لأن الإقرار ليس إزالة ملك بل إخبار عن كونه ملكا للمقر له فيجب تقديم المخبر عنه على الخبر "فإن قال داري" أو داري هذه أو ثوبي "أو ثوبي هذا لزيد (١) لم يصح"؛ لأن الإضافة إليه تقتضي الملك (٢) له فينافي الإقرار به لغيره (٣)، إذ هو إخبار سابق عليه كما مر ويحمل كلامه على الوعد بالهبة ولو قال الدار التي اشتريتها لنفسي أو ورثتها من أبي ملك لزيد لم يصح أيضا إلا أن يريد الإقرار فيصح وكذا لو قال داري لفلان وأراد الإقرار؛ لأنه أراد بالإضافة إضافة سكنى ذكر ذلك البغوي في فتاويه واستشكل الإسنوي عدم صحة الإقرار في الأوليين (٤) إذ لم يرده بأن الملكين لم يتواردا على وقت واحد.
ويجاب بأن: الموافق لقاعدة الباب من الأخذ باليقين كما سيأتي عدم الصحة. قال الأذرعي بعد نقله كلام البغوي ويتجه أن يستفسر عند إطلاقه ويعمل بقوله بخلاف قوله داري التي هي ملكي له للتناقض الصريح "أو" قال "مسكني أو ملبوسي" لفلان "صح" إذ لا منافاة؛ لأنه قد يسكن ويلبس ملك غيره، وقوله أو ملبوسي من زيادته "وكذا يصح إن قال هو لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت" به؛ لأن أول كلامه إقرار وآخره لغو فيطرح آخره ويعمل بأوله (٥) كما لو قال: هو له ليس له ولو عكس بأن قال هو ملكي هو لفلان أو هو لي وكان ملك زيد إلى أن أقررت صح أيضا كما صرح به الإمام وغيره (٦)، وهو إقرار
стр. 2522
بعد إنكار "وإن شهدت بينة هكذا" أي بأن زيدا أقر بأن هذا ملك عمرو وكان ملك زيد إلى أن أقر به "لم تقبل" (١) وفارقت المقر بأنها تشهد على غيرها (٢) فلا يقبل قولها إلا إذا لم يتناقض والمقر يشهد على نفسه فيؤاخذ بما يصح من كلامه. "وقوله ديني" الذي "على زيد لعمرو باطل" لما مر في قوله داري أو ثوبي لزيد "أو" قال الدين "الذي كتبته على زيد لعمرو صحيح" (٣) فلعله كان وكيلا عنه في المعاملة التي أوجبت الدين، وقول الرافعي واسمي في الكتاب عارية لا حاجة إليه ولهذا لم يذكره في التهذيب وغيره بخلافه في كلام الروضة في بعض النسخ لزيادة لفظة لي حيث قال ولو قال الدين الذي لي على زيد لعمرو واسمي في الكتاب عارية فهو إقرار صحيح، وقيد في التهذيب صحة الإقرار (٤) بما إذا لم يعلم أنه للمقر، وإلا فلا يصح ولا يزول ملكه بالكذب "لا في نحو صداق (٥) وخلع و" أرش "جناية عقب ثبوتها" للمقر فلا يصح إقرار المرأة (٦) بالصداق في ذمة الزوج ولا إقرار الزوج ببدل الخلع في ذمة الزوجة، (٧) ولا إقرار المجني عليه بأرش الجناية عقب ثبوت الثلاثة لهم (٨)، بحيث لا يحتمل جريان ناقل، وسواء
стр. 2523
فيما قاله الدين والعين حتى ولو أعتق عبده ثم أقر له هو أو غيره عقب عتقه بدين أو عين لم يصح إذ أهلية الاستحقاق لم تثبت له إلا في الحال ولم يجر بينهما ما يوجب المال قال الأذرعي لم لا يصح من غير السيد إذا احتمل تصور الملك له قبل الرق أما السيد فقد يقال إذا ملكه سقط دينه عنه (١)، وإذا صح الإقرار بقوله الدين الذي كتبته على زيد لعمرو فطالب عمرو زيدا فأنكر "فإن شاء عمرو أثبت" أي أقام بينة "بإقراره" أي المقر "أن الدين الذي كتبه على زيد له يثبت على زيد" أي يقيم بينة عليه "بالدين" المقر به "وإن شاء عكس" أي أقام بينة بالدين ثم بينة بالإقرار.
"فرع: لا ينفذ إقراره" أي المقر "بما في يد الغير حتى يصير في يده" إذ يشترط في الحكم بثبوت ملك المقر له أن يكون المقر به تحت يد المقر وتصرفه (٢) حسا أو شرعا، وإلا كان كلامه إما دعوى عن الغير بغير إذنه أو شهادة بغير لفظها لكنه إذا حصل في يده لزمه تسليمه إليه "فإن كان قال هذا، وهو في يد غيره
стр. 2524
رهن زيد" أي مرهون عنده "فحصل في يده بيع في دين زيد" عملا بإقراره السابق قال الزركشي وعلم منه (١) أنه لو أراد قضاء الدين من موضع آخر لم يلزم قبوله؛ لأن الحق ليس عليه، وإنما هو متعلق بالعين "وإن قال" في عبد في يد غيره "هو حر ثم اشتراه" (٢) صح تنزيلا للعقد على قول من صدقه الشرع، وهو البائع لكونه ذا يد أو استنقاذا للعبد من أسر الرق، وإذا صح شراؤه "نظرت فإن" كان "قال أعتقه" من كان في يده "عتق وكان ذلك" الشراء "منه فداء" للعبد لاعترافه بحريته فلا يثبت له أحكام الشراء "ومن البائع بيعا" عملا باعتقاده "فيثبت للبائع لا للمشتري الخياران" خيار المجلس وخيار الشرط "والفسخ بالعيب؛ لأن المشتري إنما فداه" فلا يثبت له شيء من ذلك والبائع باع وثبت له ذلك فلو رد الثمن المعين بعيب فله استرداد العبد بخلاف ما لو باع عبدا وأعتقه المشتري فرد الثمن المعين بعيب لا يسترد العبد بل يأخذ قيمته من المشتري لاتفاقهما على عتقه. "وولاؤه" فيما ذكر "موقوف"؛ لأن البائع لم يعترف بعتقه والمشتري لم يعتقه.
"فإن مات" العبد "بلا وارث" بغير الولاء وخلف تركة "فصدق البائع" المشتري "بعتقه ورثه" البائع "ورد الثمن للمشتري، وإلا" أي، وإن لم يصدقه "فللمشتري أخذ قدر الثمن من تركته (٣) ويوقف الباقي" إن كان؛ لأنه إما كاذب في حريته فكل الكسب له أو صادق فالكل للبائع (٤) إرثا بالولاء، وقد ظلمه بأخذ الثمن منه وتعذر استرداده، وقد ظفر بما له قال في الأصل قالوا ويجوز الرجوع في المبذول فدية وقربة كما لو فدي أسير بيد المشركين ثم استولينا على بلادهم ووجد الباذل عين ماله فله أخذه أما إذا كان له وارث بغير الولاء فإن لم يكن مستغرقا فله من ميراثه ما يخصه وفي الباقي ما مر، وإلا فجميع ميراثه له
стр. 2525
وليس للمشتري أخذ شيء منه؛ لأنه بزعمه ليس للبائع نعم إن كان البائع يرث بغير الولاء كأن كان أخا للعبد لم يرث بل يكون الحكم كما لو لم يكن وارث بغير الولاء كما اقتضاه التعليل وصرح به البلقيني وغيره (١) "وإن كان قال هو حر الأصل أو حر" بعتق غير من هو في يده "قبل أن يشتريه فهو افتداء" منه أيضا ولا ولاء له عليه.
"فإن مات" وخلف مالا وورثة "فماله لورثته أو" لم يخلف ورثة فماله "لبيت المال" (٢) وليس للمشتري أخذ شيء منه؛ لأنه بزعمه ليس للبائع كما مر، وإطلاقه الورثة هنا أولى من تقييد أصله لهم بغير الولاء لصدق كلام أصله حينئذ بما إذا لم يكن له وارث خاص أصلا وبما إذا كان له ذلك لكنه بالولاء، وهذا الثاني لا يمكن القول فيه بأن المال لبيت المال بل ينبغي أن يستفصل المقر ويعمل بما يظهر من قوله فإن تعذر صار كعتيق لم يظهر له وارث بالولاء نبه على ذلك
стр. 2526
الزركشي (١). ثم قال: وقوله وليس للمشتري أخذ شيء منه إنما هو في صورة حر الأصل أما في الأخرى فإن أضاف إلى ذلك أنك اشتريته وأنت لا تعلم أو تعلم ولم تعمل بعلمك فينبغي أن يأخذ من تركته قدر الثمن إذا لم يكن له وارث غير المعتق الأول وسبقه إلى ذلك البلقيني لكنه عبر بدل أو لم تعلم بثم علمت وظاهر أنه لا حاجة لتقييدهما بقولهما وأنت (٢) إلى آخره وأنه إنما يأخذ أقل الثمنين لا قدر الثمن "وإن مات قبل القبض" أي قبض المشتري له "استرد الثمن من البائع" إن كان سلمه له وليس للبائع أن يطالبه به إن لم يكن سلمه له؛ لأنه لا حرية في زعمه، وقد تلف المبيع قبل القبض بخلاف ما لو اشترى من يعتق عليه فمات قبل قبضه فإنه يلزم المشتري الثمن؛ لأن العبد عتق عليه بالاتفاق وعتقه، وقع قبضا ولو قال إنه حر فينبغي استفساره فإن تعذر حمل على أنه حر الأصل.
"فرع" قال الزركشي لو كان بيد كل من اثنين عبد فقال كل منهما للآخر قد أعتقت عبدك فأنكر ثم تبادلا أحد العبدين بالآخر فإن قلنا هو فداء صح أو بيع فحكى أبو عاصم العبادي أن العقد باطل لاعتقادهما ورود العقد على الحرية وحكى أبو سهل الأبيوردي الصحة حكاه عنه المتولي في الصلح. انتهى. وقضيته ترجيح صحته (٣)، ويكون فداء من كل منهما؛ لأنه يعتقد أن عبد الآخر حر لا يصح عقد البيع عليه.
"فرع" لو "أقر بحرية أمة لغيره فاستأجرها أو نكحها لزمته الأجرة" في الأولى "و" لزمه "المهر" في الثانية "وليس له استخدامها" بغير رضاها "وكذا" ليس له "وطؤها إلا إن كان نكحها بإذنها، وهو" أي سيدها "عنده ولي بالولاء" أو بغيره بأن قال أنت أعتقتها أو أعتقها من انجر إليك منه الولاء أو كان أخاها مثلا.
قال الماوردي: وسواء (٤) حلت له الأمة أم لا أي لاعترافه بحريتها، وقال
стр. 2527
السبكي وغيره: ينبغي (١) أن لا يصح إلا أن يكون ممن تباح له الأمة؛ لأن أولادها يسترقون كأمهم وخرج بقوله من زيادته تبعا للإسنوي بإذنها ما لو نكحها بغير إذنها فلا يصح، وقضية ما ذكر صحة الإجارة (٢). قال ابن الرفعة وفيها نظر؛ لأنها لا تتضمن الفداء المطلق، وقال السبكي صحتها من جهة مطالبة المكتري بالأجرة (٣) دون حل انتفاعه لا مانع منها، وقال الزركشي مرادهم أنه فداء من جهة المكتري في المنفعة المعقود عليها مدة الإجارة فالفداء كما يكون في الرقبة يكون في المنفعة.
"وإن أقر أن عمرا غصب عبدا من زيد ثم اشتراه" من عمرو "صح" الشراء استنقاذا لملك الغير كما يستنقذ الحر، وقوله "وأخذه" أي العبد "زيد" من زيادته ونقله الإمام عن الأصحاب قال، وقالوا لا يثبت للمشتري الخياران؛ لأنهما إنما يثبتان لمن يطلب بالشراء ملكا لنفسه أي أو لمستنيبه، وقال إنه حسن متجه.
"فرع لو أقر بعبد في يده لزيد وأقر العبد أنه لعمرو سلم لزيد"؛ لأنه في يد من يسترقه لا في يد نفسه "فإن أعتقه" زيد "فولاؤه له"؛ لأن الولاء لمن أعتق فليس لعمرو تسلم رقبته ولا التصرف فيها لما فيه من إبطال ولاء زيد "وهل أكسابه" الحاصلة بعد عتقه "لعمرو" أو لا؟ فيه "وجهان وجه المنع (٤) أن الأكساب" أي استحقاقها "فرع الرق" ولم يثبت فهي مستحقة للعتيق قال الزركشي، وهذا هو المرجح (٥).
стр. 2528
الركن الرابع: الصيغة
"الركن الرابع: الصيغة (١) في الإقرار بالدين" ظاهرا "علي وفي ذمتي" كقوله لزيد علي أو في ذمتي كذا؛ لأنه المتبادر منهما عرفا لكنهم قبلوا التفسير في علي الوديعة كما سيأتي "و" للإقرار "بالعين عندي ومعي" ولدي كذلك والمراد بكونها للعين أنها تحمل عند الإطلاق على الوديعة؛ لأنها أدنى المراتب حتى ولو ادعى أنها كانت وديعة وتلفت أو ردها صدق بيمينه صرح بذلك في الروضة نقلا عن البغوي وأقره، وقول الزركشي لا معنى لاقتصاره على التفسير الوديعة بل التفسير بالمغصوبة كذلك لم يقع في محله إذ ليس الكلام في التفسير بل في أن ذلك عند الإطلاق يحمل على ماذا "و" للإقرار "بهما لزيد كذا في قبلي" بكسر القاف وفتح الموحدة لصلاحيته لهما، وهذا ما رجحه الشيخان بحثا (٢) بعد نقلهما عن البغوي أنه للدين وسبقهما إلى ما بحثاه الماوردي، وهو قوي. ولكن قال الإسنوي: إنه خلاف مذهب الشافعي فقد نص في الأم على أنه كعلي، ورد عليه الزركشي بما لا يصلح للرد قال أعني الإسنوي ولو أتى بلفظ يدل على العين وآخر على الدين كأن قال له ومعي عشرة فالقياس أنه يرجع إليه في تفسير بعض ذلك (٣) بالعين وبعضه بالدين.
وقول الأصل لفلان كذا صيغة إقرار وجهه الإسنوي بأن اللام تدل للملك قال ومحله إذا كان المقر به معينا فيلزمه تسليمه له إن كان بيده وانتقل إليها، وإن
стр. 2529
لم يكن معينا فلا بد أن (١) يضيف إليه شيئا من الألفاظ المذكورة. واعلم أنه قد وقع في نسخة من الروضة وبهما لزيد كذا أو قبلي وفي نسخة وقبلي بالواو ولا يخفى ما فيهما "فإن قال لي عليك ألف فقال" في جوابه "خذه أو زنه" أو استوفه أو اختم عليه "أو اجعله في كيسك أو هي صحاح فليس بإقرار؛ لأنه استهزاء" لا التزام "فإن" وفي نسخة، وإن "قال" في جوابه "نعم (٢) أو بلى (٣) أو صدقت" أو أجل (٤) أو جير أو أي بمعنى نعم "فإقرار"؛ لأنها موضوعة للتصديق قال في الأصل قالوا ولو قال لعمري فإقرار ولعل العرف يختلف فيه. انتهى. "إلا إن صدر" الإقرار بأن أدي أو رد "بصورة الاستهزاء" والتكذيب كتحريك الرأس تعجبا، وإنكارا "ففيها تردد" (٥) أي خلاف لتعارض اللفظ والقرينة كما لو قال لي عليك ألف فقال مستهزئا لك ألف فإن المتولي حكى فيه وجهين، وقضية كلامه كما في المهمات أن الأصح اللزوم فإنه عقب ذلك بقوله وأصلهما إذا أقر بشيء ثم وصله بما يرفعه أي نحو له علي ألف من ثمن خمر، وقول ابن العماد لم يقل المتولي ثم وصله بما يرفعه، وإنما قال: ثم قرن
стр. 2530
به ما يرفعه، أي نحو له علي من ثمن خمر ألف فلا تلزمه الألف سهو إذ لم يقل المتولي إلا ما قلناه وبتقدير تسليمه لا يحصل ما ادعاه لتعبيره بثم "وقوله" في الجواب "أنا مقر به أو لست منكرا له أو لا أنكر دعواك" أو ما تدعيه "إقرار"؛ لأنه المفهوم من ذلك بخلاف قوله لا أنكر أن تكون محقا لا يكون إقرارا بالمدعى لجواز أن يريد بشيء آخر كما صرح به الأصل، وقضية التعليل الآتي في أنا مقر تقييد حكم أنا مقر به بما إذا خاطبه فقال أنا مقر لك به، وإلا فيحتمل الإقرار به لغيره قاله الرافعي وأسقطه في الروضة وأجاب عنه السبكي (١): بأن الضمير عائد إلى الألف التي له أي فلا يقبل قول المقر أردت به غيرك كما لا يقبل تفسيره لدراهم بالناقصة إذا لم يصلها بالكلام وكانت دراهم البلد تامة إذ الجواب منزل على السؤال "لا إن ترك الصلة" كقوله أنا مقر أو لست منكرا "أو المفعول" كقوله لا أنكر "أو قال لا أقر لك به ولا أنكره" فليس بإقرار؛ لأن الأول يحتمل الإقرار ببطلان الدعوى أو بالوحدانية والثاني والثالث يحتملان عدم الإنكار لأحد هذين، والرابع في معنى السكوت والتصريح بذكر الثالث من زيادته.
"وكذا لو قال أنا أقر لك به" (٢) لا يكون إقرارا لاحتماله الوعد بالإقرار في ثاني الحال وفرق الهروي بينه وبين لا أنكر ما تدعيه مع احتماله الوعد بأن العموم إلى النفي أسرع منه إلى الإثبات بدليل النكرة فإنها تعم في حيز النفي دون الإثبات قال الرافعي ولك أن تقول (٣): هب أن هذا الفرق متين لكنه لا ينفي الاحتمال، وقاعدة الباب الأخذ باليقين. انتهى. ويفرق أيضا بأن المفهوم عرفا من لا أنكر ما تدعيه أنه إقرار بخلاف أقر لك به. "وقوله" في الجواب "أبرأتني منه أو قد قضيتك إقرار"؛ لأنه قد اعترف بالشغل وادعى الإسقاط والأصل عدمه وعليه بنية الإبراء والقضاء وكأبرأتني منه أبرئني منه في أنه إقرار بخلاف أبرأتني أو أبرئني من دعواك ذكره أبو حاتم القزويني والقفال كما لو قال:
стр. 2531
صالحني عن دعواك "لا" قوله "قد أقررت" لي "بالبراءة والاستيفاء" مني فليس بإقرار؛ لأنه لم يعترف بشيء، وقد في الموضعين من زيادته ولا حاجة إليها "ولا" قوله "أظن وعسى ولعل" وأحسب وأقدر؛ لأنه لا جزم فيه ويحتمل الوعد بالإقرار في ثاني الحال "بخلاف" قوله "له علي ألف فيما أعلم أو أشهد" أو في علمي أو شهادتي فإنه إقرار؛ لأنه التزام بخلاف قوله في علم فلان أو في قوله كما نقله الأذرعي عن روضة الحكام.
"وقوله بلى أو نعم في جواب أليس لي عليك" كذا "إقرار"؛ لأنه المفهوم منهما وقيل نعم ليس إقرارا؛ لأنه موضوع للتصديق فيكون مصدقا للنفي الداخل عليه الاستفهام بخلاف بلى فإنه لرد النفي، ونفي النفي إثبات (١)، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا نعم كفروا ورد بأن النظر في الإقرار إلى العرف (٢) وأهله يفهمون الإقرار بنعم فيما ذكر "و" قوله في جواب دعوى عين بيده "اشتريتها وملكتها" أي أو ملكتها "منك (٣) أو من وكيلك إقرار" لتضمن ذلك الملك للمخاطب عرفا ولم ينظروا إلى احتمال كون المخاطب وكيلا في البيع ولا إلى احتمال كون الوكيل باع ملك غير المخاطب لبعده عن المقام، والتصريح باشتريتها منك وبملكتها من وكيلك من زيادته "لا" قوله "ملكتها على يدك" فليس بإقرار؛ لأن معناه كنت وكيلا في تمليكها.
"ونعم إقرار" بالعبد "لمن قال اشتر عبدي" (٤) كما أنه إقرار به لمن قال أعتق عبدي "لا" لمن قال اشتر هذا "العبد؛ لأنه لم يعترف" له "إلا بكونه يملك بيعه لا نفسه أو" قال "ما لك علي أكثر من ألف فليس بإقرار"؛ لأن
стр. 2532
نفي الزائد عليه لا يوجب إثباته ولا إثبات ما دونه "وجوابك للمتقاضي" للدين كأن قال لك اقض الألف الذي لي عليك "بنعم (١) أو" بقولك "أقضيك غدا أو أمهلني يوما أو حتى أقعد أو أفتح" الكيس أو نحوه "أو أجد" المفتاح مثلا أو نحوهما كابعث من يأخذه أو أمهلني حتى أصرف الدراهم أو اقعد حتى تأخذ أو لا أجد اليوم أو لا تدم المطالبة أو ما أكثر ما تتقاضى أو والله لأقضينك كما صرح بها أصله "إقرار"؛ لأنه المفهوم منها عرفا لكن ما نقل الأصل هذه الصورة قال وجميعها إقرار عند أبي حنيفة ثم قال وأما أصحابنا فمختلفون فيها والميل إلى موافقته في أكثرها. انتهى.
والصور التي اقتصر عليها المصنف وحكم عليها بأنها إقرار اقتصر عليها المنهاج كأصله وحكم عليها بذلك وظاهر أن بقية الصور كذلك إلا قوله لا تدم المطالبة وما أكثر ما تتقاضى فالظاهر كما قال ابن العماد (٢): أنهما ليسا بإقرار لعدم صراحتهما فيه وعليهما يحمل مفهوم كلام الأصل السابق هذا، وقد قال السبكي بعد إيراده كلام المنهاج: والأشبه عندي في غير نعم أنه ليس بإقرار، وقال في
стр. 2533
الأصل بعد كلامه السابق ومثله أسرج دابة فلان هذه فقال نعم أو أخبرني زيد أن لي عليك ألفا فقال نعم أو متى تقضي حقي فقال غدا.
"ولو قال كانت لك أو كان لك عندي دار" مثلا "فليس بإقرار"؛ لأنه لا يعترف في الحال بشيء والأصل براءة الذمة ولا ينافي ذلك ما في الدعاوى من أنه لو قال كان ملكك أمس كان مؤاخذا به؛ لأنه ثم وقع جوابا للدعوى، وهنا بخلافه فطلب فيه اليقين، وقوله أو كان لك عندي من زيادته، وذكره القمولي وحذف المصنف قول أصله أو كان لك علي ألف للاكتفاء بما زاده وبما ذكره في الباب الثالث. "أو" قال "أسكنتك" هذه "الدار حينا ثم أخرجتك" منها فهو "إقرار باليد"؛ لأنه اعترف بثبوتها من قبل وادعى زوالها ولا ينافيه ما في الدعاوى من أنه لو قال كان في يدك أمس لم يؤاخذ به؛ لأنه أقر له هنا بيد صحيحة بقوله أسكنتكها بخلافه ثم لاحتمال كلامه أن يده كانت من غصب أو سوم أو نحوه وعدل عن قول أصله داري إلى قوله الدار لقول السبكي وغيره في التعبير بداري نظر؛ لأنه مع الإقرار لا يجتمعان كما لو قال داري لزيد، وقد يجاب بأن هذا محله إذا أقر بملك أما بيد فلا، إذ لا تنافي بينهما أو فائدته أنه لو أقام كل منهما بينة بأن العين له قدمت بينة ذي اليد.
"ولو قال معسر لزيد علي ألف إن أيسرت وأمكن استفهامه استفهم" أي استفسر فإن فسر بالتأجيل صح أو بالتعليق لغا "وإلا" بأن تعذر استفساره "فإقرار" (١) نقل تصحيحه في الروضة عن العدة قال في المهمات: وقياس المذهب أنه ليس بإقرار، وهو واضح، وقد صرح به الهروي وعلله بأن الأصل فراغ الذمة، وقد ذكر النووي في تعليق الطلاق مثله. انتهى. ومثله لو قال ما أردت شيئا ويصدق فيه بيمينه "وقوله لمن شهد عليه" ولو واحدا بشيء "هو صادق أو عدل ليس بإقرار حتى يقول فيما شهد به" قال في الروضة قلت في لزومه بقوله عدل يعني فيما شهد به نظر، "وقوله إذا شهدا" أي فلان وفلان أو شاهدان "علي بكذا" كألف "فهما صادقان لا صدقتهما إقرار، وإن لم يشهدا" عليه؛ لأنهما لا يكونان صادقين إلا إذا كان عليه الألف الآن فيلزمه بخلاف صدقتهما؛ لأن غير
стр. 2534
الصادق قد يصدق؛ ولأن ذلك وعد وخرج بكذا ما لو قال ما يشهد به شاهدان علي فهما صادقان عدلان فليس بإقرار بل تزكية وتعديل، كما نقله الرافعي في التزكية عن الهروي وأقره كذا قاله في المهمات (١). ولو لم يأت بصيغة الشهادة بل قال إذا قال زيد إن لعمرو علي كذا فهو صادق كان الحكم كذلك ذكره ابن العماد (٢).
"وإن قال أقرضتك كذا فقال كم ثمن به علي أو لا اقترضت منك" هذا أولى من قول الروضة والله لا اقترضت منك "غيره، فإقرار" قال فيها، وإن قال ما أعجب هذا أو نتحاسب فليس بإقرار "لا" إن قال لمن قال له لي عليك كذا "لزيد علي أكثر مما لك" بفتح اللام "فلا شيء عليه لواحد منهما" (٣) لاحتمال أنه قاله استهزاء أو أنه أراد له علي من الحرمة والكرامة أكثر مما لك بخلاف ما لو قال أكثر من مالك بكسر اللام أو له علي مال أكثر من مالك أو له علي أكثر مما ادعيت فإقرار فيها لزيد. وستأتي الثانية في الباب الآتي والثالثة في الدعاوى فلا مخالفة بينهما وبين ما هنا؛ لأنها مسائل مختلفة والتي هنا أعادها كأصله في الدعاوى ولو قال لي مخرج من دعواك فليس بإقرار، ذكره في الروضة هنا والمصنف في الدعاوى.
"ولو كتب لزيد علي ألف أو كتبه غيره فقال" لشهود "اشهدوا علي بما فيه لغا"؛ لأن الكتابة بلا لفظ ليست إقرارا (٤)، وظاهر أخذا مما مر في الضمان أن
стр. 2535
محله إذا لم ينو أيضا وأن كتابة الأخرس عند القرينة المشعرة ليست لغوا "وكذا" يلغو "قوله له علي ألف إن مت أو قدم زيد"؛ لأن الإقرار إخبار عن حق سابق والواقع لا يعلق، وإنما لم يستفسر كما مر في تعليق المعسر بيساره؛ لأن حال المعسر يشعر بطلب الصبر عليه المشعر بلزوم ما قاله وسيأتي في الباب الثالث أن محل ما هنا إذا لم يقصد التأجيل "فلو قال" له علي كذا "إلا أن يبدو لي لزمه"؛ لأنه بمنزلة له علي عشرة إلا عشرة، وهذا أخذه من قول الروضة ولعل الأصح لزومه قال في المهمات والصواب أنه لا يلزمه شيء (١) ففي الأشراف للهروي أن الشافعي نص على أنه استثناء صحيح كقوله إن شاء الله. انتهى. ويؤيده تصحيحهم عدم انعقاد النذر بذلك؛ لأن تعليق الأمر بمجرد الخبرة ينافي الالتزام.
"وإن لقن إقرار أو غيره" من العقود أو غيرها "بغير لغته، وقال لم أفهمه وأمكن" عدم فهمه له بأن لم يكن له مع أهل تلك اللغة اختلاط "حلف" أي صدق بيمينه "وإن" أقر ثم "قال أقررت صبيا أو مجنونا أو مكرها وأمكن" الصبا "أو عهد" الجنون "أو كانت أمارة" على الإكراه من حبس أو ترسيم أو نحوه "صدق بيمينه" لظهور ما قاله؛ ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان فإن لم يكن الصبا ولم يعهد الجنون ولم تكن أمارة لم يصدق، والأمارة إنما تثبت باعتراف المقر له أو بالبينة أو باليمين المردودة، وإكراهه لزيد لا يقدح في إقراره لغيره "لا إن قامت البينة" في الصور الثلاث "بكونه" أي المقر "حينئذ" أي حين إقراره "بالغا" في الأولى "أو عاقلا" في الثانية "أو مختارا" في الثالثة فلا
стр. 2536
يصدق لما فيه من تكذيب البينة وتعبيره بذلك أعم من قول أصله إذا شهد الشهود وتعرضوا لبلوغه وصحة عقله واختياره فادعى المقر خلافه لم يقبل "ولا يشترط التعرض لذلك" أي لما ذكر من البلوغ والعقل والاختيار "ولا للحرية والرشد" وفي نسخة مع الحرية والرشد "في الشهادة" بذلك بل يكتفى بأن الظاهر وقوع الشهادة على الإقرار الصحيح قال في الأصل قال الأصحاب وما يكتب في الوثائق أنه أقر طائعا في صحة عقله وبلوغه احتياط "فإن قامت بينة" من المقر "بالإكراه" له "اشترط" في الشهادة به "تفصيلها" (١) لاختلاف العلماء فيما يحصل به ذلك فرب شيء يكون إكراها عند بعض دون بعض "وقدمت" بينة لإكراه على بينة الاختيار؛ لأن معها زيادة علم نعم إن شهدت بينة الاختيار بأنه كان مكرها وزال الإكراه ثم أقر قدمت بينته على بينة الإكراه لذلك قال في الأنوار ولو قال لي عليك ألف فقال مع مائة لم تجب الألف ولا المائة ولو قال لزوجته هذه زوجة فلان حكم بارتفاع النكاح.
стр. 2537
الباب الثاني: في الإقرار بالمجمل أي المجهول
"فيصح الإقرار بالمجهول" (١) سواء أكان ابتداء أم جوابا عن دعوى؛ لأن الإقرار إخبار عن حق سابق والشيء يخبر عنه مفصلا تارة ومجملا أخرى إما للجهل به أو لثبوته مجهولا بوصية أو نحوها أو لغير ذلك ويخالف الإنشاءان حيث لا تحتمل الجهالة احتياطا لابتداء الثبوت وتحرزا عن الغرر "مثل له علي شيء (٢) ويفسره" وجوبا "بما شاء"، وإن لم يتمول "ولو حبة شعير" (٣) وقمع
стр. 2538
باذنجانة "وحد قذف وحق شفعة وديعة ونجسا يقتنى ككلب" معلم (١) أو قابل للتعليم "وخمر محترمة" لصدق كل منهما بالشيء مع كونه محترما وعطف على ما شاء أو على حبة قوله "لا رد سلام وعيادة" لمريض فلا يصح تفسيره بهما لبعد فهمهما في معرض الإقرار إذ لا مطالبة بهما "إلا" أي لكن "إن قال له علي حق" قبل تفسيره بهما قال الرافعي والتوجيه المذكور ينافيه مع عسر الفرق فإن الحق أخص من الشيء فكيف يقبل في تفسير الأخص ما لا يقبل في تفسير الأعم وأجاب السبكي وغيره بأن الحق يطلق عرفا (٢) على ذلك بخلاف الشيء فيقال نفي العرف له على حق ويراد ذلك وفي الخبر: "حق المسلم على المسلم خمس وذكر منها عيادة المرضى (٣) ورد السلام" (٤). فاعتبار الإقرار بما يطالب به محله إذا لم يشع اللفظ عرفا أو شرعا فيما لا يطالب به.
"وأما ما يحرم اقتناؤه كالخنزير وما لا ينفع كجلد الكلب والكلب الذي لا ينفع والخمر غير المحترمة فلا يقبل تفسيره بها" إذ ليس فيها حق ولا اختصاص ولا يلزم ردها، وقضية التعليل كما قال الإسنوي (٥) وغيره قبول تفسيره بالخمرة غير المحترمة (٦) إذا كان المقر له ذميا؛ لأن على غاصبها منه ردها عليه إذا لم يتظاهر بها ولا يضر في كونها غير محترمة بمعنى أنها عصرت بقصد الخمرية كونها في حق الذمي محترمة بمعنى أن على غاصبها ردها فلا يعترض بأنها كلها في حقه محترمة ولو فسره بميتة أو نحوها لمضطر قال القاضي لا يقبل؛ لأن اليد لا تثبت على ذلك ورجح الإمام خلافه، وهو الأقرب (٧).
"فرع" لو "قال غصبت منه شيئا قبل" تفسيره "بما" يقبل به "في الصور
стр. 2539
السابقة" بالأولى، وقيده بما "إذا احتمله اللفظ احترازا من" تفسيره بنحو "حق الشفعة الوديعة ويقبل" تفسيره "بالخمر والخنزير" (١) إذ الغصب لا يقتضي التزاما وثبوت مال، وإنما يقتضي الأخذ قهرا بخلاف قوله: علي.
"قالوا ولو قال له عندي شيء وفسره بخمر وخنزير قبل"؛ لأنه شيء مما عنده، وقوله من زيادته قالوا يشعر بأنه متبرئ من ذلك وليس بظاهر "ولو قال غصبتك ما تعلم" أو غصبتك كما فهم بالأولى وصرح به في الروضة "لغا إذ قد يريد نفسه" لكنه إن قال أردت غير نفسك فظاهر أنا نقبله (٢)؛ لأنه غلظ على نفسه "لا" إن قال "غصبتك شيئا" ثم قال أردت نفسك فلا يلغو ولا تقبل إرادته، وقضيته أن الحكم كذلك لو قال (٣) غصبتك شيئا تعلمه، وهو ظاهر ويفرق بينه وبين ما مر في غصبتك ما تعلم بأن شيئا اسم تام ظاهر في المغايرة بخلاف ما.
"فصل: لو امتنع من تفسير المبهم" (٤) ولم تمكن معرفته بغير مراجعته "حبس" للتفسير؛ لأنه واجب عليه فإذا امتنع منه حبس كالممتنع من أداء الدين وأولى؛ لأنه لا وصول لمعرفته إلا منه بخلاف الدين إذ يمكن أداؤه بأن يبيع الحاكم ماله أما إذا أمكن معرفته بغير مراجعته كقوله له علي من الدراهم زنة هذه الصنجة أو قدر ما باع به فلان فرسه فلا يحبس بل يرجع إلى ما أحال عليه كما سيأتي في المسائل المنثورة. "وإن فسره ببعض الجنس المدعى" به "كمائة ودعواه" أي المقر له "مائتان، وقال المدعي"، وهو المقر له أراد المقر بالمبهم المائة تثبت باتفاقهما وحلف المقر على نفي الزيادة، وهذا ذكره الأصل وتركه المصنف للعلم به من باب الدعاوى ومما يأتي على الأثر، وإن قال "أرادهما حلف
стр. 2540
على نفي الزيادة، و" على "نفي الإرادة" لهما (١) "يمينا واحدة" لاتحاد الدعوى "فإن نكل حلف المدعي على الاستحقاق" لهما "لا" على "إرادته" أي المقر لهما؛ لأنه لا اطلاع له عليها (٢)، بخلاف الزوجة إذا ادعت إرادة الزوج الطلاق بالكناية ونكل عن اليمين حيث تحلف مع أنها لا تطلع عليها وفرق الإمام بأنها تدعي عليه إنشاء الطلاق والمقر له لا يدعي على المقر إثبات حق له فإن الإقرار لا يثبت حقا، وإنما هو إخبار عن حق سابق حتى ولو كذبه المقر له لم يثبت له حق.
"وإذا مات" المقر قبل تفسيره طولب به الوارث فإن امتنع "وقفت التركة" كلها إلا أقل متمول منها "حتى يفسر الوارث"؛ لأنها، وإن لم تدخل في التفسير مرتهنة بالدين (٣)، ولا يخالفه صحة التفسير بالسرجين ونحوه؛ لأنا لم نتيقن عدم إرادة المال فيمتنع التصرف في الجميع احتياطا. فإن قال الوارث لا أعلم قدر ما أقر به وصدقه المقر له فللمقر له أن يعين المدعى به ويحلف عليه ويأخذه إذ الوارث في تقدير الناكل وألحق الهروي المجنون بالميت ثم حكى عن صاحب التقريب أن الموقوف في حال جنونه أقل ما يتمول. انتهى. الأوجه أنه كالغائب (٤)، وقد نقل أعني الهروي عن الشافعي فيه أن له أن يعين مقدارا ويحلف عليه وعلى أن المقر أراده بإقرار ويأخذه، وقد يتوقف في اشتراط الحلف على أنه أراده بإقرار. وإذا ادعى المقر له زيادة على ما فسر به الوارث فالمصدق
стр. 2541
الوارث بيمينه كالمقر "و" تكون "يمينه على نفي الإرادة" أي إرادة مورثه الزيادة؛ لأنه قد يطلع من حال مورثه على ما لا يطلع عليه غيره "بخلاف تفسيره الوصية" حيث أوصى بمجهول وفسره الوارث وزعم الموصي له أنه أكثر مما فسر به "فإنه يحلف فيها على نفي علم الاستحقاق" للزيادة "لا" على نفي "الإرادة" قال في الأصل: والفرق أن الإقرار إخبار عن حق سابق، وقد يطلع عليه والوصية إنشاء أمر على الجهالة وبيانه إذا مات الموصي إلى الوارث "وإن فسره المقر بغير الجنس المدعى" به "وصدقه" المقر له "في الإرادة" بإقراره لما فسر به فقال هو لي عليه ولي عليه معه كذا ثبت المتفق عليه وصدق المقر في نفي غيره كما صرح به الأصل ويمكن أخذه من قول المصنف بعد ثم إن لم ينف إلى آخره "و" إن "قال" مع تصديقه في الإرادة "ما ديني" عليه "إلا غيره فهو رد للإقرار" وكان مدعيا عليه غيره "وإن" كذبه في الإرادة بأن "قال" إنما "أردت" بإقرارك "ما ادعيت" أنا "حلف المقر على نفي المدعى" به "و" نفي "الإرادة ثم إن لم ينف المقر له ما فسر به" المقر "ثبت له"، وإن نفاه بطل الإقرار هذا إن ادعى مع الإرادة الاستحقاق.
"فلو ادعى الإرادة فقط" بأن قال ما أردت بإقرارك ما فسرته به، وإنما أردت به كذا إما من جنس المقر به أو من غيره "لم يسمع" منه ذلك؛ لأن الإقرار والإرادة لا يثبتان حقا له بل الإقرار إخبار عن حق سابق فعليه أن يدعي الحق نفسه، وهو ما أراده بقوله "حتى يدعي المال" أي فيسمع فدعوى الإرادة مع دعوى الاستحقاق مسموعة ودعواها وحدها غير مسموعة "كما أنه لا يسمع منه دعوى الإقرار بكذا" بل عليه أن يدعي الحق نفسه.
"فرع" لو قال الدائن استوفيت من فلان أو قال المديون قد أوفيتك فقال بلى ثم ادعاه في البعض صدق، ذكره الرافعي في الحكم الثاني من أحكام الكتابة.
"فصل: لو قال له علي مال أو مال عظيم أو خطير" أو كثير أو كبير أو جليل أو نفيس أو نحوها (١) "أو حقير" أو قليل أو خسيس أو طفيف أو نحوها
стр. 2542
"أو أكثر من مال فلان أو مما في يده أو مما شهد به الشهود عليه، وكذا مما حكم به الحاكم" على فلان "ثم فسره بأقل متمول (١) قبل"، وإن كثر مال فلان لصدق اسم المال عليه ويكون وصفه بكونه عظيما ونحوه من حيث إثم غاصبه وكفر مستحله (٢)، وبكونه حقيرا ونحوه من حيث احتقار الناس له أو فناؤه وبكونه أكثر من كذا من حيث إنه أحل منه أو أنه دين لا يتعرض للتلف وذلك عين تتعرض له.
قال الشافعي ﵁: أصل ما أبني عليه الإقرار أن ألزم اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة قال الشيخ أبو علي أي ما غلب على الناس، وإلى ما قاله يشير قول الشافعي أصل ما أبني عليه، والمراد باليقين في كلامه ما يشمل الظن القوي ولهذا قال في موضع آخر ولا ألزمه إلا ظاهر ما أقر به بيننا (٣)، وإن سبق إلى القلب غير ظاهر ما قاله، وقال الهروي وغيره الشافعي يلزم في الإقرار باليقين وبالظن القوي (٤) لا بمجرد الظن والشك إذ الأصل براءة الذمة وخرج بالمتمول قال الإمام، وهو ما يسد مسدا أو يقع موقعا من جلب نفع أو دفع ضرر ما ليس متمولا كالكلب والسرجين وجلد الميتة لمباينته اسم المال لكن تعبيره بأقل متمول يقتضي أنه لا يقبل التفسير بمال متمول كتمرة وحبة بر (٥)، وليس كذلك بل يقبل به (٦)، وكل متمول مال، ولا ينعكس، ذكره
стр. 2543
الأصل وفيه أنه يقبل التفسير بالمستولدة (١) لا بما وقف عليه وحذفهما المصنف؛ لأن المناسب فيهما أن يقول عندي مال والصورة إنما هي فيما لو قال له علي مال ولا يخالف ما ذكروه هنا من أن حبة البر ونحوها مال ما ذكروه في البيع من أنها لا تعد مالا فإن كونها لا تعد مالا لعدم تمولها لا ينفي كونها مالا كما يقال زيد لا يعد من الرجال، وإن كان رجلا.
"فرع" لو "قال له علي أكثر من مال فلان فالإبهام في الجنس والنوع والقدر أو" له علي "أكثر منه" أي من مال فلان "عدا (٢) فالإبهام كذلك" أي في المذكورات "إلا في القدر" (٣) فلا إبهام فيه حتى لو كان مال فلان مائة دينار ففسر بأكثر من مائة درهم أو غيرها قبل دون ما إذا فسر بأقل منه إلا أن يقول ما علمت أن له إلا كذا مما يوافق ما فسر به فيقبل منه، وإن قامت البينة بأكثر منه؛ لأنه قد لا يطلع عليه صرح به القاضي أبو الطيب فلو لم يكن لفلان عدد لزم أقل متمول أخذا مما يأتي عن البغوي ولو قال المصنف كأصله فالإبهام في الجنس والنوع كان أخصر (٤) وأولى "أو" له علي "من الذهب أكثر من مال فلان فالإبهام في النوع والقدر" دون الجنس "أو" له علي "من صحاح الذهب" أكثر من مال فلان "فالإبهام في القدر فقط، وإن قال" له علي "أكثر من دراهم فلان فهل يجب" عليه "أدنى شيء" كما لو قال أكثر من مال فلان "أو أكثر من عددها" بأقل متمول "من أي جنس فسر" لذكره الجمع فيه "وجهان" اقتصر الأصل على الثاني، وقال كذا قاله في التهذيب. قال: وهو يخالف ما سبق من وجهين. أحدهما إلزام ذلك العدد والثاني إلزام زيادة؛ لأن التأويل الذي ذكرناه للأكثرية ينفيها جميعا. انتهى. فالوجه الأول أخذه المصنف من هذا الإشكال ونقل ابن الرفعة مع كلام التهذيب عن القاضي والإمام أنه يلزمه مثل عددها إن عرف قدرها، وإلا فثلاثة، وهو الأوجه (٥) ولو لم يكن مع فلان شيء لزمه أقل
стр. 2544
متمول، كما قاله البغوي ونقله القمولي عنه وأقره "ولو قال" له علي "من الدراهم (١) أكثر من دراهمه ومعه ثلاثة دراهم لزمته" بلا زيادة حملا للأكثر على ما مر ولو فسر بدونها لم يقبل كما قاله الجمهور خلافا للجويني، وإن كان ما قاله هو القياس كما قاله الغزالي، وقال البغوي في مسألة الكتاب يلزمه ثلاثة وزيادة أقل ما يتمول، وهو جار على طريقته السابقة، وقد ضعفه الأصل هنا أيضا "أو" ومعه "أكثر" من ثلاثة كعشرة "وقال" المقر "ظننتها ثلاثة" أو علمت أنها أكثر ونسيت عند الإقرار "صدق بيمينه" فلا يلزمه أكثر منها، وقوله كأصله وظننتها ثلاثة يوهم أنه لو قال وعلمتها أكثر من ثلاثة لا يقبل تفسيره بها (٢) وليس كذلك، قال الإسنوي بل يقبل تفسيره بأقل متمول كما صرح به في الروضة من زيادته أول المسألة قلت ذاك فيما إذا عبر بالمفرد، وهذا فيما إذا عبر بالجمع ثم قضية ما ذكر أنه لو لم يقل ظننتها ثلاثة ونحوه لزمه الجميع (٣)، وبه صرح القاضي في تعليقه قال ولو لم يكن معه شيء لزمه أقل متمول من الدراهم (٤).
"فرع: قوله: له علي كذا مثل: له علي شيء" فيقبل تفسيرها بما يقبل به تفسيره؛ لأنها أيضا مبهمة، وهي في الأصل مركبة من كاف التشبيه واسم الإشارة ثم نقلت فصارت يكنى بها عن العدد وغيره "و" قوله "كذا كذا بلا عطف تأكيد" فهو كقوله كذا "ومثله شيء شيء" بلا عطف نعم إن نوى الاستئناف فهو كما لو عطف، صرح به المتولي (٥) "فإن عطف" فقال له علي كذا، وكذا أو شيء وشيء "فشيئان" (٦) يلزمه التفسير بهما متفقين أو مختلفين بحيث
стр. 2545
يقبل كل منهما في تفسير كذا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة "ويجب" عليه "بقوله" له علي "كذا درهم بالرفع" على أنه عطف بيان أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف (١) "درهم" لكون الدرهم تفسيرا لما أبهمه بقوله كذا "وكذا" يلزمه درهم "لو نصب أو خفض أو سكن" الدرهم "أو كرر كذا بلا عاطف" في الأحوال الأربعة لذلك ولاحتمال التأكيد في الأخيرة المصرح بها من زيادته، وإن اقتضى النصب لزوم عشرين لكونه أول عدد مفرد ينصب الدرهم عقبه إذ لا نظر في تفسير المبهم إلى الإعراب بدليل الاتفاق على عدم لزوم مائة بقوله له علي كذا درهم بالخفض ولا يؤثر اللحن في الإقرار كما لا يؤثر في الطلاق ونحوه.
"ومتى كررها وعطف بالواو أو بثم ونصب الدرهم" كقوله له علي كذا وكذا درهما أو كذا ثم كذا درهما "تكرر" الدرهم بعدد كذا (٢) فيلزمه في كل من المثالين درهمان لأنه أقر بمبهمين وعقبهما بالدرهم منصوبا فالظاهر أنه تفسير لكل منهما بمقتضى العطف غير أنا نقدره في صناعة الإعراب تمييزا لأحدهما ويقدر مثله للآخر؛ ولأن التمييز وصف، وهو يعود إلى المتعاطفات قبله "لا إن خفضه أو رفعه" (٣) أو سكنه فلا يتكرر؛ لأنه لا يصلح تمييزا لما قبله، وإن صلح فهو محتمل
стр. 2546
لغيره، والمعنى في الرفع هما درهم والخفض محمول عليه والظاهر أن العطف بالفاء إذا أراد بها كالعطف بالواو وثم ولو قال كذا بل كذا ففيه وجهان حكاهما الماوردي أحدهما يلزمه شيء واحد، والثاني شيئان (١)؛ لأنه لا يسوغ رأيت زيدا بل زيدا إذا عنى الأول، وإنما يصح إذا عنى غيره وذكر ثم من زيادة المصنف وسبقه إليه البلقيني (٢).
"فصل" ولو "قال له" علي "خمسة عشر درهما فالكل دراهم" (٣)؛ لأنهما اسمان جعلا اسما واحدا فالدرهم تفسير له "أو" قال "له" علي "ألف ودرهم أو ألف وثوب فالألف مجمل" فله تفسيره بغير الدرهم أو الثوب من المال كألف فلس كما في عكسه، وهو درهم وألف أو ثوب وألف؛ ولأن العطف إنما وضع للزيادة ولم يوضع للتفسير نعم لو قال ألف ودرهم فضة فينبغي أن تكون الألف أيضا فضة (٤) للعادة كما نقله القاضي وأقره.
"ولو قال" له علي "خمسة وعشرون درهما أو ألف ومائة وخمسة وعشرون درهما" أو ألف وخمسة عشر درهما "أو ألف ونصف درهم فالكل دراهم"؛ لأنه جعل الدرهم تمييزا (٥) فالظاهر أنه تفسير لكل من المذكورات بمقتضى العطف والظاهر أنه لو رفع الدرهم أو نصبه في الأخيرة كان الحكم كذلك (٦)، ولا يضر فيه
стр. 2547
اللحن، وأنه لو رفعه أو نصبه فيها لكن مع تنوين نصف أو رفعه (١) أو خفضه في بقية الصور لزمه ما عدده العدد المذكور وقيمته درهم أخذا مما يأتي في ألف درهم منونين مرفوعين "أو" قال له علي "نصف ودرهم فالنصف مجمل" (٢) كالألف في له علي ألف ودرهم "أو" قال له علي "ألف وأربعة دنانير أو" ألف و "ثلاثة أثواب فالكل دنانير" في الأولى "أو ثياب" في الثانية "أو" قال له علي "ألف، وقفير حنطة فالألف مجمل" بخلافه في له علي ألف وثلاثة دراهم قال في الأصل؛ لأن الدراهم تصلح تفسيرا للكل والحنطة لا تصلح تفسيرا للألف؛ لأنه لا يحسن أن يقال ألف حنطة "أو" قال له علي "ألف درهم" حالة كونهما "منونين مرفوعين وجب ما عدده ألف وقيمته درهم" والظاهر أنه لو نصبهما أو خفضهما منونين أو رفع الألف منونا ونصب الدرهم أو خفضه أو سكنه أو نصب الألف منونا رفع الدرهم أو خفضه أو سكنه كان الحكم كذلك (٣)، وأنه لو رفع الألف أو نصبه أو خفضه ولم ينونه ونصب الدرهم أو رفعه أو خفضه أو سكنه لزمه ألف درهم ولو سكن الألف، وأتى في الدرهم بالأحوال المذكورة احتمل الأمرين، وهو إلى الأول أقرب.
стр. 2548
"فصل: المعتبر" في الدراهم المقر بها "دراهم الإسلام" (١)، وإن كانت دراهم البلد أكثر منها وزنا ما لم يفسرها المقر بما يقبل تفسيره كما سيأتي وتقدم بيان مقدار الدرهم والدينار في باب زكاة الذهب والفضة "فإن فسرها" أي الدراهم التي أقر بها "بفلوس لم يقبل" وينبغي كما قال بعضهم قبول التفسير بها (٢)، وإن فصله عن الإقرار إذا غلب التعامل بها ببلد بحيث هجر التعامل بالفضة، وإنما تؤخذ عوضا عن الفلوس كالديار المصرية في هذا الزمان "أو بناقصة عنها" أي عن الدراهم الإسلامية كدرهم شامي "أو مغشوشة ودراهم البلد" أي بلد الإقرار "كذلك" أي ناقصة أو مغشوشة "قبل متصلا"؛ لأن اللفظ والعرف يصرفانه إليه "وكذا منفصلا" حملا على المعهود كما في المعاملات فلو لم يفسرها وتعذرت مراجعته قال الأذرعي فالصواب، وهو المنقول المنصوص عليه أنه يلزمه ذلك من دراهم البلد كما في المعاملات؛ ولأنه المتيقن ولم أر من صرح بخلافه ولا يغتر بما زعمه الإسنوي أي في المهمات من نقل من يخالفه (٣). انتهى.
وقضية التوجيه الأول أنه لو كانت دراهم البلد أكثر من دراهم الإسلام كان الحكم كذلك (٤)، وقضية الثاني خلافه "أو" فسرها بما ذكر ودراهم البلد "تامة أو نقرة قبل متصلا لا منفصلا" كالاستثناء فيهما؛ ولأن لفظ الدرهم صريح فيه وضعا وعرفا فلا يقبل منفصلا إلا أن يصدقه المقر له "أو فسره" أي ما أقر به من الدراهم وكان الأولى أن يقول أو فسرها "من الفضة بجنس رديء أو" بدراهم "سكتها غير جارية في" ذلك "البلد قبل تفسيره" كما لو قال له علي ثوب ثم فسره بجنس رديء أو بما لا يعتاد أهل البلد لبسه ويخالف تفسيره بالناقص لرفع بعض ما أقر به فيه بخلافه هنا ويخالف البيع حيث يحمل على سكة البلد؛ لأن البيع إنشاء
стр. 2549
معاملة، والغالب أنها في كل بلد تقع بما يروج فيها، والإقرار إخبار عن حق سابق يحتمل ثبوته بمعاملة في غير ذلك البلد فيرجع إلى إرادته. "وقوله" له علي "دريهم" بالتصغير "أو درهم صغير أو كبير كدرهم" عار على ذلك "والجمع" الموصوف بتصغير أو غيره كقوله دريهمات أو دراهم صغار أو كبار "كالجمع" العاري عن ذلك فيأتي في تفسيره بالنقص وغيره التفصيل السابق وليس التقييد بالصغر كالتقييد بالنقصان؛ لأن لفظ الدرهم صريح في الوازن والوصف بالصغر يجوز أن يكون في الشكل، وأن يكون بالإضافة إلى غيره وقس بذلك الوصف بغير الصغر.
"فرع: يجب بقوله" له علي (١) "دراهم كثيرة أو قليلة ثلاثة" كما لو قال له علي دراهم "ولا يشترط تساويها في الوزن" (٢) بل يكفي أن تكون الجملة زنة ثلاثة دراهم "و" يجب "بقوله" له علي "أقل عدد الدراهم درهمان"؛ لأن العدد هو المعدود، وكل معدود متعدد فيخرج عنه الواحد قاله الرافعي "و" يجب "بقوله" له علي "مائة درهم عدد (٣) أن تكون وازنة بوزن الإسلام صحاحا" فلا يقبل مائة بالعدد ناقصة الوزن "إلا أن يكون نقد البلد" عددا "ناقصا فيقبل منه" حملا على المعهود "و" يجب في إقراره "بمائة عدد من الدراهم العدد فقط" أي دون الوزن؛ لأنه لم يقل مائة درهم قال الإسنوي، وقد تقدم أن أقل العدد اثنان (٤)، فالقياس لزوم مائتي درهم ناقصة إن كان عدد مجرورا بالإضافة كما هو
стр. 2550
المتبادر إلى الفهم وكذا إن كان منصوبا؛ لأنه تفسير للمائة، وإن كان مرفوعا فالقياس أن المائة مبهمة ويلزمه تفسيرها بما لا تنقص قيمته عن درهمين عددا لا وزنا كنظيره فيما مر في قوله علي ألف درهم برفعهما وتنوينهما، وإن كان ساكنا لزمه الأقل؛ لأنه المتيقن ورد عليه بعضهم ذلك بشيء بناه على ما توهمه من كلامه من أن عددا جمع، وتمييز المائة لا يقع جمعا وما توهمه فاسد إذ ليس في كلامه ما يقتضي أنه جمع ولا يلزم من دلالته على أكثر من واحد أن يكون جمعا بل هو مفرد فيصح كونه تمييزا للمائة كزوج وشفع.
"فرع: قوله" له علي "من درهم إلى عشرة (١) لزمه" به "تسعة" إخراجا للطرف الأخير، وإدخالا للأول (٢)؛ لأنه مبدأ الالتزام "و" قوله له عندي أو بعتك "من الجدار إلى الجدار" يلزمه به "ما بينهما" إخراجا للطرفين "والفرق" بين هذه وتلك "أن المقر به" (٣) هنا "الساحة وليس الجدار منها بخلاف
стр. 2551
الدراهم" (١) هذا من زيادته، وذكر الجدار مثال فالشجرة كذلك بل لو قال من هذا الدرهم إلى هذا الدرهم (٢) فكذلك فيما يظهر؛ لأن القصد التحديد لا التعديد "و" قوله له علي "ما بين درهم وعشرة أو" ما بين درهم "إلى عشرة" يلزمه به "ثمانية"؛ لأن ما بينهما لا يشملهما "و" قوله له علي "درهم في عشرة" يلزمه به "لمريد الحساب" إذا فهم معناه "عشرة"؛ لأنها موجبة بخلاف ما إذا لم يفهم معناه، وإن أراد معناه عند أهله إذ لا تصح إرادته ما لا يفهمه فلا يلزمه إلا درهم "و" يلزم به "لمريد" معنى "مع" بأن قال أردت مع عشرة دراهم له "أحد عشر" (٣)؛ لأن ذلك هو الحاصل بضمهما ووردت في بمعنى مع كما في قوله تعالى:
стр. 2552
﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي معهم وبما فسرت به المعية (١) اندفع ما قيل إنه ينبغي أن يلزمه درهم ويرجع في تفسير العشرة إليه كنظيره في ألف ودرهم "و" يلزم به "لمريد الظرفية أو المطلق" بكسر اللام بأن لم يرد شيئا مما ذكر "درهم" أخذا باليقين.
"فصل: الظرف والمظروف لا يتبع أحدهما الآخر" (٢) في الإقرار؛ لأنه لم يقر به والإقرار يعتمد اليقين كما مر "فيجب بقوله" له عندي "سيف في غمد وزيت في جرة" ونحوهما "المظروف لا الظرف وبعكسه عكسه" فيجب بقوله له عندي غمد فيه سيف وجرة فيها زيت ونحوهما الظرف لا المظروف "وكذا" الحكم في له عندي "فرس عليه سرج وعبد عليه عمامة وخاتم فيه" أو عليه "فص وجارية في بطنها حمل وفرس في حافرها نعل وقمقمة عليها عروة وعكسه" أي كل من المذكورات كقوله له عندي سرج على فرس وعمامة على عبد وفص في خاتم (٣)، وحمل في بطن جارية ونعل في حافر فرس وعروة على قمقمة فتجب في الصورة الأولى الفرس والعبد والخاتم والجارية والقمقمة لا السرج والعمامة والفص والحمل والنعل والعروة وفي صور عكسها عكس ذلك. "أو" قال "له عندي جارية" فكانت حاملا "أو" له عندي "خاتم" فكان فيه فص "دخل الفص" في الثانية؛ لأن الخاتم يتناوله فلو قال لم أرد الفص لم يقبل منه؛ لأنه رجوع عن بعض ما أقر به، وإنما لم يتناوله في خاتم فيه فص لقرينة الوصف الموقع في الشك "لا الحمل" في الأولى؛ لأن الجارية لا تتناوله بخلاف البيع؛ لأن الإقرار إخبار عن حق سابق كما مر وربما كانت الجارية له دون الحمل بأن كان موصى به، ولهذا لو قال هذه الدابة لفلان إلا حملها صح ولو قال بعتكها إلا حملها لم يصح والشجرة كالجارية والثمرة كالحمل فيما ذكر قال في الأنوار قال القفال وغيره: والضابط أن ما يدخل تحت مطلق البيع
стр. 2553
يدخل تحت الإقرار وما لا فلا إلا الثمرة غير المؤبرة والحمل والجدار أي فإنها تدخل في البيع ولا تدخل في الإقرار لبنائه على اليقين وبناء البيع على العرف.
"فإن قال" له عندي "فرس بسرجة أو عبد بعمامته لزم" المقر "الجميع، وكذا" يلزمه الجميع بقوله له عندي "ثوب مطرز"؛ لأن الباء بمعنى مع كما مر والطراز جزء من المطرز، وإن ركب عليه بعد نسجه قال ابن الرفعة ويظهر (١) أن قوله عليه طراز كقوله مطرز. انتهى. ويحتمل أنه كخاتم عليه فص (٢)، وقد يفرق بينهما "لا فرس مسرج" أو دار مفروشة فلا يلزمه إلا الفرس والدار؛ لأنه لم يقر بالسرج والفراش وليستا شبيهتين بما قبلهما "وبقوله له علي ألف في هذا الكيس يلزمه ألف، وإن لم يكن فيه شيء" لاقتضاء علي اللزوم ولا نظر إلى ما عقبه به "ويتممه" وجوبا "لو نقص" ما فيه عن الألف كما أنه لو لم يكن فيه شيء لزمه الألف. "أو" قال له علي "الألف الذي في الكيس فلا تتميم" لو نقص؛ لأنه لم يلتزم إلا ما في الكيس لجمعه بين التعريف والإضافة إلى الكيس، وهذه العلة قد تقتضي أن الحكم كذلك لو قال له علي الألف في الكيس بترك الذي، وهو محتمل لكن الأوجه خلافه (٣) كقوله له علي ألف في الكيس، وإن افترقا بالتعريف والتنكير "ولا غرم لو لم يكن" فيه شيء؛ لأنه لم يعترف بشيء في ذمته (٤) أي على الإطلاق وفرق أيضا بين المنكر والمعرف بأن الإخبار عن المنكر الموصوف في قوة خبرين فأمكن قبول أحدهما، وإلغاء الآخر، والإخبار عن المعرف الموصوف يعتمد الصفة فإذا كانت مستحيلة بطل الخبر كله، قال السبكي والظاهر أنه لا فرق (٥) في حالتي التعريف والتنكير بين أن تكون الصيغة علي كما فرضه الإمام والرافعي، وأن تكون عندي كما فرضه الغزالي؛ لأن عندي، وإن حملت على الوديعة لكن لا بد من تحققها حين الإقرار نعم يفترق الحال في
стр. 2554
أن في علي إذا ألزمناه الإتمام أو الجمع كان إلزام ضمان وفي عندي يكون أمانة ويظهر أثر ذلك فيما لو تلف الموجود بعد ذلك بغير تفريط وعلى كلا التقديرين يتعلق حق المقر له بعينه حتى لو حجر على المقر لم يزاحمه الغرماء فيه انتهى قال الزركشي ويظهر أنه لو قال (١) عندي ألف في هذا الكيس بالتنكير ولم يوجد فيه شيء لم يلزمه شيء بخلاف ما إذا قال علي؛ لأنها التزام للدينية.
"فصل: قال لفلان ألف في هذا العبد أو منه أو من ثمنه" أو فيه فهو لفظ مجمل فيسأل ويعمل بتفسيره كما بينه بقوله "وفسره بجناية" صدرت "منه" على فلان أو على ماله أرشها ألف "قبل" وتعلق الأرش برقبته "أو" فسره بقوله "وصي له من ثمنه بألف قبل وبيع لأجله وتعين ثمنه" للصرف له فليس للمقر إمساكه ودفع الألف من ماله امتثالا لشرط الموصي قال السبكي كذا أطلقوه، وقال ابن الصباغ إن رضي المقر له جاز (٢).
والذي قاله متعين، وإنما لم يجز عند عدم الرضا هنا وجاز في العبد الجاني مع اشتراكهما في التعلق بالعين؛ لأن حق الموصى له يثبت مع حق الوارث يعني في وقت واحد، وهو وقت الموت وحق المجني عليه متأخر عن حق السيد فكان أضعف والفاضل عن الألف من ثمن العبد للمقر، ولو لم يبلغ ثمنه ألفا لم يلزمه تتميمه "أو" فسره بقوله "أقرضني في ثمنه ألفا قبل، وكذا إن قال هو رهن عنده به" (٣) قبل ولزمه الألف؛ لأن الدين، وإن كان في الذمة فله تعلق ظاهر بالمرهون فصار كالتفسير بأرش الجناية "وإن قال وزنها" أي الألف "في ثمنه (٤) ولم آذن فالعبد" كله "للمقر له أو" قال "وزنت مثله" أي ألفا "لكن له
стр. 2555
العشر" (١) مثلا في العبد بأن قال وزن في ثمن عشره ألفا ووزنت أنا ألفا في تسعة أعشاره "قبل، وإن قال اشتريناه دفعتين" لاحتماله فيكون له تسعة أعشاره وللمقر له عشره ولا نظر إلى قيمته وكان الأولى بالغاية دفعه وفي نسخة إن بدون الواو، وهي الموافقة للأصل لكن الأولى أكثر فائدة "وإلا" بأن قال وزنت مثله فقط "كان" العبد "بينهما" نصفين فإن قال وزنت مثليه أو نصفه مثلا كان الاشتراك بحسابه فله في الأولى ثلثاه وللمقر له ثلثه، وفي الثانية بالعكس "وإن قال أعطاني ألفا" لأشتري له العبد "و" قد "اشتريته له فإن صدقه فالعبد له، وإن كذبه بطل" إقراره "في العبد، ولزمه الألف" التي أقر بها هذا كله إذا لم يقل علي.
"فإن قال" له "علي ألف على هذا العبد" أو منه أو من ثمنه أو فيه "فألف" تلزمه "بكل حال" حتى تلزمه، وإن لم يبلغ ثمن العبد أو قيمته ألفا. قال السبكي لكن التفسير بالجناية أو الوصية أو الشراء لا يجيء هنا، وهو ظاهر لإتيانه بعلي ولو قال له علي ألف في عبدي قال السبكي فهو كما لو قال في هذا العبد قاله الشيخ أبو حامد لكن لا يتصور معه التفسير بالمشاركة أو بالشراء للمقر له.
"فرع: قوله" له علي "درهم في دينار كألف" أي كقوله له علي ألف "في" هذا "العبد" فيأتي فيه ما مر "إلا أن يريدهما معا" فيلزمانه "فإن لم ينو شيئا فدرهم" فقط يلزمه وظاهر أن هذين الحكمين يأتيان (٢) في له علي ألف في هذا العبد أيضا.
стр. 2556
"فصل" لو "قال له في ميراث أبي ألف أو" له "في هذه الدار نصفها فإقرار" في الأولى "على الأب" (١) بألف في الميراث "و" في الثانية "بنصف الدار" واستشكلت الأولى بأن قياس ما فسر به في له في هذا العبد ألف أن يفسر به فيها.
وأجيب بأن قوله له في ميراث أبي ألف إقرار بتعلق الألف بعموم الميراث فلا يقبل منه دعوى الخصوص بتفسيره بشيء مما ذكر؛ لأن العبد المفسر بجنايته أو رهنه مثلا لو تلف ضاع حق المقر له في الأول وانقطع حق تعلقه بعين من التركة في الثاني فيصير كالرجوع عن الإقرار بما يرفع كله أو بعضه. وقضيته أنه لو فسر هنا بما يعم الميراث، وأمكن قبل، وأنه لو قال (٢): ثم وله عبيد له في هذه العبيد ألف وفسر بجناية أحدهم لم يقبل وخرج أحدهم لم يقبل وخرج بالألف الجزء الشائع كقوله له في ميراث أبي نصفه أو ثلثه فلا يكون دينا على الأب، وإلا لتعلق بجميع التركة ذكره الإسنوي (٣) ثم قال والظاهر صحة الإقرار به لاحتمال أنه أوصى له بذلك الجزء وقبله، وأجازه الوارث إن كان زائدا على الثلث وما قاله أوجه من قول السبكي إنه ينبغي أن يكون قوله في ميراث أبي نصفه كقوله له في ميراثي نصفه، وأن يكون قوله له فيه ثلثه إقرارا له بالوصية بالثلث "أو" قال له "في ميراثي من أبي" ألف "أو" في "داري" نصفها "أو" في "مالي" ألف فهو "وعد" لهبة "لا يلزم" فليس بإقرار إذا لم يرده؛ لأنه إذا أضاف الكل إلى نفسه لم ينتظم منه الإقرار ببعضه كما لا ينتظم منه الإقرار بكله في قوله داري لفلان وفارقت المسألة الأولى ما مر في ميراث أبي بأنه في تلك أثبت حق المقر له في الميراث، وهو لا يحتمل التبرع إذ لا تبرع بعد الموت وفي هذه أضاف الميراث لنفسه ثم جعل للمقر له منه شيئا فاحتمل كونه تبرعا، واستشكل القاضي الفرق (٤) بأن الدين لا يمنع الإرث فإضافته إلى نفسه لا تمنع كونه إقرارا على أبيه،
стр. 2557
وأجاب بأن ذلك مبني على العرف فإنهم لا يضيفون إلى أنفسهم (١) الميراث إلا في المستقر. "فإن كان" ما ذكر في الصور المذكورة "بصيغة ملزمة كقوله له علي في ميراثي" ألف "أو له في مالي ألف بحق لزمني أو" بحق "ثابت" أو له في داري نصفها بحق لزمني أو ثابت "لزمه" ما أقر به "سواء بلغ الميراث" أو المال "ألفا أو نقص عنه لاعترافه بلزومه" له وبما قررته علم أن قوله بحق لزمني أو ثابت قيد في الثانية فقط.
"فرع" في التأكيد والعطف ونحوهما "التكرار بلا عاطف تأكيد فيلزمه بقوله" له علي "درهم درهم، وإن زاد التكرير (٢) درهم وبقوله" له علي "درهم ودرهم ودرهم ثلاثة" لاقتضاء العطف التغاير "فإن أكد الثاني بالثالث فدرهمان" يلزمانه عملا بنيته "لا إن قال أردت" بالثاني أو بالثالث "تأكيد الأول" فلا يقبل منه لعدم اتفاق اللفظين فيهما وتخلل الفصل بينهما في الثانية، وهاتان داخلتان كحالة الإطلاق وحالة إرادة الاستئناف في أول كلامه فلا حاجة لإفرادهما بالذكر "والعطف بثم كالواو" فيما ذكر لكن لو قال له علي درهم ودرهم ثم درهم لزمه ثلاثة
стр. 2558
بكل حال، كما ذكره الأصل لاختلاف حرف العطف "ومتى قال" له علي "درهم مع" درهم "أو فوق" درهم أو تحت درهم لي أو معه "درهم" أو فوقه درهم أو تحته درهم "وجب" عليه "درهم" فقط؛ لأنه ربما يريد مع أو فوق أو تحت درهم لي أو معه أو فوقه أو تحته درهم لي أو يريد فوقه في الجودة وتحته في الرداءة ومعه في أحدهما بخلاف نظيره في الطلاق لما يأتي "أو قال" له علي "درهم قبل أو قبله أو بعد أو بعده درهم فدرهمان" يلزمانه لاقتضاء القبلية والبعدية المغايرة وتعذر التأكيد وفرقوا بين الفوقية والتحتية وبين القبلية والبعدية بأنهما يرجعان إلى المكان فيتصف بهما نفس الدرهم والقبلية والبعدية ترجعان إلى الزمان ولا يتصف بهما نفس الدرهم فلا بد من أمر يرجع إليه التقدم والتأخر وليس إلا الوجوب عليه، واعترضه الرافعي بأنهما ترجعان إلى الرتبة وغيرها أيضا ولو سلم فلا يلزم رجوعهما إلى الوجوب فقد يريد درهما مضروبا قبل درهم ونحوه ولو سلم فقد يريد لزيد درهم قبل وجوب درهم لغيره، وأجيب بأن قبل وبعد صريحان أو ظاهران في الزمان فالحمل على غيره من المرتبة وغيرها بعيد، والحمل على غير الواجب مناف (١) لعلي الموضوعة للالتزام واحتمال إرادة قبل وجوب درهم لغيره مناف لظاهر قوله له وليس كل احتمال مقبولا (٢).
"ومتى قال" له "علي" أو عندي "درهم فدرهم أو درهم فقفير حنطة وجب" عليه "درهم" فقط "إن لم يرد" بالفاء "العطف"؛ لأنها تأتي لغيره فيؤخذ باليقين بخلاف أنت طالق حيث يقع طلقتان وفرقوا بأنه قد يريد فدرهم لازم لي أو أجود منه، ومثله لا ينقدح في الطلاق وبأن الإنشاء أقوى، وأسرع نفوذا ولهذا يتعدد بالتلفظ به في يومين بخلاف الإقرار، واعترض الرافعي الفرق الأول بأنه قد يريد فطالق مهجورة أو لا تراجع أو خير منك أو نحوه وأجيب بأن ذلك صرف للصريح عن مقتضاه أما إذا أراد بالفاء العطف فيلزمه في الأولى درهمان وفي الثانية درهم، وقفير حنطة كما في العطف بالواو "وفي" قوله "بعتك بدرهم فدرهم الثمن درهمان؛ لأنه إنشاء" ومنعه البلقيني بأن الطلاق
стр. 2559
إنشاء يمكن أن يعقب بعضه بعضا بخلاف البيع إذ الشيء إذا بيع بدرهم امتنع بيعه بدرهم آخر (١). قال: ومقتضاه أنه لو قال بعتك بدرهم ثم بدرهم لم يصح (٢) ونحن نلتزمه بخلاف درهم ودرهم لدلالة الواو على الجمع بلا ترتيب.
"وإن قال" له علي "درهم بل درهم أو لا بل" أو لكن "درهم فدرهم" يلزمه؛ لأنه ربما قصد الاستدراك فيذكر أنه لا حاجة إليه فيعيد الأول أو له علي درهم بل درهمان "أو لا بل" أو لكن "درهمان فدرهمان" يلزمانه لتعذر نفي ما قبل بل أو لكن لاشتمال ما بعدها عليه. وإنما المقصود نفي الاقتصار على ما قبلها، وإثبات الزيادة عليه كذا علله الرافعي واستشكله بأنت طالق طلقة بل طلقتين حيث تقع الثلاث، وأجيب بأن الطلاق إنشاء فإذا أنشأ طلقة ثم أضرب عنها إلى إنشاء طلقتين لا يمكن إنشاء إعادة الأولى مع الثانية؛ لأن تحصيل الحاصل محال، والإقرار إخبار فإذا أخبر بالبعض ثم أضرب عن الإخبار به إلى إخبار بالكل جاز دخول البعض في الكل هذا إذا لم يعين الدرهمين ولم يختلف الجنس "فإن عينهما أو اختلف الجنس مثل" قوله "له عندي هذا" الدرهم "بل هذان" الدرهمان "أو درهم بل دينار فالكل" يلزمه لعدم دخول ما قبل بل فيما بعدها ولا يقبل رجوعه عنه وكاختلاف الجنس اختلاف النوع والصفة "أو" قال له عندي "عشرة بل تسعة فعشرة" تلزمه؛ لأن الرجوع عن الأكثر لا يقبل ويدخل فيه الأقل "أو" له عندي "درهمان بل درهم" أو لا بل درهم "فدرهمان" تلزمانه "أو" قال "درهم ودرهمان أو" قال "قفيز، وقفيزان" أو دينار بل ديناران بل ثلاثة "فثلاثة" من الدراهم والأقفزة والدنانير تلزمه ولو قال دينار بل ديناران بل قفيز بل قفيزان لزمه ديناران، وقفيزان ولو قال دينار وديناران بل قفيز، وقفيزان لزمه ثلاثة دنانير وثلاثة أقفزة كما علم من كلامه وصرح به أصله.
"فصل: لا يتعدد" المقر به "بالتكرار" للإقرار؛ لأنه إخبار وتعدده لا يقتضي تعدد المخبر عنه إلا إذا عرض ما يمنع منه "فالإقرار أمس بألف واليوم
стр. 2560
بألف يوجب ألفا" فقط (١) "وإن كتب بكل" منهما "صكا"، وأشهد عليه "فإن عزا" أي نسب "كلا منهما" أي من الإقرارين "لا أحدهما إلى سبب" كألف من ثمن عبد، وألف من ثمن جارية "أو وصف" كألف صحاح، وألف مكسرة أو ألف حالة، وألف مؤجلة "تعدد" المقر به لتعذر الجمع بخلاف ما إذا عزا أحدهما إلى ذلك لإمكان حمل المطلق على المقيد (٢) "وإن أقر أمس بخمسمائة وغدا" وفي نسخة وغده "بألف دخل الأقل في الأكثر"؛ لأن من عليه ألف يصح أن يخبر بأن عليه خمسمائة، ومن اقترض خمسمائة ثم اقترض مثلها يصح إخباره بالألف بعد إخباره بالخمسمائة.
"فإن قال طلقت" زوجتي "أمس وطلقت" ها "اليوم أو قبضت منك اليوم" ألفا "وقبضت" منك "أمس" ألفا "تعدد" لما مر "وإن شهد واحد (٣) أنه أقر بألف" أو بغصبه "أمس وآخر أنه أقر به" أو بغصبه "اليوم لفقت شهادتهما" وأثبت الألف والغصب؛ لأن الإقرار لا يوجب حقا بنفسه، وإنما هو إخبار عن ثابت فينظر إلى المخبر عنه، وإلى اتفاقهما على الإخبار عنه "لا إن اختلف الوصف أو السبب" فيها لتعذر الجمع (٤)، لكن للمدعي أن يعين أحدهما ويستأنف الدعوى به ويحلف مع الشاهد به وله أن يدعيهما ويحلف مع كل من الشاهدين، صرح بذلك الأصل "ولا تلفق" شهادتهما "في الإنشاء كالبيع (٥)