كتاب الحجر
هو لغة المنع وشرعا المنع من التصرفات المالية والأصل فيه قوله تعالى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١) [النساء: من الآية ٦] الآية وقوله ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٢] الآية والسفيه المبذر والضعيف الصبي والذي لا يستطيع أن يمل المغلوب على عقله والحجر نوعان نوع شرع لمصلحة الغير كالحجر على المفلس للغرماء (٢) والراهن للمرتهن في المرهون والمريض للورثة في ثلثي ماله (٣) والعبد لسيده والمكاتب لسيده ولله - تعالى، والمرتد للمسلمين، ولها أبواب تقدم بعضها، وبعضها يأتي
ونوع شرع لمصلحة المحجور عليه وهو ثلاثة حجر الجنون (٤) والصبا والسفه، وكل منها أعم مما بعده وقد ذكرها بقوله "والمحجور عليهم لمصلحتهم ثلاثة المجنون والصبي والسفيه وينقطع حجر الجنون"الثابت بمجرد الجنون "بالإفاقة"منه بغير فك، وألحق القاضي بالمجنون النائم والأخرس الذي لا يفهم (٥) قال الأذرعي:
стр. 2277
وفيه نظر; إذ لا يتخيل أحد أن النائم (١) يتصرف عليه وليه، وأما الأخرس المذكور فإنه لا يعقل وإن احتج إلى إقامة أحد مقامه فينبغي أن يكون هو الحاكم، وفي نسخة قبل قوله: وينقطع
فصل. "ومن له أدنى تمييز فكالصبي المميز" (٢) في الحجر عليه في التصرفات المالية "وينقطع الحجر عن الصبي بالبلوغ رشيدا" (٣) بغير فك لآية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ومنهم من قال بالبلوغ قال في الأصل: وليس هذا اختلافا محققا بل من قال بالأول أراد الإطلاق الكلي، ومن قال بالثاني أراد حجر الصبا وهذا أولى; لأن الصبا سبب مستقل بالحجر، وكذا التبذير، وأحكامهما متغايرة، ومن بلغ مبذرا فحكم تصرفه حكم تصرف السفيه لا حكم تصرف الصبي انتهى "والبلوغ"يحصل إما "باستكمال خمس عشرة سنة قمرية" تحديدية (٤) لخبر ابن عمر عرضت على النبي ﷺ يوم أحد (٥) وأنا ابن أربع عشرة سنة (٦) فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت. رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين (٧) وابتداؤها من انفصال جميع الولد
стр. 2278
"أو بخروج المني لإمكانه" (١) أي لوقت إمكانه لقوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: من الآية ٥٩] ولخبر "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم" (٢) والحلم الاحتلام وهو لغة ما يراه النائم تقول منه حلم بالفتح واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته أيضا قاله الجوهري والمراد به هنا خروج المني في نوم أو يقظة بجماع أو غيره. "وأقله"أي وقت إمكانه "تسع سنين" (٣) قمرية أي استكمالها بالاستقراء والظاهر أنها تقريب كما في الحيض (٤) ولو ادعى البلوغ به أو ادعت الصبية البلوغ بالحيض صدقا بلا يمين، ولو في خصومة; لأنه لا يعرف إلا من جهتهما (٥) ولأنهما إن صدقا فلا تحليف وإن كذبا فكيف يحلفان، واعتقاد المكذب أنهما صغيران نعم إن كان من الغزاة وطلب سهم المقاتلة، أو إثبات اسمه في الديوان حلف عند التهمة كما سيأتي في السير "وإنبات شعر العانة الخشن" (٦) الذي
стр. 2279
يحتاج في إزالته إلى حلق "دليل" للبلوغ "في حق الكفار" ومن جهل إسلامه (١) لخبر عطية القرظي قال كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون من أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل وكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت فجعلوني في السبي. رواه ابن حبان والحاكم والترمذي وقال حسن صحيح (٢) وأفاد كلام المصنف أن ذلك ليس بلوغا حقيقة بل دليل له ولهذا لو لم يحتلم وشهد عدلان بأن عمره دون خمس عشرة سنة لم يحكم ببلوغه بالإنبات قاله الماوردي وقضيته أنه دليل للبلوغ بالسن وحكى ابن الرفعة فيه وجهين أحدهما هذا وثانيهما أنه دليل للبلوغ بالاحتلام قال الإسنوي (٣) ويتجه أنه دليل للبلوغ بأحدهما (٤).
وإنما يكون دليلا في حق الخنثى إذا كان على فرجيه قاله الماوردي (٥) "لا"في حق "المسلمين" لسهولة مراجعة آبائهم وأقربائهم من المسلمين بخلاف الكفار ولأنهم متهمون في الإنبات فربما تعجله بدواء دفعا للحجر وتشوفا للولايات بخلاف الكفار فإنه يفضي بهم إلى القتل أو ضرب الجزية وهذا جرى على الأصل والغالب، وإلا فالأنثى والخنثى والطفل الذي تعذرت مراجعة أقاربه المسلمين لموت أو غيره حكمهم كذلك ووقت إمكان إنبات العانة وقت إمكان الاحتلام (٦) "لا"إنبات "شعر الإبط واللحية"فليس دليلا للبلوغ "لندورهما دون خمس عشرة"سنة، ولأن
стр. 2280
إنباتهما لو دل على البلوغ لما كشفوا العانة في وقعة بني قريظة لما فيه من كشف العورة مع الاستغناء عنه والترجيح فيهما مع التعليل بما قاله من زيادته وفي معناهما الشارب وثقل الصوت ونهود الثدي ونتو طرف الحلقوم وانفراق الأرنبة وغيرها "ويجوز النظر إلى العانة للشهادة"بها عند الحاجة إلى معرفة البلوغ بها للضرورة "وتزيد المرأة"على ما ذكر من السن وخروج المني ونبات العانة "بالحيض" (١) لوقت إمكانه بالإجماع (٢) "وبالولادة"; لأنها مسبوقة بالإنزال (٣)، وعبر الأصل بالحبل (٤)، وكل منهما ليس بلوغا، وإنما البلوغ بالإنزال، والولادة المسبوقة بالحبل دليل عليه ولهذا قال ": ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر (٥) وشيء فلو أتت المطلقة بولد يلحق الزوج حكمنا بالبلوغ"لها "قبل الطلاق".
"فرع لو أمنى الخنثى من ذكره وحاض من فرجه حكمنا ببلوغه"; لأنه ذكر أمنى أو أنثى حاضت "لا إن وجد"أحدهما أو كلاهما "من أحدهما"أي أحد الفرجين فلا يحكم ببلوغه لجواز أن يظهر من الآخر ما يعارضه قاله الجمهور وقال الإمام: ينبغي الحكم ببلوغه بأحدهما كما يحكم بالاتضاح به ثم يغير إن ظهر خلافه قال في الأصل: وهو الحق (٦) وقال المتولي: إن وقع ذلك مرة لم يحكم ببلوغه،
стр. 2281
وإن تكرر حكمنا به قال النووي: وهو حسن غريب انتهى، فإن قلت: لا منافاة بين الحيض وخروج المني من الذكر لما مر أنه يجب الغسل بخروج المني من غير طريقه المعتاد، قلت: ذاك محله مع انسداد الأصلي وهو منتف هنا
"فرع الرشد إصلاح الدين والمال حتى من الكافر"كما فسر به آية ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: من الآية ٦] (١) "ويعتبر"في رشد الكافر "دينه"ثم بين إصلاح الدين بقوله "فلا يرتكب محرما يسقط العدالة"من كبيرة أو إصرار على صغيرة (٢)، وإصلاح المال بقوله "ولا يضيع المال"بإلقائه في بحر أو بصرفه في محرم أو "باحتمال الغبن الفاحش"في المعاملة ونحوها وهو ما لا يحتمل غالبا كما سيأتي في الوكالة بخلاف اليسير كبيع ما يساوي عشرة بتسعة "وليس صرفه في الخير"كالصدقة والعتق "تبذيرا"; لأن فيه غرضا وهو الثواب، ولا سرف في الخير كما لا خير في السرف "ولا"صرفه "في الثياب والأطعمة النفيسة"وإن لم تلق بحاله "وشراء الجواري والاستمتاع بهن"; لأن المال يتخذ لينتفع ويلتذ به، وقضيته أنه ليس بحرام نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له (٣) فحرام كما مر في قسم الصدقات.
"فرع لا بد من الاختبار" لرشد الصبي في المال (٤) ليعرف رشده وعدم رشده "فليختبر ولد التاجر في المماكسة" في البيع والشراء بأن ينقص عما طلبه
стр. 2282
معامله أو بزيادة عليه "وولد الزراع"وفي نسخة الزارع "في الإنفاق على القوام بها" وهم الذين استؤجروا على القيام بمصالح الزرع كالحرث والحصد والحفظ "والمرأة في القطن والغزل"أي فيما يتعلق بهما من حفظ أو غيره "وصوت الأطعمة عن الهرة والفأرة"ونحوهما "وحفظ متاع البيت"وولد الأمير ونحوه في الإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها وكل ذلك على العادة في مثله "مرات"يعني مرتين فأكثر فلا يكفي مرة; لأنه قد يصيب فيها اتفاقا "وكل"من المذكورين وغيرهم يختبر "بما يليق به" (١) لو قدم هذا كأصله على قوله فليختبر كان أولى "حتى" وفي نسخة بحيث "يغلب على الظن بالرشد وذلك"أي الاختبار "قبل البلوغ" (٢) لآية ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: من الآية ٦] واليتيم إنما يقع على غير البالغ ولأنه لو كان بعده لأدى إلى أن يحجر على البالغ الرشيد إلى أن يختبر وهو باطل "ويسلم إليه المال ليماكس لا ليعقد"; لأنه لا يصح عقده فإذا أراد العقد عقد الولي "فإن تلف"المال "في يده لم يضمنه الولي"; لأنه مأمور بالتسليم إليه
"فصل"وفي نسخة فرع "لو بلغ"الصبي "مصلحا لماله لا دينه"أو عكسه أو غير مصلح لواحد منهما كما فهما بالأولى "لم ينفك حجره" (٣) بل يستدام ويتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل بلوغه للمعنى الذي حجر لأجله ولمفهوم آية ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: من الآية ٦] والإيناس هو العلم والمراد بالحجر الجنس
стр. 2283
لا حجر الصبي لانقطاعه بالبلوغ على ما مر ويسمى من بلغ كذلك بالسفيه المهمل (١) وهو محجور عليه شرعا وإن لم يحجر عليه حسا
"فلو أصلحهما" من بلغ بأن بلغ مصلحا لهما أو غير مصلح ثم صار مصلحا لهما "انفك"حجره ودفع إليه ماله، ولو امرأة "بلا حاكم" (٢) للآية ولأنه لم يثبت به كحجر الجنون نعم إن أنكر وليه دعواه أنه بلغ رشيدا لم ينفك الحجر عنه (٣)، ولا يحلف الولي كالقاضي والوصي والقيم بجامع أن كلا أمين ادعى انعزاله، ولأن الرشد يوقف عليه بالاختبار فلا يثبت بقوله وإن آخذناه بإقراره به في رفع ولايته، قال الأذرعي: ولأن الأصل يعضد قوله بل الظاهر أيضا; لأن الغالب في قريبي العهد بالبلوغ عدم الرشد فالقول قوله في دوام الحجر إلا أن تقوم بينة (٤) بالرشد
стр. 2284
"ولو عاد"أي صار بعد رشده "مبذرا حجر عليه القاضي" (١) فلا يحجر عليه غيره كالأب والجد ولا يعود بنفسه; لأنه في محل الاجتهاد، وإنما حجر عليه لآية ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: من الآية ٥] أي أموالهم لقوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (٢) [النساء: من الآية ٥] ولخبر "خذوا على أيدي سفهائكم" رواه الطبراني بإسناد صحيح ونقل الروياني عن الشافعي أن القاضي إذا حجر عليه استحب له أن يرد أمره إلى الأب أو الجد فإن لم يكن فسائر العصبات; لأنهم أشفق "وهو"أي القاضي "وليه دون الأب والجد"; لأنه الذي يعيد الحجر عليه ولأن ولاية غيره قد زالت فينظر من له النظر العام "ولا يرتفع الحجر إلا به"أي بالقاضي كما لا يثبت إلا به
"ولا حجر بعود الفسق"بلا تبذير; لأن الأولين لم يحجروا على الفسقة ويفارق استدامته بالفسق المقترن بالبلوغ بأن الأصل ثم بقاؤه، وهنا ثبت الإطلاق، والأصل بقاؤه ويفارق الحجر بعود التبذير بأن الفسق لا يتحقق به إتلاف المال ولا عدم إتلافه بخلاف التبذير
"ولا"حجر "بالغبن في تصرف دون تصرف"لبعد اجتماع الحجر وعدمه في شخص واحد (٣) والترجيح من زيادته (٤) قال الزركشي: وقضية كلام الإمام ترجيح جواز الحجر قال الأذرعي: ويقرب أن يقال: إن كان البعض الذي يغبن فيه أكثر حجر عليه مطلقا، أو أقل فلا مطلقا وإن استويا فتردد
"ولا"حجر "بالشحة على النفس"مع اليسار لينفق بالمعروف; لأن الحق له وقيل يحجر عليه قال الماوردي: والقائل به لم يرد حقيقة الحجر فإنه صرح بأنه لا يمنع من التصرف، ولكن ينفق عليه بالمعروف من ماله إلا أن يخاف عليه إخفاء ماله لشدة شحه فيمنع من التصرف فيه; لأن هذا أشد من التبذير
стр. 2285
"فصل ولا يصح من السفيه المحجور عليه"شرعا أو حسا "عقد مالي"كالبيع والشراء ولو بغبطة أو في الذمة والإعتاق والكتابة "ولو بإذن الولي أو الموكل وتقدير"وفي نسخة أو بتقدير "العوض"وفي أخرى، ولو قدر العوض; لأن تصحيحها يؤدي إلى إبطال معنى الحجر ولأنها إتلاف أو مظنة الإتلاف وللآية والخبر السابقين بخلاف الاحتطاب ونحوه والطلاق والخلع والظهار ونحوها كما سيأتي "ويصح قبوله الهبة"لأنه ليس بتفويت بل تحصيل "لا"قبوله "الوصية"; لأنه تصرف مالي وهذا ما اقتضاه كلام الأصل لكن الذي جزم به الماوردي والروياني والجرجاني الصحة أيضا، وقال الإمام: إنه الذي عليه الأكثرون واختاره السبكي والإسنوي ولي بهما أسوة (١)، وعليه قال الماوردي (٢) لا يجوز تسليم الموهوب والموصى به إليه، فإن سلمهما إليه ضمن الموصى به دون الموهوب; لأنه ملك الموصى به بقبوله بخلاف الموهوب وبحث في المطلب جواز تسليم الموهوب إليه إذا كان ثم من ينتزعه منه عقب تسلمه من ولي أو حاكم.
ويصح تدبيره ووصيته وقبضه دينه بإذن وليه كما سيأتي في الخلع، وعقده الجزية بدينار (٣)، وصلحه من قود لزمه على شيء، ولو أكثر من الدية صيانة للروح، وتوكيله في قبول النكاح دون إيجابه ونكاحه بإذن وليه; لأن المال فيه تبع وسيأتي بيانها في محالها قال الإمام: ولو امتنع الولي وعسرت مراجعته في المطاعم ونحوها وانتهى إلى الضرورة فالوجه عندي القطع بجواز تصرفه (٤) بحسبها
"ويضمن القابض من السفيه" ما قبضه منه في معاملة أو غيرها وتلف عنده
стр. 2286
"وإن كان جاهلا"بحاله كما في القابض من الصبي "لا هو"أي السفيه فلا يضمن ما قبضه من غيره "إن أقبضه"له "رشيد وتلف قبل المطالبة"له "برده ولو انفك عنه الحجر"أو كان المقبض له جاهلا; لأنه المضيع له، وإنما لم يضمنه بعد انفكاك الحجر عنه; لأنه حجر ضرب لمصلحته فأشبه الصبي لكنه يأثم; لأنه مكلف بخلاف الصبي،
وقضية كلامه كأصله أنه لا يضمن ظاهرا ولا باطنا، وبه صرح الإمام والغزالي (١) لكن الذي نص عليه في الأم في باب الإقرار أنه يضمن بعد انفكاك الحجر عنه (٢)، وهو الموافق لما مر في البيع في نظيره من الصبي (٣) "وإلا" أي وإن أقبضه له غير رشيد وتلف مطلقا أو رشيد وتلف بعد المطالبة برده والامتناع منه "ضمن" كنظيره في الصبي، والتقييد ب قبل المطالبة من زيادته، وصرح به الصيدلاني (٤).
قال الأذرعي: والظاهر أن في معنى الرشيد من سفه بعد رشده (٥)، ولم يتصل به حجر القاضي فإن الأصح نفوذ تصرفاته كالرشيد إلى أن يحجر عليه القاضي وفي معناه أيضا من حجر عليه بسفه وأذن له وليه في الإقباض (٦) "ويلغو إقراره بمال" (٧) وإن أسنده إلى ما قبل الحجر "وكذا بجناية توجيه" كالصبي،
стр. 2287
ولا يؤاخذ بذلك بعد انفكاك الحجر، ومحله في الظاهر أما في الباطن فيلزمه أداؤه (١) حينئذ إن كان صادقا فيه "لا"إقراره "بما يوجب حدا أو قصاصا"فلا يلغو "وإن عفا"عن القصاص "على مال"لعدم تعلقه بالمال ولانتفاء التهمة ولزوم المال في العفو يتعلق باختيار غيره لا بإقراره "ويقبل"إقراره "في السرقة للقطع لا للمال"كالعبد "و"يقبل إقراره "في الوطء للنسب لا"لثبوت "الاستيلاد"للموطوءة "والنفقة"عليه للولد بل ينفق عليه من بيت المال نعم إن ثبت أنها فراش له وولدت لمدة الإمكان ثبت الاستيلاد لكنه في الحقيقة لم يثبت بإقراره "وإن ادعى عليه دين معاملة"لزمه "قبل الحجر فإن لزمه بالبينة"يعني أقيمت به بينة "ثبت وإلا فلا"بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار وإقراره بالدين لاغ كما مر.
стр. 2288
"فصل يصح طلاقه ورجعته وخلعه"
ولو بدون مهر المثل "وظهاره ونفيه النسب"بلعان أو غيره ونحوها; لأنها ما عدا الخلع لا تعلق لها بالمال الذي حجر لأجله، وأما الخلع فكالطلاق بل أولى، وهو خاص بالرجل للمعنى المذكور، وبما تقرر علم أن إطلاقه نفي السبب أولى من تقييد الأصل له باللعان "فإن كان مطلاقا سرى بجارية"صوابه جارية قاله النووي مع أنه عبر في مواضع بالأول "إن احتاج"إلى الوطء "فإن كرهها أبدلت"وسيأتي في النكاح بيان المطلاق "وحكمه في العبادات"الواجبة والمندوبة البدنية "لا"في "صرف الزكاة كالرشيد"لاجتماع الشرائط فيه بخلاف صرف الزكاة; لأنه ولاية وتصرف مالي نعم إن أذن له الولي وعين له المدفوع إليه صح صرفه كنظيره في الصبي المميز وكما يجوز للأجنبي توكيله فيه قال الأذرعي: نعم ينبغي أن يكون ذلك بحضرة الولي أو من ينوب عنه; لأنه قد يتلف المال إذا خلا به أو يدعي صرفه كاذبا وكالزكاة في ذلك الكفارة (١)
стр. 2289
ونحوها.
"وإحرامه بالحج قد سبق"بيانه "فيه وينعقد نذره في الذمة بالمال (١) لا بعين ماله" هذا مقيد لما أطلقه كأصله في باب النذر من أنه لا يصح منه نذر القرب المالية ثم الظاهر كما قال السبكي وغيره: إن المراد (٢) بصحة نذره فيما ذكر ثبوته في الذمة إلى ما بعد الحجر "ويكفر في غير القتل"كاليمين "بالصوم"كالمعسر لئلا يضيع ماله بخلاف القتل فإن الولي يعتق عنه فيه; لأن سببه فعل (٣) وهو لا يقبل الرفع بخلاف غيره، والتقييد بغير القتل من زيادته أخذه من كلام الجوري بحسب ما فهمه، والأصل لم يذكر إلا كفارة اليمين، وقضية التقييد المذكور أنه يكفر بالصوم (٤) في كفارة الجماع، وقضية الفرق أنه يكفر فيها بالمال والفرق ذكره الجوري وغيره ونقله عنهم السبكي وأقره، وجزم به الإسنوي ولم يتعرضوا لكفارة الجماع، وإنما فرقوا به بين كفارتي اليمين والظهار وكفارة القتل قال السبكي: وكل ما يلزمه في الحج من الكفارات المخيرة لا يكفر عنه إلا بالصوم وما كان مرتبا يكفر عنه بالمال; لأن سببه فعل أي مع ترتب، وإلا فما قبله سببه
стр. 2290
فعل أيضا وقضيته أنه يكفر عنه في كفارة الجماع بالمال، وهو الأوجه وفي كفارة الظهار بالصوم، وهو قضية كلام المصنف (١) وبه صرح الإسنوي وجعله كاليمين لكن رده البلقيني بأن اليمين تتكرر عادة فلا يلزم من جعله فيها كالمعسر جعله كذلك في الظهار; لأنه محرم وأطال في الاحتجاج له وسأحكيه عنه في كتاب الكفارات "فإذا لم يصم حتى انفك الحجر"عنه "لم يجزه"أي الصوم "إن كان موسرا"اعتبارا بحالة الأداء
"فصل يلي أمر الصبي ومن به جنون (٢) ولو طرأ الأب ثم الجد" أبو الأب وإن علا كولاية النكاح (٣) "ثم وصيهما" أي وصي من تأخر موته منهما "ثم القاضي" (٤) لخبر "السلطان ولي من لا ولي له" رواه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه (٥) والمراد قاضي بلد المحجور عليه فإن كان ببلد، وماله بآخر فولي ماله قاضي بلد المال; لأن الولاية عليه ترتبط بماله كمال الغائبين لكن محله في تصرفه فيه بالحفظ والتعهد وبما يقتضيه الحال من الغبطة اللائقة إذا أشرف على التلف كما سيأتي بيانه قبيل كتاب القسمة قال الجرجاني: وإذا لم يوجد أحد من الأولياء المذكورين فعلى المسلمين النظر في حال محجورهم وتولي حفظه له "ويكفي في الأب والجد العدالة الظاهرة" ولا يعتبر إسلامهما إلا أن يكون الولد مسلما (٦) فإن الكافر يلي مال ولده الكافر (٧) لكن إن ترافعوا إلينا لم نقرهم ونلي نحن أمرهم بخلاف ولاية النكاح; لأن المقصود بولاية المال الأمانة وهي في المسلمين أقوى، والمقصود
стр. 2291
بولاية النكاح الموالاة، وهي في الكافر أقوى قاله الماوردي (١) "ولا ولاية للأم" قياسا على النكاح وكذا لا ولاية لسائر العصبة كالأخ والعم نعم لهم الإنفاق من مال الطفل لتأديبه وتعليمه وإن لم يكن لهم عليه ولاية; لأنه قليل فسومح به قاله في المجموع في إحرام الولي عن الصبي ومثله المجنون والسفيه "ويتصرف لهما" الولي "بالمصلحة" وجوبا لقوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢] وقوله ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٠] "ولو وجد بما اشتراه عيبا وبه غبطة أمسكه" لما فيه من الغبطة
"ويشتري" الولي "له" أي لمحجوره جوازا بل ندبا كما قال القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهما "العقار" بل هو أولى من التجارة إذا حصل من ريعه الكفاية هذا "إن لم يخف جورا" من سلطان أو غيره "أو خرابا" للعقار (٢) "أو" لم يجد به "ثقل خراج ويبني لهما" عقارهما "بالآجر" (٣) أي الطوب المحرق "والطين لا اللبن" أي الطوب الذي لم يحرق بدل الآجر "والجص" (٤) أي الجبس بدل الطين; لأن اللبن قليل البقاء وينكسر عند الاحتياج إلى النقض بخلاف الآجر والجص كثير المؤنة، ولا تبقى منفعته عند النقض بل يلتصق بالطوب فيفسدها بخلاف الطين، والسفيه كالصبي والمجنون في جميع ما تقرر "واختار كثير"من الأصحاب "البناء"أي جوازه "على عادة البلد"كيف كان
стр. 2292
"ولا يبيع عقاره"أي عقار محجوره; إذ لا حظ له فيه "إلا لثقل خراج (١) أو خوف خراب"والتصريح بخوف الخراب من زيادته وما قبله جعله الأصل من جملة الغبطة الآتية. "وله بيعه لحاجة نفقة وكسوة" ونحوهما (٢) "إن لم يجد قرضا ينتظر معه غلة"من العقار ونحوه تفي بالقرض فإن وجد قرضا كذلك اقترض له وامتنع بيع العقار وشرطه المذكور أخص من قول أصله إذا لم يجد من يقرضه أو لم ير المصلحة في القرض "أو لغبطة كزيادة الثمن" (٣) الذي أريد بيعه به على ثمن مثله "وهو يجد مثله ببعضه"أو خيرا منه بكله وكالعقار فيما ذكر آنية القنية من صفر وغيره نقله ابن الرفعة عند البندنيجي قال: وما عداهما لا يباع أيضا إلا لغبطة أو حاجة لكن يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل لائق بخلافهما قال الروياني: ولو ترك عمارة عقاره حتى خرب مع القدرة أثم، وهل يضمن كما في ترك علف الدابة أو لا كما في ترك التلقيح وجهان جاريان فيما لو ترك إيجاره مع القدرة (٤) وأوجههما عدم الضمان فيهما ويفارق ترك العلف بأن فيه إتلاف روح بخلاف ما هنا. قال القفال: ويضمن ورق الفرصاد إذا تركه حتى فات (٥) وكأنه قاسه على سائر الأطعمة "ولا
стр. 2293
يبيع"له "بعرض ونسيئة إلا لمصلحة" (١) يراها فيهما لما مر من قوله تعالى ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢] فمن مصالح العرض أن يكون فيه ربح ومن مصالح النسيئة أن تكون بزيادة أو لخوف عليه من نهب أو إغارة "ويشهد"وجوبا "على النسيئة وزيادتها ويرتهن" كذلك بالثمن (٢)، وقال ابن الرفعة: يرتهن إن رآه مصلحة كما في إقراض ماله قال الزركشي: وقد يفرق (٣) بينهما بأنه متمكن ثم من المطالبة متى شاء بخلافه هنا، وقد يسرع من عليه الثمن في ضياع ماله ولا يتمكن من مطالبته فاحتيج إلى التوثق بالرهن أي مطلقا "رهنا وافيا"به للاحتياط "وإلا"أي وإن لم يفعل ذلك "ضمن"قال السبكي وبطل البيع على (٤) الأصح قال وقال الإمام: الأصح أنه لا يبطل إذا كان المشتري مليا انتهى، وكلام الأصل دال على ذلك "ولا يجزئ الكفيل"عن الارتهان "ولا يلزم الأب والجد الارتهان"من نفسهما "له والدين عليهما" (٥) كأن باعا ماله لنفسهما نسيئة; لأنهما أمينان في حقه وتعبيره بما قاله أعم من قول الأصل، وإذا باع مال ولده لنفسه (٦) نسيئة لا يحتاج إلى رهن من نفسه "ويسجل القاضي ببيعهما"مال ولدهما أي يحكم بصحته إذا رفعاه إليه. "وإن لم يثبتا"أن بيعهما وقع "بالمصلحة"لأنهما غير متهمين في حق ولدهما "وفي وجوب إثباتهما"أي إقامتهما البينة "بالعدالة"ليسجل لهما "وجهان"
стр. 2294
أحدهما لا اكتفاء بالعدالة الظاهرة كشهود النكاح
والثاني نعم كما يجب إثبات عدالة الشهود ليحكم (١) قال ابن العماد: وينبغي أن يكون هو الأصح بخلاف ما مر; لأن ذاك في جواز ترك الحاكم لهما على الولاية وهذا فيما إذا طلبا منه أن يسجل (٢) لهما "بخلاف الوصي والأمين"فإنه يجب إقامتهما البينة بالمصلحة، وبعدالتهما، والتصريح بالحكم في عدالتهما من زيادته
"ويقبل قوله بعد البلوغ عليهما أنهما باعا"ماله ولو غير عقار "بلا مصلحة" (٣) فتلزمهما البينة "لا على الأب والجد" (٤) فلا تلزمهما البينة بل البينة عليه; لأنهما لا يتهمان لوفور شفقتهما بخلاف غيرهما، وقضيته قبول قول الأم (٥) وإن علت إذا كانت وصية، وكذا من في معناها كآبائها، وما ذكر في الوصي والأمين قال الزركشي: محله في غير أموال التجارة أما فيها فالظاهر قبول قولهما (٦) لعسر الإشهاد عليهما (٧) "ودعواه على المشتري من الولي كدعواه على
стр. 2295
الولي"فيقبل قوله عليه إن اشترى من غير الأب والجد لا إن اشترى منهما وسكت عن دعواه على القاضي وسيأتي بيانه في باب الإيصاء.
"فرع لا يعامل الطفل وصي" (١) هذا أعم من قول أصله: ليس للوصي بيع ماله لنفسه، ولا مال نفسه له والقاضي وأمينه كالوصي، والمجنون والسفيه كالطفل، أما الأب والجد فلهما ذلك كما مر في البيع ويأتي في الأم إذا كانت وصية ومن في معناها ما تقدم فيهما قبل الفرع "ولا يقتص له ولي"ولو أبا (٢) "ولا يعفو"عن القصاص; إذ قد يختار محجوره بعد زوال حجره غير ما اختاره هو نعم له العفو على الأرش في حق المجنون الفقير (٣) كما سيأتي في الجنايات; إذ لا غاية للجنون بخلاف الصبا "ولا يعتق"عنه رقيقه في غير الكفارة المرتبة، ولو بعرض (٤) "ولا يكاتب"هـ "ولا يهب"ماله "بثواب ولا غيره"لأنها تبرع ولأن الهبة والعتق لا يقصد بهما العوض نعم إن شرط ثوابا معلوما في الهبة بغبطة (٥) جازت بناء على ما مر في الخيار من أنها إذا قيدت بثواب معلوم كانت بيعا، ولا يدبر رقيقه، ولا يعلق عتقه بصفة كما يؤخذ من منعه من كتابته "ولا يطلق زوجته ولا يخالعها"لأن الطلاق لمن أخذ بالساق، ولا بصرف ماله للمسابقة كما سيأتي في بابها.
ولا يشترى له ما يسرع فساده للتجارة، وإن كان مربحا، وله أن يزرع له "ولا يشتري له إلا من ثقة"فقد يخرج المبيع مستحقا قال ابن الرفعة: ولا يظهر (٦) جواز شراء الحيوان له للتجارة لغرر الهلاك (٧) "ويأخذ له بالشفعة عند
стр. 2296
المصلحة" (١) في الأخذ; لأنه مأمور بفعلها، ويترك الأخذ عند عدمها فيه، وإن عدمت في التركة (٢) أيضا كما اقتضاه كلامه كغيره قال في المطلب: والنص يفهمه والآية تشهد له يعني قوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢] "فإن تركها مع"وجود "الغبطة"في الأخذ "لا"مع "عدمها وبلغ"أي الطفل "أخذها"; لأن ترك الولي حينئذ لم يدخل تحت ولايته فلا يفوت بتصرفه بخلاف ما إذا تركها لعدم الغبطة ولو في الأخذ والترك معا كما اقتضاه كلامه كغيره فعبارته في هذه والتي قبلها أحسن من عبارة أصله، ولم يعبر أصله فيما ذكر بالغبطة بل بالمصلحة وهي أعم ولو أخذ الولي مع الغبطة ثم بلغ الصبي وأراد الرد لم يمكن كما صرح به الأصل "والقول قوله" بيمينه (٣) بعد زوال حجره في أن الولي ترك الأخذ مع الغبطة فيلزم الولي البينة "إلا على أب أو جد قال: إنها تركت لغير غبطة"فلا يقبل قوله عليه كما مر في بيع العقار
"ولا أجرة للولي"ولا نفقة في مال محجوره "فإن كان فقيرا، وشغل"بسببه "عن الاكتساب أخذ الأقل من الأجرة والنفقة بالمعروف"قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ (٤)، وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: من الآية ٦] وكالأكل غيره من بقية المؤن، وإنما خص بالذكر; لأنه أعم وجوه الانتفاعات، ومحل ذلك
стр. 2297
في غير الحاكم أما الحاكم فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه بخلاف غيره حتى أمينه كما صرح به المحاملي وله أن يستقل بالأخذ من غير مراجعة الحاكم، ولا يخفى أنه إذا نقص أجر الأب والجد والأم - إذا كانت وصية - عن نفقتهم وكانوا فقراء يتممونها من مال محجورهم; لأنها إذا وجبت بلا عمل فمع العمل أولى "ولا يضمنه"أي ما أخذه لظاهر الآية ولأنه بدل عمله كالإمام إذا أخذ الرزق من بيت المال "وعليه استمناء ماله قدر المؤن إن أمكن بلا مبالغة"في ذلك "وليس عليه أن يشتري له إلا بعد استغنائه عن الشراء لنفسه"فإن لم يستغن عنه قدم نفسه "وإن تضجر الأب"وإن علا "فله الرفع إلى القاضي لينصب قيما بأجرة" (١) من مال محجوره "وله ذلك"أي أن ينصب غيره بها "بنفسه"وستأتي زيادة على ذلك في النكاح مع أن الأصل إنما ذكر قوله وعليه استمناء ماله إلى آخره ثم
"فصل وللولي خلط ماله بمال الصبي"كما سيأتي في الإيصاء أيضا "ومؤاكلته"للإرفاق ولقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٠] هذا إن كان للصبي فيه حظ كما قاله العمراني وغيره، وإلا امتنع لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢].
"ويستحب للمسافرين خلط أزوادهم وإن تفاوتوا في الأكل"لأخبار صحيحة وردت فيه "وينفق عليه الولي ويكسوه"وجوبا "بالمعروف ويخرج"وجوبا "الزكاة من ماله وأرش الجناية وإن لم يطلب"ذلك منه "ونفقة القريب إن طلبت"منه لسقوطها بمضي الزمان نعم إن كان القريب طفلا أو مجنونا أو عاجزا عن الإرسال كزمن أخرجها بلا طلب لكن إن كان له ولي خاص فينبغي اعتبار طلبه وكالصبي في ذلك، وفيما يأتي في الفرع والفصل الآتيين المجنون والسفيه، وتقدم في أول كتاب الزكاة أن محل وجوب إخراجها على الولي إذا كان ممن يرى وجوبها، وفي وجوب إخراجها وإخراج أرش الجناية بلا طلب نظر، وقد تقدم في كتاب التفليس أن الدين إنما يجب أداؤه بالطلب، ويفرق بأن ذاك ثبت بالاختيار فتوقف
стр. 2298
وجوب أدائه على طلبه (١) بخلاف ما هنا
"فرع ويجوز"له "السفر والتسفير بماله مع ثقة ولو بلا ضرورة"من نحو حريق أو نهب; لأن المصلحة قد تقتضي ذلك، والولي مأمور بها بخلاف المودع إذا لم تكن ضرورة هذا إن سافر أو سفر بماله "في طريق آمن" وإلا فلا يجوز، وقضية كلامه أن هذا شرط في حالتي الضرورة وعدمها، وقضية كلام أصله هنا أنه شرط في حالة عدمها فقط قال الأذرعي: وفيه نظر، ويشبه أن يقال (٢): إن كان البلد أخوف جاز ذلك، أو الطريق فلا، وإن استويا فتردد والأوجه المنع "لا" في "بحر" وإن غلبت سلامته; لأنه مظنة عدمها
"ولا يركب بالصبي البحر" وإن غلبت سلامته "كماله" هذا من زيادته تبع فيه الإسنوي وهو قياس حسن موافق لقولهم: إن وليه يمنع من قطع سلعته إن لم يزد خطر تركها، وقد يفرق على بعد (٣) بأنه إنما حرم ذلك في ماله لمنافاته غرض ولايته عليه من حفظه وتنميته بخلافه هو فيجوز أن يركبه البحر إذا غلبت سلامته كما يجوز إركاب نفسه وقاس الإسنوي على ما ذكر أيضا تحريم ركوب الحامل حتى تضع الحمل وتسقيه اللبأ بل وتفطمه إن تعينت للإرضاع، وإلا ففيه نظر قال: وقياسه أيضا تحريم إركاب البهائم وكذا الزوجة والأرقاء البالغون عند عدم رضاهم إلا إن كان الإركاب لنقلهم من دار الشرك إلى دار الإسلام فيجوز قال الأذرعي: والصواب عدم تحريم إركاب البهائم والأرقاء عند غلبة السلامة،
стр. 2299
وكذا ركوب الحامل
"فصل لا يجوز لغير القاضي إقراض مال الصبي إلا لضرورة كسفر"أو نهب أما القاضي فله ذلك مطلقا لكثرة أشغاله، ونقله الرافعي في القضاء (١) على الغائب أن للأب ذلك كالقاضي، وإذا أقرضه القاضي أو غيره "فيقرضه"وفي نسخة: ويقرضه "مليا أمينا ويأخذ رهنا إن رأى"في أخذه مصلحة، وإلا تركه (٢) "ولا يودعه أمينا إلا إن عدم ذلك" أي التمكن من إقراضه
"فصل ويستحب"للقاضي "أن يشهد على حجر السفيه"إذا حجر عليه "وإن رأى النداء عليه ليجتنب"في المعاملة "فعل ويجبر الصبي والسفيه على الاكتساب"إن كان لهما كسب ليرتفقا به في النفقة وغيرها "وللسفيه"إذا وجب له قصاص "أن يقتص وأن يعفو"بمال وبدونه بناء على أن الواجب بجناية العمد القصاص عينا "فإن عفا على مال قبضه وليه"لا هو; لأنه ممنوع من التصرف المالي كما مر د.
стр. 2300
"كتاب الصلح"
وما ذكر معه من التزاحم على الحقوق والتنازع فيها
والصلح لغة قطع النزاع وشرعا عقد يحصل به ذلك، وهو أنواع صلح بين المسلمين والكفار، وبين الإمام والبغاة، وبين الزوجين عند الشقاق، وصلح في المعاملة، وهو مقصود الباب، والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: من الآية ١٢٨] وخبر "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما (١) أو حرم حلالا" رواه ابن حبان وصححه والكفار كالمسلمين وإنما خصهم بالذكر لانقيادهم إلى الأحكام غالبا، ولفظه يتعدى للمتروك ب من وعن وللمأخوذ ب على والباء
"وفيه ثلاثة أبواب
الأول في أحكامه فلا يصح مع الإنكار" أو السكوت من المدعى عليه "ولو في صلح الحطيطة"إذ لا يمكن تصحيح التمليك مع ذلك لاستلزامه أن يملك المدعي ما لا يملكه (٢) ويتملك المدعى عليه ما يملكه "ولا"يصح "من غير سبق خصومة"بينهما فلو قال من غير سبقها: صالحني عن دارك على كذا لم يصح; لأن لفظ الصلح يستدعي تقدم خصومة "إلا إن نويا به البيع"فيصح وإن لم تتقدم خصومة فعلم أنه كناية (٣).
стр. 2301
"وهو"أي الصلح "نوعان الأول صلح معاوضة وهو بيع"من المدعي للمدعى عليه إن كان العوض عينا "فمن خوصم في دار (١)، وأقر بها"للمدعي "ثم صالح عنها بثوب ونحوه فقد اشتراها به فتلزم"فيه "أحكام البيع كلها من البطلان بالغرر والجهل"وغيرهما، ولا حاجة للجمع بينهما، ولو قال: كالغرر بل لو قال: كالبطلان بالغرر كان أولى; إذ من أحكام البيع أيضا ثبوت الشفعة والخيار والرد بالعيب، ومنع التصرف قبل القبض "، وحكم الربا" (٢) أي ويلزم فيه أيضا حكم بيع الربوي "و"بيع "الزرع الأخضر"نص عليهما مع دخولهما فيما قبلهما لئلا يتوهم عدم دخولهما فيه لخروجهما عن سائر البيوع "فإن كان العوض منفعة"وصالح عليها "مدة معلومة فهو إجارة" (٣) فيثبت فيه حكمها "وإن صالح عن دين"غير دين السلم (٤) "صح ولو بدين"كذلك "لكن بشرط تعيينه"أي الدين "في المجلس"ليخرج عن بيع الدين بالدين "ولو لم يقبض"في المجلس فإنه يصح "إن اجتنب الربا"بأن لم يكن العوضان ربويين، وإلا اشترط القبض فيه أيضا.
النوع "الثاني صلح الحطيطة فمن صالح عن عين أو دين بالنصف أو بالثلث"مثلا "فهو في العين هبة للبعض"الباقي "فيشترط"فيه "القبول والقبض بالإذن"فيه (٥) "وفي الدين إبراء"عن الباقي فتثبت فيه أحكامه
стр. 2302
"ومن صالح عن ألف حال بخمسمائة مؤجلة فليس بمعاوضة"بل هو مسامحة بحط خمسمائة وبإلحاق أجل بالباقي والأول سائغ دون الثاني "فيصح الإبراء"من الخمسمائة "لا التأجيل، وفي عكسه"بأن صالح عن ألف مؤجل بخمسمائة حالة "يبطل"; لأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي، والصفة بانفرادها لا تقابل بعوض، ولأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها بالمؤجل، وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله لم يصح الترك.
"فرع لا يصح صلح الحطيطة، ولا الصلح عن القصاص"في نفس أو دونها "ولا صلح الكفار"عن الكف عن دمائهم وأموالهم "على مال بلفظ البيع"; إذ لا دخل له فيها، ولأن العين في الأولى ملك المدعي فإذا باعها ببعضها فقد باع ملكه بملكه أو باع الشيء ببعضه، وهو محال "بخلاف غيرها"من بقية صور صلح المعاوضة يصح بلفظ البيع; لأنه بيع، وتعبيره بمال في صلح الكفار قاصر بخلاف تعبير أصله بشيء يأخذه منهم فإنه يتناول غيره كفك أسرى منا في أيديهم (١) "ولو صالح عن إبل الدية لم يصح"لجهل صفتها كما لو أسلم في شيء لم يصفه.
"فرع وإن ترك الوارث حقه لأخيه"مثلا كأن قال: تركت حقي "من التركة"لك "فقيل لم يصح"وحقه بحاله لتعين التمليك والقبول في أعيانها والإبراء في ديونها، وينبغي أن يكون ذلك كناية (٢) حتى تصح مع النية "وإن صالح عن ألف درهم وخمسين دينارا معينة بألفي درهم لم يجز، وإن كانت دينا"له في ذمة غيره فصالح عنها بألفي درهم "جاز لاستيفاء الألف والاعتياض عن الذهب بالألف الآخر"أشار به إلى قول أصله: والفرق أنه إذا كان المبلغ في الذمة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه فيجعل مستوفيا لأحد الألفين ومعتاضا عن الدنانير الألف الآخر وإذا كان معينا كان الصلح عنه اعتياضا، فكأنه باع ألف درهم وخمسين دينارا بألفي درهم، وهو من صور مد عجوة بخلاف مسألة الإمام السابقة; لأن الصلح فيها صلح حطيطة فبعد فيها الاعتياض.
стр. 2303
"ومن صالح عن ألف حال بخمسمائة مؤجلة فليس بمعاوضة"بل هو مسامحة بحط خمسمائة وبإلحاق أجل بالباقي والأول سائغ دون الثاني "فيصح الإبراء"من الخمسمائة "لا التأجيل، وفي عكسه"بأن صالح عن ألف مؤجل بخمسمائة حالة "يبطل"; لأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي، والصفة بانفرادها لا تقابل بعوض، ولأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها بالمؤجل، وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله لم يصح الترك.
"فرع لا يصح صلح الحطيطة، ولا الصلح عن القصاص"في نفس أو دونها "ولا صلح الكفار"عن الكف عن دمائهم وأموالهم "على مال بلفظ البيع"; إذ لا دخل له فيها، ولأن العين في الأولى ملك المدعي فإذا باعها ببعضها فقد باع ملكه بملكه أو باع الشيء ببعضه، وهو محال "بخلاف غيرها"من بقية صور صلح المعاوضة يصح بلفظ البيع; لأنه بيع، وتعبيره بمال في صلح الكفار قاصر بخلاف تعبير أصله بشيء يأخذه منهم فإنه يتناول غيره كفك أسرى منا في أيديهم (١) "ولو صالح عن إبل الدية لم يصح"لجهل صفتها كما لو أسلم في شيء لم يصفه.
"فرع وإن ترك الوارث حقه لأخيه"مثلا كأن قال: تركت حقي "من التركة"لك "فقيل لم يصح"وحقه بحاله لتعين التمليك والقبول في أعيانها والإبراء في ديونها، وينبغي أن يكون ذلك كناية (٢) حتى تصح مع النية "وإن صالح عن ألف درهم وخمسين دينارا معينة بألفي درهم لم يجز، وإن كانت دينا" له في ذمة غيره فصالح عنها بألفي درهم "جاز لاستيفاء الألف والاعتياض عن الذهب بالألف الآخر"أشار به إلى قول أصله: والفرق أنه إذا كان المبلغ في الذمة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه فيجعل مستوفيا لأحد الألفين ومعتاضا عن الدنانير الألف الآخر وإذا كان معينا كان الصلح عنه اعتياضا، فكأنه باع ألف درهم وخمسين دينارا بألفي درهم، وهو من صور مد عجوة بخلاف مسألة الإمام السابقة; لأن الصلح فيها صلح حطيطة فبعد فيها الاعتياض.
стр. 2304
"فرع"لو "صالحه عن الدار المدعاة بسكناها سنة فعارية لها يرجع فيها"متى شاء "ولا أجرة"له كما هو قضية العارية "أو"صالحه عنها "على"أي بشرط "سكناها سنة بمنفعة عبده سنة فإجارة بمنفعة"وقد علم بما تقرر أنه ذكر من أقسام الصلح خمسة البيع والإجارة والهبة والإبراء والعارية وبقي منها أشياء أخر منها السلم (١) بأن يجعل المدعى به رأس مال سلم، والجعالة كصالحتك من كذا على رد عبدي والخلع كصالحتك من كذا على أن تطلقني (٢) طلقة والمعاوضة عن دم العمد كصالحتك من كذا على ما تستحقه علي أو على ما أستحقه عليك من القصاص والفداء كقوله للحربي: صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير والفسخ كأن صالح من المسلم فيه على رأس المال، وكأنه تركها كغيره لأخذها من الخمسة المذكورة.
стр. 2305
"فصل الصلح على الإنكار باطل" (١) لما مر، وقياسا على ما لو أنكر الخلع
стр. 2306
والكتابة ثم تصالحا على شيء، ولو أقام المدعي بينة بعد الإنكار (١) صح الصلح لثبوت الحق بها كثبوته بالإقرار قاله الماوردي ووافقه الغزالي (٢) بعد القضاء بالملك، واستشكله قبله; لأن له سبيلا إلى الطعن، ولو ادعى عليه عينا فقال: رددتها إليك ثم صالحه قال البغوي في فتاويه: إن كانت في يده أمانة لم يصح الصلح; لأن القول قوله فيكون صلحا على إنكار وإن كانت مضمونة فقوله في الرد غير مقبول وقد أقر بالضمان فيصح الصلح (٣) ويحتمل بطلانه فإنه لم يقر أن عليه شيئا وإذا صالح على الإنكار، وكان المدعي محقا فيحل له فيما بينه وبين الله - تعالى - أن يأخذ ما بذله قاله الماوردي، وهو صحيح في صلح الحطيطة، وفيه فرض كلامه.
فأما إذا صالح على غير المدعي ففيه ما يأتي في مسألة الظفر قاله الإسنوي قال: ولو أنكر فصولح، ثم أقر الصلح باطلا قاله الماوردي (٤)، ولقائل أن يقول: إذا أقر بأنه كان ملكا للمصالح حين الصلح فينبغي الصحة لاتفاقهما على أن العقد جرى بشروطه في علمهما أو في نفس الأمر انتهى، وفيه نظر; إذ شرط صحة الصلح الإقرار، وهو منتف حال العقد
"ولو قال: صالحني عن العين"التي تدعيها أو الدين الذي تدعيه "لم يكن مقرا"لأنه يحتمل أن يريد قطع الخصومة فالصلح بعده صلح على إنكار، وكذا لو قال: صالحني عن دعواك الكاذبة (٥)، أو عن دعواك بل الصلح عن الدعوى باطل مع الإقرار أيضا; لأن الدعوى لا يعتاض عنها ولا يبرأ منها "وإن قال بعني"
стр. 2307
أو هبني (١) كما صرح به الأصل "أو زوجني"هذه "أو أبرئني منه"أي مما تدعيه "فإقرار"لأنه صريح في التماس التملك "أو"قال ": أعرني أو أجرني فوجهان"أحدهما: أنه إقرار كقوله: بعني،
والثاني: لا (٢) ; لأن الإنسان قد يستعير ملكه ويستأجره من مستأجره، ومن الموصى له بمنفعته، وهذا أوجه نعم يظهر أنه إقرار (٣) بأنه مالك للمنفعة "ويصح إبراء المنكر، ولو بعد التحليف"لأن المبرئ يستقل بالإبراء لعدم افتقاره إلى القبول فلا حاجة فيه إلى تصديق الغريم "ولو تصالحا بعد التحليف لم يجز"بمعنى لم يحل، ولم يصح كما لو تصالحا قبله، ولأن المدعي لا يستقل بالصلح "ولو اختلفا هل اصطلحا عن إقرار"أو إنكار "صدق المنكر (٤) بيمينه"; لأن الأصل عدم الصحة.
"فصل وإن صالح عن المقر أجنبي (٥) عن بعض العين"المدعاة "أو عن كلها بعين للمدعى عليه أو بعشرة"مثلا "في ذمته بوكالة"للأجنبي، ولو بأخباره "صح"الصلح عن الموكل بما، وكله به، وصار المصالح عنه ملكا للمدعى عليه "وإلا"أي وإن صالح عنه بغير وكالة "فلا"يصح لعدم الإذن فيه فهو شراء فضولي، وقد مر وترك من كلام أصله هنا صلح الحطيطة المعبر عنه فيه بقوله: على نصف المدعي، وذكر بدله الصلح عن بعض العين، وتعبيره بعين للمدعى عليه أعم من تعبير أصله
стр. 2308
بعبده
"فإن كان"الوكيل صالح عن المقر "على عين، والمال للوكيل"أو على دين في ذمته "فكشرائه لغيره"بإذنه "بمال نفسه وقد سبق"بيانه في الشرط الثالث من شروط المبيع، وبينت ثم أنه يصح العقد، ويقع للآذن، وأن المدفوع قرض لا هبة "وإن صالح لنفسه"بعين ماله أو بدين في ذمته "صح" له، وإن لم يجر معه خصومة; لأن الصلح ترتب على دعوى وجواب "وإن كان المدعى دينا فقال الأجنبي: وكلني"المدعى عليه "بمصالحتك على نصفه أو ثوبه هذا"فصالحه "صح"كما لو كان المدعى عينا "أو على ثوبي هذا لم يصح" لأنه بيع شيء بدين غيره.
قال الزركشي: وهذا مخالف لما مر قبله في نظيره من صور العين أنه يصح العقد ويقع للآذن، وقد صرح الإمام بأن الخلاق فيهما سواء انتهى والأوجه ما أشار إليه من إلحاق هذه بتلك (١) فيصح ويسقط الدين كمن ضمن دينا وأداه على أن الرافعي لا تصحيح له في هذه، وإنما التصحيح فيها من زيادة النووي "ولو صالح لوكيل عنه" أي عن الدين "لنفسه"بعين أو دين في ذمته "لم يصح"; لأنه ابتياع دين في ذمة غيره، وهذا يخالف ما قدمه في باب المبيع قبل قبضه من الصحة (٢) ويوافق ما صححه في المنهاج من عدمها كما قدمته ثم، وعبارة الأصل سالمة من ذلك حيث قال: ولو صالح لنفسه على عين، أو دين في ذمته فهو ابتياع دين في ذمة الغير وقد سبق بيانه
"فإن صالحه أجنبي عن ألف بخمسمائة صح"ولو بغير إذن; لأن قضاء دين غيره بغير إذنه جائز، وقضيته أنه لا فرق بين تعيين الخمسمائة وعدم تعيينها وهو مؤيد لمقتضى كلام أصله المخالف لكلام الإمام الذي جرى عليه المصنف فيما مر
"وإن صالحه عن المنكر"ظاهرا "وقال أقر عندي" (٣) ولم يظهره خوفا من
стр. 2309
أخذك له "ووكلني في مصالحتك"له فصالحه "صح"; لأن دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة (١) ومحله كما قال الإمام والغزالي إذا لم يعد المدعى عليه الإنكار بعد دعوى الوكالة فلو أعاده كان عزلا فلا يصح الصلح عنه. وخرج بقوله: وقال: أقر عندي ما لو اقتصر على وكلني في مصالحتك له فلا يصح بناء على الأصح في أن قوله: صالحني عما تدعيه ليس إقرارا وبقوله ووكلني في مصالحتك له ما لو تركه فهو شراء فضولي فلا يصح كما مر
"فلو قال أنكر"الخصم "وهو مبطل"في إنكاره "فصالحني له بعبدي هذا"لتنقطع الخصومة بينكما "صح"الصلح "عن الدين لا"عن "العين"إذ لا يتعذر قضاء دين الغير بغير إذنه بخلاف تمليكه العين "أو"فصالحني "لنفسي والمدعى عين فكشراء المغصوب"فيفرق بين قدرته على انتزاعه وعدمها (٢) لما مر في البيع، فإن كان المدعى دينا فهو ابتياع دين في ذمة غيره، ويؤخذ من قوله: وهو مبطل ما صرح به أصله من أنه لو قال: هو منكر، ولا أعلم صدقك (٣)، وصالحه لم يصح سواء أكان المصالح عليه له أم للمدعى عليه كما لو صالحه المدعي وهو منكر قال: ولو ادعى رجل على ورثة ميت دارا من تركته فأقروا له جاز لهم مصالحته فإن دفعوا لبعضهم ثوبا مشتركا بينهم ليصالح عليه جاز، وكان عاقدا لنفسه ووكيلا للباقين، ولو قالوا لواحد: صالحه عنا بثوبك فصالحه عنهم. فإن لم يسمهم في الصلح وقع الصلح عنه وإلا ففي إلغاء التسمية وجهان (٤) فإن لم تلغ وقع
стр. 2310
الصلح عنهم وهل الثوب هبة لهم أم قرض عليهم وجهان (١)، وإن ألغيت فهل يصح الصلح كله للعاقد أو يبطل (٢) في نصيب الشركاء، ويخرج نصيبه على قولي تفريق الصفقة وجهان، وإن صالحه بعضهم على ماله له دون إذن الباقين ليتملك الجميع جاز أو على أن تكون الدار له ولهم لغا ذكرهم وعاد الوجهان في أن الجميع يقع له أو يبطل في نصيبهم ويخرج نصيبه على قولي تفريق الصفقة.
"فصل وإن استوقف مال إلى التبين، أو اصطلاح المتنازعين فيه كمال وقف لزوجتين طلقت إحداهما"ومات الزوج قبل البيان، وهي بائن "أو"مال وقف "لشخصين"عند وديع وقد "أشكل على الوديع مستحقه منهما فاصطلحا"أي الزوجتان، أو الشخصان "على أن يأخذه أحدهما ويعطي الآخر من غيره لم يجز"; لأنه بيع له وشرطه تحقق الملك في العوضين للمتعاقدين "أو على أن يتفاضلا فيه جاز"للضرورة ولأنه نزول عن بعض الحق وسيأتي ما له بهذا تعلق في نكاح المشرك.
"مسائل" متعلقة بالباب
لو "صالحه" بنفسه أو وكيله "عن الدار" مثلا "على" نحو "عبد" معين "فرده بعيب أو استحق" لغير المشتري أو هلك قبل القبض كما صرح به في الروضة "انفسخ العقد" في تعبيره بالانفساخ تسمح بالنسبة للثانية "فإن تعذر الرد" للعبد "بتلف ونحوه" كتعيب في يده "رجع في جزء من الدار" بقدر ما نقص من قيمة العبد كما لو باعها بعبد "وإن كان العوض" المصالح عليه "في الذمة" بأن صولح عليه، وقبضه المدعي، ورده بعيب أو استحق "استبدل به" أي أخذ بدله "ولا فسخ" ولا انفساخ، وتعبيره بالعوض أعم من تعبير الروضة بالدراهم.
"وإن وقف أرضا" مسجدا أو غيره "وأقر بها لمدع" لها "غرم له القيمة" أي
стр. 2311
قيمتها لإحالته بينه وبينها بوقفه "فإن أنكر وصالح عنه أجنبي جاز"الصلح "; لأنه بذل مال في قربة"ولأن القيمة على الواقف لكونه وقف، والصلح عما في ذمة غيره بغير إذنه جائز، وتعبيره بوقف الأرض أنص في المراد وأعم من تعبير الروضة ببنائها مسجدا.
"وإن صالح متلف العين"مالكها "بأكثر من قيمتها"من حبسها "أو بمؤجل لم يصح"الصلح; لأن الواجب قيمة المتلف حالة فلم يصح الصلح على أكثر منه، ولا على مؤجل كمن غصب دينارا فصالح على أكثر منه أو على مؤجل لما في ذلك من الربا بخلاف ما إذا صالح بأقل من قيمتها كما علم مما مر أو بأكثر من قيمتها بغير جنسها.
"وإن أقر له بمجمل فصالحه عنه وهما يعرفانه صح"الصلح "وإن لم يسمه"أحد منهما كما لو قال: بعتك الشيء الذي أعرفه أنا وأنت "وإنكار حق الغير حرام فلو بذل للمنكر مالا ليقر"بالمدعي "ففعل لم يصح"الصلح لبنائه على فاسد "بل بذله"أي المال لذلك "وأخذه حرام، وهل يكون بذلك مقرا وجهان"أوجههما لا، وبه جزم ابن كج (١) وغيره; لأنه إقرار بشرط "فلو وكل"المنكر "في الصلح عنه"أجنبيا "جاز"التوكيل، وقيل: لا يجوز والترجيح من زيادته "كالوارث يجهل أمر التركة فله التوكيل في الصلح لإقالة الشبهة"عنه.
"الباب الثاني في التزاحم على الحقوق" "الطريق النافذ" (٢) بالمعجمة ويعبر عنه بالشارع "مباح لا يملك"لأحد من الناس "فلكل"منهم "فتح باب"من ملكه "إليه"كيف شاء "ولكل مسلم"التصرف فيه بما لا يضر المارة فله "إشراع"أي إخراج "جناح" (٣) أي روشن "وساباط فيه"أي سقيفة بين حائطيه "لا يشق ظلامه (٤)، ولا يضر المار"الماشي "المنتصب تحته"وعلى
стр. 2312
رأس الحمولة الغالبة (١) سواء أكانت الطريق واسعة أم ضيقة لا تمر فيها القوافل والفوارس وسواء أذن الإمام فيه أم لا لإطباق الناس على فعله من غير إنكار، وتقييده الظلام بالمشقة أخذه من قول الأصل، وفي التتمة: إن انقطع الضوء كله أثر، وإن نقص فلا، وتصريحه بالمسلم هنا من زيادته "وكذا" لا يضر مع ذلك "بالمحمل مع كنيسة" أي أعواد مرتفعة عليه معدة; لأن يوضع عليها سترة تقي الراكب من الحر والبرد وتستره "على البعير إن كانت" أي الطريق "جادة" أي واسعة تمر فيها القوافل والفوارس; لأن ذلك وإن كان نادرا فقد يتفق، والأصل في جواز ذلك أنه ﷺ نصب بيده ميزابا في دار عمه العباس رواه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم. وقال: إن الميزاب كان شارعا لمسجده ﷺ
أما التصرف فيه بما يضر بالمار فممتنع لخبر (٢) ابن ماجه وغيره، وهو حسن "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" (٣) ولأن الحق فيه ليس له خاصة "ولو أحوج"الإشراع "إلى وضع الرمح على الكتف"أي كتف الراكب بحيث لا يتأتى نصبه "لم يضر"في جواز الإشراع; لأن وضعه على كتفه ليس بعسير، ولا يضر أيضا ضرر يحتمل عادة كعجن الطين إذا بقي مقدار المرور للناس، وإلقاء الحجارة فيه للعمارة (٤) إذا تركت بقدر مدة نقلها، وربط الدواب فيه بقدر حاجة النزول والركوب، وقوله: يضر بالمار بضم الياء من أضر به إضرارا بخلاف يضره من ضره
стр. 2313
ضررا فإنه بفتحها "ولا يحدث فيه دكة" بفتح الدال أي مسطبة "و" لا "شجرة ولو اتسع"الطريق وأذن الإمام وانتفى الضرر لمنعهما الطروق في ذلك المحل، وقد تزدحم المارة فيصطكون بهما ولأنه إذا طالت المدة أشبه موضعهما الأملاك، وانقطع أثر استحقاق الطروق فيه بخلاف الأجنحة ونحوها واستشكل التعليل الأول بجواز غرس الشجرة بالمسجد (١) مع الكراهة كما مر في شروط الصلاة والثاني بجواز فتح الباب إلى درب منسد إذا سمره كما سيأتي وأجيب عن الأول بأن محل جواز غرس الشجرة بالمسجد إذا كان لعموم المسلمين بدليل أنهم لا يمنعون من الأكل من ثمارها، وإن غرسها للمسجد ليصرف ريعها له فالمصلحة عامة أيضا بخلاف ما (٢) هنا،
وقضيته جواز مثل ذلك في الشارع حيث لا ضرر، وعن الثاني بأن الحق في الدرب المنسد لخاص، والخاص قائم على ملكه، وحافظ له بخلاف الشارع، فانقطاع الحق فيه عند طول المدة أقرب. وقضية كلامهم منع إحداث الدكة (٣)، وإن كان بفناء داره، وبه جزم ابن الرفعة، وقال السبكي: ينبغي جوازه حينئذ (٤) عند انتفاء الضرر; لأنه في حريم ملكه ولإطباق الناس عليه من غير إنكار "ولو
стр. 2314
انهدم جناحه فسبقه جاره إلى بناء جناح" في محاذاته ولو بحيث لا تمكن معه إعادة الأول أو كان صاحبه على عزم إعادته "صار أحق"به كما لو قعد لاستراحة، أو نحوها في طريق واسع ثم انتقل عنه يجوز لغيره الارتفاق به، ويصير أحق به فإن قلت: قياس اعتبار الإعراض في القعود فيه للمعاملة بقاء حقه هنا إليه كما بحثه الرافعي قلت: المعاملة لا تدوم (١) بل الانتقال عنها ثم العود إليها ضروري فاعتبر الإعراض بخلاف ما هنا فاعتبر الانهدام نعم يستثنى من ذلك ما لو بنى دارا في موات وأخرج لها جناحا ثم بنى آخر دارا تحاذيه واستمر الشارع فإن حق الأول يستمر، وإن انهدم جناحه فليس لجاره أن يخرج جناحه إلا بإذنه لسبق حقه بالأحياء
"وله إخراج جناح تحت جناح صاحبه"إذ لا ضرر "أو فوقه إن لم يضر بالمار عليه"أي على جناح صاحبه "أو مقابله إن لم يبطل انتفاعه"أي انتفاع صاحبه "ومن سبق إلى أكثر الهواء" بأن أخذ أكثر هواء الطريق "لم يكن للآخر منعه" بأن يطالبه بتقصير جناحه ورده إلى نصف الطريق; لأنه مباح سبق إليه، وهذا تصريح بما علم مما مر.
"فرع الطريق ما جعل عند إحياء البلد أو قبله"طريقا "أو وقفه المالك"ولو بغير إحياء كذلك وصرح في الروضة نقلا عن الإمام بأنه لا حاجة في
стр. 2315
ذلك إلى لفظ قال في المهمات: ومحله فيما عدا ملكه أما فيه فلا بد من لفظ يصير به وقفا على قاعدة الأوقاف، وقد نبه عليه مع وضوحه ابن الرفعة ا هـ وجرى عليه المصنف فاعتبار اللفظ في الأخيرة من زيادته، وأما ثنيات الطريق التي يعرفها الخواص (١)، ويسلكونها فتردد الجويني في أنها تصير طريقا بذلك، أو لا حكاه عنه الأصل، وحكاه عنه أيضا القمولي ثم قال: وقال غيره: لا تصير طريقا بذلك، ويجوز إحياؤها، وهذا هو الصحيح; لأن أكثر الموات لا يخلو عن ذلك وكلام المصنف يقتضي هذا، وإذا ثبت أن الطريق يحصل بما ذكر "فحيث وجدنا طريقا اعتمدنا"فيه "الظاهر"ولا نلتفت إلى مبتدأ جعله طريقا "وليجعل"أي الطريق "سبعة أذرع إن اختلفوا عند الإحياء في تقديره"لخبر الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قضى رسول الله ﷺ عند الاختلاف في الطريق أن يجعل عرضه سبعة أذرع. (٢) قال الزركشي تبعا للأذرعي: وهذا التحديد تابع فيه النووي إفتاء ابن الصلاح، ومذهب الشافعي اعتبار قدر الحاجة. والحديث محمول عليه، فإن ذلك عرف المدينة صرح بذلك الماوردي والروياني أما إذا اتفقوا على شيء فالأمر ظاهر والظاهر أنه يقدر على الأول بالسبعة، وإن وقع الاختلاف في أقل منها أو أكثر كأن أراد أحدهما ثلاثة، والآخر أربعة أو أحدهما تسعة، والآخر عشرة، ويحتمل أن يعمل بما اتفقوا عليه معنى "فإن كان أكثر"من سبعة أو من قدر الحاجة على ما مر "لم يغير"أي لا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، وإن قل
"ويجوز إحياء ما حوله"من الموات بحيث لا يضر بالمار قال في الروضة وإن كانت الطريق من أرض مملوكة يسبلها مالكها فتقديرها إلى خيرته والأفضل توسيعها،