مصل أو نائم "وإلا فلا" يصح; لأنه إضاعة مال وقد ذكر الأذرعي ما يقيد ذلك فقال: وفي إيقاد الشموع ليلا على الدوام والمصابيح الكثيرة نظر لما فيه من الإسراف، وأما المنذور المشاهد الذي يثبت على قبر ولي أو نحوه فإن قصد الناذر بذلك التنوير على من يسكن البقعة أو يرد إليها فهو نوع قربة وحكمه ما ذكر أي الصحة، وإن قصد به الإيقاد على القبر، ولو مع قصد التنوير فلا، وإن قصد به، وهو الغالب من العامة تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيها أو نسبت إليه فهذا نذر باطل غير منعقد فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات لأنفسهم ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء قال: وحكم الوقف كالنذر فيما ذكرناه "والنذر منهي عنه" في خبر الصحيحين كما مر أول الباب مع ما يتعلق به والله أعلم.
стр. 1752
قال الشيخ الإمام والحبر الهمام صدر المدرسين زين الملة والدين أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي تغمده الله برحمته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
"كتاب البيوع"
جمع بيع وهو اسم جنس وجمعه لاختلاف أنواعه لأنه يقع على بيع عين ودين ومنفعة ويطلق على أمرين:
أحدهما: قسيم الشراء وهو الذي يشتق منه لمن صدر عنه لفظ البائع (١) وحده نقل ملك بثمن على وجه مخصوص والشراء قبول ذلك على لفظ كل منهما يقع على الآخر تقول العرب بعت بمعنى اشتريت وبالعكس قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: الآية ٢٠] وقال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٠٢] ويقال لكل من المتبايعين بائع وبيع ومشتر وشار.
الثاني: العقد المركب من الإيجاب والقبول وهذا مرادهم بالترجمة وهو لغة مقابلة شيء بشيء وشرعا مقابلة مال بمال على وجه مخصوص والأصل فيه قبل الإجماع آيات لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥] وقوله: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: الآية ٢٩] وأخبار كخبر سئل النبي ﷺ أي الكسب أطيب فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور لا غش فيه ولا خيانة" رواه الحاكم وصححه (٢) وخبر "إنما البيع عن تراض" رواه ابن حبان وصححه (٣) قال في المجموع تبعا للغزالي: وأركانه
стр. 1753
ثلاثة: صيغة وعاقد ومعقود عليه واختار الرافعي أنها شروط له (١) وقد ذكرت دليله والجواب عنه في شرح البهجة
стр. 1754
"باب ما يصح به البيع"
عبر عما ذكرته ما يحتمل الأركان والشروط مبتدئا بالصيغة لأنها أهم للخلاف فيها ثم بالعاقد ثم بالمعقود عليه لتقدم الفاعل على المفعول طبعا فقال "ويعتبر في صحته ثلاثة أمور الأول الصيغة (١) " لأن البيع منوط بالرضا لما مر والرضا أمر
стр. 1755
خفي لأنه ميل النفس فاعتبر لفظ يدل عليه (١) ويحصل "بالإيجاب" من البائع "ك بعتك" بكذا "أو ملكتك بكذا" وهذا مبيع منك بكذا أو أنا بائعه لك بكذا ونحوها كما بحثه الإسنوي وغيره (٢) قياسا على الطلاق "والقبول" من المشتري (٣) "ك اشتريت (٤) وتملكت وقبلت وكذا إن بدأ المشتري" بكلامه "و" كذا إن "اختلف اللفظ"من الجانبين "فقال اشتريت منك" هذا "بكذا فقال البائع ملكتك أو قال" له "البائع ملكتك فقال اشتريت" لحصول المقصود بذلك (٥) "فإن بدأ ب قبلت لم يصح" إذ لا ينتظم الابتداء به وهذا ما أفهمه كلام الأصل وبه صرح الإمام والأوجه الصحة (٦) كما جزم به الشيخان في نظيره في النكاح وأشار بكاف الخطاب في صيغ الإيجاب إلى اعتبار الخطاب فيها وإسنادها لجملة المخاطب فلا يكفي قول البائع بعت ولو بعد قول المشتري له بعت هذا بكذا ولا قوله بعت يدك أو نصفك ولا بعت موكلك بل يقول بعتك أو ملكتك وإنما اكتفى في النكاح بأنكحت موكلك بل يتعين لأن ا الوكيل ثم سفير محض وقد لا يعتبر الخطاب كما سيأتي بيانه في مسألة المتوسط.
"ويشترطان" أي الإيجاب والقبول "في عقد تولى الأب" وإن علا "طرفيه كالبيع" لماله "من طفله (٧) " وعكسه فلا يكفي أحدهما: إذ معنى التحصيل غير معنى الإزالة وكالطفل المجنون وكذا السفيه بناء على الأصح أنه لا يجوز تصرفه في
стр. 1756
المال بإذن وليه وهذا إن بلغ سفيها وإلا فوليه الحاكم فلا يتولى الطرفين لأن شفقته ليست كشفقة الأب وترجيح الاشتراط فيما قاله من زيادته وبه صرح النووي في مجموعه.
"فرع ولا ينعقد" البيع "بالمعاطاة" إذ الفعل لا يدل بوضعه "واختار النووي وجماعة" منهم المتولي والبغوي "الانعقاد" له "في كل" أي بكل "ما يعده الناس بيعا" لأنه لم يثبت اشتراط لفظ فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة "وبعضهم" كابن سريج والروياني "خصص جواز" بيع "المعاطاة بالمحقرات" وهي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز "فعلى الأول" وهو عدم صحة البيع بالمعاطاة "المقبوض بها كالمقبوض بالبيع الفاسد" فيطالب كل صاحبه بما دفع إليه إن بقي وببدله إن تلف "وقال الغزالي" في الإحياء: "يتملكه" يعني للبائع أن يتملك الثمن الذي قبضه "إن ساوى" قيمة ما دفعه لأنه مستحق ظفر بمثل حقه والمالك راض هذا كله في الدنيا أما في الآخرة فلا مطالبة لطيب النفس بها واختلاف العلماء فيها نقله في المجموع عن ابن أبي عصرون وأقره قال وخلاف المعاطاة في البيع يجري في الإجارة والرهن والهبة ونحوها قال في الذخائر وصورة المعاطاة (١) أن يتفقا على ثمن ومثمن ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول وقد يوجد لفظ من أحدهما.
"فرع لو قال" شخص "بصيغة الأمر" لآخر "بعني أو اشتر مني" (٢) هذا
стр. 1757
بكذا "فقال الآخر بعتك أو اشتريت أو قد فعلت" أو نحوها صح لدلالة الأمر على الرضا والأول يسمى استيجابا (١) وإيجابا والثاني استقبالا وقبولا والتصريح بالترجيح في الثانية من زيادته "لا إن جاء بصيغة الاستفهام" ولو مقدرا "فقال تبيعني أو بعتني" هذا بكذا فقال بعتك فلا يصح "فإن جوابه إيجاب يفتقر إلى القبول" باشتريت أو نحوه فلا يصح بدونه "أو" قال "تشتري مني أو اشتريت مني" هذا بكذا "فقال اشتريت لم يكف حتى يقول بعده بعتك" أو نحوه فإن جوابه قبول يفتقر إلى الإيجاب فلا يكفي بدونه.
"فرع بالكناية مع النية (٢) تصح العقود ولو لم تقبل التعليق" أو لم يستقل بها الشخص كالبيع والإجارة لحصول المقصود بها كالصريح "إلا فيما يجب فيه الإشهاد كالنكاح وبيع شرط على وكيله" أي الوكيل به "الإشهاد فيه" (٣) فلا ينعقد بالكناية لأن الشهود لا يطلعون على النية نعم لو توفرت القرائن عليه في الثانية قال الغزالي فالظاهر انعقاده (٤) وأقره عليه الأصل لكن قال في المطلب أنه مخالف لكلام الأئمة انتهى وعلى الأول قد يفرق بينه وبين النكاح بأن النكاح يحتاط له أكثر وصورة الشرط أن يقول بع على أن تشهد فإن قال بع وأشهد لم
стр. 1758
يكن الإشهاد شرطا صرح بذلك المرعشي (١) واقتضاه كلام غيره "فقوله خذه أو تسلمه" بكذا (٢) "أو جعلته لك بكذا أو باعك" هـ "الله" بكذا "كأقالك الله" منه أو رده الله عليك "في الإقالة أو بارك الله لك فيه أو سلطتك عليه بكذا" أو نحوها "كناية في البيع" فينعقد بها مع النية ولو أخر عن هذا قوله كأقالك الله في الإقالة كان أوضح والتقدير فيه أقالك الله لأني أقلتك "لا أبحتك إياه بكذا" فليس كناية فيه قال في المجموع لأنه صريح في الإباحة فلا يكون كناية في غيرها (٣) وفيه نظر بل ينبغي أن ينعقد به البيع وإلا أشكل بانعقاده بلفظ الهبة المصرح فيه بأنه مع ذكر العوض صريح في البيع (٤) وبما تقرر علم أن للبيع صرائح وكنايات كغيره من العقود والحلول وصريح كل باب ما وضع له فلا يفهم منه غيره وكنايته ما احتمله وغيره
"تنبيه" هل الكناية الصيغة وحدها أو مع ذكر العوض فيه التفات إلى أن ما أخذ صراحة لفظ الخلع في الطلاق ذكر العوض أو كثرة الاستعمال والأصح في الروضة الأول وفي غيرها الثاني فتكون صورة الكناية على الأول والصيغة وحدها (٥) فيصح العقد بها مع ذكر العوض بل قيل أو مع نيته والذي في الأصل
стр. 1759
وغيره تصويرها بالصيغة مع ذكر العوض والأول أوجه.
"فرع الكتابة بالبيع ونحوه" (١) على لوح أو ورق أو أرض أو نحوها "لا على المائع والهواء إلى الغائب كناية" في ذلك فينعقد بها مع النية لحصول التراضي (٢) بخلاف الكتابة على المائع ونحوه لأنها لا تثبت وتعبيره بالمائع أعم من تعبير أصله بالماء "فيشترط القبول" من المكتوبات إليه "حال الاطلاع" ليقترن بالإيجاب بقدر الإمكان "فإذا قبل فله الخيار" ما دام "في مجلس قبوله" ويثبت "الخيار للكاتب" ممتدا "إلى أن ينقطع خيار صاحبه" حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه صح رجوعه (٣) ولم ينعقد البيع (٤) "وإن كتب بذلك لحاضر ففي الصحة تردد" أي وجهان رجح منهما السبكي والزركشي الصحة (٥) "ولو باع من غائب" كأن قال بعت داري لفلان وهو غائب "فقبل حين بلغه الخبر" ممن أرسله إليه البائع أو من غيره "صح" كما لو كاتبه بل أولى لأن اللفظ أقوى من الكتب.
"فرع يشترط في" صحة "العقد" أن يقع "القبول" بعد الإيجاب "على الفور فلا يصح على التراخي" لكن لا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول "ولا" يصح العقد "إن تخلل" بينهما "كلام أجنبي عن العقد" ولو يسير وإن لم يتفرقا عن المجلس لأن فيه إعراضا عن القبول بخلاف اليسير في الخلع ويفرق بأن فيه من جانب الزوج شائبة تعليق ومن جانب الزوجة شائبة جعالة وكل منهما موسع فيه محتمل للجهالة بخلاف البيع وصورته أن يقع ممن يريد أن يتم العقد أما من فرغ من كلامه وتكلم بيسير أجنبي فإنه لا يضر ذكره الرافعي في الخلع (٦) والمراد بالكلام ما يشمل الكلم والكلمة وخرج بالأجنبي غيره فلا
стр. 1760
يضر قال بعضهم: كقوله بارك الله في الصفقة أو غال أو رخيص وقال بعضهم كقوله بعتك هذا بكذا أقبلت مني البيع وفسر في الأنوار الأجنبي بأن لا يكون من مقتضى العقد ولا من مصالحه ولا من مستحباته قال فلو قال المشتري بسم الله (١) الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قبلت صح "ولو مات" المشتري "بعد الإيجاب" بحضرة وارثه "لم يقبل وارثه" ولا يقبل وكيله بل ولا موكله كما جزم به المصنف (٢) في شرح الإرشاد وهو مقتضى كلام الأصحاب وخالف بعضهم فقال بالصحة في الموكل.
"ويشترط" في صحة العقد "الموافقة في المعنى إيجابا وقبولا (٣) فإن أوجب بألف قراضة فقبل بصحاح" أو بالعكس كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "أو قال قبلت نصفه بخمسمائة وسكت لم يصح" للمخالفة "ولو قال ونصفه" الآخر "بخمسمائة صح" عند المتولي (٤) إذ لا مخالفة بذكر مقتضى الإطلاق واستشكله الرافعي بأنه أوجب له عقدا فقبل عقدين لتعدد الصفقة بتفصيل الثمن (٥) قال
стр. 1761
في المجموع: والأمر كما قال الرافعي لكن الظاهر الصحة ومال في المهمات إلى عدم الصحة قال والرافعي إنما ساق مقالة المتولي مساق الأوجه الضعيفة "ولو قبل بألف وخمسمائة لم يصح" للمخالفة ويشترط أيضا أن يصر البادي على ما أتى به من الإيجاب أو القبول فلو أوجب بمؤجل أو بشرط الخيار ثم أسقط الأجل أو الخيار ثم قبل الآخر ولم يصح البيع لضعف الإيجاب وحده وأن يتكلم كل منهما بحيث يسمعه من بقربه وإن لم يسمعه صاحبه وإلا لم يصح كما لو حلف لا يكلمه بكلمة قاله البغوي في فتاويه
"فرع: لو قال بعتك" هذا بكذا "إن شئت (١) فقال اشتريت" أو قال اشتريت منك هذا بكذا إن شئت فقال بعتك انعقد البيع ولا يضر التعليق المذكور لأنه تصريح العقد فأشبه ما لو قال إن كان هذا ملكي فقد بعتكه بكذا ولو قال في الجواب شئت لم يصح لأن لفظ المشيئة ليس من ألفاظ التمليك ونقل الزركشي عن نص الشافعي أنه يصح ثم قال فتتعين الفتوى به انتهى وقد يحمل النص على أن ذلك كناية جمعا بين الكلامين ولو قال اشتريته منك بكذا فقال بعتك إن شئت قال الإمام لا يصح لاقتضاء التعليق وجود شيء بعده ولم يوجد فلو قال بعده اشتريت أو قبلت لا يصح أيضا إذ يبعد حمل المشيئة على استدعاء القبول وقد سبق فيتعين إرادتها نفسها فيكون تعليقا محضا وهو مبطل
"أو قال المتوسط" (٢) للبائع "بعت" هذا "بكذا فقال نعم" أو بعت "وقال للآخر اشتريت فقال نعم" أو اشتريت "انعقد" البيع لوجود الصيغة والتراضي
стр. 1762
"والأخرس يشير أو يكتب" بالعقد والحل للمعالجة (١) وهذا أعم من قول الأصل يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة والكتابة وسيأتي في الطلاق أيضا ذكر الإشارة وأنه إن فهمها الفطن وغيره فصريحة أو الفطن فقط فكناية
"فرع وإن قال أعتق عبدك عني بألف مثلا ففعل حصل البيع ضمنا" بما ذكر من الالتماس والجواب ولو قال بعتك بكذا فقال قبلت صح بخلاف النكاح يشترط فيه أن يقول قبلت نكاحها أو تزويجها كما سيأتي في بابه احتياطا للإبضاع (٢) وبذلك صرح الأصل هنا.
стр. 1763
"الأمر الثاني" مما اعتبر في صحة البيع "أهلية العاقد" موجبا أو قابلا "وشرطه إطلاق التصرف والاختيار فلا يصح بيع صبي وإن قصد اختباره" به ولا بيع مجنون ومحجور عليه بسفه ولو بغبطة لما سيأتي في الحجر وتعبيره بإطلاق التصرف أولى من تعبير أصله بالتكليف ويشترط أن يبقى العاقدان على أهلية العقد إلى تمامه فلو جن أحدهما: أو أغمي عليه قبل القبول بطل الإيجاب "ولا" يصح بيع "مكره" (١) لآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٨] ولخبر "إنما البيع عن تراض" (٢) "إلا" بيع مكره "بحق كالممتنع من أداء الحق عند الحاكم فيكرهه على البيع ونحوه" كالشراء لما أسلم إليه (٣) فيه فيصح لأنه
стр. 1764
إكراه بحق وإلا بيعه مال المكره له فيصح قاله القاضي كنظيره في الطلاق لأنه أبلغ في الإذن وتعبيره بما ذكر أعم من تعبير الروضة بالبيع وشراء ما أسلم إليه فيه.
"ويصح بيع المصادر" من جهة ظالم بأن باع ماله لدفع الأذى الذي ناله لأنه لا كراء فيه ومقصود من صادره تحصيل المال من أي وجه كان (١) "و" يصح عقد "السكران" المتعدي بسكره وإن كان غير مكلف لأنه من قبيل ربط الأحكام بالأسباب الذي هو خطاب الوضع كما مر بيانه في الجمعة.
"فرع وإن أتلف الصبي" أو تلف عنده "ما ابتاع أو ما اقترض من رشيد وأقبضه" له "لم يضمن" في الظاهر لأن المقبض هو المضيع لماله أما في الباطن فيغرم بعد البلوغ نص عليه في الأم في (٢) باب الإقرار "أو من" صبي "مثله" ولم يأذن الوليان "ضمن كل" منهما "ما قبض" من الآخر "وإن كان" ذلك "بإذن الوليين فالضمان عليهما فقط" لوجود التسليط منهما "وعلى البائع" للصبي "رد الثمن" الذي قبضه منه "إلى وليه" وعلى وليه استرداده "فلو سلمه" الأنسب رده
стр. 1765
"إلى الصبي ولو بإذن الولي وهو" ملك "للصبي لم يبرأ" منه "أو للولي" وقد أذن "برئ" (١) قال منه الزركشي ومحل قولنا لا يبرأ بالدفع للصبي بإذن وليه ما إذا لم يكن في مصلحة (٢) تتعلق ببدنه من مأكل ومشرب وملبس ونحوها فإن كان برئ "وإن قال" شخص لمن له عنده وديعة أو له عليه دين "سلم إلى الصبي وديعتي أو قدر ديني" الذي "عليك أو ألقهما في البحر (٣) فامتثل برئ من الوديعة" لأنه امتثل أمره في حقه المتعين (٤) "لا" من "الدين" لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح ولم يوجد في معنى الوديعة كل ما هو متعين كمعار ومغصوب والسفيه في جميع ما ذكر كالصبي كما يعلم من باب الحجر "ولو كان لصبي دينار فأعطاه لنقاد ينقده" أو متاع فأعطاه لمقوم يقومه كما صرح به الأصل "ضمن إن لم يرده إلى وليه (٥) أو" كان ذلك "لغيره" أي لغير الصبي أي لكامل "فإلى" أي فيضمن إن لم يرده إلى "مالكه" وكالولي والمالك وكيلهما أي ويقال الرد إليه رد إليهما.
"فرع لو أوصل صبي هدية" إلى غيره "وقال هذه من زيد مثلا أو أخبر في الإذن" الأولى بالإذن "بالدخول" (٦) إلى دار أو غيرها "عمل بخبره مع" ما يفيد العلم أو الظن من "قرينة أو أمن قوله" لاعتماد السلف عليه في ذلك حينئذ وكالصبي في ذلك الفاسق كما نقله في المجموع عن الأصحاب
"فصل الكافر لا يتملك" بنفسه ولا بوكيله رقيقا "مسلما لنفسه" ولا لمثله لما فيه من إذلال المسلم ولقوله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء الآية ١٤١] أما تملكه لمسلم فجائز كما سيأتي وقوله لنفسه من زيادته ولو
стр. 1766
تركه كان أولى للاغتناء عنه بما سيأتي مع عدم إيهام أنه يتملكه لمثله.
"ولا" يتملك "مرتدا" لبقاء علقة الإسلام وهذا ما صححه في المجموع وظاهر قول الأصل في صحة بيعه للكافر الخلاف في قتله بالذمي تصحيح الصحة لأن الأصح قتله به "إلا إن كان إذا ملكه عتق" عليه "كأن اشترى فرعه أو أصله أو من أقر بعتقه" (١) أو قال لمالكه أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض وأجابه كما صرح به الأصل "فيصح" تملكه لأنه يستعقب العتق فلا إذلال وفي عد الثانية من ذلك (٢) تجوز لأن القبول فيها فداء لا شراء على الصحيح ولو عبر كأصله بدل عتقه كان أعم "لا إن اشترى مسلما بشرط إعتاقه" فلا يصح لأنه لا يستعقب العتق "وإن وكله مسلم في شراء مسلم" فاشتراه له "صح ووقع" الملك "له وإن لم يسمه" في العقد بناء على أن الملك يقع أولا للموكل وهو الأصح ويفارق منع توكيل المسلم كافرا في قبول نكاح مسلمة باختصاص النكاح بالتعبد لحرمة الإبضاع وبأن الكافر لا يتصور نكاحه لمسلمة (٣) بخلاف ملكه لمسلم كما سيأتي.
"ولا يتملك مصحفا (٤) وحديثا" أي ولا كتب حديث "و" لا "كتب فقه فيها آثار" للسلف لما فيه من الإهانة لها قال السبكي والأحسن أن يقال كتب علم وإن خلت عن الآثار تعظيما للعلم الشرعي قال ابنه الشيخ تاج الدين وتعليله يفيد جواز تملكه كتب علوم غير شرعية (٥) وينبغي المنع من تملك ما يتعلق منها بالشرع ككتب النحو واللغة وفيما قاله نظر وتعبير المصنف بالتملك أعم من تعبير أصله بالشراء
стр. 1767
"فرع للكافر استئجار المسلم" (١) حرا أو رقيقا "ولو إجارة عين" وله استئجار مصحف ونحوه إذ لا يثبت له على شيء منها تسلط تام وإنما يستوفي منفعته بعوض وقد آجر علي رضي الله تعالى عنه نفسه لكافر قال الزركشي وينبغي أن يكون محل ذلك في غير الأعمال الممتهنة أما الممتهنة كإزاحة قاذوراته فيمتنع قطعا (٢) "وله ارتهانه" أي الرقيق المسلم "وارتهان مصحف" لأنه مجرد استيثاق "وترفع يده" عنهما "فيوضعان عند عدل" قضيته أنه يتسلمهما أولا وقضية كلام الروضة (٣) أنه لا يمكن من ذلك بل يسلم أولا للعدل وقد ذكرهما ابن الرفعة احتمالين قال السبكي وينبغي أن يكون أصحهما الثاني قال الأذرعي ويحتمل أن يقال يسلم إليه الرقيق ثم ينزع حالا إذ لا محذور كما في إيداعه منه بخلاف المصحف لأنه محدث فلا يسلم إليه وما قاله متجه
"ويؤجر" الكافر وجوبا "الأجير" المسلم لمسلم ليزيل ملكه عن المنفعة كما يزيل ملكه عن الرقبة فيما سيأتي وقيل لا يجب والتصريح بالترجيح من زيادته وبه صرح في المجموع وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين إجارة الذمة وإجارة العين وقضية كلام أصله أنه في إجارة العين دون إجارة الذمة قال الزركشي وهو ظاهر لأن الأجير فيها يمكنه تحصيل العمل بغيره "ويكره" كراهة تنزيه "إجارة عين المسلم وإعارته" له صيانة عن الإذلال وكراهة إعارته له ذكرها الأصل في العارية وذكر هنا جواز إيداعه عنده (٤) وخرج بإجارة العين إجارة الذمة فلا كراهة فيها
стр. 1768
لأن العمل فيها دين على الأجير ولا يمكنه تحصيله بغيره كما مر
"فرع لو نسخ الكافر مصحفا" هذا من زيادته "أو أسلم عبده" أو أمته "أمر بإزالة الملك عنه" ببيع أو هبة أو عتق أو وقف أو غيرها دفعا للإهانة والإذلال وقطعا لسلطنة الكافر على المسلم ولا يحكم بزواله بخلاف ما لو أسلمت الزوجة تحت كافر إذ ملك النكاح لا يقبل النقل فتعين البطلان بخلاف ملك اليمين وهل يكفي وقفه على (١) ذمي قال الزركشي (٢) يتجه أن يقال إن قلنا الملك لغير الله (٣) تعالى لم يكف ولم يصح أو له تعالى فيحتمل أنه كالإجارة ويحتمل المنع (٤) وهو المتجه لأنا هناك نأمره بالإجارة وهو هنا غير ممكن لأنه إن أجره مدة عمره لم يصح أو البعض لزم أن يبقى البعض الآخر على ملكه "فلا يكفي رهنه وإجارته" وتزويجه وتدبيره ونحوها لأنها لا تفيد الاستقلال وهل المراد أن ذلك لا يصح أو يصح لكنه لا يكفي في الحيلولة قال الزركشي فيه نظر والأقرب الأول (٥) "وتكفي الكتابة" له وإن لم يزل بها الملك لإفادتها الاستقلال "فإن باعه" وكان "معيبا أو" باعه "بمعيب أو وهبه لولده أو أفلس المشتري" بالثمن "أو استقال أحدهما: " الآخر "فله" أي للموجب "أو للمشتري" أي لكل منهما "الإقالة والاسترداد" الشامل للرد وإن استلزم ذلك دخول مسلم في ملك كافر ابتداء لأن الفسخ يقطع العقد ويجعل الأمر كما كان ولهذا لا يثبت به الشفعة ولأن الملك بالفسخ في الرد يقع قهرا "وله تعجيزه في الكتابة" إن عجز عن النجوم كما له استرداد المبيع بإفلاس المشتري أو نحوه
"وإن مات" الكافر عن رقيق مسلم "ورثه ولده الكافر" لأن الإرث
стр. 1769
قهري (١) ويؤمر بما كان يؤمر به مورثه وعبارة الأصل صار لوارثه وهي أعم وكالرقيق المصحف ونحوه وعبارة المصنف تحمله.
"فإن لم يجد" مالكه "من يشتريه" بثمن المثل "أنفق عليه ويستكسب" هو "له" وما قررته من أن ضمير يجد راجع للمالك هو قضية كلامه لكن الأصل جعله راجعا للحاكم فإنه قال لو امتنع مالكه مما أمر به باعه الحاكم عليه بثمن المثل كما يبيع مال من امتنع من أداء الحق فإن لم يجد مشتريا بثمن المثل صبر وحال بينه وبينه ويستكسب له وتؤخذ نفقته منه وكلاهما صحيح لكن كلام الأصل أكثر فائدة قال ابن الرفعة وقياس ذلك في المستأجر إذا أمرناه بالإزالة فامتنع أن يؤجره الحاكم (٢) لكن قال الماوردي أنه يفسخ فإن قلت هل يتعين على الحاكم البيع أو يتخير بينه وبين كتابته كالمالك قلت ظاهر كلامهم تعين بيعه وهو ظاهر لمصلحة المالك بقبض الثمن حالا "كمستولدته" فإنه ينفق عليها وتستكسب له في يد امرأة ثقة أو نحوها "حين تسلم إذ لا يمكن بيعها" ولا يكلف إعتاقها للإجحاف ولا بيع مدبره إذا أسلم لإبطال حقه من العتق والمعلق عتقه قال ابن الصباغ والعمراني (٣) كالقن والماوردي كالمدبر (٤) قال الزركشي وينبغي إذا طلب بيع المستولدة من نفسها بثمن المثل أن يجبر على ذلك وفيما قاله نظر لما فيه من الإجحاف بالمالك بتأخر الثمن في الذمة نعم إن طلب غيره افتداءها منه بقدر قيمتها فالظاهر إجباره (٥)
"فرع ولو اشترى كافر" رقيقا "كافرا فأسلم" الرقيق "قبل القبض لم ينفسخ" أي العقد (٦) ك إباقه قبل قبضه بخلاف العصير إذا تخمر قبل قبضه لزوال
стр. 1770
المالية قال الإمام (١) وللمشتري الفسخ "ويقبض" هـ "له الحاكم" ولا يقبضه هو لئلا يتسلط على المسلم "ثم يباع" الأولى والأنسب بعبارة أصله ثم يزال عنه ملكه وإنما قبضه له الحاكم لأنه ينفذ تصرفه فيه قبل قبضه بالبيع ونحوه إلا بالعتق والوقف وليسا بمتعينين عليه
стр. 1771
"الأمر الثالث صلاحية المعقود عليه"
للبيع "وله" أي للمعقود عليه "شروط" خمسة (١)
"الأول الطهارة" (٢) له "فلا يصح بيع نجس العين" سواء أمكن تطهيره بالاستحالة كجلد الميتة أم لا "كالسرجين" بكسر السين وفتحها "والكلب ولو معلما" لخبر الصحيحين (٣) أنه ﷺ "نهى عن ثمن الكلب (٤) وقال إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير" (٥) وقيس بها ما في معناها "ولا" بيع "مائع متنجس ولو دهنا (٦) وماء وصبغا" لأنه في معنى نجس العين ولأنه لو صح بيعه لما أمر
стр. 1772
السمن فيما رواه ابن حبان كما مر "أنه ﷺ قال في الفأرة تقع في السمن "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان ذائبا فأريقوه (١) " ولا أثر لإمكان تطهير الماء القليل بالمكاثرة (٢) لأنه كالخمر يمكن طهره بالتخلل ولا للانتفاع بالصبغ المتنجس في صبغ شيء به وإن طهر المصبوغ به بالغسل كما أشار إليه بقوله "مع أنه يطهر المصبوغ به بالغسل" (٣) ولو عبر كأصله بدل مائع متنجس لا يمكن تطهيره كان أولى ليشمل نحو الآجر المعجون بالزبل فلا يصح بيعه قال في المهمات ويلزم منه فساد بيع الدار المبنية به.
وأجيب بأن البناء إنما يدخل في بيع الدار تبعا للطاهر منها كالحجر والخشب (٤) فاغتفر فيه ذلك من مصالحها كالحيوان يصح بيعه وبباطنه النجاسة وينزل كلامهم على بيع الآجر منفردا أما بيع متنجس يمكن طهره بالغسل (٥) كثوب تنجس بما لا يستر شيئا منه فيصح "ويصح بيع القز وفيه الدود" ولو ميتا لأن بقاءه فيه من مصلحته كالحيوان.
стр. 1773
بباطنه النجاسة ويباع جزافا وزنا كما اقتضاه كلامهم وصرح به في الروضة وغيرها والدود فيه كنوى التمر وقال في الكفاية لا يجوز وزنا وحمل على بيعه في الذمة (١) كما يمتنع السلم فيه وفرق بأن بيع المعين يعتمد المشاهدة والجهالة معها تقل بخلاف بيع ما في الذمة من سلم وغيره فإنه يعتمد الوصف والغرر ومعه يكثر "و" يصح بيع "بزر القز" وهو البيض الذي يخرج منه دود القز كما مر بيانه في باب النجاسة "و" بيع "فأرة المسك" بناء على طهارتهما وهو الأصح "ولو تصدق بالدهن" المتنجس "للاستصباح" به مثلا على إرادة نقل اليد لا التمليك "جاز" وكالتصدق الهبة والوصية ونحوهما كما صرح به الأصل وكالدهن الكلب والسرقين ونحوهما:
"ويجوز اقتناء الكلب لمن يصيد" به "أو يحفظ به نحو الماشية" كزرع ودرب وشجر ونفسه في حضر أو سفر "لا قبل شرائها" أي الماشية ونحوها يعني تملكها فلا يجوز اقتناؤه لغير مالكها ليحفظها به إذا ملكها ولا غير صياد ليصطاد به إذا أراد كما صرح به في الروضة والمجموع ولا يجوز اقتناء الخنزير مطلقا ويجوز اقتناء الفهد كالقرد والفيل وغيرهما "ويجوز تربية الجرو" (٢) الذي يتوقع تعليمه "لذلك" أي للصيد ولحفظ الماشية ونحوهما لا قبل
تملكها والجرو بتثليث الجيم ولد الكلب والسبع ذكره الجوهري "و" يجوز "اقتناء السرجين للزراعة" عبارة الروضة ويجوز اقتناء السرجين وتربية الزرع به لكن يكره
"الشرط الثاني الانتفاع" به شرعا ولو في المآل كالجحش الصغير "فلا يصح بيع ما لا نفع به" (٣) لأنه لا يعد مالا فأخذ المال في مقابلته ممتنع للنهي عن إضاعة المال وعدم نفعه "إما لقلته كحبتي حنطة وزبيب" (٤) ولا أثر لضم ذلك
стр. 1774
إلى مثله أو وضعه في الفخ ومع هذا يحرم غصبه "ويجب الرد" له "فإن تلف فلا ضمان" إذ لا مالية وما نقل عن الشافعي من أنه يجوز أخذ الخلال والخلالين من خشب الغير يحمل على علمه برضا مالكه "وإما لخسته كالحشرات" (١) وهي صغار ودواب الأرض كالخنفساء "والفأرة والنمل" والحية والعقرب ولا عبرة بما يذكر من منافعها في الخواص لأنها لا تعد مالا وبما قررته علم أن قوله كالحشرات شامل للفأرة والنمل فذكرهما بعده من ذكر الخاص بعد العام "لا العلق" (٢) فيجوز بيعه "للامتصاص" أي لمنفعة امتصاص الدم "وبيع غير الجوارح" المعلمة "من السباع والطير" مما لا نفع فيه "كالأسد (٣) والذئب والحدأة والغراب" غير المأكول "باطل" ولا نظر لمنفعة الجلد بعد الموت ولا لمنفعة الريش في النبل ولا لاقتناء الملوك لبعضها للهيبة والسياسة "ويصح بيع ما ينتفع به" من الجوارح وغيرها "كالفهد" (٤) للصيد "والفيل" للقتال "والقرد" للحراسة "والنحل" للعسل "والعندليب والطاوس للأنس بصوته" أي العندليب "ولونه" أي الطاوس ولا فائدة لعدوله عن تمثيل أصله بالزرزور إلى تمثيله بالعندليب وقد مثل بهما معا في المجموع وما قيل من أن ذلك يقتضي أنه لا يحل أكلهما وليس كذلك رد بأن المراد (٥) أن ما يزاد في ثمنه لأجل صوته أو لونه يصح بيعه سواء حل أكله كالمذكورين أم لا كالنهاس والصرد لصوتهما قال البلقيني والسبع الذي لم يصد ولكن يرجى أن يتعلم هل يصح بيعه قبل تعلمه فيه وجهان حكاهما الماوردي ولم يرجح شيئا والأرجح الجواز.
"و" يجوز بيع "العبد الزمن" لأنه يتقرب بعتقه "لا الحمار الزمن" ولا أثر لمنفعة جلده إذا مات
стр. 1775
"فرع ويحرم بيع السم" إن قتل كثيره وقليله "فإن نفع قليله" وقتل كثيره "كالسقمونيا والأفيون جاز" بيعه
"فرع آلات الملاهي" كالمزمار والطنبور "والصور لا يصح بيعها ولو كانت ذهبا" أو فضة إذ لا نفع بها شرعا ولأنها على هيئتها لا يقصد منها غير المعصية وقد حرم النبي ﷺ "بيع الأصنام" (١) رواه الشيخان (٢) "ولا" يصح "بيع النرد" كالمزمار "إلا أن صلح بيادق للشطرنج" فيصح مع الكراهة "ويصح بيع جارية الغناء وكبش النطاح وديك الهراش ولو زاد الثمن لذلك" قصد أو لا لأن المقصود أصالة الحيوان "ويكره بيع الشطرنج ويصح بيع آنية الذهب والفضة" (٣) لأنهما المقصودان ولا يشكل بما مر من منع بيع آلات الملاهي والصور المتخذة منهما لأن آنيتهما يباح استعمالها للحاجة (٤) بخلاف تلك.
"فرع ويصح بيع الماء والحجر والتراب ولو" كان الماء "عند النهر و" الحجر عند "الجبل و" التراب عند "الصحراء" لظهور المنفعة فيها ولا يقدح في ذلك المكان تحصيل مثلها بلا تعب ولا مؤنة "و" يصح "بيع لبن الآدميات" لأنه طاهر منتفع به فأشبه لبن الشاة ومثله لبن الآدميين بناء على طهارته.
"الشرط الثالث الولاية" للعاقد على المعقود عليه بملك (٥) أو نيابة أو ولاية كولاية الأب والوصي والقاضي والظافر بغير جنس حقه والملتقط لما يخاف تلفه
стр. 1776
"فبيع الفضولي وتصرفاته" أي باقيها "و" تصرفات "الغاصب" أي كل منهما "باطل" لعدم ولايتهما على المعقود عليه ولخبر حكيم بن حزام "ولا تبع ما ليس عندك" رواه الترمذي وصححه (١) ولخبر "لا طلاق إلا فيما تملك ولا عتق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك" (٢) رواه أبو داود بإسناد صحيح (٣) "وكذا شراء الفضولي للغير بعين مال الغير أو في ذمته" بأن قال اشتريته له بألف مثلا في ذمته مع أنه لا يختص بالشراء داخل فيما قبله لكنه ذكره ليقرنه بقسمه الآتي وقوله "باطل" إيضاح فإن لم يقل في ذمته وقع للمباشر سواء قال في الذمة أو لا كما صرح به كأصله في الوكالة وتعبيره بالولاية أولى من تعبير أصله بكون الملك لمن له العقد (٤) لاقتضائه إخراج بيع الفضولي وشرائه وعبارة الأصل تقتضي إدخالهما لأن القائل بصحتهما لا يقول بصحتهما للفضولي بل لمن قصده "وإن كان" الشراء للغير "بعين مال الفضولي أو في ذمته وقع له سواء أذن" له "ذلك الغير وسماه" هو في العقد "أم لا" ما ذكره فيما إذا أذن له وسماه هو واشترى بمال نفسه من تصرفه والذي في الأصل هنا بناء على عدم إلغاء تسمية العاقد للآذن وقوع العقد
стр. 1777
للآذن وحكاية وجهين في أن ثمن قرض أو هبة والمرجح وقوع العقد للآذن وأن الثمن قرض للآذن لا هبة كما ذكره كأصله في (١) الوكالة ولا تقوم النية هنا مقام التسمية ثم تعبيره بالفضولي لا يناسب ذكر الإذن فلو عبر كأصله بمال نفسه لسلم من ذلك والتصريح بقوله أو في ذمته من زيادته.
"فرع وإذا باع أو أبرأ من مال أبيه" مثلا شيئا "أو زوج أمته (٢) ظانا بقاءه فبان ميتا أو باع عبد نفسه ظانا إباقه أو كتابته فبان" أنه "قد رجع" من إباقه "أو فسخ" كتابته "صح" لتبين ولايته عليه فالعبرة بما في نفس الأمر (٣) لا بما في ظن العاقد والوقف فيه وقف تبين لا وقف صحة ويخالف إخراج زكاة المال بشرط موت مورثه لأن النية معتبرة فيها ولم يبنها على أصل وأما ما ذكره الأصل في الربا من أنه لا يصح نكاح من لم يعلم أنها معتدة أو أخته أم لا فقد صرح الروياني بخلافه على أنه يفرق بأن (٤) الشك ثم في حل المعقود عليه وهنا العاقد وبينهما فرق وإن اشتركا في الركنية ومسألة الإبراء من زيادة المصنف هنا وقد أعادها في الضمان تبعا لذكر الأصل لها ثم "وكذا" يصح "لو باع هازلا" لأنه أتى باللفظ عن قصد واختيار وعدم رضاه بوقوعه لظنه أنه لا يقع له أثر له خطأ ظنه وهذا إعادة في الطلاق في ضمن سائر التصرفات "أو" باع "للتلجئة" بأن يبيع ماله لصديقه خوف غصب أو إكراه وقد توافقا قبله على أنه يبيعه له ليرده إذا أمن وهذا كما يسمى بيع التلجئة يسمى بيع الأمانة "وقوله إن مات أبى فقد زوجتك
стр. 1778
أمته باطل" كما صححه في الروضة في النكاح لأنه تعليق فأشبه قوله إن قدم زيد زوجتك أمتي وذكر ابن الصباغ ما حاصله أن صورة المسألة وجميع نظائرها أن لا يعلما حال التعليق وجود المعلق عليه وإلا فيصح ذكره في المهمات وهو مناسب لما سيأتي في النكاح في قوله وقد بشر ببنت إن صدق المخبر فقد زوجتكها.
"الشرط الرابع القدرة على التسليم" (١) للمعقود عليه حسا وشرعا ليوثق بحصول العوض وليخرج عن بيع الغرر المنهي عنه في خبر مسلم قال الماوردي والغرر ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما وقيل ما انطوت عنا عاقبته "ولا يشترط اليأس من التسليم بل ظهور التعذر كاف فلا يصح بيع المغصوب" من غير غاصبه "و" لا بيع "الآبق" للعجز عن تسليمهما حالا نعم إن كان البيع ضمنيا صح كما سيأتي في كفارة الظهار قال الزركشي أخذا من كلام الإمام ومثله بيع من يحكم بعتقه على المشتري بالشراء "و" لا "كتابتهما" (٢) لأنها تقتضي التمكن من التصرف "وإن عرف موضعهما" وعلم أنه يصلهما إذا أراد لكن بكلفة فإن ذلك لا يصح فيهما لكن ذكره لكتابة الآبق من تصرفه وليس بصحيح لأنه متمكن من التصرف بل المغصوب إن تمكن من التصرف صحت كتابته كبيعه ممن يقدر على نزعه ومثلهما في منع بيعهما وفيما يأتي الضال كما نبه عليه الأصل واستشكل في المهمات منع بيعهم (٣) بأن إعتاقهم جائز وقد صرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلا حصول الثواب بالعتق كالعبد الزمن صح بيعه وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح ويكون قبضا قال فلم يصح بيع هؤلاء إذا
стр. 1779
كانوا زمنى بل مطلقا لوجود منفعة من المنافع التي يصح لها الشراء.
وأجيب بأن الزمن ليس فيه منفعة حيل بين المشتري وبينها بخلاف الثلاثة، قضيته أنه إذا لم يكن لهم منفعة سوى العتق يصح بيعهم وفيه نظر لعدم قدرة المشتري على تسليمهم ليملكهم لغيره "بخلاف التزويج والعتق" لمن ذكر فإنه يصح وإن انتفت القدرة على التسليم "فإن اشتراهما قادر عليهما صح" نظرا إلى وصوله إليهما إلا أن احتاجت قدرته على مؤنة قال في المطلب فينبغي البطلان (١) وعلى هذا لو قدر البائع عليهما (٢) صح بيعهما أيضا كالمودع والمعار قال في المطلب إلا إذا كان فيه كلفة فينبغي أن يكون كبيع السمك في البركة أي وشق تحصيله منها قال وهذا عندي لا مدفع (٣) له "وله" أي للمشتري القادر عليهما "الخياران جهل" الحال وقت البيع "أو علم" به "وعرض مانع" أي عجز عن البيع لا يلزمه كلفة التحصيل (٤) وقضيته صحة العقد في حالة الجهل مع الاحتياج في التحصيل إلى مؤنته ولا ينافيه ما تقدم عن المطلب لأن ذلك عند العلم بالحال وهذا عند الجهل به فأشبه ما إذا باع صبرة تحتها دكة فإن اختلفا في العجز صدق المشتري بيمينه "فائدة" قال الثعالبي لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل وإلا فهو هارب قال الأذرعي لكن الفقهاء يطلقونه عليهما
"ولا يصح بيع طائر في الهواء وإن تعود العود" إلى محله لما فيه من الغرر ولأنه لا يوثق به لعدم عقله وبهذا فارق صحة بيع العبد المرسل في حاجة "إلا
стр. 1780
النحل الموثوقة أمه" بأن تكون في الكوارة فيصح بيعه وفارق بقية الطيور بأنه لا يقصد بالجوارح وبأنه لا يأكل عادة إلا مما يرعاه فلو توقف صحة بيعه على حبسه لربما أضر به أو تعذر به بيعه بخلاف بقية الطيور فإنها تعلف وتقييده النحل بما ذكر من زيادته وصرح به ابن الرفعة وأمه يعسوبه وهو أميره "ولا بد من رؤيته في الكوارة أو حال خروجه" منها أو دخوله إليها وهذا معلوم مما يأتي في الشرط الخامس والكوارة بضم الكاف وفتحها مع تشديد الواو فيهما ومع تخفيفها في الأول الخلية وحكي أيضا كسر الكاف مع تخفيف الواو "ولا" يصح "بيع سمك في ماء ولو في بركة إن شق تحصيله منها" لعدم قدرة تسليمه "لا إن سهل" تحصيله (١) "ولم يمنع الماء رؤيته" فيصح بيعه "وبرج الطائر كالبركة للسمك" فيأتي في بيعه فيه ما مر آنفا "ويبطل جزء معين لا شائع من نحو سيف وثوب ينقص بقطعة" قيمة أو "قيمة الباقي" نقصا يحتفل بمثله للعجز عن تسليمه شرعا إذ التسليم فيه إنما يمكن بالقطع وفيه نقص وتضييع مال وهو حرام وفرقوا بينه وبين ما قالوه من صحة بيع ذراع من أرض بأن التمييز فيها يحصل بنصب علامة بين الملكين بلا ضرر قال الرافعي ولك أن تقول قد تتضيق مرافق الأرض بالعلامة وتنقص القيمة فينبغي إلحاقها بالثوب وأجيب بأن النقص فيها يمكن تداركه بخلافه في الثوب قال في المجموع وطريق من أراد شراء ذراع معين من ثوب نفيس أن يواطئ صاحبه على شرائه (٢) ثم يقاطعه قبل الشراء ثم يشتريه فيصح بلا خلاف وظاهره أنه لا يحرم القطع ووجهه أنه طريق لحل البيع فاحتمل للحاجة ولا حاجة إلى تأخيره عن البيع (٣)
стр. 1781
"فلو كان" الجزء "مما لا ينقص" بقطعه ك كرباس "جاز" البيع لانتفاء المحذور أما بيع الجزء الشائع فجائز مطلقا لذلك ويصير الجزء مشتركا.
"ويجوز بيع أحد زوجي خف" وإن نقصت قيمتهما بتفريقهما (١) "إذ لا قطع" هذا التعليل من زيادته "ولا يصح بيع جذع معين" في بناء لأن الهدم يوجب النقص ولا بيع بعض معين "من جدار" إن كان "فوقه شيء أو كان" الجدار "قطعة واحدة من نحو طين" كخشب لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه في الأولى وهدم شيء منه في الثانية "فإن كان" الجدار "من لبن أو آجر" ولا شيء فوقه "وجعلت النهاية نصف السمك" أي سمك اللبن أو الآجر "فكذلك" لا يصح بيعه وذكر نصفهما مثال فغيره ومن الكسور كذلك "وإلا" أي وإن لم تجعل النهاية نصف سمكهما أو نحوه بأن جعلت نصفا من صفوفهما "صح" قال في الأصل وفيه إشكال لأن موضع الشق قطعة واحدة من طين أو غيره ولأن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي فليفسد البيع كبيع جذع في بناء وأجاب ابن الرفعة عن الأول بأن الغالب أن الطين الذي بين اللبنات لا قيمة له وعلى الثاني بأن نقص القيمة من جهة انفراده فقط وهو لا يؤثر بخلاف الجذع فإن إخراجه يؤثر ضعفا في الجدار
"ولا يصح بيع فص في خاتم" (٢) لأن فصله يوجب النقص "و" لا يصح "بيع جمد وثلج وزنا وهو" أي كل منهما "ينماع" أي يسيل "قبل وزنه" قال في المهمات وهذا ظاهر إن كان على الأرض فإن كان في إناء وقال بعتك هذا ولم يقل الجمد صح جزما وإن قال الجمد فيتجه تخريجه على الخلاف في تعارض الإشارة والعبارة ورد بأن الخلاف إنما يجيء عند اختلاف الإشارة والعبارة ك بعتك هذه الرمكة (٣) فإذا هي بغلة وهنا متفقان فإن كان جمدا حالة العقد عليه وإنما سال
стр. 1782
بعده نعم ينبغي أن يكون محل الخلاف ما إذا لم تكن له قيمة عند سيلانه وإلا لم ينفسخ العقد (١) وإن زال الاسم كما لو اشترى بيضا فتفرخ قبل قبضه والجمد بسكون الميم وحكى ابن قرقول فتحها ثم صوب السكون قال وهو الماء الجامد من شدة البرد
"ولا" يصح "بيع مرهون بعد القبض" بغير إذن مرتهنه للعجز عن تسليمه شرعا (٢) "وكذا جان تعلق برقبته (٣) مال كسرقة درهم" أي كأن سرق رقيق درهما وتلف وكأن قتل غيره خطأ أو شبه عمد أو عمدا وعفا على مال لا يصح بيعه بغير إذن المجني (٤) عليه لتعلق الحق به كالمرهون وأولى لأن الجناية تقدم على الرهن (٥) والتمثيل بسرقة الدرهم من زيادته "فإن لزمه قصاص" ولو في رقبته "صح بيعه" لأنه ترجى سلامته بالعفو (٦) وتوقع هلاكه كتوقع موت المريض،
стр. 1783
"وكذا يصح بيع من تعلق برقبته مال بعد اختيار السيد الفداء (١) " ولا يشكل بصحته الرجوع عن الاختيار لأن مانع الصحة زال بانتقال الحق لذمة السيد وإن لم يلزمها ما دام العبد في ملكه "وإذا صح البيع" بعد اختياره الفداء "لزمه" المال الذي يفديه به فيجبر على أدائه كما لو أعتقه أو قتله "فإن أداه فذاك" واضح "وإن تعذر" ولو بإفلاسه أو غيبته أو صبره على الحبس أو موته "فسخ البيع في الجناية" لأن حق المجني عليه سبق حق المشتري نعم إن أسقط الفسخ حقه كأن كان وارث البائع فلا فسخ إذ به يرجع العبد إلى ملكه فيسقط الأرش قاله الزركشي.
أما إذا لم يتعلق المال برقبته بل بكسبه كأن زوجه سيده أو بذمته كأن اشترى شيئا فيها بغير إذن سيده أو أتلفه أو اقترض قرضا فاسدا وأتلفه وأقر بجناية خطأ أو شبه عمد ولم يصدقه السيد ولا بينة قال البلقيني أو لم يتعلق بشيء من ذلك أمر السيد عبده بإتلاف شيء وكان أعجميا يعتقد وجوب طاعة الآمر أو غير مميز فيصح بيعه لأن البيع إنما يرد على الرقبة ولا تعلق لرب الدين بها "وينفذ عتق الجاني" (٢) الذي تعلق برقبته مال "من" مالكه "الموسر" لانتقال الحق إلى ذمته مع وجود ما يؤدي منه "لا" من "المعسر" لما فيه من إبطال الحق بالكلية إذ لا متعلق له سوى الرقبة "وكذا استيلاد الجانية" التي تعلق برقبتها مال ينفذ من الموسر لا من المعسر أما إذا لم يتعلق المال بالرقبة فيصح العتق والاستيلاد مطلقا كالبيع حتى لو أوجبت جناية العبد قصاصا فأعتقه سيده وهو معسر ثم عفا على مال قال البلقيني لم يبطل العتق على الأقيس وإن بطل البيع في نظيره لقوة العتق ويلزم السيد الفداء وينتظر يساره "ولا يتعلق الأرش" الذي أوجبته جناية الجاني "بالولد" أي بولده إذ لا جناية منه "وللسيد فداء الجاني" حيث فداه "بالأقل من الأرش والقيمة" كما يأتي بيانه في الجنايات
"الشرط الخامس" للمعقود عليه ثمنا أو مثمنا "العلم" (٣) أي علم
стр. 1784
العاقدين (١) به لا من كل وجه بل "بالعين" في المعين "والقدر والصفة" فيما في الذمة للنهي عن بيع الغرر كما مر "فبيع عبد من عبيده (٢) أو عبده المختلط بعبيد غيره و" قد "جهلاه أو أحدهما: أو العبيد إلا واحدا باطل" كما في النكاح سواء تساوت القيم أم لا وسواء قال ولك الخيار في التعيين أم لا "وبيع جزء كالربع مشاعا" من أرض أو عبد أو صبرة أو ثمرة أو غيرها "أو بيعه" شيئا منها "إلا ربعا مشاعا صحيح ولو" بيع الجزء "بمثله كبيع نصفه من دار (٣) بينهما نصفين" وفي نسخة نصفان "بنصف صاحبه أو" بيع "نصفه بثلثي نصف صاحبه فيصير" المجموع بينهما في الثانية "أثلاثا وفائدته" أي تصحيح البيع في ذلك "سقوط الرجوع" به "في هبة الولد و" في "الصداق" إذا طلقت الزوجة قبل الدخول وفي منع الرد بالعيب أو الإفلاس وله فوائد أخر (٤) أشار إليها الأصل
стр. 1785
وذكرها الزركشي في خادمه وتعبير المصنف بثلثي نصف صاحبه أوضح من تعبير الروضة بالثلث من نصف صاحبه "وإن قال بعتك الثمرة بثلاثة آلاف" مثلا "إلا ما يخص ألفان أراد" بما يخصه "نسبته من الثمن" إذا وزعت الثمرة عليه صح وكان استثناء للثلث "أو" أراد به نسبته من "القيمة" أي ما يساوي ألفا عند التقويم "فلا" (١) لأنه مجهول أو أطلق فينبغي كما قال الزركشي (٢) البطلان وأورد على حصر الشروط في الخمسة أنها موجودة في حريم الملك مع أنه لا يصح بيعه وحده وأجيب بأنه إن أمكن إحداث حريم للملك فالوجه الصحة وإلا فالمنع راجع إلى عدم قدرة تسليمه كبيع بعض معين من ثوب ينقص بالقطع
"فرع وإن باعه ذراعا مثلا من أرض أو ثوب" أو نحوهما "وذرعه معلوم لهما كثمانية مثلا ملك" المشتري "الثمن" أي ثمنها "ونزل على الإشاعة" لإمكانها حتى لو تلف بعضها تلف بقدره من المبيع ولا حاجة مع الكاف لقوله مثلا "وإن أراد معينا لم يصح" البيع كبيع شاة من قطيع "فلو اختلفا فيما أرادا" فقال البائع أردت معينا فقال المشتري بل مشاعا أو عكسه "صدق المعين" لأنه أعلم بنيته وعلله الإمام بأن مطلق لفظ الذراع لا يفهم منه معنى الإشاعة إلا بتأويل لكن سيأتي في القراض أن قوله قارضتك على أن نصف الربح لك صحيح وعلى أن نصفه لي باطل فلو قال خذه قراضا بالنصف فالأشبه في المطلب صحته تنزيلا على شرط النصف للعامل وكلام سليم يشير فيه إلى وجهين ثم قال سليم وإذا قلنا بالصحة فقال المالك أردت أن النصف لي وادعى العامل العكس صدق لأن الظاهر معه وهذه تشبه مسألتنا وحكمها مخالف لحكمها نبه على ذلك في المهمات ويجاب عنه بما علل به الإمام "أو" ذرعه "غير معلوم" لهما أو لأحدهما: "لم يصح" البيع لأن أجزاء الأرض والثوب ونحوهما تتفاوت غالبا منفعة وقيمة
стр. 1786
والإشاعة متعذرة "فلو عين ابتداء من طرف بأن قال بعتك ذراعا" مثلا "من هنا في جميع العرض إلى حيث ينتهي" الذراع "في الطول" أو عكسه "صح" بخلاف ما إذا عين ابتداء من الطرف لا يصح وسكت كأصله عن دخول الحد في البيع وقد جزم القاضي بأنه لو عين خطين وقال بعتك من هذا الخط إلى هذا الخط لم يدخل الخطان في البيع (١) وقال المتولي لا تدخل الحدود في العقد إلا بالتنصيص عليها.
"فرع وبيع صاع من صبرة" ولو مجهولة الصيعان (٢) "صحيح" لعلم العاقدين بقدر المبيع مع تساوي الأجزاء (٣) فلا غرر بخلاف ما لو فرق الصيعان وباع صاعا منها قال القاضي لأنها ربما تفاوتت في الكيل فيختلف الغرض وقال غيره لأن التفريق يحصل به التباين فيصير كل صاع أصلا بنفسه وعند الاجتماع تصير الصبرة جملة واحدة وقد تماثلت أجزاؤها فيبعد الاختلاف فيما يؤاخذ منها وهذا أولى لاقتضاء الأول أنه لو فرقها وزنا جاز البيع وليس بظاهر "فإن علمت صيعانها نزل على الإشاعة والشركة" لإمكانهما كما مر وقوله والشركة من زيادته ولا حاجة إليه "وإن جهلت صح" لما مر (٤) بخلاف ما لو باعها إلا صاعا للجهل بالمبيع "للنهي عن بيع الثنيا"رواه مسلم (٥) زاد الترمذي"إلاأن تعلم"
стр. 1787
وصححه (١) "وله أن يعطيه" صاعا "من أسفلها" ووسطها وإن لم يكونا مرئيين إذ المبيع صاع منها أي صاع كان لتعذر الإشاعة ورؤية ظاهرها كرؤية كلها كما سيأتي "فلو لم يبق" منها "غيره تعين" للبيع بل سيأتي في آخر إحياء الموات أنه لو انصب عليها صبرة أخرى ثم تلف الكل إلا صاعا تعين للبيع وهذا الفرع مستثنى من اشتراط العلم بالعين في المعين (٢) ولا حاجة لقوله صح للعلم به من أول الفرع فلو حذفه وعبر فيما بعده بالفاء كان أولى وأخصر.
"فرع وإن باعه دارا" وفي نسخة دارة أي قطعة أرض "محفوفة بملكه" من كل جانب "صح وله" أي للمشتري "الممر حيث شاء" أي من كل جانب "ولو لم يقل" بعتكها "بحقوقها" لتوقف النفع عليه فهو كبيعها بحقوقها "فإن شرط" له "الممر من جانب ولم يعينه بطل العقد" أي لم يصح لتفاوت الأغراض باختلاف الجوانب فجعل إبهامه كإبهام البيع بخلاف ما إذا عينه أو أثبته له من كل الجوانب "وكذا لو نفاه" أي الممر لا يصح العقد لتعذر الانتفاع بالمبيع حالا سواء أمكن المشتري تحصيل ممر أم لا وشرط البغوي عدم إمكانه ذلك "وإن اشترى ما" أي شيئا من الأرض "يلي ملكه أو الشارع لم يكن له المرور في ملك البائع" بل يمر في ملك نفسه أو الشارع تنزيلا على العادة "إلا إن قال بحقوقها" فيمر في ملك البائع وهذا في الثانية من زيادته "وإن استثنى بائع الدار لنفسه بيتا" منها "فله الممر" منها إليه إن لم يتصل البيت بشارع (٣) إن ملك له وإلا فلا يستحقه ذكره
стр. 1788
القاضي "فلو نفاه" أي الممر "ولم يكن له تحصيل ممر لم يصح البيع" كما لو باع ذراعا من ثوب ينقص بالقطع وإن أمكن تحصيله صح البيع.
стр. 1789
"فصل: وما كان من الثمن والمثمن في الذمة"
وهي لغة: العهد والأمان واصطلاحا الذات والنفس إطلاقا لاسم الحال على المحل وقال ابن عبد السلام هي معنى مقدر في المحل يصلح للإلزام والالتزام قال وعليه الميت له ذمة باقية لأنه ملزم بالدين وملتزم له انتهى وهذا ينافي قولهم ذمة الميت خربت وقد يجاب بأنها خربت في المستقبل خاصة "اشترط معرفة قدره" للعاقدين "فبيع ملء هذا البيت حنطة (١) والشراء بوزن هذا الحجر ذهبا" ولم يعلما المقدار فيهما "أو بألف ذهبا وفضة باطل" للجهل بقدر العوض فإن عين الحنطة كأن قال بعتك ملء هذا البيت من هذه الحنطة صح كما صرح به في السلم تبعا للأصل ثم وللمجموع هنا وصوره بالكوز فقالوا لو قال بعتك ملء هذا الكوز (٢) من هذه الحنطة صح على الأصح لإمكان الأخذ قبل تلفه فلا غرر واستشكله البازري وغيره للجهل بقدر العوض ولا بد من معرفتهما الجنس والصفة أيضا كما علم مما مر فلو باع بألف أو بنقد مطلقا وثم نقود ولا غالب فيها لم يصح كما سيأتي إيضاحه. "وكذا لو باع بما" أي بمثل ما "باع به فلان ثوبه" مثلا "وجهله أحدهما: (٣) أو بمائة دينار إلا عشرة دراهم" لا يصح لما مر "إلا أن عرفا" في الثانية "قيمة الدينار دراهم وقصد الاستثناء منها" أي من القيمة فيصح (٤).
"ويجب تعيين نوع الدراهم والدنانير" المبيع بها "لفظا إن اختلفت النقود" لاختلاف الغرض باختلافها فلا يكفي التعيين بالنية بخلاف نظيره في
стр. 1790
الخلع لأنه يغتفر فيه ما لا يغتفر هنا (١) وبخلاف ما لو قال من له بنات زوجتك بنتي ونويا واحدة وقد يفرق بأن ذكر العوضين هنا واجب فوجب الاحتياط باللفظ بخلافه ثم فاكتفى بالنية فيما لا يجب ذكره فإن اتفقت النقود بأن لم تتفاوت قيمة وغلبة صح البيع من غير تعيين ويسلم أيها شاء "وإن غلب واحد" منها "انصرف إليه" (٢) العقد المطلق لأنه المتبادر (٣) "وإن كان فلوسا" وسماها (٤) وما اقتضاه كلامه كأصله من أنها من النقود وجه والصحيح أنها من العروض وسيذكرها.
"وكذا" ينصرف إلى الغالب إن كان "مكسرا أو لم تتفاوت قيمة أو" كان "النصف" مثلا "صحاحا والنصف" الآخر "مكسرة" وإن كان يعهد التعامل بهذه مرة وبتلك أخرى ولا تفاوت بينهما صح البيع وسلم أيهما شاء "ولو كان النقد مغشوشا جازت المعاملة به ولو جهل قدر الفضة" نظرا للعرف "فإن قلت" أي بان بعد البيع قلة فضة المغشوش "جدا فله الرد" إن اجتمع منها مالية لو ميزت وإلا فيبطل البيع كما لو ظهرت من غير الجنس وقوله من زيادته "بالعيب" إيضاح "ولو غلب التعامل بعرض وباع به كصاع حنطة انصرف" العقد "إلى الغالب أيضا" كالنقد "وقيمة المتلف كثمن المبيع" فيما ذكر فتنزل على ما ينزل عليه الثمن