضحية ويطلق أيضا على دماء الجبرانات وقد تقدمت.
"يستحب لمن قصد مكة لنسك" بل ولمن يقصدها له كما سيأتي في كلام المجموع "أن يهدي" إليها "شيئا من النعم" ففي الصحيحين أنه ﷺ أهدى في حجة الوداع مائة بدنة وتعبيره بنسك أولى من تعبير أصله بحج أو عمرة
стр. 1582
"ولا يجب" ذلك "إلا بالنذر"; لأنه قربة فلزم به ويستحب له أن يكون ما يهديه سمينا حسنا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] فسرها ابن عباس بالاستسمان والاستحسان وكونه معه من بلده أفضل وشراؤه من طريقه أفضل من شرائه من مكة، ثم من عرفة فإن لم يسقه أصلا بل اشتراه من منى جاز وحصل أصل الهدي.
"و" يستحب له "أن يقلد البدنة والبقرة نعلين" من النعال التي تلبس في الإحرام "ويتصدق بهما" بعد ذبحها "ثم يشعرها" والإشعار الإعلام والمراد هنا ما ذكره بقوله "فيجرح"، وهي باركة "صفحة سنامها اليمنى بحديدة" فإن لم يكن لها سنام أشعر موضعه لا يقال هذا مثلة، وهي منهي عنها وعن تعذيب الحيوان; لأنا نقول أخبار النهي عن ذلك عامة وأخبار الإشعار خاصة فقدمت "مستقبلا بها" في حالتي التقليد والإشعار "القبلة" كما صح عن فعل ابن عمر رواه البيهقي وحكى في الروضة وجهين في أن تقديم الإشعار أفضل أو التقليد قال: وقد صح في الأول خبر في صحيح مسلم وصح في الثاني عن فعل ابن عمر، وهو المنصوص وعليه جرى المصنف حيث عطف بثم وزاد في المجموع أن الماوردي حكى الأول عن أصحابنا كلهم، ولم يذكر فيه خلافا "ويلطخها بالدم لتعرف" فلا يتعرض لها قال في المجموع، والسنة أن يقلد هديه ويشعره عند إحرامه للأخبار الصحيحة فيه قال ويسن لمن لم يرد الذهاب إلى النسك أن يبعث هديا، وأن يقلده ويشعره من بلده للخبر الآتي.
ويسن أن يجلل هديه ويتصدق بذلك الجل ونقل القاضي عياض عن العلماء: أن التجليل يكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم وأن يشق الجلال عن الأسنمة إن كانت قيمتها قليلة; لئلا تسقط وليظهر الإشعار فإن كانت نفيسة لم تشق "فإن قرن هديين بحبل أشعر" مع إشعاره أحدهما، وهو الأيمن في الصفحة اليمنى كما علم ما مر "الآخر"، وهو الأيسر "في الصفحة اليسرى" ليشاهدا ويؤخذ من التعليل أنه لو كان الأيسر أطول أشعره في الصفحة اليمنى، وهو ما بحثه الزركشي وغيره، ولو قرن ثلاثة بحبل فظاهر أنه يشعر الأوسط في الصفحة اليمنى مطلقا.
"ولا تشعر الغنم" لضعفها; ولأن الإشعار لا يظهر فيها لكثرة شعرها وصوفها "بل يقلدها عرا القرب وآذانها" قال في المجموع والخيوط المفتولة ونحوها لخبر
стр. 1583
مسلم أنه ﷺ أهدى مرة غنما مقلدة (١)، ولا يقلدها بالنعال إذ يثقل عليها حملها قال ويستحب فتل قلائد الهدي لخبر الصحيحين عن عائشة قالت فتلت قلائد بدن النبي ﷺ بيدي، ثم أشعرها وقلدها، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا (٢) "ولا يلزم بذلك" أي بما ذكر من إشعارها وتقليدها "ذبحها" إذ لم تصر بذلك هديا واجبا كما لو كتب الوقف على باب داره أو غيره بلا نية "فإن عطب" الهدي "في الطريق، وكان تطوعا فله التصرف فيه" ببيع وأكل وغيرهما; لأن ملكه ثابت عليه "أو" كان "نذرا لزمه ذبحه" مكانه للخبر الآتي; ولأنه هدي معكوف على الحرم فوجب نحره مكانه كهدي المحصر، وليس له التصرف فيه بما يزيل الملك أو يئول إلى زواله كالوصية والهبة والرهن; لأنه بالنذر زال ملكه عنه وصار للمساكين وفارق ما لو قال: لله علي إعتاق هذا العبد حيث لا يزول ملكه عنه إلا بإعتاقه، وإن امتنع التصرف فيه بأن الملك ينتقل هنا إلى المساكين فانتقل بنفس النذر كالوقف. وأما الملك في العبد فلا ينتقل إليه، ولا إلى غيره بل ينفك العبد عنه "وإلا" أي وإن لم يذبحه حتى تلف "ضمنه" لتفريطه كنظيره في الوديعة، وسيأتي فيه زيادة في الأضحية وما ذكر في النذر قال الزركشي محله في المعين ابتداء، فلو كان قد عينه عما في ذمته عاد إلى ملكه بالعطب على المذهب ويتصرف فيه بالبيع وغيره حكاه الماوردي عن النص والأصل باق في ذمته "ثم" بعد ذبحه (٣) "يغمس تلك النعل" التي قلده بها في دمه "ويضرب بها سنامه" ويتركه ليعلم من مر به أنه هدي فيأكل منه لخبر مسلم "أن النبي ﷺ كان يبعث مع أبي قبيصة بالبدن، ثم يقول إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك" (٤)
стр. 1584
"فإن" وفي نسخة فإذا "كان" الهدي "نذرا حل" لمن مر به غير من يأتي الأكل منه "وإن لم يقل" من أهداه "أبحته" لمن يأكل منه; لأنه بالنذر زال ملكه عنه وصار للمساكين كما مر قال الزركشي: وتقييدهم بالأكل يقتضي أنه لا يحل غيره حتى لو أراد أن يأخذ جميعه أو يأكل وينقل معه بعضه لم يجز، وهو نظير السقاية المسبلة في الطريق يجوز للمار الشرب منها، ولا يجوز نقل الماء معه منها كما صرح به الإمام انتهى.
وقد يفرق بأن الماء لا يملكه المارة بخلاف الهدي يملكونه; لأنهم بدل عن فقراء الحرم الذين يملكونه بالنذر ومع هذا فالظاهر الذي يقتضيه كلامهم الاقتصار على الأكل "ويتوقف التطوع" أي حل هديه إذا ذبحه "على الإباحة" كأن يقول أبحته للفقراء أو المساكين أو جعلته لهم "ولمن وجده الأكل" منه "وإن لم يعلم بالإباحة"; لأن الظاهر أنه أباحه وكما لو رأى ماء بالطريق، وعليه أمارة الإباحة فإن له شربه ففائدة اعتبار الإباحة مع عدم العلم بها دفع الضمان.
"وتحرم المنذورة" أي أكلها "على أغنياء القافلة" وغيرها; لأن الهدي مستحق للفقراء، ولا حق للأغنياء فيه "وكذا فقراؤها" أي القافلة لخبر مسلم السابق هذا "إن رجي مارة" من فقراء غير القافلة، وإلا فيجوز أكل فقرائها منها، وهذا التقييد من زيادته وكلامهم يأباه وقد قال في المجموع فإن قيل إذا لم يجز لأهل القافلة أكله وترك بالبرية كان طعمة للسباع، وهو إضاعة مال قلنا: ليس فيه إضاعة بل العادة الغالبة أن سكان البوادي يتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحوها وقد تأتي قافلة إثر قافلة قال في المهمات والمنع مختص بما الكلام فيه، وهو ما عطب أما البالغ محله ففي حل الأكل منه أوجه مشهورة أرجحها حله في المعين ابتداء دون المعين عما في الذمة على اضطراب يأتي في الأضحية، قال: وسكت يعني الرافعي عن الغرم في الأكل الممتنع مما عطب وفي التقريب أنه يغرم قيمته لمساكين الحرم; لأنه لهم أصالة، وإنما أكله فقراء الموضع لتعذر الإيصال قال وقال بعضهم القياس أنه يغرمه لفقراء ذلك الموضع. ا هـ. والأول هو المنصوص كما نقله الروياني ونقل القياس المذكور، ثم قال: وهو
стр. 1585
غلط; لأنه يمكن إيصال ثمنه إلى مساكين الحرم بخلاف الذبيحة، وكما يجب إيصال الولد إليهم دون اللبن نقل ذلك عنه في المجموع وأقره.
"ووقته" أي ذبح الهدي "وقت" ذبح "الأضحية" لاشتراكهما في الأحكام الآتية في الكتاب الآتي قال الإسنوي، وهذا كالصريح في تعين هذا الوقت لهدي المعتمر أيضا، ولا يمكن القول به; لأنا لا نشك أنه ﷺ لما أحرم بالعمرة عام الحديبية وساق الهدي إنما قصد ذبحه عقب تحلله وأنه لا يتركه بمكة حيا ويرجع إلى المدينة وفيما قاله نظر ومحل وجوب ذبحه (١) في وقت الأضحية إذا عينه له أو أطلق (٢) فإن عين له يوما آخر لم يتعين له وقت; لأنه ليس في تعيين اليوم قربة نقله الإسنوي عن المتولي (٣) وأقره.
"فإن تأخر" ذبحه عن وقتها "وهو واجب قضاه" وجوبا لإخراجه له عن وقته "وإلا" بأن كان تطوعا فقد فات فإن ذبحه "فشاة لحم" (٤) كما في الأضحية
стр. 1586
كتاب الضحايا
جمع ضحية بفتح الضاد وكسرها ويقال أضحية بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياء وتشديدها وجمعها أضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، ويقال أضحاة بفتح الهمزة وكسرها وجمعها أضحى كأرطاة وأرطى وبها سمي يوم الأضحى، وهي: ما يذبح من النعم تقربا إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق كما سيأتي والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [بالكوثر: ٢] أي صل صلاة العيد وانحر النسك وخبر مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال ضحى النبي ﷺ بكبشين (١) أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما (٢) والأملح قيل: الأبيض الخالص وقيل: الذي بياضه أكثر من سواده وقيل: الذي يعلوه حمرة وقيل: غير ذلك.
"وهي" أي التضحية "سنة مؤكدة" (٣) على الكفاية كما سيأتي بيانه "ولو بمنى"; لأنه ﷺ ضحى في منى عن نسائه بالبقر رواه الشيخان (٤) فلا تجب بأصل الشرع (٥) لما روى البيهقي وغيره بإسناد حسن أن أبا بكر وعمر كانا
стр. 1587
لا يضحيان مخافة أن يرى الناس ذلك واجبا (١) ; ولأن الأصل عدم الوجوب (٢) ويكره تركها لمن تسن له، وإنما تسن لمسلم قادر حر كله أو بعضه، وأما المكاتب فهي منه تبرع فيجري فيها ما يجري في سائر تبرعاته "ويحافظ عليها القادر" (٣) أما غيره فلا تسن له كما مر "وتجب بالنذر" كسائر القرب وكذا بقوله جعلت هذه أضحية كما سيأتي "فإن قال: لله علي إن اشتريت شاة أن أجعلها أضحية واشترى" شاة "لزمه أن يجعلها" أضحية وفاء عما التزمه في ذمته هذا إن قصد الشكر على حصول الملك فإن قصد الامتناع فنذر لجاج وسيأتي "فإن عينها" فقال إن اشتريت هذه الشاة فعلي أن أجعلها أضحية "ففي لزوم جعلها" أضحية "وجهان" أحدهما (٤) لا قال في المجموع، وهو أقيس تغليبا لحكم التعيين وقد أوجبها قبل الملك فيلغو كما لو علق به طلاقا أو عتقا والثاني نعم تغليبا للنذر "ولا تصير" البدنة أو الشاة في هذه وفيما لو اشتراها بنية الأضحية "أضحية بنفس الشراء، ولا بالني"; لأن إزالة الملك على سبيل القربة لا تحصل بذلك كما لو اشترى عبدا بنية الوقف أو العتق.
"فصل، ولها" أي الأضحية "شروط" عبر عنها الرافعي كالغزالي بالأركان "الأول كونها من النعم"، وهي الإبل (٥) والبقر والغنم بسائر أنواعها بالإجماع وقال تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه التضحية بغيرها; ولأن التضحية عبادة تتعلق بالحيوان فتختص بالنعم كالزكاة فلا يجزئ غير النعم من
стр. 1588
بقر الوحش وحميره والظباء وغيرها، وأما المتولد بين جنسين من النعم فالظاهر أنه يجزئ هنا (١)، وفي العقيقة والهدي وجزاء الصيد إلا أنه ينبغي اعتبار أصل أعلى الأبوين سنا (٢) في الأضحية ونحوها حتى يعتبر في المتولد بين الضأن والمعز (٣) بلوغه ثلاث سنين إلحاقا له بأعلى السنين نبه على ذلك الزركشي (٤)، وهو ظاهر وقد قدمت نظيره في الزكاة "ولا" يجزئ "أقل من جذع الضأن وثني المعز والإبل والبقر والجذع ذو سنة" تامة نعم إن أجذع قبلها أي أسقط سنه أجزأ كما لو تمت السنة قبل أن يجذع ولعموم خبر أحمد وغيره "ضحوا بالجذع من الضأن" (٥) فإنه جائز ويكون ذلك كالبلوغ بالسن أو الاحتلام فإنه يكفي فيه أسبقهما وبه صرح الأصل "والمعز والبقر" أي الثني منهما "ذو سنتين" (٦) تامتين "والإبل" أي الثني منها "ذو خمس سنين تامة" لخبر مسلم "لا تذبحوا إلا مسنة إلا إن تعسر عليكم فاذبحوا جذعة من الضأن" (٧) قال النووي في شرح مسلم قال العلماء: المسنة هي الثنية من الإبل والبقر والغنم فما فوقها قال الرافعي: والمعنى في ذلك أن الثنايا تتهيأ للحمل والنزوان فانتهاؤها إلى هذا الحد
стр. 1589
كبلوغ الآدمي وحالها قبله كحال الآدمي قبل بلوغه ا هـ.، ولا يخفى أن كثيرا من الإبل والبقر تتهيأ لذلك قبل هذا الحد وقضية الخبر أن جذعة الضأن لا تجزئ إلا إذا عجز عن المسنة والجمهور على خلافه وحملوا الخبر على الاستحباب وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن.
стр. 1590
فصل في صفة الأضحية
"ولا تجزئ ما بها مرض" (١) بين بحيث "يوجب الهزال أو عرج بين" بحيث تسبقها الماشية إلى الكلأ الطيب وتتخلف عن القطيع بخلاف اليسير من ذلك لما رواه الترمذي وصححه "أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والعجفاء التي لا تنقي" (٢) مأخوذة من النقي بكسر النون وإسكان القاف، وهو المخ أي لا مخ لها; ولأن البين من ذلك يؤثر في اللحم بخلاف اليسير "ولو حدث" بها العرج "تحت السكين" فإنها لا تجزئ; لأنها عرجاء عند الذبح فأشبه ما لو انكسرت رجل شاة فبادر إلى التضحية بها "ولا" يجزئ "ما بها جرب، وإن قل" أو رجي زواله; لأنه يفسد اللحم والودك وينقص القيمة "أو" بها "عمى أو عور"، وهو ذهاب ضوء إحدى العينين "ولو بقيت الحدقة" لفوات المقصود، وهو كمال النظر وللخبر السابق "وتجزئ العمشاء"، وهي ضعيفة البصر مع سيلان الدمع غالبا "والمكوية "; لأن ذلك لا يؤثر في اللحم "وكذا العشواء "، وهي التي لا تبصر ليلا; لأنها تبصر وقت الرعي "ومشقوقة الأذن" إذ لا نقص فيها والنهي الوارد عن التضحية بالشرقاء،
стр. 1591
وهي مشقوقة الأذن محمول على كراهة التنزيه أو على ما أبين منه شيء بالمشرق "إلا إن أبين جزء منها، ولو يسيرا أو فقدت الأذن" منها "خلقا" (١) لفوات جزء مأكول "ولا" تجزئ "هزيلة ذهب مخها" بخلاف ما إذا كان بها بعض هزال، ولم يذهب مخها للخبر السابق "و" لا "مجنونة" (٢)، وهي التي "قل رعيها"; لأن ذلك يورث الهزال.
"ويجزئ الفحل والأنثى، وإن كثر نزوانه" أي الفحل "وولادتها" أي الأنثى، فلو كانت حاملا لم تجز; لأن الحمل يهزلها نقله النووي في مجموعه عن الأصحاب (٣) قال الأذرعي وجزم به الشيخ أبو حامد وأتباعه وغيرهم وفي بيوع الروضة وصداقها ما يوافقه وقال ابن الرفعة المشهور أنها تجزئ; لأن ما حصل بها من نقص اللحم ينجبر بالجنين فهو كالخصي ورد بأن الجنين (٤) قد لا يبلغ حد الأكل كالمضغة وبأن زيادة اللحم لا تجبر عيبا بدليل العرجاء السمينة "ولو فقدت الضرع والألية أو الذنب خلقا أجزأت" أما في الأولين فكما يجزئ ذكر المعز بخلاف المخلوقة بلا أذن كما مر; لأن الأذن عضو لازم غالبا، وأما في الثالث فقياسا على ذلك "لا" إن كان الفقد لذلك "بقطع، ولو لبعض" منه "أو" بقطع "بعض لسانها" لحدوث ما يؤثر في نقص اللحم "ولا يضر قطع فلقة يسيرة من عضو كبير" كفخذ; لأن ذلك لا يظهر بخلاف الكبيرة بالإضافة إلى العضو لنقصان اللحم وكون العضو لازما للجنس. "ويجزئ خصي وموجوء" أي مرضوض عروق البيضتين; لأنه ﷺ "ضحى بكبشين موجوءين" رواه الحاكم
стр. 1592
وصححه (١) ; ولأن ذلك يزيد اللحم طيبا وكثرة وبه ينجبر ما فات من البيضتين مع أنهما لا يؤكلان عادة بخلاف الأذن "ولا يضر عدم القرن و" لا "كسر" له "لم يعب اللحم"، وإن دمي بالكسر; لأن القرن لا يتعلق به كبير غرض فإن عيب اللحم ضر كالجرب وغيره "وغيرها"، وهي ذات القرن "أولى" للاتباع السابق ولخبر "خير التضحية الكبش الأقرن" (٢) رواه الحاكم وصحح إسناده; ولأنها أحسن منظرا بل يكره غيرها كما نقله في المجموع عن الأصحاب.
"ولا يمنع" من الإجزاء "ذهاب بعض الأسنان"; لأنه لا يؤثر في الاعتلاف ونقص اللحم "فلو ذهب الكل منع"; لأنه يؤثر في ذلك وقضية هذا التعليل أن ذهاب البعض إذا أثر يكون كذلك (٣) وعبارة البغوي وغيره ويجزئ مكسور سن أو سنين، وهي ظاهرة في ذلك ذكره الأذرعي وصوبه الزركشي.
"فرع" في صفة الكمال "استكثار القيمة" في الأضحية بنوع "أفضل من" استكثار "العدد" منه "بخلاف العتق"، فلو كان معه دينار ووجد به شاة سمينة وشاتين دونها فالشاة أفضل، ولو كان معه ألف وأراد عتق ما يشتريه بها فعبدان خسيسان أفضل من عبد نفيس; لأن المقصود هنا اللحم، ولحم السمين أكثر وأطيب، والمقصود من العتق التخليص من الرق وتخليص عدد أولى من تخليص واحد "واللحم" أي كثرته "خير من" كثرة "الشحم" قال في الأصل إلا أن يكون لحما رديئا وأجمعوا على استحباب السمين في الأضحية واستحبوا تسمينها فالسمينة أفضل من غيرها لما مر في باب الهدي "وأفضلها البدنة، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم المعز"، ثم شرك من بدنة، ثم من بقرة اعتبارا بكثرة اللحم غالبا ولانفراده بإراقة دم فيما قبل الشرك وفي الصحيحين في الرواح إلى الجمعة تقديم البدنة، ثم البقرة، ثم الكبش "وسبع شياه أفضل من بدنة" بعير أو بقرة (٤) ; لأن لحمها أطيب والدم المراق لذبحها أكثر، والقربة تزيد بحسبه
стр. 1593
قال الرافعي وقد يؤدي التعارض في مثل هذا إلى التساوي، ولم يذكروه "والبيضاء أفضل، ثم الصفراء"، وهي من زيادته "ثم العفراء"، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء كما في المجموع. "ثم السوداء" (١) قيل: للتعبد وقيل: لحسن المنظر وقيل لطيب اللحم وروى أحمد والحاكم خبر "لدم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين" (٢) وجعل الماوردي قبل الأبلق الأحمر "والذكر أفضل" من الأنثى; لأن لحمه أطيب من لحمها (٣) "فإن كثر نزوانه فضلته" الأنثى "التي لم تلد"; لأنها أطيب وأرطب لحما، وعليها حمل بعضهم قول الشافعي والأنثى أحب إلي، وحمله بعضهم على جزاء الصيد إذا قومت لإخراج الطعام والأنثى أكثر قيمة، ولم يصحح في الأصل والمجموع شيئا من الحملين نعم صحح الجويني في فروقه الأول ونسب في الذخائر الثاني للأصحاب، ولا يخفى أن كلا من الحملين صحيح لكن لما كان المناسب هنا إنما هو الأول جرى عليه المصنف.
"فصل الشاة" تجزئ "عن واحد فإن ذبحها عنه وعن أهله أو عنه وأشرك غيره في ثوابها جاز" وعليهما حمل خبر مسلم أنه ﷺ ضحى بكبشين وقال: "اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد" (٤)، وهي في الأولى سنة كفاية تتأدى بواحد من أهل البيت (٥) كالابتداء بالسلام وتشميت العاطس قال في المجموع
стр. 1594
ومما يستدل به لذلك الخبر الصحيح في الموطأ أن أبا أيوب الأنصاري قال كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة (١) وظاهر أن الثواب فيما ذكر للمضحي (٢) خاصة; لأنه الفاعل كما في القائم بفرض الكفاية.
"فرع تجزئ البدنة أو البقرة عن سبعة" كما تجزئ عنهم في التحلل للإحصار ولخبر مسلم عن جابر نحرنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (٣) وظاهر أنهم لم يكونوا من أهل بيت واحد، ولخبر مسلم عن جابر أيضا قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا أن نشرك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة (٤) "ولهم القسمة" أي قسمة اللحم بناء على أن قسمته كسائر المتشابهات إفراز كما اقتضاه كلام الأصل هنا وصرح بتصحيحه في المجموع.
"ولو اشترك رجلان في شاتين" (٥) للتضحية أو غيرها كالهدي "لم يجز" اقتصارا على ما ورد الخبر به ولتمكن كل منهما من الانفراد بواحدة وفرق بينه وبين جواز إعتاق نصفي عبدين عن الكفارة: بأن التشقيص عيب ومطلق العيب يمنع الإجزاء في الأضحية بخلاف العتق وفيه نظر; لأن الذي يمنع الإجزاء إنما هو عيب ينقص اللحم لا مطلق العيب فالأولى أن يفرق باختلاف المأخذ; لأن المأخذ ثم تخليص رقبة من الرق وقد وجد بذلك، وهنا التضحية بشاة، ولم توجد بما فعل "ولو ضحى ببدنة" من بعير أو بقرة بدل شاة واجبة "فالزائد على السبع تطوع" و "يصرفه" أي الزائد "إلى أنواع" مصرف أضحية "التطوع" من إهداء وتصدق "إن شاء"، وإن شاء فعل فيه ما يفعل في سائر الضحايا المتطوع بها من أكل وإهداء وتصدق وقوله ويصرفه إلى آخره من زيادته، وهو معلوم مما
стр. 1595
سيأتي.
"الشرط الثاني الوقت" أي وقت الأضحية "وهو من حين يمضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتان من طلوع شمس يوم النحر (١) إلى آخر أيام التشريق (٢)، ولو" كانت الأضحية "منذورة"، فلو ذبح قبل ذلك أو بعده لم يقع أضحية لخبر الصحيحين: أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ولخبر مسلم "لا يذبحن أحد قبل أن يصلي" (٣) ولخبر ابن حبان "في كل أيام التشريق ذبح (٤) " (٥) قالوا والمراد بالأخبار التقدير بالزمان لا بفعل الصلاة; لأن التقدير بالزمان أشبه بمواقيت الصلاة وغيرها; ولأنه أضبط للناس في الأمصار والقرى والبوادي "ويقضي" المنذورة وجوبا إذا فات الوقت; لأن النذر قد لزمه (٦) فلم يسقط بفوات الوقت ومثلها ما لو قال: جعلت هذه أضحية كما صرح به
стр. 1596
في المجموع "دون المتطوع بها" فلا تقضى.
"فإن ذبح المتطوع بها" (١) بعد فوات الوقت "فهي صدقة" إن تصدق بها فيثاب ثواب الصدقة لا الأضحية، وإن ضحى بها في سنة أخرى وقعت عنها لا عن الأولى "ويكره الذبح بالليل مطلقا" عن التقييد بالأضحية وفيها أشد كراهة وذلك; لأنه لا يأمن الخطأ في المذبح; ولأن الفقراء لا يحضرون فيه حضورهم بالنهار قال الأذرعي، ولا معنى لكراهة الذبح (٢) إذا ترجحت مصلحته أو دعت إليه ضرورة كأن خشي فوات الأضحية أو نهيا أو احتاج هو وأهله إلى الأكل منها أو نزل به أضياف أو حضر مساكين القرية، وهم محتاجون إلى الأكل منها.
"الشرط الثالث: الذابح "، وهو من تجوز مناكحته والأمة الكتابية كما سيأتي "والأفضل أن يذبح المضحي" بنفسه (٣) للاتباع رواه الشيخان; ولأن التضحية قربة فتسن مباشرتها "أو يوكل" في ذلك "مسلما فقيها" بباب الضحايا وما يتعلق بها لخبر مسلم أنه ﷺ أهدى مائة بدنة فنحر منها ثلاثا وستين، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه أي في ثوابه وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلها في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها (٤) ; ولأن المسلم أهل لقربة والفقيه أعرف بواجبات الذبح وسننه وأو في كلامه للتنويع لا للتخيير، فلو عبر كأصله بقوله، وله أن يوكل كان أولى نعم الأولى للمرأة والخنثى أن يوكلا رجلا قال الأذرعي والظاهر استحباب التوكيل (٥) لكل من ضعف عن الذبح من الرجال لمرض أو غيره، وإن أمكنه الإتيان به ويتأكد استحبابه للأعمى وكل من تكره ذكاته "و" أن "يحضر" الذبح إذا وكل فيه لما رواه الحاكم وصحح إسناده
стр. 1597
أنه ﷺ قال لفاطمة: "قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" "ويجزئ كتابي" أي توكيله; لأنه أهل للذبح، ويجوز أن يعتان المسلم في قربه بالكافر كما يعتان به في قسمة الزكاة، ولا يجوز توكيل غير الكتابي كالمجوسي والوثني والمرتد إذ لا تحل ذبيحتهم "ويكره صبي وأعمى" أي توكيلهما "والحائض" أي توكيلها "أولى منهما" أي من توكيلهما، ولا يكره توكيلها; لأنه لم يصح فيه نهي ذكره في الروضة ونقله الروياني عن الأصحاب، ثم قال: لكنه خلاف الأولى وكالحائض النفساء وذكر الأعمى من زيادة المصنف هنا مع أنه ذكره كأصله في الصيد والذبائح وذكر أن الحائض أولى منه من زيادته.
"والصبي" المسلم أي توكيله "أولى من" توكيل "الكتابي" ومثله الأعمى كما اقتضاه كلامه كأصله وقضية كلامه كالروضة أنه يكره توكيل الذمي في ذلك وبه صرح الرافعي والنووي في مجموعه.
"ولا بد" في التضحية "من النية"; لأنها عبادة (١) "ولو قبل الذبح" عند تعيين الأضحية كما في الزكاة والصوم "ولو عين شاة للأضحية" بأن قال جعلتها أضحية "أو" عينها "عن نذر في ذمته لم تجز عن نية الذبح" للأضحية فلا يكفي تعيينها; لأنها قربة في نفسها فوجبت النية فيها "ولو نوى دون وكيله، ولو عند الدفع" أي دفع الأضحية "إليه" أو تعيينه لها "كفى" فلا حاجة إلى نية الوكيل بل لو لم يعلم أنه مضح لم يضر "ويجوز تفويضها إلى الوكيل المسلم" (٢) المميز كما يفوض إليه الذبح، وكما في الزكاة بخلاف الكتابي وغير المميز كمجنون وسكران لعدم صحتها منهم.
"ولا أضحية لرقيق"، ولو مدبرا; لأنه لا يملك شيئا "فإن أذن له" سيده وضحى فإن كان غير مكاتب "وقعت للسيد" أي عنه أو مكاتبا "و" قعت "عن المكاتب"; لأنها منه تبرع وقد أذن له فيه سيده ويوجه وقوعها عن السيد في غير المكاتب بالإذن بأنه بمنزلته ويده كيده "ولمن بعضه رقيق أن يضحي بما يملكه" بحريته، ولا يحتاج إلى إذن سيده كما لو تصدق به "ولا يضحي
стр. 1598
أحد عن غيره بلا إذن" منه "ولو" كان "ميتا" فإن أذن له وقعت عنه، وصورة الإذن في الميت أن يوصي بها (١) وروى أبو داود والترمذي وغيرهما أن علي بن أبي طالب كان يضحي بكبشين عن النبي ﷺ وبكبشين عن نفسه وقال: إنه ﷺ أمرني أن أضحي عنه أبدا (٢) فعلم أنها لا تقع عنه، ولا عن غيره إذا ضحى عنه بغير إذنه "نعم تقع عن المضحي" أضحية "معينة (٣) بالنذر" منه فمعينة مرفوع بالفاعلية ويجوز نصبه بالحالية.
"الشرط الرابع الذبح، ولا يحل حيوان" مأكول "مقدور عليه غير السمك والجراد" إنسيا كان أو وحشيا أضحية كان أو غيرها "إلا بالتذفيف بقطع جميع الحلقوم والمريء" (٤) حالة كون القطع "محضا" أي خالصا "والحياة مستقرة (٥) لا بعظم وظفر" لخبر الصحيحين عن رافع بن خديج قال: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا، وليست معنا مدى أفنذبح بالقصب قال ما
стр. 1599
أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة (١) وألحق بهما باقي العظام وسيأتي في الصيد والذبائح استيفاء الكلام على ذلك وعلى ما يتعلق به وقوله كأصله جميع تأكيد "ولا يقطع" الرأس "بإلصاق السكين باللحيين" فوق الحلقوم والمريء; لأنه لم يقطعها، وهذا يغني عنه صدر كلامه الآتي على الأثر، ولو جعله مثالا له كان أولى "فإن لم يقطعهما أو اختطف رأس عصفور" أو غيره "ببندقة" أو غيرها "أو بقي منهما" أي من الحلقوم والمريء شيء "يسير" فمات الحيوان أو قطع بعد رفع السكين ما بقي بعد انتهائه إلى حركة المذبوح "فميتة ويعصى بالذبح ومن القفا و" من "الصفحة" أي الصفحة العنق "و" من "إدخال السكين في الأذن" لزيادة الإيلام "فإن وصل المذبح" في كل من الثلاثة "والحياة مستقرة فقطع" هـ "حل، وإن لم يقطع جلدتهما" أي الحلقوم المريء كما لو قطع يد الحيوان، ثم ذبحه فإن لم يصل المذبح أو وصله، والحياة غير مستقرة فقطعه لم يحل.
"ولا يضر عدم استقرار الحياة بعد الشروع في قطعهما" جميعهما أو مجموعهما بأن انتهى بعد الشروع فيه إلى حركة المذبوح لما ناله بسبب قطع القفا والصفحة وإدخال السكين في الأذن; لأن أقصى ما وقع التعبد به أن يكون فيه حياة مستقرة عند الابتداء بقطع المذبح "بخلاف ما لو" وفي نسخة من "تأنى في الذبح فلم يتمه حتى ذهب استقرارها" أي الحياة فإنه يضر قال في الروضة: لأنه مقصر في التأني بخلاف الأول لا تقصير منه، ولو لم نحلله أدى إلى حرج.
"وإن ذبحها" أي الأضحية "وأخرج آخر حشوتها" بكسر الحاء وضمها أي أمعاءها أو نخس خاصرتها "معا لم يحل"; لأن التذفيف لم يتمحض بقطع الحلقوم والمريء قال في الأصل سواء أكان ما قطع به الحلقوم مما يذفف لو انفرد، أو كأن يعين على التذفيف ر ومقتضاه أنها لا تحل (٢)، وإن كان المشارك غير
стр. 1600
مذفف لو انفرد وتوقف الرافعي ومال إلى الحل كنظيره فيما لو جرحا آدميا وكان أحدهما مذففا دون الآخر حيث لا قصاص على الآخر ومال إليه الإسنوي وغيره أيضا لكن فرق ابن الرفعة بأن القصاص يسقط بالشبهة; لأن الأصل عصمة الدم والتحريم يثبت بالشبهة; لأن الأصل في الباب التحريم، ولو اقترن قطع الحلقوم بقطع رقبة الشاة من قفاها بأن أجرى سكينا من القفا وسكينا من الحلقوم حتى التقتا فهي ميتة كما صرح به الأصل; لأن التذفيف إنما حصل بذبحين ويؤخذ من اعتبار تمحض القطع أنه لو ذبح بسكين مسموم بسم موح حرم، ذكره الزركشي (١).
"والحلقوم مجرى النفس" خروجا ودخولا "والمريء" بالمد والهمز "مجرى الطعام" والشراب "والودجان" بفتح الدال "عرقان بعدهما" أي بعد الحلقوم والمريء أي وراءهما في صفحتي العنق محيطان بالحلقوم "يستحب قطعهما" مع ما ذكر; لأنه أوحى وأروح للذبيحة، والغالب أنهما ما ينقطعان بقطع الحلقوم والمريء وإنما لم يجب قطعهما; لأنهما قد يسلان من الحيوان فيبقى وما هذا شأنه لا يشترط قطعه كسائر العروق "فإن جرح الحيوان أو سقط عليه سيف" أو نحوه وفي نسخة سقف "وبقيت فيه حياة مستقرة، ولو" عرفت "بشدة الحركة" أو انفجار الدم "فذبحه حل"، وإن تيقن هلاكه بعد ساعة "وإلا" أي، وإن لم تكن فيه حياة مستقرة "فلا" يحل لوجود ما يحال عليه الهلاك مما ذكر وروى الشيخان أنه ﷺ قال لأبي ثعلبة الخشني "وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل" (٢) وقوله، ولو بشدة الحركة ليس في محله (٣) ; لأنه لو وصل بجرح إلى حركة المذبوح وفيه شدة الحركة، ثم ذبح لم يحل، والمراد به إنما هو معرفة الحياة المستقرة حالة الذبح، فلو أخره مع الجملة قبله كأصله كان حسنا. وحاصله أن الحياة المستقرة عند الذبح تارة تتيقن وتارة تظن
стр. 1601
بعلامات وقرائن فمنها الحركة الشديدة بعد الذبح وانفجار الدم وتدفقه "ولو شككنا في استقرارها حرم" للشك في المبيح وتغليبا للتحريم "فإن لم يصبه شيء" مما ذكر "بل مرض"، ولو بأكله نباتا مضرا (١) "أوجاع فذبحه" وقد صار "آخر رمق حل"; لأنه لم يوجد سبب يحال الهلاك عليه ويجعل قتلا ومسألة الجوع من زيادته.
"فصل" في سنن الذبح "يسن تحديد الشفرة" بفتح الشين أي السكين لخبر مسلم "إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (٢) وأفهم سن تحديدها أنه لو ذبح بسكين كال حل ومحله أن لا يكون كلالها غير قاطع إلا بشدة اعتماد وقوة الذابح فإن كان كذلك لم يحل; لأنه يذفف بقطع الحلقوم والمريء محضا وسيأتي هذا في الصيد والذبائح "و" يسن "الذبح بقوة" بأن يمر السكين بتحامل ذهابا وإيابا ليكون أوحى وأسهل "وكذا" يسن "الاستقبال" أي استقبال الذابح القبلة "و" الاستقبال "بمذبحها" إليها; لأنها أشرف الجهات، ولا يوجه وجهها إليها ليتمكن هو من الاستقبال "والاستقبال" المذكور في الأضحية "والهدي آكد" منه في غيرهما للاتباع رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن; ولأن الاستقبال في العبادات مستحب وفي بعضها واجب، وكالأضحية والهدي في ذلك العقيقة، ولعلهم إنما تركوها هنا لقولهم في بابها: إنها كالأضحية.
"و" تسن "التسمية" بأن يقول باسم الله "والصلاة على النبي ﷺ عند
стр. 1602
الذبح و" عند "إرسال السهم (١) والجارحة" إلى صيد"ولو عند الإصابة" بالسهم "والعض" من الجارحة أما التسمية فلقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الانعام: ١١٨] ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وللاتباع رواه الشيخان، وأما الصلاة على النبي ﷺ ; فلأنه محل يسن فيه ذكر الله فسن فيه ذكر رسوله ﷺ كالأذان والصلاة، وخلافا لما كان عليه المشركون من تسمية الأوثان وإنما لم تجب التسمية لآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٢) إلى قوله ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فأباح المذكى، ولم يذكر التسمية ولقول عائشة: "إن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما حديثو عهد بجاهلية يأتونا بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا؟ أنأكل منها أم لا؟ فقال: "اذكروا اسم الله وكلوا" رواه البخاري، ولو كان واجبا لما جاز الأكل مع الشك، وأما قوله ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فالذي تقتضيه البلاغة أن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ليس معطوفا للتباين التام بين الجملتين (٣) إذا الأولى فعلية إنشائية والثانية اسمية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابا لمكان الواو فتعين أن تكون حالية فيتقيد النهي بحال كون الذبح فسقا والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب الله تعالى بما أهل لغير الله به وبعضهم أجاب بحمل النهي في الآية على كراهة التنزيه. وأما نحو خبر أبي ثعلبة "فما صدت بقوسك فاذكر اسم الله، ثم كل وما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله، ثم كل" (٤) فأجابوا عنه بحمله على الندب، والتصريح بذكر الصلاة على النبي ﷺ عند الإرسال أو الإصابة والعض من زيادته، لكن ما بعد لو لا يصلح غاية لما قبلها، فلو قال، وكذا عند الإصابة والعض كان أولى قال الزركشي في الخادم ويستحب أن لا
стр. 1603
يقول في التسمية الرحمن الرحيم; لأنه لا يناسب المقام لكنه قال في شرح المنهاج ليس المراد بالتسمية خصوص هذا اللفظ بل لو قال الرحمن الرحيم كان حسنا (١)، وفي البحر عن البيهقي أن الشافعي قال فإن زاد شيئا من ذكر الله فالزيادة خير "وتركهما" أي التسمية والصلاة عندما ذكر "تعمدا مكروه" لتأكد أمرهما، وذكر كراهة ترك الصلاة من زيادته، ولم أره لغيره.
"ولا يجوز أن يقول الذابح" والصائد كما صرح به في الروضة "باسم محمد، ولا باسم الله واسم محمد"، ولا بسم الله ومحمد رسول الله بالجر كما صرح به الأصل "للتشريك (٢) فإن قصد التبرك" باسم محمد "فينبغي أن لا يحرم" ذلك ويحمل إطلاق من نفى الجواز عنه على أنه مكروه; لأن المكروه يصح نفي الجواز المطلق عنه ذكره الأصل "كقوله باسم الله ومحمد رسول الله برفع محمد" فإنه لا يحرم بل، ولا يكره فيما يظهر لعدم إيهامه التشريك قال الزركشي، وهذا ظاهر في النحوي، أما غيره فلا يتجه فيه ذلك.
"ولا تحل ذبيحة كتابي للمسيح" أو غيره مما سوى الله تعالى موسى ﵇ "ولا" ذبيحة "مسلم لمحمد" ﷺ "أو للكعبة" أو غيرهما مما سوى الله; لأنه مما أهل به لغير الله بل إن ذبح لذلك تعظيما وعبادة كفر كما لو سجد له كذلك صرح به الأصل، ولو قال المصنف، ولا تحل ذبيحة مسلم أو غيره لغير الله كان أعم وأخصر وأقرب إلى كلام الأصل.
"فإن ذبح للكعبة أو للرسل تعظيما لكونها بيت الله أو لكونهم رسل الله جاز" قال في الأصل وإلى هذا المعنى يرجع قول القائل: أهديت للحرم أو للكعبة "وتحرم الذبيحة" إذا ذبحت "تقربا إلى السلطان" أو غيره عند لقائه لما مر "فإن قصد الاستبشار بقدومه فلا بأس أو ليرضي غضبانا جاز كالذبح للولادة" أي كذبح العقيقة لولادة المولود; ولأنه لا يتقرب به إلى الغضبان في صورته بخلاف الذبح للصنم، ولو ترك قوله فلا بأس كان أولى وأخصر "فإن ذبح
стр. 1604
للجن حرم إلا إن قصد" بما ذبحه "التقرب إلى الله ليكفيه شرهم" فلا يحرم
"ويستحب في الإبل و" سائر "ما طال عنقه" كالنعام والإوز "النحر في اللبة" بفتح اللام، وهي الثغرة أسفل العنق "بقطع الحلقوم والمريء" للاتباع وللأمر به في الإبل رواهما الشيخان ولأنه أسرع لخروج روحها لطول عنقها وقوله وما طال عنقه من زيادته وجزم به الزركشي (١) بحثا "و" يستحب أن ينحر "البعير قائما على ثلاث" من قوائمه لقوله تعالى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] قال ابن عباس قياما على ثلاث "معقولا" في الركبة قال في المجموع وأن تكون المعقولة اليسرى للاتباع رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم "وإلا" أي وإن لم ينحره قائما "فباركا و" أن "يذبح البقر والغنم" ونحوهما كالخيل وحمر الوحش بأن يقطع حلقها أعلى العنق وأن تكون "مضجعة" للاتباع في الشاة رواه البخاري وقيس بها البقية; ولأنه أرفق "على" جنبها "الأيسر"; لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار "مشدودة القوائم" لئلا تضطرب حالة الذبح فيزل الذابح "لا الرجل اليمنى" فلا تشد بل تترك لتستريح بتحريكها. "فإن نحرها أو ذبح الإبل" ونحوها "حل" أما الأول فلخبر مسلم عن جابر نحرنا مع رسول الله ﷺ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة (٢)، وأما الثاني فلعموم الأدلة كخبر "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل" (٣) "ولم يكره" ذلك إذ لم يرد فيه نهي لكنه خلاف الأولى "ويستحب أن لا يزيد على قطعهما" أي حلقومها ومريئها مع ودجيها وفي نسخة قطعها أي المذكورات "وأن لا يبين رأسها و" أن "لا يسلخها و" أن "لا ينقلها" إلى مكان "و" أن "لا يمسكها" بعد الذبح "عن الاضطراب حتى تبرد" في الأربعة المذكورة وعبارة أصله حتى تفارق الروح قال في المجموع فإن خالف ذلك كره، وعلم من كلام المصنف ما صرح به أصله من أنه لا يكسر فقارها، ولا يقطع عضوا منها، ولا يحركها.
"و" أن "تساق" إلى المذبح "و" أن "تضجع برفق" وأن يكون ذلك "بعد
стр. 1605
أن تسقى و" أن "لا تحد الشفرة و" أن "لا يذبح غيرها قبالتها" فيها "و" أن "يكبر" الله تعالى "قبل التسمية وبعدها عند الذبح" أو غيره مما مر "ثلاثا" فيقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر "ثم يقول ولله الحمد"; لأنه في أيام التكبير وروى مسلم أنه ﷺ قال "بسم الله والله أكبر" (١)، والتصريح بقوله عند الذبح من زيادته وظاهر أن ذلك بعد الصلاة على النبي ﷺ أيضا "و" أن "يقول" بعد ذلك "اللهم" هذا "منك وإليك فتقبل مني" أي اللهم هذا عطية منك وتقرب مني إليك وتقدم أنه ﷺ قال عند تضحيته "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد" وفي الرافعي عن الروياني عن الأصحاب أنه لو قال: تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك وموسى كليمك وعيسى روحك ومحمد عبدك ورسولك ﷺ لم يكره، ولم يستحب; لأنه لا يساويهم غيرهم فيها لكن يجوز أن يكون المسئول التشريك في أصل التقبل وذكر بعض ذلك في الروضة.
"فصل" لو "قال جعلت هذه" البدنة أو الشاة "أضحية أو هديا" أو هذه ضحية أو هدي "أو علي أن أضحي بها أو أهديها أو" علي أن "أتصدق بهذا المال أو الدراهم تعين" ذلك "ولو لم يقل لله وزال ملكه عنها، وإن نذر عتق عبد بعينه تعين عتقه لكن لا يزول ملكه" عنه "إلا بعتقه"; لأن الملك فيه لا ينتقل بل ينفك عن الملك بالكلية وفيما ذكر ينتقل إلى المساكين كما مر في باب الهدي، ولهذا لو أتلف وجب تحصيل بدله كما سيأتي بخلاف العبد; لأنه المستحق للعتق وقد تلف ومستحقو ما ذكر باقون "وإذا نوى" جعل هذه الأضحية مثلا "بغير لفظ لم تصر أضحية، وإن ذبحها" هذا قدمه أول الباب وظاهر أن إشارة الأخرس (٢) المفهمة كنطق الناطق كما قاله الأذرعي "ولو عين شاة أو عبدا عما التزم" في ذمته "من أضحية وعتق تعينا" كما لو عين ذلك ابتداء "لا دراهم عينها عما التزم التصدق به" بنذر أو غيره فلا يتعين; لأن تعيين
стр. 1606
كل منها ومما في الذمة ضعيف وظاهر أن غير الدراهم (١) مما لا يصلح للأضحية والعتق كالدراهم في حكمها.
"ومن أراد التضحية فدخل" عليه "عشر ذي الحجة كره له أخذ شيء من أجزاء (٢) بدنه وشعره حتى يضحي" لخبر مسلم "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" (٣) وفي رواية "فلا يأخذن من شعره وأظفاره شيئا حتى يضحي" (٤) ويكره مخالفة ذلك ومنع من تحريمه قول عائشة في خبر الصحيحين كنت أفتل قلائد هدي النبي ﷺ ثم يقلدها هو بيده، ثم يبعث بها فلا يحرم عليه شيء أحله الله تعالى حتى ينحر الهدي (٥) والمعنى فيه شمول المغفرة (٦) لجميع أجزائه، ولو ترك المصنف الشعر أو ذكر معه الظفر كأصله كان أولى وظاهر أنه يستثنى من ذلك ما يزال بالختان والفصد ونحوهما وأن محل كراهة ذلك (٧) إذا لم تدع إليه حاجة ذكر ذلك جماعة منهم الزركشي قال: وقياس تعليلهم السابق كراهة ذلك لمن عزم على إعتاق
стр. 1607
مستحب أو واجب إلا أن يفرق بأن الأضحية (١) فداء عن البدن كما دل عليه قوله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وفي معنى مريد التضحية من أراد أن يهدي شيئا من النعم إلى البيت بل أولى وبه صرح ابن سراقة وقضية قولهم حتى يضحي أنه لو أراد التضحية بأعداد زالت الكراهة بذبح الأول ويحتمل بقاء النهي إلى آخرها (٢) انتهى.
"فصل وأحكامها" أي الأضحية ما في معناها من الهدي "أنواع" خمسة "الأول الإتلاف" أي حكمه وحكم التلف "فالمنذورة المعينة من الأضحية والهدي أمانة في يده" أي الناذر فلا يضمنها "ما لم يتمكن من ذبحها" (٣) بأن تلفت أو ضلت قبل دخول وقتها أو بعده، ولم يتمكن من ذبحها وقد زال ملكه عنها بالنذر فلا ينفذ تصرفه فيها ببيع، ولا هبة، ولا إبدال بمثلها، ولا بخير منها، ولو نذر إعتاق عبد بعينه لم يجز بيعه، وهبته وإبداله، وإن لم يزل الملك عنه كما مر مع الفرق بين زوال الملك هنا وعدم زواله ثم "فإن تمكن منه" أي من ذبحها "وتلفت ضمنها" لتقصيره بتأخيرها وسيأتي ما يضمنها به "وتجوز إعارتها"; لأنها إرفاق كما يجوز الارتفاق بها للحاجة برفق كما سيأتي قبيل المسائل المنثورة، فلو تلفت في يد المستعير فلا ضمان عليه أي، ولو فيما تلف بغير الاستعمال كما سيتضح في الموضع المشار إليه; لأن يد معيره يد أمانة فكذا هو كما ذكره الرافعي وغيره في المستعير من المستأجر ومن الموصى له بالمنفعة نبه على ذلك
стр. 1608
الإسنوي (١) قال ابن العماد وصورة المسألة أن يتلف (٢) قبل وقت الذبح فإن دخل وقته، وتمكن من ذبحها وتلفت ضمن لتقصيره أي كما يضمن معيره لذلك "لا إجارتها"; لأنها بيع للمنافع. "فإن" أجرها وسلمها للمستأجر، ثم "تلفت" عنده بركوب أو غيره "ضمنها المؤجر" بقيمتها "وعلى المستأجر أجرة المثل" (٣) نعم إن علم الحال فالقياس أن يضمن كل منهما (٤) الأجرة والقيمة، والقرار على المستأجر ذكره الإسنوي (٥) "وتصرف" الأجرة "مصرف الأضحية" كالقيمة فيفعل بها ما يفعل بها وسيأتي بيانه "وإن باعها" أي المنذورة "استردها" إن كانت باقية ورد ثمنها "وإن تلفت" في يد المشتري "استرد أكثر قيمها من" وقت "القبض إلى" وقت "التلف" كالغاصب "والبائع طريق في الضمان" والقرار على المشتري، وهذا من زيادته هنا "ويشتري" البائع بتلك القيمة "مثلها" أي مثل التالفة جنسا ونوعا وسنا "فإن نقصت" أي القيمة عن تحصيل المثل لغلاء حدث "وفى" القيمة "من ماله فإن اشتراه" أي المثل "أضحية بنفس الشراء، وإلا" بأن اشتراه في الذمة، ولم ينو أنه أضحية "فيجعله إياها" أي أضحية "وإن أتلفها أجنبي (٦) ضمنها بالقيمة" كسائر المتقومات (٧) فيأخذها منه المضحي "ويشتري بها مثلها" جنسا ونوعا وسنا ويضحي به "ثم" إن لم يجد بها مثلها اشترى "دونها بخلاف" العبد "المنذور عتقه" إذا أتلفه أجنبي "فإنه" أي الناذر "يأخذ قيمته لنفسه"، ولا يلزمه أن يشتري بها عبدا يعتقه لما مر أن ملكه لم يزل عنه ومستحق العتق هو العبد وقد هلك ومستحقو الأضحية باقون "فإن كانت" أي المتلفة "ثنية من الضأن" مثلا "فنقصت القيمة عن ثمنها
стр. 1609
أخذ عنها جذعة" من الضأن رعاية للنوع. "ثم" إن نقصت القيمة عن ثمن الجذعة "اشترى" بها "ثنية معز"; لأنها لا تصلح للتضحية "ثم" إن نقصت القيمة عن ثنية المعز اشترى "دون سن الأضحية" أي دون الجذعة; لأن فيه إراقة دم كامل "ثم" إن نقصت القيمة عن دون الجذعة "اشترى" بها "سهما" من ضحية صالحة للشركة من بعير أو بقرة لا شاة; لأن فيه شركة في إراقة دم "ثم" إن نقصت عن شراء سهم من ذلك اشترى "لحما"; لأنه مقصود التضحية والمراد لحم النعم وظاهر كلامهم أنه لا يتعين (١) لحم جنس المنذورة "ثم" إن لم يجد لحما "يتصدق بالدراهم" (٢) للضرورة "وإن أتلفها المضحي لزمه الأكثر من قيمتها" يوم الإتلاف "و" من قيمة "مثلها" يوم النحر كما لو باعها وتلفت عند المشتري; ولأنه التزم الذبح وتفرقة اللحم وقد فوتهما. وبهذا فارق إتلاف الأجنبي.
"فإن زادت القيمة" على ثمن مثل المتلفة لرخص حدث "اشترى كريمة أو" مثل المتلفة و "أخذ بالزائد أخرى" إن وفى بها "وإن لم يف" بها "ترتب الحكم كما سبق فيما إذا أتلفها أجنبي" ولم تف القيمة بما يصلح للأضحية وظاهر أن التخيير المذكور ليس على السوء بل الأفضل شراء كريمة "واستحب الشافعي" والأصحاب كما اقتضاه كلام الروياني "أن يتصدق بالزائد" الذي لا يفي بأخرى "و" أن "لا يأكل منه شيئا" أي لا يشتري منه شيئا ويأكله "وفي معناه البدل" الذي يذبحه أي بدل الزائد وإنما لم يجب التصدق بذلك كالأصل; لأنه مع أنه ملكه قد أتى ببدل الواجب كاملا.
"فإن ذبح المنذورة" حقيقة أو حكما ليشمل المجعولة "المعينة" من أضحية أو هدي "قبل الوقت لزمه التصدق بجميع اللحم" فلا يجوز له أكل شيء منه "ولزمه البدل أيضا" بأن يذبح في وقتها بدلا عنها "وإن باعها فذبحها المشتري قبل الوقت
стр. 1610
أخذ منه" البائع "اللحم" إن كان باقيا "وتصدق به و" أخذ منه "الأرش وضم إليه البائع ما يشتري به البدل، ولو" وفي نسخة، وكذا لو "ذبحها أجنبي قبل الوقت لزمه الأرش" قال في الأصل ويشبه مجيء خلاف في أن اللحم يصرف مصارف الضحايا (١) أيام يعود ملكا انتهى. والظاهر الأول "فإن قلنا يعود اللحم ملكا اشترى" الناذر "به وبالأرش" لذي يعود ملكا "أضحية" ذبحها في الوقت، وإن قلنا لا يعود ملكا فرقه واشترى بالأرش أضحية إن أمكن، وإلا فكما مر "أما المعينة عما في الذمة فمضمونة على الناذر" ن تلفت بمعنى أن عليه البدل بالمعنى الآتي "فإن أتلفت" بأن أتلفها أجنبي "فالغرم" بمعنى المغروم ملك "له" أي للناذر "وعليه البدل" بمعنى أنه بقي عليه الأصل في ذمته "فإذا ذبحها" أي الأضحية "أو الهدي" المعين كل منهما بالنذر ابتداء أو عما في الذمة "فضولي في الوقت وأخذ منه" المالك "اللحم وفرقه" على مستحقيه "وقع الموقع"; لأنه مستحق الصرف إليهم فلا يشترط فعله كرد الوديعة; ولأن ذبحها لا يفتقر إلى النية فإذا فعله غيره أجزأ كإزالة الخبث قال الرافعي، وهذا يؤيد القول بأن التعيين يغني عن النية وأجيب عنه بأن ما هنا مفروض في التعيين بالنذر وما مر في التعيين بالجعل (٢)، وأفاد تعبيره بالفضولي أنه ذبحها عن المالك بخلاف تعبير أصله بالأجنبي لاحتمال أنه ذبح عن نفسه فيكون غاصبا أو نحوه "ولزمه" أي الفضولي "الأرش" أي أرش الذبح، وإن ضاق الوقت; لأن إراقة الدم قربة مقصودة وقد فوتها "وإن كانت" أي المعينة "معدة للذبح" فإنه يلزمه الأرش "كالمملوكة" حتى لو شد قوائمها ليذبحها فذبحها فضولي لزمه الأرش "ومصرفه مصرف الأصل" فيشتري به أو بقدره المالك مثل الأصل إن أمكن، وإلا فكما
стр. 1611
مر "فإن فرقه الأجنبي" الأنسب الفضولي "وفات" بأن تعذر استرداده "فكإتلافه" المعينة فيلزمه قيمتها عند ذبحها; لأن تعيين المصرف إلى المالك وقد فوته عليه مع الذبح فيشتري بقيمتها بدل الأصل.
"النوع الثاني التعيب" أي حكمه "فإن حدث في" المعينة "المنذورة"، ولو حكما "من الهدي والأضحية عيب" يمنع ابتداء التضحية، ولم يكن بتقصير من الناذر وكان "قبل التمكن من الذبح أجزأته" إن ذبحها في وقتها فلا يلزمه شيء بسبب العيب كما لا يلزمه شيء لو تلفت "فإن ذبحها قبل الوقت تصدق باللحم"، ولا يأكل منه شيئا; لأنه فوت ما التزمه بتقصيره "و" تصدق "بالقيمة" أي قيمتها "دراهم أيضا"، ولا يلزمه أن يشتري بها أضحية أخرى كما صرح به الأصل "إذ مثلها" أي المعيبة "لا تجزئ أضحية" والتصريح بحكم الهدي في هذه والتي قبلها من زيادته "وإن تعيبت بعد التمكن" من ذبحها "لم يجزه" لتقصيره بتأخير ذبحها، ولأنها من ضمانه ما لم تذبح "ويذبحها" وجوبا "ويتصدق بلحمها" كذلك; لأنه التزم ذلك إلى هذه الجهة، ولا يأكل منه شيئا لما مر "ويذبح بدلها" سليمة وجوبا "لتقصيره" ولاستقرار وجوب السليمة عليه "فإن أتلفها أو عيبها هو" أي الناذر "ملكها" لخروجها عن كونها ضحية بفعله "وذبح بدلها" وجوبا لما مر وقوله أخذ من إطلاق أصله في الثانية ملكها لا يصح في المعينة ابتداء (١) لما مر أنه التصدق بلحمها (٢)، ولا حاجة إليه في المعينة عما في الذمة; لأنه ذكره بعد سطر مع أنه لا معنى له في إتلافها بغير الذبح على أن مسألة الإتلاف من تصرفه.
"ولو ذبح المنذورة"، ولو حكما "في وقتها، ولم يفرق لحمها ففسد لزمه قيمته وتصدق بها دراهم"، ولا يلزمه شراء أخرى لحصول إراقة الدم وكذا لو غصب اللحم غاصب وتلف عنده أو أتلفه متلف يأخذ القيمة ويتصدق بها كما صرح به أصله وما ذكره كأصله (٣) هنا من الاكتفاء بإخراج قيمة اللحم وجه مبني
стр. 1612
على أن اللحم متقوم والأصح بناؤه على المصحح من أنه مثلي أنه يلزمه شراء اللحم أو شراء بدل المنذورة كما قدمه في آخر باب الدماء، وإن كان أصله قد فرضه ثم في المخرج عما في ذمته "أما المعينة عما في الذمة لو حدث بها عيب" قبل الوقت أو بعده "ولو في" حالة "الذبح بطل التعيين لها، وله بيعها" وسائر التصرفات; لأنه لم يلتزم التصدق بها ابتداء وإنما عينها لأداء ما عليه وإنما يتأدى بها بشرط السلامة "وعليه البدل" بمعنى أنه بقي عليه الأصل في ذمته فعليه إخراجه "ولو عين أفضل مما التزم" كبقرة أو بدنة عن شاة "فتعيب واشترى مثل ما التزم جاز" فلا يلزمه رعاية تلك الزيادة في البدل كما لو التزم معيبة ابتداء فهلكت بغير تعد منه.
"ولو قال: جعلت هذه ضحية، وهي عوراء" أو نحوها "أو فصيل"، وهو ولد الناقة إذا فصل عنها "أو سخلة لا ظبية ونحوه لزمه ذبحها يوم النحر" (١) أي وقت الأضحية لوجود الجنس فيها بخلاف الظبية ونحوها "وكذا لو التزم" بالنذر "عوراء" أو نحوها، ولو "في الذمة" يلزمه ذبحها وقت الأضحية "ويثاب عليها، ولا تجزئ عن المشروع" من الأضحية كما لو التزم ذبحها ابتداء تنزيلا لها منزلة إعتاق عبد أعمى عن كفارته فإنه يعتق، وإن لم يقع عنها "ولو زال النقص" عنها فإنها لا تجزئ عن المشروع; لأنه أزال ملكه عنها، وهي ناقصة فلا يؤثر الكمال بعده كمن أعتق أعمى عن كفارته فعاد بصره "فلو ذبحها" أي المعيبة
стр. 1613
المعينة بنذر أو غيره "قبل يوم النحر" أي قبل دخول وقتها "تصدق بجميع لحمها" فلا يأكل منه شيئا "و" تصدق "بقيمتها دراهم"، ولا يشتري بها أخرى; لأن المعيب لا يثبت في الذمة أي بغير التزام له لئلا يشكل بما مر في قوله، وكذا لو التزم عوراء في الذمة "وإن عين عما التزم" في الذمة "معيبا لم يتعين"، ولا تبرأ ذمته بذبحه; لأن واجبه سليم فلا يتأدى بمعيب، ولا يلزمه ذبحه بل يبقى على ملكه يتصرف فيه كيف يشاء "نعم لو نذر ذبحها" يعني المعيبة المعينة "عما في ذمته" كقوله: لله علي أن أضحي بهذه عما في ذمتي "لزمه ذبحها يوم النحر" وصرفها مصرف الضحية "ولم تجزه" عما في ذمته "وإن زال النقص" عنها لما مر.
"النوع الثالث ضلال المنذورة" أي حكمه "فلا يضمنها إن ضلت" بغير تقصير منه بأن ضلت قبل دخول الوقت أو بعده، ولم يتمكن من ذبحها "فلو وجدها بعد فوات الوقت ذبحها قضاء" وصرفها مصرف الضحية، ولا يلزمه الصبر إلى قابل بل لا يجوز له فيلزمه الذبح في الحال كما صرح به الماوردي وغيره "وكذا الهدي المعين" ابتداء، وهذا داخل فيما قبله "وعليه طلبها" أي الضالة "لا" إن كان طلبها "بمؤنة" فلا يجب "وإن قصر" حتى ضلت "طلبها" وجوبا، ولو "بمؤنة وذبح بدلها" وجوبا "قبل خروج الوقت إن علم أنه لا يجدها إلا بعده، ثم" إذا وجدها "يذبحها" وجوبا "أيضا"; لأنها الأصل والتصريح بهذا من زيادته "ومن التقصير تأخير الذبح إلى خروج أيام التشريق" بلا عذر فعليه البدل "لا" إلى خروج "بعضها" فليس بتقصير كمن مات في أثناء وقت الصلاة الموسع لا يأثم، وهذا ما رجحه في الروضة قال الإسنوي، وهذا ذهول عما ذكره كالرافعي (١) فيها قبل وفي نظائرها كأن حلف ليأكلن الرغيف غدا فتلف من الغد بعد التمكن من أكله وذكر نحوه البلقيني وقال: ما رجحه النووي (٢) ليس بمعتمد انتهى. ويفرق بينه وبين عدم إثم من مات في أثناء وقت الصلاة بأن الصلاة محض حق الله تعالى بخلاف الأضحية والهدي.
стр. 1614
"وإن عين شاة" أضحية أو هديا "عما في ذمته، ثم ذبح غيرها" مع وجودها "ففي إجزائها تردد" (١) أي خلاف إن قلنا تجزئ عادت الأولى ملكا "فلو ضلت المعينة" عما في الذمة "فذبح غيرها أجزأته فإن وجدها لم يلزمه ذبحها بل يتملكها" كما مر فيما لو تعيبت والترجيح من زيادته وبه صرح الرافعي في الشرح الصغير "فلو وجدها قبل الذبح" لغيرها "لم يذبح الثانية" أي لم يلزمه ذبحها بل يذبح الأولى فقط; لأنها الأصل الذي تعين أولا.
"فرع لو عين" من عليه كفارة "عن كفارته عبدا تعين" واختار المزني أنه لا يتعين كما لو عين يوما عن صوم عليه ويجاب بأن اليوم المعين لا حق له بخلاف العبد المعين للعتق "فإن تعيب" العبد "أو مات وجب غيره" أي إعتاق سليم "ولو أعتق غيره" أي المعين "مع سلامته" وتمكنه من إعتاقه "أجزأه" قال الرافعي وفرق بينه وبين عدم الإجزاء على وجه في مسألة التردد السابقة بأن الناذر، وإن كان ملتزما فهو متبرع فإذا قبل النقل أي من الذمة إلى عين كان له وجه على بعد، والكفارة الواجبة شرعا لا تحتمل ذلك قلت وتحريره أن المعين ثم خرج عن ملكه بخلافه هنا وقول المصنف مع سلامته من زيادته أبدل به قول أصله مع التمكن من إعتاقه.
"النوع الرابع الأكل" من الأضحية والهدي أي حكمه "فلا يجوز الأكل من دم وجب بالحج" ونحوه كدم تمتع وقران وجبران "ولا من أضحية، وهدي وجبا بنذر مجازاة" كأن علق التزامهما بشفاء المريض ونحوه; لأنه أخرج ذلك عن الواجب عليه فليس له صرف شيء منه إلى نفسه كما لو أخرج زكاته "فلو وجبا بمطلق النذر" أي بالنذر المطلق، ولو حكما بأن لم يعلق التزامها بشيء كقوله: لله علي أن أضحي بهذه الشاة أو بشاة أو أهدي هذه الشاة أو شاة أو جعلت هذه أضحية أو هديا "أكل" جوازا "من المعين" ابتداء "كالتطوع" تبع في هذا ما بحثه الأصل وقضية ما قدماه في النوع الثاني من وجوب التصدق بجميع اللحم أنه لا يجوز أكله منه (٢) وبه صرح في المجموع; لأنه دم واجب كدم الطيب ونحوه "دون" المعين، ولو بالنية عند الذبح عن "الملتزم في الذمة" فلا يجوز أكله
стр. 1615
منه; لأنه بدل عن واجب (١) كدم الطيب ونحوه "ولو أكل مما صنع" منه "غرم قيمة اللحم" المأكول كما لو أتلفه غيره، وهذا بناء على أن اللحم متقوم وإلا فيجب شراء اللحم كما مر نظيره "فإن أكل ما ذبح عن" دم "التمتع ونحوه جميعه لزمه دم" آخر; لأنه لما أكله تبين أن إراقة الدم لأجله وبه فارق ما مر من أنه لو سرق اللحم خير بين ذبح دم وإخراج لحم، ولو قال: فإن أكل جميعه لزمه دم كان أوضح وأخصر مع سلامته من إيهام تقييد الحكم بدم النسك.