← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30130

أسنى المطالب في شرح روض الطالب - ط العلمية

زكريا الأنصاري

Полный текст (5 775 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الصاد المهملة وتشديد الراء الصرصار ويسمى الجدجد فتحرم كالخنفساء، ولا حاجة لذكرها لدخولها في المستثنى منه. "فصل يستحب قتل المؤذيات (١) كالحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب" الذي لا يؤكل "والحدأة" بوزن العنبة "والنسر والعقاب والسباع والبرغوث" بضم الباء "والبق والزنبور" بضم الزاي لأذاها وروى مسلم خبر: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٢) وروى الترمذي وغيره خبر الأمر بقتل السبع الضاري ويقاس بهن الباقي "إلا الفهد والصقر والبازي" ونحوها مما فيه منفعة ومضرة فلا يستحب قتلها "لنفعها، ولا يكره لضررها". "ويكره قتل ما لا ينفع، ولا يضر كالخنافس" جمع خنفساء بفتح الفاء أفصح من ضمها "والجعلان" بكسر الجيم ويقال أبو جعوان، وهو دويبة معروفة تسمى الزعقوق، تعض البهائم في فروجها فتهرب، وهي أكبر من الخنفساء شديدة السواد في بطنها لون حمرة للذكر قرنان "والرخم والكلب غير العقور" (٣) الذي لا منفعة فيه مباحة. "ويحرم" قتل "ما نهى عن قتله (٤) كالنحل" والنمل السليماني (٥) "والخطاف" بضم الخاء وتشديد الطاء ويسمى زوار الهند ويعرف الآن بعصفور الجنة; لأنه زهد فيما بأيدي الناس من الأقوات "والخفاش" بضم الخاء،

стр. 1682

وهو الوطواط "والضفدع" والهدهد والصرد، وهو بضم الصاد المهملة وفتح الراء طائر فوق العصفور أبقع ضخم الرأس والمنقار والأصابع. "و" يحرم قتل "كل ما فبه منفعة ككلب الصيد" سواء الأسود وغيره والأمر بقتل الكلاب منسوخ وهذا الفصل ذكره الأصل في محرمات الإحرام إلا حكم الجناس فهنا. "فصل ويحرم النجس" (١) كميتة، ولبن أتان وبول "والمتنجس" كدبس وخل، ولبن ودهن إذا تنجست لخبر "الفأرة التي وقعت في السمن" (٢) السابق في باب إزالة النجاسة "لا دود فاكهة (٣) وخل" ونحوهما أي لا يحرم أكله "معه" (٤) أي مع كل منها حيا أو ميتا لعسر تمييزه عنه; لأنه كجزئه طبعا وطعما أما أكله منفردا فحرام، وإن قلنا بطهارته على وجه لاستقذاره كالبصاق، وهذه مكررة لذكره لها في باب النجاسة. "ويعلف" جوازا "المتنجس دابته" لخبر صحيح فيه، أما نجس العين فيكره علفها به كما صرح به في الروضة عن فتاوى صاحب الشامل في المأكولة. "ويكره لحم الجلالة" ويقال الجالة، وهي التي تأكل الجلة بفتح الجيم من نعم وغيره كدجاج "ولبنها وبيضها"; لأنه ﷺ نهى عن أكل الجلالة وشرب ألبانها حتى تعلف أربعين ليلة رواه الترمذي وقال حسن صحيح زاد أبو داود

стр. 1683

"وركوبها" (١) قال البلقيني وينبغي تعدي الحكم إلى شعرها وصوفها المنفصل في حياتها قال الزركشي والظاهر (٢) إلحاق ولدها بها إذا ذكيت ووجد في بطنها ميتا أو ذكي ووجدت فيه الرائحة هذا "إن ظهر نتن ما تأكله في ريحها وعرقها" عبارة الأصل إن وجد في عرقها وغيره ريح النجاسة فإن لم يظهر فلا كراهة، وإن كانت لا تأكل إلا النجاسة والظاهر كما قال الزركشي (٣) عدم الاقتصار على تغير الرائحة، فإن تغير الطعم أشد وقد صرح الجويني (٤) بأنه لا فرق في ذلك بين تغير الطعم واللون والرائحة "ولا يحرم" ذلك; لأن لحم المذكى لا يحرم بنتنه "فإن علفت" قال في الأصل طاهرا "لا إن غسلت" هي أو لحمها بعد ذبحها أو طبخ "فطاب لحمها لم تكره"، وإن علفت دون أربعين يوما اعتبارا بالمعنى المعمم (٥) للخبر السابق نعم قال ابن جماعة في شرح المفتاح المستحب أن تعلف الناقة والبقرة أربعين يوما والشاة سبعة أيام والدجاجة ثلاثة أيام اتباعا لأثر ورد فيه يعني عن ابن عمر لكن ليس فيه البقرة، فكأنه قاسها على الناقة قال الرافعي، وهذا محمول عندنا على الغالب أي أي من أن التغيير يزول بهذه المقادير أما طيبه بالغسل أو الطبخ فلا تنتفي به الكراهة والقياس خلافه قال البغوي، وكذا لا تنتفي بمرور الزمان عليه. نقله عنه الأصل مع نقله خلافه بصيغة قيل، وعبارة المجموع قال البغوي: لا يزول (٦) المنع وقال غيره: يزول قال الأذرعي: بالثاني جزم المروذي تبعا للقاضي قلت: وهو نظير طهارة الماء المتغير بالنجاسة إذا زال

стр. 1684

التغير بذلك قال البلقيني: وهذا في مرور الزمان على اللحم (١) فلو مر على الجلالة أيام من غير أن تأكل طاهرا فزالت الرائحة حلت، وإنما ذكر العلف بطاهر; لأن الغالب أن الحيوان لا بد له من علف، ووافقه الزركشي قال: ومقتضى قولهم علفت بطاهر أنها لو علفت بمتنجس كشعير أصابه ماء نجس فطاب لحمها لم تحل أي حلا مستوي الطرفين، وليس كذلك قلت: وقد يقال بل لو علفت بنجس العين فطاب لحمها لم تكره، وهو ظاهر كلام المصنف "ويكره ركوبها بلا حائل" للنهي عنه كما مر "والسخلة المرباة بلبن كلبة" (٢) أو نحوها كخنزيرة وحمارة "كالجلالة" فيما ذكر. "ولا يكره بيض سلق بماء نجس" كما لا يكره الماء إذا سخن بالنجاسة "و" لا "حب زرع نبت في زبل" أو غيره من النجاسات إذ لا يظهر فيه أثرها وريحها وتعبير أصله بقوله، ولا يحرم زرع لا يفيد عدم كراهة الحب ويقتضي أن الزرع الذي لاقى النجاسة ليس متنجسا، وليس كذلك فقد مر في باب الاجتهاد أنه متنجس، وأن الحب الخارج من السنابل طاهر فعدول المصنف عن ذلك إلى ما قاله حسن، وكذا لا يكره ما يسقى منه ومن الثمر بماء نجس كما في المجموع عن الأصحاب وقضية العلة المذكورة كما قال الزركشي أنه متى ظهر التغير فيها كرهت. "فصل وذكاة الجنين ذكاة أمه" (٣) كما رواه الترمذي وحسنه ابن حبان وصححه أي ذكاتها التي أحلتها أحلته تبعا لها; ولأنه جزء من أجزائها وذكاتها ذكاة لجميع أجزائها;

стр. 1685

ولأنه لو لم يحل بذكاة أمه لحرم ذكاتها مع ظهور الحمل كما لا تقتل الحامل قودا هذا "إن خرج ميتا" سواء أشعر أم لا "أو" خرج حيا "في الحال وبه حركة مذبوح" بخلاف ما إذا خرج وبه حياة مستقرة فلا يحل بذكاة أمه قال الزركشي، وهذا أخذه الرافعي من التهذيب لكن عبارته لا تطابقه فإن لفظه، ولو خرج وبه حركة مذبوح ومات في الحال حل قال، ولعل تقييد الرافعي الخروج بالحال فيه إشارة إلى ما قاله الشيخ أبو محمد في فروقه، وهو ما ذكره المصنف بقوله "وقال أبو محمد إن اضطرب (١) في البطن بعد الذبح" لا به "زمانا طويلا، ثم سكن لم يحل" وإنما يحل إذا سكن في البطن عقب ذبحها وخالفه في ذلك البغوي والمروذي فقالا بحله مطلقا نقله عنهما الزركشي، ثم قال وما قاله الشيخ أبو محمد هو القياس فإنه نظير ما ذكروه في الصيد (٢) الذي أدركه وأمكنه ذبحه فقصر حتى مات فإنه يحرم انتهى. وفي قياسه نظر ويؤيد ما ذكره المصنف (٣) كأصله بقوله. "ولو خرج رأسه وفيه حياة مستقرة لم يجب ذبحه حتى يخرج"; لأن خروج بعضه كعدم خروجه في العدة وغيرها فيحل إذا مات عقب خروجه بذكاة أمه (٤)، وإن صار بخروج رأسه مقدورا عليه قال في الكفاية، ولو خرج رأسه ميتا، ثم ذبحت أمه قبل انفصاله حل كما قاله البغوي (٥) وفي كلام

стр. 1686

الإمام ما يدل على خلافه (١)، وهو أوجه "ولو لم تتخطط المضغة" بأن لم تبن فيها الصورة، ولم تتشكل الأعضاء "لم تحل" بناء على عدم وجوب الغرة فيها وعدم ثبوت الاستيلاد، والتصريح بالترجيح من زيادته. "ولو كان للمذكاة عضو أشل حل" كسائر أجزائها. "فصل ويكره للحر كسب الحجام" أي تناوله، ولو كسبه رقيق "و" كسب سائر "من يخامر النجاسة كالجزار والزبال ونحوه" أي نحو كل منهما كالكناس والدباغ والخاتن بخلاف الرقيق لا يكره له تناوله سواء أكسبه حر أم غيره وذلك; لأنه ﷺ : سئل عن كسب الحجام فنهى عنه وقال "أطعمه رقيقك واعلفه ناضحك" (٢) رواه ابن حبان وصححه والترمذي وحسنه (٣) والفرق من جهة المعنى شرف الحر ودناءة غيره قالوا: وصرف النهي عن الحرمة خبر الشيخين عن ابن عباس احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الحجام أجرته (٤) فلو كان حراما لم يعطه، وفيه نظر لاحتمال (٥) أنه أعطاه له ليطعمه رقيقه وناضحه وقيس بالحجامة غيرها من كل ما يحصل به مخامرة النجاسة، ولا حاجة لقوله ونحوه "ولو كانت الصنعة دنيئة بلا" مخامرة "نجاسة" كفصد وحياكة "لم

стр. 1687

تكره" (١) إذ ليس فيها مخامرة نجاسة، وهي العلة الصحيحة لكراهة ما مر عند الجمهور وقيل: العلة دناءة الحرفة قال البلقيني، وهو المعتمد المنصوص في الأم والمختصر فعليه يكره ذلك ونحوه، وقال في الأصل: وكره جماعة كسب الصواغ قال الرافعي; لأنهم كثيرا ما يخلفون الوعد ويقعون في الربا لبيعهم المصوغ بأكثر من وزنه وحذفه المصنف لقول الإسنوي: إنه وجه مرجوح إذ الأصح في الشهادات أن الصائغ ليس من أهل الحرف الدنيئة وقد صححوا أن الحائك منهم فهو دون الصائغ، وقد صححوا أن لا كراهة في الحياكة فلزم أنه لا كراهة في الصياغة قلت لا يلزم من ذلك عدم كراهتها لوجود مقتضى الكراهة فيها كما تقرر دون الحياكة، وإذا كره شيء كره أخذ الأجرة عليه كما يحرم أخذها على الحرام "وكما يحرم أخذ الأجرة على الحرام يحرم إعطاؤه"; لأنه إعانة على معصية كأجرة الزمر والنياحة، والأنسب بعبارته إعطاؤها "فإن أعطى" شيئا "خوفا" كأن أعطى الشاعر لئلا يهجوه أو الظالم لئلا يمنعه حقه أو لئلا يأخذ منه أكثر مما أعطاه "أثم الآخذ فقط" أي دون المعطي لضرورته وقوله، وكما يحرم إلى آخره من زيادته على الروضة. "فرع أفضل ما أكلت منه كسبك من زراعة"; لأنها أقرب إلى التوكل; ولأنها أعم نفعا; ولأن الحاجة إليها أعم وروى مسلم خبر: "ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه صدقة وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد أي ينقصه إلا كان له صدقة" وفي رواية "لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا شيء إلا كانت له صدقة" (٢) "ثم" من "صناعة"; لأن الكسب فيها يحصل بكد اليمين "ثم" من "تجارة"; لأن الصحابة كانوا يكتسبون بها. "فصل يحرم" تناول "ما يضر" البدن أو العقل "كالحجر والتراب والطين (٣)

стр. 1688

والزجاج والسم" بتثليث السين والفتح أفصح "كالأفيون"، وهو لبن الخشخاش; لأن ذلك مضر وربما يقتل، وقال تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقال تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] "إلا قليله" أي السم كما في الأصل أو ما يضر، وهو أعم فيحل تناوله "للتداوي" به "إن غلبت السلامة" واحتيج إليه كما صرح به الأصل. "ويحل أكل" كل "طاهر لا ضرر فيه" كفاكهة وحب وسم إن تصور أن آكله لا يتضرر به كما صرح به الأصل عن الإمام قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [لأعراف: ٣٢] "إلا جلد ميتة دبغ" فلا يحل لعموم قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وخبر "إنما حرم من الميتة أكلها" (١)، وهذه تقدمت في باب إزالة النجاسة، وخرج بالميتة جلد المذكاة فيحل أكله، وإن دبغ "و" إلا "ما استقذر كالمخاط والمني" لاستقذاره، وإلا الحيوان الحي غير السمك والجراد كما علم مما مر في باب الصيد وصرح به الأصل هنا. "وفي" حل أكل "بيض ما لا يؤكل تردد" هذا من زيادته وقوله تردد أي خلاف قيل: مبني على طهارته قال في المجموع: وإذا قلنا بطهارته حل أكله (٢) بلا خلاف; لأنه طاهر غير مستقذر بخلاف المني قال البلقيني: وهو مخالف لنص الأم والنهاية والتتمة والبحر على منع أكله، وإن قلنا بطهارته قال، وليس في كتب المذهب ما يخالفه. "ويحرم مسكر النبات" أي النبات المسكر "وإن لم يطرب" لإضراره

стр. 1689

بالعقل "ولا حد فيه" إن لم يطرب بخلاف ما إذا أطرب كما صرح به الماوردي (١) "ويتداوى به عند فقد غيره" مما يقوم مقامه "وإن أسكر" للضرورة "وما لا يسكر إلا مع غيره يحل أكله وحده" لا مع غيره وفي نسخة بدل يحل أكله وحده لا يحل أكله إلا للتداوي والأولى أولى، وإن كانت الثانية أوفق بكلام الأصل.

стр. 1690

الباب الثاني في المطعوم اضطرارا: "ومن ظن من الجوع الهلاك" أي هلاك نفسه أو جوز تلفها وسلامتها على السواء كما حكاه الإمام عن صريح كلامهم (٢) "أو" ظن منه "ضعفا يقطعه عن الرفقة أو مرضا مخوفا، وكذا لو خاف طوله"، ولم يجد في كل منهما حلالا "لزمه أكل الميتة والخنزير" ونحوهما من المحرمات (٣) "وطعام الغير"; لأن تاركه ساع في إهلاك نفسه وقد قال تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] يخالف المستسلم للصائل بأنه يؤثر مهجة غيره على مهجته بخلاف المضطر، ودليل جواز الأكل من الميتة ونحوها قوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي على مضطر آخر، ﴿وَلا عَادٍ﴾ أي سدا لجوعة فأكل ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] قال الزركشي وينبغي أن يكون (٤) خوف حصول الشين الفاحش في عضو ظاهر كخوف طول المرض كما في التيمم واكتفى بالظن كما في الإكراه على أكل ذلك فلا يشترط فيه التيقن، ولا الإشراف على الموت بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يحل له أكله فإنه غير مفيد كما صرح به الأصل. "ويحرم" ذلك "على العاصي بسفره حتى يثوب" لما مر في صلاة المسافر قال الأذرعي ويشبه أن يكون (٥)

стр. 1691

العاصي بإقامته كالمسافر إذا كان الأكل عونا له على الإقامة وقولهم تباح الميتة للمقيم العاصي بإقامته محمول على غير هذه الصورة وكالعاصي بسفره مراق الدم كالمرتد والحربي فلا يأكلان من ذلك حتى يسلما قاله البلقيني (١) قال، وكذا مراق الدم (٢) من المسلمين، وهو متمكن من إسقاط القتل بالتوبة كتارك الصلاة ومن قتل في قطع الطريق "ويحل" أكل ذلك "بإجهاد الجوع، وإن لم يبلغ أدنى الرمق" لما يناله من المشقة ولينفعه الطعام "وتحرم الزيادة على سد الرمق" لاندفاع الضرر (٣) به وقد يجد بعده الحلال ولقوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] قيل: أراد به الشبع "إلا إن خشي الهلاك" على نفسه "دون قطع البادية" بأن خاف أن يقطعها ويهلك إن لم يزد على سد الرمق فتباح له الزيادة بل تلزمه لئلا يهلك نفسه بأن يأكل حتى يكسر سورة الجوع بحيث لا يطلق عليه اسم جائع لا بأن لا يبقى للطعام مساغ، فإن هذا حرام قطعا كما صرح به البندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهما وما قاله المصنف يأتي في غير خوف الهلاك مما ذكر، قال الإسنوي ومن تبعه والرمق بقية الروح كما قاله جماعة، وقال بعضهم إنه القوة وبذلك ظهر لك أن السد المذكور بالشين المعجمة لا بالمهملة وقال الأذرعي وغيره الذي نحفظه أنه بالمهملة (٤)، وهو كذلك في الكتب أي والمعنى عليه صحيح; لأن المراد سد الخلل الحاصل في ذلك بسبب الجوع. "وله التزود منها" أي من المحرمات "ولو رجا الحلال" أي الوصول إليه "ويبدأ" وجوبا إذا أراد أن يأكل منها "بلقمة حلال ظفر بها" فلا يجوز له أن يأكل

стр. 1692

منها حتى يأكل اللقمة لتحقق الضرورة. "فصل وللمضطر قتل حربي" كامل "ومرتد ومن له عليه قصاص ليأكله، وكذا الزاني المحصن (١) والمحارب وتارك الصلاة" وإن لم يأذن فيه الإمام; لأن قتلهم مستحق (٢) وإنما اعتبر إذنه في غير حال الضرورة نادبا معه وحال الضرورة ليس فيه رعاية أدب "و" كذا "نساء أهل الحرب وصبيانهم" ومجانينهم وأرقاؤهم وخناثاهم إذا لم يجد غيرهم وامتناع قتلهم في غير حالة الضرورة لحق الغانمين لا لعصمتهم، ولهذا لا تجب الكفارة على قاتلهم قال البلقيني ومحل الإباحة (٣) إذا لم يستول عليهم، وإلا صاروا أرقاء معصومين لا يجوز قتلهم قطعا لحق الغانمين. "لا الذمي والمعاهد والمستأمن" فلا يجوز قتلهم لعصمتهم. "ولو لم يجد المسلم إلا الذمي، وإلا ميتا مسلما غير نبي حل" أكله; لأن حرمة الحي أعظم، ولهذا لو كان في سفينة ميت وخاف أهلها الغرق كان لهم طرحه في البحر دون الحي، وأما خبر أبي داود "كسر عظم الميت ككسره حيا" (٤) فمحمول على غير حالة الضرورة أما الذمي ومثله كل من له أمان فليس له الأكل من الميت المسلم لكمال شرف الإسلام وخرج بغير نبي النبي فلا يجوز لأحد الأكل منه لكمال حرمته ومزيته على غيره وعلم من حصره أنه لو وجد طعام غيره أو ميتة، ولحم آدمي مسلم لم يأكل إلا الطعام أو الميتة، وإن كانت لحم خنزير وبه صرح الأصل في الثانية وإنما عبر بمسلم رعاية لمسألة الذمي وإلا فالأولى التعبير بمعصوم كما عبر به الأصل، وإن فهم حكم المعصوم غير المسلم

стр. 1693

بالأولى "ولا يطبخه" أي الميت المسلم بل الميت المحترم، "ولا يشويه لما فيه من هتك حرمته مع اندفاع الضرر بدونه ويتخير في غيره" بين أكله نيئا أو مطبوخا أو مشويا. "ويأكل المحرم" الواجد صيدا و ميتا مسلما "الصيد (١) لا الميت المسلم" لحرمة المسلم وصفه الميت بالمسلم من زيادته، ولو أبد له بالمحترم كان أولى "وله أكل فلذة" بالذال المعجمة وفي نسخة قدرة بالمهملة أي قطعة "من جسم نفسه" بأن يقطعها منه ليأكلها "إن رجا" أي ظن "السلامة" بأن كان الخوف في قطعها أقل منه في تركها، ولم يجد غيرها; لأنه إتلاف بعض لاستبقاء الكل كقطع اليد للأكلة، ولا يجب لما فيه من الألم والمشقة أما إذا كان الخوف فيه أكثر أو استوى الأمران فيحرم قطعها، والفرق بين حرمة قطعها عند التساوي وجوازه حينئذ في السلعة أن السلعة زائدة على البدن انضم إليها الشين ودوام الألم بخلاف ما هنا، وخرج بقوله من جسم نفسه قطعها له من جسم غيره المعصوم (٢) فيحرم، وهو داخل في قوله "ويحرم قطعها لغيره" إذ ليس إبقاؤه أولى من إعدامها نعم إن كان نبيا فالوجه جواز القطع له بل وجوبه (٣). "وشرب الخمر" أي تناولها "للعطش وللتداوي حرام"، وإن لم يجد غيرها لعموم النهي عن شربها; ولأن بعضها يدعو إلى بعض; ولأن شربها لا يدفع العطش بل يزيده، وإن سكنه في الحال ولقوله ﷺ لما سئل عن التداوي بالخمر: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء" (٤) رواه مسلم وروى ابن حبان في صحيحه "أن

стр. 1694

الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (١) والمعنى أن الله سلب الخمر منافعها عندما حرمها، وما دل عليه القرآن من أن فيها منافع إنما هو قبل تحريمها، وإن سلم بقاؤها فتحريمها مقطوع به وحصول الشفاء بها مظنون فلا يقوى على إزالة المقطوع، ثم محل ذلك إذا لم ينته به الأمر إلى الهلاك، وإلا فيتعين شربها كما يتعين على المضطر أكل الميتة ومحل منع التداوي بها إذا كانت خالصة بخلاف المعجون بها كالترياق لاستهلاكها فيه وكالخمرة في ذلك سائر المسكرات المائعة وخرج بما قاله شربها لإساغة لقمة فيباح كما سيأتي في باب حد الخمر "لا" تناول "غيرها من النجاسات" لذلك فيجوز بقيد زاده بقوله "إن لم يجد غيرها" من الطاهرات يقوم مقامها لأمره ﷺ العرنيين بشرب أبوال الإبل رواه الشيخان (٢) وقيس بالأبوال غيرها مما لا يسكر بخلاف ما إذا وجد غيرها مما ذكر فلا يجوز ذلك وعليه يحمل خبر ابن حبان السابق "ولو تبخر بند" بفتح النون نوع من الطيب "عجن بخمر جاز"; لأن دخانه ليس دخان نفس النجاسة بل دخان متنجس، وهو لا يمنع جواز الاستعمال، وإن كان دخان المتنجس كدخان النجس في النجاسة; لأن الثوب المتنجس مثلا يجوز استعماله، ولو بلا حاجة بخلاف جلد الميتة قبل دبغه "ويشرب البول" للعطش"عند فقد الماء النجس" لا عند وجوده; لأن الماء النجس أخف منه; لأن نجاسته طارئة. "فصل وللمضطر أن يؤثر" بطعامه على نفسه "مسلما" مضطرا غير مراق الدم بل يستحب له ذلك، وإن كان أولى به كما ذكره الأصل وغيره لقوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وقال الإمام لا خلاف فيه، وإن أدى إلى هلاك نفسه; لأن الحرمة شاملة للجميع، وهو من شيم الصالحين، بل إن كان المسلم نبيا لزمه بذله له كما ذكره الأصل، وأما خبر "ابدأ بنفسك" (٣) فمحمول على غير ذلك، ومنه قوله "لا ذميا" أو كافرا غير ذمي كما فهم بالأولى "و" لا "بهيمة" أي ليس له أن يؤثرهما على نفسه لكمال

стр. 1695

شرف المسلم على غيره والآدمي على البهيمة. "وإن بذل الطعام مالكه"، ولو مضطرا لمضطر آخر "هبة لزمه قبوله" لدفعه الهلاك عن نفسه "أو" بذله له "بثمن المثل في مكانه وزمانه لزمه شراؤه حتى بإزاره" المستتر به. "ويصلي عريانا"; لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة (١) بدليل أنه يجوز أخذ الطعام قهرا بخلاف أخذ ساتر العورة "إلا إن خشي" على نفسه "التلف بالبرد" فلا يلزمه شراؤه بإزاره "و" لزمه شراؤه "في الذمة إن كان معسرا"، وإن لم يكن له مال في محل آخر ويلزم المالك حينئذ البيع في الذمة، وهو مراد الأصل بالبيع نسيئة، وإلا فالوجه كما قال جماعة جواز البيع بحال (٢) لكن لا يطالبه إلا عند قدرته لإعساره في الحال "فإن امتنع المالك (٣) أو ولي الصبي" من بذله له بعوض لمضطر محترم "وهو" أي المالك أو الصبي ومثله المجنون (٤) كما صرح به الأصل "غني عنه في الحال أثم، وإن احتاجه في المآل"; لأن في امتناعه إعانة على قتله; ولأنه لو قدر على إنقاذه بنفسه من غرق ونحوه لوجب فكذا بماله بخلاف المحتاج إليه في الحال فإنه أولى به من غيره، ولو مضطرا كما قدمته "ويجوز" للمضطر "قتاله" أي الممتنع مما ذكر عليه "ولا يجب" قتاله كالصائل بل أولى; ولأن عقل المالك ودينه يبعثانه على الإطعام، وهو واجب

стр. 1696

عليه فجاز أن يجعل الأمر موكولا إليه "لكن" إنما يجوز قتاله "على ما يدفع ضرورته"، وهو ما يسد الرمق إلا أن يخشى الهلاك; لأن الضرورة تتقدر بقدرها. "ولا يقتص منه" للممتنع (١) إن قتله، ولا يؤخذ له دية "ويقتص له" إن قتله الممتنع; لأنه لم يتعد بخلاف الممتنع "فإن عجز" عن أخذه منه "ومات جوعا فلا ضمان" على الممتنع إذ لم يحدث منه فعل مهلك لكنه يأثم "و" ينبغي "له" فيما إذا لم يبذله له إلا بأكثر من ثمن مثله "أن يحتال في أخذه" منه "ببيع فاسد" لئلا يلزمه أكثر من قيمته كأن يقول: ابذله لي بعوض فيبذله له بعوض، ولم يقدره أو يقدره، ولم يفرد له ما يأكله فيلزمه مثل ما أكله إن كان مثليا، وإلا فقيمته في ذلك الزمان والمكان، وله أن يشبع. "فإن اشتراه" منه "بأكثر من ثمن المثل"، ولو بأكثر مما يتغابن به "وهو قادر على قهره" وأخذه منه "لزمه" ذلك، وإن غبن في شرائه; لأنه مختار في الالتزام فكان كما لو اشتراه بثمن مثله "وكذا لو عجز" عن أخذه واشتراه بأكثر من ثمن مثله لزمه لذلك، وكما يصح بيع المصادر من جهة ظالم لدفع الأذى عنه إذ لا إكراه على البيع "، ولا يلزمه" أي مالكه "بذله إلا بعوض" (٢) ; لأن الضرر لا يزال بالضرر "ولا أجرة لمن خلص مشرفا على الهلاك" بوقوعه في ماء أو نار أو نحوهما أي يلزمه تخليصه بلا أجرة "لضيق الوقت عن تقدير الأجرة. فإن اتسع" الوقت لتقديرها "لم يجب تخليصه إلا بأجرة" كما في التي قبلها فإن فرض في تلك ضيق الوقت وجب البذل بلا عوض فلا فرق بين المسألتين، وهو ما نقله في الشامل عن الأصحاب كما قاله الأذرعي وقال: إنه الوجه واقتضى كلام المجموع أواخر الباب أنه لا خلاف فيه لكنه قبل ذلك نقله كالأصل عن القاضي أبي الطيب وغيره بعد نقله عن قطع الجمهور: أنه لا يلزمه البذل في تلك إلا بعوض بخلافه في هذه يلزمه تخليصه بلا أجرة وعلى هذا اختصر الأصفوني وشيخنا أبو عبد الله الحجازي كلام الروضة.

стр. 1697

"فرع، وإن أطعمه" المالك (١) "بلا معاوضة" أي بغير ذكر عوض "لم يلزمه شيء" حملا على المسامحة المعتادة في الطعام لا سيما في حق المضطر "فلو اختلفا في التزام عوض الطعام" فقال: أطعمتك بعوض فقال: بل مجانا "صدق المالك (٢) بيمينه"; لأنه أعرف بكيفية بذله. "ولو أوجر" المالك "المضطر قهرا أو" أوجره "وهو مغمى عليه لزمته القيمة" في المتقوم والمثل في المثلي; لأنه غير متبرع (٣) بل يلزمه إطعامه إبقاء لمهجته ولما فيه من التحريض على مثل ذلك كذا علل بهما الرافعي الأول في الضمان والثاني هنا جازما بالحكم ثم ومرجحا له هنا، وهو مشكل بما مر آنفا في مسألة الإطعام لا جرم قال الأذرعي بل الصحيح كما قال القاضي والفوراني وابن الرفعة عدم اللزوم; لأنه متبرع. "ويلزمه ذبح شاته لكلبه" المحترم "وتحل" الشاة أي أكلها للآدمي; لأنها ذبحت للأكل. "ويأكل" المضطر "من طعام الغائب (٤) كالميتة" كما مر "ويغرم له القيمة" في المتقوم والمثل في المثلي; لإتلافه ملك غيره بغير إذنه. "فصل" لو "وجد" المضطر "ميتة وطعام غائب أو" و "صيدا، وهو محرم" في الثانية "وجب أكل الميتة" لعدم ضمانها أو احترامها فيهما وتختص الأولى بأن إباحة الميتة للمضطر (٥) منصوص عليها وإباحة أكل مال غيره بلا إذنه ثابتة بالاجتهاد، والثانية بأن المحرم ممنوع من ذبح الصيد مع أن مذبوحه منه

стр. 1698

ميتة كما مر في الحج ومثله بيضه، ولبنه فيما يظهر وكصيد المحرم صيد الحرم كما في الكفاية (١) "وكذا لو كان" مالك الطعام "حاضرا وامتنع من البيع" أصلا أو إلا بأكثر مما يتغابن به وجب أكل الميتة بخلاف ما إذا لم يمتنع مع ذلك فإنه يلزمه أكل طعام الغير، وبذلك علم أنه إذا لم يبعه له مالكه إلا بأكثر مما ذكر لم يلزمه شراؤه لكنه يستحب وبه صرح الأصل "ولو ذبح" المحرم "الصيد صار ميتة فيتخير" المضطر بينه وبين الميتة; لأن كلا منهما ميتة، ولا مرجح "ولا قيمة للحمه" كسائر الميتات والتصريح بهذا من زيادته "وفي الصيد وطعام الغير وجوه" أحدها - يتعين الصيد ثانيها - يتعين الطعام وثالثها - "يتخير" بينهما والظاهر (٢) الأول لبناء حق الله تعالى على المسامحة. "وميتة الشاة والحمار" والمراد ميتتا المأكول وغيره الطاهر في حياته "سواء" (٣) لاشتراكهما في أن كلا منهما ميتة فيتخير بينهما "ويقدمان على الكلب" ونحوه من كل حيوان نجس في حياته. "وإن وجد المريض طعاما" له أو لغيره "يضره"، ولو بزيادة في مرضه "فله أكل الميتة" دونه.

стр. 1699

"فصل" في مسائل تتعلق بالأطعمة "يكره ذم الطعام" لما فيه من الإيذاء وروى الشيخان أنه ﷺ ما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه (١) وخرج بالطعام صانعه فلا يكره ذمه قاله الحليمي (٢) قال الزركشي ومحل الكراهة إذا كان الطعام لغيره فإن كان له فلا لا سيما ما ورد خبثه كالبصل. "و" تكره "الزيادة على الشبع" من الطعام الحلال لما فيه من الضرر ومحله في طعام نفسه أما في طعام مضيفه فيحرم كما سيأتي في الوليمة. "ويستحب أن يأكل من أسفل الصفحة" لا من أعلاها ووسطها بل يكره كما سيأتي في الوليمة "وأن يحمد الله عقيبه" أي الأكل فيقول: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وفي البخاري أنه ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي، ولا مكفور، ولا مودع، ولا مستغنى عنه" (٣) ربنا برفعه بالابتدائية أو بالخبرية وبنصبه بالاختصاص أو النداء وبجره بالبدل من لله وروى أبو داود وغيره بإسناد صحيح أنه ﷺ كان إذا أكل وشرب قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا" (٤) "و" أن "يكرم الضيف" لخبر الصحيحين "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال "يومه، وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه" (٥). "والثمار والزرع في التحريم" على غير مالكها والحل له "كغيرها" فلا يباح له بغير إذن مالكها إلا عند اضطراره فيأكل ويضمن "فلو جرت العادة بأكل ما تساقط" منها "جاز" إجراء لها مجرى الإباحة لحصول الظن بها كما يحصل بحمل

стр. 1700

الصبي المميز الهدية قال الزركشي وينبغي (١) أن يستثنى ما إذا كان ذلك لمن لا يعتبر إذنه كيتيم وأوقاف عامة; لأن صريح إذنه لا يؤثر فما يقوم مقامه أولى قال وقد ذكر ابن عبد السلام مثل ذلك في الشرب من الجداول والأنهار المملوكة، وهذا أولى منه "إلا إن حوط عليه" أي ما ذكر من الثمار والزروع "أو منع" منه "المالك"; لأن ذلك يدل على شحه وعدم مسامحته. "وله الأكل من طعام يعلم رضا مالكه" به، وإن لم يأذن فيه، فقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وفعل السلف والخلف على ذلك قال تعالى ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وثبتت الأخبار الصحيحة بنحو الآية "فإن تشكك" في رضاه بذلك "حرم" فالمراد بعلمه ما يشمل ظنه وبه عبر في الروضة. "وترك التبسط في الطعام" المباح "مستحب" فإنه ليس من أخلاق السلف "إلا في قرى الضيف" بكسر القاف والقصر وبفتحها والمد، فيستحب أن يبسط له من أنواع الطعام لما فيه من إكرامه والقيام بحقه "وأوقات التوسعة على العيال" كيوم عاشوراء ويومي العيد، وعبارة الروضة هذا إذا لم تدع إليه أي التبسط حاجة كقرى الضيف والتوسعة على العيال في الأوقات المعروفة، وبالصفات المعروفة أي كان لا يقصد بذلك التفاخر والتكاثر بل تطييب خاطر العيال وقضاء وطرهم مما يشتهونه. "ويستحب الحلو" من الأطعمة "ومثرة اليدي على الطعام" لخبر أبي داود وغيره أن اصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال: "فلعلكم تفترقون؟ " قالوا: نعم قال: "فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك

стр. 1701

لكم فيه" (١). "و" يستحب "الحديث الحسن" على الأكل كحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها وقد روى مسلم أنه ﷺ سأل أهله الأدم فقالوا ما عندنا إلا خل فدعا به فجعل يأكل منه ويقول "نعم الأدم الخل" (٢) ومع ذلك يستحب تقليله فقد نقل العبادي أن الربيع روى عن الشافعي من الأدب في الطعام قلة الكلام وسيأتي بعض هذه الأمور مع زيادة في باب الوليمة.

стр. 1702

"كتاب النذر" بالمعجمة هو لغة: الوعد بخير أو شر وشرعا قال الماوردي والروياني: الوعد بخير خاصة وقال غيرهما: التزام قربة غير واجبة عينا كما سيأتي والأصل فيه آيات كقوله تعالى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وقوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الانسان: ٧] وأخبار كخبر البخاري "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (١) وخبر مسلم "لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم" (٢) وعن النص أنه مكروه وجزم به النووي في مجموعه وذكر المصنف تبعا له آخر الباب أنه منهي عنه لخبر الصحيحين أنه ﷺ نهى عنه وقال: "إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل" (٣) وقال القاضي والمتولي والغزالي إنه قربة (٤)، وهو قضية قول الرافعي: والنذر تقرب فلا يصح من الكافر وقول النووي النذر عمدا في الصلاة لا يبطلها، في الأصح; لأنه مناجاة الله تعالى كالدعاء، وأجيب عن النهي بحمله (٥) على من ظن أنه لا يقوم بما التزمه أو أن للنذر تأثيرا كما يلوح به الخبر أو على المعلق بشيء وقال الكرماني (٦) المكروه

стр. 1703

التزام القربة لا القربة إذ ربما لا يقدر على الوفاء.

стр. 1704

"وفيه فصلان: الأول في أركانه، وهي ثلاثة: الأول الناذر. وشرطه التكليف والإسلام" والاختيار ونفوذ التصرف فيما ينذره. "ولو سكر" حال النذر لصحة تصرفه وقضية كلامه أن السكران مكلف، وهو ما جرى عليه في كتاب الجمعة، وليس كذلك (١) كما مر بيانه ثم "فلا يصح" النذر من غير المكلف إلا السكران كصبي ومجنون لعدم أهليته للالتزام، ولا "من الكافر" (٢) لعدم أهليته للقربة أو لالتزامها (٣) وإنما صح وقفه وصيته وصدقته من حيث إنها عقود مالية لا قربة، ولا من المكره كالعتق وغيره ولخبر "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤) لا ممن لم ينفذ تصرفه فيما ينذره كنذر السفيه القرب المالية كما يأتي بيانه. "ويصح" أي النذر "من المحجور عليه" بسفه أو فلس "في القرب البدنية" بخلاف القرب المالية العينية كعتق هذا العبد والصدقة به "ولا حجر على المفلس في ذمته" فيصح نذره المالي فيها; لأنه إنما يؤديه بعد فك الحجر عنه وكلامه كأصله هنا يقتضي أنه لا يصح من السفيه نذر القرب المالية في الذمة لكنهما جزما في باب الحجر بصحته (٥)، وهو أوجه كالتدبير والوصية، وإن كان فيه إلزام الذمة في الحال بخلافهما; لأنه على هذا إنما يؤدي بعد فك الحجر عنه كما في نذر المفلس ونذر الرقيق المال في ذمته قال ابن الرفعة ينبغي أن يكون كضمانة أي والأصح أنه لا يصح بغير إذن سيده (٦) والأصح انعقاد نذره الحج، ويشبه

стр. 1705

أن غير الحج كذلك (١) انتهى. والأوجه ما اقتضاه كلامهم من صحة نذره المال في ذمته بغير إذن سيده ويفارق الضمان بأن المغلب فيه حق الله تعالى إذ لا يصح إلا في قربة بخلاف الضمان قال في الأصل، ولو نذر عتق مرهون العقد (٢) إن نفذنا عتقه، وإلا فكمن نذر إعتاق من لا يملكه نقله الأصل عن المتولي وأقره.

стр. 1706

"الركن الثاني الصيغة فلا بد منها" في النذر فلا ينعقد بالنية كسائر العقود وينعقد بإشارة الأخرس المفهمة وينبغي انعقاده بكتابة الناطق (٣) مع النية قال الأذرعي: وهو أولى بالانعقاد بها من البيع. "وهو" أي النذر قسمان "نذر تبرر" سمي به; لأنه طلب به البر والتقرب إلى الله تعالى "و" نذر لجاج بفتح اللام سمي به لوقوعه حالة اللجاج والغضب. "فالأول"، وهو نذر التبرر "نوعان: أحدهما نذر المجازاة، وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة" (٤) وإن لم يكن حدوثهما نادرا "كقوله إن أغناني الله أو شفاني" أو شفي مريضي (٥) "فعلي كذا" (٦) وكقول من شفي من مرضه لله علي كذا لما أنعم الله علي من شفائي من مرضي

стр. 1707

وخرج بحدوث ما ذكر (١) استمراره قال الزركشي، وهو قياس سجود الشكر "النوع الثاني - أن يلتزم من غير تعليق" بشيء "فيصح إن التزم قربة كقوله ابتداء لله علي أن أفعل كذا" أي من صوم أو صلاة أو نحوهما بخلاف ما إذا التزم غير قربة، ولو مباحا فلا يصح كما سيأتي. "ويجب الوفاء بالنذر" المذكور بنوعه لخبر البخاري السابق. "لا إن علق" النذر "بمشيئة الله (٢) أو مشيئة زيد" فلا يصح "وإن شاء" زيد لعدم الجزم اللائق بالقرب، نعم إن قصد بمشيئة الله التبرك أو وقع حدوث مشيئة زيد نعمة مقصودة كقدوم زيد في قوله إن قدم زيد فعلي كذا فالوجه الصحة (٣)، وبه صرح الأذرعي في الأولى. "وأما نذر اللجاج" والغضب ويقال له: يمين اللجاج والغضب ويمين الغلق ونذر الغلق بفتح الغين المعجمة واللام "فهو أن يمنع نفسه من شيء أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة" (٤) بفعل أو ترك "كقوله إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا فلله علي كذا فإن التزم" فيه "قربة" كصوم "أو قربا" كصوم وصلاة وصدقة "تخير بين الوفاء بما نذره (٥) وبين كفارة يمين"; لأنه يشبه النذر من

стр. 1708

حيث إنه التزام قربة، واليمين من حيث المنع خلافا لما صححه الرافعي من تعين الكفارة "وإن التزم غيرها" أي غير القربة "فعليه إن حنث كفارة يمين"; لأنه إنما يشبه اليمين لا النذر، ثم فرع على كل من الشقين فقال "فإذا قال: إن فعلته فلله علي أن أعتقك تخير بين عتقه وكفارة يمين" فإن اختار عتقه أعتقه كيف كان أو الكفارة اعتبر في إعتاقه صفة الإجزاء "أو إن فعلته فلله علي أن أطلقك فكقوله إن فعلت" كذا "فوالله لأطلقنك يلزمه كفارة يمين بموت أحدهما" قبل التطليق وبعد الفعل وفي معنى موت أحدهما تحريمه على الآخر برضاع أو غيره. "وكذا لو قال" إن فعلت كذا "فلله علي أن آكل الخبز" يلزمه كفارة يمين بموته قبل أكل الخبز وبعد الفعل; لأن هذه المذكورات إنما تشبه اليمين لا النذر; لأن المعلق غير قربة "أو قال" إن فعلت كذا "فلله علي نذر فالنذر قربة فيتخير بين قربة ما" من القرب "وكفارة يمين" فلو كان ذلك في نذر التبرر كأن قال: إن شفى الله مريضي فعلي نذر أو قال ابتداء لله علي نذر لزمه قربة من القرب (١)، والتعيين إليه ذكره البلقيني "وإن قال" إن فعلت كذا "فلله علي كفارة يمين لزمته" أي الكفارة إن حنث; لأنها التي التزمها "وكذا لو قال نذرت لله لأفعلن" كذا و "نوى اليمين" يلزمه إن حنث كفارة يمين "وإن لم ينو فوجهان" جزم في الأنوار منهما بما بحثه الرافعي من أنه نذر (٢) أي نذر تبرر "أو" إن فعلت كذا "فلله علي يمين فلغو"; لأنه لم يأت بنذر، ولا صيغة يمين، وليست اليمين مما تثبت في الذمة "ولو قال ابتداء لله علي أن أدخل الدار" اليوم "فيمين" حتى إذا لم يدخل تلزمه كفارة يمين، وإنما لم يكن نذرا; لأنه لم يلتزم قربة "فرع لو قال ابتداء مالي صدقة" أو في سبيل الله "فلغو"; لأنه لم يأت بصيغة التزام "فإن علقه" أي قوله المذكور "بدخول مثلا" كقوله إن دخلت الدار فمالي صدقة "فنذر لجاج"; لأنها المفهوم منه فكان كقوله فعلي أن أتصدق بمالي "فإما أن يتصدق بكل ماله وإما أن يكفر" كفارة يمين "إلا إن أوجبه" أي التصدق بكل ماله عينا "والتبرر" المعلق بما ذكر بأن يكون

стр. 1709

المعلق به مرغوبا فيه "كقوله إن رزقني الله دخول الدار" أو إن دخلت الدار وأراد ذلك فمالي صدقة "فتجب الصدقة" عينا، بين بذلك مراد أصله الموهم خلاف المراد بحيث أوقع الإسنوي في الاعتراض عليه "فإن قال" بدل صدقة في نذر اللجاج أو التبرر "في سبيل الله فعلى الغزاة" يتصدق بكل ماله في الأول بعد الاختيار، وفي الثاني مطلقا قال الزركشي والأشبه تخصيص لزوم التصدق (١) بكل ماله فيما تقرر بما إذا لم يكن عليه دين لا يرجو وفاءه أو له من تلزمه مؤنته، وهو محتاج إلى صرفه له فإن كان كذلك لم ينعقد نذره بذلك (٢) لعدم تناوله له; لأنه يحرم عليه التصدق بما يحتاج إليه لذلك وسبقه إلى نحو ذلك الأذرعي قال وحكى الماوردي في لزوم التصدق بما يستر به عورته وجهين أحدهما نعم; لأنه من ماله والثاني لا يجوز (٣) لاستثنائه شرعا في حقوق الله تعالى. "فرع الصيغة إن احتملت نذر اللجاج ونذر التبرر رجع" فيها "إلى قصده" أي الناذر "فالمرغوب فيه تبرر والمرغوب عنه لجاج" وضبطوا ذلك بأن الفعل إما طاعة أو معصية أو مباح والالتزام في كل منها تارة يتعلق بالإثبات وتارة بالنفي وقد أخذ في بيانها فقال "فالإثبات في طاعة كقوله إن صليت فعلي كذا يحتملهما" أي نذر التبرر بأن يريد إن وفقني الله للصلاة فعلي كذا ونذر اللجاج بأن يقال له صل فيقول لا أصلي، وإن صليت فعلي كذا "والنفي فيها" أي في الطاعة "كقوله" وقد منع من الصلاة "إن لم أصل" فعلي كذا "لا يتصور إلا لجاجا" لا تبررا; لأنه لا بر في ترك الطاعة "والإثبات في المعصية كقوله" وقد أمر بشرب الخمر "إن شربت الخمر" فعلي كذا "يتصور لجاجا فقط والنفي فيها" كقوله إن لم أشرب الخمر فعلي كذا "يحتملهما" أي نذر التبرر بأن يريد إن عصمني الله من الشرب فعلي كذا ونذر اللجاج بأن يمنع من الشرب فيقول: إن لم أشرب فعلي كذا "ويتصور أن" أي نذر التبرر ونذر اللجاج "في المباح نفيا وإثباتا" (٤) فالتبرر في النفي إن لم

стр. 1710

آكل كذا فعلي كذا يريد إن أعانني الله على كسر شهوتي فتركته فعلي كذا وفي الإثبات كقوله إن أكلت كذا فعلي كذا يريد إن يسره الله لي فعلي كذا واللجاج في النفي كقوله وقد منع من أكل الخبز إن لم آكله فعلي كذا وفي الإثبات كقوله وقد أمر بأكله إن أكلته فعلي كذا. "فرع" قال الروياني لو قال إن سلم مالي، وهلك مال فلان أعتقت عبدي وطلقت امرأتي انعقد نذره على سلامة ماله; لأنه مباح لا على هلاك مال غيره; لأنه معصية ويلزمه في الجزاء عتق عبده، ولا يلزمه الطلاق; لأن العتق طاعة والطلاق مباح وما قاله قريب مما مر في إن دخلت الدار فمالي صدقة، وكل منهما لخلوه عن علي المعتبرة في الصيغة فيستثنى. "فرع: لا فرق في الجميع" أي جميع ما ذكر "بين قوله فعلي كذا وقوله فلله علي كذا"; لأن كلا منهما صيغة التزام والقربة لا تكون إلا لله فحمل الإطلاق في الأول عليه. "فرع: وإن قال إن فعلته فأيمان البيعة لازمة لي" ومثله الآن في العرف فأيمان المسلمين لازمة لي "فإن نوى طلاق بيعة الحجاج وعتاقها انعقد" يمينه بهما كما لو نطق بهما; ولأنهما ينعقدان بالكتابة مع النية "وإلا" بأن لم ينو ذلك سواء أنوى اليمين بالله تعالى أم لا "فلا" تنعقد يمينه قالوا وكانت البيعة في زمنه ﷺ فمن بعده بالمصافحة فلما ولي الحجاج رتبها أيمانا تشتمل على ذكر اسم الله تعالى وعلى الطلاق والإعتاق والحج والصدقة.

стр. 1711

"الركن الثالث - المنذور فلا ينعقد النذر بالتزام المعصية" كشرب خمر وزنا وصلاة بحدث لخبر مسلم السابق فلا تجب به كفارة إن حنث وأجاب النووي عن خبر "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" (١) بأنه ضعيف وغيره

стр. 1712

يحمله على نذر اللجاج قال الزركشي: ومحل عدم لزوم الكفارة بذلك إذا لم ينو به اليمين كما اقتضاه كلام الرافعي آخرا فإن نوى به اليمين لزمته الكفارة بالحنث (١). "وأما الطاعة فشرط" في انعقاد النذر "لكن لا يصح نذر الواجبات منها، وكذا ترك" أي نذر ترك "المحرمات; لأنها قد لزمت" بإلزام الشرع ابتداء فلا معنى لالتزامها وشمل كلامهم الواجب المخير الذي هو الأحد المبهم، وهو ظاهر; لأنه في الحقيقة من هذه الجهة واجب عينا نعم لو نذر خصلة (٢) معينة من خصاله فينبغي انعقاده كفرض الكفاية وقال الزركشي القياس انعقاده في أعلاها بخلاف العكس لكن صرح القاضي بعدم انعقاد ذلك. ا هـ. ومن استحضر أن الواجب غير المخير فيه، وإن كان لا يتأدى إلا به علم أن الأوجه ما قلناه. "ولا يصح نذر المباحات"، وهي التي استوى فعلها وتركها سواء أنذر فعلها أم تركها لخبر أبي داود "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله" (٣) ولخبر البخاري عن ابن عباس: بينما النبي ﷺ يخطب إذ رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يصوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم قال "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" (٤) وإذا ثبت أنه لا يصح نذر شيء من الثلاثة المذكورة "فلو نذر أن يصلي المكتوبات أو أن لا يسرق أو أن يتزوج ويأكل" أي أو أن يأكل أو أن ينام "وإن قصد" بالأكل "التقوي على العبادة" وبالتزوج غض البصر وتحصين الفرج وبالنوم النشاط على التهجد "لم يلزمه شيء" لعدم انعقاد نذره وإنما لم ينعقد عند قصده بالأكل والتزوج

стр. 1713

والنوم ما ذكر; لأنها غير مقصودة ونقل الأذرعي عن الماوردي انعقاده عند القصد، ثم قال: وهو المختار وقال الزركشي: إنه الصواب وذكر المصنف التزوج من زيادته وقضيته عدم انعقاد نذره (١) مطلقا، وليس مرادا له إذ هو مندوب عند التوقان، ووجود الأهبة كما صرح هو كغيره به فينعقد نذره بقرينة سابق كلامه فيه، ولاحقه (٢) وقولهم: العقود ولا يصح التزامها في الذمة محله إذا التزمت بغير نذر ينعقد، وإلا فيصح بقرينة تصريحهم بصحة النذر في قوله لله علي أن أشتري عبدا وأعتقه وتصريح المطلب بأنه لا يجب النكاح إلا بالنذر حيث يستحب وقضية كلام المصنف كأصله عدم لزوم كفارة يمين في المباح (٣) وبه جزم الأصل في باب الإيلاء وصوبه في المجموع هنا لكن رجح في المنهاج كأصله لزومها،

стр. 1714

وهو الموافق لما مر (١) من لزومها في قوله إن فعلت كذا فلله علي أن أطلقك وفي قوله إن فعلته فلله علي أن آكل الخبز وفي قوله لله علي أن أدخل الدار. "ويصح نذر العبادات المقصودة" بأن وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة "كالصوم والصلاة، ولو راتبة وفروض الكفاية، ولو لم تتعلق بمال" كالجهاد وتجهيز الميت وصلاة الجنازة والأمر بالمعروف. "و" يصح نذر "الصفات المستحبة فيها" أي في العبادات "ولو في فرض"، ولو منذورا "كتطويل القراءة و" تطويل "السجود" إذا لم يندب ترك التطويل "والمشي في الحج"; لأنه مقصود، وإن كان الركوب أفضل كما سيأتي "والصلاة في المسجد والجماعة" فلو خالف في الوصف الملتزم كأن صلى في الأخيرة منفردا سقط عنه خطاب الشرع في الأصل وبقي الوصف، ولا يمكنه الإتيان به وحده فعليه الإتيان به ثانيا (٢) مع وصفه. ذكره في الأنوار تبعا للقاضي والمتولي وقال القاضي أبو الطيب يسقط عنه نذره أيضا; لأنه ترك الوصف، ولا يمكن قضاؤه قال ابن الرفعة والأول ظاهر إذا لم نقل إن الفرض الأولى، وإلا فالمتجه الثاني انتهى. وقد يحمل الأول على ما إذا ذكر في نذره الظهر مثلا، والثاني على ما إذا ذكر فيه الفرض. "وينعقد" النذر "بسائر ما يثاب عليه من الأخلاق الحسنة" التي رغب الشارع فيها لعظم فائدتها، وإن لم تكن عبادة مقصودة "كالسلام" على المسلمين (٣) "والزيارة" للقادم والقبور ونحوهما وعيادة المريض (٤)، وتشييع

стр. 1715

الجنازة وتطييب الكعبة وكسوتها، كما سيأتيان; لأن الشارع رغب فيها فهي كالعبادة ولعموم خبر "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (١). "فإن نذر الوضوء صح" كسائر العبادات "وحمل على التجديد" المشروع، وهو أن يكون صلى بالأول صلاة ما "وإن نذره لكل صلاة لزمه" الوضوء لكل صلاة "ويكفيه" في خروجه عن عهدة نذره "وضوء الحدث" فلا يلزمه وضوء ثان فهو كاف له عن واجبي الشرع والنذر. "ولا يصح نذر التيمم"; لأنه إنما يؤتى به عند الضرورة "و" لا نذر "الغسل" لكل صلاة بناء على الأصح من أنه لا يسن تجديده. "وفي" صحة "نذر صوم رمضان بالسفر (٢) والقيام" في الفرض "في المرض وجهان" (٣) إنما ذكرهما الأصل في الأولى أحدهما، ونقل عن عامة الأصحاب لا; لأنه التزام يبطل رخصة الشرع والثاني نعم كسائر المستحبات قال في المجموع كذا أطلقوه والظاهر أنهم أرادوا (٤) من لا يتضرر بالصوم في السفر فإنه له أفضل أما من يتضرر به فالفطر له أفضل فلا ينعقد نذره; لأنه ليس بقربة، وأما الثانية فنقل أعني الأصل فيها وفي نذر الصوم بشرط أن لا يفطر في المرض عن الإمام تفريعا على الأول من الوجهين المذكورين عدم الانعقاد وبه جزم المصنف بعد في مسألة نذر الصوم "ويجريان فيمن نذر القيام في النوافل" قال في الأصل وفيمن نذر إتمام الصلاة في السفر إن قلنا الإتمام أفضل "و" فيمن نذر "استيعاب الرأس بالمسح أو" نذر "التثليث" في الوضوء أو الغسل "أو سجدتي التلاوة والشكر" (٥) عند مقتضيهما وبصحة النذر فيهما (٦)، وفي إتمام الصلاة فيما ذكر

стр. 1716

جزم صاحب الأنوار والمصنف في شرح الإرشاد قال العمراني في البيان، وهو الذي يقتضيه المذهب. "وإن نذر الصوم وشرط أن لا يفطر في المرض لم يلزمه الوفاء به في المرض"; لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب شرعا. "وإن نذر أن لا يفر من ثلاثة" فأكثر "من الكفار وقدر" على مقاومتهم "انعقد" نذره، وإن لم يقدر عليها فلا. "ولو نذر الإحرام بالحج في شوال أو من بلد كذا انعقد"نذره. "فرع لو عين للجهاد" الذي نذره "جهة أجزأه" عنها جهة "مثلها في المسافة و" قدر "المؤنة" لاستوائهما في نظر الشرع حينئذ قال الأذرعي: ويشبه (١) تعين التي عينها إذا كان الجهاد فيها أعظم أجرا، وهي أكثر خطرا، وإن قربت مسافتها. "فرع يشترط في" انعقاد "نذر القربة المالية" كالصدقة والأضحية "الالتزام لها في الذمة أو الإضافة إلى معين يملكه كلله علي أن أتصدق بدينار أو بهذا الدينار" بخلاف ما لو أضاف إلى معين يملكه غيره كلله علي أن أعتق عبد فلان لخبر مسلم السابق أول الباب "فإن قال إن ملكت عبدا و إن شفى الله مريضي وملكت عبدا فلله علي أن أعتقه" أو إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبدا إن ملكته أو فلله علي أن أشتري عبدا وأعتقه أو فعبدي حر إن دخل الدار كما صرح بها الأصل "انعقد" نذره; لأنه في غير الأخيرة التزم قربة في مقابلة نعمة، وفي الأخيرة مالك للعبد وقد علقه بصفتين: الشفاء والدخول، وهي مستثناة أيضا مما يعتبر فيه علي "لا إن قال" إن ملكت عبدا أو إن شفى الله مريضي وملكت عبدا "فهو حر" فلا ينعقد نذره; لأنه لم يلتزم التقرب بقربة بل علق الحرية بشرط، وليس هو مالكا حال

стр. 1717

التعليق فلغا "وكذا إذا" وفي نسخة إن "قال إن ملكت" أو إن شفى الله مريضي وملكت "هذا" العبد فلله علي أن أعتقه أو فهو حر فينعقد نذره في الأولى دون الثانية بشقيهما. "فرع" لو "نذر الإمام أن يستسقي" (١) للناس "لزمه الخروج بالناس" في زمن الجدب "وأن يؤمهم" في صلاة الاستسقاء ويخطب بهم; لأن ذلك هو المفهوم منه قال في الأم فإن سقوا قبل الخروج خرج واستسقى وكان قضاء كما لو نذر أن يصوم يوما ففاته فلو نذر أن يستسقي لنفسه فهو كغيره وقد ذكره بقوله "وغيره إن نذر" (٢) أن يستسقي "تلزمه الصلاة" للاستسقاء، ولو "منفردا فإن نذر الخروج" أي الاستسقاء "بالناس لم ينعقد" نذره; لأنهم لا يطيعونه، وهذا ما نقله الأصل عن البغوي قال الزركشي، وهو خلاف نص الشافعي والأصحاب على أنه يلزمه ذلك بنفسه، وعبارة الجرجاني عن النص لو نذر غير الإمام أن يستسقي مع الناس كان عليه أن يخرج بنفسه، ولم يكن عليه أن يخرج بالناس; لأنه لا يملكهم والحق أنه لا خلاف (٣) بل ما نقله معلوم من تعليلهم فقولهم لم ينعقد نذره أي بالنسبة لاستسقائه بالناس. "وإن نذر أن يخطب، وهو من أهلها" أي الخطبة "انعقد" نذره "ولزمه القيام فيها" كما في الصلاة المنذورة بناء على أنه يسلك بالنذر مسلك واجب الشرع، وهذا ما اقتضاه كلام أصله نقلا عن البغوي أيضا قال الأذرعي وغيره: والمذهب ما نص عليه الشافعي من أن هذا في الإمام الخاطب بالناس، وإلا فيجوز أن يخطب قاعدا قال أعني الأذرعي وقد تقرر أن المنفرد يسن له أن يصلي، ولا يخطب وقضيته أنه لا يلزمه الخطبة بالنذر. "فرع في فتاوى الغزالي أن قول البائع للمشتري: إن خرج المبيع مستحقا فلله علي أن أهبك ألفا لغو" إن لم يحكم بصحته حاكم يراه بمذهب معتبر "لأن

стр. 1718

المباح لا يلزم بالنذر" كما مر فإن قلت الهبة قربة "قلت" نعم "الهبة قربة إلا أنها على هذا الوجه ليست قربة، ولا محرمة فكانت مباحة والله أعلم" وفيه نظر والوجه انعقاد النذر وأي فرق بينه وبين قوله إن فعلت (١) كذا فلله علي أن أصلي ركعتين. "فرع لو نذر كسوة يتيم لم يجزه يتيم ذمي" أي كسوته; لأن مطلق اليتيم في الشرع للمسلم، وعلله القاضي وغيره بأنه لا يجوز وضع الكفارة فيه فكذا النذر ويؤخذ منه كما قال الأذرعي اشتراط الفقر في اليتيم (٢).

стр. 1719

"الفصل الثاني في أحكامه" "والملتزمات" بالنذر "أنواع" أربعة "الأول - الصوم (٣) فمن نذر صوما" كأن قال: لله علي صوم أو أن أصوم "أو" نذر "صوم دهر أو حين (٤) كفاه يوم" (٥) أي صومه; لأنه أقل ما يصدق به الصوم "وإن نذر صوم أيام

стр. 1720

فثلاثة" يكفيه صومها; لأنها أقل الجمع. "فرع ويسلك بالنذر مسلك واجب الشرع" (١) ابتداء لاشتراكهما في الوجوب "لا" مسلك "جائزه" إلا ما يأتي استثناؤه في الباب مما قوي دليله على دليل الأول وقد نبه عليه كأصله في باب الرجعة (٢) أيضا "فعلى هذا"، وهو أنا نسلك بالنذر مسلك واجب الشرع "يجب في صومه" المنذور "تبييت النية"، وإن سلكنا به مسلك الجائز لم يجب التبييت وخالف في المجموع فصح أنه يجب التبييت أيضا لعموم الخبر. "نعم لو نذر قبل الزوال صوم يومه لزمه" وصح صومه بناء على أن صوم التطوع إذا نوي نهارا يكون من أوله. "ومن نذر صلاة" وأطلق "لزمه ركعتان بالقيام" عند قدرته عليه حملا على أقل واجب الشرع "فإن نذرهما من قعود" مع قدرته على القيام "انعقد" نذره لهما لا للقعود; لأنه صفة ليست بقربة فألغيت وبقي الأصل فله أن يصليهما قاعدا قطعا كما صرح به الأصل "و" لكن "القيام أفضل له" وحذف ما نقله الأصل بعد عن الإمام عن الأصحاب من أنه لو قال علي أن أصلي كذا قاعدا لزمه القيام عند القدرة لمنافاته لما هنا كما نبه عليها الإسنوي وغيره، ولما لم يكن لتصوير الأصل ما هنا بأن يصلي قاعدا وما هناك بأن يصلي كذا قاعدا تأثير ظاهر في الفرق صور المصنف ما هنا بما صور به الأصل ثم. "ولو نذر أن يصلي ركعتين فصلى أربعا بتسليمة" بتشهد أو تشهدين "ففي الإجزاء تردد" أي خلاف، وعبارة المجموع ففيه طريقان أصحهما وبه قطع البغوي (٣) جوازه، والثاني فيه وجهان، وهذا الترجيح قد يؤخذ من كلام الأصل والقائل بالجواز قاسه بما لو نذر أن يتصدق بعشرة فتصدق بعشرين، وهو على
следующие страницы →