إلى إذنه قبل الشراء (١)؛ لأن بيعه منه لنفسه إذن له في الشراء.
"ولو قال: أسلم لي في كذا" وأد رأس المال "من مالك (٢)، وارجع علي" به ففعل: "لم يصح"؛ لأن الإقراض إنما يتم بالإقباض ولم يوجد من المستقرض قبض واستشكل هذا بالصحة فيما لو قال: اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا، وأجيب بأن رأس مال السلم كدينه لا يصح الاستبدال عنه وبأن الموكل هنا يصير مشتريا للدين بالدين فلا يصح كما لا يصح بيع الدين بالدين، ودعوى أنه يقدر دخوله في ملك الآمر لا تصح؛ لأن الأشياء التقديرية لا تعطى حكم الأشياء المحققة في الأشياء المضيق فيها، وهذا كما أنا في باب الربا لا نكتفي بالمماثلة التقديرية فكذا هنا لا نكتفي بالقبض التقديري ولهذا لو أحال المسلم المسلم إليه برأس المال وقبضه في المجلس لم يكف كما مر وفي النفس من ذلك شيء.
"وإذا أبرأ وكيل المسلم المسلم إليه بلا إذن لم يبرأ" أي المسلم إليه، وفي نسخة لم يبر ووجهه أن يقدر دخول الجازم بعد إبدال الهمزة ألفا وقوله: "بلا
стр. 2487
إذن" من زيادته، "فلو قال له المسلم إليه: لست وكيلا، والسلم لك" وأبرأتني منه "نفذ الإبراء ظاهرا أو تعطل" بذلك "حق المسلم وغرم" له "الوكيل برأس المال" أي قيمته "للحيلولة" فلا يغرم بدل المسلم فيه كي لا يكون اعتياضا عنه.
"وإن قال: اشتر لي طعاما حمل" في كل مكان "على العرف" فيه "إن كان" فيه عرف كالحنطة بمكة، أو مصر فإن لم يكن فيه عرف كما في طبرستان لم يصح؛ لأنه توكيل في مجهول.
"وإن قال أبري غرمائي" وكان من غرمائه "لم يبر نفسه"؛ لأن المخاطب لا يدخل في عموم أمر المخاطب له على الأصح فلو قال وإن شئت فأبر نفسك فله ذلك كما لو وكل المديون بإبراء نفسه صرح به الأصل "أو" قال "أعط ثلثي للفقراء أو" أعطه "نفسك إن شئت لم يعط نفسه" لما صرح به من زيادته بقوله "لتولي الطرفين" (١)، قضية تعبيره بأو أن ذلك مسألتان، ولا حرج، ويحتمل جعلها للتخيير فيكون مسألة واحدة فيوافق قول الأصل، ولو قال فرق ثلثي على الفقراء وإن شئت أن تضعه في نفسك فافعل فعلى الخلاف فيمن أذن له في البيع لنفسه وما اقتضاه كلامه من المنع وصرح به المصنف قال الزركشي إنه مردود نقلا وتوجيها أما النقل فقد نص الشافعي على الجواز كما نقله الروياني ورجحه الجرجاني وأما التوجيه فالرافعي وجه الحكم ثم بتوجيهين: أحدهما: تضاد الغرضين وهو منتف هنا بل فيه وفاء بمقصود الآذن، والثاني: اتحاد الموجب والقابل، وهو منتف أيضا؛ لأنه هناك توكيل في صيغة عقد فيؤدي إلى الاتحاد، وهو منتف هنا.
"وإن قال: بع هذا ثم هذا لزمه الترتيب" امتثالا لأمر موكله فلو عكس فسد البيع الأول وكان كالعدم، وصح الثاني كما لو باعه أولا، وهل له بيع الآخر بعد، فيه نظر قاله الأذرعي والأوجه نعم (٢) "ويستحق الوكيل جعله" إن شرط له موكله جعلا "وإن تلف المال" أي الثمن "معه"؛ لأن استحقاقه بالعمل وقد عمل.
стр. 2488
"وإن بلغه أن زيدا وكله وصدق" المخبر "تصرف" بالوكالة جوازا وإن لم يقبل الحاكم قول المخبر "لا إن كذب" المخبر فلا يتصرف بالوكالة "وإن قامت بينة" عند الحاكم بمضمون الخبر (١) وكذا إن لم يصدقه ولم يكذبه بل تردد كما أفاده كلام الروضة.
"وإن سأل" الوكيل "من الموكل الإشهاد" على نفسه بتوكيله فإن كان التوكيل "حيث يضمن" يعني فيما يضمنه الوكيل "بجحوده" أي الموكل الوكالة كالبيع والشراء وقبض المال وقضاء الدين "لزمه" بعد التصرف أو إن أراد بقاء الوكالة "وإلا" أي وإن كان التوكيل فيما لا يضمنه الوكيل بجحود الموكل الوكالة كإثبات الحق وطلب الشفعة ومقاسمة الشريك "فلا" يلزمه.
"وإن وكله في شراء جارية ليطأها لم يشتر له من تحرم عليه" كأخته وأخت موطوءته لأنه غير المأذون فيه وحذف من كلام الروضة هنا أنه يشترط فيما إذا وكله بتزويج امرأة أن يعينها لذكره له في كتاب النكاح الأنسب به.
стр. 2489
الباب الثالث: في الاختلاف في الوكالة وصفتها
"وإن اختلفا في" أصل "الوكالة" كأن قال وكلتني في كذا فأنكر "أو في صفتها" كأن قال وكلتني في البيع نسيئة أو الشراء بعشرين فقال بل نقدا أو
стр. 2490
بعشرة "فالقول قول الموكل" (١) بيمينه لأن الأصل عدم الإذن فيما ذكره الوكيل؛ ولأن الموكل أعرف بحال الإذن الصادر (٢) منه.
"فرع": لو "اشترى الوكيل جارية بعشرين (٣) فقال الموكل إنما أذنت بعشرة صدق بيمينه" لما مر "وبطل الشراء إن حلف الموكل، و" كان "الشراء له بعين ماله (٤) وسماه" الوكيل "في العقد، وقال" فيه "المال له وكذا" يبطل الشراء "إن نواه" الأوفق بكلام أصله إن لم يسمه في العقد، وقال بعده اشتريتها لفلان والمال له "وصدقه البائع"؛ لأنه ثبت بالتسمية في الأولى وبتصديق البائع في الثانية أن العقد للموكل وثبت بيمين الموكل أنه لم يأذن في التصرف على هذا الوجه فتبقى الجارية على ملك البائع وعليه رد الثمن إن أخذه ولا ريب أن إقامة البينة على ذلك ملحقة بما ذكر وتقدم في الشرط الثالث من شروط المبيع أنه لو اشترى لغيره بثمن في ذمة الغير بطل أيضا، ومحل البطلان فيما ذكره كأصله إذا لم يوافق البائع المشتري على وكالته بالقدر المذكور وإلا فالجارية باعتراف البائع ملك للموكل فينبغي أن يأتي فيه التلطف الآتي نبه عليه البلقيني (٥).
"وإن كذبه البائع" فيما قال بأن قال لست وكيلا في الشراء المذكور "وحلف" (٦) أي على نفي العلم بالوكالة "فيحكم بالصحة" للشراء "ظاهرا للوكيل
стр. 2491
ويسلم له" أي للبائع "الوكيل الثمن المعين ويرد للموكل مثل ماله" الذي سلمه للبائع وحذف من كلام أصله ما قدرته بعد وحلف لقول الإسنوي كيف يستقيم (١) الحلف على نفي العلم والحلف إنما يكون على حسب الجواب، وهو إنما أجاب بالبت وكيف يصح أيضا الاقتصار على تحليفه على نفي الوكالة مع أنه لو أنكرها واعترف بأن المال لغيره كان كافيا في إبطال البيع فينبغي الحلف عليهما كما يجيب بهما بل يكفي الحلف على المال وحده لما ذكرنا لكن أجيب عن الأول بأن الإثبات إذا استلزم النفي جاز أن يحلف على نفي العلم، وهو هنا كذلك (٢)، وفيه نظر والأولى أن يجاب بأن تحليفه على البت يستلزم محذورا، وهو تحليفه على البت في فعل الغير؛ لأن معنى قوله لست وكيلا فيما ذكر أن غيرك لم يوكلك وأجيب عن الثاني بأنه إنما حلف على نفي العلم بالوكالة خاصة؛ لأنها على خلاف الأصل والمال للوكيل بمقتضى الأصل، وهو ثبوت يده عليه فلم تقبل دعواه أنه للغير بما يبطل به حق البائع.
"وإن كان" الشراء له "في الذمة ولم يسمه" الوكيل في العقد "بل نواه، وقع له" أي للوكيل "ظاهرا" وظاهر أنه لو صدقه البائع بطل الشراء كنظيره الآتي وكأنهم سكتوا عنه؛ لأنه الغالب (٣) أنه إذا لم يسم الموكل فلا يتصور معه
стр. 2492
ذلك، "وإن سماه فإن صدقه البائع" في تسميته "بطل" (١) الشراء لاتفاقهما على أنه للغير، وقد ثبت بيمين ذلك الغير أنه لم يأذن فيه بالثمن المذكور. "وإلا" أي، وإن لم يصدقه البائع بل كذبه بأن قال أنت مبطل في تسميته أو سكت عن التصديق والتكذيب "وقع" الشراء "له" أي للوكيل "ظاهرا ثم إن كان الوكيل صادقا فالملك للموكل باطنا" وللوكيل عليه الثمن "أو" كان "كاذبا والشراء في الذمة فالملك له أو بالعين فللبائع" الملك.
"ويستحب للحاكم" حيث حكم بالشراء للوكيل "أن يرفق بالموكل" أي يتلطف به "فيبيعها" أي الجارية "منه" أي من الوكيل "بالعشرين" فإذا قبل البيع ملكها ظاهرا وباطنا كذا في الأصل وحذفه المصنف لما قيل إنه إنما يملكها ظاهرا فقط؛ لأنه بتقدير كذب الوكيل فالجارية ليست له لا ظاهرا ولا باطنا بل للبائع فيحتاج فيه الحاكم إلى تلطفه بالبائع أيضا، وكذا فيما لو اشترى الوكيل بعين مال الموكل وكذبه البائع؛ لأنه إن كان صادقا في أنه وكله بعشرين فالملك للموكل، وإلا فللبائع "ولا يكون" بيع الموكل المذكور "إقرارا" بما قاله الوكيل ولو أخر هذا عما بعده كما فعل الأصل لشمله أيضا لكن حكمه مفهوم من الأول بالأولى "ولو قال الموكل إن كنت أذنت لك" في شرائها "بعشرين فقد بعتكها بعشرين" فقال الوكيل قبلت "صح" الشراء "واحتمل" هذا التعليق في المبيع "للضرورة" (٢)؛ ولأن التعليق بذلك من مقتضيات العقد فهو كقوله بعتك إن كان ملكي ويفارق عدم صحة النكاح فيما لو بشر بولد فقال إن كان أنثى فقد
стр. 2493
زوجتكها، باختصاص النكاح بمزيد احتياط وبأنه نزع عرقا من العبادة.
"فلو امتنع" الموكل من الإجابة أو لم يرفق به الحاكم فقد ظفر الوكيل بغير جنس حقه، وهو الجارية "فله بيعها" بنفسه أو بالحاكم "وأخذ حقه من ثمنها (١)، وكذا إن اشترى جارية، وقال الموكل" إنما "أمرت بغيرها" فيأتي فيها ما تقرر.
"فرع" لو "باع" الوكيل "مؤجلا" وزعم أن الموكل أذن له فيه فأنكره الموكل صدق؛ لأن الأصل عدمه كما مر "و" إذا "حلف الموكل" أنه "ما أذن له وحلف المشتري"، وقد أنكر الوكالة أنه "ما علمه وكيلا (٢)، أو" لم يحلف لكن "نكل الموكل عن" اليمين "المردودة" عليه من المشتري "قرر البيع" للمشتري فإن حلف الموكل حكم ببطلان البيع كما صرح به الأصل (٣) "و" إذا قرر البيع فيما ذكر "غرم الوكيل للموكل القيمة" عبارة الأصل قيمة المبيع أو مثله إن كان مثليا "وعند الحلول" للأجل إذا لم يرجع الوكيل عن قول الأول "يطالب" المشتري "بالثمن" فلا يطالبه قبله مؤاخذة له بمقتضى تصرفه "ويستوفي منه" أي من الثمن "ما غرم" للموكل "فإن زاد" الثمن على ما غرم "فهو مقر بالزائد لمن لا يدعيه"، وهو الموكل "وسيأتي حكمه" في الإقرار.
"وإن رجع الوكيل" عن قوله الأول "وصدق الموكل لم يأخذ من المشتري إلا أقل الأمرين من الثمن والقيمة"؛ لأنه إن كان الثمن أقل فهو موجب عقده فلا يقبل رجوعه فيما يلزم فيه زيادة على الغير أو القيمة أقل، وهي ما غرمه فلا يرجع إلا بما غرم؛ لأنه قد اعترف آخرا بفساد العقد.
"وإن اعترف المشتري بالوكالة وصدق الموكل" في دعواه أنه ما أذن في البيع مؤجلا "أو كذبه وحلف الموكل حكم ببطلان العقد" فعلى المشتري رد المبيع
стр. 2494
فإن تلف فالموكل بالخيار إن شاء غرم الوكيل لتعديه، وإن شاء غرم المشتري، وقرار الضمان عليه لحصول التلف في يده ويرجع بالثمن الذي دفعه على الوكيل، وإن نكل الموكل حلف المشتري وبقي العقد له صرح بذلك الأصل (١).
"فصل" لو "ادعى الوكيل التصرف" كما أذن الموكل وأنكر الموكل تصرفه "فالقول بعد عزله قول الموكل" بيمينه "وكذا قبله"؛ لأن الأصل عدم التصرف (٢)؛ ولأن الوكيل في الأولى غير مالك للتصرف.
"وإن اتفقا على التصرف" ولكن "قال" الموكل "عزلتك قبله"، وقال الوكيل بل بعده "فكدعوى" المطلق زوجته رجعيا "أنه راجع قبل البينونة" أي قبل انقضاء عدتها "وهي تنكرها" أي تنكر المراجعة قبل انقضاء عدتها وفي نسخة، وقالت بعدها فيقال إن اتفقا على وقت العزل كيوم الجمعة، وقال الوكيل بعت قبله فقال الموكل بعده صدق الموكل في أنه لا يعلم أن البيع قبل، وإن اتفقا على وقت البيع واختلفا في العزل فالمصدق الوكيل، وإن لم يتفقا على شيء بل اقتصرا على تقديم البيع وتأخيره عن العزل صدق من سبق بالدعوى، ولو وقع كلامهما معا صدق الموكل واستشكل ذلك بتصديق المرتهن (٣) فيما لو أذن للراهن في بيع الرهن فباع ورجع المرتهن عن الإذن واختلفا فقال المرتهن رجعت قبل البيع، وقال الراهن بل بعده ويجاب بأن الوكيل وضعه التصرف من حيث الوكالة فقوي جانبه فصدق في بعض الأحوال بخلاف الراهن من حيث الرهنية ليس وضعه ذلك بل وضعه وفاء الدين من الرهن أو غيره وما قيل من أن مسألتنا ليست شبيهة بمسألة الرجعة؛ لأن تلك مقيدة بما إذا لم تتزوج بزوج آخر، وهنا حصل التصرف وتعلق الحق بثالث لا يؤثر؛ لأن الكلام في الموكل مع الوكيل لا فيه مع المشتري.
"وإن قال الموكل بعت على" بمعنى من "زيد فأنكر الوكيل" البيع "وصدق زيد الموكل حكم بالبيع" منه "وإن كذبه فالقول قوله" أي زيد.
стр. 2495
"فرع: قول الوكيل (١) ولو بجعل (٢) مقبول" بيمينه "في" دعوى "التلف (٣) ورد المعوض والعوض (٤) على الموكل"؛ لأنه أمينه كما مر في الحكم الثاني؛ ولأنه إن كان بلا جعل فقد أخذ المال لمحض غرض المالك كالمودع أو بجعل فلانة إنما أخذ العين لمنفعة المالك وانتفاعه هو إنما هو بالعمل فيها لا بها نفسها "و" في دعوى الرد "على رسوله" بل القول قول رسوله بيمينه ولا يلزم الموكل تصديق الوكيل (٥)؛ لأنه يدعي الرد على من لم يأتمنه فعليه البينة.
"فصل" لو "قال الوكيل في قبض الدين قبضته وتلف" في يدي أو دفعته إلى موكلي "فكذبه" الموكل "حلف الموكل على نفي العلم" بقبض الوكيل؛ لأن الأصل بقاء حقه "و" إذا حلف "طالب الغريم" بالدين "ولا رجوع للغريم على الوكيل" لاعترافه بأنه مظلوم.
"ولو باع الوكيل وادعى قبض الثمن وتلف" في يده أو دفعه إلى موكله كما
стр. 2496
صرح به أصله فكذبه الموكل "فإن كان" اختلافهما "قبل تسليم المبيع صدق الموكل" بيمينه كما في التي قبلها "أو بعده والثمن حال صدق الوكيل؛ لأن الموكل يدعي خيانته (١) بالتسليم" للمبيع "قبل القبض" والأصل عدمها فأشبه ما لو قال طالبتك برد المال فامتنعت مقصرا إلى أن تلف، وقال الوكيل لم تطالبني أو لم أقصر "بخلاف ما إذا أذن له في إقباضه" للمبيع "قبل" أي قبل قبض الثمن "أو كان الثمن مؤجلا وأذن له في قبضه" بعد الأجل فالمصدق الموكل لعدم خيانة الوكيل بالتسليم حينئذ "فإذا" وفي نسخة فإن "حلف" فيما صدق فيه "ففي براءة المشتري" من الثمن "وجهان" أصحهما عند الإمام نعم؛ لأنا قبلنا قول الوكيل في قبض الثمن فكيف نوجبه ونقله ابن الرفعة عن القاضي قال، وهو ما حكاه البندنيجي عن ابن سريج وصححه الغزالي في "بسيطه" (٢)، وأصحهما عند البغوي (٣): لا؛ لأن الأصل عدم القبض، وإنما قبلنا قول الوكيل في حقه لائتمانه إياه وعلى نقل هذا اقتصر الرافعي في "الشرح الصغير".
"فإن خرج" المبيع "مستحقا رجع" المشتري بالثمن "على الوكيل"؛ لأنه دفعه إليه "فقط" أي دون الموكل لإنكاره قبض الثمن وبهذا فارق ما مر في العهدة (٤) من أن للمشتري مطالبة كل من الوكيل والموكل بالثمن عند خروج المبيع مستحقا فسقط ما قيل إن ما هنا يخالف ما هناك. "ولا رجوع للوكيل على الموكل؛ لأن بيمينه" التي دفعت عنه الغرم "لا تثبت له حقا على غيره، وإن بان" المبيع "معيبا ورده المشتري على الموكل وغرمه" الثمن "لم يرجع" به "على
стр. 2497
الوكيل"؛ لاعترافه بأنه لم يأخذ شيئا "وكذا عكسه" بأن رده على الوكيل وغرمه لا يرجع على الموكل، والقول قوله بيمينه أنه لم يأخذ منه شيئا ولا يلزم من تصديقنا الوكيل في الدفع عن نفسه بيمينه (١) أن نثبت له بها حقا على غيره كما مر وظاهر كلامه أن ما ذكر في مسألتي الاستحقاق والرد بالعيب جار على الوجهين السابقين، وهو ظاهر لاتحاد الحكم، وهو عدم الرجوع عليهما، وإن لم يكن للمشتري في الثانية تغريم على الثاني وفي نسخة، وإن قلنا ببراءة المشتري وبأن معيبا إلى آخره وكذا ذكره الأصل لكن قدمه على المسألتين معا، وقدم منهما الثانية. والوجه في الأولى أنه لا يختص تفريعها بالأول وأما الثانية فيصح اختصاص تفريعها به نظرا لجواز التغريم عليه لا على الثاني لكن التغريم ليس هو الحكم المطلوب.
"وإن قال الموكل" للوكيل "قبضت الثمن" فادفعه لي فأنكر "فالقول قول الوكيل" بيمينه؛ لأن الأصل عدم قبضه "وليس للموكل مطالبة المشتري لاعترافه بقبض وكيله لكن إن تعدى الوكيل بتسليم المبيع قبل قبض الثمن غرمه" الموكل قيمة المبيع للحيلولة فلا يشكل بكون القيمة قد تكون أكثر من الثمن الذي لا يستحق غيره.
"فصل" لو "وكله في قضاء دينه" بمال دفعه له "فقضاه في غيبته" بدعواه "فأنكر الغريم" صدق الغريم بيمينه؛ لأنه لم يأتمن الوكيل حتى يلزمه تصديقه؛ ولأن الأصل عدم الدفع، وإذا حلف طالب الموكل بحقه لا الوكيل، وإذا أخذ منه "ضمن" الوكيل "للموكل"، وإن صدقه الموكل في القضاء "إذا لم يشهد" به لتقصيره بترك الإشهاد "لا إن دفع" الوكيل "بحضرته" فلا يضمن له شيئا لنسبة التقصير حينئذ إلى الموكل "والقول" فيما إذا اختلفا في أنه دفع بحضرته "قول الموكل" بيمينه في "أنه لم يحضر"؛ لأن الأصل عدم الحضرة.
стр. 2498
"وإن أشهد" الوكيل شهودا "وغابوا" أو ماتوا أو جنوا (١) أو أشهد واحدا أو مستورين فبان فسقهم "فعلى ما سبق في رجوع الضامن" على الأصيل قال المتولي والقول قوله في الإشهاد (٢)، أما إذا صدقه الغريم فلا ضمان على الوكيل "ولو ادعى ولي اليتيم" ـ ولو حاكما كما صرح به القاضي أبو الطيب (٣) ـ "رد ماله إليه بعد البلوغ لم يقبل إلا ببينة" لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]؛ ولأن الأصل عدم الدفع، وهو لم يأتمنه حتى يلزمه تصديقه وتعبيره بما قاله (٤) أولى من تعبير أصله بقيم اليتيم والوصي لسلامته من إيهام أن الجد يقبل قوله بلا بينة وليس كذلك والأب مع ولده كذلك والسفيه والمجنون كاليتيم والرشد والإفاقة كالبلوغ. "ولو امتنع من يقبل قوله في الرد" كالمودع والوكيل ولو بجعل "من التسليم" أي تسليم المال لمالكه "إلا بالإشهاد" عليه بالرد "لم يلزمه ذلك" (٥)؛ لأن قوله مقبول في الرد "وللغاصب، و" كل "من لم يقبل قوله" في الرد كالمستعير والمدين "الامتناع" من التسليم حتى يشهد المالك على نفسه بالرد؛ لأنه يحتاج إلى بينة بالرد قال في الأصل هذا إن كان عليه بينة بالأخذ، وإلا فوجهان صحح البغوي الامتناع (٦)، وقطع العراقيون بعدمه (٧)؛ لأنه يمكنه أن يقول ليس له عندي شيء ويحلف عليه انتهى وبالأول قال المراوزة والماوردي مع أنه عراقي وعليه جرى المصنف كالمنهاج وأصله فالترجيح من زيادته واستشكل جواز التأخير للغاصب بوجوب التوبة على الفور، وهي متوقفة على الرد وأجيب بأنه زمن يسير فاغتفر لما يترتب عليه من المصلحة.
стр. 2499
"فصل: من عليه دين أو في يده عين لغيره يلزمه تسليمها" الأولى تسليمه أي أحدهما أو تسليمهما "لمن صدقه" في دعواه "بأنه وارث" (١) للمستحق ولا وارث له غيره (٢) "أو محتال" منه "أو وصي" له "أو موصى له" منه فليس له أن يطلب منه بينة لاعترافه بانتقال الحق إليه فلا يمنعه حقه "لا إن أنكر" ذلك، الأولى لا إن لم يصدقه فلا يلزمه التسليم بلا بينة "ولا يلزمه التسليم للوكيل حتى يقيم بينة" بوكالته، وإن صدقه عليها لاحتمال إنكار المستحق لها "لكن يجوز" له أن يسلمه "إن صدقه" عليها، وهذا مسلم في الدين؛ لأنه سلم ملكه أما في العين فلا لما فيه من التصرف (٣) في ملك الغير بغير إذنه "فإن سلم إليه" الحق "وأنكر" المستحق "وكالته فإن كان عينا" وبقيت أخذها أو أخذها الدافع وسلمها إليه. "و" إن "تلفت طالب بها" أي ببدلها "من شاء" منهما "ثم لا يرجع أحدهما على الآخر" به إذا غرمه "لاعترافهما أن الظالم غيرهما" فلا يرجع إلا على ظالمه "إلا إن قصر القابض" لها "فتلفت وغرم" المستحق "الدافع" لها "فإنه" أي الدافع "يرجع عليه" أي على القابض؛ لأنه وكيل عنده والوكيل يضمن بالتقصير والمستحق ظلمه بأخذ القيمة منه وماله في ذمة القابض فيستوفيه بحقه وزاد صاحب الأنوار في الاستثناء فقال إلا أن شرط الضمان على القابض لو أنكر المالك أو تلف بتفريط القابض فيرجع الدافع حينئذ. "وإن كان" الحق "دينا لم يطالب" به المستحق "إلا غريمه" فلا يطالب القابض (٤)؛ لأنه فضولي بزعمه والمقبوض ليس حقه، وإنما هو مال المديون "فإن ألزم" الغريم "تسليمه" للمستحق "ثانيا" عبارة الأصل، وإذا غرمه "فله استرداده من القابض" له إن بقي وصار للمستحق في زعمه "لأنه مال من ظلمه"، وقد ظفر به "فإن تلف" فإن كان "بلا تفريط" منه "لم يغرمه"، وإلا غرمه "هذا" كله "إن
стр. 2500
صرح بتصديقه" في دعواه الوكالة كما هو فرض المسألة "وإلا" أي، وإن لم يصرح بتصديقه بل كذبه أو سكت "فله المطالبة" أي مطالبته "والرجوع" عليه بما قبضه منه دينا كان أو عينا "وإن بان المستحق" في صورة الوارث والوصي والموصى له "حيا وطالبه" أي الغريم عبارة الأصل وغرمه "رجع" الغريم "على الوارث والوصي والموصى له" بما دفعه إليهم لتبين كذبهم بخلاف صورة الوكالة لا رجوع فيها في بعض صورها كما مر؛ لأنه صدقه على الوكالة، وإنكار المستحق لا يرفع تصديقه وصدق الوكيل لاحتمال أنه وكله ثم جحد، وهنا بخلافه، قاله الرافعي وكالوكالة في ذلك الحوالة (١). كما ذكره بقوله "وجحد المحيل الحوالة كجحد الموكل الوكالة" لا يخفى أن الدافع مصدق للقابض (٢) على أن ما قبضه صار له بالحوالة وأن المستحق ظلمه فيما أخذه منه فينبغي أن لا يرجع على القابض فتخالف الحوالة الوكالة في ذلك وأن قوله أولا وطالبه، وقول أصله وغرمه ليسا على إطلاقهما، وإن كان تعبير المصنف أولى بل ينبغي أن يكون محلهما في العين، وإن تلف أما في الدين فينبغي رجوع الغريم على من ذكر، وإن لم يطالبه المستحق ولم يغرمه؛ لأن المقبوض ملكه.
"فصل: وإن صرح الوكيل بجحود الوكالة أو القبض" من الموكل أو الغريم فأقام الموكل عليه بينة بما يخالف جحوده "ثم ادعى الرد مطلقا" عن تقييده بقبل الجحود "أو التلف قبل الجحود لم يصدق" لمصيره خائنا "بخلاف قوله لا حق لك علي ونحوه" كقوله ما لك عندي شيء أو لا يلزمني تسليم شيء إليك فيصدق بيمينه في دعوى الرد والتلف وتسمع بينته كما يفهم بالأولى مما يأتي إذ لا تناقض بين كلاميه.
"فلو أقام المصرح" بجحود ما ذكر "بينة" بما ادعاه "سمعت"؛ لأنه لو صدقه المدعي لسقط عنه الضمان فكذا إذا قامت البينة عليه "ولو ادعى بعد الجحود التلف" (٣) الأولى قول أصله التلف بعد الجحود "صدق بيمينه لئلا يتخلد في
стр. 2501
الحبس" ولتنقطع عنه المطالبة برد العين لكن يلزمه الضمان لخيانته كما إذا ادعى الغاصب التلف وما علل به هو من زيادته وما عللت به هو ما في الأصل، وإن كان الأول لازما للثاني.
"فرع: لا تسمع دعوى الخيانة حتى يبينها" (١) بأن يبين ما خان به كأن يقول بعت بعشرة وما دفعت إلا خمسة.
"فصل: ولو صدق الموكل" بقبض دين أو استرداد وديعة أو نحوه "مدعي التسليم إلى وكيله المنكر" لذلك "لم يغرمه" أي الموكل مدعي التسليم "بتركه الإشهاد" ويفارق ما لو ترك الوكيل بقضاء الدين الإشهاد حيث يغرمه الموكل بأن الوكيل يلزمه الاحتياط (٢) للموكل فإذا تركه غرم بخلاف الغريم "ويجوز عقد البيع والنكاح" ونحوهما "بالمصادفة على الوكالة" (٣) به "ثم" بعد العقد "إن كذب الوكيل نفسه" بأن قال لم أكن مأذونا فيه "لم يؤثر، وإن وافقه
стр. 2502
المشتري" في مسألة البيع على التكذيب؛ لأن فيه حقا للموكل "إلا إن أقام" المشتري "بينة بإقراره بأنه لم يكن مأذونا" له في ذلك العقد فيؤثر فيه كالمشتري في ذلك كل من وقع العقد له.
стр. 2503
كتاب الإقرار
هو لغة: الإثبات من قر الشيء يقر قرارا إذا ثبت وشرعا: إخبار عن حق سابق (١). ويسمى اعترافا أيضا والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار، وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]، وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي فليقر بالحق دل أوله على صحة إقرار الرشيد على نفسه وآخره على صحة إقرار الولي على موليه، وخبر الصحيحين: "اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٢) والقياس لأنا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار فلأن نقبل الإقرار أولى (٣).
стр. 2504
"وفيه أربعة أبواب: الأول في أركانه، وهي أربعة:
الأول: المقر (١)
"ولا يصح إقرار صبي وزائل العقل بعذر" كشرب دواء، وإكراه على شرب خمر، وإغماء؛ لأن عبارتهما ملغاة "وسنذكر السكران" أي حكمه "في" كتاب "الطلاق".
"تنبيه" من قدر على الإنشاء قدر على الإقرار ومن لا فلا كما أشار إليه
стр. 2505
الأصل، ويستثنى من الأول إقرار الوكيل بالتصرف إذا أنكره الموكل (١) فلا ينفذ، وإن أمكنه إنشاؤه (٢)، ومن الثاني إقرار المرأة بالنكاح والمجهول بحريته أو رقه وبنسبه والمفلس ببيع الأعيان والأعمى بالبيع ونحوه والوارث بدين على مورثه والمريض بأنه كان وهب وارثه وأقبضه في الصحة (٣)، فكل هؤلاء يصح إقرارهم بما ذكر ولا يمكنهم إنشاؤه وسيأتي بعض ذلك في كلامه قال ابن عبد السلام قولهم من ملك الإنشاء ملك الإقرار هو في الظاهر أما في الباطن فبالعكس أي؛ لأنه إذا ملكه باطنا فهو ملكه وليس له أن يقر به لغيره.
"ويصدق" الشخص "في دعوى البلوغ بالاحتلام" (٤) الممكن في الذكر وغيره "أو الحيض الممكن" في الأنثى "بلا يمين" فيهما، وإن فرض ذلك في خصومه؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته فأشبه ما لو علق العتق بمشيئة غيره (٥)، فقال شئت ونوزع في أنه إنما شاء غير العتق صدق بلا يمين؛ ولأنه إن كان صادقا فلا حاجة إلى اليمين، وإلا فلا فائدة فيها؛ لأن يمين الصبي غير منعقدة.
"ولا يقبل" قوله في دعوى البلوغ "بالسن إلا ببينة ولو كان غريبا" (٦) لإمكانها ولو أطلق الإقرار بالبلوغ ولم يعين نوعا ففي تصديقه وجهان في فتاوى
стр. 2506
القاضي (١). قال الأذرعي والمختار استفساره (٢) "ولو طلب غاز سهمه" (٣) عن المقاتلة "وادعى البلوغ بالاحتلام حلف" (٤) وجوبا إن اتهم وأخذ السهم فإن لم يحلف لم يأخذ شيئا كما أفهمه كلامه هنا وصرح به كأصله في الدعاوى وحكى فيه أصله هنا وجهين بلا تصحيح واستشكل في المهمات تحليفه لاستحقاقه السهم بعدم تحليفه لثبوت البلوغ، وإن فرضت مخاصمة كما مر ويجاب بأن الكلام في الأولى (٥) في وجوب البلوغ في الحال وفي الثانية في وجوده فيما مضى؛ لأن صورتها أن تنازع الصبي بعد انقضاء الحرب في بلوغه حالة الحرب.
"وإقرار المفلس مقبول" فيما يصح منه إنشاؤه "كما سبق" في بابه وفي نسخة مقبول في النكاح، وهي الموافقة لكلام الأصل لكن الأولى أولى لشمولها غير
стр. 2507
النكاح كما سبق.
ثم "لا" إقرار "السفيه" فلا يصح بما لا يصح منه إنشاؤه كما سبق في الحجر "ويقبل إقرار السفيهة بالنكاح" (١) لمن صدقها كالرشيدة إذ لا أثر للسفه في النكاح من جانبها وسيأتي فيه في كتاب النكاح زيادة بيان ويفارق إقرار السفيهة إقرار السفيه بأن في إقرارها تحصيل مال وفي إقراره تفويت مال.
"و" يقبل إقرار "الرشيد بجنايته في الصغر" كما لو قامت بينة قال البلقيني (٢) وينبغي تقييده بما إذا لم يكن (٣) على وجه يسقط عن المحجور وعليه فإن كان كذلك كالمقترض والمبيع فلا ينبغي أن يؤاخذ به (٤) وتعبير المصنف بالجناية أعم من تعبير الروضة بإتلافه مالا.
"وإن أقر العبد بمال (٥) وكذبه" الأولى ولم يصدقه "السيد اختص" أي المال أي نفسه إن لم يكن عينا وبدله إن كان عينا ولو باقية "بذمته" يتبع به إذا عتق لا برقبته لعدم قدرته على الإنشاء؛ ولأنه متهم "إلا" إن كان مأذونا له وأقر "بدين معاملة (٦) وصرح بها المأذون" له "قبل الحجر" عليه فلا يختص بذمته بل يؤديه من كسبه وما في يده كما مر في بابه فشمل المستثنى منه إقرار غير المأذون له ولو بدين معاملة، وإقرار المأذون له بما لا تتعلق بها كالقرض (٧)، وإقراره المطلق بأن أقر بدين لم يعين جهته، وإقراره بعد الحجر عليه بدين معاملة
стр. 2508
أضافه إلى ما قبله فما أقر به فيها مختص بذمته فلا يقبل شيء منها في حق سيده، وإنما قبل إقرار المفلس في حق الغرماء بدين وجب قبل الحجر كما مر؛ لأنه ثم يقضى من ماله ويطالب به أيضا بعد فك الحجر، وهو حاصل قطعا عن قرب بخلاف العبد (١) وما ذكر في الإقرار المطلق محله كما قال الإسنوي وغيره (٢) إذا تعذرت مراجعته، وإلا فليراجع لقبول إقراره كنظيره من المفلس (٣)، أما إذا صدقه السيد (٤) فإقراره مقبول على سيده إلا إذا كان غير مأذون له وأقر بدين معاملة فيتعلق بذمته لتقصير معاملة (٥)، "وإقرار العبد بموجب الحد" بكسر الجيم كزنا وشرب خمر "و" موجب "القصاص" كقتل، وقطع طرف "مقبول" منه لبعده عن التهمة في ذلك فإن كل نفس مجبولة على حب الحياة والاحتراز عن الآلام؛ ولأن عليا ﵁ قطع عبدا بإقراره "والدعوى" تكون "عليه فيه" أي فيما يقبل إقراره به "وحيث" أي وما "لا يقبل إقراره" به كالمال المتعلق برقبته إذا صدقه السيد "فالدعوى" فيه "على السيد"؛ لأن الرقبة المتعلق بها المال حقه "إلا أن قال المدعي لي بينة فتسمع" الدعوى "عليهما" لانتفاء التهمة، وهذا ما نقله في الروضة هنا عن البغوي (٦)، والراجح أنها لا تسمع على العبد كما ذكره في الدعاوى نبه عليه الإسنوي وغيره سيأتي فيه ثم مزيد كلام.
"فلو" أقر بقصاص على نفسه ثم "عفا المقتص بمال تعلق" المال "برقبته،
стр. 2509
وإن كذبه السيد"؛ لأنه إنما أقر بالعقوبة والمال ثبت بالعفو واحتمال تهمة المواطأة أضعفته المخاطرة.
"وإذا أقر بسرقة توجب القطع قطع" كما مر "ولم ينزع المال" المسروق "من يده" ولا من يد سيده إن كان فيها كما فهم بالأولى وصرح به أصله "إلا بتصديق سيده" فينزع كما لو قامت بذلك بينة "فإن تلف وصدقه السيد بيع في الجناية" لتعلق المال برقبته كما لو قامت عليه بينة وله أن يختار فداءه "ولا يتبع بعد العتق" على الجديد "بما زاد" من المال "عن قيمته" إن زاد إذ لا يجتمع التعلق بالرقبة مع التعلق بالذمة أما إذا كذبه فلا يتعلق بالرقبة بل بالذمة يتبع به إذا عتق كما مر.
"ومن نصفه حر" (١) وأقر بدين إتلاف "يلزمه نصف ما أقر بإتلافه" ولا يقبل إقراره على سيده إلا أن يصدقه فيتعلق نصف ما أقر به بجزئه الرقيق، وإن أقر بدين معاملة فحيث صح تصرفه قبل إقراره عليه وقضي مما في يده، وإلا فإقراره كإقرار العبد كما علم ذلك مما مر. وصرح به الأصل والظاهر أن ما لزم ذمته في نصفه الرقيق (٢) لا يجب تأخير المطالبة به إلى العتق؛ لأنها إنما أخرت في كامل الرق لعدم ملكه والمبعض يملك.
"فرع: لا يقبل إقراره على عبده بموجب عقوبة" (٣) بكسر الجيم كقتل، وقطع طرف وزنا "ودين معاملة ويقبل" إقراره عليه "بدين جناية ويتعلق برقبته" فلو بيع فيه وبقي شيء لم يطالب به بعد العتق، وإن صدقه، وقول
стр. 2510
الأصل أنه يطالب به إن صدقه إنما يأتي على القديم المشار إليه فيما مر قبل الفرع.
"وإقرار العبد بعد العتق بإتلاف" لمال لغيره "قبله يلزمه" به المال لا سيده "و" لو ثبت "بالبينة" أنه كان جنى "يلزم السيد الأقل من قيمته، والأرش والدعوى" على العبد "بما يتعلق بذمة العبد" كدين معاملة "كالدعوى بالمؤجل" فلا تسمع وجعل في الروضة التشبيه في عدم سماع بينته وكل صحيح؛ لأن عدم المطالبة في الحال يمنع من سماع كل منهما كما سيأتي بيانه.
"فرع: يقبل إقرار المريض" مرض الموت بالنكاح وموجب العقوبات وبالدين والعين "للأجنبي" كالصحيح "ويساوي" إقراره "البينة" في القبول "وكذا" يقبل إقراره "للوارث" (١) ويساوي البينة كالصحيح؛ ولأن الظاهر أنه محق (٢) ولا يقصد حرمان بعض الورثة فإنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكذوب ويتوب فيها الفاجر، والتصريح بذكره مساواة إقراره للبينة في الأجنبي من زيادته "ولو" كان إقراره له "بهبة مقبوضة" له "في الصحة" (٣) فإنه يصح لتحصيل البراءة بتقدير صدقه،
стр. 2511
ويصح إقراره أيضا بهبة مقبوضة في المرض لكنه يتوقف على إجازة بقية الورثة كما سيعلم في الوصية.
"ولا يقدم" فيما لو أقر في صحته بدين لإنسان وفي مرضه بدين لآخر "إقرار الصحة" على إقرار المرض بل يتساويان كما لو ثبتا بالبينة وكما لو أقر بهما في الصحة أو المرض "بل لو أقر الوارث" على المورث بعد موته بدين لآخر أو أقر بدين عليه لإنسان ثم بدين لآخر "أو حدث ضمان" لإنسان عليه "من حفر تعدى به حيا شارك صاحبه" أي كل من الدين والضمان "الغرماء"؛ لأن الحفر فعل المريض، وإقرار وارثه كإقراره فكأنه أقر بالدينين سواء كان الأول مستغرقا أم لا قال البلقيني ولو أقر الوارث لمشاركه (١) في الإرث، وهما مستغرقان كزوجة وابن أقر لها بدين على أبيه، وهي مصدقة له ضاربت بسبعة أثمان الدين مع أصحاب الديون؛ لأن الإقرار صدر ممن عبارته نافذة في سبعة أثمان فعملت عبارته فيها كعمل عبارة الحائز في الكل.
"وإن صدق الوارث" فيما لو ادعى إنسان أن المورث أوصى له بثلث ماله مثلا وآخر بأن له عليه دينا يستغرق التركة "مدعي الوصية ثم مدعي الدين المستغرق أو بالعكس" بأن صدق مدعي الدين ثم مدعي الوصية "أو صدقهما معا قدم الدين" على الوصية كما لو ثبتا بالبينة، والتصريح بالترجيح في الأولى من زيادته.
"وإن أقر المريض" لإنسان "بدين" ولو مستغرقا "ثم" لآخر "بعين قدم صاحبها" كعكسه المصرح به في الأصل؛ ولأن الإقرار بالدين لا يتضمن حجرا في العين بدليل نفوذ تصرفه فيها قال في المهمات، وهذا يشعر بنفوذ التبرعات من المريض الذي عليه دين مستغرق وليس كذلك فقد صرح بعدم النفوذ في كتاب الوصية وحينئذ فيحمل ما هنا على ما لا تبرع فيه (٢). نعم لو قضى في مرضه ديون بعض الغرماء لم يزاحمه غيره، وإن لم يوف المال بجميع الديون كما سيأتي في الوصية "أو" أقر "بإعتاق أخيه في الصحة عتق وورث" إن لم يحجبه غيره بناء على صحة الإقرار للوارث، وهو الأصح "أو" أقر "بإعتاق عبد في الصحة وعليه بدين
стр. 2512
مستغرق" لتركته "عتق"؛ لأن الإقرار إخبار لا تبرع.
"ولا يصح إقرار المكره" بما أكره عليه لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] جعل الإكراه مسقطا لحكم الكفر فبالأولى ما عداه وصورة إقراره أن يضرب ليقر "فلو ضرب ليصدق" في القضية "فأقر" حال الضرب أو بعده "لزمه" ما أقر به؛ لأنه ليس مكرها إذ المكره من أكره على شيء واحد، وهنا إنما ضرب ليصدق ولا ينحصر الصدق في الإقرار "و" لكن "يكره إلزامه حتى يراجع ويقر ثانيا" نقل في الروضة ذلك عن الماوردي ثم قال، وقبول إقراره حال الضرب (١) مشكل؛ لأنه قريب من المكره ولكنه ليس مكرها وعلله بما قدمته ثم قال، وقبول إقراره بعد الضرب فيه نظر إن غلب على ظنه إعادة الضرب إن لم يقر قال الزركشي والظاهر ما اختاره النووي من عدم قبول إقراره في الحالين، وهو الذي يجب اعتماده في هذه الأمصار مع ظلم الولاة وشدة جراءتهم على العقوبات، وسبقه إليه الأذرعي وبالغ فقال والصواب أن هذا إكراه (٢).
стр. 2513
الركن الثاني: المقر له
"الركن الثاني: المقر له وشرطه أهلية الاستحقاق" للمقر به (١) "فالإقرار للدابة" كأن قال لهذه الدابة أو لدابة فلان علي كذا "باطل" (٢) نعم لو أضافه إلى ممكن كالإقرار بمال من وصية ونحوها صح كما قاله الماوردي قال الزركشي كالأذرعي ومحل البطلان في المملوكة أما لو أقر لخيل مسبلة فالأشبه الصحة (٣)، كالإقرار لمقبرة ويحمل على أنه من غلة، وقف عليها أو وصية لها، وبه صرح الروياني (٤) واقتضى كلامه أنه لا خلاف فيه "فلو قال علي لمالكها" أي الدابة
стр. 2514
"بسببها ألف" مثلا "قبل" وحمل على أنه جنى عليها (١) أو اكتراها أو استعملها متعديا ويكون المقر به ملكا لمالكها حين الإقرار (٢)، فإن لم يقل لمالكها (٣) لم يلزم أن يكون المقر به لمالكها في الحال ولا لمالكها مطلقا بأن كانت بيده فأتلفت لإنسان شيئا بل يسأل ويحكم بموجب بيانه، وتعبير الأصل بقوله لفلان علي ألف بسببها أعم من تعبير المصنف بما ذكر.
"والإقرار للعبد إقرار للسيد" (٤) حملا على أنه جنى عليه أو اكتراه أو استعمله متعديا والإضافة إليه كالإضافة في الهبة وسائر الإنشاءات قال البلقيني، وقضية قواعد المذهب (٥)، وهو الصواب أنه لا يصرف لسيده ما أقر به له إلا إذا تحقق استناده إلى أمر في حال رق ذلك السيد فقد يكون ثبت له عليه في حال حريته وكفره ثم استرق فلا يسقط كما سيأتي في السير فكيف يصرف لسيده وكذا لو كان بمعاملة أو جناية عليه في حال رق غيره قال الزركشي كالأذرعي ولو رد القن الإقرار (٦) وكان مأذونا له ارتد، وإلا فلا على ظاهر المذهب
стр. 2515
قال ويستثنى مما قالوه المكاتب فيكون الإقرار له والموصى بمنفعته فيكون للموصى له (١) والموقوف فيكون للموقوف عليه وأما المبعض فالظاهر أن المقر به له بينه وبين سيده بنسبتي الرق والحرية إلا أن يكون بينهما مهايأة فيختص بذي النوبة إلا أن يتحقق ما يقتضي خلافه.
"وإن أقر لحمل" بشيء "وأسنده إلى إرث أو وصية" أو غيرهما مما يمكن في حقه "لزمه"؛ لأن ما أسنده إليه ممكن "وكذا" يلزمه "إذا أطلق" (٢) أي لم يسنده إلى شيء حملا على الجهة الممكنة في حقه "لا إن أسنده إلى جهة باطلة كالبيع" والإقراض كقوله باعني به شيئا أو أقرضنيه (٣) فلا يلزمه؛ لأنا نقطع بكذبه، وهذا ما جزم به في أصل المنهاج (٤) وصححه في الروضة قال وبه قطع في المحرر والذي في الشرحين فيه طريقان أصحهما القطع بالصحة (٥)، والثاني على القولين في تعقيب الإقرار بما يرفعه قال الأذرعي وطريقة التخريج جزم بها أكثر العراقيين وطريقة القطع بالصحة ذكرها المراوزة وما صححه النووي ممنوع، ولم أر من قطع بإلغاء الإقرار وما عزاه للمحرر بناه على ما فهمه من قول المحرر، وإن أسنده إلى جهة لا تمكن فلغو من أنه أراد فالإقرار لغو وليس كذلك بل مراده فالإسناد لغو بقرينة كلام الشرحين وذكر مثله صاحب الأنوار والزركشي (٦)
стр. 2516
وهو حسن. وإذا صح الإقرار له فيما ذكر "فإن انفصل ميتا فلا حق له في الوصية والإرث" وغيرهما مما أسند إليه "ويكون" المقر به فيما إذا أسنده إلى ذلك "للورثة" أي ورثة المورث أو الموصي أو لغيرهم مما أسند إليه، وإن أطلقه فسيأتي بيانه "أو" انفصل "حيا لدون ستة أشهر من وقت الإقرار استحق"؛ لأنا تيقنا وجوده يومئذ، وقولهم من وقت الإقرار (١) صوابه كما قال الإسنوي وغيره من حين سبب الاستحقاق (٢)؛ لأن وجود الحمل عند الإقرار مع عدمه عند السبب لا يفيد "وكذا لدون أربع سنين" صوابه لأربع سنين فأقل "إن لم تكن أمه فراشا" لزوج أو سيد؛ لأن الظاهر وجوده أو لا سبب يحال عليه بخلاف ما إذا كانت فراشا له (٣) لاحتمال حدوثه والأصل عدم الاستحقاق وبخلاف ما إذا انفصل لأكثر من أربع سنين لتيقن عدمه يومئذ "فإن ولدت أنثى" واحدة "وهو" أي المقر به "إرث من أب" لها مثلا "أعطيت النصف أو" ولدت "ذكرا" واحدا أو أكثر سواء أكان المقر به إرثا أو وصية "أو" ولدت أنثى واحدة أو أكثر والمقر به "وصية فالكل" للولد، وإن ولدت ذكرا وأنثى فهو بينهما بالسوية إن أسنده إلى وصية وأثلاثا إن أسنده إلى إرث واقتضت جهته ذلك فإن اقتضت التسوية كولدي أم سوي بينهما في الثلث. "وفي مطلق الإقرار بالمال" للحمل إذا انفصل ميتا لا يستحق شيئا بل "يستفهم" المقر عن الجهة ويحكم بمقتضاها قال في الأصل قال الإمام وليس لهذا الاستفهام طالب معين وكان القاضي يستفهم حسبة (٤) ليصل الحق إلى مستحقه.
"فإن مات" المقر "قبل البيان فكمن أقر لإنسان فرده" أي فيبطل كما صرح
стр. 2517
به البغوي وغيره أما إذا انفصل حيا للمدة المعتبرة فالكل له ذكرا كان أو أنثى، وإن انفصل ذكر وأنثى فهو لهما بالسوية أو حي وميت فالميت كالمعدوم وصرح به الأصل وصرح أيضا بأن الإقرار المسند إلى جهة باطلة إذا قلنا بصحته كالإقرار المطلق فيما ذكر "أو" مطلق الإقرار "بالإرث، وقد ولدت ذكرا وأنثى سئل" المقر "عن جهة الإرث" وحكم بمقتضاها قاله الإمام وابن الصباغ. وقال الشيخ أبو حامد يسوى بينهما نقل ذلك في الروضة فالتصريح بالترجيح من زيادة المصنف لكن قال الزركشي ما قاله أبو حامد هو المنصوص في الأم ولم يورد البغوي والفوراني سواه ووجهه الماوردي بأن الأصل التساوي حتى يعلم سبب التفاضل "فإن تعذر" سؤاله "سوي بينهما" (١).
"فرع: وإن أقر بحمل دابة" من أمة أو بهيمة "فإن أسنده إلى وصية" أو نحوها كوقف "صح وكذا إذا أطلق" أي لم يسنده إلى شيء "لا" إن أسنده "إلى جهة فاسدة" لما مر في الإقرار له ويأتي فيه ما مر ثم وعبارة الأصل، وإن أطلق أو أسند إلى جهة باطلة ففيه الخلاف المذكور والخلاف في مسألة الإطلاق قولان وفي مسألة الإسناد إلى فاسد طريقان فما قيل إن الشافعي نص في مسألة الإطلاق ثم على الصحة، وهنا على المنع لا يقتضي اختلاف التصحيح "وانفصاله" هنا "للإمكان على ما سبق" ثم "وسئل عن حمل البهيمة أهل الخبرة" به "ولو أقر" مع إقراره به لواحد "بالأم لآخر جاز" الإقراران.
"وإقراره لمسجد ومقبرة" ونحوهما كرباط "كإقراره لحمل إذ لهما غلة الوقف" ونحوها كالوصية وأفاد بالتعليل أن الإقرار لكنيسة أو بيعة باطل بكل حال قال الروياني ولو قال لهذا الميت علي كذا فظاهر كلام المختصر جواز الإقرار (٢) بتقدير كان له علي.
"فصل: يشترط" لصحة الإقرار "عدم تكذيب المقر له" المقر "فلو كذبه"
стр. 2518
فيه "بطل" في حقه "وترك" المقر به دينا كان أو عينا "مع المقر"؛ لأن يده تدل على الملك ظاهرا (١) والإقرار الطارئ عارضه التكذيب فسقط ومحل ذلك إذا كذبه في الأصل فلو قال له علي ألف من ثمن عبد فقال لا بل من ثمن أمة فالأصح لزومه ولا يضر التحالف في الجهة ثم إذا بطل إقراره بالتكذيب قال الزركشي ينبغي أن يجوز له جميع التصرفات خلا الوطء لاعترافه بتحريم ذلك عليه بل ينبغي أن يمتنع جميع التصرفات حتى يرجع. انتهى. والظاهر أنه إن كان ظانا (٢) أن المال للمقر له امتنع عليه التصرف، وإلا فلا.
"فإن" وفي نسخة فلو "صدقه" بعد تكذيبه "لم ينزع" ما أقر به من يده "إلا بإقرار جديد"؛ لأن نفيه عن نفسه بالمطابقة بخلاف المقر فإن نفيه له عن نفسه بالالتزام فكان أضعف والظاهر أن تكذيب وارث المقر له كتكذيبه (٣) حتى لو أقر لميت أو لمن مات بعد الإقرار فكذبه الوارث لم يصح أما في حق غيره فيصح كما لو أقر بجناية على المرهون وكذبه المالك فإنه، وإن لم يصح في حق المالك صح في حق المرتهن حتى يتوثق بأرشها.
"وينزع القاضي" من المقر "عينا أقر بها لمجهول" بأن قال بيدي مال لا أعرف مالكه ومراده أنه إقرار بمال ضائع فهو إقرار صحيح بخلاف ما سيأتي قريبا من أنه لو قال علي مال لرجل لا يكون إقرارا لفساد الصيغة ويحتمل أن يقال ما هنا في العين (٤) وما هناك في الدين كما يشير إليه كلامه كأصله ثم رأيت السبكي أجاب به.
стр. 2519
"ولو رجع المقر في حال إنكار المقر له" بل أو بعده "وقال كذبت" في الإقرار "أو غلطت" فيه "صح رجوعه" بناء على أن المال يترك بيده، وهذا لا حاجة إليه لما مر أنه بالتكذيب بطل الإقرار "ولو أقر له بعبد فرده" أي أنكره "لم يحكم بعتقه" (١)؛ لأنه محكوم برقه فلا يرفع إلا بيقين بخلاف اللقيط فإنه محكوم بحريته بالدار فإذا أقر ونفاه المقر له بقي على أصل الحرية "وإن أقر له بأحد العبدين وعينه فرده وعين الآخر لم يصدق" فيما عينه "إلا ببينة" وصار مكذبا للمقر فيما عينه له "أو أقر له بقصاص وحد قذف، وكذبه سقطا" وفي نسخة سقط أي كل منهما أو الإقرار في حقه "وكذا حد سرقة وفي المال ما مر" من أنه يترك بيد المقر "وإن أقرت" له امرأة "بالنكاح وأنكر سقط في حقه" قال المتولي حتى لو رجع بعد وادعى نكاحها لم تسمع إلا أن يدعي نكاحا مجددا وكأنه احتيج لهذا الاستثناء؛ لأنه يعتبر في صحة إقرار المرأة بالنكاح تصديق الزوج لها فاحتيط له بخلاف غيره.
"فرع" لو "أقام" من لزمه حق "بينة على إقرار غريمه بالاستيفاء" له "وأقام الغريم بينة على إقراره" الواقع "بعد ذلك" أي بعد إقامة بينته "بعدمه" أي الاستيفاء "سمعت" بينته "وطالبه"؛ لأنه، وإن قامت البينة على إقرار الغريم بالاستيفاء فقد قامت أيضا على أن صاحبه كذبه فيبطل حكم الإقرار ويبقى الحق على من لزمه.
"ولو قال علي مال لرجل من أهل البلد" أو نحوه من المجهولين كقوله علي مال لواحد من بني آدم "لم يصح" الإقرار بناء على أنه لو أقر بشيء لمعين فكذبه لم ينزع منه؛ ولأنه لا طالب له فيبقى بيده "فإن قال رجل أنا هو" أي المراد بالإقرار "لم يصدق" بل المصدق المقر بيمينه فعلم أنه يشترط أن يكون المقر له معينا نوع تعيين بحيث يتوقع منه الدعوى والطلب كقوله لأحد هؤلاء الثلاثة علي كذا.
стр. 2520
الركن الثالث: المقر به
"الركن الثالث: المقر به (١) ويشترط فيه أن لا يكون ملكا للمقر" حين يقر؛
стр. 2521
لأن الإقرار ليس إزالة ملك بل إخبار عن كونه ملكا للمقر له فيجب تقديم المخبر عنه على الخبر "فإن قال داري" أو داري هذه أو ثوبي "أو ثوبي هذا لزيد (١) لم يصح"؛ لأن الإضافة إليه تقتضي الملك (٢) له فينافي الإقرار به لغيره (٣)، إذ هو إخبار سابق عليه كما مر ويحمل كلامه على الوعد بالهبة ولو قال الدار التي اشتريتها لنفسي أو ورثتها من أبي ملك لزيد لم يصح أيضا إلا أن يريد الإقرار فيصح وكذا لو قال داري لفلان وأراد الإقرار؛ لأنه أراد بالإضافة إضافة سكنى ذكر ذلك البغوي في فتاويه واستشكل الإسنوي عدم صحة الإقرار في الأوليين (٤) إذ لم يرده بأن الملكين لم يتواردا على وقت واحد.
ويجاب بأن: الموافق لقاعدة الباب من الأخذ باليقين كما سيأتي عدم الصحة. قال الأذرعي بعد نقله كلام البغوي ويتجه أن يستفسر عند إطلاقه ويعمل بقوله بخلاف قوله داري التي هي ملكي له للتناقض الصريح "أو" قال "مسكني أو ملبوسي" لفلان "صح" إذ لا منافاة؛ لأنه قد يسكن ويلبس ملك غيره، وقوله أو ملبوسي من زيادته "وكذا يصح إن قال هو لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت" به؛ لأن أول كلامه إقرار وآخره لغو فيطرح آخره ويعمل بأوله (٥) كما لو قال: هو له ليس له ولو عكس بأن قال هو ملكي هو لفلان أو هو لي وكان ملك زيد إلى أن أقررت صح أيضا كما صرح به الإمام وغيره (٦)، وهو إقرار
стр. 2522
بعد إنكار "وإن شهدت بينة هكذا" أي بأن زيدا أقر بأن هذا ملك عمرو وكان ملك زيد إلى أن أقر به "لم تقبل" (١) وفارقت المقر بأنها تشهد على غيرها (٢) فلا يقبل قولها إلا إذا لم يتناقض والمقر يشهد على نفسه فيؤاخذ بما يصح من كلامه. "وقوله ديني" الذي "على زيد لعمرو باطل" لما مر في قوله داري أو ثوبي لزيد "أو" قال الدين "الذي كتبته على زيد لعمرو صحيح" (٣) فلعله كان وكيلا عنه في المعاملة التي أوجبت الدين، وقول الرافعي واسمي في الكتاب عارية لا حاجة إليه ولهذا لم يذكره في التهذيب وغيره بخلافه في كلام الروضة في بعض النسخ لزيادة لفظة لي حيث قال ولو قال الدين الذي لي على زيد لعمرو واسمي في الكتاب عارية فهو إقرار صحيح، وقيد في التهذيب صحة الإقرار (٤) بما إذا لم يعلم أنه للمقر، وإلا فلا يصح ولا يزول ملكه بالكذب "لا في نحو صداق (٥) وخلع و" أرش "جناية عقب ثبوتها" للمقر فلا يصح إقرار المرأة (٦) بالصداق في ذمة الزوج ولا إقرار الزوج ببدل الخلع في ذمة الزوجة، (٧) ولا إقرار المجني عليه بأرش الجناية عقب ثبوت الثلاثة لهم (٨)، بحيث لا يحتمل جريان ناقل، وسواء
стр. 2523
فيما قاله الدين والعين حتى ولو أعتق عبده ثم أقر له هو أو غيره عقب عتقه بدين أو عين لم يصح إذ أهلية الاستحقاق لم تثبت له إلا في الحال ولم يجر بينهما ما يوجب المال قال الأذرعي لم لا يصح من غير السيد إذا احتمل تصور الملك له قبل الرق أما السيد فقد يقال إذا ملكه سقط دينه عنه (١)، وإذا صح الإقرار بقوله الدين الذي كتبته على زيد لعمرو فطالب عمرو زيدا فأنكر "فإن شاء عمرو أثبت" أي أقام بينة "بإقراره" أي المقر "أن الدين الذي كتبه على زيد له يثبت على زيد" أي يقيم بينة عليه "بالدين" المقر به "وإن شاء عكس" أي أقام بينة بالدين ثم بينة بالإقرار.
"فرع: لا ينفذ إقراره" أي المقر "بما في يد الغير حتى يصير في يده" إذ يشترط في الحكم بثبوت ملك المقر له أن يكون المقر به تحت يد المقر وتصرفه (٢) حسا أو شرعا، وإلا كان كلامه إما دعوى عن الغير بغير إذنه أو شهادة بغير لفظها لكنه إذا حصل في يده لزمه تسليمه إليه "فإن كان قال هذا، وهو في يد غيره
стр. 2524
رهن زيد" أي مرهون عنده "فحصل في يده بيع في دين زيد" عملا بإقراره السابق قال الزركشي وعلم منه (١) أنه لو أراد قضاء الدين من موضع آخر لم يلزم قبوله؛ لأن الحق ليس عليه، وإنما هو متعلق بالعين "وإن قال" في عبد في يد غيره "هو حر ثم اشتراه" (٢) صح تنزيلا للعقد على قول من صدقه الشرع، وهو البائع لكونه ذا يد أو استنقاذا للعبد من أسر الرق، وإذا صح شراؤه "نظرت فإن" كان "قال أعتقه" من كان في يده "عتق وكان ذلك" الشراء "منه فداء" للعبد لاعترافه بحريته فلا يثبت له أحكام الشراء "ومن البائع بيعا" عملا باعتقاده "فيثبت للبائع لا للمشتري الخياران" خيار المجلس وخيار الشرط "والفسخ بالعيب؛ لأن المشتري إنما فداه" فلا يثبت له شيء من ذلك والبائع باع وثبت له ذلك فلو رد الثمن المعين بعيب فله استرداد العبد بخلاف ما لو باع عبدا وأعتقه المشتري فرد الثمن المعين بعيب لا يسترد العبد بل يأخذ قيمته من المشتري لاتفاقهما على عتقه. "وولاؤه" فيما ذكر "موقوف"؛ لأن البائع لم يعترف بعتقه والمشتري لم يعتقه.
"فإن مات" العبد "بلا وارث" بغير الولاء وخلف تركة "فصدق البائع" المشتري "بعتقه ورثه" البائع "ورد الثمن للمشتري، وإلا" أي، وإن لم يصدقه "فللمشتري أخذ قدر الثمن من تركته (٣) ويوقف الباقي" إن كان؛ لأنه إما كاذب في حريته فكل الكسب له أو صادق فالكل للبائع (٤) إرثا بالولاء، وقد ظلمه بأخذ الثمن منه وتعذر استرداده، وقد ظفر بما له قال في الأصل قالوا ويجوز الرجوع في المبذول فدية وقربة كما لو فدي أسير بيد المشركين ثم استولينا على بلادهم ووجد الباذل عين ماله فله أخذه أما إذا كان له وارث بغير الولاء فإن لم يكن مستغرقا فله من ميراثه ما يخصه وفي الباقي ما مر، وإلا فجميع ميراثه له
стр. 2525
وليس للمشتري أخذ شيء منه؛ لأنه بزعمه ليس للبائع نعم إن كان البائع يرث بغير الولاء كأن كان أخا للعبد لم يرث بل يكون الحكم كما لو لم يكن وارث بغير الولاء كما اقتضاه التعليل وصرح به البلقيني وغيره (١) "وإن كان قال هو حر الأصل أو حر" بعتق غير من هو في يده "قبل أن يشتريه فهو افتداء" منه أيضا ولا ولاء له عليه.
"فإن مات" وخلف مالا وورثة "فماله لورثته أو" لم يخلف ورثة فماله "لبيت المال" (٢) وليس للمشتري أخذ شيء منه؛ لأنه بزعمه ليس للبائع كما مر، وإطلاقه الورثة هنا أولى من تقييد أصله لهم بغير الولاء لصدق كلام أصله حينئذ بما إذا لم يكن له وارث خاص أصلا وبما إذا كان له ذلك لكنه بالولاء، وهذا الثاني لا يمكن القول فيه بأن المال لبيت المال بل ينبغي أن يستفصل المقر ويعمل بما يظهر من قوله فإن تعذر صار كعتيق لم يظهر له وارث بالولاء نبه على ذلك