"بعده" (١) أي بعد قبض الثمن لما مر آنفا ولأنه صار ملكا للمشتري ولا حق يتعلق به (٢): أما قبل قبض الثمن فليس له التسليم لما فيه من الخطر وقياسا على ما لو أذن له فيهما "ولو قال" له "امنع المبيع منه" أي من المشتري "فسدت الوكالة"؛ لأن منع الحق عمن يستحق إثبات يده عليه حرام. "وصح البيع بالإذن" وفي نسخة بدل قوله فسدت إلى آخره فشرط فاسد "وإن قال" له "لا تسلم" أي المبيع للمشتري "لم تفسد" أي الوكالة؛ لأنه لم يمنعه من أصل التسليم المستحق بل من تسليمه بنفسه وفرق بين قوله لا تسلمه إليه وقوله امنعه منه "و" على هذا "يسلم" المبيع وفي نسخة يسلمه أي يسلمه الموكل للمشتري "عنه" أي عن الوكيل، والتصريح بهذا من زيادته.
"فرع وإن سلم" الوكيل "المبيع قبل قبض الثمن الحال غرم الوكيل القيمة" أي قيمة المبيع يوم التسليم لتقصيره (٣)، وإن كانت أكثر من الثمن قال القاضي: ومع هذا للموكل مطالبة المشتري باسترداد المبيع إن كان باقيا.
"ثم" بعد غرمه القيمة "إن قبضه" أي الثمن "سلمه" للموكل؛ لأنه ملكه "واسترد ما غرم" له؛ لأنه إنما غرم للحيلولة، ومقتضى إطلاقه كأصله أنه لا فرق (٤) في غرم القيمة بين المثلي والمتقوم قال الإسنوي: وهو قريب مما قالوه في ضمان الحيلولة (٥).
стр. 2452
"ومن وكل في إثبات حق له لم يستوفه" عينا كان أو دينا "وكذا عكسه" (١) بأن وكل في استيفاء حق لم يثبته إذا أنكره من هو عليه؛ لأن أحدهما لا يقتضي الآخر، وقد يرضاه الموكل لأحدهما دون الآخر فلو قال له: بع نصيبي من كذا أو قاسم شركائي، أو خذ بالشفعة فأنكر الخصم ملكه لم يكن له الإثبات.
"فرع: وإن سلم" الوكيل "المبيع قبل قبض الثمن الحال: غرم الوكيل القيمة" أي: قيمة المبيع يوم التسليم لتقصيره، وإن كانت أكثر من الثمن، قال القاضي: ومع هذا للموكل مطالبة المشتري باسترداد المبيع إن كان باقيا، "ثم" بعد غرمه القيمة "إن قبضه" أي: الثمن "سلمه" للموكل؛ لأنه ملكه "واسترد ما غرم" له؛ لأنه إنما غرم للحيلولة، ومقتضى إطلاقه كأصله: أنه لافرق في غرم القيمة بين المثلي والمتقوم، قال الإسنوي: وهو قريب مما قالوه في ضمان الحيلولة.
"ومن وكل في إثبات حق له لم يستوفه" عينا كان أو دينا "وكذا عكسه" بأن وكل في استيفاء حق لم يثبته إذا أنكره من هو عليه؛ لأن أحدهما لا يقضي الآخر، وقد يرضاه الموكل لأحد هما دون الآخر، فلو قال له: بع نصيبي من كذا، أو قاسم شركائي، أو خذ بالشفعة فأنكر الخصم ملكه لم يكن له الإثبات.
"فرع" لو "أمره بالشراء وأعطاه الثمن" واشترى بعينه، أو في الذمة "فله تسليمه بعد قبض المبيع" لا قبله كنظيره في أمره له بالبيع وإعطائه المبيع.
"فرع" لو "اشترى معيبا عالما" بعيبه "ولو بتعيين الموكل لم يقع عن الموكل" وإن ساوى الثمن نظرا للعرف نعم إن علم بعيب ما عينه وقع له "وبطل" الشراء "إن كان بعين مال الموكل" لتقصير الوكيل مع شرائه بما ذكر "وإلا" بأن اشتراه في الذمة، ولم يعلم الموكل عيبه فيما إذا عينه "وقع عن الوكيل" لا عن الموكل "ولو ساوى الثمن"؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة ولا عذر؛ وبهذا علم أنه لا يشتري إلا السليم من العيب، ويخالف عامل القراض حيث يجوز له شراء المعيب؛ لأن المقصود ثم الربح، وقد يتوقع في شراء المعيب وهنا المقصود
стр. 2453
الاقتناء، وقضية هذا أنه إذا كان المقصود هنا الربح جاز (١) له شراء المعيب كعامل القراض وشريك التجارة والعبد المأذون له فيها، وبه جزم الأذرعي وغيره.
"وإن اشتراه جاهلا" بعيبه "وقع للموكل (٢) ولو لم يساو الثمن" كما لو اشتراه بنفسه جاهلا، وفارق عدم صحة بيعه بغبن فاحش بأن الغبن لا يثبت الخيار فيتضرر الموكل "وللموكل" (٣) حينئذ "وكذا الوكيل الرد" للمبيع أما الموكل فلأنه المالك والضرر لاحق به، وأما الوكيل فلأنه نائبه؛ ولأنا لو لم نجوزه له فقد لا يرضى به الموكل فيتعذر الرد لكونه فوريا ويبقى للوكيل فيتضرر به واستشكله الرافعي بأنا إذا لم نجوزه (٤) له كان كالأجنبي عن العقد فلا أثر لتأخيره و بأن من له الرد قد يعذر في التأخير فهلا كان مشاورته الموكل عذرا، وبأنه وإن تعذر رده فلا يتعذر رد الموكل إذا سماه في العقد أو نواه، ويجاب عن إشكاله الأول بأن ما قاله فيه لا ينافي مقصود التعليل (٥)، وعن الثاني بأن الوكيل لما استقل بالبيع عن موكله استقل بتوابعه فلا يعد التأخير للمشاورة عذرا، وعن الثالث بأن قوله فيه فلا يتعذر رد الموكل إذا سماه الوكيل أو نواه لا يستلزم دفع الضرر عن الوكيل لجواز أن لا
стр. 2454
يرده الموكل على البائع بأن يرده على الوكيل أو يقول اخترت رده (١) ولو سلم استلزامه له فإنما يدفعه عنه إذا صدقه البائع دون ما إذا كذبه لما سيأتي أنه إذا كذبه يرد الموكل عليه لا على البائع "لا إن اشترى" المعيب "بعين مال الموكل" فلا رد له بالعيب؛ لأنه لا يقع له بحال فلا يتضرر به "فإن اشتراه في الذمة ورضي به الموكل أو قصر" في الرد "لم يرده الوكيل" بخلاف نظير الأولى في الفسخ بخيار المجلس لاختصاصه بالوكيل وبخلاف عامل القراض على ما سيأتي لحظة في الربح، وقوله: أو قصر من زيادته "وإن رضي به الوكيل أو قصر" في الرد "رده الموكل" لبقاء حقه هذا "إن سماه" الوكيل في الشراء "أو نواه وصدقه البائع، وإلا وقع" الشراء "للوكيل"؛ لأنه اشترى في الذمة ما لم يأذن فيه الموكل فانصرف إليه.
"فرع" لو "قال البائع" للوكيل: "أخر الرد حتى يحضر الموكل لم تلزمه" إجابته لتضرره ولأنه حقه "فإن فعل" أي أخر الرد "فقد قصر" فلا رد له والشراء واقع للموكل وله الرد لكون الوكيل سماه أو نواه وصدقه البائع ضرورة أنهم متصادقون على أن الشراء وقع له وهذا ما بحثه الأصل (٢)، وصرح به الجمهور (٣) كما قاله الزركشي وغيره وخالف البغوي فقال: المبيع للوكيل، ورده الأصل بما ذكر وقال بعضهم: إنه تفرد به وقال السبكي: الظاهر أن مراده ما إذا لم يسم الموكل، ولا صدقه البائع لكن عبارته تقصر عن مراده، وقوله: حتى يحضر الموكل أي بزعمك انتهى.
"فإن ادعى البائع رضا الموكل بالعيب واحتمل" رضاه به باحتمال بلوغ الخبر إليه "فحلف الوكيل على نفي العلم" برضا الموكل "رد" المبيع وإن لم يحتمل لم يلتفت إلى دعواه "فلو حضر الموكل وصدق البائع" في دعواه "فله استرداده"
стр. 2455
أي: المبيع منه لموافقته إياه على الرضا قبل الرد "وإن نكل الوكيل" وحلف البائع "لم يرد" (١) أي الوكيل لتقصيره بالنكول ثم إن حضر الموكل وصدق البائع فذاك وإن كذبه وقع الشراء للموكل وله الرد خلافا للبغوي كما مر نظيره نبه عليه الأصل.
"فرع للمشتري الرد بالعيب على الوكيل و" على "الموكل" ثم الوكيل إذا رد عليه يرد على الموكل "ولو حط الوكيل الأرش" من الثمن للعيب "لم ينحط" لتضمنه الإبراء بلا إذن (٢)، بخلاف ما لو حط بعض الثمن في زمن الخيار فينحط إن رأى الوكيل فيه مصلحة بأن كان في السلعة ربح وخاف إن لم يحط بعض الثمن فسخ المشتري "فلو أنكر الموكل قدم العيب" وزعم حدوثه عند المشتري "واعترف" به "الوكيل لزمه وحده" أي رد على الوكيل لا على الموكل ولا يرد الوكيل على الموكل "ولو اشترى معيبا يعتق على الموكل فله رده"؛ لأنه لا يعتق على الموكل قبل رضاه بالعيب بخلاف ما لو اشترى من يعتق عليه (٣) فوجده معيبا لا رد له كما مر مع الفرق بينهما في "باب خيار النقص".
"فرع للوكيل التوكيل" ولو بغير إذن الموكل "فيما لا يحسنه (٤) أو لا يليق به" إذ تفويض مثل ذلك إليه إنما يقصد منه الاستنابة، قال الإسنوي: وقضيته امتناع التوكيل (٥) عند جهل الموكل بحاله، أو اعتقاده خلاف ما هو عليه، وهو ظاهر "فلو كثر" الموكل فيه، ولم يمكن الوكيل الإتيان بجميعه "وكل فيما لا يمكنه"
стр. 2456
الإتيان به (١) لدعاء الضرورة إليه "فقط" أي لا فيما يمكنه لأنه لم يرض بتصرف غيره ولا ضرورة ولو وكله فيما يمكنه عادة ولكنه عاجز عنه بسفر أو مرض فإن كان التوكيل في حال علمه بسفره أو مرضه جاز له أن يوكل وإن طرأ العجز فلا خلافا للجوري قاله في المطلب (٢) وكطرق العجز ما لو جهل الموكل حال توكيله ذلك كما يؤخذ مما مر آنفا عن الإسنوي وله التوكيل بإذن الموكل "فإن قال له: وكل عن نفسك" فوكل "كان الوكيل وكيله" عملا بإذن الموكل "فينعزل بعزله" له "وانعزاله" بموته وجنونه؛ لأنه وكيله "وكذا" ينعزل "بعزل الموكل" له أو لموكله كما ينعزل بموته وجنونه ولأنه فرع فرعه فيكون فرعه "أو" قاله له "وكل عني فهما وكيلان" (٣) له. "وكذا لو لم يقل عني ولا عنك" أما الأول فيهما فظاهر وأما الثاني في الأول فعملا بإذن الموكل، وأما في الثانية فلأن توكيل الثاني له تصرف وقع بإذن الموكل فوقع عنه فله فيهما عزل أيهما شاء، ولا يعزل أحدهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله.
"فلو وكله" فيهما "عن نفسه لم يصح ولو فسق" الوكيل الثاني فيهما "لم يعزله إلا الموكل" وهذا بخلاف ما لو قال الإمام أو القاضي لنائبه استنب فاستناب فإنه نائب عنه لا عن منيبه وفرق بأن القاضي ناظر في حق غير المولى (٤) كما قاله الماوردي والوكيل ناظر في حق الموكل (٥)، ويفرق أيضا بأن الغرض من إنابة الغير ثم إعانته فكان هو المراد بخلافه هنا فكان المراد الموكل "وحيث ملك" الوكيل "التوكيل اشترط أن يوكل أمينا" (٦) رعاية لمصلحة الموكل
стр. 2457
"إلا إن عين له" الموكل (١) غيره فيوكله لإذنه فيه نعم لو علم الوكيل فسق المعين دون الموكل فيظهر أنه يمتنع توكيله (٢) كما لو وكله في شراء معين فاطلع على عيبه دون الموكل قاله الإسنوي (٣)، قال: وقضية تعبيرهم بالتعيين أنه لو عمم فقال: وكل من شئت لا يجوز توكيل غير الأمين (٤) لكنهم قالوا في النكاح: إن المرأة إذا قالت: زوجني ممن شئت جاز تزويجها من الأكفاء وغيرهم وقياسه الجواز هنا بل أولى؛ لأنه ثم يصح ولا خيار لها وهنا يستدرك؛ لأنه إذا وكل الفاسق فباع بدون ثمن المثل لا يصح أو اشترى معيبا ثبت الخيار، وأجيب عنه بأن المقصود (٥) بالتوكيل في التصرف في الأموال حفظها، وتحصيل مقاصد الموكل فيها، وهذا ينافيه توكيل الفاسق بخلاف الكفاءة فإنها صفة كمال وقد تسامح المرأة بتركها لحاجة القوت أو غيره. وقد يكون غير الكفء أصلح لها والظاهر أن الموكل هنا إنما قصد التوسعة عليه بشرط النظر له بالمصلحة ولو عين له فاسقا فزاد فسقه فيظهر كما قال الزركشي أنه يمتنع توكيله (٦) كنظيره فيما لو زاد فاسق عدل الرهن.
"فرع ليس قوله للوكيل" في توكيله بشيء "افعل" فيه "ما شئت" أو وكل ما تصنع فيه جائز "إذنا في التوكيل" (٧)؛ لأنه يحتمل ما شئت من التوكيل وما شئت
стр. 2458
من التصرف فيما أذن له فيه فلا يوكل بأمر محتمل كما لا يهب.
"فصل: في التقييد للوكالة": لو "قال: بع من زيد لم يبع من عمرو"؛ لأنه قد يقصد تخصيصه بتلك السلعة، وربما كان ماله أبعد عن الشبهة نعم إن دلت قرينة على إرادة الربح (١)، وأنه لا غرض له في التعيين إلا ذلك فالمتجه جواز البيع من غير المعين قاله الزركشي (٢) "أو" قال "بع أو أعتق يوم الجمعة" مثلا "لم يجز" له البيع أو العتق "قبله ولا بعده" مراعاة لتخصيص الموكل والمتجه كما قال الإسنوي (٣): انحصار يوم الجمعة في الذي يليه حتى لا يجوز ذلك في مثله من جمعة أخرى "وكذا الطلاق" إذا قيد بيوم لا يقع قبله ولا بعده لما مر وبه صرح في "الروضة" (٤): في كتاب الطلاق نقلا عن البوشنجي وأشار إليه هنا بعد نقله عن الداركي (٥) أنه يقع بعده لا قبله؛ لأن المطلقة فيه مطلقة بعده لا قبله وما قاله الداركي غريب مخالف لنظائره "وإن
стр. 2459
عين للبيع مكانا" كبلد وسوق "تعين (١)، ولو لم يكن" له في ذلك "غرض" ظاهر ككثرة الراغبين وجودة النقد لما مر، وما ذكر من تعين المكان إذا لم يكن للموكل غرض ظاهر، وهو ما صححه الشيخان (٢)، لكن قال الإسنوي: الراجح عدم التعيين فقد نص عليه الشافعي وجمع، وقال الزركشي: نص عليه الشافعي وجمهور الأصحاب وعلى الأول محله إذا لم يقدر الثمن "فإن قدر الثمن لم يتعين المكان (٣) إلا إن نهاه" عن البيع في غيره فيتعين البيع فيه "وإن عين للبيع بلدا" أو سوقا "فنقله" أي ما وكل في بيعه "إلى غيره ضمن المثمن والثمن" وإن قبضه وعاد به كنظيره من القراض للمخالفة قال في الأصل: بل لو أطلق التوكيل في البيع في بلد فليبع فيه فإن نقل ضمن.
"فروع" لو قال: اشتر لي عبد فلان وكان فلان قد باعه فللوكيل شراؤه من المشتري، ولو قال: طلق زوجتي ثم طلقها الزوج فللوكيل طلاقها أيضا في العدة قالهما البغوي في "فتاويه" (٤). ولو باع الوكيل ليلا فإن كان الراغبون فيه مثل النهار صح وإلا فلا قاله القاضي في تعليقه.
"فصل": لو "قال" له: "بع بمائة درهم لم ينقص" عنها (٥)؛ للمخالفة فلا يبيع إلا بها أو بأكثر؛ لأن المفهوم عرفا من ذلك إنما هو منع النقص "فلو بذل راغب أكثر" من مائة "لم يقتصر على المائة"؛ لأنه مأمور بالاحتياط والغبطة "إلا إن نهاه" عن الزيادة عليها (٦) "أو عين شخصا" (٧) بأن قال: بعه لزيد بمائة فيجب الاقتصار عليها لمنع المالك من الزيادة عليها في الأولى، ولأنه ربما قصد إرفاق المعين
стр. 2460
في الثانية (١) بخلاف ما لو وكله في الخلع بمائة فإنه يجوز الزيادة عليها، والفرق أن الخلع يقع غالبا عن شقاق (٢)، وذلك قرينة دالة على عدم قصد المحاباة، وقيد ابن الرفعة الثانية بما إذا كانت المائة دون ثمن المثل (٣) لظهور قصد المحاباة بخلاف ما إذا كانت ثمن المثل فأكثر "أو" قال له: "اشتر بمائة لم يزد" عليها (٤) فلا يشتري إلا بها أو بأقل إلا أن ينهاه عن الشراء بأقل كما صرح به الأصل "نعم" له أن "يشتري من المعين" في نحو قوله: اشتر عبد فلان بمائة "بأقل من المائة بخلاف البيع" كما مر آنفا، والفرق كما قال ابن الرفعة (٥) أن البيع لما كان ممكنا من المعين وغيره كان تعيينه ظاهرا في قصد إرفاقه، وشراء المعين لما لم يكن من غير المذكور ضعف احتمال ذلك القصد، وظهر قصد التعريف، وما فرق به في الروضة عن الماوردي من أنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المائة فلا يجوز قبض ما نهي عنه، وفي الشراء مأمور بدفع مائة، ودفع الوكيل بعض المأمور به جائز نقضه ابن الرفعة بما إذا منعه من القبض فإنه لا يبيع بأكثر من المائة مع انتفاء ما ذكره، وبما لو قال: بع بمائة ولم يعين المشتري فإنه يجوز له قبض الزائد إذا جاز له قبض الثمن وبأنه يصح البيع بأكثر من ثمن المثل وإن كان قد قال: بعه بثمن المثل مع وجود المعين الذي ذكره فيه.
"فرع" لو "قال" له "لا تبع أو لا تشتر بأكثر من مائة" (٦) مثلا،
стр. 2461
"فاشترى أو باع بثمن المثل وهو مائة أو دونها لا أكثر جاز" لإتيانه بما أمر به بخلاف ما إذا اشترى أو باع بأكثر من مائة للنهي عنه "وإن قال" له: "بع بمائة لا بمائة وخمسين لم يجز النقص عن المائة ولا استكمال المائة والخمسين، ولا الزيادة عليهما" أي على المائة والخمسين للنهي عن ذلك، ويجوز ما عداه، ولو قال: اشتر بمائة لا بخمسين جاز الشراء بالمائة وبما بينها بين الخمسين لا بما عدا ذلك ذكره الأصل.
"فصل" لو "قال" له "بع مؤجلا" وبين له قدر الأجل أو حملناه على المعتاد "فباع حالا أو بأجل دون المقدر" لفظا أو عادة "بقيمة المؤجل" بالأجل المقدر "أو" باع "بما رسم" به الموكل "ولا غرض له" فيما أمره به فيهما "صح"؛ لأنه زاده خيرا "وإلا" أي وإن باع بأقل من قيمة المؤجل بالمقدر أو بما رسم به الموكل أو باع بهما، وللموكل غرض (١) كأن كان في وقت لا يأمن من نحو نهب أو كان لحفظه مؤنة قبل فراغ الأجل المقدر أو عين له المشتري "فلا" يصح؛ لأنه في الأول باع بأقل مما أمره به، وفي الثاني فوت عليه غرضه "وكذا لو قال" له: "اشتر حالا فاشترى مؤجلا بقيمته حالا" صح إن لم يكن للموكل غرض؛ لأنه زاده خيرا أو بقيمته مؤجلا لم يصح للموكل؛ لأنه أكثر مما أمره به وما قدرته من الشرط مفهوم من كلامه وهو من زيادته وصرح به القاضي أبو الطيب والتعبير بالغرض وعدمه كما ذكر أعم من قول الأصل إن كان في وقت لا يؤمن النهب والسرقة أو كان لحفظه مؤنة في الحال، قال في الأصل: ولو اشترى الوكيل بالشراء مطلقا نسيئة بثمن مثله نقدا جاز؛ لأنه زاد خيرا وللموكل تفريغ ذمته بالتعجيل انتهى وزاد الماوردي: أو أذن له في الشراء إلى شهر فاشترى إلى شهرين.
"فرع إذا وكله في شراء شاة موصوفة بدينار فاشترى" به "شاتين تساوي كل واحدة دينارا صح" الشراء للموكل؛ لأنه حصل غرضه وزاد خيرا ويشهد له خبر عروة البارقي السابق في البيع "وكذا" يصح "إن ساوت إحداهما دينارا" دون الآخر لما مر "وإلا" أي وإن لم تساو إحداهما دينارا "فلا" يصح،
стр. 2462
وإن زادت قيمتهما (١) جميعا عليه لفوات ما وكل فيه "وليس له بيع إحداهما" ولو بدينار ليأتي به، وبالأخرى إلى الموكل، وإن فعل عروة ذلك لعدم الإذن فيه، وأما عروة فلعله كان مأذونا له في بيع ما رآه مصلحة من ماله ﷺ والوكالة في بيع ما سيملكه تبعا لبيع ما هو مالكه صحيحة كما مر.
"فرع متى قال" له "بع العبد بمائة فباعه بمائة وثوب أو" و "دينار صح"؛ لأنه حصل غرضه، وزاد خيرا وقوله وثوب أولى من قوله أصله وثوب يساوي مائة "ولو قال بع بألف درهم فباع بألف دينار لم يصح" إذ المأتي به ليس مأمورا به ولا مشتملا عليه.
"فصل: وإقرار الوكيل في الخصومة بالإبراء أو بالاعتراف" من موكله بما يبطل حقه من قبض وتأجيل "ونحوه" بالجر عطفا على ما قدرته آخرا أو بالرفع عطفا على: “إقرار الوكيل“ أي ونحو الإقرار بما ذكر كالإبراء والمصالحة "لا يصح"؛ لأن اسم الخصومة لا يتناوله ولأن الوكيل إنما يفعل ما فيه الحظ لموكله "وينعزل" أي بإقراره المذكور لتضمنه الاعتراف بأنه ظالم في الخصومة.
"ولا ينعزل بإبرائه الخصم" ولا بمصالحته له؛ لأنهما لا يتضمنان ذلك، وقوله: وينعزل به أعم من قول أصله وينعزل وكيل المدعي بإقراره بالقبض أو بالإبراء، ووكيل المدعى عليه بإقراره بالحق "ووكيل المدعي يقيم البينة ويثبت" أي يقيم بينة "بالعدالة" لها "ويحلف الخصم، ويطلب الحكم" ويفعل سائر ما هو وسيلة إلى الإثبات كالدعوى "ووكيل المدعى عليه ينكر ويطعن في الشهود ويدافع جهده ولا يصح تعديله بينة المدعي"؛ لأنه كالإقرار في كونه قاطعا للخصومة وليس للوكيل قطع الخصومة بالاختيار (٢) فلو عدل انعزل كما نبه عليه الأذرعي "وتقبل شهادة الوكيل على الموكل وكذا له" فيما ليس وكيلا فيه لعدم التهمة "لا فيما هو وكيل فيه"؛ لأنه متهم بإثبات ولاية التصرف لنفسه "فلو عزل قبل الخصومة قبلت" شهادته؛ لأنه ما انتصب خصما ولا يثبت لنفسه حقا
стр. 2463
فهو كما لو شهد له في غيرها "لا" إن عزل "بعدها" فلا تقبل شهادته؛ لأنه متهم بإظهار صدقه "ولو وكل رجلين في الخصومة أو الحفظ" لمتاعه "أو غيرهما" كبيع وطلاق ووصاية "لم ينفرد أحدهما" بالاستقلال "إلا بإذن" فيه من الموكل؛ لأنه لم يرض بنظر أحدهما.
"فرع تثبت الوكالة باعتراف الخصم" كالبينة بل أولى فله مخاصمته لكن ليس للحاكم أن يحكم بالوكالة كما قاله الهروي كالنكاح ينعقد فيما بين الناس بشهادة مستوري العدالة، ولا يثبت النكاح المجحود عند القاضي بشهادتهما بل لا بد من عدلين "وله الامتناع عليه" أي وللخصم أن يمتنع من مخاصمته (١) حتى يقيم بينة بوكالته (٢) "كالمديون" حيث "يعترف للوكيل" أي لمدعي الوكالة بأنه وكيل "ولا بينة" فإن له الامتناع من إقباضه الدين حتى يقيم بينته بوكالته لاحتمال تكذيب رب الدين له في الوكالة قال البلقيني: وفائدة جواز المخاصمة مع جواز الامتناع منها إلزام الحق للموكل لا دفعه للوكيل قلت: ولعل من فوائده أيضا أنه لو أقام بينة بوكالته لا يحتاج الحاكم في إلزامه الخصم بالدفع للوكيل إلى إعادة الدعوى أما لو كذبه الخصم في دعواه الوكالة فلا يخاصمه نعم لمدعيها تحليفه أنه لا يعلمها قاله الهروي وفصل القاضي فقال: له تحليفه إن ادعى أنه وكيل في الخصومة بخلاف ما لو ادعى أنه وكيل في الاستيفاء؛ لأنه لو صدقه لم يلزمه دفع الحق إليه، وكلام الهروي محمول على هذا حتى لو ادعى الأمرين كان له تحليفه في الأول دون الثاني (٣) "وللوكيل إثبات الوكالة (٤) في غيبة الخصم" ولو بالبلد "ولو لم ينصب القاضي مسخرا" بفتح الخاء ينوب عن الغائب ليقيم المدعي
стр. 2464
البينة في وجهه قال في الأصل: ولا يشترط في إقامة البينة تقدم دعوى حق الموكل على الخصم في إثبات الوكالة عليه "ولا ينعزل من وكل في مجلس القاضي" بخصومة "بانقضائه" أي المجلس "لكن إن كان الموكل عند القاضي مجهولا" بأن لم يعرف اسمه، ولا نسبه "وغاب" عنه "أثبت المدعي أن الذي وكله هو فلان بن فلان" لتجوز مخاصمته عنه، والحكم بالدفع له اعتمادا على ذكر اسمه ونسبه فإن لم يكن مجهولا عند القاضي لم يحتج فيما ذكر إلى هذا الإثبات قال القاضي: وإذا سمع القاضي دعوى الوكيل قبل إثباته الوكالة ظانا أنه يدعي لنفسه ثم أثبت وكالته استأنف الدعوى "ولو أثبت المدعي المال في وجه وكيل الغائب فحضر وادعى عزله" أو أنكر وكالته "لم يسمع منه"؛ لأن الحكم على الغائب جائز.
"فصل" لو "وكله في بيع" أو شراء "فاسد" كأن قال: بع، أو اشتر إلى وقت العطاء أو قدوم زيد "لغا" (١) فلا يملك العقد الصحيح لعدم الإذن فيه، ولا الفاسد لمنع الشرع منه لا يقال: قد مر أنه إذا فسدت الوكالة، وتصرف الوكيل صح تصرفه فلم لم يصح هنا قلنا هناك لم ينهه عن الشراء الصحيح وهنا نهاه عنه ضمنا "أو" وكله "في الخلع أو العفو" أي الصلح "عن الدم على خمر أو خنزير" أو نحوهما "ففعل صح" الخلع أو العفو، وفسد العوض حتى يستحق الموكل بدل البضع والدم كما ذكره بقوله "ووجبت الدية" أي في الثانية "ومهر المثل" أي في الأولى كما لو فعله الموكل بنفسه؛ لأنه وإن كان فاسدا بالنسبة إلى العوض صحيح فيما يتعلق بالخلع والقصاص فيصح التوكيل فيما لو فعله بنفسه صح لا أنا نصحح التوكيل في العقد الفاسد على أن في التعبير بالصحة توسعا (٢) سلم منه تعبير الأصل بالحصول.
"فلو خالف" موكله كأن وكله في ذلك على خمر فخالفه "وعقد على غيره" كخنزير أو مال "لغا" للمخالفة فتبقى الزوجية والقصاص كما كانا وما ذكر في
стр. 2465
الصورتين يجري في النكاح قال البلقيني (١): ولو جرى في الكتابة فالظاهر أنه لا يحصل العتق عند أداء النجوم المذكورة؛ لأن التوكيل حينئذ ينصب إلى محض التعليق، والتوكيل في التعليق باطل على الأصح، وليس كذلك التوكيل في الكتابة الصحيحة؛ لأن التعليق فيها غير مرعي بدليل أنه لو أبرأ السيد المكاتب فيها عن النجوم برئ وعتق عن الكتابة بخلاف ما لو أبرأه في الفاسدة فلا عتق فيها إلا بحصول الصفة وذلك لا يمكن أن يحصله الوكيل.
"فرع" في مخالفته موكله لو "أعطاه ألفا وقال" له "اشتر" كذا "بعينه فاشترى في الذمة" أي في ذمته لينقد الألف في الثمن "لم يقع" أي الشراء "للموكل"؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ بتلف العين (٢)، حتى لا يطالب الموكل بغيره فأتى بما لا ينفسخ بتلفه فيطالب بغيره بل لم يقع للوكيل، وإن صرح بالسفارة وخرج بعينه ما لو قال له: اشتر بهذا أو به أو نحوه فيقع الشراء فيما ذكر لموكله كما اقتضاه كلامهم في الكلام على ما إذا دفع إليه دينارا وقال: اشتر به شاة فإنه يتخير بين الشراء بعينه والشراء في الذمة (٣)، لكن جزم الإمام والشيخ أبو علي الطبري بأنه لا فرق "وكذا عكسه" بأن قال: اشتر به في الذمة ثم انقده عن الثمن فاشترى بعينه لم يقع للموكل؛ لأنه ربما يريد تحصيل الموكل فيه، وإن تلف المعين ولا للوكيل أيضا كما يعلم مما يأتي وبما قاله علم أنه لو قال: بع هذا العبد فباع آخر لم يصح، وبه صرح الأصل "ولو أطلق" (٤) بأن لم يقل بعينه ولا في الذمة "تخير" (٥) بين الشراء بعينه، وفي الذمة لتناول الاسم لهما. "فإن اشترى (٦) في الذمة" وقد أمره الموكل بالشراء فيها، أو أطلق "وقع عن
стр. 2466
الموكل (١)، ثم إن سلم الثمن عنه من ماله" وكان أمره بتسليم الألف في الثمن كما ذكره في الروضة "فمتبرع" بذلك "لا يرجع به" (٢) ويلزمه رد الألف إلى الموكل بخلاف ما إذا لم يكن دفع إليه شيئا أو دفع إليه شيئا، ولم يأمره بتسليمه في الثمن فيرجع بذلك؛ لأن أمره بالشراء حينئذ يتضمن أمره بدفع الثمن بدليل أن للبائع مطالبته بالثمن والعهدة، وقول الأذرعي: إطلاق القول بعدم الرجوع مشكل والأشبه أنه لو تعذر عليه دفع ما دفع إليه في الوقت كضياع مفتاح صندوقه أو حانوته أو أرهق بالحاكم إلى دفع ولم يمكن من الرجوع إلى محل المدفوع له فأدى من ماله ليرجع رجع ممنوع؛ لأنه كان متمكنا من أن يشهد على أنه أدى عنه ليرجع أو أن يخبر به الحاكم "وإن تصرف لنفسه" قرضا عليه "فيما أعطاه الموكل" له "ثم اشترى له بغيره أو في الذمة لم يقع عنه" بل عن الوكيل لانعزاله ظاهرا بتلف ما وكل في التصرف فيه سواء أقال له الموكل: اشتر بعينه أم في الذمة (٣)، كما سيأتي إيضاحه في آخر الحكم الثالث "فإن عاد" إليه ما تصرف فيه "واشترى له" أي لموكله "به جاز" أي وقع له لتبين عدم انعزاله بناء على الأصح من أنه لا ينعزل بتعديه ثم لا يضمن ما اشتراه؛ لأنه لم يتعد فيه فلو رد بعيب واسترد الثمن عاد الضمان وما ذكر من جواز التصرف فيما عاد إليه قال الزركشي: يخالف ما ذكروه فيما لو وكله ليتزوج له امرأة فتزوجها لنفسه ثم طلقها ثم أراد أن يتزوجها لموكله، وأقول: لا مخالفة؛ لأنه بتزوجه لها انعزل عن الوكالة وهنا لم ينعزل بتصرفه لبقاء العين على ملك الموكل.
"فصل يشترط" في الصيغة "أن يقول البائع" (٤) للوكيل "بعتك أو بعتك لموكلك" فيقول اشتريت لموكلي أو نحوه وقوله: "أو بعتك لموكلك" من
стр. 2467
زيادته وبه صرح ابن الرفعة.
"فإن قال بعت موكلك" (١) فقال اشتريت له "لم يصح" الشراء وإن وقع التصرف على وفق الإذن لعدم الخطاب "بخلاف" نظيره في "النكاح" يصح بذلك بل لا يصح إلا به؛ لأن الوكالة فيه سفارة محضة بخلافها في البيع إذ له أحكام تتعلق بالمجلس وإنما يمكن اعتبارها بالمتعاقدين فاعتبر جريان الخطاب بينهما "وإن وكله ليبيع من زيد فباع من وكيله لم يصح" (٢) البيع "بخلاف" نظيره في "النكاح" يصح؛ لأنه لا يقبل نقل الملك والبيع يقبله ولهذا يقول وكيل النكاح زوج موكلي ولا يقول زوجني لموكلي وفي البيع يقول بعني لموكلي ولا يقول بع موكلي قال الزركشي (٣): والذي يظهر صحة البيع تفريعا على الأصح من أن الملك يقع ابتداء للموكل وقال الأذرعي المتجه أنه لو كان الموكل (٤) ممن لا يتعاطى الشراء بنفسه كالسلطان صح البيع من وكيله اعتبارا بالعرف ولأن الغالب أن الموكل إنما يقصد بقوله بع هذا للسلطان مثلا ذلك لا مخاطبته بالبيع. قال: وقضية الفرق (٥) أنه لو جرى العقد على وجه لا يقدر فيه دخول الملك في ملك الوكيل صح.
"وعند المخالفة" أي مخالفة الوكيل موكله فيما أمر به "إن اشترى بعين ماله" (٦) كأن قال له اشتر كذا بعين هذه المائة فاشتراه بعين مائة أخرى من مال موكله "بطل" الشراء للمخالفة "أو" اشترى "في ذمته" كأن قال له:
стр. 2468
اشتره بخمسة فاشتراه بعشرة "وقع للوكيل ولو سمى الموكل"؛ لأنه إن لم يسمه فالخطاب معه ونيته لاغية للمخالفة كالأجنبي وإن سماه بأن قال البائع بعتك فقال اشتريته لموكلي فلأن التسمية غير معتبرة في الشراء فإذا سماه وتعذر صرف العقد إليه فكأنه لم يسمه.
"فرع: وكيل المتهب يسميه" وجوبا "في القبول" وإلا فيقع العقد له لجريان الخطاب معه أي بغير ذكر الموكل "ولا تجزئ النية" في وقوع العقد لموكله؛ لأن الواهب قد يسمح بالتبرع له دون غيره نعم إن نواه الواهب أيضا وقع عنه كما بحثه الأذرعي وغيره "بخلاف الشراء" لا يجب فيه على وكيل المشتري تسميته؛ لأن القصد منه العوض قال الزركشي: وليس لنا ما يجب فيه ذكر الموكل إلا ثلاث صور: صورة الهبة والنكاح وما لو وكل عبد ليشتري نفسه من سيده؛ لأن قوله: اشتريت نفسي صريح في اقتضاء العتق لا يندفع بمجرد النية نعم القياس ما ذكر في الهبة يجري (١) مثله في الوقف والوصية والإعارة والرهن الوديعة وغيرها مما لا عوض فيه (٢)، انتهى. ولا ينحصر ذلك فيما لا عوض فيه فقد أوجبوا ذكره في صورة أخرى منها ما لو قال اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا مثلا ففعل وما لو وكل العبد غيره ليشتريه لنفسه ففعل وستأتيان، وظاهر كلامه كأصله: أن الواهب (٣) لو قال للمخاطب: وهبتك فقال: قبلت لموكلي فلان وقع للموكل، وإن كان الواهب إنما أوجب للوكيل وقصده؛ لأن اللفظ أقوى من النية ولهذا لو وهبه شيئا بنية الثواب (٤) لم تلزمه إثابة لعدم التصريح به. قال الأذرعي: وقد يقال على قياس ما ذكر: إنه لو قال: بعتك هذا بدرهم، وهو يساوي ألفا مثلا فقال: قبلت ونوى الشراء لموكله لم يصح؛ لأن الموجب إنما سمح ببيعه بدرهم للمخاطب خاصة لا لغيره
стр. 2469
انتهى. وقد يفرق بأن الهبة وقعت هنا في ضمن معاوضة بخلافها فيما ذكر.
стр. 2470
الحكم الثاني من أحكام الوكالة: الأمانة
"والوكيل أمين وإن كان بجعل"؛ لأنه نائب عن الموكل في اليد والتصرف فكانت يده كيده ولأن الوكالة عقد إرفاق، والضمان مناف له ومنفر عنه "فإن تعدى في العين" بركوب (١) أو لبس أو نحوهما "ضمنها" (٢)، بخلاف ما لو تلفت بلا تعد كسائر الأمناء فيهما "ولم ينعزل" (٣)؛ بذلك؛ لأن الوكالة إذن في التصرف، والأمانة حكم يترتب عليها، ولا يلزم من ارتفاعها ارتفاع أصلها (٤) كالرهن بخلاف الوديعة فإنها ائتمان محض نعم إن كان وكيلا لولي أو وصي قال الأذرعي: وغيره فالمتجه انعزاله كالوصي (٥) يفسق؛ إذ لا يجوز إبقاء مال محجور بيد غير عدل، وما قالوه مردود (٦)؛ لأن الفسق لا يمنع الوكالة، وإن منع الولاية نعم الممنوع بقاء المال بيده "فإن عاوض بها" أي اعتاض بالعين التي تعدى فيها غيرها "فالعوض" وهو غيرها "أمانة"؛ لأنه لم يتعد فيه وزال عنه ضمان العين بتسليمها للمعتاض منه؛ لأنه أخرجها من يده بإذن مالكها بخلاف ما إذا لم يسلمها؛ لأن المبيع قبل التسليم من ضمان البائع "فإن ردت" عليه "بعيب عاد الضمان" لعود اليد، وقال الروياني: لا نص فيه، وعندي أنه لا يعود
стр. 2471
الضمان؛ لأن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله، وقال الأذرعي وغيره، وما قاله ظاهر إن رده عليه الحاكم جبر إلا إن استرده اختيارا انتهى والمعتمد عود الضمان والفسخ، وأن رفع العقد من حينه لا من أصله لا يقطع النظر عن أصله بالكلية، وتقدم أنه لو تعدى بسفره بما وكل فيه، وباعه فيه ضمن ثمنه، وإن تسلمه وعاد من سفره فيكون مستثنى من قوله: "فالعوض أمانة".
"فرع يضمن الوكيل" المال إذا طالبه الموكل برده "بالامتناع من التخلية" بينه وبينه إذا لم يكن له عذر كالمودع فإن كان له عذر ككونه في الحمام أو مشغولا بطعام لم يضمن (١) كما هو مشهور في كلام الأصحاب ونقل الغزالي عنهم أنه لو تلف في هذه المدة ضمن، وإنما جاز التأخير لغرض نفسه بشرط سلامة العاقبة قال: وهو منقدح إذا كان التلف بسبب التأخير انتهى فيكون ما نقله مع ما قيد به تقييدا لكلامهم الأول لكن قال الأذرعي: والراجح خلاف ما نقله عن الأصحاب لما ستعرفه في الوديعة.
стр. 2472
الحكم الثالث: في العهدة
"الملك" للمبيع ونحوه في عقد الوكيل "يقع ابتداء للموكل" (١) كما في شراء الأب لطفله (٢)، ولأنه لو وقع للوكيل ابتداء لعتق عليه أبوه إذا اشتراه لموكله ولا يعتق قطعا "لكن أحكام عقد البيع والشراء من الخيار والتقابض ونحوهما" كالرؤية والتفرق "تتعلق بالوكيل" دون الموكل؛ لأنه العاقد حقيقة "فله الفسخ" بخياري المجلس والشرط "وإن أجاز الموكل" بخلاف خيار العيب لا رد للوكيل إذا رضي به الموكل؛ لأنه لدفع الضرر عن المالك وليس منوطا باسم المتعاقدين (٣) كما
стр. 2473
نيط به في الفسخ بخيار المجلس بخبر: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" وبخيار الشرط بالقياس على خيار المجلس، وشمول كلامه له من زيادته "وإن اشترى الوكيل والثمن في يده طولب" به سواء اشترى بعينه أم في الذمة؛ لأن أحكام العقد تتعلق به، والعرف يقتضيه، وله مطالبة الموكل أيضا كما يعلم مما يأتي، والظاهر أن له ذلك (١)، وإن أمره الموكل بالشراء بعين ما دفعه إليه بأن يأخذه من الوكيل ويسلمه للبائع "وإلا" أي وإن لم يكن الثمن في يده "فلا" يطالب به. "إن اشترى بمعين"؛ لأنه ليس في يده، وحق البائع مقصور عليه.
"وإن اشترى في الذمة فللبائع مطالبتهما" أي الوكيل والموكل أي من شاء منهما "إن صدق الوكيل" في وكالته "ولو كان الثمن بيد الوكيل" أو صرح بالسفارة في العقد؛ لأن العقد وإن وقع للموكل لكن الوكيل نائبه ووقع العقد معه لذلك جوزنا مطالبتهما وقيل إن صرح بالسفارة لم يطالب وبه جزم الإمام كما لو قبل نكاح امرأة لرجل لا يصير ملتزما للمهر قال السبكي: والأول هو المشهور، وما ذكره المصنف من زيادته هنا من أن للبائع مطالبة الموكل، والثمن بيد الوكيل ذكره الأصل في باب معاملات العبيد لكن قوله: ولو كان الثمن بيد الوكيل لا يصلح غاية لما قبله؛ لأنه مفروض فيما إذا لم يكن بيده؛ لأنه قسم في الظاهر من قوله: "وإلا" (٢). أما لو كذبه أو قال لا أدري أهو وكيل أم لا فيطالبه فقط؛ لأن العقد وقع معه فالظاهر أنه يشتري لنفسه قال الماوردي: أما ولي الطفل إذا لم يذكره في العقد كان ضامنا للثمن، ولا يضمنه الطفل في ذمته لكن ينقده الولي من مال الطفل، وإن ذكره في العقد لم يلزمه ضمان الثمن بخلاف الوكيل، والفرق أن شراء الولي لازم للمولى عليه بغير إذنه فلم يلزم الولي ضمانه بخلاف الوكيل انتهى، والفرق بين ضمان الموكل الثمن وعدم ضمان الطفل له فيما إذا لم يذكره الولي أن الموكل أذن بخلاف الطفل وهذا الفرق ذكره الإسنوي، وكلامه
стр. 2474
يوهم أنه من كلام الماوردي وليس كذلك وأسقط من كلامه الفرق السابق. "والوكيل في الرجوع قبل الغرم" أي غرمه للبائع "وبعده كالضامن" والموكل كالأصيل فلا يرجع عليه الوكيل إلا بعد غرمه وبعد إذنه له في الأداء إن دفع إليه ما يشتري به وأمره بتسليمه في الثمن، وإلا فالوكالة تكفي عن الإذن كما مرت الإشارة إليه، وعليه يحمل قول الأنوار وإذا غرم الوكيل رجع على الموكل كالضامن بالإذن.
"ولو استحق ما اشتراه الوكيل بعد تلفه" ولو "في يده فللمستحق مطالبة البائع والوكيل وكذا الموكل" ببدله؛ لأن كلا منهم غاصبه الأول حقيقة والآخران حكما "والقرار عليه" أي الموكل فإذا غرم البائع أو الوكيل رجع بما غرمه على الموكل لتلف العين تحت يد أمينه فكأنها تلفت تحت يده ثم إذا سلم الوكيل الثمن فيما ذكر فهل له مطالبة البائع به قال السبكي فيه ثلاثة أوجه أصحها عند ابن أبي عصرون المنع وعند الماوردي كذلك إن استحق في يد الموكل لانقضاء أحكام الوكالة وإن استحق في يد الوكيل فله مطالبته (١)، "أو" استحق "ما باعه الوكيل وتلف الثمن" ولو "في يده" (٢)، والمشتري معترف بالوكالة كما صرح به أصله "طولبا" أي الوكيل والموكل "به" أي بالثمن لما مر في مطالبة البائع لهما "والقرار على الموكل" لما مر.
"ولو باع الوكيل بثمن في الذمة وقبضه" ودفعه للموكل أو لم يدفعه له "وخرج مستحقه أو رده الموكل بعيب فله مطالبة المشتري" بالثمن لبقائه في ذمته. "و" مطالبة "الوكيل"؛ لأنه صار مسلما للمبيع قبل أخذ عوضه "وهل يطالب الوكيل بقيمة العين"؛ لأنه فوتها عليه "أم بالثمن"؛ لأن حقه انتقل منها إليه بالبيع؟ "وجهان" أصحهما الأول كما جزم به أصله بعد وسيأتي قبيل فصل وكله في قضاء دينه.
стр. 2475
"فإن قلنا": يطالبه "بالقيمة فأخذها" منه "طالب الوكيل المشتري بالثمن و" إذا أخذه منه "دفعه للموكل واسترد" منه "القيمة"؛ لأنها إنما أخذت للحيلولة "وإن أمره أن يشتري" شيئا "بمعين" يعني بعين ماله كما عبر به أصله "فتلف" في يده "قبله" أي قبل الشراء "انعزل أو بعده وقبل القبض انفسخ البيع" كما في تلف المبيع قبل قبضه ولا شيء على الوكيل "أو" أمره أن يشتري شيئا "في الذمة" ولو مع الأمر بصرف ما دفع إليه في الثمن ففعل، وقد تلف المدفوع له في يده بعد الشراء أو قبله "لم ينفسخ" أي العقد "ولمن يقع" أي العقد "فيه خلاف" قيل للوكيل ويلزمه الثمن وقيل للموكل ويلزمه مثل المدفوع وقيل يقال له إن أردته فادفع مثل المدفوع، وإلا فيقع عن الوكيل، وعليه الثمن، وهذه طريقة بعض المراوزة جرى عليها المصنف تبعا للرافعي، وأما طريقة العراقيين وغيرهم فالوكيل ينعزل بتلف المدفوع سواء أقال اشتر بعينه أم لا كما مرت الإشارة إليه ومن ثم زاد في الروضة. قلت: كذا ذكره صاحب التهذيب وقطع في الحاوي بأنه إذا قال: اشتر في الذمة أو بعينه فتلف انفسخت الوكالة وانعزل فإذا اشترى بعده وقع للوكيل انتهى وقطع به أيضا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما وصرحوا إلا ابن الصباغ بأنه لو كان التلف بعد الشراء وقع الشراء للوكيل أيضا كنظيره في القراض، وهذه المسألة هي عين قوله فيما مر (١): "ولو تصرف لنفسه إلى آخره"، لكنه كأصله جرى في تلك على طريقة العراقيين.
"فرع المقبوض" للوكيل "بالشراء الفاسد يضمنه الوكيل" سواء أتلف في يده، أم في يد موكله لوضع يده عليه بغير إذن شرعي، وفي نسخة يضمنه الوكيل إن تلف في يده "ويرجع" إذا غرم "على الموكل"؛ لأن قرار الضمان عليه كما مر، واستشكله الأذرعي فيما إذا تلف في يد الوكيل فقال: لا وجه له بل الصواب أنه لا رجوع له؛ لأن الشراء الفاسد غير مأذون فيه، ولو أذن فيه فلا عبرة بالإذن، وتبعه الزركشي ويجاب بأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه وبأن يده فيما وكل فيه كيد موكله؛ لأنه أمينه وهذه المسألة شاملة لمسألتي الاستحقاق السابقتين
стр. 2476
"فرع: وكيل المستقرض كوكيل المشتري فيطالب ويرجع بعد الغرم" على الموكل.
стр. 2477
الحكم الرابع: الجواز من الجانبين
لأن الوكالة إنابة فلا تلزم للإضرار (١)، "فلكل منهما العزل (٢) إن لم يكن" عقد الوكالة "باستئجار" فإن كان باستئجار بأن عقدت بلفظ الإجارة فهو لازم لا يقبل العزل وهذا ظاهر لا يحتاج إلى التنبيه عليه نعم إن عقدت بلفظ الوكالة وشرط فيها جعل معلوم قال في الأصل: أمكن تخريجه على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها (٣)، وهذان الاحتمالان نقلهما الروياني وجهين وصحح منهما الأول (٤) على القاعدة الغالبة في ذلك وهو قضية كلام المصنف فالترجيح فيه من زيادته.
"وإن قال" الوكيل "عزلت نفسي أو فسخت الوكالة أو خرجت منها أو نحوه" كأبطلتها (٥) "أو عزله الموكل أو فسخها" بقوله: فسختها أو نقضتها أو أزلتها أو صرفتها أو رفعتها أو نحوها "وعلم" الوكيل بالعزل أو الفسخ "وكذا إن لم يعلم" به "انعزل".
وإن كانت صيغة الموكل صيغة أمر ك بع وأعتق لدلالة كل من ذلك عليه ولا يشترط في انعزاله بعزله نفسه علم الموكل كما شمله كلامه وصرح به أصله وإنما لم يشترط فيما ذكر علم الآخر؛ لأنه رفع عقد لا يحتاج فيه إلى الرضا فلا يحتاج فيه إلى العلم
стр. 2478
كالطلاق، وقياسا على ما لو جن أحدهما والآخر غائب (١) بخلاف انعزال القاضي لا يحصل إلا بعلمه لتعلق المصالح الكلية به (٢)، وبخلاف النسخ لا يحصل إلا ببلوغ الخبر (٣)؛ لأنه تكليف. وهو يعتمد العلم (٤)؛ إذ لا تكليف بمحال بخلاف العزل وفرق السبكي بأن الاعتداد بالعبادة حق لله - تعالى، والله - تعالى - شرط العلم في الأحكام بدليل أنه لا يكلف بالمستحيل، والعقود حق للموكل، ولم يشترط العلم "ولا يصدق" موكله "بعد التصرف" في قوله كنت عزلته "إلا ببينة" فينبغي له أن يشهد على عزله قال الإسنوي وصورته إذا أنكر الوكيل العزل فإن وافقه لكن قال كان بعد التصرف فهو كدعوى الزوج تقدم الرجعة على انقضاء العدة، وفيه تفصيل معروف قاله الرافعي في اختلاف الموكل والوكيل (٥)، انتهى. وظاهر أن هذا بالنسبة إليهما أما بالنسبة إلى الثالث كالمشتري من الوكيل فلا يصدق
стр. 2479
الموكل في حقه مطلقا ولو تلف المال في يده بعد عزله لم يضمنه، ولو باعه وسلمه للمشتري جاهلا بعزله قال الروياني في الحلية: ينبغي أن لا يضمنه لبقاء الأمانة، وقال في البحر نقلا عن بعضهم: إنه يضمنه (١) كالوكيل إذا قتل بعد العفو تلزمه الدية والكفارة، وهذا مقتضى كلام الشاشي والغزالي وغيرهما وهو الأوجه "وينعزل بموت أحدهما وبالحجر عليه" بسفه أو فلس (٢) أو رق أو جنون "فيما لا ينفذ منه وبالإغماء" لزوال الأهلية (٣). قال ابن الرفعة: والصواب أن الموت ليس بانعزال (٤) بل تنتهي الوكالة به كالنكاح وتقدم في الحج أن الوكيل في رمي الجمار لا ينعزل بإغماء الموكل وكلامه كأصله قد يوهم (٥) أنه لو حجر عليه بسفه بعد توكله في قبول نكاح لا يصح قبوله؛ لأنه لا ينفذ منه، وليس مرادا وينعزل أيضا بالفسق فيما العدالة شرط فيه "وبخروج ما وكل ببيعه" أو بالشراء به "عن الملك (٦) بالبيع ونحوه" كالهبة مع القبض "وكذا بتزويج الجارية والإجارة" (٧) لإشعارهما بالندم على البيع وخرج بالجارية العبد (٨) "لا بالتوكيل" وكيل "آخر" ولا بالعرض على البيع كما صرح به أصله "وفي انعزاله بطحن الحنطة" الموكل ببيعها أي بطحن الموكل لها "وجهان" قال المتولي: أصلهما ما لو حلف لا يأكل هذه
стр. 2480
الحنطة، فأكلها بعد الطحن وقضيته ترجيح الانعزال (١)، ووجهه الرافعي ببطلان اسم الحنطة وإشعار طحنها بالإمساك، وظاهر أنهما علتان؛ لأن الأصل عدم تركيب العلة، واقتصر في الروضة على الأول منهما، وقضيته أنه لو لم يصرح باسم الحنطة كأن قال: وكلتك في بيع هذا لم يكن عزلا، وقضية الثاني خلافه، وهو الأوجه (٢) قال الزركشي: قال ابن كج: وينعزل بالرهن مع القبض وكذا بالكتابة بخلاف التدبير وقال البلقيني (٣): الأقرب أن الوصية والتدبير وتعليق العتق عزل.
"ولو ردها" أي رد الوكيل الوكالة "ارتدت بخلاف المباح له" طعام "إذا رد الإباحة" لا ترتد. وقضية كلام الأصل أن هذا مقطوع به قال ابن الرفعة: وكلام المهذب يقتضي ارتدادها قال الزركشي: وبه صرح في الذخائر قال الأذرعي: ولعله الأظهر (٤).
"ولو وكل عبده" في تصرف ولو بصيغة عقد ك وكلتك "ثم أعتقه أو باعه" أو كاتبه كما ذكره الأصل "انعزل" لأن إذن سيده له استخدام لا توكيل، وقد زال ملكه عنه؛ ولهذا لو قال قبل عتقه: عزلت نفسي لغا قاله الرافعي "لا عبد غيره" فلا ينعزل بذلك "لكن العبد" أي عبد غيره، وإن نفذ تصرفه "يعصي" (٥) به "إن لم يستأذن مشتريه" (٦) فيه؛ لأن منافعه صارت مستحقة له "ولو جحد أحدهما الوكالة عامدا ولا غرض" له في الجحد من خوف ظالم أو
стр. 2481
نحوه "فهو عزل"؛ لأن الجحد حينئذ رد لها "وإلا" بأن نسيها (١) أو جحدها لغرض كما لو أنكر الوكيل الوكالة حين ادعى عليه بحق على موكله فقامت البينة بقبوله لها "فلا" عزل وتسويته بين جحدي الموكل والوكيل في التفصيل المذكور تبع فيه الروضة لكنه أطلق كأصله في باب التدبير أن جحد الموكل عزل، وحمله ابن النقيب (٢) على ما هنا والرافعي لما ذكر التفصيل في جحد الوكيل قال: وأورد في النهاية قريبا منه في جحد الموكل انتهى، والذي في النهاية في باب التدبير كما في الكفاية وغيرها حكاية وجهين في أن جحد الموكل عزل أو لا أصحهما: لا، وأشهرهما: نعم. ثم أبدى التفصيل احتمالا وبالأشهر جزم ابن عبد السلام في مختصر النهاية وقال في النهاية: إنه المفتى به انتهى، وعليه يفرق بأن الموكل أقوى على رفع الوكالة؛ لأنه المالك غالبا ولأن معظم الحظ فيها له وبأن جحد الوكيل قد يجب حفظا لمال موكله فجعل عذرا في الجملة بخلاف جحد الموكل المالك، وألحق به جحد الموكل النائب عن غيره "وإن عزل" الموكل "أحد وكيليه" مبهما "لم يتصرفا" أي لم يتصرف واحد منهما، ولو تصرف لم ينفذ "حتى يبين" (٣) يعني يعين للشك في أهليته.
стр. 2482
مسائل منثورة
"إن وكله ببيع فباع ثم فسخ البيع" بعيب أو غيره (١): "لم يبع ثانيا" (٢) كما مر بيانه قبل باب حكم المبيع قبل قبضه مع زيادة تقييد فلو اقتصر على ما هناك كان أولى مع سلامته من التكرار.
"وليس للوكيل شرط الخيار لمبايعة" أي معاقدة بغير إذن موكله "وله شرطه لنفسه وللموكل"؛ لأنه لا يضر موكله.
стр. 2483
"وإن أمره باشتراطه" أي الخيار "لم ينعقد" بعقده "مطلقا" لمخالفته أمره.
"فإن أمره ببيع عبد أو شرائه لم يعقد على بعضه" وفي نسخة لم ينعقد في بعضه لضرر التبعيض، وإن فرضت فيه غبطة نعم إن قدر الثمن وباع البعض بما قدره ولم يعين المشتري، قال الزركشي: صح (١)؛ لأنه مأذون فيه عرفا فلأن من رضي ببيع الجميع بمائة رضي ببيع البعض بمائة، ونقله الأذرعي عن المتولي والقاضي وذكره في المهمات لكن بالنسبة للقيمة فقال: يستثنى ما إذا باع البعض بقيمة الجميع فإنه يصح بلا خلاف، ذكره النووي في تصحيحه وابن الرفعة في الكفاية انتهى، وهو جري على الغالب، وإلا فلو كانت قيمة الجميع ألفا، وقال: بعه بألفين فباع بعضه بألف ينبغي أنه لا يصح (٢)، وإن اقتضى كلامهما الصحة (٣).
"أو" أمره "أن يشتري به" أي بالعبد "ثوبا فاشترا" هـ "ببعضه جاز"؛ لأن من رضي بشراء الثوب بجميع العبد فببعضه أشد رضا نعم إن عين البائع لم يجز ذلك لقصده محاباته.
"فإن قال بع" هذه "الأعبد" أو اشترهم "فرق" هم في عقود "وجمع" هم في عقد أي جاز له ذلك؛ إذ لا ضرر وقضية التعليل أنه لو كان الأحظ في أحدهما تعين (٤)، ولهذا قال الروياني: عليه أن يفعل الأحظ منهما فإن عدل عنه لم يجز "فإن قال": بعهم أو اشترهم "صفقة لم يفرقها" لمخالفته أمره "أو" قال: بعهم "بألف لم يبع واحدا بأقل من ألف" لجواز أن لا يشتري أحد الباقين بباقي الألف فلو باعه بألف صح، وقد يلحق به ما قدمته قبيل الركن الثاني "ثم له بيع الباقين بثمن المثل" والتصريح بثمن المثل من زيادته.
стр. 2484
"وإن قال" له "اطلب حقي من زيد فمات" زيد "لم يطالب وارثه" لأنه غير المعين "أو" اطلب حقي "الذي على زيد طالبهم" أي ورثته ولو قال طالبه كان أنسب بما قبله "فإن لم يمت جاز" له "القبض من وكيله" كيف كان؛ لأن دفع وكيله كدفعه وظاهر أنه تجوز له مطالبته "وإن أمره بالبيع مؤجلا" فباع "فعليه بيان الغرم" لئلا يكون مضيعا لحقه "لا مطالبته" فلا تلزمه ولو بعد الأجل بل لا تجوز إلا بإذن.
"وإن قال: أعط هذا الذهب صائغا فأعطاه ثم امتنع (١) من تنبيه" بعد مطالبة الموكل له بتبيينه "صار ضامنا له" حتى لو بينه بعد ذلك وكان قد تلف في يد الصائغ ضمنه قال الأذرعي: وفي إطلاقه نظر والقياس (٢) أنه إن كان قد تلف قبل المطالبة والامتناع بلا تعد: ولم يضمن.
"ولو قال بع عبدك من زيد بألف علي لم يصح التزامه"؛ لأنه ضمان ما لم يجب ولا جرى سبب وجوبه فلو باع على ذلك لم يصح لاشتراط الثمن على غير مالك المبيع نعم إن تولى الآمر العقد صح لكن إن تولاه بولاية أو وكالة وقع الشراء للمشتري له، وإلا وقع له ولزمه الثمن فيهما، وله الرجوع به في الأولى نقل ذلك في الروضة عن الماوردي إلا استحقاق الرجوع فسكت عنه لعلمه مما مر "أو" قال: بعه منه "بألف وأنا أدفعه" لك "فهذا وعد لا يلزم" فلو باع صح ولا يلزم الآمر شيء لعدم التزامه.
"أو" قال "اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا" (٣) مثلا "ففعل ملكه الآمر" ويقدر انتقال الملك إليه في الثوب قرضا قال في المهمات: ولا يكفي هنا نية الموكل بل لا بد من التصريح به فلو اقتصر على النية وقع للوكيل كما في الأصل في الشرط الثالث من شروط المبيع، وذكره المصنف أيضا ثم لكن شملت عبارته فيه ما ليس مرادا كما بينته ثم "ورجع المأمور" على الآمر "بقيمة
стр. 2485
الثوب" وإن لم يشترط الرجوع، وإنما رجع بقيمته مع أنه قرض (١)؛ لأنه ليس قرضا حقيقيا بل تقديري "وليس لوكيل غرم الثمن" من ماله "حبس المبيع" ليغرم له موكله "وإن استحق الرجوع" عليه به؛ لأن العقد يقع ابتداء للموكل.
"وإن قال" المديون "لوكيل غريمه خذ" هذا "واقضه" به (٢): "صار وكيلا للمديون" في قضاء دينه فله استرداده ما دام بيد الوكيل، ولو تلف عنده بقي الدين على المديون "أو" قال له "خذ" هـ "عما تطالبني به لغريمي" فأخذه "برئ" المديون ولا استرداد له "وكذا" يبرأ "لو قال" له "خذه قضاء" لدين غريمي وفي نسخة خذه قضاء أي الغريم، وقضية كلامه أنه لو نازعه غريمه (٣) في إرادة التوكيل صدق وليس مرادا فقد صرح أصله بأن المصدق فيه المديون بيمينه.
"وإن أعطى" شخص "وكيله" شيئا "ليتصدق" به "فنوى" التصدق "عن نفسه وقع للآمر" ولغت النية.
"ولو وكلت" أنت "عبدا يشتري لك نفسه" أو مالا آخر من سيده "صح" كما يصح توكيله في الشراء من غير سيده، "ولزمه التصريح باسمك" بأن يقول: اشتريت نفسي (٤) أو كذا منك لموكلي فلان "كما يلزمك التصريح باسمه إن وكلك في شرائه لنفسه" بأن تقول: اشتريت عبدك منك له "وإلا" بأن لم يصرح بالاسم فيهما "وقع عقده له" لاقتضاء العقد حينئذ العتق فلا يندفع بمجرد النية "و" وقع "عقدك لك"؛ لأن البائع قد لا يرضى بعقد يتضمن الإعتاق قبل توفير الثمن وصور القفال المسألة الأولى بأن يوكله بإذن سيده، وقال البغوي: لا يحتاج
стр. 2486
إلى إذنه قبل الشراء (١)؛ لأن بيعه منه لنفسه إذن له في الشراء.
"ولو قال: أسلم لي في كذا" وأد رأس المال "من مالك (٢)، وارجع علي" به ففعل: "لم يصح"؛ لأن الإقراض إنما يتم بالإقباض ولم يوجد من المستقرض قبض واستشكل هذا بالصحة فيما لو قال: اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا، وأجيب بأن رأس مال السلم كدينه لا يصح الاستبدال عنه وبأن الموكل هنا يصير مشتريا للدين بالدين فلا يصح كما لا يصح بيع الدين بالدين، ودعوى أنه يقدر دخوله في ملك الآمر لا تصح؛ لأن الأشياء التقديرية لا تعطى حكم الأشياء المحققة في الأشياء المضيق فيها، وهذا كما أنا في باب الربا لا نكتفي بالمماثلة التقديرية فكذا هنا لا نكتفي بالقبض التقديري ولهذا لو أحال المسلم المسلم إليه برأس المال وقبضه في المجلس لم يكف كما مر وفي النفس من ذلك شيء.
"وإذا أبرأ وكيل المسلم المسلم إليه بلا إذن لم يبرأ" أي المسلم إليه، وفي نسخة لم يبر ووجهه أن يقدر دخول الجازم بعد إبدال الهمزة ألفا وقوله: "بلا
стр. 2487
إذن" من زيادته، "فلو قال له المسلم إليه: لست وكيلا، والسلم لك" وأبرأتني منه "نفذ الإبراء ظاهرا أو تعطل" بذلك "حق المسلم وغرم" له "الوكيل برأس المال" أي قيمته "للحيلولة" فلا يغرم بدل المسلم فيه كي لا يكون اعتياضا عنه.
"وإن قال: اشتر لي طعاما حمل" في كل مكان "على العرف" فيه "إن كان" فيه عرف كالحنطة بمكة، أو مصر فإن لم يكن فيه عرف كما في طبرستان لم يصح؛ لأنه توكيل في مجهول.
"وإن قال أبري غرمائي" وكان من غرمائه "لم يبر نفسه"؛ لأن المخاطب لا يدخل في عموم أمر المخاطب له على الأصح فلو قال وإن شئت فأبر نفسك فله ذلك كما لو وكل المديون بإبراء نفسه صرح به الأصل "أو" قال "أعط ثلثي للفقراء أو" أعطه "نفسك إن شئت لم يعط نفسه" لما صرح به من زيادته بقوله "لتولي الطرفين" (١)، قضية تعبيره بأو أن ذلك مسألتان، ولا حرج، ويحتمل جعلها للتخيير فيكون مسألة واحدة فيوافق قول الأصل، ولو قال فرق ثلثي على الفقراء وإن شئت أن تضعه في نفسك فافعل فعلى الخلاف فيمن أذن له في البيع لنفسه وما اقتضاه كلامه من المنع وصرح به المصنف قال الزركشي إنه مردود نقلا وتوجيها أما النقل فقد نص الشافعي على الجواز كما نقله الروياني ورجحه الجرجاني وأما التوجيه فالرافعي وجه الحكم ثم بتوجيهين: أحدهما: تضاد الغرضين وهو منتف هنا بل فيه وفاء بمقصود الآذن، والثاني: اتحاد الموجب والقابل، وهو منتف أيضا؛ لأنه هناك توكيل في صيغة عقد فيؤدي إلى الاتحاد، وهو منتف هنا.
"وإن قال: بع هذا ثم هذا لزمه الترتيب" امتثالا لأمر موكله فلو عكس فسد البيع الأول وكان كالعدم، وصح الثاني كما لو باعه أولا، وهل له بيع الآخر بعد، فيه نظر قاله الأذرعي والأوجه نعم (٢) "ويستحق الوكيل جعله" إن شرط له موكله جعلا "وإن تلف المال" أي الثمن "معه"؛ لأن استحقاقه بالعمل وقد عمل.
стр. 2488
"وإن بلغه أن زيدا وكله وصدق" المخبر "تصرف" بالوكالة جوازا وإن لم يقبل الحاكم قول المخبر "لا إن كذب" المخبر فلا يتصرف بالوكالة "وإن قامت بينة" عند الحاكم بمضمون الخبر (١) وكذا إن لم يصدقه ولم يكذبه بل تردد كما أفاده كلام الروضة.
"وإن سأل" الوكيل "من الموكل الإشهاد" على نفسه بتوكيله فإن كان التوكيل "حيث يضمن" يعني فيما يضمنه الوكيل "بجحوده" أي الموكل الوكالة كالبيع والشراء وقبض المال وقضاء الدين "لزمه" بعد التصرف أو إن أراد بقاء الوكالة "وإلا" أي وإن كان التوكيل فيما لا يضمنه الوكيل بجحود الموكل الوكالة كإثبات الحق وطلب الشفعة ومقاسمة الشريك "فلا" يلزمه.
"وإن وكله في شراء جارية ليطأها لم يشتر له من تحرم عليه" كأخته وأخت موطوءته لأنه غير المأذون فيه وحذف من كلام الروضة هنا أنه يشترط فيما إذا وكله بتزويج امرأة أن يعينها لذكره له في كتاب النكاح الأنسب به.
стр. 2489
الباب الثالث: في الاختلاف في الوكالة وصفتها
"وإن اختلفا في" أصل "الوكالة" كأن قال وكلتني في كذا فأنكر "أو في صفتها" كأن قال وكلتني في البيع نسيئة أو الشراء بعشرين فقال بل نقدا أو
стр. 2490
بعشرة "فالقول قول الموكل" (١) بيمينه لأن الأصل عدم الإذن فيما ذكره الوكيل؛ ولأن الموكل أعرف بحال الإذن الصادر (٢) منه.
"فرع": لو "اشترى الوكيل جارية بعشرين (٣) فقال الموكل إنما أذنت بعشرة صدق بيمينه" لما مر "وبطل الشراء إن حلف الموكل، و" كان "الشراء له بعين ماله (٤) وسماه" الوكيل "في العقد، وقال" فيه "المال له وكذا" يبطل الشراء "إن نواه" الأوفق بكلام أصله إن لم يسمه في العقد، وقال بعده اشتريتها لفلان والمال له "وصدقه البائع"؛ لأنه ثبت بالتسمية في الأولى وبتصديق البائع في الثانية أن العقد للموكل وثبت بيمين الموكل أنه لم يأذن في التصرف على هذا الوجه فتبقى الجارية على ملك البائع وعليه رد الثمن إن أخذه ولا ريب أن إقامة البينة على ذلك ملحقة بما ذكر وتقدم في الشرط الثالث من شروط المبيع أنه لو اشترى لغيره بثمن في ذمة الغير بطل أيضا، ومحل البطلان فيما ذكره كأصله إذا لم يوافق البائع المشتري على وكالته بالقدر المذكور وإلا فالجارية باعتراف البائع ملك للموكل فينبغي أن يأتي فيه التلطف الآتي نبه عليه البلقيني (٥).
"وإن كذبه البائع" فيما قال بأن قال لست وكيلا في الشراء المذكور "وحلف" (٦) أي على نفي العلم بالوكالة "فيحكم بالصحة" للشراء "ظاهرا للوكيل